٤- الرخصة والعزيمة:
تعريفهما:
الرخصة هي ما شرع الله من الأحكام تخفيفا على المكلف في حالات خاصة تقتضي هذا التخفيف، أو هي ما شرع لعذر شاق في حالات خاصة، أو هي استباحة المحظور بدليل مع قيام دليل الحظر. وأما العزيمة فهي ما شرع الله أصالة من الأحكام العامة التي لا تختص بحال دون حال، ولا بمكلف دون مكلف.
أنواع الرخص:
من الرخص إباحة المحظورات عند الضرورات أو الحاجات. فمن أكره على التلفظ بكلمة الكفر أبيح له ترفيها عنه أن يتلفظ بها وقلبه مطمئن بالإيمان: وكذا من أكره على أن يفطر في رمضان أو يتلف مال غيره، أبيح له المحظور الذي أكره عليه ترفيها عنه. ومن اضطره الجوع الشديد أو الظمأ الشديد إلى أكل الميتة أو شرب الخمر أبيح له أكلها وشربها. قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ . وقال سبحانه: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ .
ومن الرخص: إباحة ترك الواجب إذا وجد عذر يجعل أداءه شاقا على المكلف. فمن كان في رمضان مريضا أو على سفر أبيح له أن يفطر، ومن سافر أبيح له قصر الصلاة الرباعية أي أداؤها ركعتين بدل أربع: قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ .
ومن الرخص: تصحيح بعض العقود الاستثنائية، التي لم تتوافر فيها الشروط العامة لانعقاد العقد وصحته، ولكن جرت بها معاملات الناس وصارت من حاجاتهم، كعقد السلم فإنه بيع معدوم وقت العقد، ولكن جرى به عرف الناس وصار من حاجاتهم. ولذا جاء في الحديث: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الإنسان ما ليس عنده، ورخص في السلم". وكذلك الاستصناع والإجارة وعقد الوصية. فهذه كلها عقود إذا طبقت عليها الشروط العامة لانعقاد العقود وصحتها في العاقد، والمعقود عليه لا تصح ولكن الشارع رخص فيها وأجازها سدا لحاجة الناس ودفعا للحرج عنهم.
ومن الرخص: نسخ الأحكام التي رفعها الله عنا وكانت من التكاليف الشاقة على الأمم قبلنا، وهي المشار إليها بقوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا
стр. 107
حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ مثل التكليف بقرض موضع النجاسة من الثواب، وأداء ربع المال في الزكاة، وقتل النفس توبة من المعصية وعدم جواز الصلاة في غير المساجد -وتسمية هذه رخصًا فيها وتوسع- ومن هذه الأنواع يتبين أن ترخيص الشارع للتخفيف عن المكلفين تارة بإباحة المحرم للضرورة. أو بإباحة ترك الواجب للعذر، أو باستثناء بعض العقود من الأحكام الكلية للحاجة، كلها ترجع عند التحقيق إلى إباحة المحظور للضرورة أو الحاجة.
وعلماء الحنفية قسموا الرخصة إلى قسمين: رخصة ترفيه، ورخصة إسقاط. وفرقوا بينهما بأن رخصة الترفيه يكون حكم العزيمة معها باقيا ودليله قائما، ولكن رخص في تركه تخفيفا وترفيها عن المكلف. ومثلوا لهذا بمن أكره على التلفظ بكلمة الكفر. أو على إتلاف مال غيره، أو على الفطر في رمضان. وقالوا: إن النص المرخص لم يسقط حرمة التلفظ بكلمة الكفر عمن أكره عليه، ولكن استثنى من أكره من غضب الله عليه واستحقاقه العذاب. قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦] . ولكن يلاحظ أن الله قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فقد استثنى المضطر من الإثم كما استثنى المكره على التلفظ من الإثم واستحقاق العذاب.
بل إن قوله سبحانه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يشعر بأنه محرم، ولكن الله لم يعاقبه عليه رحمة منه. وقالوا كذلك: لم يسقط الإكراه حرمة إتلاف مال الغير ولا حرمة الفطر في رمضان، بل الحرمة مع الإكراه ثابتة. وإنما المقصود بالإباحة الترفيه عن المكلف. ولبقاء هذه الحرمة قالوا: إن العمل بالعزيمة أولى وإن من تمسك بالعزيمة واحتمل ما أكره عليه حتى مات، مات شهيدًا.
وأما رخصة الإسقاط فلا يكون حكم العزيمة معها باقيًا، بل إن الحال التي استوجبت الترخيص أسقطت حكم العزيمة، وجعلت الحكم المشروع فيها هو الرخصة، مثلوا لهذا بإباحة أكل الميتة أو شرب الخمر عند الجوع والظمأ وقصر الصلاة في السفر. فالمضطر إلى أكل الميتة وشرب الخمر سقطت حرمتها عنه في
стр. 108
حال اضطراره؛ لأن الله سبحانه بعد أن يبين هذه المحرمات قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذا يقتضي رفع التحريم، ولو لم يأكل أو يشرب أثم. والمسافر سقطت عنه الأربع ولو صلى أربعا كانت الركعتان الأخيرتان نافلة وتطوعا لا من المفروض.
والحق أن النصوص التي شرعت الرخص لا يدل ظاهرها على هذا التفريق. فإن الله سبحانه قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ . فكل محرم عند الضرورة يباح بلا تفريق بين محرم ومحرم. والقول بأنه عند الإكراه على إفطار رمضان يكون حكم العزيمة، وهو فرض الصيام باقيًا. وعند الاضطرار إلى أكل الميتة، أو شرب الخمر، لا يكون حكم العزيمة، وهو تحريمها باقيا. تفريق لا يظهر له وجه؛ لأن الإكراه نوع من الاضطرار؛ وفي الحالتين أبيح المحظور للضرورة، وكما قال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ، قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، وصريح قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ . أن القصر مباح، ومقتضى أنه مباح أن الأخذ بالعزيمة هو إتمام الصلاة أربعا مباح أيضا، فكيف يقال: إن حكم العزيمة هنا غير قائم، وإن الرخصة في هذا رخصة إسقاط؟
فالذي يؤخذ من النصوص أن الرخص كلها شرعت للترفيه، والتخفيف عن المكلف بإباحة فعل المحرم، وأن حكم الحظر ودليله قائمان. ومعنى إباحة المحظور ترخيصا أنه لا إثم في فعله. وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فللمكلف أن يتبع الرخصة تخفيفا عن نفسه، وله أن يتبع العزيمة محتملا ما فيها من مشقة، إلا إذا كانت المشقة يناله من احتمالها ضرر، فإنه يجب عليه اتقاء الضرر، واتباع الرخصة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، والله يحب أن تتبع رخصه، كما يجب أن تؤتى عزائمه، لأنه سبحانه ما جعل على الناس في الدين من حرج.
ومما قدمناه في تعريف الرخصة وبيان أنواعها يظهر الوجه في عدها من أقسام الحكم الوضعي؛ لأن الحكم المشروع هو جعل الضرورة سببا في إباحة المحظور أو طروء العذر سببا في التخفيف بترك الواجب، أو دفع الحرج عن الناس سببا في تصحيح بعض عقود المعاملات بينهم، فهو في الحقيقة وضع أسباب لمسببات.
стр. 109
٥- الصحة والبطلان:
ما طلبه الشارع من المكلفين من أفعال، وما شرعه لهم من أسباب وشروط إذا باشرها المكلف قد يحكم الشارع بصحتها، وقد يحكم بعدم صحتها.
فإذا وجدت على وفق ما طلبه الشارع وما شرعه، بأن تحققت أركانها وتوافرت شرائطها الشرعية، حكم الشارع بصحتها، وإن لم توجد على وفق ما طلبه الشارع وما شرعه، بأن اختل ركن من أركانها أو شرط من شروطها، حكم الشارع بعدم صحتها.
ومعنى صحتها شرعًا: ترتب آثارها الشرعية عليها. فإن كان الذي باشره المكلف فعلا واجبا عليه، كالصلاة والصيام والزكاة والحج وأداء المكلف مستكملًا أركانه وشروطه، سقط عنه الواجب، وبرئت ذمته منه، ولم يستحق تعزيرًا في الدنيا واستحق المثوبة في الآخرة.
وإن كان الذي باشره المكلف سببا شرعيا كالزواج والطلاق، والبيع والهبة وسائر العقود والتصرفات، واستوفى المكلف أركانه وشرائطه الشرعية، ترتب على كل سبب أثره الشرعي الذي رتبه الشارع عليه من إثبات الحل أو إزالته، تبادل ملك البدلين، أو الملك بغير عوض، أو غير ذلك من الآثار والحقوق التي تترتب على الأسباب الشرعية الصحيحة.
وإن كان الذي باشره شرطا كالطهارة للصلاة واستوفى المكلف شروطها وأركانها، أمكن تحقيق المشروط صحيحًا.
ومعنى عدم صحتها عدم ترتب آثارها الشرعية عليها، فإن كان الذي باشره واجبا لا يسقط عنه ولا تبرأ ذمته منه، وإن كان سببا شرعيا لا يترتب عليه حكمه، وإن كان شرطًا لا يوجد المشروط. وذلك لأن الشارع إنما رتب الآثار على أفعال وأسباب، وشروط تتحقق كما طلبها وشرعها، فإذا لم تكن كذلك فلا اعتبار لها شرعا.
ومن هذا البيان يؤخذ أن ما صدر عن المكلف من أفعال، أو أسباب أو شروط ولم يتفق وما طلبه الشارع أو ما شرعه يكون غير صحيح شرعا، ولا يترتب عليه أثره، سواء كان عدم صحته لاختلال ركن من أركانه أو لفقد شرط من شروطه، وسواء أكان عبادة أم عقدًا أم تصرفًا، وعلى هذا فلا فرق بين باطل وفاسد، لا في
стр. 110
العبادات، ولا في المعاملات فالصلاة الباطلة كالصلاة الفاسدة لا تسقط الواجب عن المكلف ولا تبرئ ذمته، والزواج الباطل كالزواج الفائد لا يفيد ملك المتعة ولا يترتب عليه أثره، والبيع الباطل كالبيع الفاسد لا يفيد نقل الملك في البدلين ولا يترتب عليه حكم شرعي، وتكون القسمة ثنائية، أي أن الفعل أو العقد أو التصرف إما صحيح تترتب عليه آثاره، وإما غير صحيح لا يترتب عليه أثر شرعي، وهذا هو رأي الجمهور.
وقال علماء الحنفية: إن القسمة ثنائية في العبادات، فهي إما صحيحة وإما غير صحيحة، ولا فرق بين باطل الصيام مثلا وفاسده في أنه لا يترتب عليه أثره ولا يسقط الواجب، وعلى المكلف قضاؤه، وأما العقود والتصرفات فالقسمة ثلاثية؛ لأن العقد غير الصحيح ينقسم إلى باطل وفاسد؛ فإن كان الخلل في أصل العقد أي في ركن من أركانه بأن كان في الصيغة، أو العاقدين أو المعقود عليه، كان العقد باطلا لا يترتب عليه أثر شرعي، وإن كان الخلل في وصف من أوصاف العقد بأن كان في شرط خارج عن ماهيته وأركانه، كان العقد فاسدا، وترتبت عليه بعض آثاره.
وعلى هذا قالوا: إن بيع المجنون أو غير المميز أو بيع المعدوم باطل، وأما البيع بثمن غير معلوم فهو فاسد، وإن زواج غير المميز أو زواج إحدى المحرمات مع العلم بالحرمة باطل. وأما الزواج بغير شهود فهو فاسد، ولم يرتبوا على الباطل أثرًا، ورتبوا على الفاسد بعض الآثار، ولهذا أوجبوا بالدخول في الزواج الفاسد المهر والعدة وأثبتوا النسب، وفي البيع الفاسد إذا رفع سبب الفساد في المجلس بأن عين الثمن، أو الأجل ترتبت على العقد آثاره، وهو يفيد الملك بالقبض.
ومما قدمنا بيانه من معنى الصحة ومعنى البطلان، يظهر الوجه على عدهما من الحكم الوضعي؛ لأن الصحة هي ترتب الآثار الشرعية على الأفعال والأسباب أو الشروط التي باشرها المكلف. والبطلان عدم ترتب شيء من تلك الآثار، فالحكم بصحة البيع حكم بسببيته شرعا لأحكامه.
стр. 111
٢- المحكوم فيه:
تعريفه:
المحكوم فيه: هو فعل المكلف الذي تعلق به حكم الشارع.
فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، الإيجاب المستفاد من هذا الخطاب تعلق بفعل من أفعال المكلفين هو: الإيفاء بالعقود فجعله واجبًا.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الندب المستفاد من هذا الخطاب تعلق بفعل من أفعال المكلفين هو كتابة الدين، فجعله مندوبًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ التحريم المستفاد من هذا الخطاب تعلق بفعل من أفعال المكلفين هو قتل النفس، فجعله محرما.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ الكراهة المستفادة من هذا الخطاب تعلقت بفعل من أفعال المكلفين هو إنفاق المال الخبيث، فجعلته مكروهًا.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ الخطاب تعلق بالمرض والسفر، فجعل كلا منهما مبيحا للفطر.
فكل حكم من أحكام الشارع فهو لا بد متعلق بفعل من أفعال المكلفين على جهة الطلب، أو التخيير، أو الوضع.
ومن المقرر أنه لا تكليف إلا بفعل، أي أن حكم الشارع التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلف، فإذا حكم الشارع إيجابا أو ندبا فالأمر واضح؛ لأن متعلق الإيجاب فعل الواجب على سبيل الحتم. ومتعلق الندب فعل المندوب لا على سبيل الحتم والإلزام، فالتكليف في الحالين بفعل.
وإذا كان حكم الشارع تحريما أو كراهة، فالمكلف به في الحالين هو فعل أيضا؛ لأنه هو كف النفس عن فعل المحرم أو المكروه. فمعنى قولهم: "لا تكليف إلا بفعل" أن الفعل يشمل الكف؛ أي المنع للنفس عن فعل. وبهذا تكون جميع الأوامر والنواهي متعلقة بأفعال المكلفين، ففي الأوامر: المكلف به: فعل المأمور به، وفي النواهي: هو الكف عن المنهي عنه.
стр. 112
شرط صحة التكليف بالفعل:
يشترط في الفعل الذي يصح شرعا التكليف به ثلاثة شروط:
أولها: أن يكون معلوما للمكلف علما تام حتى يستطيع المكلف القيام به كما طلب منه.
وعلى هذا فنصوص القرآن المجملة؛ أي التي لم يبين المراد منها، لا يصح تكليف المكلف بها إلا بعد أن يلحق بها بيان الرسول ﵊. فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ لم يبين النص القرآني أركان الصلاة، وشروطها وكيفية أدائها، فكيف يكلف بالصلاة من لا يعرف أركانها وشروطها وكيفية أدائها؟ لذلك بين الرسول ﵊ هذا المجمل وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
وكذلك الحج والصوم والزكاة، وكل فعل متعلق به خطاب من الشارع مجمل لا يعلم مراد الشارع به، لا يصح التكليف به، ولا مطالبة المكلفين بامتثاله إلا بعد بيانه، ولهذا أعطى الله رسوله سلطة التبيين بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وبين الرسول بسنته القولية والفعلية ما أجمل في القرآن. واتفق العلماء على أنه لا يسوغ تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه.
وثانيها: أن يكون معلوما أن التكليف به صادر ممن له سلطان التكليف. وممن يجب على المكلف اتباع أحكامه؛ لأنه بهذا العلم تتجه إرادته إلى امتثاله، وهذا هو السبب في أن أول بحث في أي دليل شرعي هو حجيته على المكلفين. أي أن الأحكام التي يدل عليها أحكام واجب على المكلف تنفيذها. وهو السبب أيضا في أن كل قانون وضعي يتوج بالديباجة الخاصة التي تدل على أن الحاكم أصدر القانون بناء على عرض مجلس الوزراء وموافقة البرلمان، ليعلم المكلفون أن القانون صادر ممن لهم سلطان التشريع، وممن يجب عليهم امتثال تكاليفهم، فيتجهوا للتنفيذ.
ويلاحظ أن المراد بعلم المكلف بما كلف به إمكان علمه به، لا علمه به فعلا، فمتى بلغ الإنسان عاقلا قادرا على أن يعرف الأحكام الشرعية بنفسه أو بسؤال أهل الذكر عنها، اعتبر عالما بما كلف به، ونفذت عليه الأحكام وألزم
стр. 113
بآثارها ولا يقبل منه الاعتذار بجهلها، ولهذا قال الفقهاء: لا يقبل في دار الإسلام عذر الجهل بالحكم الشرعي؛ لأنه لو شرط لصحة التكليف علم المكلف فعلا بما كلف به ما استقام التكليف، واتسع المجال للاعتذار بجهل الأحكام.
وعلى هذا التقنين الوضعي، فالناس يعتبرون عالمين بالقانون بتيسير إمكان علمهم به، وذلك بنشره بالطريق القانوني بعد إصداره، ولا اعتبار؛ لأن كل فرد من المكلفين علم به فعلا أو لا، ولذا جاء في مادة ٢٢ من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية: "لا يقبل من أحد أن يدعى بجهله القانون". وكذلك المراد بعلم المكلف بأن تكليفه بما كلف به صادر ممن يجب عليه امتثال أحكامه، إمكان علمه بهذا لا علمه به فعلا.
فكل حكم شرعي يمكن للمكلف أن يعرف دليله، وأن يعرف أن دليله حجة شرعية، على المكلفين اتباع ما يستمد منه. سواء أكان هذا بنفسه أم بواسطة سؤال أهل الذكر عنه.
وثالثها: أن يكون الفعل المكلف به ممكنًا، أو أن يكون في قدرة المكلف أن يفعله أو أن يكلف عنه. ويتفرع عن هذا الشرط أمران:
أحدهما: أن لا يصح شرعا التكليف بالمستحيل، سواء أكان مستحيلا لذاته أم مستحيلا لغيره، فالمستحيل لذاته أي المستحيل عقلا هو ما لا يتصور العقل وجوده، كالجمع بين الضدين، مثل إيجاب الفعل وتحريمه في وقت واحد على شخص واحد أو الجمع بين النقيضين كالنوم واليقظة في وقت واحد والمستحيل لغيره، أو العادي، ما يتصور العقل وجوده، ولكن ما جرت سنن الكون ولا العادة المطردة بوجوده، كطير الإنسان في الهواء بغير طائرة ووجود زرع بغير بذرة؛ لأن ما لا يتصور وجوده عقلا أو عادة لا يمكن المكلف فعله، وهو ليس في وسعه، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وهو حكيم منزه عن العبث وعن التكليف بفعل ما لا سبيل إلى فعله، وعن هذا تفرع قول الأصوليين: "الشخص الواحد في الوقت الواحد بالشيء الواحد لا يؤمر وينهى"؛ لأن هذا تكليف بالجمع بين النقيضين، وهما فعل الشيء وتركه في وقت واحد من مكلف واحد.
وثانيهما: أنه لا يصح شرعا تكليف المكلف بأن يفعل غيره فعلا أو يكف غيره من فعل؛ لأن فعل غيره أو كف غيره ليس ممكنا له هو. وعلى هذا لا يكلف
стр. 114
إنسان بأن يزكي أبوه أو يصلي أخوه أو يكف جاره عن السرقة. وكل ما يكلف به الإنسان مما يخص غيره هو النصح، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهذا من فعله المقدور له.
وكذلك لا يصح شرعا أن يكلف الإنسان بأمر من الأمور الجبلية للإنسان التي هي مسببات لأسباب طبيعية ولا كسب للإنسان فيها، ولا اختيار، كالانفعال عند الغضب، والحمرة عند الخجل، والحب والبغض، والحزن والفرح، والخوف، حين وجود أسبابها، والهضم والتنفس، والطول والقصر، والسواد والبياض، وغير ذلك من الغرائز التي فطر عليها الناس، ووجودها وعدمها خاضع لقوانين خلقية، وليس خاضعًا لإرادة المكلف واختياره، فهي خارجة عن قدرته، وليست من الممكنات له.
وإذا ورد في بعض النصوص ما يدل ظاهره على أن فيه تكليفا بما ليس مقدورا للإنسان من هذه الأمور، فهو ليس على ظاهره، وبتحقيق النظر فيه يتبين أنه تكليف بما هو مقدور.
مثلًا قوله ﷺ : "لا تغضب" ظاهره التكليف بالكف عن أمر طبيعي غير كسبي وهو الغضب عند وجود داعيته، ولكن حقيقته التكليف بالكف عما يعقب الغضب، ويلحق الغضوب من ثورة نفسه ومظاهر انتقامه، فالمراد: اضبط نفسك حين الغضب وكفها عن آثاره السيئة.
وقوله ﵊: "كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل"، ظاهره التكليف بأن يقتله غيره، ولكن حقيقته التكليف بأن لا يظلم ولا يبدأ بعدوان، فالمراد: لا تظلم.
وقوله ﵊: "أحبوا الله لما أسدى عليكم من نعمه". ظاهره التكليف بالحب. ولكن حقيقته التكليف بالنظر في النعم التي أسداها الله إليكم حتى تكونوا دائمًا ذاكرين شاكرين.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ظاهره تكليفهم الآن بأن يكونوا حين يموتون مسلمين، ولكن حقيقته تكليفهم الآن بأن يسيروا في طريق يثبت
стр. 115
إيمانهم ويقوي عقائدهم حتى يؤدي بهم هذا إلى أن يموتوا على دينهم. وقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ ظاهره التكليف بأن لا يحزن الإنسان على شيء فاته، ولا يفرح بشيء أتاه، وهذا غير مقدور له، لكن حقيقته التكليف بالكف عما يعقب الاسترسال في الحزن من السخط، وما يعقب الاسترسال في الفرح من البطر والزهو.
وهكذا كل ما ورد من أمثال هذه النصوص فهو مؤول بأن التكليف فيه إما ورد على ما يلحق الأمر الطبيعي ويترتب عليه من آثار، أو على ما يسبقه من بواعث ودوافع، وهذه اللواحق والسوابق أمور كسبية للإنسان وفي مقدوره.
ولا يتبادر إلى الذهن من اشتراط أن يكون الفعل مقدورا للمكلف لصحة التكليف به شرعا أن هذا يسلتزم أن لا تكون في الفعل أية مشقة على المكلف؛ لأنه لا منافاة بين كون الفعل مقدورا، وكونه شاقا. وكل ما يكلف به الإنسان لا يخلو من نوع مشقة؛ لأن التكليف هو الإلزام بما فيه كلفة ونوع مشقة.
غير أن المشقة نوعان -النوع الأول: مشقة جرت عادة الناس أن يحتملوها وهي في حدود طاقتهم، ولو داموا على احتمالها لا يلحقهم أذى ولا ضرر لا في نفس ولا في مال ولا في أي شأن من شئونهم، كالمشقات التي يحتملها الناس في المداومة على طرق السعي للرزق من زرع وحرث واتجار وغيرها، والمشقات التي يحتملها الموظفون في أداء واجباتهم، وكل عامل في أداء عمله.
والتكاليف الشرعية لا تخلو عن مشقات من هذا النوع فيها صعوبة، ولكنها محتملة، والمداومة عليها لا تلحق بمن داوم عليها ضررا ولا أذى. والشارع ما قص بالتكاليف هذه المشقات التي تلابسها وإنما قصد بها المصالح المترتبة عليها، وإلزام المكلف أن يحتمل مشقة في حدود طاقته في سبيل ما يترتب له من مصالح؛ كالطبيب الذي يلزم المريض أن يتناول الدواء المر لما يترتب على تناوله من شفائه فهو يحمله مرارته في سبيل السلامة من أمراضه، فالصلاة والزكاة والصيام، ومسائر ما أمر به المكلف وما نهى عنه: في القيام بها نوع مشقة وصعوبة على نفس المكلف ولكنها صعوبة محتملة وفي حدود الطاقة، وهي وسيلة إلى غاية ومصالح لا بد للإنسان منها لاستقامة حياته: والشارع ما أراد إيلام المكلف وتحميله
стр. 116
المشقات، وإنما أراد إصلاح حاله. كما أن الطبيب ما أراد إيلام المريض بمرارة الدواء وإنما أراد شفاءه.
النوع الثاني: مشقة خارجة عن معتاد الناس، ولا يمكن أن يداوموا على احتمالها؛ لأنهم إذا داوموا عليها انبتوا وانقطعوا، ونالهم الضرر والأذى في أنفسهم أو أموالهم، وأي شأن من شئونهم؛ كالمشقة في صوم الوصال، والمثابرة على قيام الليل، والترهب، والصيام قائمًا في الشمس، والحج ماشيًا، والتزام العزيمة في حال الترخيص بتركها مهما لحق من ضرر، فهذه المشقة لا يكلف الشارع بتكاليف تلابسها، ولا يلزم المكلف باحتمالها؛ لأن المقصد الأول من التشريع رفع الضرر عن الناس، وفي التكاليف بما فيه من هذا النوع من المشقة إضرار بالناس، وتكليفهم بما ليس في وسعهم، وقد شرع الله أحكام الرخص عند طروء الأعذار دفعا لهذا النوع من المشقة، فما أباح الفطر في رمضان لمن كان مريضا أو على سفر، وما أباح التيمم عند عدم الماء أو حال المرض، وما أباح المحظورات عند الضرورات أو الحاجات، إلا لدفع هذه المشقات، فلا يصح أن يكلف المكلف بأحكام فيها مشقات قد قصد الشارع دفعها.
فالمشقة التي من هذا النوع إذا كان يجلبها نفس العمل المكلف به، فقد دفعها الله بتشريع الرخص، وإذا كان يجلبها المكلف على نفسه بإرادته، فقد نهاه الله عن ذلك وحرمه عليه، ولهذا نهى الرسول ﷺ عن صوم الوصال، وعن قيام الليل كله، وعن الترهب، وقال: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم؛ لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". وقال لمن نذر أن يصوم قائما في الشمس: "أتم صومك ولا تقم في الشمس". وقال: "خذوا من الأعمال ما تطيقون"، "والقصد القصد تبلغوا"، "هلك المتنطعون"، "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"، "إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى". وحكم بإثم من ترك الرخص واستمسك بالعزيمة محتملا ما فيها من ضرر، وقال: "ليس من البر الصيام في السفر". وقال: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه".
стр. 117
٤- المحكوم عليه:
المحكوم عليه: هو المكلف الذي تعلق حكم الشارع بفعله.
ويشترط في المكلف لصحة تكليفه شرعا شرطان:
أحدهما: أن يكون قادرًا على فهم دليل التكليف، بأن يكون في استطاعته أن يفهم النصوص القانونية التي يكلف بها من القرآن والسنة بنفسه أو بالواسطة؛ لأن من لم يستطع فهم دليل التكليف لا يمكنه أن يتمثل ما كلف به، ولا يتجه قصده إليه، والقدرة على فهم أدلة التكليف إنما تتحقق بالعقل وبكون النصوص التي يكلف بها العقلاء في متناول عقولهم فهمها؛ لأن العقل هو أداة الفهم والإدراك، وبه توجه الإرادة إلى الامتثال، ولما كان العقل أمرًا خفيًّا لا يدرك بالحس الظاهر، ربط الشارع التكليف بأمر ظاهر يدرك بالحس هو مظنة للعقل وهو البلوغ، فمن بلغ الحلم من غير أن تظهر أعراض خلل بقواه العقلية فقد توافرت فيه القدرة على أن يكلف. وعلى هذا لا يكلف المجنون، ولا الصبي لعدم وجود العقل الذي هو وسيلة فهم دليل التكليف، ولا يكلف الغافل والنائم والسكران؛ لأنهم في حالة الغفلة والنوم أو السكر ليس في استطاعتهم الفهم. ولهذا قال رسول الله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل". وقال ﵊: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها".
وأما إيجاب الزكاة والنفقة والضمان على الصبي والمجنون فليس تكليفا لهما، وإنما هو تكليف الولي عليهما بأداء الحق المالي المستحق في مالهما، كأداة ضريبة أطيانهما وأملاكهما.
وأما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ، فليس تكليفا للسكارى حين سكرهم أن لا يقربوا الصلاة، وإنما هو تكليف للمسلمين في حال صحوهم أن لا يشربوا الخمر، إذا دنا وقت الصلاة حتى لا يقربوا الصلاة وهم سكارى، فكأنه سبحانه قال: إذا دنا وقت الصلاة فلا
стр. 118
تشربوا الخمر، وأما إيقاع طلاق السكران على مذهب الحنفية فهو عقاب له على سكره، ولهذا شرطوا أن يكون جانيًا بسكره بأن شرب محرما طائعا.
وأما من لا يعرفون اللغة العربية، ولا يستطيعون فهم أدلة التكليف الشرعية من القرآن والسنة، كاليابانيين والهنود والجاويين وغيرهم، فهؤلاء لا يصح تكليفهم شرعا إلا إذا تعلموا اللغة العربية واستطاعوا أن يفهموا نصوصها، أو ترجمت أدلة التكليف الشرعية إلى لغتهم، بحيث يستطيعون أن يجدوا كتابا دينيا بلغتهم يبين لهم ما يكلفهم به الإسلامي، أو قامت طائفة بتعلم لغات هذه الأمم التي لا تعرف اللغة العربية، ونشرت بينهم تعاليم الإسلام، وأدلته التكليفية مخاطبة لهم بلغتهم، وهذا الطريق الثالث هو الطريق القويم؛ لأن الرسول ﷺ في خطبته يوم حجة الوداع أشهد الله أنه بلغ رسالته، وأمر المسلمين أن يبلغ منهم الشاهد الغائب، والشاهد يشمل كل من اهتدى إلى الإسلام وعرف أحكامه. والغائب يشمل كل من لم يعرف لغة القرآن ولم يستطع فهم آياته. فأما إذا ترك هذا الغائب على حاله لا يعرف لغة القرآن، ولا يستطيع أن يفهم دلائله، ولا ترجمت آياته إلى لغته، ولا قام أحد يعرف لغة القرآن بتعليمه ما يكلف به باللغة التي يفهمها؛ فهو شرعًا غير مكلف؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. ولهذا قال الله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ .
وثانيهما: أن يكون أهلًا لما كلف به.
والأهلية معناها في اللغة: الصلاحية. يقال: فلان أهل للنظر على الوقف أي صالح له.
وأما في اصطلاح الأصوليين فالأهلية تنقسم إلى قسمين: أهلية وجوب، وأهلية أداء، فأهلية الوجوب هي صلاحية الإنسان، لأن تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات، وأساسها الخاص التي خلق الله عليها الإنسان، واختصه بها من بين أنواع الحيوان، وبها صلح لأن تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات. وهذه الخاصة هي التي سماها الفقهاء الذمة. فالذمة هي الصفة الفطرية الإنسانية التي بها ثبتت للإنسان حقوق قبل غيره، ووجبت عليه واجبات لغيره.
وهذه الأهلية أي أهلية الوجوب ثابتة لكل إنسان بوصف أنه إنسان سواء أكان ذكرا أم أنثى، وسواء أكان جنينا أم طفلا أم مميزا أم بالغا، أم رشيدا أم سفيهًا،
стр. 119
عاقلا أو مجنونا، صحيحا أو مريضا؛ لأنها مبنية على خاصة فطرية في الإنسان. فكل إنسان أيا كان له أهلية الوجوب ولا يوجد إنسان عديم أهلية الوجوب؛ لأن أهليته للوجوب هي إنسانيته.
وأما أهلية الأداء: فهي صلاحية المكلف، لأن تعتبر شرعا أقواله وأفعاله. بحيث إذا صدر منه عقد أو تصرف كان معتبرا شرعا وترتبت عليه أحكامه، وإذا صلى أو صام أو حج أو فعل أي واجب كان معتبرا شرعا ومسقطا عنه الواجب، وإذا جنى على غيره، في نفس أو مال أو عرض أخذ بجنايته وعوقب عليها بدنيا وماليا، فأهلية الأداء هي المسئولية وأساسها في الإنسان التمييز بالعقل.
حالات الإنسان بالنسبة لأهلية الوجوب:
الإنسان بالنسبة لأهلية الوجوب به حالتان اثنتان فقط:
فقد تكون له أهلية وجوب ناقصة إذا صلح؛ لأن تثبت له حقوق، لا لأن تجب عليه واجبات، أو العكس، ومثلوا للأول بالجنين في بطن أمه فإنه تثبت له حقوق؛ لأنه يرث ويوصى له ويستحق في ربع الوقف، ولكن لا تجب عليه لغيره واجبات، فأهلية الوجوب الثابتة له ناقصة، ومثلوا للثاني بالميت، إذا مات مدينا فإنه تبقى عليه حقوق دائنيه، بل إن بعض الفقهاء اعتبر للميت بعد موته أهلية وجوب كاملة، إذا مات دائنا ومدينا فتكون له حقوق على مدينيه، وعليه حقوق لدائنيه، وهذا كلام لا وجه له. والحق أن الموت قضى على خاصة الإنسان، فليست له ذمة ولا أهلية وجوب كاملة ولا ناقصة، وأما مطالبة مدينيه بما عليهم من الديون؛ فلأنها صارت حقا للورثة، والورثة خلفوا مورثهم فيما كان له وفيما كان عليه في حدود ما تركه، وبعبارة أخرى ورثوا ما له من ديون على غيره، وآلت إليهم تركته مشغولة بديون لغيره.
وقد تكون له أهلية وجوب كاملة إذا صلح، لأن تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات، وهذه تثبت لكل إنسان من حين ولادته، فهو في طفولته وفي سن تمييزه، وبعد بلوغه، على أية حال كان في أي طور من أطوار حياته له أهلية وجوب كاملة. وكما قدمنا لا يوجد إنسان عديم أهلية الوجوب.
стр. 120
حالات الإنسان بالنسبة لأهلية الأداء:
الإنسان بالنسبة لأهلية الأداء له حالات ثلاث:
١- قد يكون عديم الأهلية للأداء أصلًا، أو فاقدها أصلا. وهذا هو الطفل في زمن طفولته والمجنون في أي سن كان. فكل منهما لكونه لا عقل له لا أهلية أداء له، وكل منهما لا تترتب آثار شرعية على أقواله ولا على أفعاله، فعقوده وتصرفاته باطلة، غاية الأمر أنه إذا جنى أحدهما على نفس أو مال يؤاخذ ماليا لا بدنيا، فإذا قتل الطفل أو المجنون أو أتلف مال غيره ضمن دية القتيل أو ما أتلفه ولكنه لا يقتص منه. وهذا معنى قول الفقهاء: "عمد الطفل أو المجنون خطأ"؛ لأنه ما دام لا يوجد العقل لا يوجد القصد فلا يوجد العمد.
٢- وقد يكون ناقص الأهلية للأداء، وهو المميز الذي لم يبلغ الحلم، وهذا يصدق على الصبي في دور التمييز قبل البلوغ، ويصدق على المعتوه، فإن المعتوه ليس مختل العقل ولا فاقده ولكنه ضعيف العقل ناقصه، فحكمه حكم الصبي المميز. وكل منهما لوجود وثبوت أصل أهلية الأداء له بالتمييز تصح تصرفاته النافعة له نفعا محضا، كقبوله الهبات والصدقات بدون إذن وليه.
وأما تصرفاته الضارة بماله ضررا محضا، كتبرعاته، وإسقاطاته، فلا تصح أصلا ولو أجازها وليه، فهبته ووصيته ووقفه وطلاقه وإعتاقه كل هذه باطلة ولا تلحقها إجازة وليه.
وأما تصرفاته الدائرة بين النفع له والضرر به، فتصح منه ولكنها تكون موقوفة على إذن وليه بها. فإن أجاز وليه العقد أو التصرف نفذ، وإن لم يجزه بطل.
فصحة أصل هذه العقود والتصرفات من المميز أو المعتوه مبنية على ثبوت أصل أهلية الأداء له، وجعلها موقوفة على إذن الولي مبني على نقص هذه الأهلية، فإذا انضم الولي أو إجازته إلى التصرف جبر هذا النقص، فاعتبر العقد أو التصرف من ذي أهلية كاملة.
٣- وقد يكون كامل الأهلية للأداء وهو من بلغ الحلم عاقلا. فأهلية الأداء الكاملة تتحقق ببلوغ الإنسان عاقلا.
стр. 121
والأصل أن أهلية الأداء بالعقل، ولكنها ربطت بالبلوغ؛ لأن البلوغ مظنة العقل، والأحكام تربط بعلل ظاهرة منضبطة، فالبالغ سواء كان بلوغه بالسن أو بالعلامات يعتبر عاقلا وأهلا للأداء كامل الأهلية ما لم يوجد ما يدل على اختلال عقله أو نقصه.
عوارض الأهلية:
قدمنا أن أهلية الوجوب تثبت للإنسان بوصف أنه إنسان، وأنه وهو جنين في بطن أمنه تثبت له أهلية وجوب ناقصة، وبعد ولادته تثبت له أهلية وجوب كاملة في طفولته، وفي سن تمييزه وبعد بلوغه وفي نومه ويقظته وفي جنونه وإفاقته وفي رشده وسفهه. وما دام حيا لا يعرض لهذه الأهلية ما يزيلها أو ينقصها.
وأما أهلية الأداء فقد قدمنا أنها لا تثبت وهو جنين قبل أن يولد، ولا وهو طفل لم يبلغ السابعة، وأنه من سن التمييز أي بعد السابعة إلى سن البلوغ أي خمس عشرة سنة تثبت له أهلية أداء ناقصة. ولهذا يصح بعض تصرفاته ولا يصح بعضها، ويتوقف بعضها على إذن الولي أو إجازته. وأنه من سن بلوغه الحلم تثبت له أهلية أداء كاملة غير أن هذه الأهلية قد تعرض لها عوارض، منها ما هو عارض سماوي لا كسب للإنسان فيه ولا اختيار، كالجنون والعته والنسيان، ومنها ما هو عارض كسبي يقع بكسب الإنسان، واختياره كالسكر والسفه والدين.
وهذه العوارض التي تعرض لأهلية الأداء منها ما يعرض للإنسان، فيزيل أهليته للأداء أصلا كالجنون، والنوم والإغماء فالمجنون والنائم، والمغمى عليه ليس لواحد منهم أهلية أدء أصلا، ولا تترتب على تصرفاته آثارها الشرعية، وما وجب على المجنون بمقتضى أهليته للوجوب من واجبات مالية يؤديها عنه وليه، وما وجب على النائم والمغمى عليه بمقتضى أهليتهما للوجوب من واجبات بدنية، أو مالية يؤديها كل منهما بعد يقظته أو إفاقته.
ومنها ما يعرض للإنسان فينقص أهليته للأداء ولا يزيله كالعته، ولهذا صحت بعض تصرفات المعتوه دون بعضها كالصبي المميز.
ومنها ما يعرض للإنسان فلا يؤثر في أهليته لا بإزالتها ولا بنقصها، ولكن يغير بعض أحكامه لاعتبارات ومصالح قضت بهذا التغير، لا لفقد أهلية أو نقصها
стр. 122
كالسفه، والغفلة والدين، فكل من السفيه وذي الغفلة بالغ عاقل له أهلية أداء كاملة، ولكن محافظة على مال كل منهم من الضياع، ومنعا من أن يكون كل منهما عالة على غيره حجر عليهم في التصرفات المالية، فلا تصح معاوضة مالية منهما، ولا تبرعات مالية، لا لفقد أهليتهما، أو نقصها، ولكن محافظة على مالهما.
وكذلك المدين بالغ عاقل له أهلية أداء كاملة. ولكن محافظة على حقوق دائنيه حجر عليه أن يتصرف في ماله بما يضر بحقوق الدائنين كالتبرعات.
فأهلية الأداء أساسها التمييز بالعقل، وأمارة العقل البلوغ، فمن بلغ عاقلًا فأهليته للأداء كاملة، وإذا طرأ عليه طارئ ذهب بعقله كالجنون، أو أضعفه كالعته، أو حال دون فهمه كالنوم والإغماء، فهذا الطارئ عارض له تأثير في أهلية الأداء بإزالتها أو بنقصها.
وإذا طرأ على الإنسان طارئ لم يذهب بعقله ولم يضعفه ولم يحل دون فهمه، فهذا الطارئ لا تأثير له في أهلية الأداء لا بإزالة ولا بنقص، وإن كان يقضي بتغير بعض الأحكام لمصالح اقتضت هذا التغير، كالسفه والغفلة والدين. ولهذا لا يرى الإمام أبو حنيفة الحجر بواحد من هذه الثلاثة؛ لأنه لا تأثير لواحد منها في أهلية الإنسان، ويرى أن المصالح التي ترتب على الحجر بها لا توازن بالضرر الذي يلحق الإنسان من الحجر عليه، واعتباره غير أهل.
стр. 123
القسم الثالث: في القواعد الأصولية اللغوية
تمهيد:
نصوص القرآن والسنة باللغة العربية. وفهم الأحكام منها إنما يكون فهما صحيح إذا روعي فيه مقتضى الأساليب في اللغة العربية وطرق الدلالة فيها، وما تدل عليه ألفاظها مفردة ومركبة، ولهذا عنى علماء أصول الفقه الإسلامي، باستقراء الأساليب العربية وعباراتها ومفرداتها، واستمدوا من هذا الاستقراء ومما قرره علماء هذه اللغة قواعد وضوابط، يتوصل بمراعاتها إلى فهم الأحكام من النصوص الشرعية فهما صحيحًا، يطابق ما يفهمه منها العربي الذي وردت هذه النصوص بلغته، ويتوصل بها أيضا إلى إيضاح ما فيه خفاء من النصوص، ورفع ما يقد يظهر بينها من تعارض، وتأويل ما دل دليل على تأويله، وغير هذا مما يتعلق باستفادة الأحكام من نصوصها.
وهذه القواعد والضوابط اللغوية مستمدة من استقراء الأساليب العربية، ومما قرره أئمة اللغة العربية، وليست لها صبغة دينية. فهي قواعد لفهم العبارات فهما صحيحًا، ولهذا يتوصل بها أيضا إلى فهم مواد أي قانون وضع باللغة العربية؛ لأن مواد القوانين الوضعية المصوغة باللغة العربية، هي مثل النصوص الشرعية في أنها جميعها عبارات عربية مكونة من مفردات عربية، ومصوغة في الأسلوب العربي، ففهم المعاني والأحكام منها يجب أن يسلك فيه السبيل العربي في فهم العبارات والمفردات والأساليب.
وليس من السائغ قانون ولا عقلا أن يسن الشارع قانونا من القوانين بلغة، ويتطلب من الأمة أن تفهم ألفاظ مواده وعباراتها، على مقتضى أساليب وأوضاع لغة أخرى؛ لأن شرط صحة التكليف بالقانون قدرة المكلفين به على فهمه. ولهذا يوضع القانون في الأمة بلسانها، وبلغة جمهور أفرادها، ليكون في استطاعتهم فهم الأحكام منه بأساليب الفهم في لغتهم، ولا يكون القانون حجة على الأمة إذا وضع بغير لغتها أو كان طريق فهمه غير طريق فهم اللغة التي وضع بها، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ .
وعلى هذا فالقواعد والضوابط التي قررها علماء أصول الفقه الإسلامي في طرق دلالة الألفاظ على المعاني، وفيما يفيد العموم من الصيغ، وفيما يدل عليه العام والمطلق والمشترك، وفيما يحتمل التأويل وما لا يحتمل التأويل، وفي أن
стр. 124
العبوة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وفي أن العطف يقتضي المغايرة، وأن الأمر المطلق يقتضي الإيجاب، غير ذلك من ضوابط فهم النصوص، واستثمار الأحكام منها؛ كما تراعى في فهم النصوص الشرعية، تراعى في فهم نصوص القانون المدني والتجاري، وقانون المرافعات والعقوبات وغيرها من قوانين الدولة الموضوعة باللغة العربية طبقا للمادة ١٤٩ من الدستور "الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية".
ولا يقال: إن بعض هذه القوانين معربة عن أصل فرنسي، وواضع الأصل ما عرف أساليب اللغة العربية في الفهم، ولا قصد أن تفهم مواده على وفقها؛ لأننا نقول: إن القانون الذي كلفنا به صيغ باللغة العربية واعتبر صادرا عمن يفهم الأساليب العربية، ولا يستقيم التكليف به إلا إذا قصد فهمه على وفق أساليب اللغة التي صيغ بها، ولا عبرة بأساليب اللغة التي نقل عنها، وعلى هذا إذا تعارض النص العربي وأصله الفرنسي، ولم يمكن التوفيق بينهما يعمل بمقتضى النص العربي؛ لأن الناس لا يكلفون إلا بما يفهمون وهو ما نشر بينهم١.
نعم إذا كان النص العربي يحتمل أن يفهم على وجهين، وألفاظه تحتمل الدلالة على معنيين، ساغ الاستدلال بالأصل الفرنسي على ترجيح أحد المعنيين واختيار أحد الوجهين، كما يستدل على هذا بأية قرينة. وإذا كان في أصول القانون الوضعي أو في العرف التجاري اصطلاح خاص بدلالة بعض الأساليب على أحكام، أو بدلالة بعض الألفاظ على معان، أو بإزالة بعض أنواع الخفاء بطرق خاصة، يتبع في فهم مواد القانون ما يقضي به الاصطلاح والعرف القانونيات، لا ما تقضي به الأوضاع اللغوية.
ولهذا قرر علماء أصول الفقه أن الألفاظ التي استعملت في معان عرفية شرعية، كالصلاة والزكاة والطلاق تفهم في النصوص بمعانيها العرفية لا بمعانيها اللغوية؛ لأن المقنن يراعي في تعبيره عرفه الخاص، فإذا لم يكن له عرف خاص يراعي العرف اللغوي العام.
стр. 125
القاعدة الأولى: في طريق دلالة النص
النص الشرعي -أو القانوني- يجب العمل بما يفهم من عبارته، أو إشارته أو دلالته، أو اقتضائه؛ لأن كل ما يفهم من النص بطريق من هذه الطرق الأربعة هو من مدلولات النص، والنص حجة عليه.
"وإذا تعارض معنى مفهوم بطريق من هذه الطرق، ومعنى آخر مفهوم بطريق آخر منها رجح المفهوم من العبارات على المفهوم من الإشارة، ورجح المفهوم من أحدهما على المفهوم من الدلالة".
المعنى الإجمالي لهذه القاعدة: أن النص الشرعي، أو القانوني قد يدل على معان متعددة بطرق متعددة من طرق الدلالة، وليست دلالته قاصرة على ما يفهم من عبارته وحروفه، بل هو قد يدل أيضا على معان تفهم من إشارته، ومن دلالته ومن اقتضائه. وكل ما يفهم منه من المعاني بأي طريق من هذه الطرق يكون من مدلولات النص ويكون النص دليلا وحجة عليه، ويجب العمل به؛ لأن المكلف بنص قانوني مكلف بأن يعمل بكل ما يدل عليه هذا النص، بأي طريق من طرق الدلالة المقررة لغة، وإذا عمل بمدلول النص من بعض طرق دلالته وأهمل العمل بمدلوله من طريق آخر فقد عطل النص من بعض الوجوه. ولهذا قال الأصوليون: يجب العمل بما تدل عليه عبارة النص، وما تدل عليه روحه ومعقوله وهذه الطرق بعضها أقوى دلالة من بعض، ويظهر أثر هذا التفاوت عند التعارض.
أما الشرح التفصيلي لهذه القاعدة فهو بيان المراد بكل طريق من هذه الطرق الأربع للدلالة. وأمثلته من نصوص القوانين الشرعية والوضعية:
١- عبارة النص:
المراد بعبارة النص صيغته المكونة من مفرداته وجمله. والمراد بما يفهم من عبارة النص المعنى الذي يتبادر فهمه من صيغته، ويكون هو المقصود من سياقه، فمتى كان المعنى ظاهرًا فهمه من صيغة النص، والنص سيق لبيانه وتقريره، كان مدلول عبارة النص، "ويطلق عليه المعنى الحرفي للنص" فدلالة العبارة: هي دلالة الصيغة على المعنى المتبادر فهمه منها، المقصود من سياقها سواء أكان مقصودا من سياقها أصالة أو مقصودا تبعا.
стр. 126
وأمثلة هذا لا تحصى؛ لأن كل نص قانوني إنما ساقه الشارع لحكم خاص، قصد تشريعه به وصاغ ألفاظه وعباراته لتدل دلالة واضحة عليه. فكل نص في أي قانون شرعي أو وضعي له معنى تدل عليه عباراته، وقد يكون له مع هذا معنى يدل عليه بالإشارة أو الدلالة أو الاقتضاء، وربما لا يكن، فلا حاجة إلى ذكر أمثلة مما يدل عليه النص بعبارته، وإنما نقتصر على بعض أمثلة يتبين منها الفرق بين المقصود من السياق أصالة والمقصود منه تبعًا:
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ هذا النص تدل صيغته دلالة ظاهرة على معنيين كل منهما مقصود من سياقه، أحدهما أن البيع ليس مثل الربا، وثانيهما أن حكم البيع الإحلال، وحكم الربا التحريم، فهما معنيان مفهومان من عبارة النص، ومقصودان من سياقه؛ ولكن الأول: مقصود من السياق أصالة؛ لأن الآية سيقت للرد على الذين قالوا: إنا البيع مثل الربا. والثاني: مقصود من السياق تبعا؛ لأن نفي المماثلة استتبع بيان حكم كل منهما حتى يؤخذ من اختلاف الحكمين أنهما ليسا مثلين. ولو اقتصر على المعنى المقصود من السياق أصالة. لقال: وليس البيع مثل الربا.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ .
يفهم من عبارة هذا النص ثلاثة معان: إباحة ما طاب من النساء، وتحديد أقصى عدد الزوجات بأربع، وإيجاب الاقتصار على واحدة إذا خيف الجور حال تعدد الزوجات؛ لأن كل هذه المعاني تدل عليها ألفاظ النص دلالة ظاهرة، وكلها مقصودة من سياقه، ولكن المعنى الأول مقصود تبعا، والثاني والثالث مقصودان أصالة؛ لأن الآية سيقت لمناسبة الأوصياء على القصر الذين تحرجوا من قبول الوصاية خوف الجور في أموال اليتامى، فالله سبحانه نبههم١ إلى أن خوف الجور يجب أن يحول أيضا بينكم، وبين تعدد الزوجات إلى غير حد، وبغير قيد، فاقتصروا على اثنتين أو ثلاث أو أربع، وإن خفتم أن لا تعدلوا حين التعدد فاقتصروا على واحدة، فهذا الاقتصار على اثنتين أو ثلاث أو أربع، أو واحدة هو
стр. 127
الواجب على من يخاف الجور، وهو المقصود أصالة من سياق الآية، وهذا استتبع بيان إباحة الزواج، فإباحة الزاج مقصود تبعا لا أصالة، والمقصود أصالة: قصر عدد الزوجات على أربع، أو واحدة، ولو اقتصر على الدلالة على المعنى المقصود من السياق لقال: وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فاقتصروا على عدد الزواجات لا يزيد على أربع، فإن خفتم أن لا تعدلوا بين العدد منهم فاقتصروا على واحدة.
٢- إشارة النص:
المراد بما يفهم من إشارة النص المعنى الذي لا يتبادر فهمه من ألفاظه، ولا يقصد من سياقه، ولكنه معنى لازم للمعنى المتبادر من ألفاظه، فهو مدلول اللفظ بطريق الالتزام، ولكونه معنى التزاميا وغير مقصود من السياق كانت دلالة النص عليه بالإشارة لا بالعبارة، وقد يكون وجه التلازم ظاهرًا، وقد يكون خفيًّا، ولهذا قالوا: إن ما يشير إليه النص قد يحتاج فهمه إلى دقة نظر ومزيد تفكير، وقد يفهم بأدنى تأمل، فدلالة الإشارة هي دلالة النص عن معنى لازم لما يفهم من عبارته غير مقصود من سياقه؛ يحتاج فهمه إلى فضل تأمل أو أدناه، حسب ظهور وجه التلازم وخفائه.
مثال هذا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ .
يفهم من عبارة هذا النص أن نفقة الوالدات من رزق وكسوة، واجبة على الآباء؛ لأن هذا هو المتبادر من ألفاظه، المقصود من سياقه، ويفهم من إشارته أن الأب لا يشاركه أحد في وجوب النفقة لوالده عليه؛ لأن ولده له لا لغيره، والأب لو كان قرشيا والأم غير قرشية يكون الوالد لأبيه قرشيا؛ لأن ولده له لا لغيره، وأن الأب له عند احتياجه أن يتملك بغير عوض من مال ابنه ما يسد به حجته؛ لأن ولده له، فمال ولده له، وإنما فهمت هذه الأحكام من إشارة النص؛ لأن في ألفاظ النص نسبة المولود لأبيه بحرف اللام الذي يفيد الاختصاص ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ ، وهذا الاختصاص هو المعبر عنه في الحديث "أنت ومالك لأبيك" ومن لوازم هذا الاختصاص ثبوت هذه الأحكام، فهي أحكام لازمة لمعنى مفهوم من عبارة النص وغر مقصودة من سياقه، ولذا كان فهمها من إشارته لا من عبارته.
стр. 128
مثال آخر: قوله تعالى في بيان من لهم نصيب في الفيء١ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ يفهم من عبارة هذا النص استحقاق هؤلاء الفقراء المهاجرين نصيبا من الفيء، ويفهم من إشارته أن هؤلاء المهاجرين زال ملكهم عن أموالهم التي تركوها حين أخرجوا من ديارهم؛ لأن النص عبر عنهم بلفظ الفقراء، ووصفهم بأنهم فقراء يستلزم أن لا تكون أموالهم باقية على ملكلهم، فهذا حكم لازم لمعنى لفظ في النص، وغير مقصود من سياق النص.
مثال: ٣: قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ يفهم منه بطريق الإرشارة إيجاب إيجاب طائفة من الأمة تمثلها وتستشار في أمرها؛ لأن تنفيذ الأمر ومشاورة الأمة يستلزم ذلك.
مثال: ٤: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ يفهم منه بطريق الإشارة إيجاب إيجاد أهل الذكر في الأمة.
مثال من قانون العقوبات، المادة: ٢٧٤: "المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين، ولكن لزوجها أن تنفيذ الحكم برضائه معاشرتها".
هذه المادة تدل بعبارتها على عقوبة الزوجة التي ثبت زناها، وعلى أن للزوج الحق في وقف تنفيذ العقوبة، وتدل بإشارتها على أن زنا الزوجة ليس جناية على المجتمع في نظر الشارع المصري، وإنما هو جناية على الزوج، وهذا لازم لإثبات حق إسقاط عقوبته للزوج، إذ لو كان جناية على المجتمع كالسرقة ما ثبت لأحد حق إسقاط عقوبته.
مثال من القانون المدني الملغي، مادة ١٥٥: يجب على الفروع وأزواجهم ما دامت الزوجية قائمة أن ينفقوا على الأصول وأزواجهم.
دومادة ١٥٦، كذلك يجب على الأصول القيام بالنفقة على فروعهم، وأزواج الفروع والأزواج أيضا ملزمون بالنفقة على بعضهم.
стр. 129
ومادة ١٥٧: تقدير النفقات يكون بمراعاة لوازم من تفرض لهم ويسر من تفرض عليهم، وعلى كل حل يلزم دفع النفقات شهرا بشهر مقدما.
يفهم من عبارة كل مادة من هذه المواد حكم موضوعي من أحكام النفقات، ويفهم منها بالإشارة اختصاص المحاكم الأهلية بالقضاء بها، لأن يلزم من النص علها في قانونها وجوب تطبيقها، فهذا الاختصاص معنى لازم لورود هذه المواد في القانون، وغير مقصود من سياق المواد فهو مفهوم بطريق الإشارة.
وكثير من النصوص القانونية الوضعية تدل عبارتها على أحكام، وتشير إلى أحكام، وهذا ما يعبر عنه رجال القانون بقولهم: النص صريح في كذا، ويؤخد منه بطريق الإشارة كذا.
ويجب الاحتياط في الاستدلال بطريق الإشارة وقصره على ما يكون لازما لمعنى من معاني النص لزوما لا انفكاك له؛ لأن هذا هو الذي يكون النص دالا عليه، إذ الدال على الملزوم دال على لازمه، وأما تحميل النص معاني بعيدة لا تلازم بينها وبين معنى فيه بزعم أنها إشارته، فهذا شطط في فهم النصوص، وليس هو المراد بدلالة إشارة النص.
٣- دلالة النص:
المراد بما يفهم من دلالة النص المعنى الذي يفهم من روحه ومعقولة، فإذا كان النص تدل عبارته على حكم في واقعة لعلة بني عليها هذا الحكم، ووجدت واقعة أخرى، تساوي هذه الواقعة في علة الحكم أو هي أولى منها، وهذه المساواة أو الأولوية تتبادر إلى الفهم بمجرد فهم اللغة من غير حاجة إلى اجتهاد أو قياس، فإنه يفهم لغة أن النص تناول الواقعتين، وأن حكمه الثابت لمنطوقه يثبت لمفهومه الموافق له في العلة، سواء كان مساويا أم أولى.
مثال هذا قوله تعالى في شأن الوالدين: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ تدل عبارة هذا النص على نهي الولد أن يقول لوالديه: "أف"؛ والعلة في هذا النهي ما في هذا القول لهما من إيذائهما وإيلامهما، وتوجد أنواع أخرى أشد إيذاء، وإيلاما من التأفف كالضرب والشتم، فيتبادر إلى الفهم أنها يتنالها النهي، وتكون محرمة بالنص الذي حرم التأفف؛ لأن المتبادر لغة من النهي عن التأفف، النهي عما هو أكثر منه إيذاء للوالدين فهنا المفهوم الموافق المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق.
стр. 130
مثال آخر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ .
يفهم من عبارة هذا لنص تحريم أكل الأوصياء أمول اليتامى ظلما، ويفهم من دلالته تحريم أن يؤكلوها غيرهم، وتحريم إحراقها وتبديدها وإتلافها بأي نوع من أنواع الإتلاف؛ لأن هذه الأشياء تساوي أكلها ظلما في أن كلا منها اعتداء على مال القاصر العاجز عن دفع الاعتداء، فيكون النص المحرم بعبارته أكل أموال اليتامى ظلما؛ محرما إحراقها وتبديدها بطريق الدلالة، وهنا المفهوم الوافق المسكوت عنه مساو للمنطوق، فالفرق بين دلالة النص، وبين القياس أن مساواة المفهوم الموافق لمنطوق النص تفهم بمجرد فهم اللغة من غير توقف على اجتهاد واستنباط، وأما مساواة المقيس عليه فلا تفهم بمجرد فهم اللغة، بل لا بد من اجتهاد في استنباط العلة في حكم المقيس عليه، وفي معرفة تحققها في المقيس.
مثال من القانون المدني الملغي: نصت المادة ٣٧٠ على أنه "لا يكلف المؤجر بعمل أي مرمة كانت إلا إذا اشترط في العقد إلزامه بذلك" يفهم من دلالة هذا النص أنه لا يكلف المؤجر بإنشاء حجرة مثلا: لأن هذا أولى من عمل المرمة في تحقق علة المنع من التكليف به، وهي التراضي على المعقود عليه بحاله وقت العقد.
مثال من قانون العقوبات: نصت المادة ٢٧٤ على "أن المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين، ولكن لزوجها أن يقف تنفيذ هذا الحكم برضائه معاشرتها له كما كانت"، ويفهم من دلالة هذا النص أن للزوج أن يطلب وقف السير في دعوى الزنا قبل الحكم فيها؛ لأن من ملك وقف تنفيذ الحكم بعد صدوره ملك بالأولى وقف إجراءات الدعوى بشأنه.
ونصت المادة ٢٣٧ "على أن من فاجأ زوجته حال تلبسها بالزنا وقتلها في الحال يعاقب بالحبس بدلا من العقوبات المقررة في المادتين ٢٣٤، ٢٣٦".
يفهم من دلالة هذا النص أنه لو ضربها هي ومن يزني بها ضربا أحدث عاهة مستديمة تعتبر جريمة جنحة لا جناية؛ لأن هذا أولى بالقتل من التخفيف.
وجاء في حكم محكمة بني سويف الابتدائية الصادر في ٩ ديسمبر سنة ١٩٢٢ "رقم ٢١٣ ص٤٣، ص٤ مجلة المحاماة"، "إن العلة التي أدت بالشارع إلى سن قانون تشكيل اللجان لتخفيض إيجار الأطيان الزراعية إنما هي غلو
стр. 131
المؤجرين في تقدير الإيجار نظرًا لارتفاع أسعار القطن، وأسعار سائر الحاصلات من حبوب وغيرها، وما دامت هذه هي العلة التي اقتضت التخفيض في السنة التي زرعت فيها الأطيان قطنًا، فإنها تقتضي من باب أولى التخفيض أيضا في السنة التي تزرع فيها الأطيان قطنا وزرعت حبوبا".
وهذا الطريق، أي طريق الدلالة، كما يسمى دلالة النص يسمى القياس الجلي لظهور فهم المساواة، أو الأولوية بين المنطوق والمفهوم الموافق له، ويسمى حكمه مفهوم الموافقة أي المفهوم الذي وافق المنطوق في حكمه بناء على موافقته له في علته موافقة تفهم بمجرد فهم اللغة، ويسمى فحوى الخطاب أي روحه وما يعقل منه؛ لأن كل نص دل على حكم في محل لعلة، يدل على ثبوت هذا الحكم في كل محل تتحقق فيه العلة العلة بتبادر الفهم، أو تكون العلة أكثر توافرًا فيه.
٤- اقتضاء النص:
المراد بما يفهم من اقتضاء النص المعني الذي لا يستقيم الكلام إلا بتقديره، فصيغة النص ليس فيها لفظ يدل عليه ولكن صحتها واستقامة معناها تقتضيه، أو صدقها ومطابقتها للواقع تقتضيه.
مثال هذا قوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". هذه العبارة يدل ظاهرها على رفع الفعل إذا وقع خطأ أو نسيانا أو مكرها عليه، وهذا معنى غير مطابق للواقع؛ لأن الفعل إذا وقع لا يرفع، فصحة معنى هذه العبارة تقتضي ما تصح به، فيقدر هناك رفع عن أمي إثم الخطأ: فالإثم محذوف اقتضى تقديره صحة معنى النص، فيعتبر من مدلولات النص اقتضاء.
ومثال قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ....﴾ ١ أي زواجهن وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ أي أكلها والانتفاع بها.
لأن الذات لا يتعلق بها التحريم، وإنما يتعلق التحريم بفعل المكلف فيقدر المقتضي في كل نص بما يناسبه.
ومثال هذا من عبارات الواقفين قول الواقفين: جعلت الشروط العشرة لمن يكون ناظرا على وقفي، فإن هذا يدل اقتضاء على جعلها لنفسه؛ لأنه لا يملك أن
стр. 132
يجعلها لغيره إلا إذا كانت له، فثبوت الشروط العشرة لناظر وقفه بعبارة نصه وثبوتها لنفسه باقتضائه.
ومن هذا قول إنسان لآخر يملك عبدا: "اعتق عبدك عني بألف"، فإن هذا يدل بمقتضاه على شراء عبده منه؛ لأنه لا ينوب عنه في عتقه إلا بعد أن يتملكه منه بشرائه، فالشراء ثابت بنص هذه الصيغة اقتضاء.
ومن هذا التفصيل يثبت ما قدمناه في الإجمال، وهو أن كل معنى فهم من النص بطريق من هذه الطرق الأربع يكون من مدلولات النص، ويكون النص حجة عليه؛ لأن المعنى المأخوذ من عبارته هو المعنى المتبادر من ألفاظه المقصود من سياقه، والمعنى المأخوذ من عبارته هو المعنى المتبادر من ألفاظه المقصود من سياقه، والمعنى المأخوذ من إشارته هو المعنى الازم لمعنى عبارته لزومًا لا ينفك، فهو مدلوله بطريق الالتزام، والمعنى المأخوذ من دلالته هو المعنى الذي تدل عليه روحه ومعقوله، والمفهوم اقتضاء هو معنى ضروري اقتضى تقديره صدق عبارة النص أو استقامة معناه.
وطريق العبارة أقوى دلالة من طريق الإشارة؛ لأن الأول يدل على معنى متبادر فهمه مقصود بالسياق، والثاني يدل على معنى لازم غير مقصود بالسياق، وكل منهما أقوى من طريق الدلالة؛ لأن كلا منهما منطوق النص ومدلوله بصيغته وألفاظه، ولكن طريق الدلالة مفهوم النص ومدلوله بروحه ومعقوله، ولهذا التفاوت يرجع عند التعارض المفهوم من العبارة على المفهوم من الإشارة، ويرجح المفهوم من أحدهما على المفهوم من الدلالة.
مثال التعارض بين المفهوم بالعبارة والمفهوم بالإشارة من النصوص الشرعية
стр. 133
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ مع قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ تدل الآية الأولى بعبارتها على وجوب القصاص من القاتل، وتدل الآية الثانية بإشارتها على أن القاتل العامد لا يقتص منه؛ لأن في اقتصارها على أن جزاءه جهنم إشارة إلى هذا، إذ يلزم من هذا الاقتصار في مقام البيان أنه لا تجب عليه عقوبة أخرى، ولكن رجح مدلول العبارة على مدلول الإشارة ووجب القصاص، وقوله ﷺ : "أقل الحيض ثلاثة أو أكثره عشر"، مع قوله ﷺ في تعليل نقصان الدين في النساء: "تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصلي"، فإن الحديث الأول يدل بعبارته على أن أكثر مدة الحيض عشرة أيام، والحديث الثاني يدل بإشارته على أن أكثر مدة الحيض خمسة عشر يومًا؛ لأنه نص على أن إحداهن تقعد نصف عمرها لا تصلي، ويلزم من هذا أن تكون مدة الحيض نصف شهر حتى يتحقق أنها في نصف عمرها لا تصلي، فلما تعارض المفهوم من عبارة النص الأول، والمفهوم من إشارة النص الثاني، رجح المفهوم من العبارة، وهو تقدير أكثر مدة الحيض بعشرة أيام.
مثال هذا من القانون المدني الملغي مواد النفقات الواردة في المواد "١٥٥، ١٥٧، ١٥٨" تدل بطريق الإشارة على اختصاص المحاكم الأهلية بالفصل في قضايا هذه النفقات؛ لأن هذا يلزم من النص عليها في قانونها، والمادة ١٦ من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية الملغاة التي جاء فيها أن ليس لهذه المحاكم أن تنظر في الأنكحة، وما يتعلق بها من قضايا المهر والنفقة، تدل بطريق العبارة على عدم اختصاص المحاكم الوطنية بقضايا النفقة، فلما تعارض المفهوم بطريق إشارة الأولى، والمفهوم بطريق عبارة الثانية، رجح المفهوم بطريق العبارة، فلا اختصاص للمحاكم الوطنية بمواد النفقات.
ومثال التعارض بين المفهوم بالإشارة والمفهوم بالدلالة من النصوص الشرعية قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ يؤخذ منه بطريق الدلالة أن من قتل مؤمنًا متعمدًا عليه أن يحرر رقبة مؤمنة؛ لأنه أولى من القاتل خطأ بهذا التكفير عن جريمته؛ لأن تحرير الرقبة كفارة للقاتل عن ذنبه، والعامد أولى أن يكفر عن ذنبه من الخاطئ، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ يؤخذ منه بطريق الإشارة أنه لا يجب عليه تحرير رقبة؛ لأن الآية تشير إلى أنه لا كفارة لذنبه في الدنيا إذ جعلت جزاءه خلوده في جهنم لا غير، فلما تعارضا رجحت الإشارة على الدلالة، فلا يجب على القاتل عمدًا تحرير رقبة.
стр. 134
القاعدة الثانية: في مفهوم المخالفة
"النص الشرعي لا دلالة له على حكم في مفهوم المخالفة".
إذا دل النص الشرعي على حكم في محل مقيدًا بقيد، بأن كان موصوفا بوصف أو مشروطا بشرط أو مغيا بغاية أو محددا بعدد، يكون حكم النص في المحل الذي تحقق فيه القيد هو منطوق النص، وأما حكم المحل الذي انتفى عنه القيد فهو مفهومه المخالف.
والمعنى الإجمالي لهذه القاعدة؛ أن النص الشرعي لا دلالة له على حكم ما في المفهوم المخالف لمنطوقه؛ لأنه ليس من مدلولاته بطريق من طرق الدلالة لأربع، بل يعرف حكم المفهوم المخالف المسكوت عنه بأي دليل آخر من الأدلة الشرعية التي منها الإباحة الأصلية.
فقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ منطوقه تحريم الدم المسفوح، وأما تحليل الدم غير المسفوح، فهو مفهوم مخالف لمنطوقه ولا دلالة لهذه الآية عليه، بل يعرف بالإباحة الأصلية أو بأي دليل شرعي، مثل قوله الرسول: "أحلت لكم ميتتان ودمان، أما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال".
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ منطوقه أن من لم يستطع زواج الحرائر يباح له أن يتزوج الإماء المؤمنات، وأما من استطاع زواج الحرائر، فلا دلالة لهذه الآية على حكمه، وكذلك الإماء غير المؤمنات لا دلالة لهذه الآية على حكم فيهن.
أما الشرح التفصيلي لهذه القاعدة فيقتضي بيان أنواع مفهوم المخالفة؛ لأن هذا المفهوم يتنوع بحسب القيد الذي قيد به منطوق النص إلى خمسة أنواع:
١- مفهوم الوصف: كقوله تعالى في بيان المحرمات: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ مفهوم المخالفة حلائل الأبناء الذين ليسوا من الأصلاب كابن الابن رضاعًا، وكقول الرسول: "في السائمة زكاة" مفهوم المخالفة المعلوفة التي ليست سائمة، وكقوله: "من باع نخلة مؤبرة فثمرتها للبائع".
стр. 135
٢- مفهوم الغاية: كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ، مفهوم المخالفة إذا تزوجت المطلقة ثلاثا زوجها غير مطلقها، وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ، مفهوم المخالفة إذا تبين الأبيض من الأسود من الفجر.
٣- مفهوم الشرط: كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ مفهوم المخالفة إن كن لسن أولات حمل، وكقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ مفهوم المخالفة إذا لم تطب نفس الزوجة عن شيء من مهرها.
٤- مفهوم العدد: كقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ مفهوم المخالفة الأقل والأكثر من ثمانين، وكقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ مفهوم المخالفة الأقل والأكثر من ثلاثة.
٥- مفهوم اللقب: كقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ مفهوم المخالفة غير محمد، وكقول الرسول: "في البر صدقة". مفهوم المخالفة غير البر، وكقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ مفهوم المخالفة غير الأمهات.
وقد اتفق الأصوليون على عدم الاحتجاج بالنص على مفهوم المخالفة في صورة، وعلى الاحتجاج به في صورة، واختلفوا في الاحتجاج به في صورة.
١- فأما ما اتفقوا على عدم الاحتجاج بالنص على مفهوم المخالفة فيه فهو مفهوم اللقب، والمراد باللقب اللفظ الجامد الذي ورد في النص اسمًا وعلمًا على الذات المسند إليها الحكم المذكور فيه، ففي حديث: "في البر صدقة" لفظ البر اسم للحب المعلوم الذي أوجبت فيه صدقة، وفي حديث: "في الغنم زكاة" لفظ الغنم اسم للحيوان المعروف الذي أوجبت فيه زكاة، ولا يفهم لغة ولا شرعا ولا عرفا أن ذكر البر احتراز عما عداه من الحبوب، ولا أن ذكر الغنم احتراز عما عداها من السوائم، ولا أن إيجاب صدقة في البر يفهم منه أن لا صدقة في الشعير، والذرة وغيرهما من الحبوب، ولا أن إيجاب زكاة في الغنم يفهم منه أن لا زكاة في الإبل والبقر وغيرهما، فلهذا اتفق الأصوليون على عدم الاحتجاج بمفهوم المخالفة في اللقب؛ لأنه لا يقصد بذكره تقييد ولا تخصيص ولا احتراز عما عداه.
стр. 136
ولا فرق في هذا بين النصوص الشرعية ونصوص القوانين الوضعية، وعقود الناس وتصرفاتهم وسائر أقوالهم، فمحمد رسول الله لا يفهم منها أن غير محمد ليس رسول الله، ودين المتوفى يؤدى من تركته لا يفهم منه إن غير دينه كنفقة تجهيزه، ووصاياه النافذة لا تؤدى من تركته، والبيع بنقل الملكية لا يفهم منه أن غير البيع لا ينقلها، وأن بيع الحقوق في تركة إنسان على قيد الحياة ولو برضاه غير باطل، ولهذا قال الشوكاني: "والقائل بمفهوم المخالفة في اللقب لا يجد حجة لغوية ولا عقلية ولا شرعية، ومعلوم من لسان العرب أن من قال: رأيت زيدا لا يفهم من قوله أنه لم ير غيره، وأما إذا دلت القرينة على العمل في جزئية خاصة فما ذلك إلا للقرينة".
٢- وأما ما اتفقوا على الاحتجاج بمفهوم المخالفة فيه، فهو مفهوم الوصف، أو الشروط، أو العدد، أو الغاية، في غير النصوص الشرعية، أي في عقود المتعاقدين وتصرفاتهم، وأقوال الناس وعبارات المؤلفين ومصطلحات الفقهاء، فقول الواقف: جعلت ريع وقفي من بعدي لأقاربي الفقراء، منطوقه ثبوت الاستحقاق لأقاربه الفقراء، ومفهوم المخالفة له نفي استحقاق أقاربه غير الفقراء، ونصه حجة على الحكمين، وقول الواقف: جعلت ثمن ريع وقفي من بعدي لأرملتي إذا لم تتزوج، منطوقه ثبوت الاستحقاق لأرملته إذا لم تتزوج، ومفهوم المخالفة له نفى استحقاقها إذا تزوجت، ونصه حجة على الحكمين، وهكذا كل عبارة من أي عاقد أو متصرف أو مؤلف أو أي قائل، إذا قيدت بوصف أو شرط أو حددت بعدد أو غاية، تكون حجة على ثبوت الحكم الوارد بها حيث يوجد ما قيدت به، وعلى نفيه حيث ينتفي؛ لأن عرف الناس واصطلاحهم في الفهم والتعبير على هذا؛ ولو لم يفهم النفي والإثبات كان التقييد في عرفهم عبثًا، إلا إذا دلت قرينة على أن القيد ليس للتخصيص.
٣- وأما الصورة التي اختلف الأصوليون في الاحتجاج بمفهوم المخالفة فيها فهي مفهوم المخالفة في الوصف، أو الشرط، أو الغاية أو العدد، في النصوص الشرعية خاصة، فذهب جمهور الأصوليين إلى أن النص الشرعي الدال على حكم في واقعة؛ إذا قيد بوصف أو شرط بشرط أو حدد بغاية أو عدد، يكون حجة على ثبوت حكمه في الواقعة التي وردت فيه بالوصف، أو الشرط أو الغاية أو العدد
стр. 137
الذي ذكر فيه، ويكون حجة على ثبوت نقيض حكمه في الواقعة التي وردت فيه إذا كانت على خلاف الوصف، أو الشرط، أو الغاية، أو العدد الذي ذكر فيه، ويسمى حكمه الأول منطوقه، ويسمى حكه الثاني مفهومه المخالف، فالتحريم للدم المسفوح، والتحليل للدم غير المسفوح، كل منهما مدلول قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ .
وذهب الأصوليون من الحنفية؛ إلى أن النص الشرعي الدال على حكم في واقعة، إذا قيد بوصف أو شرط بشرط، أو حدد بغاية أو عدد، لا يكون حجة إلا على حكمه في واقعته، التي ذكرت فيه بالوصف أو الشرط أو الغاية أو العدد الذي ذكر فيه، وأما الواقعة التي انتفى عنها ما ورد فيه من قيد، فلا يكون حجة على حكم فيها، بل يكون النص ساكتًا عن بيان حكمها، فيبحث عن حكمها بأي دليل من الأدلة الشرعية التي منها أن الأصل في الأشياء الإباحة.
استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بعدة أدلة، أظهرها اثنان:
الأول: أن المتبادر إلى الفهم من أساليب العرب وعرفهم في استعمال عباراتهم؛ أن تقييد الحكم بوصف أو شرط، أو تحديده بغاية أو عدد، يدل على إثبات الحكم حيث يوجد القيد، وعلى نفيه حيث ينتفي، فمن قال: مطل الغني ظلم، يفهم من قوله أن الفقير ليس كذلك، ومن قال: هب ابنك ساعة إذا نجح، يفهم منه لا تهبه إذا لم ينجح.
ولهذا لما رأى عمر أنهم يقصرون الصلاة في السفر، ولا خوف من فتنة الكفار لهم، تعجب من هذا وسأل الرسول: ما بالنا نقصر الصلاة في الأمن؟ فقال الرسول: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"، ومنشأ هذا التعجب أن عمر فهم من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنهم إن لم يخافوا الفتنة لا يقصرون، وهذا هو مفهوم المخالفة، والرسول في جوابه لم يخطئه في فهمه، وإنما دل على أن الله وسع عليهم ورخص لهم في حل الأمن أيضا.
والثاني: أن القيود التي ترد في النصوص، لا بد أن تكون لحكمة؛ لأن الشارع لا يقيد بوصف أو شرط أو غاية أو عدد عبثا، وأظهر ما يتبادر إلى الفهم
стр. 138
أن تكون هذه الحكمة تخصيص الحكم بما وجد فيه القيد، والتخصيص يقتضي نفي الحكم عما لم يوجد فيه القيد، ولا فرق في هذا بين النص الشرعي وغيره من عبارات الناس، إلا إذا دلت قرينة على أن الوصف أو الشرط أو غيرهما، ليس للقيد بل لغرض آخر مثل التفخيم، أو المدح أو لذم أو الجري على الغالب، فلا يحتج بمفهوم المخالفة له.
واستدل الأصوليون من الحنفية على مذهبهم بعدة أدلة، أظهرها اثنان:
الأول: أنه ليس مطردًا في الأساليب العربية أن تقييد الحكم بوصف أو شرط أو تحديده بغاية أو عدد، يدل على إثبات الحكم حيث يوجد القيد وعلى نفيه حيث ينتفي، وكثيرًا ما ترد العبارة مقيدة، ويتردد السمع في فهم حكم ما انتفى فيه القيد، ويسأل المتكلم عنه ولا يستنكر عليه السؤال فمن قال: إذا سألك صباحًا فاقض حاجته، لا ينكر على سامعه إذا استفهم عمن سأله مساء، وإذا كانت الدلالة على نفي الحكم حيث ينتفي القيد غير مقطوع بها، فلا يكون النص الشرعي حجة عليه؛ لأن النصوص الشرعية يجب الاحتياط في الاحتجاج بها، ولا تكون حجة بمجرد الاحتمال.
والثاني: أن كثيرًا من النصوص الشرعية التي دلت على أحكام وقيدت بقيود، لم ينتف حكمها حيث انتفى القيد، بل ثبت حكم النص للواقعة التي فيها القيد، وللواقعة التي انتفى عنها، فالصلاة في السفر تقصر إن خاف المصلون فتنة الذين كفروا وإن لم يخافوا، مع أن النص شرط القصر بهذا الشرط: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُو﴾ ، والربيبة تحرم على زوج أمها إذا كانت في حجره وإذا لم تكن حجره، مع أن النص قيد التحريم بهذا الوصف: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ ، فالاحتياط في فهم النص الشرعي يوجب أن لا يحتج به على نفي الحكم إذا انتفى القيد، وكثير من النصوص، بعد أن ذكرت الحكم المقيد، نصت على مفهوم المخالفة له، مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ، وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ، وهذا دليل على أنه غير مفهوم قطعا من النص السابق، وإلا ما ذكره ثانيا.
стр. 139
ويظهر أثر هذا الخلاف في مثل قوله تعالى في توريث بنات المتوفى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ مع قول الرسول لأخي سعد بن الربيع: "أعط ابنتي سعد الثلثين وزوجه الثمن وما بقي فهو لك"، فعلى مذهب الجمهور يوجد تعارض بين مفهوم المخالفة للآية، وهو أن الواحدة والاثنتين لا يرثن الثلثين، وبين منطوق هذا الحديث الذي ورث البنتين الثلثين، ويرجح المنطوق، وعلى مذهب الأصوليين من الحنفية لا تعارض؛ لأن الحديث بين حكم واقعة مسكوت عنها في آية توريث البنات. وفي مثل قوله تعالى في قصر الصلاة في السفر: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُو﴾ مع قصر الرسول الصلاة في السفر حال الأمن وعدم خوف فتنة الذين كفروا، فعلى مذهب الجمهور يوجد تعارض بين مفهوم المخالفة ومنطوق الحديث، وعلى مذهب الأصوليين من الحنفية لا تعارض.
والذي نستخلصه من المقارنة، والمقابلة بين أدلة الطرفين أن النص الشرعي حجة على مفهوم المخالفة للوصف أو الشرط أو الغاية أو العدد، ولكن بعد الحبث وإمعان النظر والتحقق من أن القيد الوارد في النص، إنما ورد للتخصيص والاحتراز به عما عداه، ولم يرد لحكمة أخرى، ولم يعارض هذا المفهوم بمنطوق نص آخر.
وأما إذا دلت القرينة على أن القيد ليس للتخصيص ولا للاحتراز، بل ورد جريًا على الغالب مثل: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ ، أو لمجرد تفخيم الأمر مثل قول الرسول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث إلا على زوج"، أو لأية حكمة أخرى يدل عليها سياق النص أو حكمة التشريع، فلا يكون النص حجة على مفهوم المخالفة فيه.
هذا الاحتياط كما تجب مراعاته في النصوص الشرعية، تجب مراعاته في نصوص القوانين الوضعية، وبهذا قررت محكمة النقض في ٣٠ مايو سنة ١٩٣٥ أن وسائل الإثبات الواردة في مادة ٢٩ من القانون المدني ليست واردة على سبيل الحصر، فلا تكون حجة على أن ما عداها ليس وسيلة للإثبات، وعلى هذا إذا قدمت ورقة في قضية وتناولتها المرافعة بالجلسة؛ فهذا كاف في إثبات تاريخ الورقة المقدمة في الجلسة.
стр. 140
أمثلة لأنواع المفاهيم من النصوص الشرعية، ونصوص القوانين الوضعية:
مفهوم الوصف: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ .
والمادة ٤٦٦ ق م: "إذا باع شخص شيئا معينا بالذات وهو لا يملكه جاز للمشتري أن يطلب إبطال البيع".
مفهوم الشرط: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ .
والمادة ٤٦٨ ق م: "إذا حكم للمشتري بإبطال البيع وكان يجهل أن المبيع غير مملوك للبائع، فله أن يطالب بتعويض ولو كان البائع حسن النية".
مفهوم العدد: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ .
"يسقط الحق في إبطال العقد إذا لم يتمسك به صاحبه خلال ثلاث سنوات".
والمادة ٧٦ من الدستور الملغي "مدة عضوية النائب خمس سنوات".
مفهوم الغاية: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وفي كثير من القوانين هذا النص: يعمل بهذا القانون إلى أن يصدر ما يخالفه.
стр. 141
القاعدة الثالثة: في الواضح الدلالة ومراتبه
الواضح الدلالة من النصوص:
هو ما دل على المراد منه بنفس صيغته من غير توقف على أمر خارجي، فإن كان يحتمل التأويل والمراد منه ليس هو المقصود أصالة من سياقه، سمي الظاهر؛ وإن كان يحتمل التأويل والمراد منه هو المقصود أصالة من سياقه، سمي النص؛ وإن كان لا يحتمل التأويل ويقبل حكمه النسخ، سمي المفسر، وإن كان لا يحتمل التأويل ولا يقبل حكمه النسخ، سمي المحكم.
وكل نص واضح الدلالة يجب العمل بما هو واضح الدلالة عليه، ولا يصح تأويل ما يحتمل التأويل منه إلا بدليل.
هذه القاعدة الثالثة والقاعدة الرابعة الآتية، خاصتان ببيان الواضح الدلالة من النصوص الشرعية، وغير الواضح الدلالة منها، وبيان مراتب وضوح الواضح، ومراتب خفاء غير الواضح، وما يزال به هذا الخفاء.
وأساس التفريق بين الواضح وغير الواضح هو دلالة النص بنفسه على المراد منه من غير توقف على أمر خارجي أو توقفه على أمر خارجي، فما فهم المراد منه بنفس صيغته من غير توقف على أمر خارجي فهو الواضح الدلالة، وما لم يفهم المراد منه إلا بأمر خارجي فهو غير الواضح الدلالة.
وأساس التفاوت في مراتب الوضوح هو احتمال التأويل وعدم احتماله، فما فهم معناه من نفس صيغته ولا يحتمل أن يفهم منه معنى غيره، أوضح دلالة مما فهم معنى منه، ويحتمل أن يفهم منه معنى غيره.
وأساس التفاوت في مراتب الخفاء هو القدرة على إزالة الخفاء وعدمها، فما في دلالته خفاء، ولا سبيل إلى إزالة خفائه إلا بالرجوع إلى مصدره وهو الشارع، أخفى مما في دلالته خفاء، والطريق ممهدة لإزالة خفائه بالبحث والاجتهاد.
وقد قسم علماء الأصول الواضح الدلالة إلى أربعة أقسام:
стр. 142
الظاهر، والنص، والمفسر، والمحكم، وهي في وضوح دلالتها على هذا الترتيب فالمحكم أوضحها دلالة، ويليه المفسر، ثم النص، ثم الظاهر، وتظهر ثمرة هذا التفاوت عند التعارض.
١- الظاهر:
الظاهر في اصطلاح الأصوليين هو ما دل على المراد منه بنفس صيغته من غير توقف فهم المراد منه على أمر خارجي، ولم يكن المراد منه هو المقصود أصالة من السياق ويحتمل التأويل.
فمتى كان المراد يفهم من الكلام من غير حاجة إلى قرينة، ولم يكن هو المقصود الأصلي من سياقه، يعتبر الكلام ظاهرا فيه.
فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ظاهر في إحلال كل بيع وتحريم كل ربا؛ لأن هذا معنى يتبادر فهمه من لفظي: "أحل وحرم" من غير حاجة إلى قرينة، وهو غير مقصود أصالة من سياق الآية؛ لأن الآية كما قدمنا مسوقة أصالة لنفي المماثلة بين البيع والربا ردا على الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ لا لبيان حكميهما.
وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ظاهر في إباحة نكاح ما حل من النساء؛ لأن هذا معنى يتبادر فهمه من لفظ، فانكحوا ما طاب لكم منهن من غير توقف على قرينة، وهو غير مقصود أصالة من سياق الآية؛ لأن المقصود أصالة من سياقها هو قصر العدد على أربع أو واحدة كما قدمنا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ظاهر في وجوب طاعة الرسول في كل ما أمر به وكل ما نهى عنه؛ لأنه يتبادر فهمه من الآية، وليس هو المقصود أصالة من سياقه؛ لأن المقصود أصالة من سياقه هو: ما آتاكم الرسول من الفيء حين قسمته فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا.
وقوله ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، ظاهر في حكم ميتة البحر؛ لأنه ليس المقصود أصالة من السياق، إذا السؤال خاص بماء البحر.
وحكم الظاهر أنه يجب العمل بما ظهر منه ما لم يقم دليل يقتضي العمل بغير ظاهره؛ لأن الأصل عدم صرف اللفظ عن ظاهره إلا إذا اقتضى ذلك دليل،
стр. 143
وأنه يحتمل التأويل أي صرفه عن ظاهره وإرادة معنى آخر منه، فإذا كان الظاهر عاما يحتمل أن يخصص، وإن كان مطلقًا يحتمل أن يقيد، وإن كان حقيقة يحتمل أن يراد به معنى مجازي، وغير ذلك من وجوه التأويل.
وأنه يقبل النسخ، أي أن حكمه الظاهر منه يصح في عهد الرسالة، وفي زمن التشريع أن ينسخ ويشرع حكم بدله متى كان من الأحكام الفرعية الجزئية التي تتغير بتغير المصالح وتقبل النسخ.
٢- النص:
النص في اصطلاح الأصوليين: هو ما دل بنفس صيغته على المعنى المقصود أصالة من سياقه، ويحمل التأويل: فمتى كان المرد متبادرًا فهه من اللفظ، ولا يتوقف فهمه على أمر خارجي، وكان هو المقصود أصالة من السياق، يعتبر اللفظ نصًّا عليه.
فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ نص على نفي المماثلة بين البيع والربا؛ لأنه معنى متبادر فهمه من اللفظ، ومقصود أصالة من سياقه.
وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ نص على قصر أقصى عدد من الزوجات على أربع؛ لأنه معنى متبادر فهمه من اللفظ ومقصود أصالة من سياقه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ نص على وجوب طاعة الرسول في قسة الفيء إعطاء ومنعا؛ لأنه المقصود من سياقه.
وحكمه حكم الظاهر، فيجب العمل بما هو نص عليه، ويحتمل أن يؤول أي يراد منه غير ما هو نص عليه، ويقبل النسخ على ما بينا في الظاهر، ولهذا أخذ من قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ.....﴾ إباحة الزواج وقصر العدد على أربع أو واحدة.
فكل من الظاهر والنص واضح الدلالة على معناه، أي لا يتوقف فهم المراد من كل منهما على أمر خارجي، ويجب العمل بما وضحت دلالة منهما عليه، ويحتمل أن يؤول كل منهما بأن يراد منه غير ما وضحت دلالته عليه إذا ما وجد ما يقتضي هذا التأويل.
стр. 144
والتأويل معناه في اللغة بيان ما يؤول إليه الأمر، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ومنه المآل.
ومعناه في اصطلاح الأصوليين: صرف اللفظ عن ظاهره بدليل، ومن المقرر أن الأصل عدم صرف اللفظ عن ظاهره؛ وأن تأويله أي صرفه عن روح التشريع أو مبادئه العامة، وإذا لم يبن التأويل على دليل شرعي صحيح، بل بني على الأهواء والأغراض والانتصار لبعض الآراء كان تأويلا غير صحيح، وكان عبثا بالقانون ونصوصه، وكذلك إذا عارض التأويل نصًّا صريحا أو كان تأويلا إلى ما لا يحتمله اللفظ.
من أمثلة التأويل الصحيح، تخصيص عموم البيع في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ بالأحاديث التي نهت عن بيع الغرر، وعن بيع الإنسان ما ليس عنده، وعن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، وهذا من تأويل الظاهر؛ لأن الآية كما قدمنا، نص ظاهر في إحلال كل بيع ونص في نفي المماثلة.
وتخصيص عموم المطلقات في قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ .
وتقييد الدم المطلق في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ بقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ ، وهكذا من كل تخصيص أو تقييد، قضى به التوفيق بين نصوص القرآن والسنة.
وكذلك تأويل الشاة في قوله ﷺ : "في كل أربعين شاة شاة" والصاع من تمر في حديث المصراة: "من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار بين أن يمسكها، وبين أن يردها وصاعا من تمر"، فإن ظاهر الحديث الأول أنه لا يجزي في زكاة الأربعين شاة إلا واحدة منها، ولا تجزي قيمتها، وظاهر الحديث الثاني أنه إذا رد المشتري الشاة المصراة لا يجزي في تعويض البائع عما احتلب من لبنها إلا صاع من تمر.
وهذا الظاهر، تقتضي حكمة التشريع والأصول العامة في التضمين تأويله وصرفه عن ظاهره، وإرادة معنى آخر يتفق معها؛ لأن الغرض من إيجاب الشاة زكاة للأربعين دفع حاجة الفقراء، وقد تكون دفع حاجة الفقير بقيمة الشاة أكثر توافرا، فيراد بالشاة شاة، أو ما يعادلها من كل مال متقوم؛ ولأن الغرض من
стр. 145
إيجاب صاع من تمر هو تعويض البائع عما أتلفه من لبن شاته، وقد يتراضيان على التعويض بقيمة اللبن، أو بأي تعويض آخر غير الصاع من التمر، والمقصود هو مثل ما تلف أو قيمته، وهذا هو الأصل العام شرعا في ضمان المتلفات، وكذلك تأويل الثلث للأم بثلث ما بقي بعد فرض أحد الزوجين في إحدى المسألتين الغراوين، منعا من زيادة نصيبها في الإرث عن نصيب الأب.
ومن أمثلة ذلك في القانون الجنائي، لفظ الليل في جعله جريمة السرقة وفي جريمة إتلاف المزروعات ظرفا مشددا، فإذا أخذ بظاهر النص أريد بالليل من غروب الشمس إلى شروقها، ولكن هذا ربما لا يتفق وحكمة الشارع في جعل الليل ظرفا مشددا؛ لأن الغرض تشديد العقوبة على من يغتنم الظلام فرصة لارتكاب جريمته، فيراد بالليل إذا خيم الظلام، وربما لا يكون ذلك أثر غروب الشمس مباشرة.
ومن التأويل الذي هو موضع نظر، تأويل قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ ، بإرادة عشرة مساكين أو مسكينًا واحدًا عشر مرات.
وقوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ بإرادة مسكينا أو مسكينا واحدا ستين مرة، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ بإرادة الهبة، أي إذا وهب أحدكم هبة ليعوض الواهب خيرا منها أو مثلها.
وإغلاق باب التأويل كله والأخذ بالظاهر دائما، كما هو مذهب الظاهرية، قد يؤدي إلى البعد عن روح التشريع والخروج عن أصوله العامة، وإظهار النصوص متخالفة.
وفتح باب التأويل على مصراعيه بدون حذر واحتياط، قد يؤدي إلى الزلل والعبث بالنصوص ومتابعة الأهواء، والحق هو في احتمال التأويل الصحيح، وهو ما دل عليه دليل من نص أو قياس أو أصول عامة، ولا يأباه اللفظ بل يحتمل الدلالة عليه بطريق الحقيقة أو المجاز، ولم يعارض نصا صريحا.
٣- المفسر:
في اصطلاح الأصوليين: هو ما دل بنفسه على معناه المفصل تفصيلا لا يبقى معه احتمال للتأويل، فمن ذلك، أن تكون الصيغة دالة بنفسها دلالة واضحة على معنى مفصل، وفيها ما ينفي احتمال إرادة غير معناها؛ كقوله تعالى في