← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

في "المدونة"، وبه قال أشهب. والثاني: إنه يكلف أن يشتري الأوسط فيؤديه عن الذي عنده [وهو ظاهر قول مالك في الموطأ ورواه ابن نافع عنه نصًا وبه قال عبد الملك بن الماجشون وهو ظاهر المدونة في المواشى إذا كانت كلها شرارًا. فإن كان التمر جيدًا فإن علاوة الثمر هل يؤدى منها أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن يؤدي مما عنده وهو قول ابن القاسم في المدونة. والثاني: أن له أن يأتي مكانه بالأوسط ولا يؤدي مما عنده [وهو ظاهر قول مالك في الموطأ] (١). وهو اختيار سحنون وهي رواية ابن نافع عن مالك: وسبب الخلاف: الثمار والحبوب هل قياسها على الماشية، أو قياسها على العين أقرب؟ فمن قاسها على العين قال: يؤخذ منها على ما هي عليه من علاوة أو دناوة. ومن قاسها على الماشية [قال] (٢): يكلف الإتيان بالوسط في الطرفين. فإن كان الحب أنواعًا والثمر أنواعًا، هل يؤخذ من كل نوع بقدره أم لا؟ أما الحبوب: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب نصًا أنه يؤخذ من كل نوع ما يصيبه من حصته من الزكاة إذا كان مما يجمع في الزكاة؛ مثل: القمح، والشعير، والسلت بالاتفاق، والقطاني على الخلاف، ولا يبعد دخول الخلاف فيها [بالمعنى] (٣).

стр. 947

وأما الثمار والنخيل والأعناب إذا كانت أنواعًا فقد اختلف فيها في المذهب على قولين: أحدهما: أن الزكاة تؤخذ من وسطها، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة". والثاني: أن يؤخذ من كل صنف بقدره، وهي رواية أشهب عن مالك في "كتاب ابن المواز" (١). ووجه قول ابن القاسم: اعتبار المشقة اللاحقة في اعتبار إخراج الزكاة من كل جزء منها، وتعذر حساب ذلك وتمييزه، فكان [العدل] (٢) الرجوع إلى وسط ذلك. ووجه رواية أشهب: أن هذا مال تخرج زكاته بالجزء منه ولا مضرة في قسمته فوجب أن تخرج زكاة كل نوع منه كما لو كان جزءًا واحدًا. وهذا إذا كانت الأنواع متساوية [وأما إذا كانت مختلفة] (٣)، وكان الواحد أكثر من الثاني فهل تؤخذ من الأكثر أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنها تؤخذ من الأكثر، ولا يلتفت إلى الأقل، وهو قول عيسى ابن دينار على ما نقله عنه أبو الوليد الباجي. والثاني: أنه يؤخذ من كل صنف بقدره من الكثير ومن القليل بقدره، وهو قول أشهب في كتاب محمد وفي "المجموعة".

стр. 948

وسبب الخلاف: هل الأقل تبع للأكثر أم لا؟ واختلف المذهب في الخارص هل يخفف عن أصحاب الثمار في الخرص لمكان ما يعرون ويأكلون أم لا؟ على قولين حكاهما أبو محمد عبد الوهاب عن مالك: أحدهما: أنه لا يخفف عنه، ولا يترك لهم لمكان الفساد والأكل شيئًا، وهو قوله في "المدونة". والثاني: أنه يترك لهم لمكان العرايا والأكل والفساد شيئًا، وهو اختيار ابن حبيب. واحتج بأن النبي ﷺ كان يأمر [بالتخفيف] (١) بالراقطة والساقطة واللاقطة وما ينال العيال وما يأكله المارة وعوافي الطيور، والحديث ليس بثابت. وسبب الخلاف: الزكاة هل تجب بالطيب، أو لا تجب إلا باليبس [والجذاذ] (٢)؟ فمن رأى أنها تجب [بالطيب] قال: لا يترك لهم شيء لثبوت حق المساكين في ذلك المال [على العموم] (٣) وتعلقه به تعلقًا يوجب ألا يستثنى رب [الحائط] (٤) لنفسه شيئًا يستبد به على الخصوص. ومن رأى أنها لا تجب إلا باليبس [والجذاذ] (٥) قال بجواز التخفيف

стр. 949

والترك لهم بقدر ما يرتفقون للأكل والعرية؛ لأن الزكاة لم تجب عليهم بعد ولا ثبت عندهم للمساكين حق في الحال، وإنما قدم الخرص توسعة على أهل الثمار، على ما سنوضحه في الفصل الخامس إن شاء الله. واختلف في الخارص إذا أخطأ في الخرص، أو كانوا جماعة فاختلفوا في الخرص؛ مثل أن يخرص أحدهم مائة وسق وخرص غيره أقل أو أكثر. وأما الخارص إذا خرص ثم تبين أنه أخطأ في الزيادة أو النقصان؛ مثل أن يخرص أربعة أوسق فوجد فيها ربها أكثر هل يزكى على ما خرص عليه، أو على ما وجد؟ فقد قال مالك في "المدونة" (١): "إذا خرص عليه الخارص أربعة أوسق ثم رفع منها خمسة أوسق فقال: أحب إليَّ أن يخرج الزكاة لقلة إصابة الخراصين اليوم". وقال في "كتاب محمد" (٢): إذا كان الخارص من أهل البصيرة والأمانة فليس عليه إلا ما خرص، وقال أيضًا: إن خرصه عالم فوجد أقل أو أكثر فلا شيء عليه في الزيادة، وإن خرصه غير عالم فليترك الزيادة، وهي رواية علي وابن نافع عنه في "المبسوط" ونحوه في "المجموعة". وقال ابن نافع في رواية: يؤدي زكاة الزيادة؛ خرصه عالم أو جاهل. وقال أشهب في "كتاب سحنون" (٣): إن خرص عليه أربعة أوسق فأصاب خمسة، فإن كان في زمان العدل عمل على ما خرص عليه. زاد أو نقص -فإن كان في زمان الجور فليخرج [على] (٤) ما وجد- زاد أو

стр. 950

نقص. وهذا غاية ما نقل [في] المسألة من الأقوال. وقد اختلف المتأولون في تأويل ما وقع لمالك في المدونة في قوله: "أحب أن يزكى لقلة إصابة الخراص اليوم"؛ فمنهم من حمل لفظة الاستحباب هاهنا على الوجوب و [أنه] (١) ليس على بابه، وليس ذلك ببدع في الاستعمال. وقد وقع لفظ الاستحباب بمعنى الوجوب في المدونة في مواضع معدودة، وعدوا منها هذا الموضع. ومنهم من حمل الكلام على ظاهره، وقال: إن لفظ الاستحباب هنا على بابه، وجعل أن ذلك ظاهر المدونة بقوله: (أحب إليَّ) وبتعليله بقلة إصابة الخراص اليوم، فلو كان على الوجوب لم يلتفت إلى الخراص -أصابوا أو أخطأوا- وهذا تأويل القاضي [عياض] (٢). فعلى [القول] (٣) بالتأويل الأول يتحصل في جملة المسألة أربعة أقوال إلا أن ذلك يرجع إلى ما فسره مالك في كتاب محمد. وعلى تأويل القاضي يتحصل منه خمسة أقوال (٤): أحدها: أنه يعمل على ما وجد وعليه يزكى خرصه عالم أو جاهل، وهو رأى ابن نافع. والثاني: التفصيل بين أن [يزكيه] (٥) عالم أو جاهل؛ فإن [زكاه] (٦)

стр. 951

عالم فلا شيء عليه في الزيادة ويعمل على ما خرص، وإن خرصه جاهل: عمل على ما وجد، وهي رواية ابن نافع [عن مالك وهو قول مالك في كتاب محمد] (١). والثالث: التفصيل بين من له الخبرة والأمانة [وغيره. فإن خرصه من له الخبرة والأمانة عمل على ما خرصه وإن خرصه غيره] (٢) عمل على ما وجد، وهو قول مالك في كتاب محمد. والرابع: التفصيل بين زمان العدل وزمان الجور، وهو قول أشهب في كتاب ابن سحنون. والخامس: أن ذلك على معنى الاستحباب، وهو ظاهر "المدونة" على أحد التأويلين. هذا إذا حملنا الأقاويل على ظاهرها، وإن نظرت إلى التحقيق وسلكت طريق التطبيق تجد الأقوال كلها ترجع إلى ثلاثة أقوال: القول بالاستحباب [والقول بأنه يزكى على ما وجد عنده] (٣)، وهو ظاهر المدونة. والتفصيل بين زمان العدل وزمان الجور. والتفصيل بين العالم العدل وبين الجاهل. والقول بأنه يزكى على ما وجد جملة، والأقوال كلها ترجع إلى هذه الأقوال [الثلاثة] (٤). والقول الرابع بالاستحباب على القول بأن الاستحباب قول يرجع إلى أربعة أقوال.

стр. 952

وسبب الخلاف: حكم الحاكم هل يعذر به المحكوم له أم لا؟ فمن رأى [أنه] يعذر به قال: لا زكاة عليه في الزائد. ومن قال: لا يعذر به قال: يعمل على ما وجد عليه رب الثمر، وهذا هو الأصح في النظر، والبناء على هذا الأصل يجر إلى المذهب العراقي الذي يقول: إن حكم الحاكم يحلل المحكوم به للمحكوم له، وهو خلاف النص المشهور. والثابت من طريق الجمهور أن النبي ﷺ قال: "إنما أنا بشر مثلكم" الحديث. وأحد أقاويل المذهب في هذه المسألة عين مذهب الحنفي في أن حكم الحاكم يحلل الحرام، وإلا كيف تسقط الزكاة عمن رفع من تمر حائطه نصابًا لخمسة أوسق، وحق المساكين مستحق عليه وثابت عنده؟ ويعد خطأ الحاكم مما يسقط الحق الواجب عليهم ومتى عهد في الشريعة مثل هذا؟ والخارص إنما جعل حقًا لأرباب الأموال لئلا يحال بينهم وبين الانتفاع بأموالهم، وليس بأن يوجب أمرًا [غير] (١) ما كان قبل الخرص؛ ألا تراه لو ترك الخرص إذًا لكان ذلك مما يسقط الزكاة؟ وهذا ظاهر لمن أنصف، والحمد لله وحده. وأما إذا كانوا جماعة فاختلفوا فخرص أحدهم نصابًا، وخرص بعضهم دون النصاب: فالحكم في ذلك بما خرصه الأكثر؛ إما إسقاط الزكاة وإما إثباتها؛ لأن الصواب إلى الأكثر أقرب، والخطأ إلى الواحد أقرب. وإن تساوى العددان هل يحكم لمن أثبت أو لمن نفى؟ فالمذهب فيها

стр. 953

يتخرج على قولين. فإن خرص أحدهم مائة وسق وخرص الآخر فيه تسعين، وخرص الآخر ثمانين، قال مالك في "المجموعة" "وكتاب ابن سحنون" إنه يؤخذ من قول كل واحد منهم ثلثه، ولا [يبعث] (١) في ذلك إلا أهل المعرفة والأمانة. وأما ما لا يثمر ولا يتزبب من التمر والعنب فهل يخرص كما يخرص الذي يتمر أو يتزبب؟ فالمذهب فيها على قولين: أحدهما: أنه يخرص كما يخرص التمر الذي يثمر والعنب الذي يتزبب، ويقال كم ينقص على تقدير أن ينقص أو [يتصور]، وهو قوله في المدونة. والثاني: أنه يخرص على قدره من غير تقدير نقصان، فإن كان في حبه رطبًا خمسة أوسق وجب عليه فيه الزكاة، وهو قول عبد الملك [بن الماجشون] (٢) في "المبسوط". والخلاف في هذه المسألة [ينبني] علي الخلاف في زكاة هذا النوع من الثمار، هل تؤخذ من [حبه و] (٣) عينه أو [تؤخذ] (٤) من جنس ما [يتمر و] (٥) ما ييبس من التمر والزبيب؟ فمن رأى أنه يجوز له أن يؤدي الزكاة من حبه قال: يعتبر خمسة أوسق

стр. 954

في حبه رطبًا من غير تقدير. ومن رأى أنها تؤخذ من التمر اليابس، ويكف رب الحائط الإتيان بها قال: تخرص عليه على تقدير أنه يتمر أو يتزبب. والقولان قائمان من المدونة. وينبني الخلاف فيها على أصل آخر؛ وهو النادر الشاذ، هل يعطى له حكم نفسه أو يعطى له حكم غالب جنسه؟ فمن رأى أنه يعطى له حكم نفسه قال: يخرص حبًا ويخرج زكاته عنبًا. ومن رأى أنه يعطى له حكم غالب جنسه قال: يخرص عنبًا. [ثم] (١) يقال كم ينقص إذا يبس وتزبب؛ على تقدير إن تزبب أو يبس إن كان تمرًا. وهناك قول ثالث: أنه يخرج الزكاة من ثمنه إذا باعه وسواء باعه بنصاب من العين أو بدونه، وهو قول مالك في كتاب محمد. فيتحصل فيما لا يثمر ولا يتزبب ثلاثة أقوال: أحدها: أن الزكاة تؤخذ من حبه. والثاني: أنها تؤخذ من غالب الجنس، وهو التمر والزبيب -أكله أو باعه. والثالث: أنه إن باعه أخرج الزكاة من ثمنه [وإن أكله أخرج الزكاة من حبه] (٢). وأما ما يتزبب ويتمر من النخيل والأعناب والزيتون الذي له زيت إذا باعه صاحبه قبل عصره وتزبيبه وإتماره فهل يخرج الزكاة من [زيت و] (٣)

стр. 955

تمر وزبيب، أو إنما يخرجها من الحب؟ فإنه يتخرج في المذهب قولان: [أحدهما: أنه يخرج ما وجب عليه من زيت أو تمر أو زبيب وهو نص المدونة] (١). والثاني: إنه [يجوز له أن] (٢) يخرج ما وجب عليه من الزكاة من الحب، وهو قول مالك في المدونة في مسألة الجلجلان إذا كان قوم لا يعصرونه ذلك شأنهم إنما يبيعونه للذين يزيتونه للادهان [فقال:] (٣) أرجو إن أخذ من حبه أو يكون خفيفًا. وقد اختلف المتأخرون فيما وقع في المدونة في هذه المسألة. هل ذلك اختلاف أحوال، أو ذلك اختلاف أقوال؟ فمنهم من حمل المسألة على الوفاق ويرى أن ذلك اختلاف حال ويرى أن الجلجلان إنما تجب زكاته زيتًا في البلاد التي عادتهم استعمال زيته واستخراجه وزرعه لذلك؛ وكلامه في المدونة في مسألة الجلجلان على قوم عادتهم لا يعصرونه، فلم يكن لزيته [إذًا] (٤) اعتبار حتى لو كان في بلد لا يستعملونه [فيها] (٥) للاقتيات ولا يعصرون منه الزيت لكان لا زكاة فيه على القول بأنها تجب فيما يقتات به ويدخر، وهو أصل العيش غالبًا. أو على أنها تجب فيما [يدخر] من الحبوب، وإلى هذا ذهب أبو الفضل ﵀.

стр. 956

ومنهم من ذهب إلى أن ذلك اختلاف قول، وأن الذي يلزم في الجلجلان يلزم في سائر الحبوب والثمار. وقد حكى أبو الوليد الباجي عن مالك في المسألة قولين في الجلجلان والزيتون وسائر الحبوب التي يراد منها الزيت، ويقاس على ذلك الثمار من النخيل والأعناب وسائر ما كان في معناها. وأما الزيتون والزرع فلا يخلو الأمر فيها من أحد وجهين: إما أن يكون هناك سبب [يحرك الحزم] إلى خرصها أم لا، فإن لم يكن هناك سبب [يقتضي] (١) الخرص [فلا خلاف في المذهب أن الخرص] (٢) فيها غير مشروع؛ وذلك أن السنة الثابتة عن النبي ﷺ في الخرص إنما كان في النخيل والأعناب دون ما عداهما من سائر الحبوب التي تراد [للاختباز] والزيت إما لكونها شريعة غير معقولة المعنى. وإما لكون النخيل والأعناب مما يتأتى فيه الخرص لبروز الثمرة وظهورها، ويأتي الاحتياط بقدرها للناظر، وذلك المعنى معدوم في الزيتون والقطاني وسائر الحبوب التي يراد منها الزيت؛ لأن ثمارها مستترة بالأوراق مختفية في الأكمام، ويتعذر فيها الخرص على الخارص، وهذه العلة معدومة في الزرع، ومع ذلك الخرص فيه غير مشروع؛ وذلك أن الزرع مساوٍ للثمار في تأتي الخرص وإدراك الكمية؛ ولذلك جاز بيعه في سنبله وهو قائم قبل حصاده لتمكن الإحاطة بمقداره كالثمر. وإما لكون ثمار النخيل والأعناب إنما جرت العادة بامتداد الأيدي إليها في أول بدو صلاحها والانتفاع برطب فواكهها بيعًا وعارية وأكلًا، والزرع والزيتون بخلاف ذلك في غالب الأحوال، وهذه العلة أشبه لأنها أعم

стр. 957

للفروع من غيرها، والعلة إذا كانت تعم فروعها مقدمة على التي لا تعم فروعها عند الترجيح. فإن كان هناك سبب يحرك الحزم على الخرص عليهم [أصلًا] (١)، إما لحاجتهم [إلى] (٢) أكلها والانتفاع بها على تلك الحالة كأكل الزرع سويقًا [وفريكًا]، وأكل [القطاني] (٣) رطبة، والانتفاع بالزيتون أخضر. وإما لأنهم غير مأمونين ويخشى أن يكتموا منه شيئًا، ويخونوا فيه ويضروا بالمساكين، هل يخرص عليهم أو يجعل عليهم أمين؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يخرص عليهم ولا يجعل أمين؛ وذلك ماض إلى أمانتهم [فما] (٤) أكلوا منه رطبًا أو يابسًا، أو علفوه لدوابهم، أو تصدقوا به على المارة: فإنهم يحسبون ذلك ويحتاطون فيه لحق المساكين، وهو ظاهر المدونة والموطأ. والثاني: أنه يخرص عليهم كما تخرص الثمار؛ وذلك أن الزيتون يخرص [حبه] (٥)، فإذا بلغ خمسة أوسق أخرج زكاته من زيته من غير التفات إلى كيل الزيت -قلَّ أو كثر- وهو قول عبد الملك [ابن الماجشون] (٦). والثالث: أنهم إن اتهموا جعل عليهم أمين فإن احتاجوا إلى أخذ شيء

стр. 958

أخذوه وأحصى عليهم وهو قول ابن عبد الحكم. وقول عبد الملك أقيس وأجرى على أصول المذهب. والجواب عن [الفصل] (١) الخامس: في معرفة الوقت الذي تجب فيه الزكاة في الثمار والحبوب. قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢). والحصاد المراد: عبارة عن حصول الزرع والثمر إلى حد يمكن ادخاره ورفعه إلى المخازن، وذلك بعد فراغ مؤونته وتطييبه وتخليصه حتى يصير حبًا وتمرًا وزبيبًا وذلك [وقت] (٣) الأداء بلا خلاف. واختلف المذهب في وقت الوجوب على ثلاثة أقوال (٤): أحدها: [أن الزكاة] (٥) تجب [بالطيب] (٦) فإذا أزهى النخل وطاب الكرم وحل بيعه وأفرك الزرع واستغنى عن الماء واسود الزيتون أو قارب الاسوداد: وجبت الزكاة فيه، وهو قول مالك ﵁ في "المدونة". والثاني: أنها تجب بالخرص لا بالطيب، وأن الخارص في الثمار كالساعي في الغنم، وهو قول المغيرة [المخزومي] (٧). والثالث: أن الزكاة إنما تجب باليبس والجذاذ، وهو قول محمد بن

стр. 959

مسلمة (١). وفائدة الخلاف وثمرته: إذا مات المالك فعلى قول من يرى أنها تجب بالطيب؛ فإذا مات بعد طيب الثمار فإنها تزكى على ملكه؛ لأنه مات بعد وجوب الزكاة. وعلى القول بأنها تجب بالخرص؛ فإذا مات الميت بعد الخرص زكيت على ملكه، وإذا مات قبل الخرص زكيت على ملك الورثة فتجب الزكاة على من حصل في سهمه نصاب دون من لم يحصل له. وعلى القول بأنها تجب باليبس والجذاذ؛ فإذا مات قبل الجذاذ واليبس: فإنها تزكى على ملك الورثة. وإنما قدم الخرص توسعة على أهل الثمار، ولو قدم رجل زكاته [بعد] (٢) الخرص وقبل الجذاذ لم تجزئه؛ لأنه أخرجها قبل وجوبها كزكاة الفطر، وهو قول محمد في "المبسوط". والأقوال كلها قائمة من "المدونة" من كتاب "الزكاة" [الثاني] (٣) في مسألة زكاة الحوائط المحبسة على ما سنبينه فيها إن شاء الله تعالى ومن "كتاب الحبس" أيضًا. فإن اجتيحت الثمرة فلا يخلو حالها من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تجتاح قبل الخرص. والثاني: بعد الخرص وقبل الجذاذ. والثالث: أن تجتاح بعد الجذاذ والتذرية.

стр. 960

فإن أصابتها قبل الخرص وبعد الطيب: فعلى القول بأن الزكاة لا تجب إلا بالخرص، ولا اعتبار به؛ لأن الخرص لم [يتناوله]. وعلى القول بوجوبها بالطيب: فالكلام فيه كالكلام في الوجه الثاني إذا اجتيحت بعد الخرص وقبل الجذاذ. فإن بقى ما دون النصاب: فإنه يبطل حكم الخرص وتسقط الزكاة؛ لأنها إنما تجب بالطيب وبالخرص بشرط سلامة الثمرة ووصولها إلى أربابها. فإذا أُصيبت ونقصت عن النصاب: سقطت الزكاة فكان بمنزلة أن يخرج الحائط ذلك المقدار. فإن اجتيحت الثمرة أو الزرع بعد الجذاذ أو التذرية فالكلام فيه يأتي بعد هذا في مسألة مفردة إن شاء الله تعالى، وهو حسبي ونعم الوكيل. [والحمد لله وحده] (١).

стр. 961

المسألة الثانية عشر في زكاة الأموال المحبسة في سبيل الله (١) والأموال المحبسة الموقوفة: فلا تخلو من وجهين: أحدهما: ما تجب الزكاة في غلته. والثاني: ما تجب الزكاة في عينه. فأما ما تجب الزكاة في عينه كالعين والماشية فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يوقفه لينتفع به. والثاني: أن يوقفه ليفرق عينه. فإن أوقفه لينتفع به: فلا يخلو من أن يوقف ذلك على [معنيين] [أو مجهولين فإن أوقفه على معنيين] (٢)؛ فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون وقفه وإذنه وقفًا يرجع إلى الضمان [أو لا يرجع إلى الضمان] (٣)؟ فإن كان وقفه وإذنه وقفًا يرجع إلى الضمان؛ مثل أن يوقف مائة دينار ليسلفها من أرادها ويردها إذا قضى وطره بها: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب في وجوب الزكاة فيها في زمان وقفها، وتزكى على ملك [موقفها] (٤) إلا متأولًا. فإذا تسلفها أحد وصارت في ذمته: فإنها لا تزكى على ملك صاحبها. وهل تزكى عليه إذا نضّتْ عنده ولم يعول على ردها بعد أم لا؟

стр. 962

فقد روى ابن القاسم عن مالك في "المجموعة" (١) فيمن حبست عليه مائة دينار يعمل بها: أنه لا زكاة عليه فيها إلا أن يكون عنده عرض يفي بها، وقاله أشهب أيضًا. وكذلك يجب في مسألة السلف أيضًا أن يزكيها إذا كان عنده عرض يفي بها [لوجوب] (٢) الضمان في السؤالين. ولا فرق في ذلك كله بين أن يكون الموقوف للسلف على [معينيين] أو على مجهولين: فإن ربح فيها نصابًا من العين ثم ردها، فإن ردها قبل الحول: استقبل بالنصاب الذي هو الربح حولًا. وإن ردها بعد الحول: زكى الربح لوقته ولا ينتطر به حولًا آخر، وهو قول مالك في "المجموعة". فإن كان وقفه لا يرجع إلى الضمان؛ مثل أن يعطيه مائة دينار ليعمل بها لنفسه سنة ويأكل ربحها على أن لا ضمان عليه فيها، فهل يسقط ذلك الشرط عنه الضمان أم لا؟ فالمذهب على قولين. أحدهما: أنه لا ضمان عليه فيها إن تلفت، ولا زكاة عليه فيها إن بقيت، وإن كان عنده من العروض ما يفي بها بعد الحول، وهي رواية ابن القاسم في "العتبية"، وهو قول ابن حبيب أيضًا. والثاني: أن عليه فيها الضمان كالسلف أو كالمال المحبس، وهو قول سحنون في الكتاب المذكور. وهل يزكى على ما ربح فيها من المال إن كان نصابًا وحال عليه الحول عنده أم لا. فمن رأى أنه كالسلف قال: يزكى الربح لحول الأصل ويزكى الأصل

стр. 963

وإن كان عنده عرض يفي به. ومن رأى أن الشرط ينفعه وأنه لا يضمن الأصل: فلا يزكى الأصل وإن كان عنده عرض يفي به، ويستقبل بالربح حولًا من يوم ملكه، وإذا رد الأصل لمالكه: زكى لعام واحد. وأما الماشية: فإنها تزكى على كل وجه إذا كانت نصابًا، وزكاتها على ملك مالكها إذا وقفت لينتفع بغلتها، مثل صوفها ولبنها سواء وقفت على [معينيين] أو على مجهولين. ولم يقع للمعينيين إلا شاة واحدة لأنها موقوفة على ملك محبسها، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة". وأما إن سَبَّلَ أولادها لتفرق مع غلتها: فهذا يفصل فيه بين المعينيين والمجهولين: فإن كانت لمعينيين ويقع لكل واحد من أولادها ما فيه الزكاة: زكاها إن كان للأولاد حول من يوم ولدوا وإن لم يقبض. وإن كانت لغير معينيين؛ مثل أن حبس على المساكين أو في السبيل فتأخرت قسمة الأولاد حولًا من يوم الولادة وهي جملة الولادة ما فيه الزكاة. زكيت على ملك المحبسين، وهو قول ابن القاسم في الكتاب المذكور. وأما ما وقفت ليفرق عينه: فلا يخلو من أن يكون عينًا أو ماشية. فإن كان عينًا؛ مثل أن يوقف مائة دينار لتفرق فحال الحول عليها قبل أن تفرق: فلا زكاة فيها - كانت على [معينيين] أو على مجهولين -أو في السبيل- كانت في وصية أو في غير وصية، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن المواز".

стр. 964

وأما الماشية يوقفها لتفرق وكانت نصابًا، فإن كان الوقف على مجهولين أو في السبيل فهي كالعين باتفاق المذهب: فإن كان الوقف لتفرق على (معينيين) فهل هي كالعين أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنهم كالمجهولين ولا زكاة فيها، وهو قول ابن القاسم لأنها تفرق كلها كالعين. والثاني: أنهم كالخلطاء، والزكاة على من بلغ حظه منهم ما فيه الزكاة منها، وهو قول أشهب في كتاب محمد على ما نقله ابن أبي زيد في "النوادر" (١). وأما الوجه الثاني: وهو ما تجب الزكاة في غلته دون عينه كالحوائط المحبسة: فلا تخلو من أن يكون محبسة على غير [معينيين]، أو على معينيين. فإن كانت محبسة موقوفة على غير معينيين: فلا خلاف أن ثمرتها تزكى على ملك المحبس، وأن الزكاة تجب في ثمرتها إذا بلغت جملتها ما [تجب] (٢) فيه الزكاة. وإن كان الحبس والوقف على معينيين؛ مثل أن يحبس ثمر حائطه أو جنانه على قوم بأعيانهم: فلا يخلو من أن يكونوا هم المتولون للسقى والعلاج، أو كان ربها هو الذي يتولى العمل. فإن كان المحبس عليهم هم [الذين] (٣) يسقون ويعملون لأنفسهم فهل

стр. 965

هم كالشركاء [وينظر إلى ما ينوب كل واحد منهم أم لا؟. فالمذهب على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أنهم كالشركاء] (١) ويعتبر النصاب في [حظ] (٢) كل واحد منهم فمن حصل عنده نصاب؛ إما من ثمر الحبس بانفرداها، وإما بإضافتها إلى ثمر جنان له [أُخر] (٣): فإنه يزكي دون من لم يحصل له نصاب على ما وصفناه، وهو قول أشهب في "كتاب الحبس" من "المدونة" (٤). والثاني: أنه يعتبر خمسة أوسق في جميع [الحوائط] (٥)، فإن كان فيها خمسة أوسق أخذت منه الزكاة من غير اعتبار بما يصح لكل واحد من المحبس عليهم، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الحبس" من "المدونة"، وهو ظاهر قول مالك "في كتاب الزكاة الثاني" من "المدونة" (٦)؛ حيث قال: (وتؤخذ الزكاة من الحوائط المحبسة في سبيل الله أو على قوم بأعيانهم أو بغير أعيانهم). فظاهر هذا الكلام يقتضي اعتبار خمسة أوسق على الجملة. وينبني الخلاف على الخلاف في المحبس عليهم هل [يملكون] (٧) الثمرة بالإبار، أو لا يملكونها إلا بالطياب؟ فمن رأى أنهم يملكونها بالإبار قال باعتبار النصاب في حظ كل واحد منهم على الصفة المتقدمة، ومن مات منهم بعد الإبار فحصته موروثة عنه،

стр. 966

وهو نص قول أشهب في "كتاب الحبس". ومن رأى أنهم لا يملكونها إلا بالطياب قال باعتبار خمسة أوسق في جميع ثمر الحائط فتزكى على ملك [المحبس] الذي هو رب الحائط. فإن كانت ثمرة المحبس دون النصاب: أضافها إلى ما يتم بها النصاب إن كان عنده. فإن كان رب الحائط هو الذي يتولى السقى والعلاج دونهم وإنما يقسم عليهم الثمرة: فإن الثمرة تزكى على ملك المحبس قولًا واحدًا من غير اعتبار بما يحصل لكل واحد من المحبس عليهم [والحمد لله وحده] (١).

стр. 967

المسألة الثالثة عشر في الزكاة إذا ضاعت بعد إخراجها وقبل وصولها إلى مستحقها (١) وقد وقع في هذه المسألة إشكال واضطراب في الكتاب وتباينت أجوبة مالك ﵀ فيها لأنه قال مرة: إذا أدخله منزله ضمن. ومرة قال: إذا أخرج زكاته قبل أن يأتيه المصدق فضاعت ضمن. وقال مرة: إذا لم يفرط في الحبوب لم يضمن. واختلف المتأولون والشارحون في مذهب مالك ﵀ في هذه المسألة، وصحيح قوله فيها، وتأويل ما وقع فيها لابن القاسم والمخزومي، ونحن بحمد الله نحصله أي تحصيل وننزلها على أحسن التأويل، ونفصلها أتم تفصيل. ونقول من حيث التفصيل: لا يخلو ضياعها من أن يكون قبل إبرازها من المال، أو بعد إبرازها. فإن ضاع جميع المال قبل إبراز الزكاة منه: فلا ضمان عليه قولًا واحدًا. وإن ضاعت الزكاة بعد الإبراز: فلا يخلو من أن يكون ضياعها في والإندار، أو في الجرين، أو يكون ضياعها بعد أن أدخلها بيته. فإن كان ضياعها في الإندار، أو الجرين، مثل أن يجمع الزرع أو الثمر في الإندار أو الجرين فإن أخرج الزكاة منه وعزلها في الجرين، فإن ضاعت بتفريط وتضييع: ضمن قولًا واحدًا. وإن ضاعت بغير تفريط قبل مجىء الساعي [فلا ضمان عليه] (٢) لأن

стр. 968

وضعها [في الجرين] (١) وجمعها فيه يعود بمنفعة الثمر في تيبسه وكماله وهو مما [لم يلزم] (٢) رب الحائط فعله، ولا يلزمه فيه ضمان، وقسمة الثمر وإخراج زكاته منها مما له فعله لأنه يريد أن [يحيز] (٣) حصته ويشرع في الانتفاع بها والاقتيات منها، فلا يجوز أن يمنع منها بتأخير الساعي، فكانت القسمة له مباحة، بخلاف الماشية؛ لأنه لو أبرز زكاة ماشيته قبل أن يأتي الساعي فهلكت: لأخذ الساعي منه الزكاة. والفرق بين المسألتين ظاهر؛ وهو أن الخرص في الثمرة قد قدر عليه ما يجب عليه من الزكاة، وأطلق يده على التصرف فيها بالانتفاع، والماشية بخلاف ذلك. وهذا كله إذا كان ساعي بنفسه. وأما إذا كان ممن يأتيه الساعي فقولان: أحدهما: أنه كالوجه الأول [لا ضمان عليه؛ لكونه مأذونًا له في التصرف -كما قدمنا- وهو ظاهر قول ابن القاسم] (٤). والثاني: أن الزكاة [تؤخذ] (٥) مما بقى إن كان نصابًا، وهو قول أشهب، وكأنه يرى مقاسمته على الساعي لا تجوز. فإن كان ضياعها بعد أن أدخلها بيته: فلا تخلو الحالة التي أدخلها عليها بيته من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يدخلها في معنى الحوز والصون.

стр. 969

والثاني: أن يدخلها بيته ليأكلها ويفوتها. والثالث: أن يجهل [الوجه الذي أدخلها عليه، ففي هذا الوجه ينحصر الكلام في المسألة] (١). فالجواب عن الوجه الأول: إذا أدخلها على معنى الصون والحوز والخوف عليها في أنادره: فلا يخلو من أن يكون ممن يأتيه الساعي، أو هو ساعي نفسه فإن كان ممن يأتيه الساعي ولا يتكلف عنه، فضاعت بغير سببه: فلا ضمان عليه لا في الذمة ولا فيما بقى عنده من الملك وإن كان نصابًا، وقد قال أبو إسحاق التونسي: وهذا مما لا ينبغي أن يختلف فيه إن شاء الله تعالى. فإن كان ساعي نفسه فضاعت الزكاة [فإن ضاعت بتفريط] (٢)؛ مثل أن يمكنه الصرف إلى مستحقها فلم يفعل حتى ضاعت: فإنه ضامن لحق المساكين في الذمة -ضاع المال أو بقى. فإن ضاع بغير تفريط: فلا ضمان عليه؛ كما لو ضاع في الأندر. والجواب من [الوجه] الثاني: إذا أدخلها على معنى [الانتفاع] (٣) فلا خلاف في المذهب أنه يضمنها؛ لأنه على ذلك دخل. والجواب عن [الوجه] الثالث: إذا جهل الوجه الذي أدخلها عليه؛ هل أدخلها للحوز أو للضمان ففي هذا الوجه اختلف المتأخرون في التأويل؛ فمنهم من قال [إن جميع ما في المسألة من الأجوبة المضطربة تسعى إلى معنى حسن أن الرواية المطلقة بالضمان ترد] (٤) إلى المفسدة بإدخاله

стр. 970

[في] (١) بيته، وأن ابن القاسم بزيادة الإشهاد غير مخالف؛ إذ يحتمل أن يشهد ليسقط الضمان عن نفسه، ثم يأكلها. ومقتضى قول ابن القاسم بالإشهاد سواء كان بالأندر أو بعد أن أدخلها بيته. وأما مالك فساوى الإشهاد وعدمه. والمخزومي يبرئه وإن لم يشهد، وهذا تأويل بعض المتأخرين، وإليه نحا أبو عمران الفاسي. ومنهم من حمل على ظاهرها وخرّجَها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مهما أدخل ذلك بيته لم يضمن. والثاني: أنه مهما لم يفرط: لم يضمن -أدخل ذلك منزله أم لا. والقولان لمالك. والثالث: التفصيل بين أن يشهد، أو لا يشهد فإن أخرجه وأشهد عليه فتأخر عنه المصدق حتى ضاع: لم يضمن. فإن أخرجه بغير إشهاد: ضمن. وهو قول المخزومي، وهو موافق لأحد قولي مالك. وقول ابن القاسم مخالف لهما جميعًا. وسواء ضاع [عنده] (٢) ذلك كله، أو ضاع العشر، وحده، وهذا تأويل بعض مشايخ الأندلسيين، وإلى هذا التأويل مال القاضي ابن رشد [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 971

المسألة الرابعة عشر فيمن باع زرعه بعد أن أَفْرَكَ (١) ويبس (٢): ولا يخلو البائع من أن يشترط [زكاته على المشتري] (٣) أو لا يشترطها. فإن اشترطها فلا يخلو بيعه من أن يكون بعد الخرص أو قبله [وقد] (٤) علم أن فيه [ما تجب فيه] (٥) الزكاة بأمر لا شك فيه، أو شك، هل تجب فيه الزكاة أم لا؟ فإن باعه قبل الخرص أو بعده وعلم أن فيه [ما تجب فيه] (٦) الزكاة: فالبيع جائز، ويخرج المشتري الزكاة للمساكين. فإن اجتيحت الثمرة قبل الجذاذ أو بعد الجذاذ ولم يتراخ عن الإخراج: لم يضمن المشتري زكاته. وإن أصيب البعض وبقى ما لا زكاة فيه: فلا يخلو البائع من أن يشترط ذلك الجزء لنفسه، أو للمساكين. فإن اشترط ذلك لنفسه: كان للبائع جزء الزكاة؛ لأنه رجل باع زرعه واستثنى منه ذلك الجزء [لنفسه] (٧) فإن اشترط ذلك للمساكين: فلا شيء عليه. فإن شك هل فيه نصاب [أم لا] (٨)؟

стр. 972

فإن اشترط ذلك الجزء بكل حال إن كان نصابًا فللمساكين، وإن كان دون النصاب فلنفسه. وإن اشترطه للزكاة خاصة: لم يجز البيع، لأن ذلك مخاطرة ولا يدرى هل يبلغ النصاب فيصح [الشرط] (١)، أو لا يبلغ النصاب فيسقط الشرط. فإن باعه ولم يشترط زكاته على المشتري: فالبيع جائز وتؤخذ الزكاة من مال البائع. فإن اجتيحت الثمرة بعد البيع: لم تسقط الزكاة عن البائع إذا كانت الجائحة بعد اليبس، إذ لا جائحة فيها ساعتئذ؛ لأن البائع لما باع على تلك الحال رضي أن تكون الزكاة مضمونة عليه بدفعها من ذمته. فإن أعسر البائع قبل دفع الزكاة، هل يرجع بها على المشتري أم لا؟ [على قولين منصوصين] (٢) في "المدونة". أحدهما: أنه يرجع [بها] (٣) على المشتري فيؤخذ منه مقدار الزكاة، ثم يرجع هو [بقدر ذلك] (٤) على البائع متى أيسر. وهو قول ابن القاسم. و [القول] (٥) الثاني: لا يؤخذ من المشتري شيء، وهو قول أشهب. قال [الشيخ] (٦) أبو إسحاق التونسي: هذا القول حسن؛ وذلك أن

стр. 973

لمن عليه زكاة الزرع أن يخرجها من زرع غير الزرع الذي رفع إذا شاء، وإذا باع فقد رضي أن يخرج من غيره وهو موسر بثمن ما باع فليس عسره، بعد ذلك بالذي ينقض ما كان جائزًا له فعله، كمن أعتق وعنده مال ثم أعسر بعد ذلك بدين كان عليه بعد أن كان عنده [وما] بالقيمة وقت عتقه والذي قاله ظاهر جار على أصول المذهب. وينبني الخلاف على الخلاف في المسبب والمباشر أيهما أولى بالمؤاخذة؟ لأن البائع قد تسبب ببيعه في إتلاف حق المساكين، والمشتري قد باشر تلفه بالاستهلاك والتلف، والله أعلم [وهو الموفق للصواب والحمد لله وحده] (١).

стр. 974

المسألة الخامسة عشر فيما يلزم [الرجل] (١) أن يؤدي عنه زكاة الفطر: وقد قال النبي ﷺ : "أدوا الزكاة عمن تُمَوِّنُون" (٢). إلا أن الحديث ليس [بتلك الصحة] (٣) والعمل بمقتضاه [مذهب الفقهاء] (٤) ويؤديها الرجل عمن تلزمه نفقته من المسلمين، إلا أن لزوم النفقة على وجهين: منها ما يلزم بالشرع؛ ومنها ما يلزم [بالملك] (٥). فأما النفقة الواجبة بالشرع كالنفقة على الزوجات، والنفقة على الآباء والأبناء. فأما نفقة الزوجات: فإنها تجب بالدخول أو بالادعاء [والتمكين] (٦)، أو بالتمكن بانفراده على ظاهر ما [وقع] (٧) في كتاب النكاح الثاني. فإذا وجبت لها النفقة هل يجب على الزوج [إخراج] (٨) زكاة الفطر عنها أم لا؟

стр. 975

فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه [يؤدي] (١) عنها زكاة الفطر، وهو قول مالك وابن القاسم [في المدونة] (٢). والثاني: أن زكاة الفطر عنها وعن [عبيدها] (٣) في مالها، لا [في] (٤) مال الزوج، وهو قول ابن شرس من أصحاب مالك. وسبب الخلاف: النفقة على الزوجات هل هي من باب المعاوضات، أو من باب المواساة؟ فمن رأى أنها من باب المعاوضات قال: لا زكاة على الزوج عنها. ومن رأى أنها من باب المواساة أو أنها وظيفة غير معقولة المعنى قال: إن الزوج يزكى عنها [فعلى القول بأن الزوج يزكى عنها] (٥). وهل يزكى عن خادمها أو عن خدم إن كان لها أم لا؟ فلا يخلو حال الزوجة من أن تكون ممن تخدم نفسها، أو ممن لا تخدم نفسها. فإن كانت ممن تخدم نفسها: فليس على الزوج إخدامها. وإن كان لها خادم فنفقتها وفطرتها عليها. فإن كانت ممن لا تخدم نفسها فقيل: إن الزوج مخير بين ثلاثة أشياء: إما أن يكرى لها من يخدمها، أو يشتري لها من يخدمها، أو ينفق على خادمها.

стр. 976

وقيل: [إنه] (١) مخير بين أربعة أشياء: ثلاثة تقدمت، والرابع: أن يخدمها بنفسه. فإن اختار النفقة على خادمها: كان عليه أن يؤدي عنها زكاة الفطر؛ لأنها تابعة للنفقة بالشرع. فإن كانت ممن تحتاج إلى خادمين فأكثر: فعلى الزوج [نفقتهن] (٢)، وإخراج زكاة الفطر عنهن، وبه قال أصبغ عن ابن القاسم في "العتبية" (٣). فأما نفقة الآباء: فإنها نفقة بر وطاعة، فلا خلاف أنها تجب على الولد إذا كانا معسرين بشرط الابتغاء، على ما بيناه في كتاب الزكاة الأول، وإن كان الأبوان قويين على العمل. ويزكى عنهما زكاة الفطر ما داما زوجين، فإن كان الأب زوج غير الأم فهل ينفق عليه وعلى زوجه أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه ينفق عليهما ويزكى عنهما جميعًا، وهو مذهب "المدونة"، وبه قال جمهور أهل المذهب. والمذهب: أنه لا يلزمه أن ينفق على زوجة أبيه إلا أن تكون له أم، وهو قول المغيرة على ما نقله. [الشيخ أبو محمد] (٤) بن أبي زيد في "النوادر" (٥). وينبني الخلاف على الخلاف في الأب هل له أن [يتزوج] (٦) من مال

стр. 977

ولده أم لا؟ فمن رأى أنه يتزوج [من مال ولده] (١) قال: إنه ينفق على زوجته قال: لأنها إن طلقت عليه لعدم النفقة كان له أن يتزوج الأخرى من [مال ولده] (٢). ومن رأى أنه ليس له أن يتزوج من مال ولده، وهو نص مالك في "المختصر" (٣)، قال: (لا يلزمه أن ينفق على زوجة أبيه). فإن كان للأب زوجات: فالمنصوص في [المدونة وغيرها] (٤) أنه لا ينفق إلا على واحدة منهن وعلى خادم واحد من خدمها إن احتاجت إليها. والخلاف في الإنفاق على الزائد يتخرج على الخلاف الذي قدمناه في تزويج الأب من مال ولده إذا احتاج إلى النكاح. وأما النفقة على الأبناء وزكاة الفطر [عنهم] (٥) من مال أبيهم: فلا يخلو من أن يكونوا صغارًا، أو كبارًا. فإن كانوا صغارًا: فلا يخلو من أن يكون [الولد] (٦) موسرًا أو معسرًا. فإن كان موسرًا: فنفقته وزكاة فطره [عليه] (٧) في ماله. وإن كان معسرًا: فالنفقة في مال أبيه وكذلك فطرته. وإن كان بالغًا: فلا يخلو من أن يكون موسرًا أو معسرًا فإن كان

стр. 978

موسرًا: فنفقته [وزكاة فطره] (١) في ماله. وإن كان معسرًا: فلا يخلو من أن يكون صحيحًا أو زمنًا. فإن كان صحيحًا: فنفقته عليه وكذلك فطرته. وإن كان زمنًا: فلا يخلو من أن تكون الزمانة طرأت عليه بعد البلوغ، أو بلغ وهو زمن. فإن طرأت عليه بعد البلوغ فهل تعود النفقة على الأب أم لا؟ قولان: أحدهما: أن [زكاة] (٢) فطرته [ونفقته] (٣) على نفسه ولا تعود على الأب بعد الإسقاط. وهو قول مالك في "المدونة"، وهو المشهور. والثاني: أنها تعود على الأب. وهو قول عبد الملك، وهذا هو الأظهر في النظر لأنه إن كانت العلة الموجبة للإنفاق عليه إذا بلغ زمنًا كونه عاجزًا عن الاكتساب فالعلة موجودة ومن شرط العلة أن يوجد الحكم بوجودها. فإن بلغ وهو زمن: فنفقته وفطرته في مال الأب لم تزل؛ لأن الزمانة تمنع من الاكتساب كالصغير أو أشد. فأما النفقة الواجبة بالملك؛ كالنفقة على العبيد الأرقاء: فلا يخلو من أن يكون عبدًا أو أمة يملك جميعه، أو عبدًا بينه وبين غيره. فإن كان عبدًا يملك جميعه: فلا يخلو من أن يكون

стр. 979

ملكه فيه تام وتصرفه فيه [تام] (١) نافذ، أو يكون قد عقد فيه عقدًا يمنعه من ذلك. فإن كان تصرفه فيه ماض وملكه تام لا [شرك] (٢) لأحد معه، ولا عقد فيه عقدًا من عقود الحرية، ولا يعلق به لأحد حق: فلا خلاف في المذهب أن نفقته على سيده وزكاة فطره [هذا في عبيد مسلمين. فأما عبيده النصارى فلا زكاة عليه عنهم على قول ابن القاسم لأنهم غير مخاطبين وروى ابن وهب أنه يزكى عنهم كما يزكى عن عبيد مسلمين] (٣). فإن كان تصرفه غير نافذ وملكه فيه غير تام إما لعارض اضطراري وإما لعارض اختياري. فإن كان منعه من التصرف التام لعارض اضطراري مثل أن يجنى العبد جناية فيها نفسه فمضى يوم الفطر وهو عنده هل يزكى زكاة الفطر أم لا؟ فإنه يتخرج من الكتاب قولان: أحدهما: [أن سيده] (٤) يزكى عنه زكاة الفطر لأن عليه نفقته بعد. ويتخرج من "المدونة" (٥) قول ثان: أنه لا زكاة عليه فيه من قوله في الكتاب: "فيما إذا كان له عبد وعليه عبد مثله، فأتى يوم الفطر وهو عنده أنه لا زكاة على السيد عنه إذا لم يكن له مال"، فهذا نص "المدونة". وقد اختلف في [معنى] (٦) قوله: [إذا لم يكن معه مال] (٧)؛

стр. 980

فقيل: معناه: ولا مال يؤدي عنه الدين. وقيل معناه: لا مال له [يؤدي منه] (١) زكاة الفطر إلا العبد، وقد استغرقه الدَّين، فعلى التأويل أنه لا مال له يؤدي منه الدين ولكنه عنده ما يؤدى منه زكاة الفطر [يكون قوله خلافًا لما نص عليه في زكاة الفطر] (٢). وتحرير الجمع بين المسألتين: أن العبد في كلا الموضعين مستحق لكون الدين استغرقه، إلا أنه في أحد الموضعين الحق فيه متعين في عينه، وفي الموضع الآخر [متعين] (٣) في ذمة سيده، والعبد من جملة الذمة، فلو عكس الجواب لكان أولى؛ لأن العبد الجاني مستحق العين للقصاص فكان ينبغي أن تسقط زكاة فطره عن سيده، فلما لم يسقطها بل أوجبها كان وجوبها على الذي لم يستحق عينه أولى. وسبب الخلاف: اعتبار [الطوارئ] (٤) واستدامة النفقة وكلاهما أصلان يجوز البناء على كل واحد منهما على الانفراد وأما اعتبار الطوارئ: لجواز أن يعفو أولياء الدم، ويجوز أن يطرأ للسيد مال يقضي منه ثمن العبد الذي عليه فيبقى عبده على ملكه، فهذا أصل معتبر [وقد بني] (٥) عليه أكثر مسائل المذهب واستدامة النفقة مع انقطاع الملك فهل يؤثر في وجوب زكاة الفطر أم لا؟ وهذا أصل ينبني عليه كثير من مسائل هذا الباب. وأما العارض الاختياري، مثل أن يعقد السيد عقدًا غير أن ذلك لا يخلو من أن يكون حقًا للعبد، أو حقًا للأجنبي، أو كان حقًا للسيد أو حقًا

стр. 981

يشترك فيه السيد والأجنبي [أو حقًا يشترك فيه السيد والعبد] (١). فإن كان العقد حقًا للعبد؛ مثل أن يدبره أو يعتقه إلى أجل، أو كانت أمة فأولدها: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب في وجوب زكاة فطرهم على سيدهم لبقاء ملكه عليهم ووجوب نفقتهم عليه. فإن كان العقد حقًا للأجنبي: فلا يخلو من أن يكون ذلك بعوض أو بغير عوض. فإن كان ذلك بعوض وكان مما يستبد به الأجنبي وحده كالرهن، أو يشترك في منفعة السيد والأجنبي كالإجارة: فهذا لا خلاف أيضًا أن زكاة فطرهم على سيدهم لبقاء ملكه عليهم ووجوب نفقتهم عليه؛ لأن الرهن ثقة للحق وضمانه من الراهن. فإن اشترط السيد نفقة العبد على من استأجره أمد الإجارة، هل تكون الزكاة تابعة للنفقة أم لا؟ فهذا يتخرج على قولين، والخلاف فيها ينبني على الخلاف في العبد المستخدم، على ما سنبينه إن شاء الله. فإن كان ذلك بغير عوض كالإخدام، غير أن الإخدام على وجهين: أحدهما: أن يكون مرجع الرقبة بعد الخدمة إلى ملك. والثاني: أن يرجع إلى حرية. فإن كان مرجعها إلى رق فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الزكاة على من له مرجع الرقبة سواء كان مرجعها إلى السيد أو إلى الأجنبي من الناس، كقوله: عبدي يخدم فلانًا سنة، ثم هو لفلان، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة".

стр. 982

والثاني: أن زكاة الفطر على من له الخدمة، وهو قوله أيضًا في كتاب محمد. والقولان قائمان من "المدونة" على اختلاف الروايات في "كتاب الوصايا الأول" من "المدونة"، هل النفقة على الذي أخدم -بالفتح- أو الذي أُخدم [بالضم] (١). والثالث: [التفصيل بين] (٢) أن تكون المدة [يسيرة] (٣): فتكون على السيد، أو تكون طويلة: فتكون على من له الخدمة، وهو قول عبد الملك. وهذا الخلاف ينبني على: الخلاف في النفقة على من تكون. وقد اختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها على السيد أو من له مرجع الرقبة. والثاني: أنها على من له الخدمة. والقولان لابن القاسم قائمان من "المدونة" (٤)، وروى عنه قول ثالث: أن نفقة [العبد] (٥) المخدم [على نفسه] (٦) من مال نفسه لا على واحد منهما، فإن لم يكن له مال: فمن كسبه وخدمته، وما بقى من الخدمة بعد النفقة يكون للذي له الخدمة، وهذا القول حكاه ابن الخباز على ما نقله أبو الفضل ﵀.

стр. 983

وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل؛ فمن اعتبر الحال قال: إن النفقة على الذي له الخدمة؛ لأن المقصود من العبد إنما هي الخدمة لا عين الرقبة، فإذا استغرق صاحب الخدمة تلك المنافع في مدة محصورة كانت عليه [مؤنة] (١) العبد في تلك [المدة] لأنه الآن كأنه هو المالك إذ لا يدري هل [يعيش] العبد إلى تمام المدة فيرجع إلى من له [مرجع] (٢) الرقبة، [وقد لا يعيش] (٣). فمن اعتبر المآل فقال بأن المؤنة على من له المرجع لأن الرقبة هي الأصل والخدمة فرع عنها، فكان الحكم لصاحب الرقبة وعليه توابع الملك ومؤنته. ووجه قول عبد الملك: أن الخدمة اليسيرة الغالب منها السلامة ورجوعها إلى من له الرقبة فكانت عليه النفقة و [الفطرة] (٤)؛ لأن النفقة إنما تجب على من له الرقبة. وإن كانت الخدمة طويلة كالأعوام الكثيرة فإنه لا يغلب على الظن سلامتها ورجوعها إليه فكانت النفقة على من يتعجل منفعتها. وأما القول بأن النفقة في ماله وكسبه: فهو توسط بين القولين، وملاحظة للجانبين ومراعاة للخلاف، [وأما إذا] (٥) كان [مرجعه إلى حريته هل يزكى عنه المخدم وهو قوله في "الموازية". أو لا زكاة عليه ولا على العبد. قولان. وهل تجب النفقة على المخدم أو على العبد في ماله أو في كسبه إن لم يكن له مال، قولان أيضًا. وإن كان] (٦) ذلك [العفو] (٧)

стр. 984

حقًا للعبد وسيده يشتركان في منفعته كالكتابة لأن السيد ينتفع، ولأن المال والولاء يحصل له إن أدى جميع الكتابة، والعبد ينتفع بحصول العتق له وخروجه من قيد الرق: فقد اختلف المذهب في زكاة فطره على من تكون: فقد حكى أبو الوليد الباجي عن مالك في ذلك روايتين: إحداهما: أن الزكاة على السيد [وهو مذهب المدونة. والثانية: أنه لا تلزم السيد] (١) ولا شيء عليه. وظاهر هذه الرواية أنها لا تكون على المكاتب وتسقط عنه لأنه عبد بعد. ويحتمل أن يتخرج على الخلاف الجاري في العبد المعتق بعضه من أجل أن كل واحد [منهما قد] (٢) أحرز ماله عمن له فيه الرق. والأظهر في النظر أن بين المسألتين فرق؛ وذلك أن المعتق بعضه [ملك] (٣) جزءًا من نفسه، وصار شريكًا لسيده، والمكاتب بخلاف ذلك لأنه لم يحصل له إلا العقد خاصة، وثمرة العقد لا يدري هل تحصل أو لا تحصل. وسبب الخلاف: [المكاتبة] (٤) هل هي من ناحية العتق، أو من ناحية البيع؟ فعلى القول بأنها من ناحية البيع: فإن السيد يؤديها عن المكاتب. وعلى أنها من ناحية العتق: لا شيء عليه.

стр. 985

فإن كان العقد حقًا [للسيد] (١)؛ مثل أن يوصى بعبده لمساكين [غير معينين] (٢): فهذا لا خلاف فيه أن زكاة الفطر: على السيد ما دام السيد حيًا. وأما الوجه الثاني: إذا كان عبدًا بينه وبين غيره: فلا يخلو ذلك الغير من أن يكون هو العبد نفسه أو غيره. فإن كان هو العبد نفسه؛ كعبد أعتق بعضه، ولا شك أنه شريك للسيد في نفسه: فقد اختلف في كيفية أداء زكاة الفطر عنه على ثلاثة أقوال: أحدها: أن السيد يؤدي عما يملك منه ولا شيء عليه فيما أعتق ولا [على] (٣) العبد، وهو قول مالك في "المدونة" (٤). والثاني: أن السيد يؤدي عما يملك، والعبد يؤدي عما عتق منه، وهو قول مالك في "المبسوط"، وبه قال أشهب. والثالث: أن المتمسك بالرق يؤدي عنه جميع الفطرة. [ونقل] (٥) الشيخ أبو الحسن اللخمي قولًا رابعًا: بالتفصيل بين أن يكون للعبد مال أو لم يكن؛ فإن كان له مال أدى السيد عما يملك، والعبد عما يملك [مما] (٦) عتق منه. فإن لم يكن له مال: أدى السيد جميع ذلك، وعزاه إلى محمد بن مسلمة في "المبسوط"، وهذا قول بين القولين.
следующие страницы →