مقدمة التحقيق
بسم الله الرحمن الرحيم كنت ما أزال على مقاعد الدراسة الثانوية في الخمسينات يوم أن تصفحت أول أعداد مجلة «العربي» الكويتية فبهرني حسن اخراجها، وجودة ورقها، وازداد الانبهار المشوب بالإعجاب عندما طالعت ما تزخر به من مقالات وأبحاث قيمة لكبار الكتاب المعاصرين تشد القارئ اليها، وتشعره بأنه يعيش في حديقة غناء مملوءة بالأطايب، تغذي الروح والقلب معا.
وقد استهواني من فقراتها وأطايبها موضوع «تاريخ وتاريخ اشخاص» يقدم فيه كاتبه حديثا حول عالم من علماء العرب، من رجالاتنا الذين ما تزال بصماتهم تطبع معظم العلوم والفنون، وما تزال الحضارة المعاصرة مدينة لهم في ميادين شتى، أمثال: ابن النفيس (١) والحفيد ابن زهر (٢) وابن الهيثم (٣) وأبو بكر الرازي (٤) والبتاني (٥) والبيروني (٦) والإدريسي (٧) وابن سينا (٨) وغيرهم. من بناة الحضارة العربية، ورواد الفكر العالمي.
وأشرقت في ذهني فكرة جمع هؤلاء الاعلام في كتاب اعتزازا بماض مشرق، وثورة على حاضر خانع، ومنذ ذلك اليوم غرس في النفس حب التراجم، ونما الوليد وكبر ثم خرج إلى
_________
(١) هو علي بن أبي الحزم القرشي الملقب بابن النفيس أعلم أهل عصره بالطب. مولده بدمشق ووفاته بمصر، مكتشف الدورة الدموية الصغرى، له الكثير من المصنفات، أهمها «الوجيز-ط» في الطب، اختصر به «قانون» ابن سينا، وفاته (٦٨٧ هـ /١٢٨٨ م) الزركلي، الاعلام،٤/ ٢٧٠.
(٢) هو محمد بن عبد الملك بن زهر الإيادي من نوابغ الطب في الأندلس، له تصانيف، وفاته (٥٩٥ هـ /١١٩٩ م) الزركلي، م. ن،٦/ ٢٥٠.
(٣) هو محمد بن الحسن بن الهيثم مهندس من أهل البصرة، لقبه بطليموس الثاني، ويعتبر أبا علم البصريات، وفاته (نحو ٤٣٠ هـ /١٠٣٩ م) الزركلي، م. ن،٦/ ٨٣.
(٤) هو محمد بن زكريا الرازي، صاحب «الحاوي» في الطب، إمام في هذه الصناعة، وفيلسوف كبير، وقد ترجم كتابه هذا إلى اللاتينية وطبع بها. وفاته (٣١٣ هـ /٩٢٥ م) الزركلي، م. ن،٦/ ١٣٠.
(٥) هو محمد بن جابر البتاني من أعظم الفلكيين في العالم، وصاحب نظريات في الجبر والحساب وفاته (٣١٧ هـ / ٩٢٩ م) الزركلي، م. ن،٦/ ٦٨.
(٦) هو محمد بن أحمد البيروني، فيلسوف رياضي مؤرخ، اكتشف طريقة تعيين الوزن النوعية وفاته (٤٤٠ هـ /١٠٤٨ م) الزركلي، م. ن،٥/ ٣١٤.
(٧) هو محمد بن محمد بن عبد الله الإدريسي مؤرخ ومن أبرع علماء الجغرافيا، واضع أول خريطة سليمة للعالم وفاته (٥٦٠ هـ /١١٦٥ م) له تصانيف، اهمها «نزهة المشتاق» ترجم إلى عدة لغات حية-الزركلي، م. ن،٧/ ٢٤.
(٨) الشيخ الرئيس الحسين بن عبد الله الفيلسوف، الإمام في الطب والطبيعيات، مكتشف سرعة الضوء وانها أسرع من الصوت. وفاته (٤٢٨ هـ /١٠٣٧ م) الزركلي، م. ن،٢/ ٢٤١.
стр. 2
الحياة مقالات شهرية كنت أزود بها مجلة «الفكر الإسلامي» في بيروت تحت عنوان «الأعلام المسلمون في البقاع» (١).
ولا بد من سؤال فحواه: لماذا «اعلام البقاع»؟ بما في ذلك من تقوقع وتقزيم للفكرة الحلم بشموليتها وعمق جذورها! وتتمثل الإجابة في غنى تربة البقاع المعطاء أولا، وبالحرمان وغمط الحق ثانيا، هذه البقعة المباركة التي كانت تسمى فيما مضى «اهراء روما» -وهو تعبير اقتصادي بحت-فإذا بها أكثر غنى بالأدمغة الخلاقة التي شاركت في كتابة تاريخنا العلمي فحاولت التعويض وتقديمهم للقارئ نافضا عنهم غبار النسيان. واستجابة لهوى قديم، حب علم التراجم.
وتركز اهتمامي على دراسة رجال السنة النبوية المطهرة، وأحوال رجال الحديث توثيقا وتجريحا في مجال ما يسمى ب «علم الجرح التعديل» (٢) فكان لي شرف العمل في تحقيق كتاب (الكامل في ضعفاء الرجال-ط) لابن عدى الجرجاني (٣) بتعاون وتوجيه من الدكتور سهيل زكار، كما قمت بعدها بتخريج أحاديث الكافي وترجمة رجاله «الكافي-ط» في فقه الإمام أحمد بن حنبل لابن قدامة المقدسي (٤) كل ذلك في سياق علم التراجم الذي أحببت.
واستمرت رحلة الحب هذه إلى ان بحت به امام أستاذي المشرف الدكتور علي زيتون الذي بارك هذا التوجه، وهداني بخبرته الطويلة في هذا المجال إلى تحقيق مخطوطة «السر المصون على كشف الظنون» لمؤلفه جميل بن مصطفى العظم من علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري، حيث يشكل هذا الكتاب حلقة متممة في فهارس الكتب وعلم التراجم ولما له من أهمية يمكن أن يؤديها في خدمة مكتبتنا العربية، فسارعت إلى الحصول على نسخة مصورة عنه من مكتبة الأسد بدمشق وهي النسخة الوحيدة والتي كتبها المؤلف بخط يده (٥) يدفعني إلى
_________
(١) سليم يوسف، الأعلام المسلمون في البقاع، الفكر الاسلامي، الأعداد،١٩٧٨،١٢،١١ م والأول حتى الثاني عشر،١٩٧٩ م.
(٢) جرح الراوي أو الشاهد: ردّ روايته وشهادته وعكسه التّعديل من العدل ضد الجور انظر ابن منظور، لسان العرب، مادتي جرح وعدل.
(٣) هو الحافظ الكبير عبد الله بن عدي الجرجاني أحد كبار علماء الجرح والتعديل، وصاحب التصانيف التي يغلب عليها علم الرجال، وأهمها «الكامل» في ثمان مجلدات، طبعة دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٤ هـ /١٩٨٤ م) لترجمته انظر الزركلي، م، س،٤/ ١٠٣.
(٤) هو عبد الله بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي فقيه من كبار الحنابلة له تصانيف كثيره وكتابه «الكافي-ط» طبعة دار الفكر، بيروت،١٩٩٢، وفاته (٦٢٠ هـ /١٢٢٣ م) انظر الزركلي، م. س،٤/ ٦٧.
(٥) يوسف العش، فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية، التاريخ وملحقاته، ص ٣١٣.
стр. 3
ذلك شوق اللهفان، ورغبة العاشق، وكانت رحلتي معه متعة تبعث النشوة في النفس، فعشت مع كتبه ورجاله معلقا على كل كتاب وشارحا ما غمض، ومفسرا ما أشكل، ومعدّدا الشروح التي وضعت عليه ومترجما للمؤلفين وكل علم ورد اسمه بشكل عارض ومبينا إذا كان الكتاب قد طبع أم لا يزال حبيس دور المخطوطات، وذلك حسب الاستطاعة النابعة من توفر المراجع، معتمدا في ذلك على يوسف اليان سركيس في كتابه «معجم المطبوعات العربية والمعربة» وخير الدين الزركلي في كتابه «الاعلام» وعمر رضا كحاله في كتابه «معجم المؤلفين» إضافة إلى عشرات المصادر والمراجع في التراجم والطبقات. وهكذا كان اختياري مخطوطة «السر المصون» نابعا من هوى قديم وقديما قال الشاعر العربي:
لا يعرف العشق إلاّ من يكابده … ولا الصّبابة إلا من يعانيها
وقد سرت في عملي ضمن الخطة التالية:
مهدت للدخول إلى حرم الكتاب ببيان فضل العلم باعتباره الركيزة الأساس في بناء الحضارات وأشرت إلى الشفوية الجاهلية وأنها كانت لغة العلم ووسيلة النشر، متعرضا بذلك للعلوم عند العرب لمعرفة مستوى الثقافة السائد، ومن ثم تحديد بدايات للتدوين والتأليف التي لاحظت انها تنبع من اهتمام المسلمين بجمع أحاديث رسول الله ﷺ لمعرفة الدين كما كان جمع اللغة ووضع علم النحو نابعيين من فشو اللحن بعد عملية التمازج بين الشعوب، وتأثير الدين الاسلامي بتقدم العلوم، ثم نشوء الحركات الفكرية والسياسية والتي تحولت إلى حركات مذهبية والتي لعبت دورها في تنشيط العقل العربي، وما كان لحركة الترجمة والتعريب من اثر، والدوافع التي دعت اليها، ودوران التأليف في مجال الثقافة الدينية من تفسير وحديث وسير ومغاز وذلك أدى بالطبع إلى تراكم المؤلفات وتفرّعها وتأثرها جميعا بطريقة المحدّثين من حيث ضبط المتن والسند ثم وضع المعاجم والموسوعات ونشوء علم التراجم على أثر تقصي أحوال رجال الحديث مستعرضا في جولة سريعة أسماء أهم المصنفات في هذا الفن وصولا إلى كتابنا هذا وأهميته والدور الذي اداه في مجاله، مترجما للمؤلف ذاكرا ما استطعت الحصول عليه من أسماء مؤلفاته ممهدا لذلك باستعراض أوضاع دمشق بلد المؤلف وأسرته العريقة من النواحي الاجتماعية والسياسية والفكرية والتي يمكن ان تلعب دورا في تكوين شخصيته العلمية، متبعا في ذلك المنهج الطبيعي الذي يخضع المفكر لقوانين ثابتة تؤثر في تكوينه الفكري. وأجد من واجبي توجيه الشكر لأهل العلم الذين وضعوا بتصرفي ما لديهم من خبرات ومراجع استعنت بها في عملي فأنوه بشكل خاص بالجهود المتواصلة التي قدمها أمامي استاذي المشرف الدكتور علي زيتون وقد تابع معي الرحلة المتعة أولا بأول فلم يبخل بنصح
стр. 4
أو اعارة مرجع أو زيارة يقوم بها إلى منزلي إضافة إلى فتح أبواب منزله أمامي في كل وقت في سبيل اخراج هذا السّفر بصورة مرضية أصدق ما توصف به: انها اسلوب رجل العلم الذي يعيش للعلم وأهله فجزاه الله عني وعن العلم خير ما يجزي به عالم عامل كما لا أستطيع أن أنسى المشاركة الوجدانية والعملية التي قدمها لي الكثير من الأصدقاء وأهل العلم ولو بملاحظة يسيرة والتعاون الذي أبداه القائمون على مكتبة الأسد في دمشق-قسم المخطوطات، وأجدني مدينا بالشكر لمؤلفي كتب التراجم، وفهارس الكتب وقد كانت اعمالهم الضوء الذي انار معالم الطريق.
راجيا أن أكون قد وفقت في عملي في خدمة تراثنا العربي، آملا النقد البناء من كل صاحب فكر وصولا نحو الأفضل غير مدّع الوصول إلى الكمال فإنما هو جهد المقل أطلب الأجر عليه من الله إن أصبت والصفح إن أخطأت، والله أسأل ان يجعل عملي متقبلا فهو خير مسئول، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
стр. 5
تمهيد
الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وجعل العلم خير إرث لبني البشر، فكان إرث الأنبياء حيث يقول ﷺ من حديث طويل: «إنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (١).
اما بعد فإن تأريخ الأمم يعني تاريخ حضارتها والخدمات التي قدمتها للانسانية. وهنا تكمن العظمة للأمة بمقدار ارتباطها بإشعاعات الحقبة التي حملت فيها مشعل الريادة (*) الحضاري تفاعلا مع الحضارات السابقة، وابتكارا مبدعا، ومدى التأثير الذي تركته مساهمتها في تقدم العقل البشري.
ولما كان التقدم العلمي يشكل الركيزة الأساس في بناء الحضارة فلا بد من التنويه بدور المكتبة العربية التي احتضنت تراث الأمم الفكري، ونتاج العقول العربية مذ كانت للعرب دولة وحتى مطلع القرن الرابع عشر الهجري، الأمر الذي يجعل اهتمامنا منصبّا على التراث المكتوب طالما أن للعناية بالثقافة الشفهية مجالا آخر يوم كانت الكلمة المسموعة أداة للثقافة في العصر الجاهلي حيث كان الذين يجيدون القراءة والكتابة قلة لا يعتد بها، مما أخّر ظهور التدوين فتأخر معه ظهور الثقافة المكتوبة.
وقد تحولت هذه الشفوية التي فرضها الواقع الجاهلي ودخلت مرحلة التنظير فيما بعد فقيل: «إن التنظير للشفوية الشعرية الجاهلية، عمل قام به العرب في بدايات التفاعل بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافات الأخرى» (٢).
ومهما يكن من أمر فلا يمكن أن يتبادر إلى الذهن أن المجتمع الجاهلي كان بلا ثقافة، وكل الظواهر تدل على أهمية دور ثقافته المروية في تكوين جمهور على درجة عالية من الوعي ولو لم يتمكن من الوصول إلى المستوى المطلوب من التركيز والإحاطة اللذين توفرهما الثقافة المكتوبة.
ويقرر الواقع أن مجالات الثقافة العربية متعددة منها: الأدبي، واللغوي، والتأريخي، والديني، ثم المجالات الثقافية المستجدة التي نتجت عن احتكاك العقل العربي بالأمم الأخرى بعد الفتوحات الإسلامية. لذا سنعرض إلى العلوم عند العرب وبدايات التدوين
_________
(١) أخرجه أبو داود من رواية كثير بن قيس برقم (٣٦٤١) باب الحث على طلب العلم. السنن،٣/ ١٧٥ والترمذي برقم (٢٨٢٣) السنن، (٤/ ١٥٣، كما رواه أحمد وابن حبّان في صحيحه وغيرهم، واسناده حسن، وابن الأثير، جامع الأصول،٨/ ٥.
(٢) الشعرية العربية، ص ١٤.
стр. 6
للتعرف على نوع الثقافة السائدة في المجتمع الجاهلي في ظل الرواية والشفوية، وبيان التحول الذي طرأ مع دخول العرب في الإسلام مما أثر في تقدم العلوم وكذلك في تغيير المفاهيم وتطور الفكر البشري، وكيف أدى حرص المسلمين على جمع أحاديث رسول الله ﷺ خشية اختلاطها بآيات القرآن الكريم إلى ظهور التدوين في بدايات خجولة تطورت فيما بعد بحكم توسع الدولة ونمو الفكر العربي، والتمازج الذي حصل بين العرب والأمم الأخرى بما لديها من فكر حضاري متقدم أدى إلى نشوء الحركة العلمية في القرنين الأول والثاني للهجرة النبوية الشريفة وقيام حركات فكرية أغنى التنافس بينها العقل والفكر العربيين، معرجين على حركة الترجمة والتعريب التي برزت بقوة في العصر العباسي الذهبي الذي يصح أن نطلق عليه اسم عصر النضوج العقلي عند العرب، ومن ثم وضع المعاجم والموسوعات في كل علم وفن مما اقتضى وضع مؤلفات معجمية بأسماء الكتب والفنون تسهيلا على الباحثين وطلاب الحقيقة بالرجوع إلى المصادر والمراجع بدأ من «الفهرست» لابن النديم المتوفى (٣٨٠ هـ /٩٩٠ م) مرورا بعدد كبير من كتب الفهارس وصولا إلى كتابنا هذا «السر المصون» الذي شكل مدماكا ولو صغيرا في الصرح الشاهق الذي بناه أسلافنا في هذا المضمار. كما أنه لا بد من الإشارة إلى الدور الذي تؤدّيه كتب التراجم وبيان نوع العلاقة الحميمة التي تربط الكتاب بصاحبه، لا سيما وأن كتابنا هذا له أهميته في حقل التراجم من حيث ابراز دور الرجال الذين أثروا المكتبة العربية، وأغنوها بعصارة أفكارهم.
وقد رأيت أن أتوسع في الترجمة لكل مؤلف بكثرة الإحالات، إذ تعرف قيمة الكتاب من خلال التعرف إلى صانعه وذلك بعرض نتاجه الفكري وأقوال النقاد فيه وفي ذلك فائدة كبيرة أهمها: إنه يصبح باعثا حثيثا لذوي الهمم على التأسي بجهود السابقين والسير على الدرب الذي عبّدوه خدمة للفكر وطلبا لحسن الذكر وهو ما هدفنا إليه في هذا الكتاب بوفرة الإحالات.
وهنا أذكر قول ابن البناء (١) «ليت الخطيب البغدادي ذكرني في تأريخه ولو في الكذابين» (٢). وقد قال الإمام النووي (٣): «إن معرفة الإنسان بأحوال العلماء رفعة وزين وإن جهل طلبة العلم وأهله بهم لوصمة وشين» (٤).
_________
(١) هو الحسن بن أحمد بن عبد الله البناء البغدادي فقيه حنبلي محدث له كثير من التصانيف وفاته (٤٧١ هـ /١٠٧٨ م). الزركلي، الاعلام،٢/ ١٨٠.
(٢) السخاوي، الاعلان بالتوبيخ، ص ١٤.
(٣) هو يحيى بن شرف النووي امام في الفقه الشافعي، له كثير من التصانيف، مولده ووفاته في (نوا) بحوران (٦٣١ - ٨٨٥ هـ /١٤١٢ - ١٤٨٠ م). وعاش بدمشق الزركلي، م. س،٨/ ١٤٩.
(٤) ابن الصلاح، طبقات الفقهاء الشافعية،١/ ٧٤.
стр. 7
والتراجم فن من فنون التأريخ، وإذا عرفنا ذلك ندرك أن المؤرخ قد يغفل عرض فكرة معينة، أو جانبا من حياة عظيم لهوى في النفس، فتأتي كتب التراجم والطبقات لتقدم لنا صورة نستشف منها ملامح الحياة الفكرية لعصر من العصور، أو الجانب المغفل من حياة المجتمع والفرد.
وكتب التراجم هذه تشارك في رسم صورة للعصر الذي عاش فيه المؤلف وذلك دفعنا إلى التغلغل في أعماق هذه الصورة والنفاذ إلى ما وراءها للوصول إلى الحقيقة التي ننشد عن وضع أي عصر من خلال علمائه وقادة الفكر فيه إذ هم مرآة هذا العصر وهداة البشرية بعد الرسل.
ولئن كان التأريخ يحدثنا عن السياسة والحكام وتقلبات الدول فإن كتب الطبقات والتراجم تهتم بنوع خاص بالتأريخ العلمي لكل أمة عبر تقديم رجالاتها لكل طالب علم وناشد حقيقة.
أ-العلوم عند العرب وبدايات التدوين:
نجد لزاما علينا ونحن نتحدث عن العلوم عند العرب أن نتعرف اليهم في جاهليتهم فنجدهم يعيشون حياة بداوة قاسية تفتقر إلى الاستقرار ولا تسمح بنشوء نشاط ثقافي. ويرى ابن خلدون أن العلوم من جملة الصنائع، تكثر في الأمصار وتقل في البوادي فيقول: «وأعتبر ما قررناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة لما كثر عمرانها صدر الاسلام واستوت فيها الحضارة كيف زخرت فيها بحار العلوم» (١).
وكانت الأمية متفشية بينهم إلا ما كان في حاضرتي العرب، مكة المكرمة والمدينة المنورة. حيث نرى وجودا محدودا للمثقفين لذلك لن نكون مغالين في وصف العرب قبل الإسلام بجهل الكتابة لندرة أدواتها لديهم واعتمادهم الذاكرة طريقة لحفظ آثارهم ورواية آدابهم وفي هذا الإطار يقول ابن خلدون: «إن أهل الحجاز تعلموا الكتابة من أهل الحيرة وهؤلاء تعلموا من الحميريين» (٢).
ولما جاء الإسلام وجد هذا الواقع يسيطر على بقاع مكة حاضرة العرب الأولى ووجد قريشا تعيش هذه الأمية التي تكاد تكون عامة فيهم فيقول أحمد أمين نقلا عن البلاذري: «إن الإسلام دخل مكة وفي قريش سبعة عشر رجلا يكتب» (٣). وهي مقولة لها من يروجها. بينما يشكك صبحي الصالح في صحتها على الاطلاق فيقول: «لأن هذه الأخبار إذا صحت أسانيدها لا تبلغ أن تكون إحصاء دقيقا» (٤). ومع ذلك فهو يسلم معنا في ندرة الكاتبين وقلتهم وأن الأمية
_________
(١) ابن خلدون، المقدمة، ص ٥٤٨.
(٢) ابن خلدون، م. ن، ص ٦٥١.
(٣) أمين، أحمد، فجر الإسلام، ص ١٤٠ - ١٤١.
(٤) الصالح، صبحي، علوم الحديث ومصطلحه، ص ١٤.
стр. 8
كانت سائدة فيهم وإلا سرنا وراء بعض المستشرقين الذين يزعمون أن وصف العرب بالأميين في القرآن لا ينافي معرفتهم بالقراءة والكتابة وأن الأمي عندهم هو الذي يجهل الشريعة الإلهية وأن محمدا ﷺ لم يكن أميا وكأنهم يريدون الوصول إلى تأكيد الفرية القائلة بأن القرآن من انشائه ﷺ وليس كلام الله، وأنه ﷺ قد تعلّم على يد فلان من الناس.
وتحدثنا كتب التاريخ عن وجود حركة فكرية محدودة أنتجت مؤلفات في اللغة والشعر والانساب والأمثال إضافة إلى خبرة بالأنواء والظواهر الطبيعية تبعا لظروف الحياة التي يعيشون مع معرفة محدودة في حقل الطب كما يقول ابن خلدون: «وكان عند العرب من هذا الطب-أي البدائي-شيء كثير، وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة والنّضر بن الحارث» (١).
ويذكر ابن النديم في «الفهرست» أن عبيد بن شريّة الجرهمي وكان ممن أدرك النبي ﷺ وأدرك زمن معاوية كان له من الكتب كتاب «الأمثال» وكتاب «الملوك وأخبار الماضين» (٢).
كما يذكر أنه كان رجل بمدينة الحديثة (٣) يقال له محمد بن الحسين له خزانة كتب لم أر مثلها تحتوي على كتب في النحو واللغة والأدب والكتب القديمة، فلقيت هذا الرجل دفعات فأنس بي وأخرج اليّ قمطرا كبيرا فيه نحو ثلاثمائة رطل من جلود وصكاك وقراطيس وورق صيني وجلود أدم فيها تعليقات عن العرب وقصائد وشيء من النحو وحكايات ورأيت في جملتها مصحفا بخط خالد بن أبي الهياج صاحب علي ورأيت فيها بخط الإمامين الحسن والحسين ورأيت عنده امانات وعهودا بخط أمير المؤمنين علي ﵇ وبخط غيره من كتاب النبي ﷺ (٤) ويضيف ابن النديم «ومن المصنفين الأوائل أيضا صحار بن العباس العبدي وله كتاب «الأمثال» (٥).
وجاء في خطط الشام لمحمد كردعلي «وكانت الكتب التي ترجمت لأبي هاشم خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي حكيم آل مروان وعالم قريش أول نقل أو تعريب كان في الإسلام … ويتابع فيقول: وكان خالد بصيرا بالطب أخذه عن يحيى النحوي وأخذ
_________
(١) ابن خلدون، م. س، ص ٦٥١. والحارث بن كلدة طبيب العرب في عصره. مختلف في اسلامه، له كتاب «محاورة في الطب» مات نحو (٥٠ هـ /نحو ٦٧٠ م) الزركلي الاعلام،٢/ ١٥٧؛ والنضر بن الحارث بن رؤساء قريش، مات كافرا نحو (٢ هـ /نحو ٦٢٤ م) الزركلي، م. ن،٨/ ٣٣.
(٢) ابن النديم، الفهرست، ص ١٠٢، بروكلمان، تاريخ الأدب العربي،١/ ٢٥٠.
(٣) الحديثة، من قرى دمشق. ياقوت، معجم البلدان،٢/ ٢٣٢.
(٤) ابن النديم، م. ن، ص،٩/ ٤٦.
(٥) ابن النديم، م. ن، ص،١٠٢: وصحار بن عباس او (عياش) العيدي خطيب نسّابه له صحبة توفي نحو (٤٠ هـ /نحو ٦٦٠ م) الزركلي، م. ن،٣/ ٢٠١.
стр. 9
الكيمياء عن مريانس الرومي وأتقن هذين العلمين وألف فيهما وله رسائل وكتب في غير هذه الأغراض» (١). كما ينسب له ابن النديم كتاب «الحرارات» و «الصحيفة الكبيرة» و «الصحيفة الصغير» وكتاب «وصيته إلى ابنه في الصنعة» (٢).
كما أننا لا نستطيع أن ننسى روعة الشعر الجاهلي والبلاغة التي تحلّى بها وهي ما دفعت بعضهم للسجود للشعر الجيد وتعليق القصائد الجياد على جدران الكعبة، وكذلك غنى معجم اللغة الجاهلي وفي هذا ينقل أحمد أمين عن «نولدكه» قوله: «إنه ليتملكنا الإعجاب بغنى معجم اللغة العربية القديم إذا ذكرنا مقدار بساطة الحياة العربية» (٣). ويأتي حديث رسول الله ﷺ ليؤكد بلاغة الشعر الجاهلي فيقول: «إنّ من البيان سحرا وإنّ من الشّعر حكمة» (٤). وفي هذا الكلام ما يكفي ليشهد بروعة هذا الشعر وبلاغته، والذي لا يمكن أن يصل هذه الدرجة من النضج في ظل بيئة خالية من الرقي العقلي مهما كان مستواه.
ونصل إلى صدر الإسلام فنشهد تدوين القرآن الكريم في عهد الخليفة عثمان بن عفان وكان قد جمع في صحيفة واحدة في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق. وكانت الخشية من تدوين الحديث نابعة من نهي الرسول ﷺ عن ذلك حيث يقول: (لا تكتبوا عني ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه) (٥). وقيل إن المنع من كتابته إذا كان مع القرآن في صحيفة واحدة حتى لا يختلط الحديث والقرآن، إذ نسب إلى النبي ﷺ قوله مخاطبا عمرو بن العاص (أكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق) (٦) وأشار الى فيه الشريف.
وقد بدأ التأليف في المغازي والسير فألف وهب بن منبه المتوفي (١١٠ هـ /٧٢٨ م)، وابن شهاب الزهري المتوفى (١٢٤ هـ /٧٤١ م)، وأبان بن عثمان بن عفان المتوفي (١٠٥ هـ / ٧٢٣ م). وعروة بن الزبير المتوفى (٩٤ هـ /٧١٢ م).
ويذكر ابن سعد في طبقاته «أن هشام بن عروة قال: احرق أبي يوم الحرّة كتب فقه كانت له قال فكان يقول بعد ذلك: لأن تكون عندي أحبّ اليّ من أن يكون لي مثل أهلي ومالي» (٧).
يتبين لنا مما سبق ضعف المقولة التي تؤكد على تأخر التأليف والتدوين واعتبار الحقبة
_________
(١) محمد كردعلي، خطط الشام،١٩/ ٢٠/٤.
(٢) ابن النديم، م. ن، ص ٤١٩.
(٣) أمين، أحمد، فجر الاسلام، ص ٥٤.
(٤) سنن الترمذي،٤/ ٢١٦، رقم (٢٠٠١) من رواية عبد الله بن عباس؛ سنن أبو داود،٤/ ٤٧٨، رقم (٥٠١١)، ابن الأثير، جامع الأصول،٥/ ١٦٣،
(٥) صحيح مسلم،٤/ ٢٢٩٨، من رواية أي سعيد الخدري برقم (٣٠٠٤)، كتاب الزهد.
(٦) سنن أبي داود،٣/ ١٧٦، برقم (٢٦٤٦)، باب العلم، وهو حديث حسن.
(٧) ابن سعد، الطبقات الكبرى،٥/ ١٧٩.
стр. 10
الممتدة من بداية العصر العباسي (١٣٢ هـ /٧٤٩ م) إلى ما بعد مائة وخمسين سنة حقبة الإزدهار الفكري وبداية التدوين، بل نستطيع القول بأن التدوين سابق لهذا التأريخ ويعود إلى العصر الإسلامي الأول، وإن كان بعد ذلك قد تطوّر ونما وازدهر فهذه سنة الحياة.
ب-أثر الإسلام في تقدم العلوم:
جاء الإسلام بتعاليمه الإلهية ونظمه المتكاملة يدعو إلى بناء دولة، العبادة فيها لله والخيرية فيها مبنية على أساس التقوى لا العرق واللون، وكانت أولى آياته نزولا آية العلم ﴿إقرا باسم ربّك الذي خلق خلق الإنسان من علق إقرا وربكّ الأكرم الذي علّم بالقلم علمّ الإنسان ما لم يعلم﴾ [سورة العلق،٩٦/ ١ - ٥]. وتعددت الآيات التي تحث على طلب العلم، وتدعو الإنسان للتفكر في هذا الكون وظواهره الطبيعية فيقول الدكتور محمد عبد السلام رئيس المركز الدولي للفيزياء النظرية في مدينة (تريست) الإيطالية «كما يقول الدكتور محمد إيجاز الخطيب من جامعة دمشق، يبلغ عدد الآيات القرآنية التي تحث المؤمنين على التفكر في الطبيعة، والاستفادة المثلى من العقل سبعمائة وخمسين آية» (١). ويزداد اعجابنا عندما نعلم بأن النبي ﷺ أمر أتباعه بتعلم غير العربية فيقول لزيد بن ثابت (تعلّم كتاب يهود) (٢) أي كتابتهم ويقول له أيضا (إنّي أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا عليّ أو ينقصوا فتعلّم السّريانيّة) (٣) هذه التعاليم إن دلت على شيء فإنما تدل على تقدير أهمية العلم وعلى فهم موضوعي لمكانته في بناء الإنسان والدولة، كما دعت آيات القرآن لإخضاع الظواهر الطبيعية وتسخيرها لمصلحة الإنسان أكرم المخلوقات على الله فقال تعالى: ﴿قل انظروا ماذا في السماوات والأرض﴾ [يونس،١٠/ ١٠١] ويقول أيضا:
﴿فلينظر الإنسان ممّ خلق﴾ [الطارق،٨٦/ ٠٥] فكر أيها الإنسان في أمر نفسك، في تكوينك، في العناصر التي يتركب منها جسمك الترابي، وأيضا يجب أن تفهم كل ما خلق الله ﴿أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء﴾ [الأعراف،٧/ ١٨٥] ثم يدعوا الإنسان إلى فهم طبيعة هذه النجوم التي تسبح في الفضاء ضمن نظام لا يخطئ، تبعث بأنوارها فتضيء الكون وتكون دليله في الليل، وتبعث الحرارة في جسمه نهارا، وتؤثر في تكوينه بما تبعثه من أشعة، فيقول : ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكلّ في فلك يسبحون﴾ [يس:٣٦/ ٤٠].
مسلك رائع يسلكه الإسلام، إنه مسلك يدعو إلى الإعجاب والتقدير ودعوات للعلم
_________
(١) محمد عبد السلام، مستقبل العلم في العالم الاسلامي، مجلة الغدير، بيروت،١٩٩٤، ص ١٢٦.
(٢) صحيح البخاري،٨/ ١٥٢، كتاب العلم، رقم (٧١٩٥)، ابن حجر، فتح الباري،١٢/ ١٨٥.
(٣) أحمد بن حنبل، مسنده،٥/ ١٨٢.
стр. 11
والاحاطة بكل شيء، وكان الإقبال على العلوم كبيرا بحجم الإيمان الكبير الذي استولى على النفوس، وكان بعده الثراء الفكري الغزير وأصبح التباهي فيما بعد في اقتناء المكتبات الخاصة زينة العصر ناهيك عن المكتبات العامة التي أسسها الحكام والسلاطين، مما جعل مستشرقة مثل (زيغريد هونكه) تقول: «لقد أقبل العرب على اقتناء الكتب إقبالا منقطع النظير يشبه إلى حد كبير شغف الناس في عصرنا باقتناء السيارات والثلاجات وأجهزة التلفزيون» (١).
أثمر هذا النهج الذي شرعه الإسلام ما أشرنا إليه من ثراء فكري بنيت عليه حضارة الإسلام والعرب، ولكننا لا نستطيع أن ننكر دور الشعوب الأخرى التي دخلت في الإسلام، أو التي عاشت تحت راية الدولة الإسلامية، وهنا لا بد من الحديث عن حركة الفتوحات الإسلامية وبيان ما أثمرت على صعيد التقدم العلمي.
فتح المسلمون العراق وكان مسكنا لبعض القبائل العربية وبعض الفرس، ثم فتحت فارس وفيها خليط من الفرس واليهود والرومان، وتلتها الشام وقد تداولت عليه أمم ومدنيات مختلفة، وبعد الشام جاء دور مصر مهد الحضارات القديمة والوارثة لحضارتي اليونان والرومان، وفيها الاسكندرية وما تمثل من دور علمي حيث كانت مركزا للمذاهب الفلسفية، وبعدها بلاد المغرب العربي وكانت تحت السيطرة الرومانية، وإذا تابعنا مسيرتنا مع التأريخ نرى رايات المسلمين ترفرف فوق السند وبخارى وخوارزم وسمرقند والأندلس، وقد أصبحت هذه الأقطار الشاسعة بما تمثل من فكر وحضارة تحت سيطرة المسلمين، ونتج عن ذلك عملية مزج عميقة بين الفاتحين وأهل البلاد المفتوحة، وقد طال هذا المزج وهذا التأثير النظم الاجتماعية وأثر في العقل والفكر العربيين، وقد ساعد على ذلك عدة عوامل أهمها: تعاليم الإسلام وفكره المنفتح، واستعمال الإسلام للعلم بالمعنى الشمولي للكلمة أي بمعنى المعرفة وهو ما يفهم من قوله تعالى: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف،١٢/ ٧٦.] وقول النبي ﷺ (الحكمة ضالّة المؤمن) (٢) ودخول كثير من الأعاجم في الإسلام والتزاوج والعيش المشترك.
كانت هذه العوامل وغيرها ذات تأثير كبير، وقد لقحت العقل العربي بنمط من التفكير جديد كما أن نظامي الاسترقاق والولاء في الإسلام سمحا بدخول العناصر الغريبة إلى داخل البيت العربي، ودخل مع هذه العناصر فكرها وحضارتها وعاداتها، ونتج عن ذلك بروز حركات علمية نوجزها فيما يلي:
_________
(١) زيغريد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب، ص ٣٨٥.
(٢) أخرجه القضاعي في مسنده من حديث الليث عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم مرفوعا، وكذا الترمذي في أواخر باب العلم، السخاوي، المقاصد الحسنة، ص ٢٠٢.
стр. 12
أولا: الحركة الدينية وتشمل البحث في التشريع والقرآن والتفسير والحديث، وكان طبيعيا أن يحصل ذلك، فالإسلام ما زال غضا طريا وجديدا على الناس وقد أخذ بألبابهم بتسامحه وواقعيته وعدالته فأقبل الناس على دراسته وفهمه والتفقه فيه، وكانت الصدور موئلا لهذه العلوم في زمن يفتقر إلى التدوين المنظم ويعتمد الرواية الشفوية، وحمل الصحابة راية العلوم وقاموا بدورهم خير قيام وكان لكل صحابي تلاميذه وهم التابعون ثم جاء بعدهم تابعو التابعين، وهنا برز دور الموالي في رعاية الحركة العلمية، والملفت للنظر في هذه الحقبة أن الحديث كان أساسا لمعظم العلوم، فقد كان جمعه أساسا لكل العلوم الدينية، وتفرعت عنه علوم التفسير والفقه والسّيرة والطبقات وتأريخ الفتوحات وحتى العلوم اللسانية، فوضع علم النحو كان مبعثه الخوف من وقوع اللحن في القرآن الكريم.
ثانيا: الحركة التأريخية وتتمحور حول أخبار الأمم الماضية للاطلاع على كيفية سياسة الناس، وحكم الشعوب.
ونتج عن بروز دور الموالي العلمي، دخول كثير من الأفكار الجديدة التي كان بعضها دسا ناتجا عن عصبية مقيتة وهو ما سمي بالاسرائيليات فيما بعد. وكان وراءه من دخل في الإسلام ظاهرا لتحقيق مكاسب خاصة ومن ثم يدخل في الإسلام ما ليس منه في محاولة للتخريب من الداخل، وهنا نقف باحترام واكبار عظيمين أمام علمائنا الذين تعرّبوا وكان الإسلام جنسيتهم ووطنهم فقد ضربوا أروع الأمثلة في الورع والتقوى وخدموا الفكر والحضارة من خلال خدمة العلم.
وقد تنبّه العلماء لخطورة الصنف المخرّب، فكان علم التراجم والطبقات، ومن بعدهما علم الجرح والتعديل، ذلك الميزان الدقيق الذي يوزن به الرجال، ولسنا في مجال الحديث عن مقومات هذا العلم، وما يهمنا أن نوضح بأن التراجم فن من فنون التأريخ، وكان الاهتمام به نابعا من اهتمامهم بحديث رسول الله ﷺ وجمعه وضبطه والتأكد من ورع الراوي الضابط المتقن الواعي، وقد عرفت عن الصحابة قاعدة تقول: «إنما هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذونها» (١).
ولم يقتصر الأمر على المحدّثين في سلوك هذا الطريق وإنما قلّدهم رجال اللغة والأدب فرأينا للشعراء طبقات وللنحويين طبقات كما للمحدثين والفقهاء والمفسرين، وطبّق النظام ذاته لدى اللغويين بذكر رجال السند كما نرى في كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني.
_________
(١) الخطيب البغدادي، الرحلة في طلب الحديث، ص ١٦.
стр. 13
ثالثا: الحركة الفلسفية وكانت أقل انتشارا من سابقتيها وقد قامت على كواهل كثير من الأطباء النصارى واليهود الذين كانوا يخدمون في بلاط الأمويين ثم العباسيين بعدهم، أمثال، ابن ماسويه (١) وابن بختيشوع (٢) وثابت بن قرّة (٣) وسواهم، وهؤلاء كانوا متبحّرين في الطب والفلسفة معا.
وقد تأخر ظهور هذه الحركة بالنسبة للحركتين السابقتين، وتركزت وتجذرت في العصر العباسي، وساهم فيها العلماء المسلمون مساهمة فعالة لا سيما بعد نشوء الاعتزال وبروز الفرق الإسلامية، وبعد أن أصبحت الطريقة الفضلى للدفاع عن الإسلام والحجاج عن أفكاره ومبادئه. وترجمة علوم الآخرين وهو ما يعبر عنه بحركة الترجمة والتعريب.
ج-الحركة العلمية في القرنين الأول والثاني:
يكاد يكون من المسلم به بأن تأريخ الفكر في الأمم المختلفة يسلك طريقا واحدا، فأمة تبني على أنقاض أمة، وفكر يناقش ويبتكر أو يطور فكرا آخر، وكما أن الفرد يتصرف حسب الحالة العقلية الطفولية ثم يتدرج في النمو وتنمو ملكاته العقلية فيتصرف حسب قوتها فكذلك الأمة تمر بهذه المراحل وتتعرض للمؤثرات سلبا أو ايجابا فيقول أحمد أمين: «وذكروا أن الأطوار التي تمر بها الأمم خمسة: أولا: عصر سرعة التصديق واعتناق الخرافات والأوهام، ثانيا: عصر الشك والشيخوخة» (٤). ويرى أن هذه العصور يسلم بعضها إلى البعض الآخر.
قد ينطبق هذا القانون على بعض الأمم ويختلف مدى تطبيقه على بعضها الآخر. فالأمة العربية عندما اعتنقت الإسلام، استطاعت أن تخضع فارس والروم بمدة زمنية قياسية، وقد ولد هذا الاخضاع كما ذكرنا احتكاكا مباشرا لقّح الفكر العربي بمؤثرات غريبة عنه، فحياة الفرس غير حياة الروم وحياة الأمتين غير حياة العربي المنطلق من الصحراء معتنقا فكر الإسلام وما زال متأثرا بنظرة الجاهلي للأمور تلك النظرة التي تتسم بالشمولية والتعميم ولا تعرف الفكر التحليلي، منطلقين من سرعة التصديق والشك إلى مرحلة البحث عن الحقيقة، وكان فيهم من شك في جدوى النظم القائمة أمثال زيد بن عمرو بن نفيل الذي نقل أبو الفرج عنه قوله: «يا معشر قريش أيرسل الله قطر السماء وينبت بقل الأرض ويخلق السائمة فترعى فيه وتذبحوها لغير الله» (٥).
_________
(١) يوحنا بن ماسوية طبيب مقدم عند الملوك له تصانيف، وفاته (٢٤٣ هـ /٨٥٧ م) الزركلي، الاعلام،٨/ ٢١١.
(٢) جبرائيل بن بختيشوع بن جرجس طبيب الرشيد، وفاته (٢٨٣ هـ /٨٢٨ م) الزركلي، م. س،٢/ ١١١.
(٣) ثابت بن قره الحراني طبيب فيلسوف صابئي. وفاته (٢٨٨ هـ /٩٠١ م) الزركلي، م. س،٢/ ٩٨.
(٤) أمين، أحمد، م. س،٤/ ٢.
(٥) أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني،٣/ ١٢٣.
стр. 14
وحل دور العقيدة والايمان مع إطلالة الإسلام، وبدأت الحرب على الأوهام والخرافات وكان الدين منطلقا لكل توجه وقد ملك على الناس عقولهم، وأصبحوا يصدرون عنه، فكان أساس الحركة العلمية، وأصبح أساس التأريخ فيه سيرة النبي ﷺ وغزواته، والفتوحات الإسلامية. وتوجه الاهتمام إلى القرآن والحديث والفقه ومسائله، ثم بدأت تتكاثر العلوم في العهد العباسي، وبدأت حركة الترجمة والتعريب، فترجمت الفلسفة اليونانية والرياضة الهندية وتواريخ الفرس واليونان والرومان، وفتح ذلك ميدانا رحبا للصراع الفكري حول الأديان، وكان أهل الأديان الأخرى يدعون إلى أديانهم بالعقل والمنطق، فأصبح طبيعيا أن يفعل المسلمون ذلك، فتأثر تفسير القرآن والحديث بالأمور الفلسفية وهي الظاهرة المستجدة في العصر العباسي بعد أن كانت في العصر الجاهلي مجرد نظرات في الطبيعة والإنسان، تفتقر إلى الترابط، وخبرات بدائية في الطب والكهانة يرويها الخلف عن السلف، ورواية للشعر لا تعتمد الدرس والتحليل. وكان العلم الديني في مبدأ الأمر غير خاضع للتبويب فليس هناك علم مستقل اسمه التفسير ولا الفقه، بل كان الدارس في الفقه يخوض في الحديث والتشريع والتفسير والشعر، هذا في القرن الأول الهجري، وما أن استهل القرن الثاني حتى بدأ الاتجاه العلمي يستقر إلى تمييز العلوم، وبدأ تدوين الفقه والحديث والتفسير، فصنف ابن جريج (١)، ومالك (٢)، والأوزاعي (٣)، وابن أبي عروبة (٤)، وغيرهم. ودونت كتب العربية واللغة والتأريخ وأيام الناس، وتمحورت الدراسات في هذا العصر حول نوعين: دراسة دينية ودراسة دنيوية ولكل منهجه. وذلك ما عبر عنه ابن خلدون في مقدمته «إن العلوم صنفان: صنف طبيعي
_________
(١) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، فقيه الحرم المكي، كان إمام أهل الحجاز في عصره، أول من صنف التصانيف في العلم بمكة، رومي الأصل من موالي قريش، مكي المولد والوفاة (٨٠ - ١٥٠ هـ /٦٩٩ - ٧٦٧ م) وثقه العجلي وغيره، وقال الذهبي: كان ثبتا لكنه يدلس، ترجم له، الخطيب البغدادي، تأريخ بغداد،١٠/ ٤٠٠. وابن خلكان، وفيات الأعيان،٣/ ١٦٣. ابن حجر، تهذيب التهذيب،٦/ ٣٥٧.
(٢) الإمام مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، إمام دار الهجرة واحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، مولده ووفاته في المدينة (٩٣ - ١٧٩ هـ /٧١٢ - ٧٩٥ م) كان صلبا في دينه لا يمالئ السلاطين ولا يتقرب اليهم، من أهم تصانيفه «الموطأ-ط» ترجم له، أبو نعيم، حلية الأولياء،٦/ ٣١٦. ابن حجر، تهذيب التهذيب،٥./١٠ سركيس، معجم المطبوعات العربية والمعربة،٢/ ١٦٠٩. الزركلي، الاعلام،٥/ ٢٥٧.
(٣) عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أبو عمرو امام الديار الشامية في الفقه. ولد في بعلبك ونشأ في البقاع ثم سكن بيروت وبها توفى، كان مهابا من السلاطين جريئا في الحق غزير العلم صاحب مذهب، له «السنن» في الفقه و «المسائل» ولادته ووفاته (٨٨ - ١٥٧ هـ /٧٧٤ م) ترجم له، أبو نعيم، م. س،٦/ ١٣٥. النووي، تهذيب الأسماء واللغات،١/ ٢٩٨. الزركلي، م. س،٣/ ٣٢٠.
(٤) سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي بالولاء، البصري، أحد حفاظ الحديث الثقات له تصانيف. وفاته (١٥٦ هـ /٧٧٣ م) ترجم له، ابن حجر، تهذيب التهذيب،٤/ ٥٦. الذهبي، ميزان الاعتدال،٢/ ١٥١؛ الزركلي، م. س،٣/ ٩٨. روى له الستّه.
стр. 15
للانسان يهتدي اليه بفكره، وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه (١).
وكان لكل من العلوم النقلية والعقلية منهج في البحث والتأليف. تعتمد العلوم النقلية على الرواية وصحة السند، وقد طبق ذلك في التفسير والحديث واللغة والأدب على غرار ما نلاحظ في كتاب «الأغاني». وتعتمد العلوم العقلية كالطبيعة والرياضة والطب على المنطق والتجربة.
ونلاحظ وجود فريق ثالث أخذ بالمنهجين، فبعض الفقهاء لم يكن يكتفي بالاستدلال بآية أو حديث وإنما استعمل الدليل المنطقي في تأييد رأيه. هكذا كان حال العلوم في تطور مستمر.
وقد ساعد على نمو الحركة العلمية وتدوين العلوم اتساع صنعة الورق بعد أن كانت الكتابة تتم على اللخاف والعظام والعسب والرقاق. يقول أحمد أمين: «في أقل من خمسين عاما من أواخر الدولة الأموية إلى صدر الدولة العباسية كانت أغلب العلوم قد دونت» (٢).
وبمرور الزمن أخذت المكتبة العربية بالتكامل، وحمل أبناء الأمم التي سيطر عليها الإسلام بثقافاتهم لكي تمتزج بالثقافة العربية وتساعد على نموها وازدهارها. وقد توحدت هذه الثقافات عن طريق العيش المشترك والتزاوج، وتقبلت الثقافة العربية هذا التراث الوافد وضمته إلى تراثها الأصيل حيث أصبح لدينا هذا التراث الفكري الضخم الذي مثل أرقى ما وصل إليه الإنسان في العصور الوسطى من ثقافة وحضارة، وهنا نرى بعد هذا الاستعراض السريع لمراحل نشوء المكتبة العربية أن الحضارة الإسلامية وليدة البعثة النبوية والتوجهات العلمية التي جاء بها الإسلام، ومما لا خلاف فيه أن هذه الحضارة لم تقتصر على هضم وتمثل الحضارات السابقة بل تعدت ذلك إلى التطوير والإبداع، وابتكار علوم جديدة، وكانت سببا لربط حضارة العالم القديم بالعالم الجديد وهو ما جعل العلماء يقبلون على دراسة هذه الحضارة العظيمة التي صيغت بلغة القرآن وبما فيها من غنىّ بالمفردات والمترادفات ومن أدب صاف هذبته الصحراء فكان مصورا لخلجات النفوس، ومن فلسفة وتصوف مغرقين في التأمل، وتشريع متكامل، ونظم اجتماعية لم تصل الإنسانية بعد إلى خير منها.
د-المعاجم والموسوعات:
بدأ التأليف الموسوعي عند العرب مع كتاب «احصاء العلوم-ط» لأبي نصر الفارابي المتوفى (٣٣٩ هـ /٩٥٠ م) وذلك على أرجح الأقوال بينما يعتبر بروكلمان أن كتاب «مفاتيح العلوم-ط» تأليف محمد بن أحمد بن يوسف الخوارزمي (٣) المتوفى (٣٨٧ هـ /٩٩٧ م) هو
_________
(١) ابن خلدون، المقدمة، ص ٣٦٣.
(٢) امين، أحمد، ضحى الاسلام،٢/ ١٩.
(٣) كارل بروكلمان، تأريخ الأدب العربي،٤/ ٣٣٣.
стр. 16
أول خطوة في هذا المضمار. على أن من بين كتب الأدب ما يعد من الموسوعات مثل:
«الأغاني-ط» لأبي الفرج الأصفهاني المتوفى (٣٥٦ هـ /٩٧٦ م) و «العقد الفريد-ط» لابن عبد ربه المتوفى (١٠٤١ هـ /١٦٣١ م).
وقد تكاثر هذا النوع من التأليف في العصر المغولي الذي أعقب اجتياح بغداد عاصمة العلم في العالم (٦٥٦ هـ /١٢٥٨ م) وقتل علمائها واحراق مكتباتها (١) فكان كتاب «نهاية الأرب» للنويري المتوفى (٧٣٣ هـ /١٣٣٣ م) و «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لمؤلفه أحمد بن فضل الله العمرى المتوفى (٧٤٩ هـ /١٣٤٨ م) ثم «صبح الأعشى-ط» لمؤلفه أحمد بن علي بن عبد الله القلقشندي المتوفى (٨٢١ هـ /١٤١٨). والجدير بالذكر أن الحقبة الممتدة بين منتصف القرن الرابع الهجري ومنتصف القرن الثامن الهجري كانت متميزة بالعطاء الفكري رغم الآثار السيئة التي تركها اجتياح بغداد على الفكر والثقافة وهي ظاهرة في منتهى الغرابة، كما أن عناوين هذه الكتب توحي باقتصارها على علم معين فمثلا عندما نقرأ «نهاية الأرب نكاد نجزم بأن الكتاب متعلق بالأدب وفنونه، أو عندما نسمع بكتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» نفهمه كتابا في الجغرافيا ولكننا عندما نتصفح مواضيعه نجد أنفسنا أمام موسوعة ضخمة تجمع بين الأدب والجغرافيا والفقه والعلوم والفنون
لقد نمت المكتبة العربية نموا مضطردا تبعا لسنة الحياة، وتعددت فروع العلوم التي تنبع من علم واحد حتى أصبحت تعد بالمئات، وقد ساعد على هذا النمو عدة عوامل أولها: تشجيع الحكام والسلاطين وتقريبهم لأهل العلم.
وثانيها كثرة الفرق الإسلامية وصراع هذه الفرق الفكري، ودفاع كل منهم عن وجهة نظره وذلك أثمر كثيرا من المؤلفات في هذا المجال، وكلّ كان مبتغاه الدفاع عن الإسلام في وجه التيارات الفكرية الوافدة. وثالثها نشوء المذاهب الإسلامية من سنة، وشيعة، ومعتزلة، وخوارج، ومرجئة، وما ينطوي تحت كل مذهب من فرق، هذا عدا ما كان يعيش تحت لواء الدولة الإسلامية من ديانات أخرى، اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، والصابئة، إلى جانب جماعة من الشّكّاك الذين رأوا هذه المذاهب المختلفة والآراء المتعارضة والمتناقضة، فشكّوا فيها جميعا وكفروا بالجدل وقالوا: «إنه لا يسلم إلى إيمان» (٢) وقالوا: «كل ما ثبت بالجدل فبالجدل ينقض»
_________
(١) حسن ابراهيم حسن، تاريخ الاسلام،٤/ ١٥٦ - ١٦١.
(٢) امين أحمد، ضحى الاسلام،٣/ ٣٤٨.
стр. 17
والحقيقة تقال: إن الفضل يعود للمعتزلة في نشوء علم الكلام، وعلم البلاغة، ومنهجي الجدل والمناظرة، ويكاد المؤرخون يجمعون على كونهم المنفذ الأول الذي دخل منه فلاسفة المسلمين إلى الفلسفة اليونانية. وقد عملت هذه العوامل التي ذكرنا بالإضافة إلى كثير غيرها على اثراء المكتبة العربية، وتشعب المؤلفات في كل علم وفن وأصبح الخلاف حول مسألة فقهية، أو لحن يقع من مولّد أو جدل يجري حول بيت من الشعر مدعاة لوضع أبحاث حول هذه النقاط الجزئية التي جمعها العلماء فيما بعد، واهتموا بتبويبها حسب الموضوعات المختلفة، واستمر الجدل كما استمر توسع الدولة واستمر معهما العطاء الغزير مما استدعى التفكير بوضع المعاجم والموسوعات لإحصاء هذا السيل من المصنفات تسهيلا على الباحثين، فظهر إلى الوجود «أخبار المؤلفين والمؤلفات» لأحمد بن طيفور البغدادي المتوفى (٢٨٠ هـ /٨٩٣ م) وبعده «الفهرست» لابن النديم المتوفى (٣٨٥ هـ /٩٩٥ م) ويعد كتابه من أوفى الكتب في هذا المضمار. ثم «مفاتيح العلوم» لمحمد بن أحمد بن يوسف الخوارزمي المتوفى (٣٨٧ هـ /٩٩٧ م) ثم «حدائق الأنوار في حقائق الأسرار» لفخر الدين الرازي المتوفى (٦٠٦ هـ /١٢٠٩ م) ثم «أخبار المصنفين» لعلي بن أنجب البغدادي المتوفى (٦٧٤ هـ /١٢٧٥ م) ثم «درة التاج» لقطب الدين الشيرازي المتوفى (٧١٠ هـ /١٣١٠ م) ثم «مفتاح السعادة ومصباح السيادة» لأحمد بن مصطفى الشهير ب طاش كبرى زاده المتوفى (٩٦٨ هـ /١٥٦١ م) ثم «موضوعات العلوم» لولده محمد بن أحمد بن مصطفى المتوفى (١٠٢٦ هـ /١٦١٧ م) ثم «كشف الظنون» لمصطفى بن عبد الله الشهير بحاجي خليفة أو كاتب جلبي المتوفى (١٠٦٧ هـ /١٦٥٦ م) وهو أشهر هذه الكتب وأوسعها وعليه عدة ذيول. ثم «معجم العلوم والحرف» لعبد النبي بن عبد الرسول بن عبد الوارث العثماني الهندي من أعيان القرن الثاني عشر ولم يتم، ثم «تنويع العلوم» لزين الدين محمد بن علي بن السهروردي المتوفى (١٢٠٠ هـ /١٧٨٥ م) ثم «أنواع العلوم» لشمس الدين علي الحسيني الشيرازي المتوفى (١٢٠٥ هـ /١٧٩٠ م) ثم «أنواع العلوم» لمحمد بن ابراهيم الحسيني المرعشي الحائري المتوفى (١٢٤٠ هـ /١٨٢٤ م) ثم «أبجد العلوم» لصديق بن حسن القنّوجي ملك بهويال المتوفى (١٣٠٧ هـ /١٨٨٩ م) ثم «ايضاح المكنون» و «هدية العارفين» لإسماعيل باشا البغدادي المتوفى (١٣٣٩ هـ / ١٩٢٠ م) وكلاهما في مجلدين وهما ذيل على «كشف الظنون» ثم «معجم المطبوعات العربية والمعربة» ليوسف اليان سركيس المتوفى (١٣٥١ هـ /١٩٣٢ م) وقد قصره على الكتب المطبوعة من تأريخ ظهور الطباعة إلى سنة (١٣٣٩ هـ /١٩١٩ م) ثم «السر المصون على كشف الظنون» لجميل بن مصطفى العظم المتوفى (١٣٥٢ هـ /١٩٣٣ م) وهو كتابنا الذي نحقق ث م «معجم المؤلفين» لعمر رضا كحالة وغيرهم كثير ممن لم نطلع على أسماء كتبهم أو صنفوا في أسماء الكتب ولم يتموا ما بدءوه. وكان لكل مؤلف منهجه وطريقته في تبويب كتابه. وقد كثرت كتب
стр. 18
الموسوعات هذه بعيد القرن الخامس الهجري إذ بدأ الابتكار والتجديد يتراجعان وأصبح الانتاج الفكري ترديدا لما سبق، وجمعا لما تفرق إلا في القليل النادر. والأسباب تعود برأي أحمد أمين إلى عدة عوامل منها «تراجع العنصر العربي وضعف دوره في إدارة شؤون المملكة وتغلب العناصر الأخرى الفارسية والتركية على الحكم وكون بعض الولاة منهم لا يتقنون العربية فلما غلبت العجمة على أولي الأمر انحطّ شأن العلم والأدب، وبدأ احتضار العهد الذهبي للفكر العربي. وقد أشرنا فيما سبق إلى دور المعتزلة في تنشيط العقل العربي ولكنهم تراجعوا أمام الاشاعرة بفعل الضغط الموجه اليهم في عهد المتوكل العباسي وانتصر المنهج النقلي على المنهج العقلي. ومنها الموجة المدمرة والجاهلة التي اجتاحت العالم الإسلامي يقودها التتار بدءا من جنكيز خان وانتهاء بتيمور لنك، وما تخلل ذلك من سقوط أغلبية العالم الإسلامي بأيديهم وسقوط بغداد عاصمة العلم والحضارة واغراق مكتباتها العظيمة في دجلة. ومنها العصبية المذهبية الحادة التي انتشرت بين المسلمين فكنت ترى السنة ضد الشيعة، والشيعة ضد السنة، والصوفية ضد الفقهاء والشافعية ضد الحنفية وبالعكس، ومن المؤسف أن هذه الخلافات لم تقتصر على العلماء فقط وإنما اشترك فيها العامة فكانت النتائج فظيعة ومدمرة.
ولهذه الأسباب تراجع العقل والفكر العربيين وأقفل باب الاجتهاد وأقفل معه التقدم الفكري عند العرب، فكثر الاقبال على كتب الموسوعات، وعلى جمع المعاجم، اعتمادا على مخلفات الأجداد» (١).
هـ -السر المصون ومؤلفها:
وسوف نتحدث عن مخطوطة «السر المصون» وأهمية موقعها بين كتب التراجم ونبدأ بالحياة الاجتماعية للمؤلف، أسرته، فثقافته، فنتاجه العلمي، ونقدم لذلك بإيراد نبذة عن أحوال دمشق الاجتماعية والعلمية.
١ - بيئة المؤلف الاجتماعية والسياسية والعلمية:
شهد النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري خروج العالم العربي من دائرة الحكم التركي منهكا مقطع الأوصال، وقد نالت دمشق قسطا وافرا من ذلك بعد أن كانت تعيش وفي مخيلة أبنائها أحلام عراض تتمثل في وحدة عربية تعيد لها نضارتها ومركزها على مسرح التأريخ بقيام الدولة العربية الكبيرة التي تسترجع أمجاد الأمويين وعز بني العباس، فنام أهلها
_________
(١) أمين، أحمد، ظهر الاسلام،٤/ ١٩١ وما بعدها.
стр. 19
على بريق وعود خلابة أطلقها الحلفاء بالمساعدة على انشاء الدولة الحلم، إذا ما تعاون العرب في اسقاط نظام الخلافة العثمانية. فساهموا في تحطيم عرش بني عثمان وكان للحلفاء ما أرادوا ولم يتحقق للعرب ما وعدوا به بل جوزوا جزاء سنمار ووقعوا تحت نير الانتداب.
وقد أفاقت دمشق على هول الكارثة، وورثت معها تركة ثقيلة عنوانها التخلف والجوع والدمار. وكان الأمل في التغيير كامنا في جهود مثقفيها الذين كان معظمهم صورة مشوهة للمثقف العربي الذي أضاع لغته أمام اهتمامه باتقان اللغة التركية، لغة الوظيفة والبروز الاجتماعي في مرافق الدولة الحاكمة. وحري بمجتمع هذه ظروفه أن يوصم بالجهل المطبق، ولكن هذا الحكم المعمم يشوبه شيء من الخطأ إذا ما نظرنا بعمق إلى الدور الرائد الذي قام به الكثير من علماء دمشق وفي طليعتهم رجال الدين وخطباء المساجد، الذي أدّوا رسالتهم التعليمية والتوجيهية في كل بيت وكل حي وكل مسجد حتى أن الداخل إلى المسجد الأموي الكبير لا يقتصر في الوصف على فخامة البناء وروعته بل يتحدث عن حلقات العلم التي تعقد في كل زاوية ولا تتوقف من الفجر وحتى العشاء الآخرة.
هذا الدور الرائد كان بمثابة النور الذي بدد سحب الظلام، وكأن أصحاب هذا الدور كانوا يهدفون إلى إتمام مسيرة العلم التي بدأت في الإسلام مع لفظة (اقرأ) فقاموا بتربية شباب كان لهم فضل رفع شعارات الحرية، ومقاومة المستعمر بإشعال الأرض نارا تحت قدميه.
وإذا ذكرنا ذلك فمن يستطيع أن ينسى دور المربين الأفذاذ أمثال: الشيخ بدر الدين الحسني (١) وعطا الله الكسم (٢) وابراهيم الغلاييني (٣) وجمال الدين القاسمي (٤) وكامل القصاب (٥) وغيرهم بل من يستطيع أن ينسى دور بيوتات العلم في دمشق أمثال: آل الغزي، والحمزاوي، والبيطار، والمرادي، والنابلسي، والعظم، وعابدين.
_________
(١) هو الشيخ محمد بدر الدين بن يوسف الحسني المراكشي السبتي، ينتهي نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، محدث الديار الشامية، ولد وتوفي بدمشق (١٢٦٧ - ١٣٥٤ هـ /١٨٥٠ - ١٩٣٥ م) ترك الكثير من المؤلفات- الزركلي، الاعلام،٧/ ١٥٧. الحافظ واباظة، تأريخ علماء دمشق،١/ ٤٧٣.
(٢) هو محمد عطا الله الكسم مفتي الشام، فقيه حنفي ولد وتوفى بدمشق (١٢٦٠ - ١٣٥٧ هـ /١٨٤٤ - ١٩٣٨ م) اهتم بالتدريس والتوجيه، وله بعض الرسائل. الحافظ واباظة، م. س،١/ ٥١٧.
(٣) الشيخ ابراهيم بن محمد خير الأصيل الكيلاني القادري الشهير بالغلاييني، أصله من حلب ولد بدمشق وتوفى فيها (١٣٠٠ - ١٣٧٧ هـ /١٨٨٢ - ١٩٥٨ م) عالم وخطيب ومفتي قطنا. الحافظ وأباظة، م. س،٢/ ٦٨٧.
(٤) هو محمد جمال الدين بن محمد سعيد المعروف بالقاسمي، محدث فقيه مصلح، له تصانيف كثيرة، ولادته ووفاته (١٢٨٣ - ١٣٣٢ هـ /١٨٦٦ - ١٩١٤ م). الحافظ واباظة، م. س،١/ ٢٩٨.
(٥) هو محمد كامل بن أحمد بن عبد الله آغا القصاب، رئيس جمعية علماء الشام، واحد زعماء الحركة الوطنية. ولادته ووفاته (١٢٩٠ - ١٣٧٣ هـ /١٨٧٣ - ١٩٥٤ م). الحافظ واباظة، م. س،٢/ ٦٥٧.
стр. 20
في هذه الأجواء عاش جميل العظم مؤلف «السر المصون» متأثرا بظروف مجتمعه فاعلا في هذا المجتمع، مشاركا في النهضة العلمية، صنف الكثير من الكتب ومنها كتابنا الذي نحقق.
وشغل بعض المراكز التربوية الهامة.
٢ - أسرة المؤلف ومكانتها الاجتماعية:
قبل أن نفصل القول في حياة المؤلف يحسن بنا أن نذكر طرفا من مستوى العائلة التي تحدر منها لما في ذلك من أهمية في تكوين شخصيته العلمية والاجتماعية. كان جميل العظم سليل أسرة عريقة حكمت دمشق وغيرها حقبة من الزمن غنية بالرجالات العظام باشوات وولاة، قدم جدها الأعلى اسماعيل (١) من قونية (٢) وقيل من المعرة (٣). وقد أعقب ولدين على حد قول الحصني وهما سليمان باشا (٤) والي مصر والشام، وابراهيم الذي هو والد اسماعيل باشا الثاني (٥) وهذا أعقب أسعد باشا العظم (٦) والي الشام وأمير الحاج وواقف الأوقاف الكثيرة، وصاحب الدار الأثرية الشهيرة بدمشق (قصر العظم).
ويسرد الحصني أسماء عدد من رجالاتهم والمناصب التي شغلوها. كما أوضح بأن أسرة المؤيّد هي فرع من أسرة آل العظم إلى أن يصل إلى مؤلف الكتاب فيقول: «ومن مشاهير رجال الفضل من هذا البيت اليوم جميل بك بن مصطفى بك بن حافظ بك الذي تسلم جده زمام الحكم في سوريا بعد ابراهيم باشا المصري (٧) وهو أحد أركان المعارف والنهضة العلمية بدمشق، وصاحب الآثار الشهيرة منها: «الذيل لكشف الظنون» (٨).
ويذكر المؤرخ محمد كرد علي دار أسعد باشا العظم فيقول: «ومن أمثلة البناء الجميل دار
_________
(١) هو اسماعيل باشا بن ابراهيم باشا العظم، أصله من قونية، سكن دمشق، وفاته (١١٤٤ هـ /١٧٣١ م)؛ الزركلي، م. س،١/ ٣٠٨.
(٢) قونية: من أعظم مدن الإسلام في تركيا. ياقوت الحموي، معجم البلدان،٤/ ٤١٥.
(٣) المعرة: بفتح الميم والعين المهملة وتشديد الراء المفتوحة، مدينة سورية نواحي حلب، وقد يقال لها (معرة النعمان) نسبة للصحابي النعمان بن بشير. ياقوت الحموي، م. س،٥/ ١٥٥.
(٤) الحصني، منتخبات التواريخ لدمشق،٢/ ٨٤٦ ولم يذكر له تأريخ وفاة ولم أعثر له على ترجمة وافية.
(٥) اسماعيل باشا الثاني، الحصني، م. س،٢/ ٨٤٦ ولم يحدد له تأريخ وفاة ولم أعثر له على ترجمة وافية.
(٦) أسعد بن اسماعيل بن ابراهيم العظم، صاحب القصر الأثري المشهور، ولد وعاش في دمشق واتقن العربية والتركية والفارسية، كان واليا على دمشق لمدة أربعة عشر عاما وحاز لقب وزير، غضبت عليه الدولة ومات قتلا في أنقره، الزركلي، م. س،١/ ٣٠٠.
(٧) ابراهيم باشا المصري بن محمد علي باشا الكبير، قائد طموح استولى على سوريا عام (١٢٤٧ هـ /١٨٣١ م) ولادته ووفاته (١٢٠٤ - ١٢٦٤ هـ /١٧٩٠ - ١٨٤٨). الزركلي، م. س،١/ ٧٠.
(٨) الحصني، م. س،٢/ ٨٤٨.
стр. 21
أسعد باشا العظم في جوار جامع بني أمية بدمشق شرع بانشائها (١١٦٣ هـ /١٧٤٩ م) وانتهت (١١٧٤ هـ /١٧٦٠ م) قيل: إن ما أنفق عليها أربعمائة كيس كل كيس بخمسمائة قرش (١) وكذا قصره في حماه وهو من عجائب الدهر، ويفهم من كلام محمد كرد علي أن هذا الباشا كان ظالما وقد صادر جهود العمال وأموالهم لبناء قصوره، وهكذا الحياة فيها العادل والظالم وكل أسرة تتفاوت صفات أفرادها خيرا وشرا.
والذي يجمع عليه المؤرخون أن الكثير من رجالات هذه الأسرة كانوا وزراء وباشوات وحكاما وكان فيهم الأدباء والعلماء ومنهم المؤلف. وقد جاء في معجم سركيس ما يلي: «في كتاب مخطوط «حوادث الشام» أخبار عن طائفة بيت العظم وما كان لهم من الوجاهة في البلاد الشامية. قال مؤلفه:-أي حوادث الشام-في سنة (١٣٣٢ هـ /١٧٢٠ م) صاروا طائفة بيت العظم وزراء وحكام في مدينة دمشق وحلب وطرابلس وصيدا» (٢). كما قال فيهم المؤرخ الدمشقي عبد القادر بدران: «عائلة بني العظم هي الأسرة الكبيرة العريقة بالمجد والوراثة للمفاخر والسؤدد كابرا عن كابر، ومفاخر أجدادهم لم تزل باقية حتى اليوم تترجم عنها أبنيتهم العجيبة ومدارسهم العلمية في دمشق لم تزل محط رجال العلم والفضلاء (٣).
لقد عاش المؤلف حياة هذه الأسرة المترفة صاحبة الشأن ونهل من معاني عزتها وأمجادها، كما شهد أفول نجم الدولة العثمانية التي كانت أسرته تستظل لواءها وعايش الويلات التي حلت بوطنه والمستجدات التي لا بد من حصولها عند تغيير النظام ونالت من مدح المادحين وهجوم الناقدين الشيء الكثير، ومن مادحيها العلامة الشيخ عبد الغنى النابلسي حيث يقول على أثر واقعة جرت لهم:
يا قائلا إنّ العظام تكسّرت*أبدا ولا يعلوا لهنّ مقام أقصر فهم باقون في أوج العلا*أبد الورى إنّ العظام عظام (٤) وقد كان في هذه الأسرة الغني والفقير، وكان مؤلفنا من الطبقة الأخيرة، ولكنه كان في العلم من أهل الغنى واليسار، وكأن العلم والمال لا يجتمعان.
_________
(١) محمد كرد علي، م. س،٥/ ٢٨٦ - ٢٨٧.
(٢) سركيس، معجم المطبوعات العربية والمعربة،٢/ ١٣٤١ وقد اثبتنا الكلام كما ورد رغم ما يشوبه من لحن وركاكه. الحصني، م. س،٢/ ٨٤٨.
(٣) الحصني، منتخبات التواريخ لدمشق،٢/ ٨٤٨ والشعر من الكامل.
(٤) أدهم آل جندي، اعلام الأدب والفن،٢/ ١٢٣. وقد اثبت لقب (بك) كما جاء لدى المؤرخين.
стр. 22
٣ - نشأة المؤلف:
هو جميل بن مصطفى بن محمد حافظ بك بن عبد الله باشا بن فارس بك بن الجد الأعلى ابراهيم باشا العظم، ولد بمدينة دمشق (١) عام (١٢٩٠ هـ /١٨٧٢ م) بينما يجعل الزركلي ولادته في الآستانة (٢) وإنه عاد بعد وفاة والده إلى دمشق وكان له من العمر خمس سنوات. وقد نشأ المؤلف في بيئة صالحة وتلقى علومه في المدارس الحكومية، ولازم حلقات العلم، وأخذ من العلوم العربية وآدابها نصيبا وافرا، واتقن اللغات التركية والفارسية والعربية، يساعده في ذلك ذكاء وافر وحب للعلم، ولم يصلنا من المراجع المتوفرة شيء عن أسماء شيوخه، ولكنه كان يجمع إلى العلم شاعرية مبدعة صقلتها نفس كبيرة لاقت من المعاناة الشيء الكثير وقد عاشت ظروف العصر السياسية إبان النهضة الحديثة والتحرر من الحكم التركي والثورة على المستعمرين الأوروبيين الجدد كما اكتوت بنار الفقر والعوز وشدة الحاجة وهو يعيش ضمن أسرة مترفة غنية. وقد أثرت فيه هذه المعاناة فكان يصوغ ما يعتلج في نفسه الكبيرة شعرا يعبر عما في هذه النفس من نقمة أو عتب (٣).
لقد عمل العظم في مديرية المعارف في دمشق ثم ذهب إلى الآستانة فعين عضوا في مجلس المعارف ثم تبادل الوظيفة مع ابن عمه واصل بك المؤيد العظم حيث أصبح محاسبا للمعارف في ولاية بيروت. وكان معروفا باتقانه لكتابة الخطوط الجميلة وقد أخذ ذلك عن أشهر الخطاطين في عصره.
٤ - وطنيته وشعره:
رافق العظم القضية الوطنية منذ بزوغها وكان على اتصال مع الساسة والزعماء في مصر، التي سافر إليها أثناء الحرب العالمية الثانية، وعمل مع ابن عمه الزعيم السياسي رفيق بك العظم (٤) وابن عمه الثاني حقي بك العظم (٥) في طلب الاستقلال الإداري للبلاد العربية، ثم عاد إلى بيروت بعد زوال العهد التركي وتزوج من ابنة عمه بدرية بنت علي حافظ بك العظم ومن سيدة تركية كانت تعمل معلمة في بيروت، ثم اقترن بسيدة بيروتية.
_________
(١) الزركلي، م. س،٢/ ١٣٨.
(٢) ادهم آل جندي، م، س،٢/ ١٢٤ باختصار.
(٣) هو رفيق بن محمود بن خليل العظم، شاعر مجيد ووطني بارز مكثر من التأليف ولادته ووفاته (١٢٨٤ - ١٣٤٣ هـ / ١٨٦٧ - ١٩٢٥). الزركلي، م. س،٣/ ٣٠.
(٤) و (٥) هو حقي بن عبد القادر المؤيد العظم، اداري، سياسي، وكاتب ولادته ووفاته (١٢٨٢ - ١٣٧٤ هـ /١٨٦٥ - ١٩٥٥ م). الزركلي، م. س،٢/ ٢٦٥.
стр. 23
ويظهر أن سفره إلى مصر كان بدافع الهروب من السلطات التركية ولو بقي لكان نصيبه النفي والتشريد كغيره من الوطنيين، وهذا السفر جعله يخسر وظيفته وبالتالي جعله يعيش حياة فاقة فجرّت فيه ما أشار اليه من شاعرية حيث يقول عن نفسه: «وقد ولعت بالشعر والكتابة من عهد الصبا، فأكثرت ثم اعترتني حال فأحرقت جميع ما نظمته وكتبته إلا المؤلفات» (١).
لقد حرمتنا تلك الحال التي ألمحنا إليها من تذوّق ما نظم والاستفادة مما كتب ولم يصلنا من شعره إلا القليل، وإذا كان ذلك فإن شاعريته ليست في مجال الانكار، فها هو المؤرخ الدمشقي محمد كرد علي يصنفه بين شعراء الشام الكبار (٢) أمثال: خليل مردم (٣) وخليل مطران (٤) وايليا أبو ماضي (٥) وزكي المحاسني (٦) وغيرهم. وكذلك جميل الشطي في كتابه «أعيان دمشق» يصفه بقوله «فاضل متفنن صاحب آثار» (٧). وثالث من مؤرخي دمشق وهو محمد أديب تقي الدين الحصني في كتابه «منتخبات التواريخ لدمشق» يقول: «وهو من أركان المعارف والنهضة العلمية بدمشق» (٨). ورابع وهو أدهم آل جندي في كتابه «أعلام الأدب والفن» يقول فيه: «لقد كان ناثرا متفننا، وشاعرا فذا، مبدعا في أسلوبه، متين القوافي، أنيق الديباجة، رقيق الوصف، قوي الارتجال في كل مجال، إلاّ أنه متوار بزهده وتواضعه، واقف غرر قصائده ودررها على حمد الله تعالى ومدح رسوله الكريم ﷺ » (٩).
ثم يورد له الجندي قصيدة ارتجلها في رثاء صديقه مفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا ومطلعها:
بكيت دما من بعد ما نفد الدّمع*وصمّ لنعي قد سمعت به السّمع
_________
(١) الزركلي، م. س،٢/ ١٣٩.
(٢) محمد كرد علي، م. س،٤/ ٧٠.
(٣) هو خليل بن أحمد مختار مردم بك، تولى رئاسة المجمع العلمي بدمشق، شاعر معروف، عمل وزيرا للمعارف، له تصانيف، ولادته ووفاته (١٣١٣ - ١٣٧٩؛/١٨٩٥ - ١٩٥٩ م). الزركلي، م. س،٢/ ٣١٥.
(٤) هو خليل بن عبد الله المطران من مواليد بعلبك، لقب بشاعر القطرين، سكن مصر صنّف وعرّب من الفرنسية، ولادته ووفاته (١٢٨٨ - ١٣٦٨ هـ /١٨٧١ - ١٩٤٩ م). الزركلي، م. س،٢/ ٣٢٠.
(٥) هو ايليا بن ضاهر أبي ماضي من كبار شعراء المهجر، له تصانيف، ولد في قرية المحيدثة في لبنان، ولادته ووفاته (١٣٠٦ - ١٣٧٧ هـ /١٨٨٩ - ١٩٥٧ م). الزركلي، م. س،٢/ ٣٥.
(٦) هو زكي بن شكري المحاسني دكتور في الأدب، أديب دمشقي عمل ملحقا ثقافيا في السفارة السورية بالقاهرة، له تصانيف. وفاته (١٣٩٢ هـ /١٩٧٢ م). الزركلي. م. س،٣/ ٤٧.
(٧) جميل الشطي، اعيان دمشق، ص ٣٤٦.
(٨) الحصني، م. س،٢/ ١٨٤٨.
(٩) أدهم آل جندي، م. س،٢/ ١٢٤.
стр. 24
بكيت ولم أبك امرءا قبله ولن*يرى لي بعد اليوم في فاجع دمع ولله قلب لم يرع قبل خطبه*بدهر ولم يصدّعه في حادث صدع رعى الله من فارقت بالأمس مرغما*وربّ فراق قاهر ماله دفع ومنها سأبكيه لا أبقي من الدّمع قطرة*وإن دمي حسبي إذا نفد الدّمع وحسبي ودّ واصل بين روحه*وروحي فذاك الوصل ليس له قطع أجل أنا في دهر عجيب به الوفا*ولكنني فيه بحبّ الوفا بدع ومنها ويا راحلا لم يبق لي بعده أخ*ولا طلل آوي إليه ولا ربع تساوى لديّ الخير والشّر بعده*فسيّان عندي الضّر بعدك والنّفع رثيتك لكن لا طويلي مقارب*ثناك ولا العشر الطّوال ولا السّبع وما يبلغ التأبين بالشّعر من ثنا*إمام تولّى أمر تأبينه الشرع (١) إننا عندما نطالع هذه الأبيات نشعر بأنها تضج بعاطفة جياشة وتصدر عن نفس صدمت بعبوس الدهر وجفاء الأصحاب وظلم الأهل والعشيرة وهي نفس وفية تنعى فقدان الوفاء، صبت مشاعرها بعبارات قوية وألفاظ جزلة اختار لها المؤلف البحر الطويل.
٥ - نشاطه العلمي ومؤلفاته ووفاته:
كان العظم مكثرا من التأليف، عاش للعلم وخدم وطنه، وساهم في توعية أبناء مجتمعه، وكان قلمه السيال يدون المقالات التي يزود بها الصحف، ثم أنشأ مجلة «البصائر» شهرية، وصنف العديد من الكتب مع ميل واضح إلى علم التراجم وهو علم يحتاج إلى فكر منظم.
وتلك بعض صفاته، كل ذلك بالاضافة إلى شاعرية مبدعة انطلقت من طبع شعري صقلته المعاناة وزادته أوارا، وقد واجه العوز والفقر مما جعله يبيع مكتبته لينفق على عائلته الكبيرة، وطالما أضفى البؤس والحرمان على بعض الشعراء إحسانا وإتقانا والعظم من هؤلاء فكثرت عطاءاته ومن التصانيف التي تركها:
١ - «عقود الجوهر في تراجم من لهم خمسون مصنفا فمائة فأكثر-ط» في مكتبتي الجزء
_________
(١) أدهم آل جندي، م. س،٢/ ١٢٤.
стр. 25
الأول منه.
٢ - «تفريج الشدة في تشطير البردة-ط».
٣ - «ترجمة عثمان باشا الغازي-ط».
٤ - «المسارعة إلى قيد أوابد المطالعة».
٥ - «تحفة عيد الجلوس الفضي».
٦ - «التعرف للأمة تحدثا بالنعمة-خ».
٧ - «إتحاف الحبيب بأوصاف الطيب» نشر نحو ثلثه في اعداد السنة الأولى من جريدة الإقبال البيروتية.
٨ - «ديوان العرب» جمع فيه ما وقف عليه من شعر العرب غثه وسمينه ورتبه على الحروف الأبجدية ولم يتمه.
٩ - «قاموس التراجم» لم يكمله.
١٠ - «التذكرة الجامعة».
١١ - «قاموس الأسماء» معجم للأسماء العربية وما يقابلها بالتركية والفارسية.
١٢ - «الماضي والحال-ط» رسالة صغيرة في أحوال الأمة العثمانية.
١٣ - «رحلة أفريقية» تأليف صادق باشا المؤيد، عرّبها عن اللغة التركية (١).
١٤ - «عقود النجوم» نسبه إليه بروكلّمان وقد تفرد بذلك (٢).
١٥ - «فهرس الخزانة العظيمة-خ» رقم ٤٧٦٤، وهو بخط المؤلف (٣).
١٦ - «فهرس كتب منتخبة من خزائن الكتب الكائنة في استانبول-خ» وهو بخط المؤلف أيضا (٤).
١٧ - «السر المصون-ذيل كشف الظنون» هو كتابنا الذي نحقق.
١٨ - «الصبابات فيما وجدته على ظهور الكتب من الكتابات» ذكر في فهرس مخطوطات الظاهرية-١/ ٣٥٧ - آداب
_________
(١). الزركلي. م. س،٢/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٢) كارل بروكلمان، تأريخ الأدب العربي،٢/ ١٤٣.
(٣) يوسف العش، فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية، التأريخ وملحقاته، ص ٦٧٢.
(٤) م. ن. ص ٦٧٣.
стр. 26
يقول سركيس في معجمه «وله كتب كثيرة لم تطبع أهمها ذيل كشف الظنون» (١) ولم يقتصر نشاطه العلمي على التأليف والعمل في الصحافة، ونظم الشعر، بل شارك في نشاط المجمع العلمي العربي بدمشق حيث انتخب لعضويته في عام ١٩٢٠ م وانتفع بصحبته كبار العلماء منهم العلامة الشيخ طاهر الجزائري (٢) مؤسس المجمع العلمي العربي بدمشق.
ودع العظم الدنيا في دمشق التي أحبها وأحبته يوم الثلاثاء الثالث من شهر تشرين الأول (١٨٧٣ هـ /١٩٣٣) وقد طواه الردى بعد أن ذاق حلو الحياة ومرها وشرب في آخر أيامه كأس الحرمان والفاقة، وعانى من ظلم أسرته الغنية التي أغمضت عيونها عن مساعدته، كما ذاق مرارة التشريد وهو يعمل في السياسة لتحرير وطنه فضاع في زحمة الحياة، كما ضاع ديوانه الذي عبثت به الأيدي (٣) فضاعت معه آثاره الأدبية ولم يبق منها إلا ما نشر في الصحف والمجلات. ودفن في مقبرة باب الصغير وأعقب ولدين وسبع كرائم.
٦ - وصف المخطوطة:
تعتبر المخطوطة «السر المصون» فهرسا في أسماء الكتب ومؤلفيها أسماه المؤلف ذيلا لكشف الظنون، سار فيه على خطى حاجي خليفة من حيث اعتماد الأبجدية في أسماء الكتب، وعدد صفحات المخطوطة ٢٠٨ صفحات، كتبت بخط المؤلف (٤). وهذه المخطوطة الجزء الأول كما يشير المؤلف في الصفحة الأولى منها، ويظهر أن القدر عاجله قبل إتمام الكتاب [¬*]. ويذكر الزركلي في اعلامه «السر المصون ذيل كشف الظنون» ابتدأه بمقدمة في الكلام على العلوم والفنون وأشهر المصنفين والمصنفات في زهاء ألف صفحة بالقطع الكبير سماها «الإسفار عن العلوم والأسفار» (٥). ولكننا لم نجد سوى الجزء الأول الذي نقوم بتحقيقه وهي المخطوطة الأم المتبقية من الكتاب وبخط المؤلف كما أشرنا سابقا. ويؤيّد رأينا بأننا لم نجد ذكرا لها في فهارس المخطوطات التالية:
أ-مجموعة مختارة لمخطوطات عربية نادرة من مكتبات عامة في المغرب.
_________
(١) سركيس، معجم المطبوعات،٢/ ١٣٤٢.
(٢) هو طاهر بن محمد صالح بن أحمد بن موهوب السمعوني الوغليسي المشهور بالجزائري، من بيت علم وشرف ينتهي نسبه إلى سيدنا الحسن (رض) قدم والده إلى دمشق سنة (١٢٦٣ هـ /١٨٤٦ م) وكان ضمن آخر دفعة هاجرت من الجزائر. ولادته ووفاته (١٢٦٨ - ١٣٣٨ هـ /١٨٥٢ - ١٩٢٠ م). الحافظ واباظة، تأريخ علماء دمشق،١/ ٣٦٦.
(٣) أدهم آل جندي، م. س،٢/ ١٢٤.
(٤) يوسف العش، م. س،٢/ ٣١٣.
(٥) الزركلي، م. س،٢/ ١٣٩.
[¬*] (تعليق الشاملة): بل يظهر أنه أتم الكتاب، فالزركلي يقول في وصفه: «كبير بحجم كشف الظنون»، والمؤلف يقول في مقدمته: «وسمّيته بعد أن (أتممته). . . .»
وذكر «محمد خير رمضان يوسف»، في مقدمة تحقيقه للكتاب (ص ١٢ ط البشائر) أن المؤلف ذكر في «المسارعة» أنه بدأه في ١٣٠٩ هـ وأكمله في عشرين عاما
ونقل «محمد خير» أيضا (ص ١٣)، أن جاء فيما (شطبه) المؤلف من المقدمة، أنه بدأ به ثم انصرف عنه، حتى جرى ذكره في بعض المجالس، فأكمله بعدها. يقول المؤلف (فيما حذفه): «. . . فقد تعرَّض لي بعض المنتسبين إلى العلم في بعض المجالس، وعرَّض بذكر ما كنتُ هممتُ به. . . ثم عدل عن الكناية إلى التصريح. . . فشمرت عن ساعد الجد والاجتهاد، وكلفت جفني أن يكتحل (الليالي الطويلة) بإثمد السهاد، فأعجمتُ بشامات النقط مهملَ وجناتِ الأوراق، ورجَّلتُ بأمشاط الأقلام ذوائبَ الطروس، وكحَّلتُ بالمداد أجفانَها والأحداقَ، حتى (تزينت) تلك العروس بأبهى حُلَل. . .».
وطبعة «محمد خير»، اعتمدت على نفس المخطوطة الوحيدة التي اعتمدت عليها هذه الطبعة، والتي تشتمل على الحرفين (أ، ب) فقط من الكتاب
стр. 27
ب-مخطوطات المكتبة العباسية في البصرة.
ج -المنتخب من مخطوطات دار الكتب القطرية.
د-المنتخب من المخطوطات العربية في حلب.
هـ -المخطوطات العربية في مكتبة متحف (مولانا) في قونيا-تركيا.
و-مخطوطات الخزانة العمرية في مكتبة المتحف العراقي-بغداد (١). إضافة إلى غيرها من المراجع وعليه فإن المخطوطة التي بين أيدينا فريدة لأمرين اثنين:
أولهما: كتابتها بخطوط جميلة خطتها ريشة فنان مبدع درس الخطوط على أيدي أساتذة هذا الفن، وتتراوح خطوطها بين خط الرقعة، وخط الثلث، وخط الفارسي، وخط النسخ، فالعناوين الرئيسية بخط الثلث، والعناوين الفرعية بخط الفارسي، والمتن بخط النسخ المتقن، والهوامش تعددت خطوطها من خط النسخ إلى خط الرقعة التركي، إلى خط الرقعة للتدوين (٢). وهو ما أفادنا به خبير الخط العربي الدكتور أحمد اللدن
وثانيها: هي نسخة وحيدة محفوظة بدار الكتب الظاهرية تحت رقم ٤٧٥٤ آداب مقاساتها ٢٨*١٩ عدد صفحاتها ٢٠٨ صفحات في كل صفحة ١٥ سطرا، وهي بمجموعها تمثل الجزء الأول من الكتاب وسبق أن أشرنا إلى ذلك، تبدأ بتمهيد أشار فيه المؤلف إلى أن كتابه ذيل على «كشف الظنون» لحاجي خليفة، حيث يقول: «فهذا كتاب جعلته ذيلا لكتاب كشف الظنون الذي ألفه الوزير العلامة الحجة منلا كاتب جلبي … جمعت فيه أسماء الكتب والرسائل التي أطلعت عليها أو وقفت على أسمائها في تراجم أصحابها، وفي فهارس المكاتب العمومية والمصنفات التي ذكرها المصنفون في أثناء العبارات ناقلين عنها مما لم يذكره كاتب جلبي وخلا عنه سفره وما ألف بعد عصره». ثم اتبع ذلك بمقدمة طويلة في تعريف العلم وفضله وموضوعه وأقوال العلماء فيه، وذكر الفروع التي تفرع إليها كل علم.
وسوف نحاول في هذه السطور أن نبين إلى أي مدى وفّق المؤلف في ذلك وهل أتى بشيء جديد أم كان ناقلا ومقلدا، وقيمة كتابه والخدمة التي أداها للمكتبة العربية.
لقد خلصت إلى نتيجة مؤداها أن جميل العظم كان ناقلا وغير مبتكر ولم يضف إلا القليل
_________
(١) وقد تم البحث عن مخطوطتنا «السر المصون» في فهارس المخطوطات أعلاه وهي في مكتبتنا المتواضعة، فلم نجد لها أثرا.
(٢) أفادنا العلم بالخطوط التي كتبت بها المخطوطة، خبير الخطوط العربية الأستاذ الشيخ أحمد اللدن.
стр. 28
على ما عند حاجي خليفة، وأفضل ملاحظاتي كالتالي:
أولا: في المقدمة: كان المؤلف ناقلا عن غيره بصورة تكاد تكون حرفية فمقدمته مأخوذة عن مقدمة كتاب «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي. بالنسبة للعلم وتعريفاته وفضله. وقد اعتمد المؤلف على مقدمة كتاب «كشف الظنون» في بيان أنواع العلوم وتقسيمها من جهة موضوعاتها.
ثانيا: في المتن: كان ناقلا عن الكشف بنسبة كبيرة وكذلك عن كتابي البغدادي «ايضاح المكنون» و «هدية العارفين» مما يجعلنا نشعر بضئالة الجديد الذي أتى به ومعظمه كتب بالتركية أو الفارسية ويجهل أسماء مؤلفيها أو يورد الاسم مختصرا.
ثالثا: كثيرا ما يذكر اسم الكتاب مجتزئا غير كامل وكذا اسم المؤلف، أو يذكر اسم الكتاب ولا يبين مؤلفه وأسوق أمثله على ذلك، من الصفحة ٤٥ من الأصل كالتالي:
أولا: «إبطال القول بالتوليد» للإمام العلامة عبد القاهر … المتوفي
ثانيا: «إبطال الكلام النفساني» للإمام العلامة
ثالثا: «أبكار الأفكار … » للعلامة ابن أبي الفوارس.
من هذا النموذج شيء كثير أورده المؤلف ونكتفي بما سقنا من أمثلة، ولكن ما لفت نظري ووضعني في موقف حائر إزاءه، موقفه من ابن تيمية وأحسبه لا يتفق معه في أفكاره، فلم يورد اسمه أمام كل كتاب ذكره له. وأسوق مثالا على ذلك ما ورد في الصفحة ٥٦ من الأصل:
«إثبات المعاد» للشيخ الإمام العلامة أحمد … بن تيمية المتوفي سنة … وهكذا في كل كتب ابن تيمية، فهذا العالم الكبير الذي كانت له مواقف جريئة قد نتفق معه في بعضها ونختلف في البعض الآخر لا يعقل أن يكون مجهولا من عالم كالمؤلف يفترض به أن يتحلى بالروح العلمية.
رابعا: لقد ورد لدى المؤلف في آخر صفحات المخطوطة والتي تحمل رقم ٢٠٨ أن عدد الكتب المذكورة أسماؤها في هذا الجزء ألف وستة وعشرون كتابا، بينما عدد الكتب الواردة هو ١٠٣٩ كتابا منها أربعة كتب مشطوبة في الأصل وقد أثبتها وأشرت إلى شطبها في الحاشية فيكون عدد الكتب الواردة فيه ١٠٣٥ كتابا.
عملي في تحقيق المخطوطة:
بتحقيق هذا الكتاب أطمح بخطوة متميزة تجري على درب معبّد في مجال تحقيق تراثنا العربي، ولم يكن هدفي تحقيق نص من نصوص كتب التراجم فقط مع أنه الواجب الأساسي وإنما هدفي إغناء النص ليصبح متكاملا يزهو بالأطايب والألوان والعبق الذكي لذلك توسعت
стр. 29
في التعليق والترجمة، ولم أترك علما يمرّ ولو عرضا دون أن أقدمه للقارئ وإن فاتني التعرف إلى بعضهم لا سيما الفرس والأتراك رغم الاستعانة بكتابي «الشقائق النعمانية» والعقد المنظوم» وأشرت الى الكتب العارضة فزاد عدد المترجم لهم كما زاد عدد الكتب المعرّف بها. أردته أن يكون شمعة تضيء ولو زاوية تشكو من حلك في زوايا مكتبتنا العربية.
وأوجز معالم هذا التحقيق بالنقاط التالية:
أولا: تصدير الكتاب بتمهيد أوجزت فيه الخطوط العريضة للمنهج.
ثانيا: قدمت لبدايات التأليف والتدوين عند العرب، وأثر الإسلام فى تقدم العلوم واستحداث علوم جديدة تفرعت عن الإسلاميات، وأثر حركة الترجمة واختلاط العرب بأهل البلاد المفتوحة.
ثالثا: نشوء فن التراجم والطبقات وأهمية الدور الذي تؤديه وأشهر المصنفات في هذا المجال وصولا إلى مخطوطتنا هذه وأهميتها.
رابعا: عرّفت بالمؤلف عن طريق التعريف بأسرته، ومكانته الاجتماعية. حياته والأعمال التي زاولها، نشاطه الفكري وآثاره العلمية.
خامسا: ترجمت للاعلام المذكورين في الكتاب، مع الأسماء العارضة وضبطت هذه الأسماء بالشكل.
سادسا: أشرت بقدر الإمكان إلى الكتب المطبوعة ورمزت لذلك بحرف-ط -وهنا أنبه لأمر وهو أنني عندما أقول: ترجم له (أي للعلم المترجم) سركيس فهذا يعني الإحالة عليه لمعرفة كتبه المطبوعة.
سابعا: ترجمت لبعض المؤلفين المجهولين لدى المؤلف. وكثيرا ما ذكر كتابا معينا ولم يذكر مؤلفه.
ثامنا: قمت بتصويب الأخطاء وهي قليلة والحق يقال، والحاق السقط من المراجع المتوفرة لدي، اضافة إلى الشرح اللغوي للكلمات الغامضة.
تاسعا: التعريف بالكتب العارضة، وخاصة عندما تكون الكتب التي ذكرها المؤلف مشروحا عليها.
عاشرا: قمت بتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وضبطها بالشكل الكامل، ونظمت فهارس للأشعار والمدن والاعلام، وفهرسا خاصا للمراجع والمصادر. وفهرسا عاما.
المشاكل التي واجهتني في عملي:
стр. 30
لا بد من مواجهة بعض الصعوبات عند التصدي لأي عمل فكري تأليفا كان أو دراسة أو تحقيقا، وإن أصعب ما يواجه المحقق لمخطوطة ما، التصحيف ورداءة الخط، وتعدد النسخ والنسّاخ وقدم العهد وما يمكن أن يطرأ على الورق من اهتراء أو طمس للكلمات وليس في مخطوطتنا هذه أي شيء من ذلك، فهي واضحة كل الوضوح، وكتابتها بأجمل ما يكون من الخطوط، وهي نسخة وحيدة بخط المؤلف ولما يمض على كتابتها زمن، ومع ذلك فقد عانيت في مواجهتها من أمرين اثنين: الأول: لقيت عناء شديدا في الترجمة لبعض الرجال الذين ذكرهم المؤلف باللقب حينا وبالكنية حينا آخر وبذكر الكتاب مع الجهل بمؤلفه وقد أشرت إلى ذلك عند وصفي للمخطوطة، فاضطررت أن أترجم للعلم بالاحتمال فأقول: لعله فلان أو أحسبه فلانا إلا إذا كنت واثقا من شخصه فأجزم بذلك والثاني عانيت بعض الشيء في تخريج بعض الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في المقدمة والتي لم ترد في كتب الصحاح السّتّة.
ولكن هذه المعاناة كانت تتلاشى وتحل محلها سعادة لا توصف وأنا أشعر بلذة الانتصار وقد اكتشفت ما أغلق على المؤلف، وقمت بإغناء الكتاب ولو بشيء قليل.
وها أنا ذا أزفه إلى المكتبة العربية لوحة جديدة تشرق منها معالم حضارتنا الفكرية، مع كونه لم يضف الكثير إلى الصرح الشاهق الذي به نفخر ونعتز، وأرجو أن أقدم به خدمة لدراساتنا التراثية، آملا من الله القبول ومن أساتذتي الكرام النصيحة، وعملا بالأثر المنسوب إلى الفاروق عمر ﵁ «رحم الله امرءا أهدى الي عيوبي».
وعلى الله أتوكل وهو حسبي ونعم الوكيل.
سليم يوسف
مصادر الترجمة
١ - سركيس، معجم المطبوعات العربية والمعربة،٢/ ١٣٤١.
٢ - م حمد أديب آل تقي الدين الحصني، منتخبات التواريخ لدمشق،٢ - ٨٤٨.
٣ - محمد كرد علي، خطط الشام،٤/ ٧٠.
٤ - محمد جميل الشطي، أعيان دمشق، ص ٣٤٦.
٥ - خير الدين الزركلي، الاعلام،٢/ ١٣٨ - ١٣٩.
٦ - أدهم آل جندي، اعلام الأدب والفن،٢/ ١٢٤.
٧ - عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين،٣/ ١٦١.
٨ - فهرست مخطوطات دار الكتب الظاهرية،١/ ٣٠٥ آداب.
٩ - بسام عبد الوهاب الجابي، معجم الاعلام، ص ١٧٣.
стр. 31
الصفحة الأولى من المخطوطة ب
стр. 32
الصحفة الأخيرة من المخطوطة ج
стр. 33
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه أستعين
الحمد لله الذي كشف للعارفين عن حقائق السر المصون في كتابه المكنون، الذي لا يمسّه إلاّ المطهرون؛ واحتجب بكماله (١) وجلاله وجماله عن الأبصار والأوهام والظنون، أحمده على توفيقه (٢) الى فضيلة حمده، وأشكره إلهام الشكر لجميل صنعه نعمة منه على عبده، وأشهد أن لا إله إلا هو الذي أنزل الكتاب، أنزله بعلمه شفاء ورحمة، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين عامّة وخاصة لهذه الأمة، صلّى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه الذين هدى الله الأمة بدلالتهم وسلّم، وأسألك اللهم يا من يجيب المضطرّ، ويكشف عمّن دعاه الضرّ أن تعود بعوائدك الحسنى على ذلّي، وأن تسع برحمتك زللي، كما وسعت بعلمك جهلي، واطو بفضلك على الإيمان الكامل كتاب أجلى، وبيّض وجهي يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه بمحو سواد صحف عملي، واحشرني فيمن تعتقه من النار رحمتك وارأف بي حين لا يسعني إلا عفوك ورأفتك! أما بعد.
فهذا كتاب جعلته ذيلا لكتاب «كشف الظنون» الذي ألّفه الوزير العلاّمة الحجة منلا كاتب جلبي تغمّده الله برحمته، وأسكنه بحبوحة جنته (٣) جمعت فيه أسماء الكتب والرسائل التي اطلعت عليها، والتي وقفت على أسمائها في تراجم أصحابها وفي فهارس المكاتب (٤) العمومية، والمصنفات التي ذكرها المصنفون في أثناء العبارات (٥) ناقلين عنها مما لم يذكره (٦) كاتب جلبي وخلا عنه سفره، وقد أضفت إلى ذلك ما وقفت عليه، وبلغني من أسماء الكتب التي صنّفت بعد عصره إلى يومنا هذا في اللغات الشرقية.
وحذوت حذو صاحب الكشف في ترتيبه، وتبعته في تفصيله وتبويبه، ونبّهت على [ذلك] (٧) وذكرت نبذة (٨) من أول كل كتاب وقفت عليه تعيينا للمجهولات، ودفعا للشبهات،
стр. 34
وأشرت إلى ما طبع منه وذلك ليطلبه راغبه. وما كان موجودا في أحد المكاتب (١) العمومية نبّهت عليه ليدركه طالبه.
وسمّيته بعد أن أتممته (اللؤلؤ المكنون. والسر المصون، على كشف الظنون) (٢).
والله أسأل التثبيت على الهدى والصواب بمحو الشك والارتياب. ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب﴾ (٣).
стр. 35
مقدمة
في تعريف العلم وما يتعلق به على اختلاف المذايب (١) فيه.
العلم: قيل: هو ضروري مستغن عن التحديد من حيث أن كل أحد يعرف وجود نفسه ضرورة (٢) وهو اختيار الإمام الرازي (٣). وقيل: «نظري يفتقر إلى تحديد» وهو اختيار امام الحرمين (٤) والغزالي (٥) ثم اختلفوا في تعريفه، فعرّفه الأشعري (٦) بأنه ما يوجب كون من قام به عالما (٧).
قال البردعي (٨): «وهذا يتناول الظن والتقليد والجهل المركب والشك والوهم».
.
стр. 36
قال المصنف: في شرح «المقاصد» (١) بأنه صفة ينجلي بها المذكور لمن قامت هي به» أي يتضح ويظهر، ويمكن أن يعبّر عنه موجودا كان أو معدوما، فيشمل ادراك الحواس والعقل من التصورات والتصديقات اليقينية وغير اليقينية. وهذا الحد منقول عن أبي منصور الماتريدي (٢) وعدل عن الشيء إلى المذكور ليعم الموجود والمعدوم. فيردّ عليه أن كم من معلوم يحصل بالعكس ولا يحتاج إلى الذكر فلا يكون جامعا.
والقاضي أبو يعلى (٣) والباقلاني (٤) «بأنه معرفة المعلوم على ما هو به» وعرّفه بعض المعتز له (٥) «بأنه اعتقاد الشيء على ما هو به» (٦) فيشمل التقليد المطابق. وعرّفه ابن فورك (٧) «بأنه ما يصح ممن قام به إتقان الفعل» (٨). والإمام الرازي بعد تنزّله عن كونه ضروريا عرّفه «بأنه اعتقاد
стр. 37
جازم مطابق لموجبه» (١).
وعرّفه الحكماء (٢) «بأنه حصول صورة الشيء في العقل، والأولى في العقل ليشمل العلم الجزئيات المادية عند من يقول بارتسام صورها في القوى والآلات دون النفس» (٣).
وهذا بناء على أنه من مقولة الإضافة. وعرّفه بعضهم «بأنه قبول النفس الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل بناء على أنه من مقولة الكيف.
قيل هذا هو المذهب المنصور لأن المتبادر من صورة الشيء الصورة المطابقة أي الموافقة للواقع، لأن الصورة توصف بالمطابقة كالعلم فلا يشمل الجهليات المركّبة. والإضافة والانفعال لا يوصفان بالمطابقة لامتناع وجودهما في الخارج. وعرّفه بعض الأصوليين (٤) بأنه صفة توجب تمييزا بين المعاني لا يحتمل النقيض، وهذا وإن كان شاملا للتصديقات اليقينيّة والتصورات بناء على أنها لا نقائض لها، لكنه لا يشمل إدراك الحواس، وغير اليقينيات من التصديقات فلا يكون جامعا.
وقال ابن الحاجب (٥): هو أوضح الحدود صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض. وهذا أيضا كالمتقدم فإنه وإن شمل ادراك الحواس بناء على عدم التقييد بالمعاني لكنه لا يشمل غير اليقينيات.
وقال بعض الكلاميين (٦): بأنه الإدراكات-وهي ظاهرة: كإحساس المشاعر الخمس:
стр. 38
اللمس والسمع والبصر والشم والذوق.
وباطنة: كالتعقّل والتوهّم والتخيّل. فيكون كل من الإحساس والتخيّل والتعقل والتوهم علما، فالإحساس: إدراك الشيء مكتنفا بالعوارض الغريبة واللواحق المادية التي تلحق بالشيء بسبب المادة في الوجود الخارجي من الكم والكيف والأين الى غير ذلك مع حضور المادة ونسبة خاصة بينها وبين المدرك.
والتخيّل: إدراكه مكتنفا بالعوارض الغريبة واللواحق المادية ولكن يشترط حضور المادة ونسبتها الخاصة.
والتوهم: ادراك المعنى الجزئي المتعلق بالمحسوس.
والتعقّل: إدراكه مجردا عن الغواشي (١) الغريبة واللواحق المادية التي لا تلزم ماهيته لزوما ناشئا عن الماهيّة (٢).
والإدراك (٣): تمثّل حقيقة الشيء عند المدرك يشاهدها ما به يدرك وهذا تعريف للإدراك بحسب اللفظ ولذلك لم يتحاش فيه عن إيراد المدرك ولم يلزم من أخذ المشتق في تعريف المشتق منه هاهنا التعريف بالأخفى لأن تعيين مدلول الإدراك يكون بأمر مختص به غير شامل لسائر الصفات النفسانية، وهو تمثّل الحقيقة على وجه المشاهدة ولم يكن تعيين الإدراك بذكر المدرك فلا يلزم التعريف بالأخفى وهو ينقسم إلى:
إدراك بغير آله: بأن يكون المدرك بذاته يدرك كما في علم النفس بالكليات.
وإلى إدراك بإلة: كما في علمها بالمحسوسات. وللتنبيه على القسمين ذكر قوله: يشاهدها ما به يدرك، فإن كان يدرك بغير آله فما يدرك به هو الذات المدرك فيشاهدها الذات، فإن كان يدرك بآلة فما يدرك به هو آلة فيشاهدها الآلة. والمراد بالمشاهدة: الحضور فيندفع ما قبل المشاهدة نوع من الإدراك فيكون أخصّ منه فيكون التعريف بالأخفى. وكذا ما قيل: أنه يلزم أن تكون الآلة هي المدركة أيضا-فإن قيل؛ الحضور عندما به يدرك غير كاف في الإدراك
стр. 39
فإن الحاضر عند الحسّ الذي لا تلتفت اليه النفس لا يكون مدركا، أجيب بأن الادراك ليس حضور الشيء عند الآلة فقط بل حضوره عند المدرك لحضوره عن الآلة بأن كان ما به يدرك الآلة بأن يكون حاضرا مرتين.
احداهما: عند المدرك، والأخرى عند آلته.
فالنفس هو المدرك ولكن بواسطة الحضور عند الآلة ان كان ما به يدرك الآلة والحضور عند المدرك علم من قوله: هو أن يكون حقيقة متمثلة عند المدرك، والحضور عند الآلة علم من قوله: يشاهدها ما به يدرك والشيء المدرك أما نفس المدرك كعلمنا بذاتنا أو غيره، وهو إما غير خارج عنه كعلمنا بوجودنا أو خارج عنه، وهو إما مادي كالأجسام، أو غير مادي كالعقول والنفوس المجرّدة فهذه أقسام أربعة. الأولان منها: ادراكهما بحصول نفس الحقيقة عند المدرك الأول: بدون الحلول، والثاني: بالحلول. والأخيران لا يكون ادراكهما بحصول نفس الحقيقة الخارجية بل بحصول مثال الحقيقة، سواء كان الإدراك مستفادا من الأمور الخارجية ويسمى هذا بالعلم الانفعالي وهو المستفاد من الوجود الخارجي كما توجد أمرا مثل الأرض والسماء ثم تصوّره. أو الخارجية مستفادة من الإدراك، ويسمّى هذا بالعلم الفعلي، وهو أن يكون سببا للوجود الخارجي كما تتصور مثل السرير مثلا ثم توجده، فالفعلي ثابت قبل الكثرة، والانفعالي بعدها. أي العلم الفعلي كلّي تتفرع عليه الكثرة وهي افراده الخارجية التي استفيد هو منها.
والثالث: ادراكه بحصول صورة منتزعة من المادة مجرّدة عنها. والرابع: لم يفتقر إلى انتزاع من المادة ضرورة كونه غير مادي. فقوله: تمثل حقيقة الشيء عند المدرك متناول للجميع، يقال:
تمثّل كذا عند كذا إذا حضر منتصبا عنده بنفسه أو بمثاله. فالانتصاب بنفسه يتناول الأوّلين، وبمثاله يتناول الأخيرين. وقوله عنده أعم من أن يكون بالحلول فيه أو في آلته، أو بدون الحلول. فإن الحضور عند المدرك يشملها وبالمعنى الأخير قسمه الشيخ الرئيس (١) في الإشارات إلى تصوّر ساذج أي مجرّد من التصديق، وإلى تصوّر مع التصديق ان كان اذعانا، أي إدراكا على
стр. 40
وجه القبول والاعتقاد الجازم. واحترز به عن التخيّل والشك والوهم فإن كلا منهما وإن كان إدراكا للنسبة لكنها خالية عن الحكم لأنها ليست على وجه الإذعان والاعتقاد بل على سبيل التخيّل والتجوّز، فهي من التصورات للنسبة التامة الخبرية المسماة بالنسبة الحكمية التي تتصور بين الموضوع والمحمول إيجابية كانت كالاعتقاد: بأن زيدا قائم، أو سلبية كالاعتقاد: بأن زيدا ليس بقائم. فتصديق وإدراك النسبة على الوجه المذكور هو الحكم، وهو إسناد أمر إلى آخر ايجابا أو سلبا، وبعبارة أخرى هو إيقاع النسبة الحكمية أو انتزاعها، ويقال للإيقاع: إيجاب وإثبات. وللانتزاع: سلب ونفي. والنسبة الحكمية هي ثبوت شئ لشيء كثبوت القيام لزيد في قولنا: زيد قائم. أو ثبوت شيء مع شيء على وجه الاستصحاب كثبوت النهار مع طلوع الشمس في قولنا: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود. أو ثبوت مباينة شيء لشيء على وجه الانفصال، كانفصال هذا العدد زوج عن قولنا هذا العدد فرد في قولنا: إما أن يكون هذا العدد فردا أو زوجا، ولذلك يسمى بالنسبة الثبوتية.
والإيجابية وهي مفهوم تصوّري وإلاّ أي وإن لم يكن إذعانا للنسبة، سواء كان إدراكا لأمر واحد كتصوّر الإنسان، أو أمور متعددة بلا نسبة، كتصوّر أطراف القضية. أو مع نسبة غير تامة نحو: تصوّر غلام زيد، والحيوان الناطق. أو تامة غير قابلة لتعلق الإذعان كالنسبة الإنشائية نحو: تصوّر أضرب أو قابلة إياه لكن لم يحصل الإذعان بها كما في التخيّل والشك والوهم كما مرّ فتصوّر.
فالتصوّر: ادراك الماهية من غير أن يحكم عليها بنفي أو إثبات.
والتصديق: هو أن يحكم عليها بأحدهما. وقد اختلف العلماء فيه من وجهين الأول: في شرائطه. قال المتقدمون: يشترط في وجود التصديق تصوّران تصوّر الموضوع، وتصوّر المحمول.
والتصديق: هو إدراك النسبة التامة التي بينهما، وهي ربط أحدهما بالآخر على وجه الإذعان والتسليم. وقال المتأخرون: يشترط في وجوده ثلاثة تصورات: المذكوران، وتصور النسبة التي بينهما. والتصديق هو إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة. قلت: وهذه من تدقيقاتهم الدقيقة فإن في صورة الشك قد تصوّر النسبة بدون الحكم، إذ ما لم يتصور النسبة، لا يحصل الشك، فإن المتشكك في النسبة الحكمية متردّد بين وقوعها وبين لا وقوعها فقد حصل له ادراك النسبة قطعا، ولم يحصل له الإدراك المسمى بالحكم وعند ارتفاع الشك ينضم إلى الإدراكات الحاصلة إدراك آخر كما يشهد به الوجدان، لا أنه يزول إدراك ويحصل إدراك آخر بدله.