← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12380

علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع ط المدني

عبد الوهاب خلاف

Полный текст (254 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومن أمثلة النوع الثاني: نهى الشارع عن بيع المعدوم والتعاقد على المعدوم، ورخص استحسانا في السلم والإجارة والمزارعة، والمساقاة والاستصناع وهي كلها عقود؛ المعقود عليه فيها معدوم وقت التعاقد، ووجه الاستحسان حاجة الناس وتعارفهم. ونص الفقهاء على أن الأمين يضمن بموته مجهلا؛ لأن التجهيل نوع من التعدي. واستثنى استحسانا موت الأب أو الجد أو الوصي مجهلًا، ووجه الاستحسان أن الأب والجد والوصي لكل منهم أن ينفق على الصغير ويصرف ما يحتاج إليه فلعل ما جهله كان قد صرفه في وجهه. ونصوا على أن الأمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير في الحفظ، واستثنى استحسانًا الأجير المشترك، فإن يضمن إلا إذا كان هلاك ما عنده بقوة قاهرة، ووجه الاستحسان تأمين المستأجرين، ونصوا على أن المحجور عليه للسفه لا تصح تبرعاته، واستثنى استحسانا وقفه على نفسه مدة حياته، ووجه الاستحسان أن وقفه على نفسه فيه تأمين عقاراته من الضياع، وهذا يتفق والغرض من الحجر عليه. ففي كل مثال من هذه الأمثلة استثنيت جزئية من حكم كلي بدليل، وهذا هو الذي يسمى اصطلاحًا الاستحسان. ٣- حجيته: من تعريف الاستحسان وبيان نوعه يتبين أنه في الحقيقة ليس مصدرًا تشريعيا مستقلا؛ لأن أحكام النوع الأول من نوعية دليلها هو القياس الخفي الذي ترجح على القياس الجلي، بما اطمأن له قلب المجتهد من المرجحات، وهو وجه الاستحسان، وأحكام النوع الثاني من نوعه دليلها هو المصلحة التي اقتضت استثناء الجزئية من الحكم الكلي، وهي التي يعبر عنها بوجه الاستحسان. فمن احتجوا بالاستحسان وهم أكثر الحنفية ودليلهم على حجيته: أن الاستدلال بالاستحسان إنما هو استدلال بقياس خفي، ترجح على قياس جلي، أو هو ترجيح قياس على قياس يعارضه، بدليل يقتضي هذا الترجيح، أو استدلال بالمصلحة المرسلة على استثناء جزئي من حكم كلي، وكل هذا استدلال صحيح.

стр. 72

٤- شبه من لا يحتجون به: أنكر فريق من المجتهدين الاستحسان واعتبروه استنباطا للأحكام الشرعية بالهوى والتلذذ، وعلى رأس هذا الفريق الإمام الشافعي فقد نقل عنه أنه قال: "من استحسن فقد شرع"، أي ابتدأ من عنده شرعا، وقرر في رسالته الأصولية أن "مثل من استحسن حكما مثل من اتجه في الصلاة إلى جهة استحسن أنها الكعبة، من غير أن يقوم له دليل من الأدلة التي أقامها الشارع لتعيين الاتجاه إلى الكعبة" وقرر فيها أيضا أن "الاستحسان تلذذ، ولو جاز الأخذ بالاستحسان في الدين جاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم، ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب، وأن يخرج كل أحد لنفسه شرعًا". والظاهر لي أن الفريقين المختلفين في الاستحسان لم يتفقا في تحديد معناه. المحتجون به يريدون منه معنى غير الذي يريده من لا يحتجون به، ولو اتفقوا على تحديد معناه ما اختلفوا في الاحتجاج به؛ لأن الاستحسان هو عند التحقيق عدول عن دليل ظاهر أو عن حكم كلي لدليل اقتضى هذا العدول، وليس مجرد تشريع بالهوى، وكل قاض قد تنقدح في عقله في كثير من الوقائع مصلحة حقيقية، تقتضي العدول في هذه الجزئية عما يقضي به ظاهر القانون، وما هذا إلا نوع من الاستحسان. ولهذا قال الإمام الشاطبي في الموافقات: "من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه، وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشباه المعروضة، كالمسائل التي يقتضي فيها القياس أمرا إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلى تفويت مصلحة من جهة، أو جلب مفسدة كذلك".

стр. 73

الدليل السادس: المصلحة المرسلة ١- تعريفها. ٢- أدلة من يحتجون بها. ٣- شروط الاحتجاج بها. ٤- أظهر شبه من لا يحتجون بها. ١- تعريفها: المصلحة المرسلة أي المطلقة، في اصطلاح الأصوليين: المصلحة التي لم يشرع الشارع حكما لتحقيقها، ولم يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها، وسميت مطلقة؛ لأنها لم تقيد بدليل اعتبار أو دليل إلغاء، ومثالها المصلحة التي شرع لأجلها الصحابة اتخاذ السجون، أو ضرب النقود، أو إبقاء الأرض الزراعية التي فتحوها في أيدي أهليها ووضع الخراج عليها، أو غير هذا من المصالح التي اقتضتها الضرورات، أو الحاجات أو التحسينات ولم تشرع أحكام لها، ولم يشهد شاهد شرعي باعتبارها أو إلغائها. وتوضيح هذا التعريف أن تشريع الأحكام ما قصد به إلا تحقيق مصالح الناس، أي جلب نفع لهم أو دفع ضرر أو رفع حرج عنهم، وإن مصالح الناس لا تنحصر جزئياتها، ولا تتناهى أفرادها وأنها تتجدد بتجدد أحوال الناس، وتتطور باختلاف البيئات، وتشريع الحكم قد يجلب نفعا في زمن وضررا في آخر، وفي الزمن الواحد قد يجلب الحكم نفعا في بيئة ويجلب ضررا في بيئة أخرى. فالمصالح التي شرع الشارع أحكاما لتحقيقها، ودل على اعتبارها عللا لما شرعه، تيسمى في اصطلاح الأصوليين: المصالح المعتبرة من الشارع، مثل حفظ حياة الناس، شرع الشارع له إيجاب القصاص من القاتل العامد، وحفظ ما لهم الذي شرع له حد السارق والسارقة. وحفظ عرضهم الذي شرع له حد القاذف والزاني والزانية، فكل من القتل العمد، والسرقة، والقذف، والزنا، وصف مناسب، أي أن تشريع الحكم بناء عليه يحقق مصلحة، وهو معتبر من الشارع؛ لأن الشارع بنى الحكم عليه، وهذا المناسب المعتبر من الشارع إما مناسب مؤثر، وإما مناسب ملائم، على حسب نوع اعتبار الشارع له، ولا خلاف في التشريع بناء عليه كما قدمنا.

стр. 74

وأما المصالح التي اقتضتها البيئات والطوارئ بعد انقطاع الوحي، ولم يشرع الشارع أحكاما لتحقيقها، ولم يقم دليل منه على اعتبارها أو إلغائا، فهذه تسمى المناسب المرسل أو بعبارة أخرى المصلحة المرسلة، مثل المصلحة التي اقتضت أن الزواج الذي لا يثبت بوثيقة رسمية لا تسمع الدعوى به عند الإنكار، ومثل المصلحة التي اقتضت أن عقد البيع الذي لا يسجل لا ينقل الملكية، فهذه كلها مصالح لم يشرع الشارع أحكاما لها، ولم يدل دليل منه على اعتبارها أو إلغائها، فهي مصالح مرسلة. ٢- أدلة من يحتجون بها: ذهب جمهور علماء المسلمين إلى أن المصلحة المرسلة حجة شرعية يبنى عليها تشريع الأحكام، وأن الواقعة التي لا حكم فيها بنص أو إجماع، وقياس أو استحسان، يشرع فيها الحكم الذي تقتضيه المصلحة المطلقة، ولا يتوقف تشريع الحكم بناء على هذه المصلحة على وجود شاهد من الشرع باعتبارها. ودليلهم على هذا أمران: أولهما: أن مصالح الناس تتجدد ولا تتناهى، فلو لم تشرع الأحكام لما يتجدد من مصالح الناس، ولما يقتضيه تطورهم، واقتصر التشريع على المصالح التي اعتبرها الشارع فقط، لعطلت كثير من مصالح الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة، ووقف التشريع عن مسايرة تطورات الناس ومصالحهم، وهذا لا يتفق وما قصد بالتشريع من تحقيق مصالح الناس. وثانيهما: أن من استقرأ تشريع الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين؛ يتبين أنهم شرعوا أحكاما كثيرة لتحقيق مطلق المصلحة، لا لقيام شاهد باعتبارها. فأبو بكر جمع الصحف المفرقة التي كانت مدونا فيها القرآن، وحارب مانعي الزكاة، واستخلف عمر بن الخطاب، وعمر أمضى الطلاق ثلاثًا بكلمة واحدة، ومنع سهم المؤلفة قلوبهم من الصدقات، ووضع الخراج ودون الدواوين، واتخذ السجون، ووقف تنفيذ حد السرقة في عام المجاعة، وعثمان جمع المسلمين على مصحف واحد ونشره وحرق ما عداه، وورث زوجة من طلق زوجته للفرار من إرثها، وعلى حرق الغلاة من الشيعة الروافض، والحنفية حجروا على المفتي الماجن والطبيب الجاهل والمكاري المفلس، والمالكية أباحوا حبس المتهم وتعزيره توصلا إلى إقراره، والشافعية أوجبوا القصاص من الجماعة إذا قتلوا الواحد، وجميع هذه

стр. 75

المصالح التي قصدوها بما شرعوه من الأحكام هي مصالح مرسلة، وقد شرعوا بناء عليها؛ لأنه مصلحة؛ ولأنها لا دليل من الشارع على إلغائها، وما وقفوا عن التشريع لمصلحة حتى يشهد شاهد شرعي باعتبارها، ولهذا قال القرافي: "إن الصحبة عملوا أمورا لمطلق المصلحة لا لتقدم شاهد بالاعتبار" وقال ابن عقيل: "السياسة كل فعل تكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي، ومن قال: "لا سياسة إلا بما نطق به الشرع فقد غلط وغلط الصحابة في شريعتهم". ٣- شروط الاحتجاج بها: من يحتجون بالمصلحة المرسلة احتاطوا للاحتجاج بها حتى لا تكون بابا للتشريع بالهوى والتشهي، ولهذا اشترطوا في المصلحة المرسلة التي يبني عليها التشريع شروطا ثلاثة: أولها: أن تكون مصلحة حقيقية وليست مصلحة وهمية، والمراد بهذا أن يتحقق من أن تشريع الحكم في الواقعة يجلب نفعا أو يدفع ضررًا، وأما مجرد توهم أن التشريع يجلب نفعًا، من غير موازنة بين ما يجلبه من ضرر، فهذا بناء على مصلحة وهمية. ومثال هذه المصلحة التي تتوهم في سلب الزوج حق تطليق زوجته، وجعل حق التطليق للقاضي فقط في جميع الحالات. ثانيها: أن تكون مصلحة عامة وليست مصلحة شخصية. والمراد بهذا أن يتحقق من أن تشريع الحكم في الواقعة يجلب نفعا لأكبر عدد من الناس، أو يدفع ضررا عنهم وليس لمصلحة فرد أو أفراد قلائل منهم. فلا يشرع الحكم؛ لأنه يحقق مصلحة خاصة بأمير أو عظيم، بصرف النظر عن جمهور الناس ومصالحهم. فلا بد أن تكون لمنفعة جمهور الناس. ثالثها: أن لا يعارض التشريع لهذه المصلحة حكما، أو مبدأ ثبت بالنص أو الإجماع لا يصح اعتبار المصلحة التي تقتضي مساواة الابن والبنت في الإرث؛ لأن هذه مصلحة ملغاة لمعارضتها نص القرآن، ولهذا كانت فتوى يحيى بن يحيى الليثي المالكي فقيه الأندلس، وتلميذ الإمام مالك بن أنس خاطئة؛ وذلك أن أحد ملوك الأندلس أفطر عمدا في رمضان، فأفتاه الإمام يحيى بأنه لا كفارة لإفطاره إلا أن يصوم شهرين متتابعين، وبنى فتواه على أن المصلحة تقتضي هذا، إذ أن

стр. 76

المقصود من الكفارة زجر المذنب وردعه حتى لا يعود إلى مثل ذنبه، ولا يردع هذا الملك إلا هذا، فأما إعتاقه رقبة فهذا يسير عليه ولا ردع فيه. فهذه الفتوى بنيت على مصلحة ولكنها تعارض نصا؛ لأن النص صريح في أن كفارة من أفطر في رمضان عمدا إعتاق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، بلا تفريق بين ملك يفطر وفقير يفطر، فالمصلحة التي اعتبرها المفتي لإلزام الملك بالتكفير بصيام شهرين خاصة مصلحة ليست مرسلة بل هي ملغاة. ومن هذا يتبين أن المصلحة، وبعبارة أخرى الوصف المناسب إذا دل شاهد شرعي على اعتباره بنوع من أنواع الاعتبار، فهو المناسب المعتبر من الشارع، وهو إما المناسب المؤثر أو المناسب الملائم، وإذا دل شاهد شرعي على إلغاء اعتباره فهو المناسب الملغي، وإذا لم يدل شاهد شرعي على اعتباره، ولا على إلغائه فهو المناسب المرسل، وبعبارة أخرى المصلحة المرسلة. أظهر شبه من لا يحتجون بها: ذهب بعض علماء المسلمين إلى أن المصلحة المرسلة التي لم يشهد شاهد شرعي باعتبارها، ولا بإلغائها لا يبنى عليها تشريع. ودليلهم أمران: الأول: أن الشريعة راعت كل مصالح الناس نصوصها، وبما أرشدت إليه من القياس، والشارع لم يترك النالس سدى، ولم يهمل أية مصلحة من غير إرشاد إلى التشريع لها، فلا مصلحة إلا ولها شاهد من الشارع باعتبارها، والمصلحة التي لا شاهد من الشارع باعتبارها ليست في الحقيقة مصلحة، وما هي إلا مصلحة وهمية ولا يصح بناء التشريع عليها. والثاني: أن التشريع بناء على مطلق المصلحة فيه فتح باب لأهواء ذوي الأهواء، من الولاة والأمراء ورجال الإفتاء، فبعض هؤلاء قد يغلب عليهم الهوى والغرض فيتخيلون المفاسد مصالح، والمصالح أمور تقديرية تختلف باختلاف الآراء والبيئات، ففتح باب التشريع لمطلق المصلحة فتح باب الشر. والظاهر لي: هو ترجيح بناء التشريع على المصلحة المرسلة؛ لأنه إذا لم يفتح

стр. 77

هذا الباب جمد التشريع الإسلامي، ووقف عن مسايرة الأزمان والبيئات. ومن قال: إن كل جزئية من جزئيات مصالح الناس، في أي زمن وفي أي بيئة قد راعاها الشارع، وشرع بنصوصه ومبادئه العامة ما يشهد لها ويلائمها، فقوله: لا يؤيده الواقع؛ فإنه مما لا ريب فيه أن بعض المصالح التي تجد لا يظهر شاهد شرعي على اعتبارها ذاتها. ومن خاف من العبث والظلم واتباع الهوى باسم المصلحة المطلقة،؟؟؟ خوفه بأن المصلحة المطلقة لا يبنى عليها تشريع إلا إذا توافرت فيها الشروط الثلاثة التي بيناها، وهي أن تكون مصلحة عامة حقيقية لا تخالف نصا شرعيا ولا مبدأ شرعيا. قال ابن القيم: "من المسلمين من فرطوا في رعاية المصلحة المرسلة، فجعلوا الشريعة قاصرة، لا تقوم بمصلح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدوا على أنفسهم طرقا صحيحة من طرق الحق والعدل، ومنهم من أفرطوا فسوغوا ما ينافي شرع الله، وأحدثوا شرا طويلا وفسادا عريضا".

стр. 78

الدليل السابع: العرف ١- تعريفه. ٢- أنواعه. ٣- حكمه. ١- تعريفه: العرف: هو ما تعارفه الناس وساروا عليه، من قول، أو فعل، أو ترك ويسمى العادة. وفي لسان الشرعيين: "لا فرق بين العرف والعادة، فالعرف العملي: مثل تعارف الناس البيع بالتعاطي من غير صيغة لفظية، والعرف القولي: مثل تعارفهم إطلاق الولد على الذكر دون الأنثى، وتعارفهم على أن لا يطلقوا لفظ اللحم على السمك. والعرف يتكون من تعارف الناس على اختلاف طبقاتهم عامتهم، وخاصتهم بخلاف الإجماع فإنه يتكون من اتفاق المجتهدين خاصة، ولا دخل للعامة في تكوينه. ٢- أنواعه: العرف نوعان: عرف صحيح وعرف فاسد: فالعرف الصحيح هو ما تعارفه الناس، ولا يخالف دليلا شرعيا ولا يحل محرما ولا يبطل واجبا، كتعارف الناس عقد الاستصناع، وتعارفهم تقسيم المهر إلى مقدم ومؤخر، وتعارفهم أن الزوجة لا تزف إلى زوجها إلا إذا قبضت جزءا من مهرها، وتعارفهم أن ما يقدمه الخاطب إلى خطيبته من حلي، وثياب هو هدية لا من المهر. وأما العرف الفاسد فهو ما تعارفه الناس، ولكنه يخالف الشرع أو يحل المحرم أو يبطل الواجب، مثل تعارف الناس كثيرا من المنكرات في الموالد والمآتم، وتعارفهم أكل الربا وعقود المقامرة. ٣- حكمه: ما العرف الصحيح فيجب مراعاته في التشريع وفي القضاء، وعلى المجتهد مراعاته في تشريعه، وعلى القاضي مراعاته في قضائه؛ لأن ما تعارفه الناس وما ساروا عليه صار من حاجاتهم ومتفقا ومصالحهم، فما دام لا يخالف الشرع وجبت مراعاته، والشارع راعى الصحيح من عرف العرب في التشريع، ففرض الدية على العاقلة، وشرط الكفاءة في الزواج، واعتبر العصبية في الولاية والإرث.

стр. 79

ولهذا قال العلماء: العادة شريعة محكمة، والعرف في الشرع له اعتبار، والإمام مالك بنى كثيرا من أحكامه على عمل أهل المدينة، وأبو حنيفة وأصحابه اختلفوا في أحكام بناء على اختلاف أعرافهم، والشافعي لما هبط إلى مصر غير بعض الأحكام التي كان قد ذهب إليها وهو في بغداد، لتغير العرف، ولهذا له مذهبان قديم وجديد، وفي فقه الحنفية أحكام كثيرة مبنية على العرف، منها إذا اختلف المتداعيان ولا بينة لأحدهما فالقول لمن يشهد له العرف، وإذا لم يتفق الزوجان على المقدم والمؤخر من المهر فالحكم هو العرف، ومن حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لا يحنث بناء على العرف، والمنقول يصح وقفه إذا جرى به العرف. والشرط في العقد يكون صحيحا إذا ورد به الشرع أو اقتضاه العقد أو جرى به العرف، وقد ألف العلامة المرحوم ابن عابدين رسالة سماها: "نشر العرف فيما بني من الأحكام على العرف" ومن العبارات المشهورة: "المعروف عرفا كالمشروط شرطا، والثابت بالعرف كالثابت بالنص". وأما العرف الفاسد فلا تجب مراعاته؛ لأن في مراعاته معارضة دليل شرعي أو إبطال حكم شرعي فإذا تعارف الناس عقدا من العقود الفاسدة كقعد ربوي أو عقد فيه غرر وخطر، فلا يكون لهذا العرف أثر في إباحة هذا العقد، ولهذا لا يعتبر في القوانين الوضعية عرف يخالف الدستور أو النظام العام، وإنما ينظر في مثل هذا العقد من جهة أخرى، وهي أن هذا العقد هل يعد من ضرورات الناس أو حاجياتهم، بحيث إذا أبطل يختل نظام حياتهم أو ينالهم حرج أو ضيق أو لا؟ فإن كان من ضرورياتهم أو حاجياتهم يباح؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات، والحاجات تنزل منزلتها في هذا، وإن لم يكن من ضرورياتهم ولا من حاجياتهم يحكم ببطلانه، ولا عبرة لجريان العرف به. والأحكام المبنية على العرف تتغير بتغيره زمانا ومكانا؛ لأن الفرع يتغير بتغير أصله، ولهذا يقول الفقهاء، في مثل هذا الاختلاف: إنه اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان. والعرف عند التحقيق ليس دليلا شرعيا مستقلا، وهو في الغالب من مراعاة المصلحة المرسلة، وهو كما يراعى في تشريع الأحكام يراعى في تفسير النصوص، فيخصص به العام، ويقيد به المطلق. وقد يترك القياس بالعرف ولهذا صح عقد الاستصناع، لجريان العرف به، وإن كان قياسا لا يصح؛ لأنه عقد على معدوم.

стр. 80

الدليل الثامن: الاستصحاب ١- تعريفه. ٢- حجيته. تعريفه: الاستصحاب في اللغة: اعتبار المصاحبة: وفي اصطلاح الأصوليين: هو الحكم على الشيء بالحال التي كان عليها من قبل، حتى يقوم دليل على تغير تلك الحال، أو هو جعل الحكم الذي كان ثابتا في الماضي باقيا في الحال حتى يقوم دليل على تغيره. فإذا سئل المجتهد عن حكم عقد أو تصرف، ولم يجد نصا في القرآن أو السنة ولا دليلا شرعيا على حكمه، حم بإباحة هذا العقد أو التصرف بناء على أن الأصل في الأشياء الإباحة، وهي الحال التي خلق الله عليها ما في الأرض جميعه، فما لم يقم دليل على تغيرها فالشيء على إباحته الأصلية. وإذا سئل المجتهد عن حكم حيوان أو جماد أو نبات، أو أي طعام أو أي شراب أو عمل من الأعمال، ولم يجد دليلا شرعيا على حكمه، حكم بإباحته؛ لأن الإباحة هي الأصل ولم يقم دليل على تغيره. وإنما كان الأصل في الأشياء الإباحة؛ لأن الله سبحانه قال في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ وصرح في عدة آيات بأنه سخر للناس ما في السماوات وما في الأرض، ولا يكون ما في الأرض مخلوقا للناس ومسخرا لهم إلا إذا كان مباحا لهم؛ لأنه لو كان محظورًا عليهم ما كان لهم. ٢- حجيته: الاستصحاب آخر دليل شرعي يلجأ إليه المجتهد لمعرفة ما عرض له. ولهذا قال الأصوليون: إنه آخر مدار الفتوى هو الحكم على الشيء بما كان ثابتًا له ما دام لم يقم دليل يغيره، وهذا طريق في الاستدلال قد فطر عليه الناس، وساروا عليه ف جميع تصرفاتهم، وأحكامهم. فمن عرف إنسانا حيا حكم بحياته وبنى تصرفاته على هذه الحياة، حتى يقوم الدليل على وفاته، ومن عرف فلانة زوجة فلان شهد بالزوجية ما دام لم يقم له دليل على انتهائها، وهكذا كل من علم وجود أمر حكم

стр. 81

بوجوده حتى يقوم الدليل على عدمه، ومن علم عدم أمر حكم بعدمه حتى يقوم الدليل على وجوده. وقد درج على هذا القضاء، فالملك الثابت لأي إنسان بسبب من أسباب الملك يعتبر قائما حتى يثبت ما يزيله، والحل الثابت للزوجين بعقد الزواج يعبر قائما حتى يثبت ما يزيله، والذمه المشغولة بدين أو بأي التزام تعتبر مشغولة به حتى يثبت ما يخليها منه، والذمة البريئة من شغلها بدين أو التزام تعتبر بريئة حتى يثبت ما يشغلها، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يغيره. وعلى هذا الاستصحاب بنيت المادة ١٨٠ من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية، ونصها: "تكفي الشهادة بالدين وإن لم يصرح ببقائه في ذمة المدين وكذا الشهادة بالعين" والمادة ١٨١منها ونصها: "تكفي الشهادة بالوصية أو الإيصاء، وإن لم يصرح بإصرار الموصي إلى وقت الوفاة". وعلى الاستصحاب بنيت المبادئ الشرعية الآتية: الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يغيره -الأصل في الأشياء الإباحة- ما ثبت باليقين لا يزول بالشك، الأصل في الإنسان البراءة. والحق أن عد الاستصحاب نفسه دليلا على الحكم فيه تجوز؛ لأن الدليل في الحقيقة هو الدليل الذي ثبت به الحكم السابق، وما الاستصحاب إلا استبقاء دلالة هذا الدليل على حكمه. وقد قرر علماء الحنفية أن الاستصحاب حجة للدفع لا للإثبات، مرادهم بهذا أنه حجة على بقاء ما كان على ما كان، ودفع ما يخالفه حتى يقوم دلل يثبت هذا الذي يخالفه، وليس حجة لإثبات أمر غير ثابت، ويوضح هذا ما قرروه في المفقود، وهو الغائب الذي لا يدرى مكانه ولا تعلم حياته ولا وفاته، فهذا المفقود يحكم بأنه حي باستصحاب الحال التي عرف بها حتى يقوم دليل على وفاته، وهذا الاستصحاب الذي دل على حياته حجة تدفع بها دعوى وفاته والإرث منه وفسخ إجارته. وطلاق زوجته، ولكنه ليس حجة لإثبات إرثه من غيره؛ لأن حياته الثابتة بالاستصحاب حياة اعتبارية لا حقيقية.

стр. 82

الدليل التاسع: شرع من قبلنا إذا قص القرآن أو السنة الصحيحة حكما من الأحكام الشرعية، التي شرعها الله لمن سبقنا من الأمم، على ألسنة رسلهم ونص على أنها مكتوبة علينا، كما كانت مكتوبة عليهم، فلا خلاف في أنها شرع لنا وقانون واجب اتباعه بتقرير شرعنا لها، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ . وإذا قص القرآن الكريم أو السنة الصحيحة حكما من هذه الأحكام، وقام الدليل الشرعي على نسخه ورفعه عنا، فلا خلاف في أنه ليس شرعا لنا بالدليل الناسخ من شرعنا، مثل ما كان في شريعة موسى من أن العاصي لا يكفر ذنبه إلا أن يقتل نفسه، ومن أن الثوب إذا أصابته نجاسة لا يطهره إلا قطع ما أصيب منه، وغير ذلك من الاحكام التي كانت إصرا حمله الذين من قبلنا ورفعه الله عنا. وموضع الخلاف هو ما قصه علينا الله أو رسوله من أحكام الشرائع السابقة، ولم يرد في شرعنا ما يدل على أنه مكتوب علينا كما كتب عليهم، أو أنه مرفوع عنا ومنسوخ كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ . فقال جمهور الحنفية وبعض المالكية والشافعية: أنه يكون شرعا لنا وعلينا اتباعه وتطبيقه، ما دام قد قص علينا ولم يرد في شرعنا ما ينسخه؛ لأنه من الأحكام الإلهية التي شرعها الله على ألسنة رسله، وقصه علينا ولم يدل الدليل على نسخها، فيجب على المكلفين اتباعها، ولهذا استدل الحنفية على قتل المسلم بالذمي، وقتل الرجل بالمرأة بإطلاق قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ . وقال بعض العلماء: إنه لا يكون شرعا لنا؛ لأن شريعتنا ناسخة للشرائع السابقة، إلا إذا ورد في شرعنا ما يقرره، والحق هو المذهب الأول؛ لأن شريعتنا إنما نسخت من الشرائع السابقة ما يخالفها فقط؛ ولأن قص القرآن علينا حكما شرعيا سابقا بدون نص على نسخه هو تشريع لنا ضمنا؛ لأنه حكم إلهي بلغة الرسول إلينا ولم يدل على رفعه عنا؛ ولأن القرآن مصدق لما بين يديه من التوراة والإنجيل فما لم ينسخ حكما في أحدهما فهو مقرر له.

стр. 83

الدليل العاشر: مذهب الصحابي بعد وفاة الرسول ﷺ تصدى لإفتاء المسلمين والتشريع لهم جماعة من الصحابة، عرفوا بالفقه والعلم وطول ملازمة الرسول وفهم القرآن وأحكامه، وقد صدرت عنهم عدة فتاوى في وقائع مختلفة، وعني بعض الرواة من التابعين وتابعي التابعين بروايتها وتدوينها، حتى إن منهم من كان يدونها مع سنن الرسول، فهل هذه الفتاوى من المصادر التشريعية الملحقة بالنصوص بحيث إن المجتهد يجب عليه أن يرجع إليها قبل أن يلجأ إلى القياس؟ أو هي مجرد آراء إفرادية اجتهادية ليست حجة على المسلمين؟. وخلاصة القول في هذا الموضوع أنه: لا خلاف في أن قول الصحابي فيما لا يدرك بالرأي والعقل يكون حجة على المسلمين؛ لأنه لا بد أن يكون قاله عن سماع من الرسول، كقول عائشة ﵂: لا يمكث الحمل في بطن أمه أكثر من سنتين قدر ما يتحول ظل المغزل. فمثل هذا ليس مجالا للاجتهاد والرأي، فإذا صح فمصدره السماع من الرسول، وهو من السنة، وإن كان في ظاهر الأمر من قول الصحابي. ولا خلاف أيضا في أن قول الصحابي، الذي لم يعرف له مخالف من الصحابة يكون حجة على المسلمين؛ لأن اتفاقهم على حكم في واقعة مع قرب عهدهم بالرسول، وعلمهم بأسرار التشريع واختلافهم في وقائع كثيرة غيرها دليل على استنادهم إلى دليل قاطع، وهذا لما اتفقوا على توريث الجدات السدس كان حكما واجبا اتباعه، ولم يعرف فيه خلاف بين المسلمين. وإنما الخلاف في قول الصحابي الصادر عن رأيه واجتهاده، ولم تتفق عليه كلمة الصحابة. فقال أبو حنيفة ومن وافقوه: إذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسوله، أخذت بقول أصحابه من شئت وأدع قول من شئت، ثم لا أخرج عن قولهم إلى غيره. فالإمام أبو حنيفة لا يرى رأي واحد معين منهم حجة، فله أن يأخذ برأي من شاء منهم، ولكنه لا يسوغ مخالفة آرائهم جميعا. فهو لا يسوغ القياس في الواقعة ما دام للصحابة فيها فتوى، بل يأخذ فيها بأي قول من

стр. 84

أقوالهم. ولعل من وجهته أن اختلاف الصحابة في حكم الواقعة إلى قولين إجماع منهم على أنه لا ثالث، واختلافهم إلى ثلاثة أقوال إجماع منهم على أنه لا رابع، فالخروج عن أقوالهم جميعًا خروج عن إجماعهم. وظاهر كلام الإمام الشافعي أنه لا يرى رأي أحد معين منهم حجة، ويسوغ مخالفة آرائهم جميعا، والاجتهاد في استنباط رأي آخر؛ لأنها مجموعة آراء اجتهادية فردية لغير معصومين، وكما جاز للصحابي أن يخالف الصحابي يجوز لمن بعدهما من المجتهدين أن يخالفهما، ولهذا قال الشافعي: "لا يجوز الحكم أو الإفتاء إلا من جهة خبر لازم، وذلك الكتاب أو السنة، أو ما قاله أهل العلم لا يختلفون فيه، أو قياس على بعض هذا".

стр. 85

القسم الثاني: في الأحكام الشرعية ١- الحاكم: ١- من هو؟ ٢- بم يعرف حكمه؟ لا خلاف بين علماء المسلمين، في أن مصدر الأحكام الشرعية لجميع أفعال المكلفين هو الله سبحانه، سواء أظهر حكمه في فعل المكلف مباشرة من النصوص التي أوحى بها إلى رسوله، أم اهتدى المجتهدون إلى حكمه في فعل المكلف، بواسطة الدلائل، والأمارات التي شرعها لاستنباط أحكامه، ولهذا اتفقت كلمتهم على تعريف الحكم الشرعي بأنه: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين طلبا أو تخييرا أو وضعا. واشتهر من أصولهم "لا حكم إلا لله"، وهذا مصداق قوله سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ . وإنما اختلف علماء المسلمين في أن أحكام الله في أفعال المكلفين، هل يمكن للعقل أن يعرفها بنفسه من غير وساطة رسل الله، وكتبه بحيث إن من لم تبلغه دعوة رسول يستطيع أن يعرف حكم الله في أفعاله بعقله أم لا يمكن للعقل أن يعرف حكم الله في أفعال المكلفين بنفسه من غير وساطة رسل الله وكتبه؟ فلا خلاف في أن الحاكم هو الله، وإنما الخلاف فيما يعرف به حكم الله. ولعلماء المسلمين في هذا الخلاف مذاهب ثلاثة: ١- مذهب الأشاعرة: أتباع أبي الحسن الأشعري، وهو أنه: لا يمكن للعقل أن يعرف حكم الله في أفعال المكلفين إلا بواسطة رسله وكتبه؛ لأن العقول تختلف اختلافا بينا في الأفعال، فبعض العقول يستحسن بعض الأفعال، وبعضها يستقبحها، بل عقل الشخص الواحد يختلف في الفعل الواحد، وكثيرا ما يغلب الهوى على العقل فكون التحسين أو التقبيح بناء على الهوى، فعلى هذا لا يمكن أن يقال: ما رآه العقل حسنا فهو حسن عند الله ومطلوب لله فاعله، ويثاب عليه من الله فاعله، وما رآه العقل قبيحا فهو قبيح عند الله ومطلوب لله تركه، ويعاقب من الله فاعله. وأساس هذا المذهب؛ أن الحسن من أفعال المكلفين هو ما دل الشارع على أنه حسن بإباحته، أو طلب فعله، والقبيح هو ما دل الشارع على أنه قبيح بطلبه

стр. 86

تركه، وليس الحسن ما رآه العقل حسنا ولا القبيح ما رآه العقل قبيحًا. فمقياس الحسن والقبح في هذا المذهب هو الشرع لا العقل، وهذا يتفق وما ذهب إليه بعض علماء الأخلاق من أن مقياس الخير والشر هو القانون، فما أوجبه القانون أو أباحه فهو خير، وما حظره فهو شر. وعلى هذا المذهب لا يكون الإنسان مكلفًا من الله بفعل شيء، أو ترك شيء إلا إذا بلغته دعوة الرسول، وما شرعه الله. ولا يثاب أحد على فعل شيء ولا يعاقب على ترك أو فعل، إلا إذا علم من طريق رسل الله ما يجب عليه فعله وما يجب عليه تركه، فمن عاش في عزلة تامة بحيث لم تبلغه دعوة رسول، ولا شرعه فهو غير مكلف من الله بشيء ولا يستحق ثوابًا وعقابًا. وأهل الفترة -وهم من عاشوا بعد موت رسول الله وقبل مبعث رسول- غير مكلفين بشيء ولا يستحقون ثوابا ولا عقابا. ويؤيد المذهب قوله سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ . ٢- مذهب المعتزلة: أتباع واصل بن عطاء وهو أنه يمكن أن يعرف حكم الله في أفعال المكلفين بنفسه من غير وساطة رسله وكتبه؛ لأن كل فعل من أفعال المكلفين فيه صفات وما يترتب عليه من نفع أو ضرر أن يحكم بأنه حسن أو قبيح، وحكم الله سبحانه على الأفعال هو على حسب ما تدركه العقول من نفعها أو ضرها، فهو سبحانه يطالب المكلفين بفعل ما فيه نفعهم حسب إدراك عقولهم؛ وبترك ما فيه ضررهم حسب إدراك عقولهم، فما رآه العقل حسنا فهو مطلوب لله ويثاب من الله فاعله، وما رآه العقل قبيحا فهو مطلوب لله تركه ويعاقب من الله فاعله. وأساس هذا المذهب أن الحسن من الأفعال ما رآه العقل حسنا لما فيه من نفع، والقبيح من الأفعال ما رآه العقل قبيحا لما فيه من الضرر، وأن أحكام الله في أفعال المكلفين هي على وفق ماتدركه عقولهم فيها من حسن أو قبح، وهذا المذهب يتفق، وما ذهب إليه أكثر علماء الأخلاق من أن مقياس الخير والشر هو ما يدرك في الفعل من نفع أو ضرر لأكبر مجموعة من الناس يصل إليهم أثر الفعل. وعلى هذا المذهب فممن لم تبلغهم دعوة الرسل، ولا شرائعهم فهم مكلفون من الله بفعل ما يهديهم عقلهم إلى أنه حسن ويثابون من الله على فعله، وبترك ما يهديهم عقلهم إلى أنه قبيح ويعاقبون من الله على فعله. وأصحاب هذا المذهب

стр. 87

يؤيدونه بأنه لا يستطيع عاقل أن ينكر أن كل فعل فيه خواص، وله آثار تجعله حسنا أو قبيحا. ومن الذي لا يدرك بعقله أن الشكر على النعمة والصدق والوفاء، والأمانة كل منها حسن، وأن ضد كل منها قبيح. ولا يستطيع عاقل أن ينكر أن الله ما شرع أحكامه في أفعال المكلفين إلا بناء على ما فيها من نفع أو ضرر، ويقولون: إن من بلغتهم شرائع الله مكلفون من الله بما تقضي به هذه الشرائع ومن لم تبلغهم شرائع الله مكلفون من الله بما تهديهم إليه عقولهم، فعليهم أن يفعلوا ما تستحسنه عقولهم، وأن يتركوا ما تستقبحه عقولهم. ٣- مذهب الماتريدية: أتباع أبي منصور الماتريدي، وهذا المذهب وسط معتدل وهو الراجح في رأيى، وخلاصته أن أفعال المكلفين فيها خواص ولها آثار تقتضي حسنها أو قبحها، وأن العقل بناء على هذه الخواص والآثار يستطيع الحكم بأن هذا الفعل حسن وهذا الفعل قبيح، وما رآه العقل السليم حسنا فهو حسن، وما رآه العقل السليم قبيحا فهو قبيح. ولكن لا يلزم أن تكون أحكام الله في أفعال المكلفين على وفق ما تدركه عقولنا فيها من حسن أو قبح؛ لأن العقول مهما نضجت قد تخطئ؛ ولأن بعض الأفعال مهما تشتبه فيه العقول فلا تلازم بين أحكام الله وما تدركه العقول، وعلى هذا لا سبيل إلى معرفة حكم الله إلا بواسطة رسله. فهؤلاء وافقوا المعتزلة في أن حسن الأفعال، وقبحها مما تدركه العقول بناء على ماتدركه من نفعها أو ضررها، وخالفوهم في أن حكم الله لا بد أن يكون على وفق حكم العقل، وفي أن ما أدرك العقل حسنه هو مطلوب لله فعله، وما أدرك العقل قبحه فهو مطلوب لله تركه. ووافقوا الأشاعرة في أنه لا يعرف حكم الله إلا بواسطة رسله وكتبه. وخالفوهم في أن الحسن والقبح للأفعال شرعيان لا عقليان. وفي أن الفعل لا يكون حسنا إلا بطلب الله فعله. ولا يكون قبيحًا إلا بطلب الله تركه؛ لأن هذا ظاهر البطلان. فإن أمهات الفضائل يدرك العقل حسنها لما فيها من نفع، وأمهات الرذائل يدرك العقل قبحها لما فيها من ضرر ولو لم يرد بهذا شرع. وهذا الخلاف لا يترتب عليه أثر إلا بالنسبة لمن لم تبلغهم شرائع الرسل، وأما من بلغتهم شرائع الرسل، فمقياس الحسن والقبح للأفعال بالنسبة لهم ما ورد في شريعتهم لا ما تدركه عقولهم بالاتفاق. فما أمر به الشارع فهو حسن ومطلوب فعله ويثاب فاعله. وما نهى عنه الشارع فهو قبيح ومطلوب تركه ويعاقب فاعله.

стр. 88

٢- الحكم: ١- تعريف. ٢- أنواعه. ٣- أقسام كل نوع. ١- تعريفه: الحكم الشرعي في اصطلاح الأصوليين: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين، طلبا أو تخييرا، أو وضعا. فقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ هذا خطاب من الشارع متعلق بالإيفاء بالعقود طلبا لفعله. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ هذا خطاب من الشارع متعلق بالسخرية طالب لتركها. وقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ هذا خطاب من الشارع متعلق بأخذ الزوج بدلًا من زوجته نظير تطليقها تخييرا فيه. وقول الرسول: "لا يرث القاتل" هذا خطاب من الشارع متعلق بالقتل وضعا له مانعا من الإرث. فنفس النص الصادر من الشارع الدال على طلب أو تخيير أو وضع هو الحكم الشرعي في اصطلاح الأصوليين. وهذا يوافق اصطلاح القضائيين الآن؛ فهم يريدون بالحكم نفس النص الذي يصدر من القاضي؛ ولهذا يقولون: منطوق الحكم كذا. ويقولون: أجلت القضية للنطق بالحكم. وأما الحكم الشرعي في اصطلاح الفقهاء: فهو الأثر الذي يقتضيه خطاب الشارع في الفعل، كالوجوب والحرمة والإباحة. فقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يقتضي وجوب الإيفاء بالعقود. فالنص نفسه هو الحكم في اصطلاح الأصوليين، ووجوب الإيفاء هو الحكم في اصطلاح الفقهاء. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ هو الحكم في اصطلاح الأصوليين، وحرمة قربان الزنا هو الحكم في اصطلاح الفقهاء. ولا يتوهم متوهم منتعريف الحكم الشرعي في اصطلاح الأصوليين، بأنه خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين، بأن الحكم الشرعي خاص بالنصوص؛ لأنها

стр. 89

هي الخطاب من الشارع، وأنه لا يشمل الأدلة الشرعية الأخرى من إجماع أو قياس أو غيرهما؛ لأن سائر الأدلة الشرعية غير النصوص عند التحقيق إلى النصوص، فهي في الحقيقة خطاب من الشارع ولكنه غير مباشر، فكل دليل شرعي تعلق بفعل من أفعال المكلفين، طلبا أو تخييرا أو وضعا فهو حكم شرعي في اصطلاح الأصوليين. ٢- أنواعه: من تعريف الحكم الشرعي في اصطلاح الأصوليين يؤخذ أنه ليس نوعا واحدا؛ لأنه إما أن يتعلق بفعل المكلف على جهة الطلب، أو على وجه التخيير أو على وجه الوضع، وقد اصطلح علماء الأصول على تسمية الحكم المتعلق بفعل المكلف على جهة الطلب أو التخيير بالحكم التكليفي، وعلى تسمية الحكم المتعلق بفعل المكلف على جهة الوضع بالحكم الوضعي، ولهذا قرروا أن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين: حكم تكليفي، وحكم وضعي. فالحكم التكليفي: هو ما اقتضى طلب فعل من المكلف، أو كفه عن فعل، أو تخييره بين فعل والكف عنه. فمثال ما اقتضى طلب فعل من المكلف قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ . وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ . وغير ذلك من النصوص التي تطلب من المكلف أفعالًا. ومثال ما اقتضى طلب الكف عن فعل، قوله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ ، وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ ، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ ، وغير ذلك من النصوص التي تطلب من المكلف الكف عن أفعال. ومثال ما اقتضى تخيير المكلف بين فعل والكف عنه، قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ، وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ . وقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ . وغير ذلك من النصوص التي تقتضي تخيير المكلف بين فعل الشيء، والكف عنه. وإنما سمى هذا النوع الحكم التكليفي؛ لأنه يتضمن تكليف المكلف بفعل أو كف عن فعله أو

стр. 90

تخييره بين فعل والكف عنه، ووجه التسمية ظاهر فيما طلب به من المكلف فعله أو الكف عنه. وأما ما خير به المكلف بين فعل والكف عنه، فوجه تسميته تكليفيا غير ظاهر؛ لأنه لا تكليف فيه؛ ولهذا قالوا: إن إطلاق الحكم التكليفي عليه من باب التغليب. وأما الحكم الوضعي: فهو ما اقتضى وضع شيء سببًا لشيء، أو شرطًا له، أو مانعًا منه. فمثال ما اقتضى وضع شيء سببا لشيء، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ اقتضى وضع إرادة إقامة الصلاة سببا في إيجاب الوضوء. وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، اقتضى وضع السرقة سببًا في إيجاب قطع يد السارق. وقول الرسول ﷺ : "من قتل قتيلًا فله سلبه"، اقتضى وضع قتل القتيل سببًا في استحقاق سلبه، وغير ذلك من النصوص التي اقتضت وضع أسباب لمسببات. ومثال ما اقتضى وضع شيء شرطا لشيء، قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ اقتضى أن استطاعة السبيل إلى البيت شرط لإيجاب حجة. وقوله ﷺ : "لا نكاح إلا بشاهدين"، اقتضى أن حضور الشاهدين شرط لصحة الزواج. وقوله ﷺ : "لا مهر أقل من عشرة دراهم". اقتضى أن الشرط تقدير المهر تقديرًا صحيحا شرعا أن لا يقل عن عشرة دراهم. وغير ذلك من النصوص التي دلت على اشتراط شروط لإيجاب الفعل. أو لصحة العقد أو لأي مشروط. ومثال ما اقتضى جعل شيء مانعا من شيء، قوله ﷺ : "ليس للقاتل ميراث"، اقتضى جعل قتل الوارث مورثه مانعا من إرثه. وإنما سمي الحكم الوضعي؛ لأن مقتضاه وضع أسباب لمسببات، أو شروط لمشروطات، أو موانع من أحكام. ويؤخذ مما تقدم أن الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي من وجهين: أحدهما: أن الحكم التكليفي مقصود به طلب فعل من المكلف أو كفه عن فعل، أو تخييره بين فعل شيء والكف عنه. وأما الحكم الوضعي فليس مقصودا به تكليف أو تخيير، وإنما المقصود به بيان أن هذا الشيء سبب لهذا المسبب، أو أن هذا شرط لهذا المشروط. أو أن هذا مانع من هذا الحكم.

стр. 91

وثانيهما: أن ما طلب فعله أو الكف عنه، أو خير بين فعله وتركه بمقتضى الحكم التكليفي لا بد أن يكون مقدورا للمكلف، وفي استطاعته أن يفعله وأن يكف عنه؛ لأنه لا تكليف إلا بمقدور، ولا تخيير إلا بين مقدور ومقدور. وأما ما وضع سببًا أو شرطًا أو مانعًا، فقد يكون أمرا في مقدور المكلف بحيث إذا باشره ترتب عليه أثره، وقد يكون أمرًا ليس في مقدور المكلف بحيث إلا وجد ترتب عليه أثره. فمما جعل سببا وهو مقدور المكلف: صيغ العقود والتصرفات، وجميع الجرائم من جنايات وجنح ومخالفات، بحيث إذا باشر المكلف عقدا أو تصرفا ترتب عليه حكمه، وإذا ارتكب جريمة استحق عقوبتها. ومما جعل سببا هو مقدر للمكلف، القرابة سبب للإرث، والولاية والإرث سبب للملك، والضرورات سبب لإباحة المحظورات. ومما جعل شرطا وهو مقدور للمكلف، إحضار شاهدين في عقد الزواج لصحة العقد، وإبلاغ القدر المسمى مهرا إلى عشرة دراهم لصحة تسمية المهر، وتعيين الثمن، والأجل في البيع لصحة العقد. ومما جعل شرطا وهو غير مقدور للمكلف: بلوغ الحلم لانتهاء الولاية النفسية، وبلوغ الرشد لنفاذ عقود المفاوضات المالية. وكذلك المانع منه ما هو مقدور للمكلف كقتل الوارث مورثه، ومنه ما هو غير مقدور كون الموصى له وارثا. وأحكام القوانين الوضعية كالأحكام الشرعية، في أن منها ما هو أحكام تكليفية تقتضي تكليف المكلف بفعل، أو تخييره بين فعل والكف عنه، ومنها ما هو أحكام وضعية تقتضي جعل شيء سببًا لشيء، أو شرطًا أو مانعًا. ونظرة في مواد القانون المدني أو التجاري، أو قانون العقوبات أو الإجراءات الجنائية ترينا عدة أمثلة من النوعين. وهذه بعض أمثلة من القانون المدني في باب الإيجار: المادة ٥٨٦: "يجب على المستأجر أن يقوم بوفاء الأجرة في المواعيد المتفق عليها". حكم تكيلفي اقتضى فعلا.

стр. 92

المادة ٥٧١: "على المؤجر أن يمتنع عن كل ما من شأنه أن يحول دون انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة". حكم تكليفي اقتضى كفا. المادة ٥٩٣: "للمستأجر حق التنازل عن الإيجار أو الإيجار من الباطن، وذلك عن كل ما استأجره، أو بعضه ما لم يقض الاتفاق بغير ذلك". حكم تكليفي اقتضى تخييرًا. ومن اليسير التمثيل لأنواع الحكم الوضعي؛ لأن أكثر النصوص القانونية الوضعية تقتضي وضع أسباب لمسببات، أو شروط لمشروطات، أو موانع من آثار. أقسام الحكم التكليفي: ينقسم الحكم التكليفي إلى خمسة أقسام: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة. وذلك لأنه إذا اقتضى طلب فعل، فإن كان اقتضاؤه له على وجه التحتيم والإلزام فهو الإيجاب، وأثره الوجوب، والمطلوب فعله هو الواجب. وإن كان اقتضاؤه له ليس على وجه التحتيم والإلزام فهو الندب؛ والمطلوب فعله هو المندوب. وإذا اقتضى كفا عن فعل فإن كان اقتضاؤه على وجه التحتيم، والإلزام فهو التحريم وأثره الحرمة والمطلوب الكف عن فعله هو المحرم. وإن كان اقتضاؤه له ليس التحتيم والإلزام فهو الكراهة، والمطلوب الكلف عن فعله هو المكروه. وإذا اقتضى تخيير المكلف بين فعل شيء وتركه فهو الإباحة، والفعل الذي خير بين فعله وتركه هو المباح. فالمطلوب فعله قسمان: الواجب، والمندوب. والمطلوب الكف عن فعله قسمان: المحرم والمكروه، والمخير بين فعله وتركه هو القسم الخامس وهو المباح. وسنفرد كل قسم من هذه الأقسام الخمسة ببيان. ١- الواجب: تعريفه: الواجب شرعا هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبا حتما بأن اقترن طلبه بما يدل على تحتيم فعله، كما إذا كانت صيغة الطلب نفسها تدل على التحتيم، أو دل على تحتيم فعله ترتيب العقوبة على تركه، أو أي قرينة شرعية أخرى.

стр. 93

فالصيام واجب؛ لأن الصيغة التي طلب بها دلت على تحتيمه، إذ قال سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ . وإيتاء الزوجات مهورهن واجب، إذ قال سبحانه: ﴿فَإذَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ . وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت، وبر الوالدين وغير ذلك من المأمورات التي وردت صيغة الأمر بها مطلقة، ودل على تحتيم فعلها ما ورد في عدة نصوص من استحقاق المكلف العقاب بتركها. فمتى طلب الشارع الفعل ودلت القرينة على أن طلبه على وجه التحتيم كان الفعل واجبا، سواء أكانت القرينة صيغة الطلب نفسها أم أمرًا خارجيًّا. أقسامه: ينقسم الواجب إلى أربعة تقسيمات باعتبارات مختلفة: التقسيم الأول: الواجب من جهة وقت أدائه؛ إما مؤقت وإما مطلق عن التوقيت. فالواجب المؤقت هو ما طلب الشارع فعله حتما في وقت معين كالصلوات الخمس؛ حدد لأداء كل صلاة منها وقتا معينا بحيث لا تجب قبله، ويأثم المكلف إن أخرها عنه بغير عذر، وكصوم رمضان لا يجب قبل الشهر ولا يؤدى بعده، وكذلك كل واجب عين الشارع وقتا لفعله. والواجب المطلق عن التوقيت: هو ما طلب فعله حتما ولم يعين وقتا لأدائه، كالكفارة الواجبة على من حلف يمينا وحنث، فليس لفعل هذا وقت معين، فإن شاء الحانث كفر بعد الحنث مباشرة وإن شاء كفر بعد ذلك، وكالحج: واجب على من استطاع وليس لأداء هذا الواجب عام معين١. والواجب المؤقت إذا فعله المكلف في وقته كاملا مستوفيا أركانه، وشرائطه سمي فعله أداء، وإذا فعله في وقته غير كامل، ثم أعاده في الوقت كاملا سمي فعله إعادة. وإذا فعل بعد وقته سمي فعله قضاء. فمن صلى الظهر في وقته كاملا كانت صلاته أداء للواجب، ومن صلاه في وقته بالتيمم لعدم وجود الماء ثم وجد الماء في الوقت، فتوضأ وصلى الظهر ثانيا كانت صلاته إعادة، ومن صلاه بعد وقته كانت صلاته قضاء.

стр. 94

والواجب المؤقت إذا كان وقته الذي وقته الشارع به يسعه وحده، ويسع غيره من جنسه سمي هذا الوقت موسعا وظرفا. وإن كان وقته الذي وقته الشارع يسعه، ولا يسع غيره من جنسه سمي هذا الوقت مضيقا ومعيارا. فالأول كوقت صلاة الظهر مثلا، فهو وقت موسع يسع أداء الظهر وأداء أي صلاة أخرى، وللمكلف أن يؤدي الظهر في أي جزء منه. والثاني كشهر رمضان فهو مضيق لا يسع إلا صوم رمضان. وإذا كان وقته لا يسع غيره من جهة ويسعه من جهة أخرى سمي الوقت ذا الشبهين كالحج، لا يسع وقته وهو أشهر الحج غيره من جهة أن المكلف لا يؤدي في العام إلا حجا واحدا، ويسع غيره من جهة أن مناسك الحج لا تستغرق كل أشهره. ومما يتفرع على تقسيم الواجب المؤقت إلى واجب موسع وقته، وواجب وقته ذو شبهين: أن الواجب الموسع وقته يجب على المكلف أن يعينه بالنية حين أدائه في وقته؛ لأنه إذا لم ينوه بالتعين لا يتعين أنه أدى الواجب المعين إذ الوقت يسعه وغيره، فإذا صلى في وقت الظهر أربع ركعات فإن نوى بها أداء واجب الظهر كان أداء له، وإذا لم ينو بها أداء واجب الظهر لم تكن صلاته أداء له، ولو نوى التطوع كانت صلاته تطوعا. وأما الواجب المضيق وقته فلا يجب على المكلف أن يعينه بالنية حين أدائه في وقته؛ لأن الوقت معيار له لا يسع غيره من جنسه فبمجرد النية ينصرف ما نواه إلى الواجب، فإذا نوى في شهر رمضان الصيام مطلقا، ولم يعين بالنية الصيام المفروض انصرف صيامه إلى الصيام المفروض، ولو نوى التطوع لم يكن صومه تطوعا بل كان المفروض؛ لأن الشهر لا يسع صوما غيره. وأما الواجب المؤقت بوقت ذي شبهين، فإذا أطلق المكلف النية نصرفت إلى الواجب؛ لأن الظاهر من حال المكلف أنه يبدأ بما يجب عليه قبل أن يتطوع، فهو في هذا كالمضيق، وإذا نوى التطوع كان تطوعا؛ لأنه صرح بنية ما يسعه الوقت، وبما يخالف الظاهر من حاله وهو في هذا كالموسع. ومما يتفرع على تقسيم الواجب إلى مؤقت ومطلق عن التوقيت، أن الواجب المعين وقته، يأثم المكلف بتأخيره عن وقته بغير عذر؛ لأن الواجب المؤقت هو واجبان: فعل الواجب وفعله في وقته، فمن فعل الواجب بعد وقته، فقد فعل أحد

стр. 95

الواجبين وهو الفعل المطلوب؛ وترك الواجب الآخر وهو فعله في وقته، فيأثم بترك هذا الواجب بغير عذر. وأم الواجب المطلق عن التوقيت فليس له وقت معين لفعله، وللمكلف أن يفعله في أي وقت شاء، ولا إثم عليه في أي وقت. التقسيم الثاني: ينقسم الواجب من جهة المطالب بأدائه إلى واجب عيني وواجب كفائي. فالواجب العيني: هو ما طلب الشارع فعله من فرد من كل أفراد المكلفين، ولا يجزئ قيام مكلف به عن آخر كالصلاة والزكاة والحج والوفاء بالعقود واجتناب الخمر والميسر. والواجب الكفائي: هو ما طلب الشارع فعله من مجموع المكلفين، لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام به بعض المكلفين فقد أدى الواجب وسقط الإثم والحرج عن الباقين، وإذا لم يقم به أي فرد من أفراد المكلفين أثموا جميعا بإهمال هذا الواجب. كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الصلاة على المتوفى وبناء المستشفيات، وإنقاذ الغريق، وإطفاء الحريق، والطب، والصناعات التي يحتاج إليها الناس، والقضاء، والإفتاء، ورد السلام وأداء الشهادة. فهذه الواجبات مطلوب للشارع أن توجد في الأمة أيا كان من فعلها؛ لأن المصلحة تتحقق بوجودها من بعض المكلفين ولا تتوفق على قيام كل مكلف بها. فالواجبات الكفائية المطالب بها مجموع أفراد الأمة، بحيث إن الأمة بمجموعها عليها أن تعمل على أن يؤدي الواجب الكفائي فيها، فالقادر بنفسه وماله على أداء الواجب الكفائي؛ عليه أن يقوم به، وغير القادر على أدائه بنفسه عليه أن يحث القادر ويحمله على القيام به؛ فإذا أدى الواجب سقط الإثم عنهم جميعا. وإذا أهمل أثموا جميعا: أثم القادر لإهماله واجبا قدر على أدائه، وأثم غيره لإهمال حث القادر وحمله على فعل الواجب المقدور له، وهذا مقتضى التضامن في أداء الواجب، فلو رأى جماعة غريقا يستغيث، وفيهم من يحسنون السباحة ويقدرون على إنقاذه، وفيهم من لا يحسنون السباحة ويقدرون على إنقاذه، وفيهم من لا يحسنون السباحة أن يبذل بعضهم جهده في إنقاذه. وإذا لم يبادر من تلقاء

стр. 96

نفسه إلى القيام بالواجب، فعلى الآخرين حثه وحمله على أداء واجبه؛ فإذا أدى الواجب فلا إثم على أحد، وإذا لم يؤد الواجب أثموا جميعا. وإذا تعين فرد لأداء الواجب الكفائي كان واجبا عينيا عليه، فلو شهد الغريق الذي يستغيث شخص واحد يحسن السباحة، ولو لم ير الحادثة إلا واحد ودعي للشهادة، ولو لم يوجد في البلد إلا طبيب واحد وتعين للإسعاف؛ فهؤلاء الذين يعينوا لأداء الواجب الكفائي، يكون الواجب بالنسبة إليهم عينيا. التقسيم الثالث: ينقسم الواجب من جهة المقدار المطلوب منه إلى محدد وغير محدد. فالواجب المحدد: هو ما عين له الشارع مقدارًا معلومًا، بحيث لا تبرأ ذمة المكلف من هذا الواجب إلا إذا أداه على ما عين الشارع؛ كالصلوات الخمس والزكاة والديون المالية. فكل فريضة من الصلوات الخمس مشغولة بها ذمة المكلف حتى تؤدي بعدد ركعاتها وأركانها وشروطها، وزكاة كل مال واجبة فيه الزكاة مشغولة بها ذمة المكلف حتى تؤدي بمقدارها في مصرفها. وكذلك ثمن المشتري وأجر المستأجر وكل واجب يوجب مقدارًا معلوما بحدود معينة، ومن نذر أن يتبرع بمبلغ معين لمشروع خيري فالواجب عليه بالنذر واجب محدد. والواجب غير المحدد: هو ما لم يعين الشارع مقداره بل طلبه من المكلف بغير تحديد، كالإنفاق في سبيل الله، والتعاون على البر، والتصدق على الفقراء إذا وجب بالنذر، وإطعام الجائع وإغاثة الملهوف وغير ذلك من الواجبات التي لم يحددها الشارع؛ لأن المقصود بها سد الحاجة، ومقدار ما تسد به الحاجة يختلف باختلاف الحاجات والمحتاجين والأحوال. ومما يتفرع عن هذا التقسيم أن الواجب المحدد يجب دينا في الذمة، وتجوز المقاضاة به، وأن الواجب غير المحدد لا يجب دينا في الذمة، ولا تجوز المقضاة به؛ لأن الذمة لا تشغل إلا بمعين والمقاضاة لا تكون إلا بمعين. ولهذا من رأى أن نفقة الزوجة على زوجها، ونفقة القريب على قريبه واجب غير محدد؛ لأنه لا يعرف مقداره، قال: إن ذمة الزوج أو القريب غير المشغولة به قبل القضاء أو الرضاء، إذا حكم بها أو تراضى الطرفان عليها تحدد مقدار الواجب بالقضاء أو بالرضاء، وضحت المطالبة به.

стр. 97

ومن رأى أنها من الواجب المحدد بحال الزواج أو بما يكفي للقريب، قال: إنها واجب محدد في الذمة فتصح المطالبة به عن مدة قبل القضاء أو الرضاء؛ لأن القضاء أظهر مقدار الواجب ولم يحدده. التقسيم الرابع: ينقسم الواجب إلى واجب معين، وواجب مخير. فالواجب المعين: ما طلبه الشارع بعينه "كالصلاة، والصيام، وثمن المشتري، وأجر المستأجر، ورد المغضوب" ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بأدائه بعينه. والواجب المخير: ما طلبه الشارع واحدًا من أمور معينة، كأحد خصال الكفارة فإن الله أوجب على من حنث في يمينه أن يطعم عشرة مساكين، أو يكسوهم، أو يعتق رقبة، فالواجب أي واحد من هذه الأمور الثلاثة، والخيار للمكلف في تخصيص واحد بالفعل، وتبرأ ذمته من الواجب بأداء أي واحد. ٢- المندوب: تعريفه: المندوب هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبا غير حتم، بأن كانت صيغة طلبه نفسها لا تدل على تحتيمه، أو اقترنت بطلبه قرائن تدل على عدم التحتيم. فإذا طلب الشارع الفعل بصيغة: "يسن كذا أو يندب كذا" كان المطلوب بهذه الصيغة مندوبًا، وإذا طلبه بصيغة الأمر ودلت القرينة على أن الأمر للندب كان المطلوب مندوبًا، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ فإن الأمر بكتابة الدين للندب لا للإيجاب بدليل القرينة التي في الآية نفسها. وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ، فإنها تشير إلى أن يثق بمدينه ويأتمنه من غير كتابة الدين عليه، وكقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فمكاتبة المالك عبده مندوبة بقرينة أن المالك حر التصرف في ملكه. فالمطلوب فعله إن كانت صيغة طلبه نفسها تدل على أنه حتم ولازم، فهو الواجب مثل: كتب عليكم، فرض عليكم، وقضى ربك. وإن كانت صيغة طلبه نفسها تدل على أنه غير حتم فهو المندوب مثل: ندب لكم، سن لكم، وإن كانت صيغة طلبه لا تدل على طلب حتم أو غير حتم، استدل بالقرائن على أن المطلوب

стр. 98

واجب أو مندوب. وقد تكون القرينة نصًّا، وقد تكون ما يؤخذ من مبادئ الشريعة العامة وقواعدها الكلية، وقد تكون ترتيب العقوبة على ترك الفعل وعدم ترتيبها. ولهذا اشتهر تعريف الواجب بأنه ما يستحق تاركها لعقوبة، وتعريف المندوب بأنه ما لا يستحق تاركه العقوبة وقد يستحق العتاب. أقسامه: المندوب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مندوب مطلوب فعله على وجه التأكيد وهو لا يستحق تاركه العقاب. ولكن يستحق اللوم والعتاب. ومن هذا السنن والمندوبات التي تعد شرعا مكملة الواجبات كالأذان، وأداء الصلوات الخمس جماعة. ومنه كل ما واظب عليه الرسول من شئونه الدينية، ولم يتركه إلا مرة أو مرتين ليدل على عدم تحتيمه كالمضمضة في الوضوء، وقراءة سورة أو آية بعد الفاتحة في الصلاة. ويسمى هذا القسم السنة المؤكدة أو سنة الهدى. ومندوب مشروع فعله، وفاعله يثاب وتاركه لا يستحق عقابا ولا لوما: ومن هذا ما يواظب الرسول على فعله بل فعله مرة أو أكثر وتركه. ومنه جميع التطوعات كالتصدق على الفقير أو الصيام يوم الخميس من كل أسبوع أو صلاة ركعات زيادة عن الفرض وعن السنة المؤكدة. ويسمى هذا القسم السنة الزائدة أو النافلة. ومندوب زائد أي يعد من الكماليات للمكلف. ومن هذا الاقتداء بالرسول في أموره العادية التي تصدر عنه بصفته إنسانا كان يأكل، ويشرب ويمشي وينام ويلبس على الصفه التي كان يسير عليها الرسول. فإن الاقتداء بالرسول في هذه الأمور وأمثالها كمالي، ويعد من محاسن المكلف؛ لأنه يدل على حبه للرسول وفرط تعلقه به. ولكن من لم يقتد بالرسول في مثل هذه الأمور لا يعد مسيئا؛ لأن هذه ليست من تشريعه ﷺ . ويسمى هذا القسم مستحبا وأدبا وفضيلة. ٣- المحرم: تعريفه: المحرم هو ما طلب الشارع الكف عن فعله طلبا حتما، بأن تكون صيغة طلب الكف نفسها دالة على أنه حتم كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ ، وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ . وقوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ أو

стр. 99

يكون النهي عن الفعل مقترنا بما يدل على أنه حتم مثل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ . أو يكون الأمر بالاجتناب مقترنا بذلك نحو ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أو أن يترتب على الفعل عقوبة مثل ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ . فقد يستفاد التحريم من صيغة خبرية تدل عليه، أو من صيغة طلبية هي نهي، أو من صيغة طلبية هي أمر بالاجتناب، فالقرينة تعين أن الطلب للتحريم. أقسامه: المحرم قسمان: محرم أصالة لذاته: أي أنه فعل حكمه الشرعي التحريم من الابتداء، كالزنا والسرقة والصلاة بغير طهارة، وزواج إحدى المحارم مع العلم بالحرمة، وبيع الميتة. وغير ذلك مما حرم تحريمًا ذاتيًّا لما فيه من مفاسد ومضار، فالتحريم وارد ابتداء على ذات الفعل؛ ومحرم لعارض، أي أنه فعل حكمه الشعري ابتداء الوجوب أو الندب أو الإباحة ولكن اقترن به عارض جعله محرما كالصلاة في ثوب مغصوب، والبيع الذي فيه غش، والزواج المقصود به مجرد تحليل الزوجة لمطلقها ثلاثا، وصوم الوصال، والطلاق البدعي وغير ذلك لما عرض له التحريم لعارض، فليس التحريم لذات الفعل، ولكن لأمر خارجي، أي ذات الفعل لا مفسدة فيه ولا مضرة، ولكن عرض له، واقترن به ما جعل فيه مفسدة أو مضرة. ومما يبنى على هذا التقسيم أن المحرم أصالة غير مشروع أصلا، فلا يصلح سببا شرعيا ولا تترتب أحكام شرعية عليه بل يكون باطلا. ولهذا كانت الصلاة بغير طهارة باطلة. وزواج إحدى المحارم مع العلم بالحرمة باطلا. وبيع الميتة باطلا. والباطل شرعا لا يترتب عليه حكم. وأما المحرم لعارض فهو في ذاته مشروع فيصلح سببا شرعيا وتترتب عليه آثاره؛ لأن التحريم عارض له وليس ذاتيا. ولهذا كانت الصلاة في ثوب مغصوب صحيحة مجزئة وهو آثم للغصب. والبيع الذي فيه غش صحيح. والطلاق البدعي واقع. والعلة في هذا أن التحريم لعارض لا يقع به خلل في أصل السبب، ولا في وصفه ما دامت أركانه وشروطه مستوفاة. وأما التحريم الذاتي فهو يجعل الخلل في أصل السبب ووصفه بفقد ركن أو شرط من أركانه، وشروطه فيخرج عن كونه مشروعا.

стр. 100

٤- المكروه: تعريفه: المكروه هو ما طلب الشارع من المكلف الكف عن فعله طلبا غير حتم، بأن تكون الصيغة نفسها دالة على ذلك؛ كما إذا ورد أن الله كره لكم كذا. أو كان منهيا عنه واقترن النهي بما يدل على أن النهي للكراهة لا للتحريم. مثل ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ أو كان مأمورا باجتنابه ودلت القرينة على ذلك، مثل: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ . فالمطلوب الكف عن فعله؛ إن كانت صيغة طلبه نفسه تدل على أنه طلب حتم فهو المحرم، مثل: حرم عليكم كذا. وإن كانت الصيغة نفسها تدل على أنه طلب غير حتم فهو مكروه. مثل: كره لكم كذا. وإن كانت الصيغة نهيا مطلقًا، أو أمرًا بالاجتناب مطلقا، استدل بالقرائن على أنه طلب حتم أو غير حتم. ومن القرائن ترتيب العقوبة على الفعل وعدم ترتيبها، ولهذا عرف بعض الأصوليين المحرم بأنه ما استحق فاعله العقوبة، والمكروه بأنه ما لا يستحق فاعله العقوبة؛ وقد يستحق اللوم. ٥- المباح: تعريفه: المباح هو ما خير الشارع المكلف بين فعله وتركه. فلم يطلب الشارع أن يفعل المكلف هذا الفعل، ولم يطلب أن يكف عنه. وتارة تثبت إباحة الفعل بالنص الشرعي على إباحته، كما إذا نص الشارع على أنه لا إثم في الفعل، فيدل بهذا على إباحته كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ وكما أمر الشارع بفعل ودلت القرائن على أمر الإباحة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ وكقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ، وكقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ . وتارة تثبت إباحة الفعل بالإباحة الأصلية. فإذا لم يرد الشارع النص على حكم العقد والتصرف أو أي فعل، ولم يقم دليل شرعي آخر على الحكم فيه؛ كان

стр. 101

هذا العقد أو التصرف أو الفعل مباحا بالبراءة الأصلية؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة. هذه هي أقسام الحكم التكليفي الخمسة على ما ذهب إليه جمهور الأصوليين. وأما علماء الحنفية فقد قسموه إلى سبعة أقسام لا خمسة، وذلك أنهم قالوا: "إن ما طلب الشارع فعله طلبا حتما إذا كان دليل طلبه قطعيا بأن كان آية قرآنية أو حديثا متواترا فهو الفرض، وإن كان دليل طلبه ظنيا بأن كن حديثا غير متواتر أو قياسا فهو الواجب. فإقامة الصلاة فرض؛ لأنها طلبت طلبا حتميا بدليل قطعي هو قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ . وقراءة الفاتحة في الصلاة واجبة؛ لأنها طلبت طلبا حتما، بدليل ظني هو قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب". وأما ما طلب فعله طلبا غير حتم فهو المندوب. وكذلك ما طلب الشارع الكف عن فعله طلبا حتما إن كان دليله قطعيا كآية أو سنة متواترة فهو المحرم، وإن كان دليل ظنيا كسنة غير متواترة فهو المكروه تحريما. فالزنا محرم؛ لأنه طلب الكف عنه طلبا حتما بدليل قطعي هو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ . ولبس الرجال الحرير وتختمهم بالذهب مكروهان تحريما؛ لأنه طلب الكف عنهما طلبا حتما، بدليل ظني، هو قوله ﷺ : "هذان حرام على رجال أمتي حلال لنسائهم". وأما ما طلب الكف عنه طلبا غير حتم فهو المكره تنزيها. فعند علماء الحنفية المطلوب فعله ثلاثة أقسام: الفرض، والواجب، والمندوب. والمطلوب الكف عنه ثلاثة أقسام المحرمة، والمكروه تحريما، والمكروه تنزيها والقسم السابع المباح. وقد قدمنا أن نصوص القرآن كلها قطعية الورود ولهذا يثبت بها عند الحنفية الفرض والتحريم والندب والكراهة، وأما السنة فما كان قطعي الورود منها هو المتواتر وفي حكمه المشهور، فيثبت به أيضا ما يثبت بالقرآن. وما كان منها ظني الورود وهو خبر الآحاد فلا يثبت به فرض ولا تحريم، ويثبت به ما عداهما من أنواع الأحكام التكليفية.

стр. 102

والفعل الواحد قد تعتريه هذه الأحكام كلها أو بعضها بحسب ما يلابسه، فمثلا: الزواج قد يكون فرضا على المسلم إذا قدر على المهر والنفقة وسائر واجبات الزوجية، وتيقن من حال نفسه أنه إذا لم يتزوج زنى. ويكون واجبا إذا قدر على ما ذكر وخاف أنه إذا لم يتزوج زنى. ويكون مندوبا إذا كان قادرا على واجبات الزوجية، وكان في حال اعتدال لا يخاف أن يزني إذا لم يتزوج. ويكون محرما إذا تيقن أنه إذا تزوج يظلم زوجته ولا يقوم بحقوق الزوجية. ويكون مكروها تحريما إذا خاف ظلمها. أقسام الحكم الوضعي: ينقسم الحكم الوضعي إلى خمسة أقسام: لأنه ثبت بالاستقراء أنه إما أن يقتضي جعل شيء سببا لشيء، أو شرطا، أو مانعا، أو مسوغا للرخصة بدل العزيمة، أو صحيحا أو غير صحيح. ١- السبب: تعريفه: السبب: هو ما جعله الشارع علامة على مسببه وربط وجود المسبب بوجوده وعدمه بعدمه. فيلزم من وجود السبب وجود المسبب ومن عدمه عدمه. فهو ظاهر منضبط، جعله الشارع علامة على حكم شرعي هو مسببه، ويلزم من وجوده وجود المسبب، ومن عدمه عدمه. وقد قدمنا في مبحث العلة في القياس أن كل علة للحكم تسمى سببه، وليس كل سبب للحكم يسمى علته. وبينا الفرق بينهما وأمثلتهما. أنواعه: قد يكون السبب سببًا لحكم تكليفي؛ كالوقت جعله الشارع سببا لإيجاب إقامة الصلاة لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ، وكشهود رمضان جعله الشارع سببًا لإيجاب صومه بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ، وملك النصاب النامي من مالك الزكاة جعل سببا لإيجاب إيتاء الزكاة، والسرقة جعلت سببا لإيجاب قطع يد السارق. وشرك المشركة جعل سببا لتحريم زواج المسلم بها. والمرض جعل سببا لإباحة الفطر في رمضان، وأمثال ذلك. وقد يكون

стр. 103

السبب سببا لإثبات ملك أو حل أو إزالتهما، كالبيع لإثبات الملك وإزالته، والعتق والوقف لإسقاطه، وعقد الزواج لإثبات الحل. والطلاق لإزالته، والقرابة والمصاهرة والولاء لاستحقاق الإرث، وإتلاف مال الغير لاستحقاق الضمان على المتلف، والشركة أو الملك لاستحقاق الشفعة. وقد يكون السبب فعلًا للمكلف مقدورا له كقتله العمد سبب لوجوب القصاص منه، وعقده البيع أو الزواج أو الإجارة أو غيرها أسباب لأحكامها، وملكه مقدار النصاب لوجوب الزكاة عليه. وقد يكون أمرا غير مقدور للمكلف وليس من أفعاله، كدخول الوقت لإيجاب الصلاة والقرابة للإرث والولاية، والصغر لثبوت الولاية على الصغير. وإذا وجد السبب سواء أكان من فعل المكلف أم لا، وتوافرت شروطه وانتفت موانعه، ترتب عليه مسببه حتما، سواء أكان مسببه حكما تكليفيا، أم إثبات ملك أو حل، أم إزالتهما؛ لأن المسبب لا يتخلف عن سببه شرعا، سواء أقصد من باشر المسبب عليه أم لم يقصد، بل يترتب ولو قصد عدم ترتبه فمن سافر في رمضان أبيح له الفطر، سواء أقصد إلى الإباحة أم لم يقصد إليها. ومن طلق زوجته رجعيا ثبت له حق مراجعتها ولو قال: لا رجعة لي. ومن تزوج وجب عليه المهر ونفقة زوجته ولو تزوجها على أن لا مهر عليه ولا نفقة؛ لأن الشارع إذا وضع العقد أو التصرف سببًا للحكم، ترتب الحكم على العقد بحكم الشرع، ولا يتوقف ترتبه على قصد المكلف. وليس للمكلف أن يحل هذا الارتباط الذي ربط به الشارع المسببات بأسبابها. ٢- الشرط: تعريفه: الشرط: هو ما يتوقف وجود الحكم على وجوده ويلزم من عدمه عدم الحكم. والمراد وجوده الشرعي الذي يترتب عليه أثره. فالشرط خارج عن حقيقه المشروط يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجوده. فالزوجية شرط لإيقاع الطلاق، فإذا لم توجد زوجية لم يوجد طلاق ولا يلزم من وجود الزوجية وجود الطلاق. والوضوء شرط لصحة إقامة الصلاة، فإذا لم يوجد وضوء لا تصح إقامة الصلاة، ولا يلزم من وجود الوضوء إقامة الصلاة.

стр. 104

ووجود الزواج الشرعي الذي تترتب عليه أحكامه يتوقف على حضور الشاهدين وقت عقده، ووجود البيع الشرعي الذي تترتب عليه أحكامه يتوقف على العلم بالبدلين، وهكذا كل ما شرط الشارع له شرطا لا يتحقق وجوده الشرعي إلا إذا وجدت الشروط، ويعتبر شرعا معدوما إذا فقدت شروطه، ولكن لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط. والشروط الشرعية هي التي تكمل السبب وتجعل أثره يترتب عليه. فالقتل سبب لإيجاب القصاص، ولكن بشرط أن يكون قتلًا عمدًا وعدوانًا. وعقد الزواج سبب لملك المتعة، ولكن بشرط أن يحضره شاهدان، وهكذا كل عقد أو تصرف لا يترتب عليه أثره إلا إذا توافرت شروطه. والفرق بين الشيء وشروطه، مع أن كلا منها يتوقف وجود الحكم على وجوده، أن الركن جزء من حقيقة الشيء. وأما الشرط فهو أمر خارج عن حقيقته وليس من أجزائه. فالركوع ركن الصلاة؛ لأنه جزء من حقيقتها. والطهارة شرط الصلاة؛ لأنها أمر خارج عن حقيقتها، وصيغة العقد والعاقدان ومحل العقد أركان العقد؛ لأنها أجزاؤه. وحضور الشاهدين في الزواج وتعيين البدلين في البيع وتسليم الموهوب في الهبة شروط لا أركان؛ لأنها ليست من أجزاء العقد، ومن أجل هذا كان للوقف أركان وشروط، وكذا للبيع وسائر العقود والتصرفات، وإذا حصل خلل في ركن من الأركان كان خللًا في نفس العقد أو التصرف. وإذا حصل خلل في شرط من الشروط كان خللًا في وصفه أي في أمر خارج عن حقيقته. وقد يكون اشتراط الشرط الشرط بحكم الشارع، ويسمى الشرط الشرعي. وقد يكون اشتراط الشرط بتصرف المكلف ويسمى الشرط الجعلي. فمثال الأول: جميع الشروط التي اشترطها الشارع في الزواج والبيع والهبة والوصية، والتي اشترطها لإيجاب الصلوات الخمس والزكاة والصيام والحج، والتي اشتراطها لإقامة الحدود ولغير ذلك. ومثال الثاني: الشروط التي يشترطها الزوج ليقع الطلاق على زوجته، والتي يشترطها المالك لعتق عبده. فإن تعليق الطلاق أو العتق على وجود شرط مقتضاه أنه يتوقف وجود الطلاق، أو العتق على وجود الشرط ويلزم من عدمه عدمه. فصيغة الطلاق سبب يترتب عليه الطلاق، ولكن إذا توافر الشرط.

стр. 105

وليس للمكلف أن يعلق أي عقد أو تصرف على أي شرط يريده، بل لا بد أن يكون الشرط غير مناف حكم العقد أو التصرف. وأما إذا كان الشرط منافيا حكم العقد فيبطل العقد؛ لأن الشرط مكمل للسبب فإذا نافى حكمه أبطل سببيته. مثال ذلك: العقود التي تفيد الملك التام أو الحل التام، كعقد البيع. وعقد الزواج حكمهما الشرعي أن الأثر المترتب على كل واحد منهما لا يتراخى عن صيغته، فإذا عقد المكلف بيعا أو زواجا وعلق واحدا منهما على أن يوجد في المستقبل شرط شرطه، فإن مقتضى هذا الاشتراط أن لا يوجد أثر العقد إلا إذا وجد الشرط، وهذا يتنافى مع مقتضى العقد، وهو أن حكمه لا يتراخى عنه، ولهذا بطل البيع المعلق على شرط، وكذلك الزواج المعلق على شرط، فالشرط الجعلي إذا اعتبره الشارع صار كالشرط الشرعي. ٣- المانع: تعريفه: المانع: هو ما يلزم من وجوده عدم الحكم، أو بطلان السبب، فقد يتحقق السبب الشرعي، وتتوافر جميع شروطه ولكن يوجد مانع يمنع ترتب الحكم عليه، كما إذا وجدت الزوجية الصحيحة أو القرابة، ولكن منع ترتب الإرث على أحدهما كاختلاف الوارث مع المورث دينا، أو قتل الوارث مورثه. وكما إذا وجد القتل العمد العدوان ولكن منع من إيجاب القصاص به أن القاتل أبو المقتول. فالمانع في اصطلاح الأصوليين: هو أمر يوجد مع تحقق السبب وتوافر شروطه، ويمنع من ترتب المسبب على سببه، ففقد الشرط لا يسمى مانعا في اصطلاحهم، وإن كان يمنع من ترتب المسبب على السبب. وقد يكون المانع مانعا من تحقق السبب الشرعي لا من ترتب حكمه عليه كالدين لمن ملك نصاب من أموال الزكاة، فإن دينه مانع من تحقق السبب لإيجاب الزكاة عليه؛ لأن مال المدين كأنه ليس مملوكا له ملكا تاما، نظرا لحقوق دائنيه؛ ولأن تخليص ذمته مما عليه من الدين أولى من مواساته الفقراء والمساكين بالزكاة، وهذا في الحقيقة مخل بما يشترط توافره في السبب الشرعي، فهو من باب عدم توافر الشرط، لا من قبيل وجود المانع.

стр. 106

٤- الرخصة والعزيمة: تعريفهما: الرخصة هي ما شرع الله من الأحكام تخفيفا على المكلف في حالات خاصة تقتضي هذا التخفيف، أو هي ما شرع لعذر شاق في حالات خاصة، أو هي استباحة المحظور بدليل مع قيام دليل الحظر. وأما العزيمة فهي ما شرع الله أصالة من الأحكام العامة التي لا تختص بحال دون حال، ولا بمكلف دون مكلف. أنواع الرخص: من الرخص إباحة المحظورات عند الضرورات أو الحاجات. فمن أكره على التلفظ بكلمة الكفر أبيح له ترفيها عنه أن يتلفظ بها وقلبه مطمئن بالإيمان: وكذا من أكره على أن يفطر في رمضان أو يتلف مال غيره، أبيح له المحظور الذي أكره عليه ترفيها عنه. ومن اضطره الجوع الشديد أو الظمأ الشديد إلى أكل الميتة أو شرب الخمر أبيح له أكلها وشربها. قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ . وقال سبحانه: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ . ومن الرخص: إباحة ترك الواجب إذا وجد عذر يجعل أداءه شاقا على المكلف. فمن كان في رمضان مريضا أو على سفر أبيح له أن يفطر، ومن سافر أبيح له قصر الصلاة الرباعية أي أداؤها ركعتين بدل أربع: قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ . ومن الرخص: تصحيح بعض العقود الاستثنائية، التي لم تتوافر فيها الشروط العامة لانعقاد العقد وصحته، ولكن جرت بها معاملات الناس وصارت من حاجاتهم، كعقد السلم فإنه بيع معدوم وقت العقد، ولكن جرى به عرف الناس وصار من حاجاتهم. ولذا جاء في الحديث: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الإنسان ما ليس عنده، ورخص في السلم". وكذلك الاستصناع والإجارة وعقد الوصية. فهذه كلها عقود إذا طبقت عليها الشروط العامة لانعقاد العقود وصحتها في العاقد، والمعقود عليه لا تصح ولكن الشارع رخص فيها وأجازها سدا لحاجة الناس ودفعا للحرج عنهم. ومن الرخص: نسخ الأحكام التي رفعها الله عنا وكانت من التكاليف الشاقة على الأمم قبلنا، وهي المشار إليها بقوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا

стр. 107

حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ مثل التكليف بقرض موضع النجاسة من الثواب، وأداء ربع المال في الزكاة، وقتل النفس توبة من المعصية وعدم جواز الصلاة في غير المساجد -وتسمية هذه رخصًا فيها وتوسع- ومن هذه الأنواع يتبين أن ترخيص الشارع للتخفيف عن المكلفين تارة بإباحة المحرم للضرورة. أو بإباحة ترك الواجب للعذر، أو باستثناء بعض العقود من الأحكام الكلية للحاجة، كلها ترجع عند التحقيق إلى إباحة المحظور للضرورة أو الحاجة. وعلماء الحنفية قسموا الرخصة إلى قسمين: رخصة ترفيه، ورخصة إسقاط. وفرقوا بينهما بأن رخصة الترفيه يكون حكم العزيمة معها باقيا ودليله قائما، ولكن رخص في تركه تخفيفا وترفيها عن المكلف. ومثلوا لهذا بمن أكره على التلفظ بكلمة الكفر. أو على إتلاف مال غيره، أو على الفطر في رمضان. وقالوا: إن النص المرخص لم يسقط حرمة التلفظ بكلمة الكفر عمن أكره عليه، ولكن استثنى من أكره من غضب الله عليه واستحقاقه العذاب. قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦] . ولكن يلاحظ أن الله قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فقد استثنى المضطر من الإثم كما استثنى المكره على التلفظ من الإثم واستحقاق العذاب. بل إن قوله سبحانه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يشعر بأنه محرم، ولكن الله لم يعاقبه عليه رحمة منه. وقالوا كذلك: لم يسقط الإكراه حرمة إتلاف مال الغير ولا حرمة الفطر في رمضان، بل الحرمة مع الإكراه ثابتة. وإنما المقصود بالإباحة الترفيه عن المكلف. ولبقاء هذه الحرمة قالوا: إن العمل بالعزيمة أولى وإن من تمسك بالعزيمة واحتمل ما أكره عليه حتى مات، مات شهيدًا. وأما رخصة الإسقاط فلا يكون حكم العزيمة معها باقيًا، بل إن الحال التي استوجبت الترخيص أسقطت حكم العزيمة، وجعلت الحكم المشروع فيها هو الرخصة، مثلوا لهذا بإباحة أكل الميتة أو شرب الخمر عند الجوع والظمأ وقصر الصلاة في السفر. فالمضطر إلى أكل الميتة وشرب الخمر سقطت حرمتها عنه في

стр. 108

حال اضطراره؛ لأن الله سبحانه بعد أن يبين هذه المحرمات قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذا يقتضي رفع التحريم، ولو لم يأكل أو يشرب أثم. والمسافر سقطت عنه الأربع ولو صلى أربعا كانت الركعتان الأخيرتان نافلة وتطوعا لا من المفروض. والحق أن النصوص التي شرعت الرخص لا يدل ظاهرها على هذا التفريق. فإن الله سبحانه قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ . فكل محرم عند الضرورة يباح بلا تفريق بين محرم ومحرم. والقول بأنه عند الإكراه على إفطار رمضان يكون حكم العزيمة، وهو فرض الصيام باقيًا. وعند الاضطرار إلى أكل الميتة، أو شرب الخمر، لا يكون حكم العزيمة، وهو تحريمها باقيا. تفريق لا يظهر له وجه؛ لأن الإكراه نوع من الاضطرار؛ وفي الحالتين أبيح المحظور للضرورة، وكما قال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ، قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، وصريح قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ . أن القصر مباح، ومقتضى أنه مباح أن الأخذ بالعزيمة هو إتمام الصلاة أربعا مباح أيضا، فكيف يقال: إن حكم العزيمة هنا غير قائم، وإن الرخصة في هذا رخصة إسقاط؟ فالذي يؤخذ من النصوص أن الرخص كلها شرعت للترفيه، والتخفيف عن المكلف بإباحة فعل المحرم، وأن حكم الحظر ودليله قائمان. ومعنى إباحة المحظور ترخيصا أنه لا إثم في فعله. وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فللمكلف أن يتبع الرخصة تخفيفا عن نفسه، وله أن يتبع العزيمة محتملا ما فيها من مشقة، إلا إذا كانت المشقة يناله من احتمالها ضرر، فإنه يجب عليه اتقاء الضرر، واتباع الرخصة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، والله يحب أن تتبع رخصه، كما يجب أن تؤتى عزائمه، لأنه سبحانه ما جعل على الناس في الدين من حرج. ومما قدمناه في تعريف الرخصة وبيان أنواعها يظهر الوجه في عدها من أقسام الحكم الوضعي؛ لأن الحكم المشروع هو جعل الضرورة سببا في إباحة المحظور أو طروء العذر سببا في التخفيف بترك الواجب، أو دفع الحرج عن الناس سببا في تصحيح بعض عقود المعاملات بينهم، فهو في الحقيقة وضع أسباب لمسببات.

стр. 109

٥- الصحة والبطلان: ما طلبه الشارع من المكلفين من أفعال، وما شرعه لهم من أسباب وشروط إذا باشرها المكلف قد يحكم الشارع بصحتها، وقد يحكم بعدم صحتها. فإذا وجدت على وفق ما طلبه الشارع وما شرعه، بأن تحققت أركانها وتوافرت شرائطها الشرعية، حكم الشارع بصحتها، وإن لم توجد على وفق ما طلبه الشارع وما شرعه، بأن اختل ركن من أركانها أو شرط من شروطها، حكم الشارع بعدم صحتها. ومعنى صحتها شرعًا: ترتب آثارها الشرعية عليها. فإن كان الذي باشره المكلف فعلا واجبا عليه، كالصلاة والصيام والزكاة والحج وأداء المكلف مستكملًا أركانه وشروطه، سقط عنه الواجب، وبرئت ذمته منه، ولم يستحق تعزيرًا في الدنيا واستحق المثوبة في الآخرة. وإن كان الذي باشره المكلف سببا شرعيا كالزواج والطلاق، والبيع والهبة وسائر العقود والتصرفات، واستوفى المكلف أركانه وشرائطه الشرعية، ترتب على كل سبب أثره الشرعي الذي رتبه الشارع عليه من إثبات الحل أو إزالته، تبادل ملك البدلين، أو الملك بغير عوض، أو غير ذلك من الآثار والحقوق التي تترتب على الأسباب الشرعية الصحيحة. وإن كان الذي باشره شرطا كالطهارة للصلاة واستوفى المكلف شروطها وأركانها، أمكن تحقيق المشروط صحيحًا. ومعنى عدم صحتها عدم ترتب آثارها الشرعية عليها، فإن كان الذي باشره واجبا لا يسقط عنه ولا تبرأ ذمته منه، وإن كان سببا شرعيا لا يترتب عليه حكمه، وإن كان شرطًا لا يوجد المشروط. وذلك لأن الشارع إنما رتب الآثار على أفعال وأسباب، وشروط تتحقق كما طلبها وشرعها، فإذا لم تكن كذلك فلا اعتبار لها شرعا. ومن هذا البيان يؤخذ أن ما صدر عن المكلف من أفعال، أو أسباب أو شروط ولم يتفق وما طلبه الشارع أو ما شرعه يكون غير صحيح شرعا، ولا يترتب عليه أثره، سواء كان عدم صحته لاختلال ركن من أركانه أو لفقد شرط من شروطه، وسواء أكان عبادة أم عقدًا أم تصرفًا، وعلى هذا فلا فرق بين باطل وفاسد، لا في

стр. 110

العبادات، ولا في المعاملات فالصلاة الباطلة كالصلاة الفاسدة لا تسقط الواجب عن المكلف ولا تبرئ ذمته، والزواج الباطل كالزواج الفائد لا يفيد ملك المتعة ولا يترتب عليه أثره، والبيع الباطل كالبيع الفاسد لا يفيد نقل الملك في البدلين ولا يترتب عليه حكم شرعي، وتكون القسمة ثنائية، أي أن الفعل أو العقد أو التصرف إما صحيح تترتب عليه آثاره، وإما غير صحيح لا يترتب عليه أثر شرعي، وهذا هو رأي الجمهور. وقال علماء الحنفية: إن القسمة ثنائية في العبادات، فهي إما صحيحة وإما غير صحيحة، ولا فرق بين باطل الصيام مثلا وفاسده في أنه لا يترتب عليه أثره ولا يسقط الواجب، وعلى المكلف قضاؤه، وأما العقود والتصرفات فالقسمة ثلاثية؛ لأن العقد غير الصحيح ينقسم إلى باطل وفاسد؛ فإن كان الخلل في أصل العقد أي في ركن من أركانه بأن كان في الصيغة، أو العاقدين أو المعقود عليه، كان العقد باطلا لا يترتب عليه أثر شرعي، وإن كان الخلل في وصف من أوصاف العقد بأن كان في شرط خارج عن ماهيته وأركانه، كان العقد فاسدا، وترتبت عليه بعض آثاره. وعلى هذا قالوا: إن بيع المجنون أو غير المميز أو بيع المعدوم باطل، وأما البيع بثمن غير معلوم فهو فاسد، وإن زواج غير المميز أو زواج إحدى المحرمات مع العلم بالحرمة باطل. وأما الزواج بغير شهود فهو فاسد، ولم يرتبوا على الباطل أثرًا، ورتبوا على الفاسد بعض الآثار، ولهذا أوجبوا بالدخول في الزواج الفاسد المهر والعدة وأثبتوا النسب، وفي البيع الفاسد إذا رفع سبب الفساد في المجلس بأن عين الثمن، أو الأجل ترتبت على العقد آثاره، وهو يفيد الملك بالقبض. ومما قدمنا بيانه من معنى الصحة ومعنى البطلان، يظهر الوجه على عدهما من الحكم الوضعي؛ لأن الصحة هي ترتب الآثار الشرعية على الأفعال والأسباب أو الشروط التي باشرها المكلف. والبطلان عدم ترتب شيء من تلك الآثار، فالحكم بصحة البيع حكم بسببيته شرعا لأحكامه.
следующие страницы →