← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1236

ربط الديون والالتزامات الآجلة بالذهب أو الفضة أو بسلة من العملات أو بمستوى الأسعار وحكمه شرعا

صالح بن زابن المرزوقي البقمي

Полный текст (123 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم كتابه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) والقائل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) والقائل: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٣)، والقائل: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤)، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله نبينا وسيدنا محمد القائل: «تركتُ فيكم أَمْرَيْنِ لن تَضِلُّوا ما تَمَسَّكْتُمْ بهما: كتابَ اللهِ وسُنَّةَ نبيِّهِ» (٥) … أما بعد: فإنه تقع في البلدان الإسلامية مشكلات اقتصادية، كما تقع في كثير من البلدان الأخرى سواء كانت متقدمة مادياً وصناعياً، أو من البلدان النامية، ويناقش الاقتصاديون الغربيون هذه القضايا، ويضعون لها حلولاً من وجهة نظرهم، دون إخضاعها لأحكام الدين، وإنما من منطلق المصلحة المادية كما يرونها، وقد يتفقون على هذه الحلول، وقد يختلفون فيها، وقد يثبت نجاحها من الوجهة المادية، وقد يثبت فشلها من هذه الوجهة كذلك، وقد تختلف الآراء في مدى نجاحها، أو فشلها.

стр. 2

ثم لا تلبث هذه المقترحات -التي نشأت وانطلقت من بيئة غير إسلامية- أن يتلقفها الاقتصاديون في البلدان الإسلامية، ثم يحاولوا أن يجدوا لها مسوغاً شرعياً، فيكون هذا التسويغ موفقاً حيناً، ومجانباً للصواب بإخضاع النصوص ولي أعناقها أحياناً أخرى. ومن هذه المشكلات، انخفاض القوة الشرائية للنقود الورقية التي تقع إما بطريقة التناقص الخفي، والبطيء لقيمتها، أو بطريقة سريعة. «والنقود الورقية لا تتفاوت قيمتها بالنسبة إلى عيار مخصوص من الأثمان، وإنما تتفاوت بغلاء الأشياء ورخصها، فكلما غلت البضائع في السوق انتقصت قوة شرائها، فكأنما انتقصت قيمتها، وكلما رخصت البضائع زادت قوة شرائها، فكأنما ارتفعت قيمتها» (١). ومن أهم أسباب تناقص قيمة النقود ارتفاع التضخم، أو وقوع الحروب، فكلما ازداد التضخم نقصت قيمتها الشرائية، وكلما ازداد الانكماش ارتفعت قيمتها الشرائية. وأما بالنسبة لآثار الحروب على العملة الورقية فإن الليرة اللبنانية مثلاً كانت في عام ١٩٧٣ م تساوي (٢. ٦) للدولار الواحد، أي أن الليرة تساوي نصف دولار تقريباً، وفي عام ١٩٩٤ م يساوي الدولار الواحد ١٦٨٠ ليرة، وفي هذه السنة يساوي الدولار ١٥٨٠. ٥ ليرة (٢). والدينار العراقي كان سعره الرسمي عام ١٤١٠ هـ قبل العدوان على الكويت يساوي أكثر من ثلاثة دولارات، وفي هذه السنة وهي عام ١٤١٧ هـ يساوي الدولار ٣١١٥ ديناراً (٣).

стр. 3

ونظراً لأن هذه مشكلة واقعة في البلدان الإسلامية في هذا العصر، وتختلف حدتها من بلد لآخر، ولأنها تؤثر على دخول الأفراد خاصة في الديون، والقروض، إذ إن تناقص قيمة النقود الورقية مع مرور عدة سنوات يجعل القرض أو الدين، عند سداد أي منهما لا يحقق لصاحبه من السلع والمنافع مثل ما كان عند عقد الدين أو القرض، لهذا فقد نادى بعض الاقتصاديين المسلمين بفكرة تطبيق الربط القياسي، أو ما يسمى بالربط بالمستوى العام للأسعار، وأيدهم بعض الفقهاء المعاصرين، وعارضهم أكثر الفقهاء. وقد عرض مجمع الفقه الإسلامي بجدة، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذه المسألة على أعضاء المجمع في عدة دورات، وعقد لها ثلاث ندوات، وسيعقد لها هذا العام ندوتين، وتمهيداً لعرض نتائج هذه الندوات على الدورة العاشرة لمجمع الفقه الإسلامي في هذا العام، ونظراً للأهمية البالغة لهذه القضية، ولأنه قد تباينت فيها وجهات نظر المعاصرين، ولأن مجمع الفقه الإسلامي بجدة ما زال يعاود النظر فيها من حين لآخر، ولأن كثيراً ممن كتبوا في هذا الموضوع تناولوه من ناحية موقف الفقهاء من التعويض عند نقص قيمة النقود أو غلائها، أو من وجهة تمثل الدفاع، أو التأييد لقضية الربط بمستوى الأسعار، أو من ناحية التضخم وعلاجه، أو كساد النقود، ونحو ذلك. لهذا استعنت بالله على بحث هذا الموضوع، وسميته «ربط الديون والالتزامات الآجلة بالذهب أو الفضة أو بسلة من العملات أو بمستوى الأسعار وحكمه شرعاً». وأعرض فيه لتصوير الموضوع، وتحرير موضوع النزاع، وبيان آراء الفقهاء المعاصرين، وما يمكن أن تخرج عليه آراء الأئمة، وعرض أدلة الآراء، ومناقشتها، والإجابة عليها، مع استعراض تاريخ موجز لبعض حالات الغلاء في الدولة

стр. 4

الإسلامية، وترجيح ما يؤيده الدليل، مع بيان مسوغات الترجيح شرعياً واقتصادياً. ثم أعرض حلولاً شرعية وقائية من التضخم، وحلاً لمعالجة هبوط قيمة النقود الشرائية، بضوابط معينة. وقد جعلته بعد المقدمة في خمسة مباحث وخاتمة: المبحث الأول: تمهيد في التعريف بالربط بالذهب أو بمستوى الأسعار، وفي المصطلحات الفقهية، والاقتصادية. المبحث الثاني: رأي دعاة الربط وأدلتهم. المبحث الثالث: رأي المانعين للربط وأدلتهم. المبحث الرابع: مناقشة الأدلة. المبحث الخامس: الترجيح. المبحث السادس: الحلول الشرعية. الخاتمة: في أهم النتائج. تم بحمد الله في العوالي بمكة المكرمة يوم الجمعة ٠٣/ ٠٤/ ١٤٤٤ هـ الذي يوافقه ٢٨/ ١٠/ ٢٠٢٢ م

стр. 5

المبحث الأول تمهيد في التعريف بالربط بالذهب أو بمستوى الأسعار وفي المصطلحات الفقهية، والاقتصادية المطلب الأول: تعريف الربط بمستوى الأسعار الربط بمستوى الأسعار هو: «الاتفاق عند العقد، أو وجود قانون حكومي (١)، على تقويم قيمة الديون قروضاً، أو بيوعاً مؤجلة، أو مهوراً، أو نحو ذلك، بعملة أو بسلعة، أو مجموعة من السلع، أو بالرقم القياسي لتكاليف المعيشة عند السداد». شرح التعريف: معنى هذا هو اتفاق بين طرفين على أن ثمن المبيع مثلاً هو قيمة سلعة من السلع أو مقداراً من عملة معينة، وذلك في وقت عقد هذا الدين، سواء كان هذا الدين قرضاً، أو ثمن مبيع مؤجلاً، أو صداقاً مؤخراً، أو غير ذلك من الالتزامات المؤجلة، ثم تعرف قيمة تلك السلعة أو السلع، أو العملة عند السداد، بعد معرفتها عند العقد، وسمي كذلك لأن الدين تربط قيمته بتغييرات قيمة النقد. مثل أن يقرض باكستاني آخر ثلاثمائة ألف روبية باكستانية ويتفق على ربط هذا القرض بالدولار الأمريكي، فإنه ينظر كم يساوي هذا القرض من الدولارات عند السداد، فإذا كان يساوي عشرة آلاف دولار، فإنه عند السداد يرد من الروبيات ما يساوي تلك الدولارات. ففي هذا المثال الدولار= ٣٠ روبية، فإذا كان عند السداد=٤٠ روبية فإنه يرد أربعمائة ألف روبية، ١٠٠٠٠ دولار×٤٠= ٤٠٠٠٠٠ روبية.

стр. 6

ومثال آخر: إذا كان على إنسان دين لآخر، قيمته ألف ريال سعودي، واتفق الطرفان على ربطه بمجموعة من السلع مثل ١٠٠ كيلة من الأرز=٣٠٠ ريال، و ١٠٠ كيلة من القمح=٢٠٠ ريال، و ٥٠ كيلو من البن=٥٠٠ ريال، فإنه ينظر كم تساوي هذه السلع عند السداد، فإذا كان السداد بعد سنتين، وأنها حينئذ تساوي ١١٠٠ ريال فإن نسبة التضخم= ٥% للسنة الواحدة، فعليه أن يسلم ١١٠٠ ريال. وعلى هذا المثال إذا كان الدين مليون ريال، فإنه يرد مليون ومائة ألف ريال (١). وإذا لم يكن هناك تضخم وإنما وقع إنكماش بنسبة ٥% والدين ١٠٠٠ ريال فإنه يرد ٩٠٠ فقط. وهذا النوع من الربط: يمكن تسميته بالربط التعاقدي، وهو الذي اشترطه المتعاقدان، أو أحدهما، ورضيا به. أما النوع الثاني: فهو أن تصدر الحكومة قانوناً عاماً يلزم جميع الناس الذين يكونون أطرافاً لمعاملة معينة، كالدين، أو الوديعة المصرفية، أن تربط ديونهم، أو ودائعهم بمستوى تكاليف المعيشة. «والرقم القياسي لتكاليف المعيشة يعكس تكلفة سلعة ثابتة من السلع والخدمات يفترض شراؤها من قبل مستهلك نموذج. وتتكون من الملبس والمأكل والمنزل والمواصلات والطاقة (مثل الكهرباء ووقود التدفئة) والرعاية الصحية

стр. 7

والترفيه. ومن المهم ملاحظة أن فكرة الربط ما بنيت على الوجود الفعلي لمثل هذا المستهلك النموذج الذي تجتمع فيه صفات تمثيل كافة أفراد المجتمع بأغنيائه وفقرائه وأطبائه ومزارعيه وقراه ومدنه … إلخ فهو أمر تقريبي الغرض منه الوصول إلى فكرة عامة عن اتجاهات الأسعار» (١). «فالأرقام القياسية لتكاليف المعيشة تعتمد على تتبع تلك السلة من السلع والخدمات عبر الزمن (سنوات أو أشهر) ومقارنة ذلك الثمن بما يسمى بسنة الأساس أي ثمن محتويات تلك السلعة عندما جرى إعدادها للمرة الأولى، ويفترض أن ثمنها عندئذ كان ١٠٠. ثم ينظر كم أصبح ثمنها؟ فإذا زاد إلى ١١٠ قيل أن الأسعار ارتفعت بنسبة ١٠% وهكذا» (٢). فالمتعاقدان وإن أجريا العقد بوحدة نقدية حقيقية إلا أنهما ربطاها بوحدة للتحاسب تكون هي المعتبرة في تقدير مقدار الدين، أو القرض ونحوهما عند السداد. المطلب الثاني: تعريف الثمن الثمن في اللغة: هو العوض الذي يأخذه البائع على التراضي في مقابلة المبيع عيناً كان أو سلعة (٣). قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ (٤). الثمن في الاصطلاح: (ما تراضى عليه المتعاقدان سواء زاد على القيمة أو نقص) (٥).

стр. 8

وعرِّف بأنه: ما يسميه العاقدان وقت البيع بالتراضي، سواء كان مساوياً للقيمة الحقيقية، أو ناقصاً عنها، أو زائداً عليها (١). ويعبر عنه بالثمن المسمى (٢). المطلب الثالث: تعريف المثل يعبر الفقهاء بالمثلي، وهو نسبة إلى المثل، وهو يدل على مناظرة الشيء للشيء، يقال هذا مثل هذا، أي نظيره (٣). والمثل «يستعمل على ثلاثة أوجه: بمعنى الشبيه، وبمعنى نفس الشيء وذاته، وزائدة، والجمع أمثال، ويوصف به المذكر والمؤنث والجمع، فيقال: هو وهي وهم وهن مثله، وفي التنزيل ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ (٤). وخرج بعضهم على هذا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٥). أي ليس كوصفه شيء، وقال هو أولى من القول بالزيادة، لأنها على خلاف الأصل، وقيل في المعنى: ليس كذاته شيء كما يقال مثلك من يعرف الجميل، ومثلك لا يعرف كذا … ومثال الزيادة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ﴾ (٦). أي بما. قال ابن جني في الخصائص: قولهم مثلك لا يفعل كذا، قالوا: مثل زائدة، والمعنى أنت لا تفعل كذا» (٧). وهنا أطلق المثل وأراد به الذات. وتطلق كلمة (مثل ويراد منها التسوية، أو المساواة) (٨). ولكن هناك فروقاً لغوية بينهما. فالمساواة تكون بين المختلفين في الجنس والمتفقين، إذ التساوي

стр. 9

التكافؤ في المقدارين بحيث لا يزيد أحدهما عن الآخر، ولا ينقص عنه، أما المماثلة فإنها لا تكون إلا في المتفقين، وهي عبارة عن سد أحد الشيئين مسد الآخر (١). تعريف المثلي في الاصطلاح: المثلي هو: «ما يوجد مثله في السوق بدون تفاوت يعتد به» (٢). أي لا يختلف لسببه الثمن (٣). وهذا التعريف يتفق مع مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة. إلا أن المالكية قالوا: «ما حصره كيل، أو وزن، أو عدد لم يتفاوت أفراده مع وجوده في الأسواق» (٤). والحنفية والحنابلة مثلوا له، بالمكيل، والموزون، والعددي، المتقارب، الذي لا تتفاوت آحاده تفاوتاً تختلف به القيمة، مثل الجوز، والبيض (٥). وعرفه الشافعية بأنه: «ما حصره كيل أو وزن، وجاز السلم فيه» (٦). فتبين أن المثلي ما تماثلت آحاده، أو أجزاؤه ولم تتفاوت تفاوتاً يعتد به، بحيث يمكن أن يقوم بعضها مقام بعض دون فرق، كالمكيلات والموزونات المتحدة في النوع، والعدديات التي تتماثل آحادها، كالنقود الورقية، ذات الجنس الواحد، مثل الريال السعودي، أو الدولار الأمريكي، أو تتقارب كالبيض، والجوز والليمون (٧)، لأنه إن وجد تفاوت بين أفراده في الكبر والصغر، وكان هذا التفاوت يسيراً لا يؤثر في اختلاف الثمن فإنه يكون مثلياً. أما إذا كان العرف

стр. 10

يفرق في الثمن بين الكبير والصغير، فإنه حينئذ لا يكون مثلياً. بل يكون قيمياً. أما المالكية فقد قرروا عدم التفاوت بين العددي. ومن المثليات عروض التجارة المتحدة الجنس، كأفراد النسخ الجديدة المطبوعة من كتاب واحد، ومن صنف ورق واحد، متى كانت الطبعة واحدة، وكذا الأقمشة والمنسوجات القطنية والحريرية من المثليات، لأن كل ذراع، أو متر منها يساوي الآخر، وكذا الآنية متى كانت الأحجام والآحاد متحدة فكل ذلك يكون مثلياً. أما إذا كانت أجزاء المذروعات متفاوتة كالنسيج غير المتماثل الأجزاء، وكالأراضي فإن كل قطعة منها تكون قيمية غير مثلية (١). المطلب الرابع: تعريف القيمة القيمة في اللغة: القيمة بالكسر، تعني واحدة القيم، وأصله الواو، لأنه يقوم مقام الشيء ومعناه: ثمن الشيء بالتقويم. يقال: تقاوموه فيما بينهم، وقومت السلعة تقويماً (٢). وفي المصباح: أن القيمة هي: الثمن الذي يقاوم به المتاع، أي يقوم مقامه (٣). ونخلص مما سبق إلى أن القيمة في اللغة: ثمن السلعة إذا جرى تقويمها. القيمة في اصطلاح الفقهاء: عرفها ابن عابدين بأنها: «ما قوم به الشيء، بمنزلة المعيار من غير زيادة ولا نقصان» (٤).

стр. 11

وعرف شيخ الإسلام ابن تيمية القيمة بأنها: «المقدار المساوي للشيء في ماليته، المغاير له في جنسه» (١). وعرفت مجلة الأحكام الشرعية القيمة بأنها: «ما يقوم به الشيء». «ويختلف زماناً ومكاناً» (٢). وعرف الشيخ أحمد إبراهيم بك القيمة بأنها: «ما توافق مقدار مالية الشيء، وتعادله بحسب تقويم المقومين» (٣). ويظهر من التعريفات السابقة أن المراد بالقيمة ما يعادل، أو يساوي العين بسعر سوقها، بحسب تقويم المقومين، واعتبارها بالزمان والمكان سواء كانت مبيعاً، أو غيره. وعلى هذا المعنى فإن القيمة عند الفقهاء تطلق على ثمن المثل، ويعبر البعض عنها بالقيمة الحقيقية (٤)، وذلك في مقابل الثمن المسمى، أي الذي يسميه العاقدان وقت العقد. يقول ابن القيم عن البيع بما ينقطع به السعر: يذكر أنه إذا قلنا بصحة العقد: «فإن الضمان يكون بثمن المثل، وهو القيمة» (٥). ويبين شيخ الإسلام ﵀ فرقاً دقيقاً بين ثمن المثل وقيمة المثل، حيث جعل قيمة المثل هي: سعر السوق الحال، وثمن المثل هو سعر السوق أثناء التقابض (٦) فيقول: «ليس له مطالبته بزيادة على السعر الواقع وقت القبض وهو ثمن المثل، ولكن يطلب سعر الوقت، وهو قيمة المثل» (٧).

стр. 12

يقول التهانوي: «والحاصل أن ما يقدره العاقدان بكونه عوضاً للمبيع في عقد البيع، يسمى ثمناً، وما قدره أهل السوق وقرروه فيما بينهم وروجوه في معاملاتهم، يسمى قيمة» (١). والمثلي من الأموال قسيم القيمي (٢). وعلى ذلك فالقيمة يقدر بها الأشياء القيمية، أما المثل فيقدر به المثليات (٣). تعريف القيمة عند الاقتصاديين: يختلف مفهوم القيمة عند الاقتصاديين بالنسبة للنقود عن مفهومها بالنسبة للسلع، والمنافع، ولذا فسنقتصر على تعريفها عندهم بالنسبة للنقود. تعريف القيمة الاسمية: «القيمة الاسمية لأي صك أو وثيقة أو عملة أو ورقة نقدية هي القيمة المدونة عليها (٤) وهذه القيمة تحددها الحكومة. وعلى هذا فإن القيمة الاسمية للديون والقروض هي المقدار المعلوم بموجب عدد وحدات النقد الذي تعاقد عليه المتعاقدان عند العقد، والذي يسميه الفقهاء بالثمن، ويوجبون رد مثله. القيمة الحقيقية: هي قيمة النقود الشرائية والتي هي عبارة عن مقدار ما يتحصل عليه بوحدة النقد من سلع وخدمات (٥). المطلب الخامس: غلاء النقود ورخصها، وكسادها، وانقطاعها المراد بغلاء النقود ورخصها عند الفقهاء هو أن تزيد قيمة النقود، أو تنقص بالنسبة للذهب، أو الفضة (٦).

стр. 13

الكساد في اللغة: معناه: عدم نفوق السلع لقلة الرغبات (١). وكساد النقد في اصطلاح الفقهاء هو «عدم الرواج في جميع البلدان، وعند بعض العلماء عدم الرواج في بلد المتعاملين» (٢). وقال ابن عابدين: «أصل الكساد الفساد، وعند الفقهاء أن تترك المعاملة بها في جميع البلاد، وإن كانت تروج في بعض البلاد لا يبطل لكنه يتعيب إذا لم يرج في بلدهم» (٣). الانقطاع: هو عدم وجود النقد في التعامل وإن كان يوجد عند الصيارفة أو في البيوت (٤). وقد كان غلاء النقد، ورخصه، وكساده، وانقطاعه، وعزته، حسب ما بيناه، يحدث عندما كان الناس يتعاملون بأنواع متعددة من النقود في نفس الوقت، مثل أنواع الدراهم والدنانير والفلوس المختلفة. وقبل مائة وثلاث سنوات من كتابة هذا الكتاب عام ١٤٤٤ كانت أكثر المجتمعات الإسلامية، لا سيما في الشرق الأوسط تتعامل بما لا يقل عن خمس أو ست عملات في نفس الوقت (٥). فيقع في كثير من الأحيان أن تثبت لبعض الناس ديون بعملة محددة، ثم تنقطع تلك العملة، لأسباب كثيرة، منها: توقف سك العملة في بلد المصدر، أو ارتفاع قيمة معدنها مقابل العملات الأخرى، فإذا ازداد

стр. 14

الطلب على العملة (ذهب) مثلاً، وارتفع سعره اختفى من الأسواق، ولكنه يوجد في البيوت. ولقد وجدت هذه الحالات في البلدان التي كانت تطبق نظام المعدنين - الذهب والفضة- في العقود الماضية القريبة. فقد كانت نقود المملكة العربية السعودية قبل ١٩٥٤ م الريال الفضي، والجنيه الذهبي، وكان ارتفاع أسعار الذهب خارج المملكة يؤدي إلى اختفائه من الأسواق، لرغبة الناس في تصديره، أو للاحتفاظ به وادخاره. ومثل هذا يحدث للفضة عند ارتفاع سعرها، وذلك لأن للنقود الذهبية والفضية قيمة ذاتية مستمدة من معدنهما، فيميل الناس إلى سحبها من التبادل مطمئنين إلى بقاء تلك القيمة فيها (١). وكان كلام الفقهاء في هذه المسائل بياناً لحكم هذه الوقائع، التي وقعت في عصورهم. تأسيساً على النصوص والقواعد الشرعية، وهو في الوقت نفسه تقعيد يستفيد منه من بعدهم في الحالات المماثلة. وبالنسبة لصورة غلاء النقود ورخصها على ما عرفه به الفقهاء فإنه غير متحقق في النقود الورقية في هذا العصر، لأن الذهب والفضة اللذين تقاس بهما قيمة النقود من غيرهما لا يتعامل بهما في هذا العصر كنقود، وإنما تتفاوت قيمة النقود الورقية بغلاء البضائع، والمنافع، ورخصهما، فكلما غلت البضائع، والمنافع نقصت قوة شرائها، فكأنما انتقصت قيمتها، وكلما رخصت البضائع والمنافع زادت قوة شرائها، فكأنما ارتفعت قيمتها (٢).

стр. 15

ويمكن ارتفاعها، أو انخفاضها بالنسبة لأسعار الصرف مع عملات الدول الأخرى، في حالة عدم تثبيت قيمة صرف العملة. والانقطاع لا يتصور في النقود الورقية، لأنها نقود ائتمانية (١)، ليس لها قيمة استعمالية وإنما تستمد قوتها من ضرب السلطان لها، وصدور أمره باعتبارها نقوداً، ومن قبول الناس لها وثقتهم وتعاملهم بها (٢). وأما كساد النقود، ومنه إبطال السلطان لها، فيوجد هذا في العصر الحاضر في النقود الورقية في الحالات التالية: ١ - إيقاف الحكومة إصدار النقد الذي كان متداولاً، وإبداله بنقود جديدة، ويحصل هذا في حالات معينة، منها انتقال الحكم من رئيس الدولة، إلى رئيس آخر. ففي هذه الحالة تسك الحكومة عملة أخرى. وقد استقر العرف في العصر الحاضر على أن تحدد الحكومة للناس أجلاً تسمح لهم فيه أن يستبدلوا العملة الجديدة بالقديمة. وإذا كانت العملة الجديدة مختلفة عن القديمة في نوعها، أو في سعرها مثل أن تكون كل دينار يساوي في الصرف ثلاثة قديمة، لأن الحكومات تحرص على استقرار صرف عملاتها، وتدافع عنه. وضرب الأجل، وتحديد سعر الصرف، من قبل الحكومة، على نحو ما ذكرناه، لم يكن مطبقاً في أنظمة الإصدار النقدية القديمة (٣).

стр. 16

٢ - احتلال دولة لبلد ما، وإسقاط حكومته، وإلغاء عملته، وفرض عملة البلد الغازي على الناس في البلد المحتل. ٣ - انهيار النظام بسبب الحرب الأهلية، وذهاب سلطة الحكومة ووجودها المؤثر في البلاد. فعندئذ يحل بنقودها الكساد، وحينئذ تصبح عملتها باطلة لا قيمة لها (١). ففي الحالة الأولى لا يظهر أثر الكساد الذي قال به الفقهاء في النقود الائتمانية، ومنها النقود الورقية، لأن العملة الجديدة تحل محل القديمة، وإذا تقرر فارق في سعر الصرف أخذ به. وأما في الحالتين الأخيرتين فإن كلام الفقهاء في موضوع كساد النقود ينطبق عليها، قبل استقرار الأمر للحكومة الجديدة. أما إذا استقر الأمر لها، فإنها تعلن إصدارها لعملة جديدة، وتبين سعر الصرف بين العملتين، فيزول الكساد، وبالتالي ينتهي ما يترتب عليه من أحكام. ما ذكرناه بخصوص الغلاء والرخص، أو الانقطاع، أو الكساد، إنما هو تعريف بهذه المصطلحات يوم أن كانت النقود ذهبية، أو فضية، أو فلوساً معدنية، ومدى انطباقها من حيث الصورة، والأثر على النقود الورقية المعاصرة أما موافقتها من حيث الحكم أو عدمه، فسيأتي في مكانه من هذا الكتاب. وموضوعنا وثيق الصلة بغلاء النقود ورخصها، أما الكساد، والانقطاع فبيناهما لكثرة ورودهما في ثنايا البحث.

стр. 17

المطلب السادس: التضخم في اصطلاح الاقتصاديين: عرف الاقتصاديون التضخم بعدة تعريفات أكتفي بما أراه أنسبها وصفاً، وأسلمها من المآخذ، وهو تعريف آميل جامس. فقد عرف التضخم بأنه «حركة صعودية في الأسعار مستمرة ناتجة عن فائض الطلب الزائد عن قدرة العرض» (١). ويظهر من هذا التعريف أن التضخم حركة أسعار متجهة إلى الارتفاع، بصفة مستمرة، وأنها ناتجة عن زيادة الطلب الاستهلاكي، والاستثماري، عن العرض الكلي، فزيادة النقود على مقدار البضائع والخدمات التي يمكن شراؤها بالنقود يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وعلى قدر نسبة ارتفاع الأسعار يقاس التضخم، فكلما زاد ارتفاع الأسعار زادت نسبة التضخم، ونتيجة لهذا الارتفاع في الأسعار فإن النقود تحقق لمالكها سلعاً أقل مما تحققه قبل ارتفاع التضخم، وهذه النتيجة يفسرها البعض بأنها نقص في القوة الشرائية للنقود، أو هبوط في قيمة النقد. مع أنه ليس هبوطاً في قيمة النقود الورقية بالنسبة للنقود الذهبية والفضية.

стр. 18

أما الانكماش فهو عبارة عن حالة اقتصادية يقل فيها مقدار النقود السائلة عن مقدار البضائع والخدمات المتوفرة في بلد ما. ونتيجة لهذه الحالة ينخفض مستوى أسعار البضائع والخدمات، فيحدث رخص عام، لأن العرض قد ازداد على الطلب. أسباب التضخم: قبل عرض أسباب التضخم أو التنبيه إلى أن الاقتصاديين يرجعون أسباب التضخم في البلدان الإسلامية إلى أسباب نقدية، ومنهم من يرجعها إلى أسباب هيكلية (١). والذي يظهر لي أنه يمكن إرجاعها إلى العنصرين. إلا أنه يبرز الجانب الهيكلي بشكل أوضح في بعض البلدان، ويبرز العنصر النقدي في بلدان أخرى. وسوف أقتصر على تعداد أهم الأسباب التي توصلت إليها الندوة الفقهية الاقتصادية لدراسة قضايا التضخم، في حلقتها الأولى: ١ - العامل النقدي من حيث زيادة كمية النقد المعروضة في التداول عن الكمية التي يحتاج إليها التعامل، وتكون هذه الزيادة إما بطباعة العملة الورقية من قبل الدولة، أو بتوسع الودائع تحت الطلب نتيجة للتوسع في الائتمان المصرفي. ٢ - زيادة الطلب الكلي على السلع والخدمات في المجتمع عن الناتج الكلي، بحيث يحصل عدم التوازن، وترتفع الأسعار، ويكون هذا الارتفاع نتيجة لزيادة الطلب على الاستثمار، أو لزيادة الاستهلاك، ويتوافق ذلك مع وجود قوة شرائية لدى المستثمرين والمستهلكين، ويلحظ منه أن الإنتاج العام لا يزداد إما لبلوغ مرحلة الاستخدام الكامل للموارد، أو بسبب وجود اختناقات وتشوهات في

стр. 19

الأوضاع الاقتصادية، أو عوامل مؤسسية وأسباب سياسية وسلوكية أخرى لا تمُكن من زيادة الإنتاج، رغم عدم الاستخدام الكامل للموارد. ٣ - زيادة تكاليف الإنتاج، مما ينعكس على أسعار السلع المنتجة. وتشمل تكاليف الإنتاج ما هو معروف من: تكاليف العمالة - تكلفة المواد الأولية مستوردة أو محلية- تكلفة التمويل، سواء أكان بالطريقة المشروعة أم بغيرها. ٤ - العوامل الخارجية للتضخم التي يمكن تلخيصها في الارتفاع في أسعار المستوردات من سلع استهلاكية وإنتاجية ووسيطة، وفي زيادة الأرصدة النقدية الخارجية التي يتم بالاستناد إليها توسيع الائتمان المصرفي من قبل المصارف المحلية. ومن المعلوم أن هناك أسباباً عديدة لارتفاع أسعار المواد المستوردة منها ما هو سياسي، ومنها ما يتعلق بانخفاض أسعار المواد الأولية (التي تنتجها البلاد النامية) مع زيادة أسعار المواد المصنعة المستوردة. وقد تطرق النقاش إلى علاقة الفائدة بالتضخم، وتأثير زيادة أسعار الفائدة في تخفيض معدل التضخم، وبالعكس، وبالرغم مما رآه بعض الاقتصاديين من عدم التلازم بين التضخم والفائدة فقد ذهب بعضهم إلى أن للفائدة دوراً ملحوظاً في إحداث التضخم؛ من حيث إن الفائدة هي سعر للمديونية تجعل لها سوقاً يؤدي إلى تراكم التعامل بالمديونية تراكماً ضخماً يعرض الاقتصاد للهزات الشديدة، بالإضافة إلى أن سعر الفائدة يدخل في عناصر التكلفة في مراحل الإنتاج (١).

стр. 20

المبحث الثاني بيان رأي دعاة الربط قالت طائفة من الاقتصاديين وخاصة ما يلقب منهم بالنقديين، وعلى رأسهم فريدمان بالربط بمستوى الأسعار. وبعضهم يرى أن يشمل الربط سائر العقود والالتزامات، وبعضهم يرى سياسة الربط الانتقائي، لتعذر الربط الشامل، وقد قال به بعض الباحثين في الاقتصاد الإسلامي في هذا العصر (١). وأيده قليل من الفقهاء المعاصرين على تفاوت بينهم. وقال بالربط بالمستوى العام للأسعار الدكتور علي محيي الدين القره داغي (٢). والشيخ السلامي لا يجيز الربط القياسي إلا إذا اشترطه العاقدان. يقول الشيخ السلامي: «يجوز للمتعاقدين في الالتزامات الآجلة أن يضبطا قيمة الالتزام بمعيار هو المرجع عند الأداء (كالذهب، أو الدولار، أو سلة العملات) وبهذا يكون كل من المتعاقدين على بينة من أمره منذ البداية» (٣). لكن إذا ارتفع التضخم، وترتب عليه نقص القوة الشرائية للنقود الورقية، وكان هذا الهبوط فاحشاً، ولم يتفق على ربط هذه الحقوق بمستوى الأسعار، أو

стр. 21

نحوه، فإن جمهور الباحثين من الفقهاء والاقتصاديين يرون أن ترد الديون، أو القروض، ونحوها بأمثالها، ولا يلتفت إلى طروء الغلاء أو الرخص في قيمتها (١). وذهب البعض إلى القول برد القيمة ولهم وجهات نظر هي كما يلي: ١ - قال الدكاترة وهبه الزحيلي، ونزيه حماد، وعجيل النشمي: إن القول برد قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص هو الأولى بالاعتبار، وهو الأقرب للعدالة، ولذا يجب رد قيمته يوم ثبوته في الذمة، ورجحوا رأي أبي يوسف (٢). وقال النشمي: يجب الرجوع إلى قيمة الأوراق النقدية يوم القبض في القرض، وإلى قيمة السلعة يوم الوفاء في البيع (٣). ٢ - وقال الشيخ عبد الله ابن بيه والدكتور الفرفور والدكتور ناجي عجم بوجوب تعديل العقد الملتزم به من تلك العملة في الحقوق والالتزامات الآجلة، بالرجوع إلى قيمتها وما كانت تعدل من الذهب يوم الثبوت في الذمة، سواء أكان منشأ الالتزام بها قرضاً أو بيعاً مؤجل الثمن أو غير ذلك، وقال الدكتور عجم: والأفضل لحل المشكلة أن يلجأ العاقدان إلى الصلح على مبلغ التعويض (٤). ٣ - وقال الشيخ مصطفى الزرقا بوجوب تعديل الديون والالتزامات المالية بذلك النقد أياً كان منشؤها، مداينات سابقة - كما في المهور المؤجلة في عقود النكاح والأبدال المؤجلة في عقود المعاوضات المالية- أو عقود متراخية التنفيذ،

стр. 22

كعقود التوريد والمقاولة، وذلك بتنصيف فرق العملة الفاحش، وتحميله على الطرفين معاً، على كل واحد منهما نصفه، بشرط أن يكون ذلك الهبوط حاصلاً بعد التعاقد بصورة مفاجئة لم تكن في حسبان العاقدين وقت التعاقد. أما إذا كانت العملة تهبط قيمتها هبوطاً تدريجياً ملحوظاً للعاقدين عند التعاقد، فلا عبرة عندئذ لذلك الهبوط، إلا إذا كان الدين مؤجلاً إلى أجل طويل غير محدد، ووصل الهبوط التدريجي إلى درجة فاحشة بطول الزمن، كما في المهر المؤجل، فعندئذ تعتبر القيمة وقت العقد، وينصف الفرق بين الزوجين، لأنه غير ملحوظ عند التعاقد (١). ٤ - وقال الدكتور محمد الأشقر إنه «ينبغي أن يعدل نقص القوة الشرائية للنقود الورقية في سائر المداينات المؤجلة، وذلك بإضافة نسبة مئوية (وهي نسبة التضخم) إلى الثمن المؤخر في بيوع النسيئة أو إلى مبلغ القرض، ليستكمل البائع أو المقرض أو المودع في الحسابات المصرفية مقابل ما نقص من حقه» (٢). ٥ - وقال الدكتور القره داغي إلى أن هناك معيارين يمكن التعويل على أي منهما في تقدير القيمة الواجبة في الذمة عند الانهيار أو الانخفاض الفاحش في العملة الورقية: أحدهما: بالاعتماد على مستوى أسعار السلع الأساسية، مثل الحنطة والشعير واللحم والأرز … إلخ، وذلك ما يسمى بسلة السلع والبضائع. والثاني: بالاعتماد على الذهب واعتباره في تقدير القيمة. وعلى ذلك فإن تراضى المتداينان وتصالحا على أحد هذين المعيارين، فهو حسن مقبول شرعاً، وإلا أحيل الأمر إلى القضاء .. ويمكن لقاضي الموضوع أو

стр. 23

المحكم أن يجمع بين المعيارين بأن يأخذ في اعتباره متوسط قيمة النقد بالنسبة للذهب والمستوى العام للأسعار يوم ثبوت الدين في الذمة (١). ٦ - وذهب الشيخ عبد الله بن منيع إلى وجوب تعديل نقص القوة الشرائية إذا نقص سعر العملة الورقية المجعولة ديناً في الذمة، وهبطت قوتها الشرائية بعد امتناع المدين عن سداد ما عليه من دين مع القدرة واليسار .. ففي هذه الحالة يلزم المدين بأن يضمن للدائن ما فاته من نقص نتيجة ذلك المطل بالباطل .. ولا يعد ذلك من الربا في شيء، لأن مطله هذا من باب الغصب، وتطبق عليه أحكام الغصوب. وأيضاً: فالتضخم الفاحش تعد به العملات الورقية نقوداً كاسدة، ويرجع في وفاء الديون الثابتة بها إلى القيمة قياساً على الجوائح، حيث إن المدين قد انتفع ببدل الدين الذي عليه انتفاعاً سالماً من أثر التضخم، ثم حصل النقص الفاحش على الدائن في حال احتباس دينه عند المدين وعجزه عن التصرف فيه بما ينقذه من أثر التضخم (٢). وأصحاب هذه الآراء قد اختلفوا في الضابط الذي يرجع إليه في معرفة اليسير من الفاحش والكثير وتحديده، وذلك على خمسة آراء: أحدها: أنه يرجع في ذلك إلى أهل الخبرة والاختصاص، فما عدوه يسيراً فهو يسير، وما عدوه فاحشاً فهو فاحش. وهو ما اتجه إليه الدكتور القره داغي والفرفور والأشقر. الثاني: أنه يرجع في ذلك إلى ولي الأمر، لأنه الأقدر على معرفة المصلحة العامة وتقديرها وهو رأي الدكتور النشمي، قال: «ولا مانع من حيث المبدأ من تنظيم

стр. 24

الدولة نسبة التضخم وتحديدها كل عام؛ وبحيث تكون قائمة الأسعار مقياساً لتقويم العملة الورقية». الثالث: أن حد الكثرة هو الثلث، اعتباراً بالجوائح التي توضع في الثمار، بجامع أن الجائحة أمر خارج عن إرادة العاقدين، وليس من فعل أحد من الخلق حتى يرجع عليه الدائن إن شاء. وهو رأي الشيخ ابن بيه. والرابع: أن هبوط قيمة النقد الفاحش هو الذي يرهق الملتزم له (الدائن) أو صاحب الحق إرهاقاً شديداً. ومعياره أن يتجاوز ثلثي قيمة النقد وقوته الشرائية عند العقد في البيع وعند القبض في القرض، فلا يبقى من قيمته إلا ما هو أقل من الثلث، أخذاً من الأدلة الشرعية والآراء الفقهية التي تحدد حد الكثرة بالثلث. وهو رأي الأستاذ مصطفى الزرقا. الخامس: أن معيار الهبوط الفاحش أن تنخفض قيمة العملة الورقية إلى ما دون النصف بالنسبة للذهب يوم الثبوت في الذمة، سواء أكان منشأ الالتزام بها قرضاً أو بيعاً مؤجل الثمن أو غير ذلك. ولا علاقة لهذا الحكم بالربا، لأن الربا زيادة مشروطة وقت ثبوت الحق، وتغير قيمة النقود الورقية تغيراً كبيراً يعد من العيوب الطارئة الموجبة للضمان، والضمان غير الربا. وهو رأي الدكتور ناجي عجم. ويقول أصحاب هذا الرأي: إن التضخم الذي أصبح سمة من سمات هذا العصر، جعل النقود الورقية مقياساً غير عادل للمدفوعات المؤجلة، بسبب التناقص الخفي في قيمتها الشرائية، ونتيجة لهذه الآثار السلبية من جانب، وقصور مواجهتها من جانب آخر اتجه الفكر الاقتصادي الوضعي إلى معايشتها، مع

стр. 25

العمل على الوقاية من آثارها، أو التخفيف من هذه الآثار، ومن هنا جاءت فكرة الربط بمستوى الأسعار كوسيلة لتقليل مضار التضخم طالما أنه من المتعذر القضاء عليه (١). ويقولون: إن النقود التي يقرضها صاحبها عام ١٤٠٠ هـ ومقدارها عشرة آلاف ريال ثم يعيدها المقترض بعد عشر سنوات لا تحقق لصاحبها من السلع، والمنافع ما تحققه حين اقتراضه لها. والمرأة التي يكون مؤخر صداقها عشرة آلاف ليرة تركية وتستحقها بعد عشرين سنة، فإذا قبضتها فإنها لا تحصل بها على ربع ما كانت تحصل عليه عند العقد من السلع. ويقولون: إنهم يرون في عدالة الإسلام ما يحمي حقوق المقرضين، وأصحاب الديون المؤجلة، فيرون جواز ربط القروض، والديون، والمهور المؤجلة، ونحوها بمستوى الأسعار (٢). ويرون أنه يؤدي إلى تحويل الموارد من الاستثمارات غير المنتجة (شراء العقارات والذهب) إلى استثمارات منتجة (٣). ويقولون: إن الربط لا مناص منه لاقتصاد يرتكز على عدد كبير من الالتزامات والعقود الآجلة، والتي يجب الوفاء بها، وأن تحمى من التغيرات في القوة الشرائية للنقود (٤). وأنه يقلل من توقعات التضخم إن لم يمكن القضاء عليها، وهي توقعات تؤدي إلى زيادة الميل للإنفاق لدى الأفراد، وتؤدي إلى التبذير على الاستهلاك والمضاربة (٥).

стр. 26

أدلة دعاة الربط: استدل دعاة الربط بأدلة أهمها ما يأتي: ١ - قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ (٢) والوفاء بالقسط يشمل كل أنواع المعاملات المالية، وليس الوزن أو الكيل فحسب، ومعلوم أن الربوي، والقروض الآجلة لن تدفع بقيمتها الحقيقية في حالة التضخم. والربط بتغير الأسعار يزيل هذا الضرر وهذا متفق مع الشريعة الإسلامية (٣). ٢ - «إن إيجاب أداء قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة هو الأولى بالاعتبار … لأنه هو الأقرب للعدالة والإنصاف، فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل، والله أمر بالقسط» (٤). فإذا كان الدين ثمناً لمبيع فتجب قيمته يوم العقد، وإن كان عن قرض فتجب قيمته يوم القبض. ٣ - إن رد القروض والديون بقيمتها الحقيقية سواء زادت أو نقصت عن مقدارها وقت القرض أو الدين ونحوهما، يتحقق فيه التماثل المطلوب في الحديث الشريف «مثلاً بمثل» (٥). فمن اقترض ١٠٠٠ ريال ثم زادت نسبة التضخم

стр. 27

١٠% فرد ١١٠٠ ريال فهذه ليست زيادة حقيقية، وإنما هي رد لنفس المالية التي اقترضها المقترض، لأن مالية الألف ريال من حيث قوتها الشرائية كانت أكثر وقت الاقتراض، ثم انتقصت عند الأداء بنسبة ١٠%، فلو رد المقترض ١٠٠٠ ريال لكان في ذلك ظلم على المقرض، لأنه لم تعد له المالية الكاملة التي أقرضها، بل عادت إليه ناقصة، وإذا ألزمنا المقترض أن يدفع إليه ١١٠٠ ريال لم يكن ذلك إلا إكمالاً للمالية المقترضة، لأن مالية ١١٠٠ اليوم هي عين مالية الألف عند الاقتراض. فزيادة المائة جبر لنقصان قيمة النقد، وليست زيادة على المالية المقترضة، فلزم أن لا تعتبر هذه الزيادة من الربا المحرم. ٤ - «لا ضرر ولا ضرار» «والضرر يزال» قاعدتان أساسيتان من القواعد الفقهية والتضخم يتسبب في هبوط القيمة الشرائية للنقود، فيتضرر الدائنون والمقرضون، وكل أصحاب العقود الآجلة، لذا فإن ربط الالتزامات بتغير الأسعار يعد تعويضاً عن هذا الضرر (١). ٥ - «يعد إجازة الحنفية لتحديد سعر البيع لأجل بأعلى من سعر البيع النقدي بمثابة اعتراف ضمني بالقيمة الزمنية للنقود» (٢). ٦ - «النقود في الزمن الحاضر تقبل وسيلة للتبادل بقيمة تزيد على قيمتها السلعية، ولكن لا يمكن معاملتها بنفس معاملة النقد السلعي (الدنانير الذهبية، والدراهم الفضية)، الذي كان سائداً في صدر الإسلام، حينما لم يكن هناك فارق بين القيمة السلعية والقيمة الاسمية للنقد، ومن هنا لا ينبغي تطبيق اعتراض الفقه على مبادلة مقدارين غير متساويين من أية سلعة مع فارق الزمن، على النقود

стр. 28

في العصر الحاضر (١). لأنه ليس من العدل أن يراعى جانب الصورة والشكل، ويهمل جانب الموضوع والحقيقة (٢). ٧ - يرى البعض جواز ربط القروض والديون إذا كانت العملة نقوداً ورقية، قياساً على رأي من يقول من الفقهاء المتقدمين رد قيمة الفلوس إذا غلت أو رخصت، وهو مروي عن أبي يوسف من الحنفية. ونسبوه قولاً للرهوني من المالكية، ولشيخ الإسلام ابن تيمية (٣). وعللوا ذلك بأنها نقود اصطلاحية، أي اصطلح الناس عليها، فتقاس الأوراق النقدية عليها، فعند نقص قيمتها أو زيادتها ترد قيمتها. جاء في تنبيه الرقود على مسائل النقود: «وفي المنتقى إذا غلت الفلوس قبل القبض أو رخصت قال أبو يوسف قولي وقول أبي حنيفة في ذلك سواء وليس له غيرها، ثم رجع أبو يوسف وقال عليه قيمتها من الدراهم يوم وقع البيع ويوم وقع القبض» (٤). «وقال العلامة الغزي عقب ما قدمناه عنه هذا إذا كسدت أو انقطعت، أما إذا غلت قيمتها أو انقطعت (*) فالبيع على حاله ولا يتخير المشتري ويطالب بالنقد بذلك العيار الذي كان وقت البيع كذا في فتح القدير والبزازية معزياً إلى المنتقى غلت الفلوس أو رخصت فعند الإمام الأول (٥) والثاني (٦) أولاً (٧) ليس عليه غيرها

стр. 29

وقال الثاني (١) ثانياً (٢): عليه قيمتها من الدراهم يوم البيع والقبض (٣) وعليه الفتوى وهكذا في الذخيرة والخلاصة بالعزو إلى المنتقى، وقد نقله شيخنا في بحره وأقره بحيث صرح بأن الفتوى عليه في كثير من المعتبرات فيجب أن يعول عليه إفتاءً وقضاءً لأن المفتي والقاضي واجب عليهما الميل إلى الراجح من مذهب إمامهما ومقلدهما، ولا يجوز لهما الأخذ بمقابله لأنه مرجوح بالنسبة إليه (٤). فالخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف خاص بغلاء الفلوس والدراهم غالبه الغش، أو رخصهما، أما الدنانير والدراهم التي لم يغلب غشها فلا خلاف في أن المقترض يرد مثلها ولو غلت أو رخصت (٥). وحملوا قول الرهوني عليه، وذلك عند تعليقه على قول المالكية، بلزوم المثل ولو تغير النقد بزيادة أو نقص، وعبارته: «قلت: وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر ذلك جدا، حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه لوجود العلة التي علل بها المخالف» (٦). ونسبوه لشيخ الإسلام ابن تيمية: بناءً على نقول من الدرر السنية، عن ناظم المفردات وشارحها، وعزوه إلى شرح المحرر. جاء في الدرر السنية: «وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا غلت الدراهم المتعامل بها أو رخصت فأجاب: قد ذكر الأصحاب ﵏، أنه إذا وقع البيع بنقد معين، كدراهم مكسرة أو مغشوشة، أو فلوس، ثم حرمها السلطان، فمنع

стр. 30

المعاملة بها قبل قبض البائع لها، لم يلزم البائع قبضها، بل له الطلب بقيمتها يوم العقد، وكذا لو أقرضه نقداً فلوساً، فحرم السلطان المعاملة بذلك، فرده المقترض لم يلزم المقرض قبوله، ولو كان باقياً بعينه لم يتغير، وله الطلب بقيمة ذلك يوم القرض، وتكون من غير جنس النقد إن أفضى إلى ربا الفضل. ووجه رد القيمة فيما ذكرنا: أما في مسألة البيع، فلأنها من ضمان المشتري حتى يقبضها البائع، وقد تعيبت بيد المشتري فلم يلزم البائع قبولها، وأما في مسألة القرض، فلأنها بقيت في ملك المقترض فلم يملك ردها، وإنما يملك القيمة والحالة هذه على المذهب، فيما إذا منع السلطان المعاملة بها خاصة، أما إذا زادت قيمتها أو نقصت مع بقاء التعامل بها، وعدم تحريم السلطان لها، فيرد مثلها سواء غلت أو رخصت أو كسدت، هذا حاصل المسألة عند أكثر الأصحاب». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: قياس القرض فيما تقدم جميع الديون، من بدل المتلف والمغصوب، والصداق والصلح عن القصاص، والكتابة، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل له على رجل دراهم مكسرة، فسقطت المكسرة أو فلوس، قال: يكون له عليه قيمتها من الذهب، انتهى. وقال الشيخ أيضاً: وقد نص في القرض على أن الدراهم المكسرة، إذا منع التعامل بها، فالواجب القيمة، فيخرج في سائر المتلفات كذلك في الغصب والقرض، فإنه معلوم أنه ليس المراد عيب الشيء المعين فإنه ليس هو المستحق وإنما المراد عيب النوع، والأنواع لا يعقل عيبها إلا نقصان قيمتها، فإذا أقرضه أو غصبه طعاماً، فنقصت قيمته، فهو نقص النوع، فلا يجبر على أخذه ناقصاً، فيرجع إلى القيمة، وهذا هو العدل، فإن الماليين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما، وأما مع

стр. 31

اختلاف القيمة فلا تماثل، فعيب الدين إفلاس المدين، وعيب العين المعينة خروجها عن الكمال بالنقص، وأما الأنواع فلا عيب فيها بالحقيقة، وإنما نقصانها كعيبها انتهى. فالحاصل أن الأصحاب إنما أوجبوا رد قيمة ما ذكرنا في القرض، والثمن المعين خاصة فيما إذا منع السلطان التعامل بها فقط، ولم يروا رد القيمة في غير القرض والثمن المعين، وكذلك لم يوجبوا رد القيمة والحالة هذه فيما إذا كسدت بغير تحريم السلطان لها، ولا فيما إذا غلت أو رخصت، أما الشيخ تقي الدين فأوجب رد القيمة في القرض والثمن المعين، وكذلك سائر الديون فيما إذا كسدت مطلقاً، وكذلك إذا نقصت القيمة فيما ذكروا في جميع المثليات والله أعلم (١).

стр. 32

المبحث الثالث رأي المانعين للربط بالذهب أو بمستوى الأسعار يتخرج منع ربط القروض والديون بمستوى الأسعار، سواء كان ثمنها نقوداً ورقية، أو غيرها من النقود، التي يتعارف الناس على نقديتها، على رأي عامة العلماء ومنهم الأئمة الأربعة. وممن قال به من الفقهاء المعاصرين الدكاترة محمد صديق الضرير، وعلى السالوس، وحسين حامد حسان، وحسن الشاذلي، ومحمد تقي العثماني، وستر الجعيد، والشيخ عبد الله بن منيع، وأيد هذا القول كثير من الاقتصاديين المعاصرين، منهم الدكاترة محمد عمر شبرا، ونجات الله صديقي، ومحمد حسن الزمان، ومحمد علي القري، وأحمد النجار، وضياء الدين أحمد، وفولكر نينهاوس (١). وهو ما قرره مجمع الفقه الإسلامي الدولي. وقد صدر قرار الندوة التي عقدت في البنك الإسلامي بجدة، بالتعاون بين المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، التابع للبنك الإسلامي وبين المعهد العالمي للاقتصاد الإسلامي، التابع للجامعة الإسلامية في إسلام آباد، في توصيتها الثالثة بأنه «لا يجوز ربط الديون التي تثبت في الذمة أياً كان مصدرها بمستوى الأسعار

стр. 33

بأن يشترط العاقدان في العقد المنشئ للدين كالبيع والقرض وغيرهما ربط العملة التي وقع بها البيع أو القرض بسلعة أو مجموعة من السلع أو عملة معينة، أو مجموعة من العملات بحيث يلتزم المدين بأن يوفي للدائن قيمة هذه السلعة أو العملة وقت حلول الأجل بالعملة التي وقع بها البيع أو القرض» (١). وجاء في القرار الرابع للدورة الخامسة لمجمع الفقه الإسلامي المنعقدة في الكويت، أن: «العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة لأن الديون تقضي بأمثالها فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أياً كان مصدرها بمستوى الأسعار» (٢). وجاء في القرار الرابع من ندوة قضايا العملة: «لا يجوز الاتفاق على تسجيل الدين في ذمة المدين بما يعادل قيمة تلك العملة بالذهب أو بعملة أخرى ليقع التزام الأداء بتلك العملة» (٣). وجاء في الفقرة الرابعة من قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم ٧٩/ ٦/ د ٨، في الدورة الثامنة ما يأتي: «الدين الحاصل بعملة معينة لا يجوز الاتفاق على تسجيله في ذمة المدين بما يعادل قيمة تلك العملة من الذهب أو من عملة أخرى على معنى أن يلتزم المدين بأداء الدين بالذهب أو العملة الأخرى المتفق على الأداء بها». وفي الفقرة الخامسة: «تأكيد القرار رقم (٤/ د ٥) الصادر عن المجمع بشأن تغير قيمة العملة». وهو ما توصل إليه رأي مجلس الفكر الإسلامي بباكستان» (٤).

стр. 34

أدلة المانعين للربط بالذهب أو بمستوى الأسعار: أولاً: إن الورق النقدي المعمول به في جميع دول العالم في هذا العصر نقد قائم بذاته، له حكم الذهب والفضة. جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي (يقرر أن العملة الورقية نقد قائم بذاته له حكم النقدين من الذهب والفضة … ) (١). وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي، التابع لمنظمة التعاون الإسلامي رقم ٩/ د ٣/ ٠٧/ ٨٦، «أنها نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة ولها الأحكام المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة والسلم وسائر أحكامهما». وجاء في قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية: «إن الورق النقدي يعتبر نقداً قائماً بذاته كقيام النقدين في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان … » (٢). وما دامت النقود الورقية تأخذ حكم الذهب والفضة، وقد اتفقت على هذا قرارات المجامع الفقهية، وهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، فإنه يتخرج على هذا وجوب رد مثل الدين الثابت في الذمة عند حلول الأجل، وعليه فلا يجوز ربط القروض والديون بمستوى الأسعار، وذلك تخريجاً على أقوال علماء المسلمين ومنهم الأئمة الأربعة؛ حيث اتفقوا على أن النقود الذهبية والفضية يرد مثلها، في الديون، قروضاً أو ثمن بيوع مؤجلة، أو مهراً مؤخراً، أو نحو ذلك، فالنقص أو الزيادة في القيمة لا يعتد بها. فلا يلزم المدين إلا رد مثلها (٣).

стр. 35

أما إذا انقطعت، أو فقدت العملة في بلد المتعاقدين فتجب قيمتها (١). وإليك بعض أقوال أهل العلم في هذا الشأن. جاء في المدونة للإمام مالك ﵀: قلت أرأيت لو أن رجلاً قال لرجل: أقرضني ديناراً دراهم أو نصف دينار دراهم أو ثلث دينار دراهم. فأعطاه الدراهم ما الذي يقضيه في قول مالك؟ قال: قال: يقضيه مثل دراهمه التي أخذ منه. رخصت أو غلت، فليس عليه إلا مثل الذي أخذ … » (٢). وقال الشافعي ﵀: «ومن سلف فلوساً أو دراهم أو باع بها ثم أبطلها السلطان فليس له إلا مثل فلوسه، أو دراهمه التي أسلف أو باع بها» (٣). وقال ابن عابدين: «وإياك أن تفهم أن خلاف أبي يوسف جار حتى في الذهب والفضة كالشريفي والبندقي والمحمدي والكلب والريال فإنه لا يلزم لمن وجب له نوع منها سواه بالإجماع … وهذا كالريال الفرنجي والذهب العتيق في زماننا، فإذا تبايعا بنوع منهما، ثم غلا أو رخص بأن باع ثوباً بعشرين ريالاً مثلاً، أو استقرض ذلك يجب رده بعينه، غلا أو رخص» (٤). وقال ابن قدامة: «قد ذكرنا أن المستقرض يرد المثل في المثليات سواء رخص سعره أو غلا، أو كان بحاله .. (إلى أن قال): وأما رخص السعر فلا يمنع ردها، سواء كان كثيراً، مثل إن كانت عشرة بدانق فصارت عشرين بدانق، أو قليلاً، لأنه لم يحدث فيها شيء إنما تغير السعر فأشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت» (٥).

стр. 36

وجاء في قرة العين في الجواب على سؤال عن الواجب في الذمة عند بطلان السكة، أو زيادة قيمتها، أو انخفاضها: «الواجب قضاء المثل على من ترتبت في ذمته إن كانت موجودة في بلد المعاملة ويجب المثل لو كانت مائة بدرهم ثم صارت ألفاً بدرهم أو بالعكس، وكذلك لو كان الريال حين العقد بتسعين ثم صار بمائتين أو العكس وهكذا» (١). وقال ابن عابدين: «ثم اعلم أنه تعدد في زماننا ورود الأمر السلطاني بتغيير سعر بعض من النقود الرائجة بالنقص واختلف الإفتاء فيه، والذي استقر عليه الحال الآن دفع النوع الذي وقع عليه العقد لو كان معيناً، كما إذا اشترى سلعة بمائة ريال أفرنجي أو مائة ذهب عتيق» (٢). وقد تبين مما نقلناه عن الفقهاء أن الديون، والقروض، ترد بمثلها وأن الزيادة على ذلك ربا، وأن تغير سعر الصرف أو السلع، زيادة أو نقصاً لا يؤثر، ولا يكون مبرراً لربط ذلك الدين، أو القرض بمستوى الأسعار، حتى لو كانت مائة بدرهم، ثم صارت ألفاً بدرهم. ثانياً: إن ربط القروض، أو ثمن المبيع المؤجل، أو الصداق المؤخر بمستوى الأسعار يؤدي إلى الربا، لأنه إذا دفع المقرض للمقترض، مثلاً خمسين ألف ريال سعودي ومثله مبلغ الدين. وبعد عام حل موعد السداد، وقد ارتفعت نسبة التضخم ٥% فإنه يلزمه على رأي القائلين بالربط دفع الخمسين ألفا (٥٠٠٠٠) وعليها زيادة ارتفاع الأسعار وقدرها ألفان وخمسمائة ريال (٢٥٠٠). وهذا ربا الفضل والنسيئة، وهو باطل، لما رواه مسلم وغيره عن عثمان بن عفان رضي الله

стр. 37

عنه أن رسول الله ﷺ قال «لا تَبِيعُوا الدِّينارَ بالدِّينارَيْنِ، ولا الدِّرْهَمَ بالدِّرْهَمَيْنِ» (١). وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والْفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والْبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ، والْمِلْحُ بالمِلْحِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ، فمَن زادَ، أوِ اسْتَزادَ، فقَدْ أرْبَى، الآخِذُ والْمُعْطِي فيه سَواءٌ «(٢). فالحديثان الشريفان تضمنا النص على المنع من أخذ أكثر أو أقل مما أقرض أو باع به. والحديث الأول جاء بصيغة النهي، وصيغة النهي الخالية عن القرائن الصارفة عند علماء الأصول تقتضي التحريم والفساد، فكانت الزيادة أو النقص الناتجان عن الربط بمستوى الأسعار منهي عنهما، لأنهما ربا، وهو ربا الفضل، والنسيئة. ولذا فإن العقود التي يتفق فيها المتعاقدان على الربط بمستوى الأسعار، أو بعملة معينة، على النحو الذي بيناه عند شرح التعريف تكون حراماً، وباطلة. ولأن حديث عثمان ﵁ نص على العدد فقال: لا تبيعوا الدينار بالدينارين. والبائع في مثالنا السابق باع خمسين ألفاً باثنين وخمسين الفاً وخمسمائة ريال. فتحقق بيع الدينار بالدينارين، فشمله النهي، فكان حراماً، والعقد فاسدا. وهذا هو الذي فهمه العلماء المحققون، ونصوا عليه جاء في المغني: «وإن كانت الدراهم يتعامل بها عدداً، فاستقرض عدداً، رد عدداً، وإن استقرض وزناً رد وزناً» (٣). روى أبو بردة عن أبيه قال: «أَتَيْتُ المَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بنَ سَلَامٍ ﵁، فَقالَ: ألَا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وتَمْرًا، وتَدْخُلَ في بَيْتٍ، ثُمَّ قالَ: إنَّكَ بأَرْضٍ الرِّبَا بهَا فَاشٍ، إذَا كانَ لكَ علَى رَجُلٍ حَقٌّ، فأهْدَى إلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ، أوْ حِمْلَ شَعِيرٍ،

стр. 38

أوْ حِمْلَ قَتٍّ، فلا تَأْخُذْهُ؛ فإنَّه رِبًا» (١). وهذا له حكم المرفوع، لأنه مما لا يقال بالرأي. فإذا كانت هدية المقترض للمقرض ربا، حتى لو كانت قليلة القيمة، كحمل تبن أو شعير أو قت، فإن من يقرض عشرة آلاف ثم يحصل بسبب اشتراط ربطها بمستوى الأسعار على أحد عشر ألفا أولى بالإنكار، وبتحقق الربا في هذا العقد. ثالثاً: إن ربط القرض، أو الدين، يوم التعاقد بعملة ما، أو بقيمة مجموعة من السلع مصادم لنص حديث رسول الله ﷺ الذي رواه ابن عمر ﵄ قلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، وآخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله ﷺ : «لا بَأْسَ أنْ تَأخُذَها بِسِعرِ يَومِها ما لم تَفتَرِقا، وبينَكُما شَيءٌ» (٢) صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه أحمد شاكر. والشاهد قوله ﷺ : «لا بَأْسَ أنْ تَأخُذَها بِسِعرِ يَومِها»، فقد دل على أن الدين يؤدى بمثله لا بقيمته؛ حيث يؤدى عند تعذر المثل بما يقوم مقامه، وهو سعر الصرف يوم الأداء، لا يوم ثبوت الدين. والقول بالربط بمستوى الأسعار يقتضي أن يرد بقيمته يوم العقد. فما دام أن الرسول ﷺ حدد قيمة النقود التي في الذمة بيوم السداد، فهذا دليل على عدم أخذ قيمتها يوم العقد، سواء باتفاق حين العقد، أو باتفاق يوم السداد، ونزيده إيضاحاً بالمثال التالي:

стр. 39

نفترض أن سعر الصرف بين الدرهم والدينار عند عقد البيع ١=٨، وأصبح سعره عند السداد=١٠، وكان ثمن المبيع ٥٠٠ درهم، فلو راعينا قيمة هذه الدراهم عند ثبوتها في الذمة لكانت ٥٠٠÷٨=٦٢. ٥ ديناراً، ولو راعينا قيمتها عند السداد لكانت ٥٠٠÷١٠=٥٠ ديناراً. فنص الحديث «إذا كانت بسعر يومها» أي قيمة الدراهم يوم السداد، وهي في المثال ٥٠ ديناراً، مع أنها أقل مما كانت عليه عند الالتزام، ومن هنا تبين عدم الاعتبار للقيمة يوم البيع، وهذا معناه وجوب أداء المثل، فلا يرد إلا الخمسمائة درهم، أو قيمتها وقت السداد، لأن قيمتها وقت السداد، مثلها بذاتها، وحالة محلها، ولا يلتفت إلى قيمتها يوم الالتزام. وهذا يدل على عدم الاعتبار لأي تغير في قيمة الدين (١). رابعاً: إن فيه غرراً فاحشاً وهو ناشئ عن الجهل بمقدار الثمن، فالبائع والمشتري، والمقرض والمستقرض لا يعلم كل منهم مقدار ما يجب دفعه عند حلول الأجل، لأنه لا يعلم كم تساوي قيمة السلعة، أو السلع التي يربط بها القرض، أو قيمة المبيع المؤجل، أو الصداق المؤخر. ومن شروط البيع العلم بمقدار الثمن، ومن شروط وجوب المهر المسمى في عقد الزواج العلم بمقدار المهر، ومقدار الثمن، والمهر، في حالة ربطهما بمستوى الأسعار أمران احتماليان غير معلومي المقدار، فيكون البيع والقرض فاسدين (٢). لما روى أبو هريرة قال: «نَهَى رَسولُ اللهِ ﷺ عن بَيْعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ» (٣).

стр. 40

خامساً: القول بربط القروض والديون - الممثلة في عملة ورقية- بمستوى الأسعار يلزم منه جواز ربط القروض عندما تكون سلعاً مثلية كالقمح، أو التمر فكيف يتم الربط في هذه الحالة؟ مع أنه لا خلاف بين الفقهاء في أن من اقترض مالاً مثلياً فالواجب عليه رد مثله. يقول ابن قدامة: «يجب رد المثل في المكيل والموزون، لا نعلم فيه خلافاً» (١). قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من أسلف سلفاً مما يجوز فرد عليه مثله أن ذلك جائز» (٢). سادساً: ربط القروض، والديون بمستوى الأسعار فيه قلب للأوضاع السليمة، فالنقود هي التي تقوم السلع بها، وهي أثمان المبيعات (٣)، والثمن كما يقول ابن القيم: «هو المعيار الذي يعرف به تقويم الأموال، ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة كبقية السلع» (٤). وفي حالة الربط تكون النقود مقومة بالسلع. سابعاً: قياس القروض والديون في حالة ارتفاع قيمة النقود على السلم، فحيث إن زيادة قيمة المسلم فيه في عقد السلم لا توجب الزيادة في رأس مال السلم، فكذلك لا تجوز زيادة أو نقص مثلية القرض أو الدين (٥). ثامناً: هبطت العملة في عدة فترات من التاريخ الإسلامي، ولم يقل الفقهاء بالربط بمستوى الأسعار. حدث ارتفاع في الأسعار في عهد النبي ﷺ . فقد روى أنس ﵁ حيث قال: «غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، سعر لنا فقال: «إنَّ اللهَ هو المسعِّرُ القابِضُ الباسطُ الرَّزاقُ، وإنِّي لأرجو أن ألقَى ربِّي وليسَ أحدٌ منكُم يطلبُني بمظلِمةٍ في دمٍ ولا مالٍ» (٦).
следующие страницы →