← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1236

ربط الديون والالتزامات الآجلة بالذهب أو الفضة أو بسلة من العملات أو بمستوى الأسعار وحكمه شرعا

صالح بن زابن المرزوقي البقمي

Полный текст (123 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وجاء في قرة العين في الجواب على سؤال عن الواجب في الذمة عند بطلان السكة، أو زيادة قيمتها، أو انخفاضها: «الواجب قضاء المثل على من ترتبت في ذمته إن كانت موجودة في بلد المعاملة ويجب المثل لو كانت مائة بدرهم ثم صارت ألفاً بدرهم أو بالعكس، وكذلك لو كان الريال حين العقد بتسعين ثم صار بمائتين أو العكس وهكذا» (١). وقال ابن عابدين: «ثم اعلم أنه تعدد في زماننا ورود الأمر السلطاني بتغيير سعر بعض من النقود الرائجة بالنقص واختلف الإفتاء فيه، والذي استقر عليه الحال الآن دفع النوع الذي وقع عليه العقد لو كان معيناً، كما إذا اشترى سلعة بمائة ريال أفرنجي أو مائة ذهب عتيق» (٢). وقد تبين مما نقلناه عن الفقهاء أن الديون، والقروض، ترد بمثلها وأن الزيادة على ذلك ربا، وأن تغير سعر الصرف أو السلع، زيادة أو نقصاً لا يؤثر، ولا يكون مبرراً لربط ذلك الدين، أو القرض بمستوى الأسعار، حتى لو كانت مائة بدرهم، ثم صارت ألفاً بدرهم. ثانياً: إن ربط القروض، أو ثمن المبيع المؤجل، أو الصداق المؤخر بمستوى الأسعار يؤدي إلى الربا، لأنه إذا دفع المقرض للمقترض، مثلاً خمسين ألف ريال سعودي ومثله مبلغ الدين. وبعد عام حل موعد السداد، وقد ارتفعت نسبة التضخم ٥% فإنه يلزمه على رأي القائلين بالربط دفع الخمسين ألفا (٥٠٠٠٠) وعليها زيادة ارتفاع الأسعار وقدرها ألفان وخمسمائة ريال (٢٥٠٠). وهذا ربا الفضل والنسيئة، وهو باطل، لما رواه مسلم وغيره عن عثمان بن عفان رضي الله

стр. 37

عنه أن رسول الله ﷺ قال «لا تَبِيعُوا الدِّينارَ بالدِّينارَيْنِ، ولا الدِّرْهَمَ بالدِّرْهَمَيْنِ» (١). وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والْفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والْبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ، والْمِلْحُ بالمِلْحِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ، فمَن زادَ، أوِ اسْتَزادَ، فقَدْ أرْبَى، الآخِذُ والْمُعْطِي فيه سَواءٌ «(٢). فالحديثان الشريفان تضمنا النص على المنع من أخذ أكثر أو أقل مما أقرض أو باع به. والحديث الأول جاء بصيغة النهي، وصيغة النهي الخالية عن القرائن الصارفة عند علماء الأصول تقتضي التحريم والفساد، فكانت الزيادة أو النقص الناتجان عن الربط بمستوى الأسعار منهي عنهما، لأنهما ربا، وهو ربا الفضل، والنسيئة. ولذا فإن العقود التي يتفق فيها المتعاقدان على الربط بمستوى الأسعار، أو بعملة معينة، على النحو الذي بيناه عند شرح التعريف تكون حراماً، وباطلة. ولأن حديث عثمان ﵁ نص على العدد فقال: لا تبيعوا الدينار بالدينارين. والبائع في مثالنا السابق باع خمسين ألفاً باثنين وخمسين الفاً وخمسمائة ريال. فتحقق بيع الدينار بالدينارين، فشمله النهي، فكان حراماً، والعقد فاسدا. وهذا هو الذي فهمه العلماء المحققون، ونصوا عليه جاء في المغني: «وإن كانت الدراهم يتعامل بها عدداً، فاستقرض عدداً، رد عدداً، وإن استقرض وزناً رد وزناً» (٣). روى أبو بردة عن أبيه قال: «أَتَيْتُ المَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بنَ سَلَامٍ ﵁، فَقالَ: ألَا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وتَمْرًا، وتَدْخُلَ في بَيْتٍ، ثُمَّ قالَ: إنَّكَ بأَرْضٍ الرِّبَا بهَا فَاشٍ، إذَا كانَ لكَ علَى رَجُلٍ حَقٌّ، فأهْدَى إلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ، أوْ حِمْلَ شَعِيرٍ،

стр. 38

أوْ حِمْلَ قَتٍّ، فلا تَأْخُذْهُ؛ فإنَّه رِبًا» (١). وهذا له حكم المرفوع، لأنه مما لا يقال بالرأي. فإذا كانت هدية المقترض للمقرض ربا، حتى لو كانت قليلة القيمة، كحمل تبن أو شعير أو قت، فإن من يقرض عشرة آلاف ثم يحصل بسبب اشتراط ربطها بمستوى الأسعار على أحد عشر ألفا أولى بالإنكار، وبتحقق الربا في هذا العقد. ثالثاً: إن ربط القرض، أو الدين، يوم التعاقد بعملة ما، أو بقيمة مجموعة من السلع مصادم لنص حديث رسول الله ﷺ الذي رواه ابن عمر ﵄ قلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، وآخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله ﷺ : «لا بَأْسَ أنْ تَأخُذَها بِسِعرِ يَومِها ما لم تَفتَرِقا، وبينَكُما شَيءٌ» (٢) صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه أحمد شاكر. والشاهد قوله ﷺ : «لا بَأْسَ أنْ تَأخُذَها بِسِعرِ يَومِها»، فقد دل على أن الدين يؤدى بمثله لا بقيمته؛ حيث يؤدى عند تعذر المثل بما يقوم مقامه، وهو سعر الصرف يوم الأداء، لا يوم ثبوت الدين. والقول بالربط بمستوى الأسعار يقتضي أن يرد بقيمته يوم العقد. فما دام أن الرسول ﷺ حدد قيمة النقود التي في الذمة بيوم السداد، فهذا دليل على عدم أخذ قيمتها يوم العقد، سواء باتفاق حين العقد، أو باتفاق يوم السداد، ونزيده إيضاحاً بالمثال التالي:

стр. 39

نفترض أن سعر الصرف بين الدرهم والدينار عند عقد البيع ١=٨، وأصبح سعره عند السداد=١٠، وكان ثمن المبيع ٥٠٠ درهم، فلو راعينا قيمة هذه الدراهم عند ثبوتها في الذمة لكانت ٥٠٠÷٨=٦٢. ٥ ديناراً، ولو راعينا قيمتها عند السداد لكانت ٥٠٠÷١٠=٥٠ ديناراً. فنص الحديث «إذا كانت بسعر يومها» أي قيمة الدراهم يوم السداد، وهي في المثال ٥٠ ديناراً، مع أنها أقل مما كانت عليه عند الالتزام، ومن هنا تبين عدم الاعتبار للقيمة يوم البيع، وهذا معناه وجوب أداء المثل، فلا يرد إلا الخمسمائة درهم، أو قيمتها وقت السداد، لأن قيمتها وقت السداد، مثلها بذاتها، وحالة محلها، ولا يلتفت إلى قيمتها يوم الالتزام. وهذا يدل على عدم الاعتبار لأي تغير في قيمة الدين (١). رابعاً: إن فيه غرراً فاحشاً وهو ناشئ عن الجهل بمقدار الثمن، فالبائع والمشتري، والمقرض والمستقرض لا يعلم كل منهم مقدار ما يجب دفعه عند حلول الأجل، لأنه لا يعلم كم تساوي قيمة السلعة، أو السلع التي يربط بها القرض، أو قيمة المبيع المؤجل، أو الصداق المؤخر. ومن شروط البيع العلم بمقدار الثمن، ومن شروط وجوب المهر المسمى في عقد الزواج العلم بمقدار المهر، ومقدار الثمن، والمهر، في حالة ربطهما بمستوى الأسعار أمران احتماليان غير معلومي المقدار، فيكون البيع والقرض فاسدين (٢). لما روى أبو هريرة قال: «نَهَى رَسولُ اللهِ ﷺ عن بَيْعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ» (٣).

стр. 40

خامساً: القول بربط القروض والديون - الممثلة في عملة ورقية- بمستوى الأسعار يلزم منه جواز ربط القروض عندما تكون سلعاً مثلية كالقمح، أو التمر فكيف يتم الربط في هذه الحالة؟ مع أنه لا خلاف بين الفقهاء في أن من اقترض مالاً مثلياً فالواجب عليه رد مثله. يقول ابن قدامة: «يجب رد المثل في المكيل والموزون، لا نعلم فيه خلافاً» (١). قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من أسلف سلفاً مما يجوز فرد عليه مثله أن ذلك جائز» (٢). سادساً: ربط القروض، والديون بمستوى الأسعار فيه قلب للأوضاع السليمة، فالنقود هي التي تقوم السلع بها، وهي أثمان المبيعات (٣)، والثمن كما يقول ابن القيم: «هو المعيار الذي يعرف به تقويم الأموال، ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة كبقية السلع» (٤). وفي حالة الربط تكون النقود مقومة بالسلع. سابعاً: قياس القروض والديون في حالة ارتفاع قيمة النقود على السلم، فحيث إن زيادة قيمة المسلم فيه في عقد السلم لا توجب الزيادة في رأس مال السلم، فكذلك لا تجوز زيادة أو نقص مثلية القرض أو الدين (٥). ثامناً: هبطت العملة في عدة فترات من التاريخ الإسلامي، ولم يقل الفقهاء بالربط بمستوى الأسعار. حدث ارتفاع في الأسعار في عهد النبي ﷺ . فقد روى أنس ﵁ حيث قال: «غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، سعر لنا فقال: «إنَّ اللهَ هو المسعِّرُ القابِضُ الباسطُ الرَّزاقُ، وإنِّي لأرجو أن ألقَى ربِّي وليسَ أحدٌ منكُم يطلبُني بمظلِمةٍ في دمٍ ولا مالٍ» (٦).

стр. 41

قال الترمذي حديث حسن صحيح (١). ورواه الخمسة إلا النسائي، ورواه المجد ابن تيمية، وأخرجة الدارمي والبزار وأبو يعلى. قال الحافظ: إسناده على شرط مسلم، وصححه ابن حبان (٢). لكن ارتفاع الأسعار في عهد الرسول ﷺ كان بسبب قلة العرض عن الطلب، وربما كان لسبب قلة الأمطار. وقد غلا السعر على عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز قال أبو يوسف حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه قال: قلت لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين ما بال الأسعار غالية في زمانك وكانت في زمان من قبلك رخيصة؟ قال: إن من كان قبلي كانوا يكلفون أهل الذمة فوق طاقتهم، فلم يكونوا يجدون بداً من أن يبيعوا ويكسدوا ما في أيديهم، وأنا لم أكلف أحداً إلا طاقته، فباع رجل كيف شاء. قال: فقلت لو أنك سعرت لنا. فقال: ليس من ذلك إلى شيء إنما السعر إلى الله (٣). ويذكر ابن كثير في تاريخه في سنة تسع وأربعين وأربعمائة فيقول: «فيها كان الغلاء والفناء مستمرين ببغداد وغيرها من البلاد بحيث خلت أكثر الدور وسدت على أهلها أبوابها بما فيها، وأهلها موتى فيها .. وأكل الناس الجيف» (٤). «وكان الفقير تعرض عليه الدنانير الكثيرة والدراهم والثياب فيقول: أنا أريد كسرة أريد ما يسد جوعي، فلا يجد ذلك» (٥). ويذكر ابن حجر العسقلاني من أخبار الغلاء في مصر، وتغير أسعار السلع وذلك في أحداث سنة ست وسبعين وسبعمائة. فيقول: «واستهلت والغلاء قد

стр. 42

تزايد جداً إلى أن بلغ الأردب بمائة وعشرة ثم بلغ في شعبان مائة وخمسة وعشرين، وقيمتها بالذهب إذ ذاك خمسة مثاقيل وربع، وبيع إذ ذاك دجاجة واحدة بأربعة دراهم، وصار أكثر الناس لا يقدر إلا على النخالة كل قرص أسود بنصف درهم وأكل الفقراء السلق والطين، وكادت الدواب أن تعدم لكثرة الموت فيها، وأكلوا الميتات» (١). ويقول: «وبلغ ثمن الفروج خمسة وأربعين، والسفرجلة خمسين، والرمانة عشرة، والبطيخة سبعين، ثم ارتفع الفناء وتراجع السعر إلى أن بيع القمح في ذي القعدة سعر سبعين، وفي آخرها إلى عشرين» (٢). ويذكر المقريزي عن أحداث القرن التاسع الهجري: «كان الأمير سعد الدين غراب الإسكندراني، ناظر الخاص، فعمل أعمالاً جسيمة، وتصرف تصرفاً عاماً، وما زال يرفع سعر الذهب، حتى بلغ كل دينار إلى مائتي درهم وخمسين درهماً من الفلوس، بعد ما كان بنحو خمسة وعشرين درهماً، ففسدت بذلك معاملة الإقليم، وقلت أمواله، وغلت أسعار المبيعات، وساءت أحوال الناس، إلى أن زالت البهجة، وانطوى بساط الرفه، وكاد الإقليم يخرب! نسأل الله العافية! فقد قام بمواراة آلاف من الناس، الذين هلكوا في زمان المحنة سنة ست أو سبع وثمانمائة» (٣). وخلال العصور الإسلامية التي عرضناها، رغم ما وصلت إليه في بعض الأزمنة من الغلاء الشديد، والذي يقابله بلا شك هبوط قيمة العملة، وارتفاع التضخم، لأن التضخم في حقيقته قديم (٤)، لكن تسميته بهذا الاسم حديثة. لم

стр. 43

نسمع أحداً من العلماء قال بربط المعاملات كالديون، والقروض بمستوى الأسعار، مع وجود العلماء الكبار أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والعز بن عبد السلام، ومن بعدهم ابن حجر العسقلاني، وغيرهم كثير، ولو كان جائزاً لقالوا به. وحتى لا يقع الخلط من بعض القراء فإن ما قاله بعض الفقهاء في العصور السابقة من رد القيمة -وخالفهم فيه جمهور العلماء- إنما هو بالنسبة لحالة الانقطاع، أو تغيير السلطان للعملة، أو كسادها ولم يقولوا به في حالة غلاء الأسعار ورخصها. ومن قال به في حالة غلاء الفلوس ورخصها، فإنما هو غلاؤها ورخصها بالنسبة للذهب والفضة، لا بالنسبة لأسعار السلع. وهو من باب التعويض، وليس من باب الربط بمستوى الأسعار.

стр. 44

المبحث الرابع مناقشة الأدلة المطلب الأول: مناقشة أدلة القائلين بالربط بالذهب أو بمستوى الأسعار: أولاً: صحيح أن الله أمر بالقسط في جميع المعاملات، وليس في الكيل والوزن فقط. ولكن الاستدلال بالآيات الكريمات على جواز ربط القروض، والديون بمستوى الأسعار، لا يصح، لأنه تحميل لمعنى الآيات ما لا تحتمله. جاء في تفسير ابن كثير: يأمرهم ﵇ بإيفاء المكيال والميزان، وينهاهم عن التطفيف فيهما، فقال: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي إذا دفعتم للناس فكملوا الكيل لهم ولا تبخسوا الكيل فتعطوه ناقصاً وتأخذوه إذا كان لكم تاماً وافيا. والقسطاس هو الميزان، وقيل هو القبان. وقال مجاهد: القسطاس العدل (١). ومن جهة ثانية ليس هذا عدلاً، وإن أفادت الآيات الكريمات بعمومها طلب العدل في كل شيء، وإن اعتقد دعاة الربط أنه عدل، لأنها مقيدة بالأحاديث المانعة من الزيادة، منها حديث نهيه ﷺ عن بيع الصاع بالصاعين، ومنها تقييده ﷺ صرف ما في الذمة بسعر يوم السداد، وقد بيناها، وغيرها، ووجهه دلالتها. ومن جهة ثالثة فإن ربط القروض، والديون بمستوى الأسعار ليس عدلاً، لأنه يؤدي إلى أن يأخذ المقرض، أو الدائن أكثر، أو أقل مما أعطى، وهذا هو ربا الفضل، وهو مخالف للعدل أيضاً لأنه ينطبق في اتجاه واحد، حينما يكون هناك ارتفاع في الأسعار، وهو الغالب، وليس العكس، وما من أحد يميل إلى قبول مبلغ أقل من المبلغ الذي قام بإقراضه، أو باع به.

стр. 45

ولو صح الاستدلال بهذه الآيات لكان الاستدلال بها على رفض هذا المبدأ أولى، لأن العدل في اتباع شرع الله، ومنه الوفاء بمقدار الدين أو القرض عدداً، أو وزناً، أو كيلاً، دون زيادة أو نقصان. ثانياً: قولهم إن ربط القروض والديون بمستوى الأسعار يؤدي إلى وفاء الدين، أو القرض، بقيمته الحقيقية، فهو يؤدي إلى التماثل المطلوب في الحديث الشريف - «مثلاً بمثل» - غير صحيح شرعاً، وتطبيقاً، ولا ينطبق على القواعد الشرعية بحال من الأحوال، لأن القروض يجب في الشريعة أن تقضى بأمثالها، وهذا لا يختلف فيه أحد، حتى القائلين بربط القروض بالأسعار، لأن المثلية في الشرع تتحقق بالكيل أو الوزن، أو العدد (١)، ولا تتحقق بالقيمة كما يظنها دعاة الربط. أ-لحديث رسول الله ﷺ الذي رواه أبو سعيد الخدري، وأبو هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً (٢) على خيبر، فجاءه بتمر جنيب (٣)، فقال رسول الله ﷺ : «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟» قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : «لَا تَفْعَل، بِعِ الجَمْعَ (٤) بالدَّراهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بالدَّرَاهِمِ جَنيبًا» (٥). متفق عليه. وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث: «أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا» (٦). وفي رواية لمسلم: «هذَا الرِّبَا فَرُدُّوهُ، ثُمَّ بيعُوا تَمْرَنَا وَاشْتَرُوا لَنَا مِنْ هذا» (٧).

стр. 46

فهذا عامل رسول الله ﷺ على خيبر كان يشتري التمر الجيد، وهو الجنيب، بالتمر الرديء، وهو الجمع، وكانت قيمة الصاع من الجنيب تساوي صاعين من الجمع، فظن أن تساويهما في القيمة مبيح لشراء التمر الطيب بالتمر الرديء وإن تفاضلا في المعيار الشرعي، وهو الكيل. فجاء الجواب من رسول الله ﷺ بالنهي عن هذه المعاملة، فدل على عدم جوازها، لأن رسول الله ﷺ لم يرض إلا بالتماثل في القدر وهو الكيل، وجعل التساوي في القيمة هدراً. وهذا دليل على أن المماثلة في القيمة لا يتحقق بها معنى «مثلاً بمثل». فدل الحديث على أن ربط القروض والديون بمستوى الأسعار لا يجوز، لأنه ربا. ب- عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ، ولا الوَرِقَ بالوَرِقِ، إلَّا وزْنًا بوَزْنٍ، مِثْلًا بمِثْلٍ، سَواءً بسَواءٍ» (١). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وزْنًا بوَزْنٍ، مِثْلًا بمِثْلٍ، والْفِضَّةُ بالفِضَّةِ وزْنًا بوَزْنٍ، مِثْلًا بمِثْلٍ، فمَن زادَ أوِ اسْتَزادَ فَهو رِبًا» (٢). وعن عبادة ابن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: (الذهب بالذهب تبرها وعينها (٣)، والفضة بالفضة تبرها وعينها، والبر بالبر مدياً بمدي، والشعير بالشعير مدياً بمدي، التمر بالتمر مدياً بمدي والملح بالملح مدياً بمدي .... ) (٤).

стр. 47

فهذه الأحاديث الثلاثة تدل على عدم جواز بيع الذهب أو الفضة بجنسهما إلا بالوزن، وعدم جواز بيع الأصناف الأربعة بجنسها إلا بالكيل، لأنه إذا بيعت بجنسها وزناً لا يتحقق التماثل. وقوله ﷺ : «فمَن زادَ أوِ اسْتَزادَ»، يعم كل زيادة في الأموال الربوية، لأن «من» أداة شرط تفيد العموم (١). وقوله ﷺ : «إلَّا وزْنًا بوَزْنٍ، مِثْلًا بمِثْلٍ، سَواءً بسَواءٍ» تأكيد على المماثلة في المعيار الشرعي، وهو الوزن فيما يوزن، والكيل فيما يكال، والعد فيما يعد. وحكى الوزير ابن هبيرة وغيره الاتفاق على أنه لا تباع المكيلات المنصوص عليها بعضها ببعض إلا كيلاً، وأنها مكيلة أبداً، والموزونات المنصوص عليها إلا وزناً، وأنها موزونة أبداً (٢). وقوله: «سواء بسواء» تأكيد على المثلية هنا لا يكتفى فيها بمجرد الشبه، وإنما لا بد من المماثلة بقدر ما يحقق التسوية الحقيقية بين المتماثلين (٣)، ولهذا قال الفقهاء لا يباع ما أصله الكيل بشيء من جنسه وزناً، ولا ما أصله الوزن بشيء من جنسه كيلاً، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد (٤)، لأن ما خولف معياره الشرعي لا يتحقق فيه التماثل (٥). ج-ولما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الدِّينارُ بالدِّينارِ لا فَضْلَ بيْنَهُما، والدِّرْهَمُ بالدِّرْهَمِ لا فَضْلَ بيْنَهُما» (٦).

стр. 48

فإذا وجدت الزيادة في أحد العوضين نتيجة للربط بمستوى الأسعار فإنه لا يتحقق التماثل المطلوب في حديث مثلاً بمثل، لأنه يوجد الفضل المنهي عنه في الحديث السابق. د- لم تكتف الشريعة الإسلامية بمنع التفاضل، ثم لم تكتف بمنع أدنى زيادة، بل منعت ما يظن أنه يؤدي إلى المماثلة لقيامه على الخرص والتخمين كما في بيعي المزابنة، والمحاقلة (١)، لأن علة المنع في الربويات التفاضل، أو شبهته، الناشئة عن عدم التحقق من قدر المبيع. قال البابرتي: نهي عن بيع المزابنة والمحاقلة … لأن فيه شبهة الربا الملحقة بالحقيقة في التحريم (٢). هـ- ومن حيث التطبيق العملي فإن ربط القروض، والديون، ونحوهما بمستوى الأسعار لا يؤدي إلى التماثل في القيمة الحقيقية، لأنه يقوم على التقدير، ولأن إعداد الأرقام القياسية تعتمد على العينات العشوائية على جميع المستويات، وبالتالي فهي أرقام تقريبية، يكثر الاختلاف فيها، ولأنها تجرى على فترات دورية، مثلاً كل ستة أشهر، أو سنة، فإذا كانت الأسعار قد ارتفعت عند نهاية الستة الأشهر الأولى، ومواعيد سداد القروض والديون قبيلها، لأن عمليات الإقراض والاستدانة، والسداد تجرى كل يوم - فإن متوسط الأسعار لا يمكن أن يكون واقعياً، ولا عادلاً بصورة دقيقة، وبالتالي يكون الحساب خاطئاً، فلا يحقق المطلوب منه، لأنه لا يمثل القيمة الحقيقية كما يقول به دعاة الربط (٣).

стр. 49

ومن جهة ثانية فإن الربط بهذه الأشياء لا يحقق الهدف المقصود، وهو استقرار قيمة الديون، لأن ذلك يتوقف على مدى استقرار قيم هذه الأشياء المربوط بها، والمعروف في هذا العصر أن الذهب يتقلب سعره هبوطاً وصعوداً، فقد ذكرت الإحصائيات أن سعر الذهب تعرض في عام ١٩٩٧ ميلادية لهبوط كبير، وصل في مصر إلى ٣٠% ومن الثابت أيضاً أن أسعار العملات تتفاوت من حيث الاستقرار والاضطراب من عملة لأخرى. وعلى فرض استقرار قيم هذه الأشياء فإنه لا يلزم من ذلك استقرار قيمة العملة المربوطة، فقد يستقر ثمن الذهب في بلد ما أو حتى يرتفع ومع ذلك يكون المستوى العام للأسعار متزايداً، ومعنى ذلك هبوط القيمة الحقيقية للنقود (١). فالأحاديث التي ذكرناها كلها دالة بوضوح على أن التماثل المعتبر في الشريعة إنما هو التماثل في القدر، ولا عبرة بالتفاوت في القيمة، ما دامت الأموال ربوية. فما دام أن التماثل يتحقق بالكيل، أو الوزن، أو العدد، وهذا غير ممكن في الربط بمستوى الأسعار، وما دام أن أدنى زيادة ممنوعة في الأموال الربوية، بل احتمال عدم التساوي -ليبوسة أحد المبيعين ورطوبة الآخر في المزابنة والمحاقلة - سبب للحرمة، ومبطل للعقد، وهو متحقق في عملية الربط بمستوى الأسعار، لأن المثلية قائمة على التقدير، ولأن من يدفع عشرة آلاف قد يأخذ أحد عشر ألفاً، وإذا كان الفقهاء يمنعون بيع كيلة من التمر بكيلة من التمر، لأنه خلاف معياره الشرعي، حيث بيع بالوزن بدل الكيل، فكيف يقال إن ربط القروض والديون بمستوى الأسعار يتحقق فيه التماثل المطلوب في الأحاديث الشريفة؟. إن في نصوص الشريعة الصحيحة ما يسد جميع الطرق التي يود أن ينفذ منها أرباب الحيل.

стр. 50

ثالثاً: الاحتجاج بقاعدتي «لا ضرر ولا ضرار» و «الضرر يزال» يجاب عليه بأن الضرر لا يزال بضرر مثله (١). ولأنه إذا كان رد قيمة القرض، أو الدين في نظر دعاة الربط يؤدي إلى العدل بالنسبة للمقرض، والدائن، ويدفع عنهما الضرر، فإنه يؤدي إلى ظلم المقترض، والمدين ويؤدي إلى ضررهما. لأنهم كلفوا أكثر مما أخذوا، هذا من جهة. ومن جهة ثانية لو أن الأمر على عكس ما ذكر، فبدلاً من التضخم أصبح الوضع الاقتصادي في حالة انكماش، مما يترتب عليه أن قيمة النقود بالنسبة للسلع صارت مرتفعة عنه وقت ثبوت الدين في ذمة المدين، فهل سيرضى الدائن والمقرض بأخذ أقل مما دفع؟ الواقع أنه لا يرضى بأخذ أقل مما دفع. ثم إن التضخم الذي ينتج عنه ضعف القوة الشرائية للنقود، وبسببه يرى البعض تعويض المقرضين والدائنين عن نقص قيمة نقودهم ليس هو من فعل المدينين والمقترضين، وإنما هو بأسباب خارجة عن إرادتهم. وبناءً عليه فإنه ليس من العدل أن يكلف الإنسان بتحمل آثار نقص ليس من فعله. ومن جهة أخرى فإن تلك النقود لو بقيت في يد المقرض أو الدائن ستتعرض للنقص كما هي عند المقترض، أو المدين. ويجاب أيضاً على المحتجين بالعدالة بأن المستثمرين الذي لا يدخرون النقود فقط، بل يدخلون أيضاً في مخاطرة استثمارية غير مطمئنين إلى ثبات القيمة الفعلية لاستثماراتهم، لا تربط استثماراتهم بالمستوى العام للأسعار، مع أنهم قد يتعرضون لتآكل القوة الشرائية لنقودهم، ومع أنهم قد يتعرضون أيضاً للخسارة في مشاريعهم الاستثمارية. فأيهم أولى بالعدالة المتوهمة أهم المستثمرون؟ أم المقرضون

стр. 51

والدائنون؟ ولماذا يجب أن يطمئن المدخرون وحملة النقود حتى عندما لا يتحملون أي مخاطرة؟ (١). ولذا فإنه بدلاً من إحداث التفاوت الاجتماعي بسبب الربط القياسي طائفة يربط لها، وطائفة لا يربط لها فإن من الأصلح، من هذه الناحية، ومن ناحية ثانية الابتعاد عن تعاطي العقود المحرمة، ومن ناحية ثالثة العمل على حماية النقود من آثار التضخم هو أن يتوجه أصحاب النقود إلى استثمارها في مجالات الاستثمار المباحة. رابعاً: الاستدلال بجواز بيع التقسيط مع ما فيه من زيادة على الحال مردود، لأن بيع التقسيط نصت الشريعة على جوازه، كما في قوله تعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢). ولما جاء في صحيح البخاري وغيره عن عائشة ﵂ قالت: «جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقالَتْ: كَاتَبْتُ أهْلِي علَى تِسْعِ أوَاقٍ، في كُلِّ عَامٍ وقِيَّةٌ، فأعِينِينِي، فَقُلتُ: إنْ أحَبَّ أهْلُكِ أنْ أعُدَّهَا لهمْ، ويَكونَ ولَاؤُكِ لي فَعَلْتُ … » الحديث (٣). متفق عليه، واللفظ للبخاري. أما الربط بمستوى الأسعار فقد دلت نصوص الشريعة التي ذكرناها في أدلة المانعين على عدم جوازه. ومن جهة ثانية إن المبيع بالتقسيط يكون ثمنه معلوماً للعاقدين، ولا يصح العقد إلا بمعرفته. أما ثمن المبيع أو القرض في الربط بمستوى الأسعار فلا يعلم العاقدان قدره. لكل هذا جاز بيع التقسيط، ومنع الربط بمستوى الأسعار.

стр. 52

خامساً: قياس الأوراق النقدية المعاصرة على الفلوس بناءً على الرأي المرجوح الذي يرى قائله رد القيمة في الفلوس إذا غلت أو رخصت، وتجويزهم ربط القروض والديون بمستوى الأسعار بناءً عليه، نناقشه من وجوه: أولها: إن قول أحد الفقهاء أو بعضهم بجواز مسألة ما ليس دليلاً شرعياً على جواز هذه المسألة، لأنه ليس من الأدلة، وبالتالي فإنه لا يصلح حجة للقائلين بجواز ربط القروض والديون بمستوى الأسعار. لكن يمكنهم أن يستدلوا بما استدل به هذا الفقيه. وبالتالي يمكن النظر في دليله، وموازنته بأدلة معارضيه، ومن ثم الترجيح بينها، بناءً على قواعد الترجيح المعروفة عند الفقهاء. أما إذا أجمع العلماء في عصر من العصور على حكم فإنه لا تجوز مخالفة هذا الإجماع. ثانيها: أبين رأي جمهور الفقهاء في الذي يجب أن يرده المدين، والمقترض، إذا كان الدين فلوساً. فقد ذهب جماهير الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الواجب على المدين من الفلوس في القرض، والبيع المؤجل، ونحوهما هو نفس المقدار المحدد بدون زيادة أو نقصان. جاء في المدونة للإمام مالك: «أرأيت إن استقرضت فلوساً ففسدت الفلوس فما الذي أرد على صاحبي؟ (قال) قال مالك: ترد عليه مثل تلك الفلوس التي استقرضت منه وإن كانت قد فسدت قلت. فإن بعته سلعة بفلوس ففسدت الفلوس قبل أن أقبضها. (قال) قال مالك: لك مثل فلوسك التي بعت بها السلعة الجائزة بين الناس يومئذ، وإن كانت الفلوس قد فسدت فليس لك إلا ذلك» (١). فإذا كان الإمام مالك يقول: ليس له إلا مثل فلوسه في حالة الفساد وهو الكساد فالقول بأنه ليس له إلا مثلها في حالة الغلاء والرخص أولى.

стр. 53

وفي المدونة: «وكذلك إن أقرضته دراهم فلوساً، وهو يومئذ فلس بدرهم، ثم صارت مئتي فلس بدرهم، فإنما يرد إليك ما أخذ لا غير ذلك» (١). وقال الإمام الشافعي: «ومن سلف فلوساً أو دراهم أو باع بها ثم أبطلها السلطان فليس له إلا مثل فلوسه أو دراهمه التي أسلفها أو باع بها» (٢). وقال الدردير: «وإن بطلت معاملة من دنانير أو دراهم أو فلوس ترتبت لشخص على غيره من قرض أو بيع وتغير التعامل بها بزيادة أو نقص (فالمثل) أي فالواجب قضاء المثل على من ترتبت في ذمته إن كانت موجودة في بلد المعاملة (وإن عدمت) في بلد المعاملة وإن وجدت في غيرها فالقيمة يوم الحكم» (٣). وجاء في بدائع الصنائع في الكلام على الفلوس: « … ولو لم تكسد ولكنها رخصت قيمتها أو غلت لا يفسخ البيع بالإجماع وعلى المشتري أن ينقد مثلها عدداً ولا يلتفت إلى القيمة هنا لأن الرخص أو الغلاء لا يوجب بطلان الثمنية» (٤). وجاء فيها بخصوص القرض: «ولو لم تكسد ولكنها رخصت أو غلت فعليه رد مثل ما قبض» (٥). وجاء في فتاوى قاضي خان يلزمه المثل وهكذا ذكره الاسبيجابي قال: لا ينظر إلى القيمة (٦).

стр. 54

وقد نقل ابن عابدين عن الاسبيجابي فقال: «قال في غاية البيان: قيد بالكساد احترازاً عن الرخص والغلاء، لأن الإمام الإسبيجابي في شرح الطحاوي قال: وأجمعوا أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها أو رخصت فعليه مثل ما قبض من العدد» (١). وألزم ابن رشد من يقول بالرجوع للقيمة بإلزامات ثلاثة. أولاً: أنه لا يجوز للمتبايعين فسخ العقد إذا كان الثمن والمثمن عروضاً -يعني إذا تغيرت القيمة- فإذا تغيرت القيمة كان العائد لأحدهما أكثر مما أعطى وهو ممنوع. ثانياً: أنه أذا أبطل السلطان التعامل بالفلوس وأجرى الذهب والفضة فقط أنه يجب على من كان عليه دين بالفلوس أن يقضي دينه من الذهب والفضة. وهذا يؤدي إلى أن يلزم المدين بسداد دينه بعملة لم يلتزم بها. ثالثاً: أن السلطان إذا أبدل المكاييل بأصغر أو أكبر أو الموازين بأنقص أو أوفى، أنه ليس للمبتاع إلا بالكيل الأخير وإن كان أصغر، وأن على البائع الدفع بالثاني أيضاً وإن كان أكبر. وهذا مما لاخفاء في بطلانه (٢). وقال الحطاب: «ذكر ابن أبي زيد أن من أقرضته دراهم فلوساً، وهو يوم قبضها مائة بدرهم ثم صارت مائتين لم ترد إليه إلا عدة ما قبضت وشرطكما غير ذلك باطل» (٣). فقوله: وشرطكما غير ذلك باطل فيه بيان أن أي شرط يختلف عن هذه القاعدة الشرعية وهي - رد المثل- باطل، سواء كان الاشتراط على رد القيمة، أو بطريقة الربط بمستوى سعر الذهب، أو السلع أو غير ذلك فكله باطل.

стр. 55

وقال السيوطي: «وقد تقرر أن القرض الصحيح يرد فيه المثل مطلقاً، فإذا اقترض منه رطل فلوس فالواجب رد رطل من ذلك الجنس، سواء زادت قيمته أم نقصت. أما في صورة الزيادة، فإن القرض كالسلم … وأما في صورة النقص فقد قال في (الروضة) من زوائده: ولو أقرضه نقداً، فأبطل السلطان المعاملة به، فليس له إلا النقد الذي أقرضه، نص عليه الشافعي ﵁. فإن كان هذا مع إبطاله، فمع نقص قيمته من باب أولى» (١). وقال الرملي: «ولو أبطل السلطان ما باع به أو أقرضه لم يكن له غيره بحال نقص سعره أم زاد أم عز وجوده، فإن فقد وله مثل وجب، وإلا فقيمته وقت المطالبة، وهذه المسألة قد عمت بها البلوى في زماننا في الديار المصرية في الفلوس» (٢). وقال البهوتي: «إن الفلوس إن لم يحرمها وجب رد مثلها، غلت أو رخصت أو كسدت» (٣). هذا هو رأي جماهير العلماء في الفلوس لدى المذاهب الفقهية. وهي نصوص صريحة واضحة، لا لبس فيها على أن الفلوس الثابتة في الذمة بسبب القرض، أو ثمن بيع مؤجل، أو صداق مؤخر، أنه ليس له إلا مثلها غلت أو رخصت، وهو نص الإمام مالك والشافعي، ومذهب أبي حنيفة. بل إن مالكاً والشافعي يقولان ذلك حتى في حالة الكساد. فإذا كان الأمر كذلك فهو في حالة الغلاء والرخص من باب أولى. وعليه فلا يجوز ربط القروض، والديون بمستوى الأسعار.

стр. 56

ثالثها: تحرير أقوال العلماء الذين نسب لهم القول برد القيمة. ١ - بالنسبة لما نسب لأبي يوسف من قوله برد قيمة الفلوس في القرض، أو البيوع المؤجلة في حالة غلاء الفلوس ورخصها، لم تروه عنه أشهر كتب الحنفية، كالمبسوط، والهداية، وفتح القدير، وبدائع الصنائع. بل نقلت إجماع الحنفية ومنهم الإمام وصاحباه على رد المثل (١)، وكذلك نقله الاسبيجابي (٢). والذي ذكرته في هذا الشأن هو مخالفة أبي يوسف لأبي حنيفة في مسألة كساد الفلوس في حالتي البيع والقرض، حيث قال أبو يوسف عليه القيمة. (٣) جاء في فتح القدير: «فلو لم تكسد ولم تنقطع ولكن نقصت قيمتها قبل القبض فالبيع على حاله بالإجماع، ولا يتخير البائع، وعكسه لو غلت قيمتها وازدادت فالبيع على حاله ولا يتخير المشتري ويطالب بالنقد بذلك العيار الذي كان وقت البيع» (٤). وجاء فيه: بعد أن بين رأي أبي يوسف فيما إذا باع بفلوس ثم كسدت، وهو أن عليه القيمة ولا يفسد البيع. قال بعد هذا: «وفي المسألتين جميعاً إذا لم تكسد الفلوس غير أن قيمتها غلت أو رخصت لا يبطل البيع وعليه أن يدفع العدد الذي عينه منها» (٥). وقال الكاساني: «ولو لم تكسد ولكنها رخصت قيمتها أو غلت لا ينفسخ البيع بالإجماع وعلى المشتري أن ينقد مثلها عدداً، ولا يلتفت إلى القيمة ههنا، لأن الرخص أو الغلاء لا يوجب بطلان الثمنية ألا ترى أن الدراهم قد ترخص وقد تغلو وهي على حالها أثمان» (٦).

стр. 57

ويقول في القرض: «ولو لم تكسد ولكنها رخصت أو غلت فعليه رد مثل ما قبض بلا خلاف» (١). أي بين الإمام وصاحبيه، لأن كلامه بعد بيان خلافهما في حالة الكساد. وجاء في المبسوط: «وإن استقرض عشرة أفلس ثم كسدت تلك الفلوس لم يكن عليه إلا مثلها في قول أبي حنيفة قياساً وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله قيمتها من الفضة استحساناً لأن الواجب عليه بالاستقراض مثل المقبوض فلوس هي ثمن وبعد الكساد يفوت وصف الثمنية بدليل مسألة البيع فيتحقق عجزه عن رد مثل ما التزم فيلزمه قيمته كما لو استقرض شيئاً من ذوات الأمثال فانقطع المثل عن أيدي الناس بخلاف ما إذا غلت أو رخصت لأن صفة الثمنية لا تنعدم بذلك ولكن تتغير بتغير رغائب الناس فيها وذلك غير معتبر كما في البيع» (٢). والذي ذكر أن أبا يوسف يقول بالقيمة في حالة غلاء الفلوس ورخصها هو ابن عابدين، وقد نقل هذا عن كتاب المنتقى للحاكم الشهيد، وهو أصل من أصول مذهب الحنفية بعد كتب محمد بن الحسن (٣). والذي يظهر لي أن نسبة القول لأبي يوسف برد قيمة الفلوس حالة غلائها، أو رخصها محل نظر. لما يأتي: ١ - كثرة عدد ناقلي الإجماع على رد المثل في حالة الغلاء والرخص ٢ - أن الكتب التي نقلت رد المثل، والتي قصرت خلاف الحنفية في الكساد، ولم تذكره في حالة الغلاء والرخص هي المعتمدة في نقل مذهب الحنفية. يقول ابن عابدين: عن المبسوط للسرخسي: «لا يعمل بما يخالفه، ولا يركن إلا إليه، ولا يفتي ولا يعول إلا عليه» (٤).

стр. 58

٣ - ولأن نسبة القول برد قيمة الفلوس لأبي يوسف حالة غلائها ورخصها يتعارض مع لازم قوله، حيث علل في القول برد قيمة الفلوس حال كسادها ببطلان الثمنية. وفي حالة الغلاء والرخص لا تبطل الثمنية، وقد ذكر هذا من نقلنا نصوصهم من فقهاء الحنفية. رابعها: على فرض التسليم بصحة نسبة هذا القول إلى أبي يوسف في غلاء الفلوس ورخصها، فإنه لا يصح قياس الحكم الذي قال به على انخفاض القوة الشرائية للنقود الورقية، لأن قوله معلل ببطلان الثمنية، قال السرخسي: «وإن استقرض عشرة أفلس ثم كسدت تلك الفلوس لم يكن عليه إلا مثلها في قول أبي حنيفة قياساً، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله قيمتها من الفضة استحساناً لأن الواجب عليه بالاستقراض مثل المقبوض والمقبوض فلوس هي ثمن» وبعد الكساد يفوت وصف الثمنية … » (١). وبصدد بقاء الثمنية في الفلوس في حالة غلائها أو رخصها يذكر السرخسي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، عقب النقل السابق عنه فيقول: «بخلاف ما إذا غلت أو رخصت لأن صفة الثمنية لا تنعدم بذلك، ولكن تتغير بتغير رغائب الناس فيها وذلك غير معتبر كما في البيع» (٢). وهبوط القوة الشرائية للنقود الورقية في العصر الحاضر لا يلغي ثمنيتها، بل إنها تبقى أثماناً، ولا أحد يخالف في هذا، حتى القائلين بالربط، وبناءً عليه فلا يصح الاحتجاج بالقول المنسوب لأبي يوسف على فرض صحته. خامسها: إن ما نسب لأبي يوسف من رد قيمة الفلوس حال غلائها أو رخصها، أو ذكره غيره بسبب منع السلطان لها. إنما هو حالة غلائها أو رخصها

стр. 59

بالنسبة للذهب، أو الفضة، ولم يذكروا هذا بالنسبة لرخصها مقابل السلع، فلا يصلح هذا دليلاً للقول بجواز ربط القروض والديون، ونحوها بالمستوى العام للأسعار. سادسها: «إن هذا الاستدلال غير صحيح، فقول أبي يوسف ﵀ (أو غيره من العلماء) لا علاقة له بفكرة ربط الديون بقائمة الأسعار، لأن من المعلوم بالبداهة، أن التضخم والانكماش ووضع قائمة الأسعار، وتقويم النقود على أساس تلك القائمة، كل هذه الأمور حادثة لم تكن متصورة في زمن أبي يوسف. فحينما يقول أبو يوسف بأداء قيمة الفلوس، فإنه لا يمكن أن يريد به قيمتها المقدرة على أساس قائمة الأسعار الحقيقية بالاصطلاح الاقتصادي المعاصر» (١). ويعترف بعض من كان يقول بالربط حين قوله به، هذا نص كلامه: «ثم إن المواطن الفقهية التي ركن إليها الاقتصاديون وانطلقوا منها في دراسة الربط لا تنبئ عن ربط لا من بعيد ولا من قريب، وإنما هي في كيفية المعالجة والتصرف حيال ما تم أو ما وقع، بعد أن انتهت الفترة الزمنية التي نشأت فيها هذه الحقوق، ومن الواضح أن الاعتماد على ذلك في الوصول إلى معرفة الربط أمر غير مأمون شرعاً، حيث كثيراً ما تكون هناك تفرقة وتمييز بين الحكم عند إتمام مقتضيات العقد وعند إنشاء العقد» (٢). «والواقع أن الفلوس في الأزمنة المتقدمة كانت مرتبطة بنقود الذهب والفضة تقوَّم على أساسها، وتعتبر كالفكة للنقود الذهبية والفضية، وكانت عشرة فلوس

стр. 60

تعادل درهماً واحداً (في بعض العصور) من الفضة، فكان الفلس الواحد يعتبر عشر الدرهم الفضي، ولكن قيمة الفلس هذه لم تكن مقدرة على أساس قيمتها الذاتية، وإنما كانت قيمة رمزية اصطلح عليها الناس، فكان من الممكن أن يتغير هذا الاصطلاح، بأن يصطلح الناس على أن الفلس الواحد الآن يعتبر نصف عشر الدرهم بعد ما كان يعتبر عشره، فهذا هو المراد برخص الفلوس، كما يمكن أن يصطلح الناس على أن الفلس الواحد الآن يعتبر خمس الدرهم وهذا هو المراد بغلائها» (١). وما نسب للرهوني من المالكية فإنه غير دقيق، لما يأتي: أ-أصل الخلاف جاء في بطلان الفلوس عند قول خليل (وإن بطلت فلوس فالمثل) (٢). وذكر الرهوني رأي المالكية في وجوب رد المثل في الرخص والغلاء، وأنه لا خلاف في هذا وإنما الخلاف في الكساد. قال الرهوني: «ظاهر كلام غير واحد من أهل المذهب، وصريح كلام آخرين منهم أن الخلاف السابق محله إذا قطع التعامل بالسكة القديمة جملة، وأما إذا تغيرت بزيادة أو نقص فلا، وممن صرح بذلك أبو سعيد بن لب» (٣). وذكر حجة مقابل المشهور في وجوب القيمة، وتعليلهم في الكساد بقصد رد هذه الحجة فقال: وقد يظهر بادئ الرأي أن مقابل المشهور أولى، لما علل به قائله من أن البائع إنما بذل سلعته في مقابلة منتفع به، لأخذ منتفع به، فلا يظلم بإعطائه

стр. 61

ما لا ينتفع به، وليس كذلك بل المشهور هو الذي يظهر وجهه، لأن ذلك مصيبة نزلت به (١). ب- قول الرهوني بعد العبارة السابقة: «قلت» وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر ذلك جدا حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه لوجود العلة التي علل بها المخالف (٢) … قال الشيخ محمد السلامي ظن كثير من الباحثين -بناء على هذا النص- أن الرهوني يقول بالقيمة أو يؤيد القائلين بها، وهذا غير صحيح، لأن الرهوني إنما ذكره بحثاً ملزماً للقائل بالقيمة في حالة الانقطاع، أي أن من يقول بالقيمة في حالة الانقطاع، وبناءً على علته ينبغي عليه أن يسحب الحكم-أي القول بالقيمة- إذا كان التغير كبيراً جداً، لوجود العلة التي علل بها. أي أنه لما كان لا فائدة من الفلوس عند انقطاع التعامل بها فكذلك لا فائدة منها إذا رخصت رخصاً كبيراً حتى إن القابض لها كالقابض لما لا كبير فائدة فيه. وجعل هذا إلزاماً للمخالف ثم كر على هذا القول بإبطاله (٣). يؤيد ما ذكرناه رد الرهوني على من يقول برد القيمة في حالة انقطاع الفلوس، وهم ابن عتاب وعبدالحميد الصائغ، فقال: «وليس ضرر البائع هنا بأشد من ضرر من باع سلعة … معين مثلاً فمات بيد صاحبه قبل أن يدفعه للبائع، ونحو ذلك من المسائل الكثيرة مع أنهم راعوا حق البائع ولم يراعوا حق المشتري، والإمام وأتباعه لم يلتفتوا إلى هذه العلة التي اعتمدوا عليها في مخالفتهم، مع أنها كانت موجودة في زمانهم فلو كان للصائغ وابن عتاب ومن وافقهما دليل من

стр. 62

كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، أو حدث سبب لما قالوه لم يكن موجوداً وقت الإمام فمن بعده من الأئمة لكان لهم عذر في المخالفة لإمامهم الذي التزموا مذهبه أما مع انتفاء ذلك كله فلا عذر لهم» (١). وبالنسبة لما نسب لشيخ الإسلام ابن تيمية من أنه يقول برد القيمة في الفلوس إذا غلت أو رخصت، فهو محل نظر من وجوه: ١ - لم نجد لشيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه قولاً برد قيمة الفلوس حالة غلائها أو رخصها. ٢ - ما ذكره الشيخ أبو بطين ليس فيه التصريح بأن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى رد القيمة في الغلاء والرخص مع عدم تحريم السلطان. وإنما فهمه من كلام شيخ الإسلام. ولم يورد نصاً من كلامه حتى يكون واضحاً لا لبس فيه. ٣ - حيث إن الشيخ أبا بطين ومن تبعه من المشايخ قد اعتمدوا في نسبة هذا القول إلى شيخ الإسلام ابن تيمية على كتاب شرح المحرر، وعلى مفردات الإمام أحمد. فسننقل هذه النصوص من أصليهما، ونناقشها ليتبين مدى دلالة هذه النقول على نسبة هذا القول لشيخ الإسلام، من عدمه. قال ناظم المفردات: والنص بالقيمة في بطلانها … لا في ازدياد القدر أو نقصانها بل إن غلت فالمثل فيها أحرى … كدانق عشرين صار عشرا قال الشارح: «يعني أن النص في رد القيمة إنما ورد عن الإمام (أحمد) فيما إذا أبطلها السلطان فمنع المعاملة بها، لا فيما إذا زادت قيمتها أو نقصت مع بقاء

стр. 63

التعامل بها، وعدم تحريم السلطان لها، فيرد مثلها سواء غلت أو رخصت أو كسدت وسواء كان الغلو أو الرخص كثيراً بأن كانت عشرة بدانق فصارت عشرين بدانق وعكسه، أو قليلاً لأنه لم يحدث فيها شيء إنما تغير السعر فأشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت» (١). وشيخ الإسلام فتى تيمية قال: قياس القرض عن جليه والطرد في الديون والصداق وعوض في الخلق والإعتاق والغصب والصلح عن القصاص ونحو ذا طرا بلا اختصاص أي قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «في شرح المحرر: قياس ذلك أي القرض فيما إذا كان مكسرة أو فلوساً وحرمها السلطان وقلنا برد قيمتها في جميع الديون من بدل المتلف والمغصوب والصداق والفداء والصلح عن القصاص والكتابة» انتهى (٢). فقول شيخ الإسلام في كتاب شرح المحرر، الذي ذكره ناظم المفردات، ووضحه شارحها الشيخ منصور البهوتي واضح في أنه يقول برد القيمة في الفلوس، والدراهم المكسرة حالة تحريم السلطان لها، لكنه لا يقصرها على القرض، وقيمة المبيع، وإنما يقيس عليها جميع الديون من بدل المتلف، والمغصوب والصداق، والفداء والصلح عن القصاص، والكتابة، فالفرق بينه وبين المذهب عند الحنابلة، أن الحنابلة يقصرون القول بالقيمة في حالتي القرض وقيمة المبيع. أما شيخ الإسلام فيقيس عليها ما سبق بيانه. قال ناظم المفردات: وخرج القيمة في المثلي … بنقص نوع ليس بالخفي واختاره وقال عدل ماضي … خوف انتظار السعر بالتقاضي

стр. 64

قال في شرح المحرر: «وقد نص في القرض على أن الدراهم المكسرة إذا منع التعامل بها فالواجب القيمة فيخرج في سائر المتلفات كذلك في الغصب والقرض فإنه معلوم أنه ليس المراد عيب الشيء المعيب فإنه ليس هو المستحق وإنما المراد عيب النوع، والأنواع لا يعقل عيبها إلا نقصان قيمتها. فإذا أقرضه أو غصبه طعاماً فنقصت قيمته فهو نقص النوع فلا يجبر على أخذه ناقصاً فيرجع إلى القيمة، وهذا هو العدل فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل، فعيب الدين المعين إفلاس المدين وعيب العين المعينة خروجها عن المعتاد بالنقص، وأما الأنواع فلا عيب فيها بالحقيقة، وأما نقصانها كعيبها، قال: ويخرج في جميع الدين من الثمن والصداق والفدية والصلح عن القصاص مثل ذلك كما في الأثمان» (١). ومعنى كلام شيخ الإسلام السابق، هو أن النص عن الإمام أحمد أن الدراهم المكسرة إذا أقرضت ثم منع السلطان التعامل بها، فالواجب على المقترض رد قيمتها. ويرى ابن تيمية أنه يتخرج على هذا الحكم وهو رد القيمة سائر المتلفات كالغصب. كل هذا في حالة منع السلطان التعامل بها. ومفهومه أنه إذا لم يمنع التعامل بها يبقى الحكم على أصله، وهو رد المثل. ثم يعلل لتخريجه، فيقول: «فإنه معلوم أنه ليس المراد عيب الشيء المعيب … فإذا أقرضه أو غصبه طعاماً، فنقصت قيمته فهو نقص النوع فلا يجبر على أخذه ناقصاً فيرجع إلى القيمة» ورأي شيخ الإسلام في رد القيمة هنا خاص بالطعام سواء في حالة القرض أو الغصب، لأنه لم يذكر الفلوس هنا ولا يمكن أن نحمل كلامه ما لا يحتمل، ويمكن أن يقيد ذلك في المثليات، بدليل قوله: «وكذلك إذا نقصت القيمة فيما ذكروا في جميع المثليات».

стр. 65

وما ذكره من أنه ليس المراد عيب الشيء المعين، فإنه ليس هو المستحق وإنما المراد عيب النوع، والأنواع لا يعقل عيبها إلا نقصان قيمتها. «هذا القول» يمكن أن يتعلق به من يرى أن شيخ الإسلام يرى التعويض في نقص القيمة ولكن كلامه معمول على نقصان القيمة بسبب تحريم السلطان لها، لأنه بصدد الرد على من قصر الرد في حالة الكساد بتحريم السلطان على نوع معين من الديون وهو الثمن المعين والقرض، فهو يقول إذا كان الكساد عيباً ووجب الرد في هذه الأنواع فيجب في الأنواع الأخرى لأننا إذا حصرنا الرد فيما ذكره الأصحاب حصرنا العيب في المعين وهو ليس كذلك بل هو عيب في النوع كله، أي النقود التي حرمها السلطان» (١). وربما كان هذا رداً على القاضي أبي يعلى ومن تابعه من الحنابلة، الذين لم يعتبروا تحريم السلطان للنقود مع وجود الرواج (٢)، لأن الرواج عندهم كان في استقرار الثمنية، فلا يعدون تحريم السلطان عيباً في النقد. فلعل قول شيخ الإسلام رد على هذا الفريق، لأنه يعد تحريم السلطان للنقد عيباً فيها يوجب القيمة. ٤ - إن كلام الناظم جاء في بطلان التعامل بالنقد، وليس فيه ذكر القيمة. بل نص على أن الخلاف ليس فيها (٣) فقال: والنص بالقيمة في بطلانها … لا في ازدياد القدر أو نقصانها

стр. 66

وبعد عرض ما سبق من نقول عن شيخ الإسلام، ودراستها، يتبين أنه ليس هناك قول لشيخ الإسلام ابن تيمية برد القيمة في البيع أو القرض، إذا رخصت الفلوس، أو غلت. وإنما قوله بهذا في حالة بطلانها، أو منع السلطان التعامل بها. وانه يلحق بها - والحالة هذه- جميع الديون، من بدل المتلف والمغصوب، والصداق، والفداء، والصلح عن القصاص، والكتابة. وجاء في المحرر لمجد الدين ابن تيمية: «وإذا أقرضه فلوساً أو مكسرة فحرمها السلطان. فله قيمتها وقت القرض» (١). يؤيد ما ذكرناه أن كثيراً من فقهاء الحنابلة المتأخرين ذكروا قول شيخ الإسلام في المسألة، ولم يذكروا عنه أنه يقول بالرد في القيمة، يقول البهوتي في القرض: «فإن ردها عليه لزمه قبولها إن كان مثلياً وهو المكيل والموزون وإلا فلا، ولو تغير سعره (ولو ينقص) ما لم يتعيب كحنطة ابتلت أو عفنت فلا يلزمه قبولها لأن عليه فيه ضرراً لأنه دون حقه (أو) يكن القرض (فلوساً أو) يكن دراهم (مكسرة فيحرمها) أي يمنع من المعاملة بها (السلطان) أو نائبه سواء اتفق الناس على ترك المعاملة بها أو لا لأنه كالعيب فلا يلزمه قبولها (فله) أي للمقرض (القيمة) عن الفلوس والمكسرة في هذه الحال (وقت قرض) سواء كانت باقية أو استهلكها وسواء نقصت قيمتها قليلاً أو كثيراً، والمغشوشة إذا حرمها السلطان كذلك، وعلم منه أن الفلوس إن لم يحرمها وجب رد مثلها غلت أو رخصت أو كسدت وتكون قيمة ذلك من غير جنسه إن جرى فيها ربا فضل كما لو أقرضه دراهم مكسورة فحرمها السلطان أعطى قيمتها ذهباً، حذراً من ربا الفضل (وعكسه بعكسه) فلو أقرضه دنانير مكسورة فحرمها السلطان أعطى قيمتها فضة (كذا)

стр. 67

الحكم المذكور (لو كانت) الفلوس أو المكسرة التي حرمها السلطان ثمناً معيناً في عقد بيع لم يقبضه البائع في وقت عقد على مبيع حتى حرمها السلطان أو رد المشتري مبيعاً لعيب أو خيار مجلس أو شرط أو تدليس ورام أخذ ثمنه وكان فلوساً أو مكسرة فحرمها السلطان فله قيمتها يوم عقد من غير جنسه أن جرى بينهما ربا فضل، وكذا سائر الديون كعوض خلف … ومتلف من غصب ونحوه وأجرة ونحوها كما أشار إليه الشيخ تقي الدين قال: وإذا كان المقرض ببلد المطالبة تحرم المعاملة به في سيرة السلطان. فالواجب على أصلنا: القيمة؛ إذ لا فرق بين الكساد لاختلاف الزمان أو المكان إذ الضابط أن الدين في الذمة كان ثمناً فصار غير ثمن» (١). وهذا النقل يؤيد ما سبق أن ذكرنا أن شيخ الإسلام يقول بالقيمة في حالة تحريم السلطان لها في جميع الديون، بينما قصره الحنابلة على بدل القرض والثمن المعين، والقاعدة التي ورد ذكرها توضح المقصود؛ إذ ليس نقص القيمة مع بقاء التعامل ملغياً لوجود وصف الثمنية. والقاعدة المذكورة، الظاهر أنها من كلام شيخ الإسلام، لأن البهوتي قال: كما أشار إليه الشيخ تقي الدين. قال: ثم ذكرها، فالقول راجع إلى أقرب مذكور وهو الشيخ تقي الدين. وإن كانت من كلام البهوتي فهو أولى من فهم متأخري الحنابلة الذين نقل عنهم صاحب الدرر السنية (٢). ويقول الشويكي: في القرض «وله طلب بدله فإن رده المقترض بعينه لزم قبوله إن كان مثلياً وإلا فلا ما لم يتعيب أو يكن فلوساً أو مكسرة أو نقداً فيحرمها

стр. 68

السلطان فله القيمة من غير جنسه إن جرى فيه ربا فضل وقت قرض نصاً وكذا ثمناً معيناً لم يقبضه البائع في بيع أو رد مبيعاً وأخذ الثمن وإن لم يحرمها بل غلت أو رخصت رد المثل قال أبو العباس وقياسه سائر الديون كصداق وعوض خلع … وغصب وصلح عن قصاص ونحوه» (١). ومن الحنابلة من يهتم بآراء شيخ الإسلام كصاحب الفروع وصاحب المبدع، ومع ذلك لم يذكروا شيئاً عنه في الغلاء والرخص (٢). وبعد النقول السابقة يتبين أن رأي شيخ الإسلام منصب على تحريم السلطان للنقود المكسرة، والفلوس، وليس لنقص القيمة دخل في ذلك مع الرواج. وهو يناقش الحنابلة في قصرهم على نوعين من الديون، مع أن العيب الذي ذكروه يجري في غيرهما. كما أنه لم ينص الناظم، ولا الشارح على أن شيخ الإسلام يرى التعويض في نقص القيمة مع بقاء التعامل، يؤيد هذا أن النقد مع بقاء التعامل به ولو انخفضت قيمته، فيه مانع يمنع من رد قيمته، وهو الوقوع في الربا ولا يمكن لشيخ الإسلام أن يقول بهذا، لأنه يرى وقوع الربا في الفلوس، ولأن العلماء يحتاطون في ذلك فيوجبون في حالة تحريم السلطان للنقد القيمة من خلاف الجنس، لئلا يلزم الربا، ولأن التغير في النقود لا بد منه، ولا يمكن أن يستقر النقد على سعر واحد من يوم البيع إلى يوم السداد، حتى في الذهب والفضة. سادساً: لا يمكن قياس الأوراق النقدية على الفلوس لما يأتي: ١ - النقود الورقية في هذا العصر هي النقد الوحيد في جميع دول العالم، حتى إن الذهب والفضة لم يعودا وسيطاً للتبادل، وبقي الورق النقدي وحده قائماً بهذه

стр. 69

المهمة. بينما الفلوس جمع فلس، بسكون اللام وفتح السين هي «أدنى ما يتعامل به» (١) ويسمى في الشام قرشاً، وفي السعودية هللة، وفي مصر والسودان مليماً، وفي العراق فلساً، وفي اليمن بقشة، وفي المغرب والجزائر بيزا أو بسيطة، وفي اليونان دراخماً، وفي إنجلترا وأمريكا بنساً (٢). ثم صارت عملة مساعدة مع الدراهم والدنانير. يقول المقريزي: «يجعلون بإزاء هذه المحقرات نحاساً يضربون منه قطعاً صغاراً تسمى (فلوساً) لشراء ذلك، ولا يكاد يوجد منها إلا اليسير، ومع ذلك فإنها لم تقم أبداً في شيء من هذه الأقاليم بمنزلة أحد النقدين قط» (٢)، واختلف رواجها من إقليم إلى آخر من الدولة الإسلامية، فأصبحت في بعض الأقاليم من أعز النقود، لكنها على كل حال لم تصل إلى ما وصلت إليه الأوراق النقدية في هذه العصور، لا من حيث انفرادها بالنقدية، ولا من حيث قبولها، ولا من حيث عمومها في جميع دول العالم، ولا من حيث المدة الزمنية، فهي لا تساويها، فضلاً عن أن تتفوق عليها، ولهذا لا يصلح قياس الأعلى على الأدنى، فلا يجعل الأدنى أصلاً، والأعلى فرعاً. كما لا يجوز أن يكون الأصل ظنياً، والفرع قطعياً. ٢ - الورق النقدي نقد مستقل، يلحق بالذهب والفضة في جميع الأحكام، وإلحاقه بالفلوس لا يستقيم على أصول الإلحاق الصحيحة، لأن بالفلوس عند أبي حنيفة، وأبي يوسف - وهو الفقيه الذي ينسب له القول برد قيمة الفلوس حال رخصها أو غلائها- وصفاً يمنع من الإلحاق، وهو أنهما يعدّانها في حالة الرواج عروضاً. جاء في بدائع الصنائع في مسألة رأس مال الشركة: «وأما الفلوس فإن كانت كاسدة فلا تجوز الشركة ولا المضاربة بها، لأنها عروض. وإن كانت نافقة

стр. 70

فكذلك في أشهر الرواية المشهورة عن أبي حنيفة وأبي يوسف» (١). وفي الهداية: «وأما عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى لا تجوز الشركة والمضاربة بها لأن ثمنيتها تتبدل ساعة فساعة وتصير سلعة» (٢). المطلب الثاني: مناقشة أدلة المانعين للربط بالذهب أو بمستوى الأسعار: أولاً: إن منع المانعين للربط بناءً على الأحاديث التي تشترط المثل يناقش بأن المثل يتحقق بإعادة القيمة الحقيقية (٣). ويرى البعض أن الفقهاء الذين منعوا التعويض لم تكن علة المنع عندهم إفضاؤه إلى الربا، ولكن لعدم ثبوت موجب ضمانه لديهم، أي ما يترتب في ذمة المدين هل هو الشكل الصوري، (أي مقدار الدين، أو القرض) أم أنه القيمة الحقيقية (٤)، ويضيف صاحب هذا القول: «بأنه إذا قيل بأن سداد الدين وفقاً للقيمة الحقيقية للنقود يعد من قبيل الربا، فإن سدادها وفقاً للقيمة الاسمية يعد أيضاً من قبيل الربا، لأن الزيادة أو النقصان يتساويان من حيث الحكم في حالة الربا» (٥). ويستشهد صاحب هذا القول بما ذكره ابن قدامة: «وإن شرط في القرض أن يوفيه أنقص مما أقرضه، وكان ذلك مما يجري فيه الربا لم يجز لإفضائه إلى فوات المماثلة فيما هي شرط فيه .. ولنا أن القرض يقتضي المثل فشرط النقصان يخالف مقتضاه فلم يجز كشرط الزيادة» (٦).

стр. 71

والجواب على هذا كما يأتي: بالنسبة لقولهم إن المراد بالمثل القيمة الحقيقية غير صحيح، ومن نافلة القول إن الآراء التي تنسب للفقه الإسلامي، لا ينبغي أن تطلق جزافاً، وكيفما اتفق، وإنما يجب أن تكون خاضعة لنصوص الشريعة، وقواعدها، كما يجب أن يكون التفسير اللغوي خاضعاً لقواعد اللغة العربية. وقد بين الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية الحنابلة أن المثل يتحقق بالكيل، أو الوزن، أو العدد. على تفصيل بينهم (١). وأما القيمة: «فهي ما توافق مقدار مالية الشيء، وتعادله بحسب تقويم المقومين» (٢). ومن هنا يتضح أن هناك فرقاً كبيراً بين المثل والقيمة، وأنه لا يدخل أي منهما في مدلول الآخر، لأن المثل قائم على معايير دقيقة، الكيل، والوزن، والعد، أما القيمة فقائمة على التقويم، وهو التقدير. وإذا أريد للمثل أن يعطي معنى القيمة فإنه حينئذ يحتاج إلى إضافة فيقال ثمن المثل. أما إذا أطلق كما في أحاديث الربا فلا يراد به إلا ما بيناه (٣). يدل على ما ذكرنا من أن القيمة لا تحقق معنى المثل المذكور في أحاديث الربا ما رواه أبو سعيد الخدري، وأبو هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر، فجاء بتمر جنيب، فقال رسول الله ﷺ : «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟» قال لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : «لَا تَفْعَل، بِعِ الجَمْعَ بالدَّراهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بالدَّرَاهِمِ جَنيبًا» متفق عليه (٤).

стр. 72

فهذا عامل رسول الله ﷺ على خيبر كان يشتري التمر الطيب، وهو الجنيب، بالتمر الرديء، وهو الجمع، وكانت قيمة الصاع من الجنيب تساوي صاعين من الجمع، فظن أن تساويهما في القيمة مبيح لشراء التمر الطيب بالتمر الرديء وإن تفاضلا في المعيار الشرعي وهو الكيل، لكن رسول الله ﷺ نهاه عن هذه المعاملة، فدل على عدم جوازها، وأن التساوي في القيمة لا يعني التماثل المطلوب في الحديث الشريف وهو الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، والعد فيما بعد. وقد أكد هذا المعنى أحاديث كثيرة منها، قوله ﷺ : «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وزْنًا بوَزْنٍ، مِثْلًا بمِثْلٍ، والْفِضَّةُ بالفِضَّةِ وزْنًا بوَزْنٍ، مِثْلًا بمِثْلٍ، فمَن زادَ أوِ اسْتَزادَ فَهو رِبًا» (١). فنص الحديث على عدم جواز بيع الذهب أو الفضة إلا بالوزن، دال على أن المراد بالمثل المساواة في المعيار الشرعي، وهو الكيل، أو الوزن أو العدد، وليس المساواة في القيمة (٢). وما قيل من أن الفقهاء الذين منعوا التعويض لم تكن علة المنع عندهم إفضاؤه إلى الربا، ولكن لعدم ثبوت موجب ضمانه لديهم، أي هل هو المقدار المقرض؟ والذي يسميه الباحث الشكل الصوري أم القيمة الحقيقية؟ فالجواب عنه فيما يلي: ١ - أما موجب ضمان القرض فهو ثابت عند الفقهاء أنه المثل. ولو كان موجب الضمان متردداً بين أمرين لوجدتهم قد اختلفوا فيه، لكن جماهير العلماء في مختلف العصور قالوا: بوجوب رد المثل، لا القيمة، هو ما يشبه الإجماع. ولم يشتهر القول برد القيمة إلا عن أبي يوسف. فدل على أن المانعين للربط لا يختلفون في موجب الضمان.

стр. 73

٢ - أما أنهم منعوا التعويض لا لإفضائه إلى الربا. فهذا القول مردود، لأن ربا القرض شامل للنقود وغيرها، فكل مقترض مع زيادة فهو ربا، ومنه الفلوس بالفلوس. ٣ - اختلف الفقهاء في ثمنية الفلوس، ومع هذا منعوا التعويض في نقص قيمتها. واتفق الفقهاء المعاصرون على جريان الربا في النقود الورقية. إلا من لا اعتداد برأيه. فهب أن منع الفقهاء من التعويض في الفلوس لا لأجل الربا، فهل تكون النقود الورقية ملحقة بالفلوس من حيث عدم جريان الربا فيها حتى يتسنى لنا القول بأن التعويض لا علاقة له بالربا؟ (١). ٤ - ما قاله الباحث من أنه إذا كان سداد الدين بالقيمة الحقيقية للنقود يعد من قبيل الربا فإن سدادها بالقيمة الاسمية يعد من قبيل الربا أيضاً غير صحيح. وهذا قياس فاسد يشبه قول أهل الجاهلية «إنما البيع مثل الربا» فسدادها بالقيمة الحقيقية ربا لأنه لا يؤدي إلى التماثل المشروط في الأموال الربوية، لأن القيمة الحقيقية لا تعتمد المعايير الشرعية، وإنما تعتمد التقدير بناء على تقويم المقومين. وسبق أن بينا أن الأموال الربوية لا يصح فيها الظن بالتماثل، لقيامه على الخرص، كما في بيع المزابنة والمحاقلة (٢)، الثابت النهي عنهما بأحاديث صحيحة (٣). وأما سدادها بثمنها، وهو المعلوم مقدار عددها فهو جائز. وقول الباحث: إنه ربا، بناء على تفسيره بأنه ناقص عن قيمة الدين، لأنه بسبب هبوط قيمة النقود الشرائية يجعله أقل من مقدار الدين غير صحيح، لأن سداد الديون في الأموال

стр. 74

الربوية يجب أن يكون بنفس المقدار عدداً، أو كيلاً، أو وزناً، ولا اعتبار لزيادة القيمة أو نقصها. وقد نقلنا كثيراً من نصوص الفقهاء التي تؤكد هذا القول، ومنها قول ابن قدامة حيث قال: «قد ذكرنا أن المستقرض يرد المثل في المثليات سواء رخص سعره أو غلا أو كان بحاله … (إلى أن قال): وأما رخص السعر فلا يمنع ردها، سواء كان كثيراً، مثل أن كانت عشرة بدانق، فصارت عشرين بدانق، أو قليلاً … » (١). وأما استشهاده بما نقله عن ابن قدامة، فهو حجة عليه لا له، لأن القائلين بأن المثل هو نفس مقدار الدين كيلاً، أو وزناً، أو عدداً يوجبون رده بنفس مقداره، فكما أنهم لا يجيزون رده بزيادة لا يجيزون رده ناقصاً. وهذا متفق مع كلام ابن قدامة ﵀، ويؤيده ما نقلناه عنه قبل قليل. إذا رد الدين بنفس المقدار فإنه يكون مثلاً بمثل، ولا يقال في حالة هبوط القيمة الشرائية للنقود إنه رده ناقصاً، ولا في حالة ارتفاع القيمة الشرائية للنقود إنه رده زائداً. لأن الأحكام الشرعية منوطة بأمور ثابتة، مثل اشتراط المثل في الربويات، ولا تناط بأمور تؤدي إلى الاختلاف، والاضطراب، مثل القيمة، ومثل إباحة الفطر في رمضان، فإنه منوط بالسفر، ولم ينط بالمشقة، لأنه لو أنيط بالمشقة لاختلف مقدار المشقة من شخص لآخر، ثم إن العامل الذي يعمل في الصيف في بلاد حارة أكثر مشقة ممن يسافر بالطائرة. ثانياً: وأما قولهم: إن ربط المعاملات بمستوى الأسعار يتضمن الجهل والغرر، فإن جميع عقود الاستثمار الإسلامية تتضمن قدراً من الجهل والغرر بدرجات متفاوتة. وخاصة إذا ما حلت اتفاقية المشاركة في الربح والخسارة محل الفائدة (٢).

стр. 75

فجوابه أن يقال: أما أن عقود الاستثمار الإسلامية تتضمن قدراً من الجهل فهذا فيه تفصيل. فعقود الاستثمار كالبيع والإجارة والسلم والشركة وغير ذلك، لا بد فيها من العلم النافي للجهالة، وإن كان العلم في كل شيء بحسبه. وأما الغرر، فاليسير منه مغتفر، وهو ما لا يؤدي إلى النزاع والخصومة. وأما الغرر الفاحش فهو مفسد للعقد ومنه الغرر الناتج عن ربط الحقوق بمستوى الأسعار، لأن ثمن المبيع يصبح غير معلوم المقدار، وكذلك لا يعلم مقدار وفاء القرض، وأي غرر أفحش من هذا. والشركة ليس فيها غرر، لأنه يشترط فيها العلم بنصيب كل من الشركاء من الربح، كالربع، أو النصف على الراجح من أقوال الفقهاء، وهو مذهب الحنفية والحنابلة (١). والذين لم يشترطوا هذا وهم المالكية والشافعية (٢)، لأنهم يرون قسمة الأرباح والخسائر على قدر المال، فحيث إنه يوجد أصل تتم القسمة على أساسه أغنى عندهم عن ذكر هذا الشرط. وقد اتفق الفقهاء على وجوب بيان حصة المضارب من الربح فيها (٣)، أما نصيب رب المال فلا يشترط بيانه، لأنه معلوم المقدار، وهو أن له الزائد عن نصيب المضارب المعلوم بالشرط (٤).
следующие страницы →