← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

يشترك فيه السيد والأجنبي [أو حقًا يشترك فيه السيد والعبد] (١). فإن كان العقد حقًا للعبد؛ مثل أن يدبره أو يعتقه إلى أجل، أو كانت أمة فأولدها: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب في وجوب زكاة فطرهم على سيدهم لبقاء ملكه عليهم ووجوب نفقتهم عليه. فإن كان العقد حقًا للأجنبي: فلا يخلو من أن يكون ذلك بعوض أو بغير عوض. فإن كان ذلك بعوض وكان مما يستبد به الأجنبي وحده كالرهن، أو يشترك في منفعة السيد والأجنبي كالإجارة: فهذا لا خلاف أيضًا أن زكاة فطرهم على سيدهم لبقاء ملكه عليهم ووجوب نفقتهم عليه؛ لأن الرهن ثقة للحق وضمانه من الراهن. فإن اشترط السيد نفقة العبد على من استأجره أمد الإجارة، هل تكون الزكاة تابعة للنفقة أم لا؟ فهذا يتخرج على قولين، والخلاف فيها ينبني على الخلاف في العبد المستخدم، على ما سنبينه إن شاء الله. فإن كان ذلك بغير عوض كالإخدام، غير أن الإخدام على وجهين: أحدهما: أن يكون مرجع الرقبة بعد الخدمة إلى ملك. والثاني: أن يرجع إلى حرية. فإن كان مرجعها إلى رق فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الزكاة على من له مرجع الرقبة سواء كان مرجعها إلى السيد أو إلى الأجنبي من الناس، كقوله: عبدي يخدم فلانًا سنة، ثم هو لفلان، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة".

стр. 982

والثاني: أن زكاة الفطر على من له الخدمة، وهو قوله أيضًا في كتاب محمد. والقولان قائمان من "المدونة" على اختلاف الروايات في "كتاب الوصايا الأول" من "المدونة"، هل النفقة على الذي أخدم -بالفتح- أو الذي أُخدم [بالضم] (١). والثالث: [التفصيل بين] (٢) أن تكون المدة [يسيرة] (٣): فتكون على السيد، أو تكون طويلة: فتكون على من له الخدمة، وهو قول عبد الملك. وهذا الخلاف ينبني على: الخلاف في النفقة على من تكون. وقد اختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها على السيد أو من له مرجع الرقبة. والثاني: أنها على من له الخدمة. والقولان لابن القاسم قائمان من "المدونة" (٤)، وروى عنه قول ثالث: أن نفقة [العبد] (٥) المخدم [على نفسه] (٦) من مال نفسه لا على واحد منهما، فإن لم يكن له مال: فمن كسبه وخدمته، وما بقى من الخدمة بعد النفقة يكون للذي له الخدمة، وهذا القول حكاه ابن الخباز على ما نقله أبو الفضل ﵀.

стр. 983

وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل؛ فمن اعتبر الحال قال: إن النفقة على الذي له الخدمة؛ لأن المقصود من العبد إنما هي الخدمة لا عين الرقبة، فإذا استغرق صاحب الخدمة تلك المنافع في مدة محصورة كانت عليه [مؤنة] (١) العبد في تلك [المدة] لأنه الآن كأنه هو المالك إذ لا يدري هل [يعيش] العبد إلى تمام المدة فيرجع إلى من له [مرجع] (٢) الرقبة، [وقد لا يعيش] (٣). فمن اعتبر المآل فقال بأن المؤنة على من له المرجع لأن الرقبة هي الأصل والخدمة فرع عنها، فكان الحكم لصاحب الرقبة وعليه توابع الملك ومؤنته. ووجه قول عبد الملك: أن الخدمة اليسيرة الغالب منها السلامة ورجوعها إلى من له الرقبة فكانت عليه النفقة و [الفطرة] (٤)؛ لأن النفقة إنما تجب على من له الرقبة. وإن كانت الخدمة طويلة كالأعوام الكثيرة فإنه لا يغلب على الظن سلامتها ورجوعها إليه فكانت النفقة على من يتعجل منفعتها. وأما القول بأن النفقة في ماله وكسبه: فهو توسط بين القولين، وملاحظة للجانبين ومراعاة للخلاف، [وأما إذا] (٥) كان [مرجعه إلى حريته هل يزكى عنه المخدم وهو قوله في "الموازية". أو لا زكاة عليه ولا على العبد. قولان. وهل تجب النفقة على المخدم أو على العبد في ماله أو في كسبه إن لم يكن له مال، قولان أيضًا. وإن كان] (٦) ذلك [العفو] (٧)

стр. 984

حقًا للعبد وسيده يشتركان في منفعته كالكتابة لأن السيد ينتفع، ولأن المال والولاء يحصل له إن أدى جميع الكتابة، والعبد ينتفع بحصول العتق له وخروجه من قيد الرق: فقد اختلف المذهب في زكاة فطره على من تكون: فقد حكى أبو الوليد الباجي عن مالك في ذلك روايتين: إحداهما: أن الزكاة على السيد [وهو مذهب المدونة. والثانية: أنه لا تلزم السيد] (١) ولا شيء عليه. وظاهر هذه الرواية أنها لا تكون على المكاتب وتسقط عنه لأنه عبد بعد. ويحتمل أن يتخرج على الخلاف الجاري في العبد المعتق بعضه من أجل أن كل واحد [منهما قد] (٢) أحرز ماله عمن له فيه الرق. والأظهر في النظر أن بين المسألتين فرق؛ وذلك أن المعتق بعضه [ملك] (٣) جزءًا من نفسه، وصار شريكًا لسيده، والمكاتب بخلاف ذلك لأنه لم يحصل له إلا العقد خاصة، وثمرة العقد لا يدري هل تحصل أو لا تحصل. وسبب الخلاف: [المكاتبة] (٤) هل هي من ناحية العتق، أو من ناحية البيع؟ فعلى القول بأنها من ناحية البيع: فإن السيد يؤديها عن المكاتب. وعلى أنها من ناحية العتق: لا شيء عليه.

стр. 985

فإن كان العقد حقًا [للسيد] (١)؛ مثل أن يوصى بعبده لمساكين [غير معينين] (٢): فهذا لا خلاف فيه أن زكاة الفطر: على السيد ما دام السيد حيًا. وأما الوجه الثاني: إذا كان عبدًا بينه وبين غيره: فلا يخلو ذلك الغير من أن يكون هو العبد نفسه أو غيره. فإن كان هو العبد نفسه؛ كعبد أعتق بعضه، ولا شك أنه شريك للسيد في نفسه: فقد اختلف في كيفية أداء زكاة الفطر عنه على ثلاثة أقوال: أحدها: أن السيد يؤدي عما يملك منه ولا شيء عليه فيما أعتق ولا [على] (٣) العبد، وهو قول مالك في "المدونة" (٤). والثاني: أن السيد يؤدي عما يملك، والعبد يؤدي عما عتق منه، وهو قول مالك في "المبسوط"، وبه قال أشهب. والثالث: أن المتمسك بالرق يؤدي عنه جميع الفطرة. [ونقل] (٥) الشيخ أبو الحسن اللخمي قولًا رابعًا: بالتفصيل بين أن يكون للعبد مال أو لم يكن؛ فإن كان له مال أدى السيد عما يملك، والعبد عما يملك [مما] (٦) عتق منه. فإن لم يكن له مال: أدى السيد جميع ذلك، وعزاه إلى محمد بن مسلمة في "المبسوط"، وهذا قول بين القولين.

стр. 986

وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل؛ فمن اعتبر الحال. قال: يؤدي السيد عما يملكه خاصة ولا شيء عليه ولا على العبد فيما عتق؛ أما السيد: فلكونه لا ينفق إلا على القدر الذي يستعمل منه ولا شيء يستعمل منه إلا ما يملك، فعن ذلك القدر يزكى وعنه يخاطب بالفداء أو التسليم في الجنايات. وأما العبد: فلكونه حكم الرق [مستدام] (١) عليه إلى الآن في جميع أحواله. ومن اعتبر المآل قال: يؤدي السيد عن الجميع؛ لأنه لو مات كان له جميع ميراثه [بالرق] (٢) دون الذي أعتق بعضه لأن حكم الرق أغلب. ومن قال: يؤدي العبد بمقدار ما عتق منه يستدل بالنفقة لأن مؤنته في ذلك الجزء على نفسه، وقد جعل مالك زكاة الفطر تابعة للنفقة من غير ما موضع، ولأنه يخدم نفسه ويختص بكسبه بقدر ذلك الجزء من غير اعتبار الموت والجناية لأنها من الطوارئ. فإن كان الشريك غير العبد: فلا يخلو [ذلك] (٣) الغير من أن يكون حرًا، أو عبدًا. فإن كان [عبدًا] (٤) كالعبد: يكون بين الحر والعبد؛ فالحر يزكى عما يملك، ولا شيء عليه فيما ملك غيره قولًا واحدًا وهو قول عبد الملك في "كتاب ابن المواز" (٥).

стр. 987

فإن كان حرًا: فالمذهب على قولين: أحدهما: أن كل واحد منهما يزكى عما ملك ولا يكلف غير ذلك [وهي] رواية ابن القاسم عن مالك في "كتاب ابن المواز" (١). والثاني: أن كل واحد من الشريكين يخرج فطرة كاملة، وهي رواية عبد الملك عن مالك في كتاب ابن سحنون. وأبو حنيفة ﵁ يقول في العبد المشترك: لا زكاة على واحد من الأشراك. ووجه رواية ابن القاسم: أن الفطرة تابعة للنفقة؛ فلما كانت النفقة [منهما] (٢) وجب أن تكون الفطرة كذلك وهو الصحيح. ووجه رواية عبد الملك: أن العبد محبوس في حق كل واحد منهما بدليل أنه محبوس في أحكام الرِّق للسيد إذا انفرد ملكه بحقه منه فكانت عليه فطرة كاملة كما لو ملك جميعه. وأما العبد الآبق إباق إياس، والعبد المأسور، أو عبد مغصوب غصبه من لا يدخل تحت ولاية السلطان: فلا زكاة على مالكه لأنه الآن في حكم الميت. افهم هذا التحصيل [واصرف] العناية إلى معرفة هذا التنزيل، فإني لم أسبق إليها ولا زاحمتني أقلام المصنفين عليها، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء [والله ولي التوفيق] (٣) [ونسأله الموت على دين الإسلام والحمد لله وحده] (٤).

стр. 988

المسألة السادسة عشر في الوقت الذي تجب فيه زكاة الفطر اعلم أيها المسترشد أنه قد اختلفت أجوبة مالك وأصحابه في هذا الباب، واضطربت أقوالهم في الكتاب وغيره من كتب المذهب بحسب اختلافهم في الأصل، ومراعاة الخلاف، وكذلك اختلف كلام الشارحين ومقاصد المتأخرين والتأويل والتنزيل ونحن نوضح من ذلك ما أشكل ونصحح منه ما اعْتل بفضل الله تعالى وعليه أتوكل. فنقول في [تحصيل] (١) المسألة: اختلف المذهب في الوقت الذي تجب الزكاة بحلوله على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أنها تجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، وهي رواية أشهب عن مالك، وهو قول ابن القاسم، وهو ظاهر قول مالك في المدونة في الذي مات عبده قبل انشقاق الفجر من ليلة الفطر على الرواية الصحيحة لأنه مما [اختلفت] (٢) فيه الروايات في "المدونة" (٣). ووقع في رواية الدَّبَاغ: مات بعد انشقاق الفجر ويؤكد [ذلك] (٤) أيضًا من مسألة من مات يوم الفطر أو ليلة الفطر فأوصى بزكاة الفطر أنها تخرج من رأس المال، والثاني: أنها تجب بطلوع الفجر. وهي رواية ابن القاسم، ومطرف، وعبد الملك في كتاب ابن حبيب، وهو قول أكثر أصحاب مالك وكبارهم. وتردد رأى أشهب بين الروايتين.

стр. 989

وعلى هاتين الروايتين تتفرع مسائل الباب؛ وذلك فيمن مات، أو وُلد، أو أسلم، أو أيسر، أو أعسر، أو تزوج، أو طلق، أو باع عبدًا، أو اشتراه، أو أعتقه [أو ورثه أو وهب له] (١)، أو وهبه، أو احتلم الولد أو بني الزوج بالابنة البكر (٢). وهذا فائدة الاختلاف [وثمرته] (٣)؛ فمن أوجبها بالغروب: ألزمها من مات بعده وقبل الفجر، أو باع عبده بعده، أو كان موسرًا ثم أعسر، أو طلق زوجته؛ لأن هذه الحوادث طرأت بعد الوجوب. ولم يوجبها على من أسلم بعد الغروب، ولا على من احتلم [أو ولد له ولد] (٤)، ولا من ورث عبدًا [أو وهب له] (٥) وتصدق به أو ابتاعه أو أُعتق، ولا على من أيسر بعد عسره بعد الغروب؛ لأن هذه الأحداث حدثت بعد الوجوب وعلى القول الثاني: لا يلتفت إلى الغروب، بل المراعى طلوع الفجر في ذلك كله فيلزم المشتري للعبد حينئذ قبل طلوع الفجر دون البائع، والمتزوج حينئذ دون الزوجة، والبكر المبني بها دون أبيها، والمعتق دون سيده، ومن ولد له ولد أو أسلم، والوارث دون الموروث [عنه] (٦) والموهوب له، والمطلقة دون الزوج، وهذا في سائر الباب، ولا تلزم من مات حينئذ. وقد حكى في المذهب قول ثالث عن القاضي عبد الوهاب: أنها تجب

стр. 990

بطلوع الشمس، وقال أبو بكر بن الجهم: وهذا هو الصحيح من المذهب. [فانظر] (١) من أن يكون صحيح المذهب وأهل المذهب مطبقون على أن من مات بعد طلوع الفجر لا تسقط عنه زكاة الفطر إذ لو كان هناك خلاف لنقل، فلما لم ينقل لا عن متقدم ولا عن متأخر دل [ذلك على] (٢) أن الصحيح غير ما صححه ابن الجهم، وإنما الذي يجب أن يقال: هل الوقت من الغروب إلى الفجر موسع الوجوب، أو الوقت من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس موسع الوجوب؟ على القول بأن أول الوجوب طلوع الفجر، فمن أدركه لزمه فرضه؛ كمن أسلم آخر النهار في حق الصلاة، أو الحائض تطهير فيه فعليهما الصلاة لما أدركا بقية الوقت، ويلزمهما [فرضها] (٣)، فيلزم ذلك في زكاة الفطر لما كان الوجوب يتعين أول الوقت، والخطاب يتحتم لكن لما كان الوقت موسعًا: لزم من أدركه. أو يقال: إن وقت الوجوب في الفطرة غير موسع: فينقضى الوجوب بانقضائه. والقولان قائمان من "المدونة" منصوصان في المذهب، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" في الذي أسلم يوم الفطر: أنه يستحب له إخراج الفطرة [لأن] وقت الوجوب غير موسع ولا ممتد. وقال ابن حبيب: إنما تجب على من أسلم [قبل الفطر] (٤)، ولفظة: "إنما" موضوعة للحصر. وقال محمد بن مسلمة: لا تجب على من وُلد بعد الفجر.

стр. 991

وعلى القول بأن وقت الوجوب موسع: اختلف المذهب في حد التوسعة؛ فعلى القول بأنها تجب بغروب الشمس [فيجعل في حد التوسعة] (١) أربعة أقوال (٢): أحدها: أنه يمتد إلى طلوع الفجر. والثاني: أنه يمتد إلى طلوع الشمس، وهو القول الذي حكى عن القاضي أبي محمد عبد الوهاب. والثالث: أنه يمتد ويتوسع إلى زوال الشمس من يوم الفطر، وهو قول عبد الملك في "ثمانية"، أبي زيد على ما [نقله] (٣) القاضي ابن رشد. والرابع: أنه يمتد إلى غروب الشمس من آخر يوم الفطر. وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي: وجميع هذه الأقوال مروية عن مالك إلا القول [بطلوع الشمس] (٤) فإنه مروي عن بعض أصحابه، وهو القول الذي حكى عن القاضي [أبي محمد عبد الوهاب] (٥). وعلى القول بأنها تجب بطلوع الفجر: يكون فيه ثلاثة أقوال: طلوع الشمس، والزوال، والغروب. وعلى هذا [يتخرج] (٦) اختلاف قول مالك في "المدونة" (٧) في العبد يباع يوم الفطر هل هي على البائع أو على المشتري، وقد اختلف المذهب

стр. 992

فيها على أربعة أقوال: أحدها: أنها على البائع، وبه قال ابن القاسم. الثاني: أنها على المشتري. والقولان لمالك في "المدونة". والثالث: أنها على البائع والمشتري معًا وجوبًا، وحكى ذلك عن أشهب. والرابع: أنها على البائع [وجوبًا] (١) وعلى المشتري استحبابًا، وهو قول أشهب أيصًا (٢). وحكى القولين عن أشهب القاضي أبو الفضل ﵁ ويؤخذ من "المدونة" من استحبابه فيمن أسلم يوم الفطر. وفي المسألة قول خامس: أنها على المشتري وجوبًا، وعلى البائع استحبابًا، وحكاه القاضي أبو الفضل. وسبب الخلاف: إما لتعارض الأدلة عندهم في المسألة، وإما مراعاة الخلاف، وإما لأنه يعد في تزكية مال واحد في وقت واحد على ملكين كالماشية إذا ورثت أو اشتريت بعد أن زكيت، على ما قدمناه في باب زكاة الماشية. ولا خلاف فيمن مات أو طلق أو أعسر أو أعتق أو أخرج العبد من ملكه قبل غروب الشمس من آخر يوم من رمضان، وأنه لا فطرة عليه، وأنها على المطلقة طلاقًا بائنًا، وعلى المعتق والمشتري، ومن أسلم حينئذ، إلا ما وقع لأشهب فيمن أسلم أن زكاة الفطر لا تلزمه حتى يلزمه صوم يوم

стр. 993

من رمضان، وحكى نحوه عن مالك، وقال ابن حبيب: ينتقض عليه بالمولود فإنه لا يلزمه الصيام، ومع ذلك تجب زكاة الفطر، وهذا لازم لأشهب لزوم القرط للأذن وكما أنه لا خلاف أيضًا إذا نزلت هذه النوازل أو حدثت تلك الحوادث بعد غروب الشمس من يوم الفطر أنها لا يوجبها طارئ طرأ من هذه الطوارئ إن لم تجب عليه، ولا يسقطها من وجبت عليه. والخلاف في ذلك كله مبني على الخلاف في معنى قوله ﵇: "فرض زكاة الفطر من رمضان" (١)، هل هو لأول ما يسمى فطرًا، أو [هو] (٢) مغيب الشمس من آخره ويكون المراد من ذلك الشكر منا لإكمال عدة رمضان، أو تنعقد قربة الصوم بقربة الصدقة؛ فلذلك وجبت بغروب الشمس، ولا اعتبار بذلك الفطر إذ هو موجود في سائر الشهور، وإنما المراد: الفطر الشرعي المنافي للعبادة المتقدمة من الصوم؛ وهو من طلوع الفجر إلى ما بعد هذا الوقت الذي استحب فيه إخراجها عندنا، ولا يجزئ عند غيرها إلا حينئذ لا بعده، أو يتسع الوقت إلى ما لا اختلاف فيه أنه من النهار وذلك من حين طلوع الشمس فإن الفطر في أيام الصوم [حينئذ] (٣) مجمع على تحريمه؛ إذ الخلاف فيما قبل ذلك إلى طلوع الفجر هل هو من الليل أو من أول النهار، حتى أن السلف اختلفوا في جواز الأكل للصائم فيه، وبعضهم أجاز ذلك إلى طلوع الشمس، والمراد بذلك الفطر اليوم، وهو من [الغدو] (٤) إلى زوال الشمس، لأنه الحد الذي تؤخر إليه صلاة العيد، والمراد: سائر النهار الذي هو محل الفطر.

стр. 994

إذا نظرت إلى ما فسرناه وقررناه: ارتفع عنك الإشكال [واضطراب] الأقوال، وعلمت موضع الخلاف في الوجوب والاستحباب وأسبابهما [والله هو الموفق للصواب] (١). وأما العبد يباع بيعًا فاسدًا فقبضه المشتري ومضى يوم الفطر وهو عنده: فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن زكاته على المشتري؛ سواء كان قائمًا أو فائتًا؛ لأن ضمانه منه، ونفقته [عليه بنفس] (٢) القبض، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٣). والثاني: التفصيل بين القيام والفوات؛ فإن مضى عليه يوم الفطر بعد الفوات: كانت زكاة الفطر عنه على المشتري، وإن لم يفت [بشراء] (٤) فالفطرة على البائع. وهو قول أشهب في "كتاب ابن حبيب" (٥). [والقول الثالث] (٦) بالتفصيل بين أن يحكم بينهما بفسخ البيع، أو لا يحكم؛ فإن حكم بفسخ البيع ورد العبد إلى بائعه بالحكم قبل فواته: كانت فطرته على البائع وإن مضى. [يوم] (٧) الفطر وهو عند المشتري لأنه لم يكن بيعًا.

стр. 995

فإن لم يحكم بفسخه حتى فات: ففطرته على المشتري وإن لم يفت إلا بعد الفطر، وهو قول عبد الملك. وسبب الخلاف: بين ابن القاسم وأشهب: البيع الفاسد قبل الفوات هل يفيد شبهة الملك أو لا؟ فمن رأى أنه يفيد شبهة الملك: قال بوجوب الزكاة على المشتري -فات أو لم يفت. ومن رأى أنه لا يفيد شبهة الملك إلا [بالفوات] (١): قال بوجوب الفطرة على البائع، والله أعلم [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 996

المسألة السابعة عشر في الصنف الذي تؤدى منه زكاة الفطر (١)، [وفي حكمها] (٢)، هل هي واجبة أم لا (٣)؟ والأصل فيها ما أخرجه مالك من طريق ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر، على الناس من رمضان صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين". وهل هي واجبة وجوب الفرائض، أو وجوب السنن؟ فحكى القاضي أبو الوليد الباجي وغيره الإجماع على وجوبها، إلا ما يحكى عن الأصم وإبن عُلَيَّة. وأبو حنيفة [أنه يقول] (٤) أنها واجبة وليست بفريضة؛ على أصله في الفرق بين الواجب والفرض (٥)، وهو مذهب متناقض بالاتفاق منا ومنهم [في] (٦) أن حد الواجب والفرض واحد. وقد رأيت للقاضي أبي الفضل [عياض] (٧) ما يدل على وجود الخلاف عندنا في المذهب في زكاة الفطر، هل هي واجبة، أو سنة، قال: وما روي عن أصحاب مالك أنها سنة فقد أطلق هذا اللفظ قوم من أصحابنا وتأولوا فرض: بمعنى قدر، ومشهور المذهب أنها فريضة. [وإنما] (٨) اختلف المذهب هل هي واجبة بالقرآن، أو واجبة بالسنة،

стр. 997

فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: أنها واجبة بالقرآن. واختلف في الآية التي وجبت [بها] (١)؛ فقيل: وجبت بعموم قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ (٢)، وهو قول مالك في "المجموعة"، وهذا منه بناءً على أن العموم له صيغة مفردة (٣). وقيل: بل من قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (٤)﴾ (٥)، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن المسيب ﵄. والرواية الثانية: أنها واجبة بالسنة، وهي رواية ابن نافع عنه لقوله ﵇: "فرض زكاة الفطر على الناس" (٦)، و (على): من ألفاظ الوجوب واللزوم ولا يجوز في هذا الموضع أن يكون بمعنى: عن؛ لأن ذلك يخل بفائدة اللفظ. ويزيده بيانًا: ما خرجه أبو عيسى الترمذي أن رسول الله ﷺ بعث معاذًا ينادي في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم (٧). وأما المكيلة: فهي صاع عن كل نفس، والصاع: أربعة أمداد بُمدِّه ﵇.

стр. 998

والمُد: وزن رطل وثلث. والصَّاع: خمسة أرطال وثلث على مذهب [أهل المدينة وهو مذهب] (١) عالم المدينة وهو إمام دار الهجرة [مالك ﵁] (٢)، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: المُد: رطلان، والصاع: ثمانية أرطال. والدليل على الحنفي: المناظرة المشهورة بين مالك وأبي يوسف بين يدي هارون الرشيد بما لا [يخفى] على من شد طرفًا من مسائل الخلاف. وقد رأيت للشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي زيد في "كتاب المكيال والميزان" أنه قال: سافرنا، وعاشرنا، وباشرنا، وفحصنا وبحثنا عن حقيقة مد النبي ﷺ وصاعه في مكة والمدينة وسائر قواعد الأمصار فلم [نقف] على حقيقته، ولا صادفنا من يوقفنا على عينه، وذلك لتبدل المكاييل وتغير الموازين والأواني والأرطال، وسببه: تداول الدول وتحول الملك من ملك إلى ملك، قال: وأحسن ما أخذناه عن المشايخ: أن قدر مد النبي ﷺ الذي لا يختلف ولا يعدم في سائر الأمصار: أربع حفنات بحفنة الرجل الوسط لا بالطويل جدًا ولا بالقصير جدًا، ليست بالمبسوطة الأصابع جدًا ولا بمقبوضتها، إلا أنها إن بسطت فلا [تحمل] (٣) إلا قليلًا، وإن قبضت فكذلك. وكذلك تسمى قبضة ولا تسمى حفنة، فإذا جعل في الأصابع بعض الانحناء: كان غرفة، ويكون ملؤها.

стр. 999

والذي قال ﵁ قد عارضناه بما يوجد بين أيدي الناس اليوم مما يزعمون أنه مد النبي ﷺ فوجدناه صحيحًا لا شك فيه. وقد كان عند سيدنا وقدوتنا شيخ الطريقة وإمام الحقيقة أبي محمد صالح بن بنصارن الدكالي -قدس الله روحه- وبَرَّد ضريحه مد عُيِّر بمد زيد ابن ثابت [﵁] (١) بسند صحيح مكتوب عنده فعيرناه على هذا التعيير فكان ملؤه ذلك [التقدير] (٢)، وربك أعلم. وأما الصنف الذي تؤدى منه فقد اختلف فيه المذهب عندنا على أربعة أقوال: أحدها: أنها تؤدى من تسعة أشياء: القمح، والشعير، والسلت، والأرز، والدخن، والذرة، والتمر، والزبيب، والأقط. وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة" وفي "كتاب ابن المواز" (٣). والثاني: أنها تخرج من كل ما تجب فيه الزكاة إذا كان ذلك من قوته، وهو قول مالك في "المختصر" (٤)، وعلى هذا القول [فإنها] (٥) تخرج من القطاني. والثالث: أنها تؤدى من عشرة أشياء، وهو قول ابن حبيب (٦)، وزاد: العلس إلى التسعة التي قدمناها في القول الأول.

стр. 1000

والرابع: أنها لا تؤدى إلا من الأربعة التي في الحديث؛ الشعير، والتمر، والزبيب، والأقط، وهو قول أشهب في "كتاب محمد" (١). [قال:] (٢) ويدخل مع الشعير القمح والسلت لأنها منه، وهو جنس واحد أفضله القمح، وأوسطه السلت وأدناه الشعير، فإذا كان يجزئ إخراج الشعير -وهو الأدنى- فبأن [يجزئ] (٣) إخراج القمح -وهو الأفضل- والسلت -وهو الأوسط- أولي وأحرى. وفي حديث أبي سعيد الخدري، (كنا نخرج زكاة الفطر من طعام) (٤)، والطعام في كلام العرب: ينطلق على كل ما يطعم، ولكنه في عرف الاستعمال على قوت الإنسان من البُّر، وهو أيضًا يدل على أن إخراج البُّر في زكاة الفطر جائز. [وأما العلس] (٥) فيتخرج الخلاف فيه على الخلاف الذي قدمناه في زكاة الحبوب هل تضاف إلى القمح والشعير والسلت أم لا؟ وسبب الخلاف: الأشياء الأربعة المنصوص عليها في الحديث هل هي كالأصول ويقاس عليها ما كان في معناها من الأقوات المدخرات لاشتراكها في العلة، ويسمى هذا القباس قياس علة، أو لا يجوز أن يقاس عليها إلا ما كان من جنسها كالقمح والسلت على ما قدمناه، ويسمى ذلك قياسًا في معنى الأصل، وهو القياس الجلي عند الأصوليين؛ كالعبد في معنى الأمة في الحَدِّ، والأمة في معنى العبد في عتق الشريك.

стр. 1001

وكذلك أيضًا اختلف في التين هل تؤدى منها إذا كان عيش أهل بلد أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة" على اختلاف الروايات، ويخرجها [المزكي] (١) من جُلِّ عيش أهل البلد وغالب ما يستعمل في جهتهم. فإن كان رجل يَقتَات بغير ما يَقْتَات به [أهل بلدِه] (٢): [فيُنْظَر] (٣)، فإن اقتات بأفضل من قوتهم فالأفضل له أن يخرجها من قوته، فإن أخرجها من قوت أهل بلده أجزأه؛ لأنه هو الذي يلزمه، وما زاد عن قوت الناس فإنما هو بمعنى الترفه والتفكه فليس عليه إخراجه. فإن كان يقتات بدون قوت الناس: فلا يخلو ذلك من أن يكون من عسر، أو بخل. فإن كان ذلك من عسر: لم يلزمه غير قوته؛ لأنه غير واجد لأكثر منه، وإخراج الزكاة يتعلق بالوجود؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤). فإن كان يفعل ذلك لبخل: لزمه أن يخرج زكاة الفطر من قوت الناس؛ لأن حق [المساكين في] (٥) الزكاة يتعلق بذلك فتقصيره في نفسه لا يسقط عنه حق الزكاة، وقد قال ابن حبيب: إن أخرجها من الأدنى وهو يأكل الأعلى فإنه يجزئه. وسبب الخلاف: قوله ﵇: "صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير" (٦)، هل ذلك للتخيير، أو للتقسيم؟ فمن رآه للتخيير قال: يجوز

стр. 1002

إخراج الأدنى وهو يأكل الأعلى. ومن رآه للتقسيم قال: لا يجوز إخراجها إلا من وسط عيش أهل البلد، وهو المشهور. وقد حكى القاضي عبد الوهاب أن ظاهر الحديث يفيد التخيير، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1003

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها تأليف أبي الحسن علي بن سعيد الرجراجي تقديم فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور علي علي لُقَم اعتنى به أبو الفضل الدّمياطي أحمد بن علي الجزء الثالث مركز التراث الثقافي المغربي دار ابن حزم

стр. 1004

حُقُوقُ الطبع مَحفوظَة الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧م ISBN ٩٩٩٥٣ - ٨١ - ٤٣١ - ٧ الكتب والدراسات التى تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها مركز التراث الثقافي المغربي الدار البيضاء - ٥٢ شارع القسطلاني - الأحباس هاتف: ٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢/ فاكس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢ المملكة المغربية دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص - ب: ٦٣٦٦/ ١٤ هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١) بريد إلكتروني: IBNHAZIM@Cyberia.Net.Ib

стр. 1005

منَاهِجُ التَّحْصِيلِ وَنَتائجُ لَطائِفِ التَّأْوِيلِ في شَرْحِ المدَوَّنَةِ وحَلِّ مُشكِلاتهَا ٣

стр. 1006

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1007

كتاب الجهاد

стр. 1008

كتاب الجهاد (١) تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها عشر مسائل: المسألة الأولى [في اشتقاق الجهاد و] (٢) الجهاد من فروض الكفاية. ولفظته في [الاشتقاق] اللغوي موضوعة على الإطلاق، ولمن بالغ في إتعاب النفس فأجهدها في تحصيل أرب ما. وفي عرف الاستعمال الشرعي كذلك موضوعة لمن أجهد نفسه وغَلَّبَ تقواه على هواه في اكتساب قربة يرجو بها جزيل الثواب وحسن المآب. وهذا الإطلاق سائغ عند العلماء إلا أنها لفظة تعرفت في الشرع لإفادة قربة مخصوصة حتى لا يفهم عند الإطلاقات والاصطلاحات فيما يجري بينهم في المحاورات سواها، وهي [مجاهدة] (٣) الكفار ومحاربة الأعداء الذين هم أبغض خلق الله إليه، فلتكن مجاهدتهم أحب قرباته إليه. وفضائله لا تحصى وشواهده لا تخفى. وهو من فروض الكفاية يستقل بالقيام [به] (٤) آحاد الخلق دون أعيانهم كالعلم لا فرق سواء، وقد ألزمهما الله تعالى في قرن وجمعهما في نسق في عموم قوله تعالى: ﴿فَلَؤلا نَفَرَ مِن كُل فِرْقَة مِّنْهُم طَائِفَةٌ ليَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ (٥).

стр. 1009

وإلى [مثل] (١) هذا ذهب بعض المحققين بقوله: قواعد النبوة إنما تأسست وتمهدت لدعاء الخليقة إلى نهج الحقيقة طلبًا للاعتراف بالوحدانية والإقرار بالربوبية [تارة] (٢) بالسيف والسنان و [تارة] (٣) بالحجة [والبرهان] (٤)، فإن أجابوا إلى ذلك قبل منهم، وإلا طلبت منهم الجزية، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. والحمد لله وحده.

стр. 1010

المسألة الثانية في الدعوة قبل القتال هل هي مشروعة أو غير مشروعة (١)؟ والأصل في وجوبها على الجملة قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَا أَيهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبَكَ﴾ الآية (٣). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٤). فاقتضت هذه [الآيات] (٥) الدعوة إلى الله تعالى وتبشير من أطاعه بالجنة، وينذر ويحذر من عصى بالنار. ثم لا يجوز القتال إلا بعد الدعوة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٦). والمراد من بعثة الرسل التبليغ. ولا خلاف فيمن قُطِعَ عليه أن الدعوة لم تبلغه -إن تصور أن يكون ذلك، أو يمكن أن يوجد [ذلك] (٧) في بعض الجزائر وأطراف البلاد النائية من لا يعرف بعثة الرسل- أنه لا يقتل إلا بعد الدعوة، وهذا ممن لا أظنه يكون، والله أعلم. وقد اشتهر من رسالة رسول الله ﷺ وظهور شريعته ما لا يمكن

стр. 1011

[لأحد] (١) جهله مع [اتساع] (٢) الملة وامتداد المدة؛ ولأجل ما ذكرناه اختلف العلماء في وجوب الدعوة قبل القتال على أربعة أقوال: أحدها: أن الدعوة ساقطة غير لازمة لأحد؛ لبلوغ الدعوة كافة الأنام، قاله الحسن البصري وغيره. والثاني: أن الدعوة واجبة قبل القتال في حق كل أحد -قربت داره أو بعدت- وقاله عمر بن عبد العزيز، وأكثر العلماء، وبه قال مالك. والثالث: التفصيل بين من قربت داره أو بعدت؛ فإن قربت داره: قوتل قبل الدعوة لعلمهم بالدعوة، بل تطلب غرتهم بالليل والنهار. فإن بعدت داره: فلا يقاتل إلا بعد الدعوة؛ لأن الدعوة أقطع للشك وأنزه للجهاد - معناه: أنزه عن الإثم. والرابع: التفصيل بين القبط و [غيرهم من] (٣) الروم؛ فالروم يقاتلون قبل الدعوة، والقبط لا يقاتلون حتى يُدعوا. والأقوال [الأربعة] (٤) مذهبية، وكلها من "المدونة". وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من أمره ﵇ [بالدعوة] (٥) قبل القتال هل ذلك لجهلهم بالرسالة والنبوة فتسقط الدعوة في حق من علم بالرسالة، أو ذلك لجهلهم بالسبب الذي نقاتلهم عليه؛ هل ذلك طلبًا للملك والرئاسة، أو ذلك [لتبليغ] (٦) [أحكام] (٧) الرسالة؛ وهي أن

стр. 1012

تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى؛ فعلى هذا لابد من الدعوة قبل القتال، بالإنذار وإن دنت الدار واشتهرت النبوة والرسالة في سائر الأمصار. والتفصيل بين قريب الدار أو بعيدها [حسمًا] (١) [لمادة الشك] (٢) وقطعًا لأعذار أهل الشرك. وتفريق مالك ﵀ بين القبط والروم في وجوب الدعوة على ما في "المدونة": اختلف [المتأولون] (٣) في تأويله؛ فقال بعضهم: لعله رأى أنهم لا يفقهون ما يدعون إليه، فرأى أنهم يدعون وتبين لهم الدعوة. وقال بعضهم: هذه العلة باطلة؛ لأن القبط من أحذق الناس. وتأول آخرون أن ذلك لحق مارية القبطية أم ولد النبي ﷺ وهي أم ولده إبراهيم. وقيل: إن العلة: أن القبط كان لهم عهد وَرُكبُوا بظلم وتداول الملوك ذلك من أهل الجور [فنقضوا] (٤) ما كانوا عليه من العهد، فلذلك لا يقاتلون حتى يدعوا ويخيروا أنهم يردون إلى ما كانوا عليه ويسار فيهم بالعدل وطريق الحق، وأما الروم فما كان لهم عهد قط، وهذا أثبت ما قيل في [هذه] (٥) المسألة. واختلف في تبييت العدو قبل الدعوة على قولين: أحدهما: أنهم لا يبيتون حتى يدعوا، وهو قول مالك في "مختصر" ابن

стр. 1013

عبد الحكم، وهو ظاهر "المدونة". والثاني: أن التبييت جائز [قبل الدعوة] (١)، وهو قول ابن المواز، واستشهد بقصة [كعب] (٢) بن الأشرف وغيره ممن بعث إليه النبي ﷺ من قتله، غيلة على ما ذكر في آثار المدونة في كتاب الجهاد. وفي المسألة قول خامس بالتفصيل بين الجيوش والسرايا؛ فتجب الدعوة على الجيوش دون السرايا، وهو قول أصبغ في "العتبية"، وهو ظاهر "المدونة" (٣)؛ لقوله: "لأن سيرتهم غير سيرة السرايا لأنهم يقصدون الإظهار على غير اختفاء، وهم أمراء يقيمون الحدود ويقسمون الفىء". قال سحنون: "لا فرق بين الجيوش والسرايا، إن وجبت فعلى الجميع، وإن سقطت فعن الجميع" (٤). وهو تفسير لأقاويل مالك في المسألة فيتحصل في المذهب أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة". فإذا قلنا بالدعوة، فما صفتها؟ وهل يدعون إلى الإيمان [وفروعه] جملة واحدة؟ وهو ظاهر الحديث على ما رواه ابن حبيب في كتابه - وإن كان العلماء قد طعنوا في أحاديث ابن حبيب، أو يدعوهم إلى الإيمان أولًا، فإن أجابوا إليه فيدعوهم إلى الفروع ثانيًا [وهذا نص المدونة] (٥). وأما صفة الدعوة: فهي مختلفة باختلاف صفة كفرهم؛ لأن

стр. 1014

[الصفات] (١) التي بها كفر من كفر مختلفة وإن كانت كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو الكفر؛ فكفار قريش مُقِروّن [بالربوبية ولا يقرون] (٢) بالألوهية وأن الله خلقهم ويجعلون له شريكًا، تعالى الله عن قولهم، وينكرون النبوة فيدعون إلى الرجوع عن [هذين الوصفين] (٣) بأن يقروا بالوحدانية والرسالة. وأما اليهود: فمن كان منهم مشركًا يقول: عزيز [ابن الله] (٤)، وينكر أن محمدًا نبيًا ورسولًا ﷺ ، فيدعون إلى الرجوع عن [هذين الوجهين] (٥) ومن كان منهم مقرًا بالوحدانية منكرًا للرسالة فيدعون إلى الإقرار بالرسالة. وأما النصارى: فهم منكرون للوحدانية والرسالة، فيدعون إلى الإقرار بهذين الوجهين [وأما المجوس فقد أنكروا الألوهية والرسالة فيدعون إلى الإقرار بهذين الوجهين] (٦). وأما الصابئون: فإنهم يعبدون الملائكة وينكرون الرسالة، وهم مقرون بالألوهية وينكرون البعث. فإذا رجع كل فريق من هؤلاء عن الوجه الذي [به] (٧) كفر إلى ما دعى إليه كان مؤمنًا، [ثم يدعون] (٨) بعد ذلك إلى فروع الإِسلام على الترتيب.

стр. 1015

واختلف في السلابة هل يدعون قبل القتال أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنهم يدعون إلى أن يتقوا الله ويَدَعُوا ما هم عليه، فإن أبوا فَلْيقَاتَلوا. وهو قول مالك في "المدونة" (١). والثاني: أنهم لا يدعون لعلمهم بما يدعون إليه. وهو قول عبد الملك في "كتاب ابن المواز". فإن طلبوا الطعام و [الثوب] (٢) والأمر اليسير هل يعطون أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنهم يعطون ما طلبوا، وهو قول مالك في "المدونة" (٣)، وظاهره: أنه يجوز أن يعطوا وإن كان المطلوب قادرًا على الامتناع منه. والثاني: أنه لا يجوز أن يُعْطوا شيئًا إذا كان المطلوب يرجو الظفر بهم والنصرة عليهم لأن إجابتهم على مطلوبهم مع القدرة على مكافحتهم إشلاء لهم على أنفسهم وغيرهم من المسلمين، وقوة لمادتهم وعون لهم على ما هم عليه من البغي والفساد، وذلك ظلم وإثم مبين، وهو قول عبد الملك في كتاب ابن المواز. وسبب الخلاف: قتال المحاربين هل تعين على من لقيهم وعلى غيرهم، أو لا يتعين؟ فمن رأى أن قتالهم لا يتعين قال: يجوز أن يسعفهم بمقصودهم فيما

стр. 1016

طلبوا. ومن رأى أن قتالهم تعين على من لقيهم قالوا: إنه لا يجوز أن يعطوا لأن جهادهم قد تعين عليهم. والقولان قائمان من "المدونة" (١). فعلى قولهم في "كتاب الجهاد": لا بأس أن يعطوا ما طلبوا من الشيء الخفيف: فلا يتعين قتالهم. وعلى قوله في آخر "كتاب المحاربين" من "المدونة": وجهاد المحاربين جهاد تعين قتالهم. والقولان ظاهران، والحمد لله وحده.

стр. 1017

المسألة الثالثة في حكم الأسارى و [الغنائم] (١) وجميع ما نيل من العدو (٢). وينقسم على خمسة أقسام: ذو القوة من الرجال، والنساء والعيال، وما لا تسرع إليه الأيدي من الأموال وما لا تصبر عنه الأيدي في أكثر الأحوال، وما لا سبيل [إليه من الأموال] (٣). فالجواب [القسم] (٤) عن الأول: إذا غُنم من العدو ذوو القوة من الرجال: فإن الإِمام مخير فيهم بين خمسة أشياء: القتل، والجزية، والفداء، والمن، والاسترقاق. فمن هذه الخصال الخمس ما يستوي فيه جميع أنواع الكفار إذا أسروا، [وهو] (٥): المن، والفداء، والقتل فيمن يجوز أن يؤسروا. وقولنا: "فيمن يجوز أن يؤسروا" احترازًا من رهبان الصوامع والديارات ممن بان بنفسه في مخالطة الكفار، ولا يمدهم برأي ولا بمال، ولا تدبير، فهم الذين نهى أبو بكر ﵁ عن قتلهم وأسرهم والتعرض لهم في أنفسهم. واختلف في أموالهم هل تترك لهم، أو تؤخذ منهم على قولين قائمين من "المدونة" (٦):

стр. 1018

أحدهما: أنهم تؤخذ أموالهم ويترك لهم منها ما يعيشون به، ولا تؤخذ أموالهم كلها [فلا يجدون ما يعيشون به] (١)، وهو قول [مالك] (٢) في "المدونة". والثاني: أنها تترك لهم كلها إن عُرف أنها من أموالهم، ولا يؤخذ منها شيء، وهو قول ابن المواز، وهو ظاهر"المدونة"؛ لأنه قال في الكتاب (لا يتعرض له في نفسه). فكما نهى عن التعرض لنفسه فكذلك ينهى عن التعرض لماله، وهو نص قول مالك في "العتبية" (٣) أيضًا. وأما من لم يَبِنْ بنفسه ممن يخالط جملة أهل الكفر؛ كرهبان [الكتابيين] (٤): فإنهم كسائر الرجال المقاتلة [من الكفار] (٥) يستباحون بالقتل والأسر والاسترقاق؛ فإن منهم الرأي والتدبير والنكاية على المسلمين فهم أنكى ممن يعمل بيده. واختلف في النساء إذا ترهبن هل يسبين أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنهن أحق أن لا يسبين ولا يستبحن، وهو قول أشهب في "مدونته" (٦). والثاني: أنهن يسبين بخلاف الرجال، وهو قول سحنون. وسبب الخلاف: هل العلة الموجبة للصون كونهم مترهبة فيستوي [في

стр. 1019

ذلك] (١) الذكر والأنثى، أو كونه ذكرًا مترهبًا فيفترق الحكم بين الذكر والأنثى؛ وذلك لأن الراهب قد كفى المسلمين بأسه وقمع عن أذيتهم شوكته، فاستحق بذلك أن يعفى في نفسه على الاتفاق، وفي ماله على الاختلاف، بخلاف المرأة لا نكاية لها ولا شوكة ترهبنت أم لا. والتخيير في هذه الأشياء موكول إلى اجتهاد الإِمام فمن كانت منه نكاية وكان قد قاتل المسلمين: فأرى أن شفى صدور المسلمين في قتله وإن كان استرقاقه واستحياؤه غير محرم، وكذلك إن كان لا تؤمن غائلته إن استحيى أو إن نفر إلى موضعه أو أن يصير عينًا على المسلمين فقتله أحسن. وإن لم تتقدم له نكاية وأمنت غائلته فاسترقاقه أو الجزية فيه أحسن والقتل غير محرم. وأما المن: فيحسن لكل من يرجى بردِّه صلاح أو كسر شوكة. وأما الفِّدَاء: [فحسن] (٢) لمن لا يعرف بالشجاعة وإن أسقط الإمام عن الأسير القتل وأبقاء ليرى فيه رأيه في [أحد] (٣) هذه الوجوه الأربعة بما سوى القتل لم يجز أن يقتله بعد ذلك. وإن منَّ عليه لم يجز أن يحبسه عن الذهاب إلى بلاده إلا أن يشترط عليه أن يبقى فيضرب عليه الجزية. فإن أبقاه للجزية: لم يجز له أن يسترقه. ويجوز له أن يفدى به برضاه. وإن أبقاه على وجه الاسترقاق: جاز أن ينتقل معه إلى الجزية كذلك ذكر الشيخ أبو الحسن اللخمي، وهذا كله في أهل الكتاب. وأما من لا كتاب له من مشركي العرب هل يخير فيهم بين الخمسة

стр. 1020

أشياء كما يخير [في غيرهم] (١) من أهل الكتاب أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يخير فيهم كما يخير في أهل الكتاب. والثاني: أنهم بخلاف أهل الكتاب في التخيير. ويبنى الخلاف على الخلاف في الجزية هل تؤخذ من مشركي العرب كما تؤخذ من غيرهم من أهل الكتاب أم لا؟ فمن رأى أنها تؤخذ [منهم] (٢): قال بالتخيير [للإمام] (٣) فيهم بين الخمسة [أوجه] (٤). ومن قال لا تؤخذ منهم الجزية: اختلف هل يخير فيهم بين أربعة أشياء أو بين ثلاثة أشياء على قولين: أحدهما: أنه يخير فيهم بين أربعة أشياء؛ المن، والقتل، والفداء، والاسترقاق. وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: [أن] (٥) الإِمام مخير فيهم بين ثلاثة أشياء؛ القتل، والفداء، والمن، وليس له أن يسترقهم. وهو قول ابن وهب. وسبب الخلاف: اختلافهم في العرب إذا سبوا هل يُسترقُّون بالسبى كما يسترق غيرهم من أهل الكتاب [أم لا] (٦)؟ فمن رأى أنهم يسترقون بالسبى: قال فيهم بالتخيير بين أربعة أشياء،
следующие страницы →