Полный текст (87 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
منازعيه الرئاسة من الشافعي وأبي حنيفة، فأما الشافعي فهو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافعي - وإليه ينسب - ابن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف.
وأما أبو حنيفة فهو النعمان بن ثابت مولى بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، ذكر ذلك ابن أبي خيثمة وهو الذي يروى عنه أبو عبد الله محمد بن داود ابن الجراح ﵀ وقد قيل انه ليس له عرق في العرب. ولا ولاء أيضاً، وأنه يدعي ولاء بني تيم الله، وذكر أبو عبد الرحمن المعري قال: قال لي أبو حنيفة ممن أنت؟ قلت: من أهل دورق. قال: ما يمنعك أن تعتزي إلى بعض أحياء العرب فهكذا كنت، حتى إعتزيت إلى هذا الحي من بكر بن وائل، فوجدتهم حي صدق، والله أعلم بالصحيح.
وما أعرف في الثلاثة من يروى له شعر إلا الشافعي، فإن أبا بكر محمد بن شعيب الصيرفي القاضي الحلبي ﵀ أنشدني قال: أنشدني بن أبي العقب الدمشقي بإسناد وصله إلى الشافعي، للشافعي:
يا راكباً قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاع خيفها والناهضِ
سحراً إذا قاض الحجيج إلى منى ... دفعاً كملتطم الفرات الفائضِ
إن كان رفضاً حبُّ آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي
فقال الزبير عن مالك: إن جزيرة العرب المدينة، واسمها طيبة، وقد تسمى بأسماء غير ذلك منها طيبة وطابة، ويثرب والعذراء وجابرة ويندد والدار، قال الله : (والَّذينَ تَبَوَّأوا الدَّارَ والإيمان) ويحتج قائل هذا بقول عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى ابن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، وقد قال له كعب: إنك تموت شهيداً. فقال: من أين وأنا في جزيرة العرب؟!
стр. 37
وإنما نُحِلَت هذا الاسم من أجل أنه كان بنو عبيل بن عوص أخوة عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح ﵇، ثم نزلها بعدهم بنو عمليق بن يلمع بن عابر بن أشليحا بن لوذ بن سام بن نوح ﵇، ثم نزلها بعدهم قوم من عاد بن عوص، وكل هؤلاء من القبائل القديمة التي تدعى العرب العاربة، وهي عاد وعبيل أبناء عوص، وثمود وجديس ابنا غاثار بن ارم، وطسم وعمليق وجاسم وأميم بنو يلمع بن عابر.
وروى أبو أسامة: أَميم - بفتح الهمزة - وغيره قال: أُميم - بضمها - وحضرموت والسلف والموذ، بنو يقطان بن عابر، وجدهم بن عامر بن سابن يقطان بن عابر بن حمير، فهم فيهم، قالوا: فأقام أولئك القوم من عاد بيثرب برهة، حتى جاءهم قوم من الأزد - واسم الأزد دراء بوزن فعال، ويقال فيه: الأسد بالسين، وذكر يعقوب أنه أفصح في الزاي والنسابون يقولون: إن الأسد إنما سمي الأسد لكثرة إسدائه المعروف، وهذا اشتقاق لا يصح عند أهل النظر، والصحيح في اشتقاق ما أخبرني به أسامة عن رجاله قال: العسد والأسد والأزد هذه الثلاث كلمات معناها كلها الفتل قال: والأزد يكون أيضاً بمعنى العزد، وهو النكاح. فنفى الأزديون العاديين عن يثرب وتدبرها، وأقاموا بها، وفي ذلك يقول شاعر من الخزرج ثم أحد بني زريق في قصيدة طويلة يصف قومه:
ملوكاً على الناس لم يملكوا ... من الدهر يوماً كحل القسم
فأنبوا بعادٍ وأشياعها ... ثمود وبعض بقايا ارم
بيثرب قد شيدوا في النخيل ... خصوناً ودجن فيها النعم
وفيما أشتهوا من عصير القطاف ... والعيش رخو، على غيرهم
فساروا إليهم بأثقالهم على كل فحل هجانٍ قطم
стр. 38
فما راعهم غير معج الخيول ... والزحف من خلفهم قد دهم
فابنا بسادتهم والنساء ... رغماً، وأموالهم تُقتسم
ورثانا مساكنهم بعدهم ... فكنا ملوكاً بها لم نرم
وقد استقصيت ذكر هذه القبائل وأصل نقلها ومناهي أمورها في موضعه من هذا الكتاب، وبالله التوفيق.
وإنما نعني بجزيرة العرب محلها الأقدم، ومركز بيضهم الأول، لأنهم بع ذلك تفسحوا وحازوا كثيراً من الأرض خارجاً من هذه الجزيرة، ألا ترى إلى قول الأخنس بن شهاب - وسيأتي نسبه وخبره مستقصى في كتاب تغلب إن شاء الله:
لكل أناس من معد غمارة ... عروض إليها يلجأون وجانبُ
لكيز لها البحران والسيف كله ... وإن يأتها بأس من الهند كاربُ
تطاير على أعجاز حوش كأنها ... جهام أراق ماءه فهو آيبُ
- أبو عمرو الشيباني: يطيروا - لكيز: بن أقصى بن عبد القيس بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة ابن نزار.
وبكر لها طهر العراق وإن تشا ... يحل دونها من اليمامة جانبُ
يعني بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة ابن نزار، ومن قبائل بكر: يشكر، وزمان وشيبان وعجل ولخم وبنو قيس بن ثعلبة وغيرهم.
стр. 39
وصارت تميم بين قف ورملة ... لها من حبال منتاى ومذهبُ
وكلب لها خبث فرملة عالجٍ ... إلى الحرة الرجلاء حيث تحابُ
في الكلام على نسب كلب طويل، ونحن نذكره في موضعه إن شاء الله.
وغسان حي عزهم في سواهم ... يجالد عنهم مقنب وكتائب
- يعني أنهم عمال الروم - قد شرحنا نسب غسان في غير هذا الموضع من كتاب كندة، وبالله التوفيق.
وبهراء حي قد علمنا مكانهم ... لهم شرك حول الرصافة لاحبُ
بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، زهط المقداد بن عمرو.
وغارت إياد في السواد ودونها ... برازيق عجم تبتغي من تضارب
يعني إياد بن نزار بن معد، وكان يقال لهم الطبق لشدة إطباقهم بالشر والعُرام على الناس، ومنهم قيل: وافق شنٌّ طبقةً، يعنون شنَّ بن أقصى بن عبد قيس كذا قال الكلبي:
ولخم ملوك الناس تجبى إليهم ... إذا قال منهم قائل فهو واجبُ
لخم بن عدي بن الحارث بن أددٍ، وكان اسم لخم مالك، ومن لخم بنو نصر قوم النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وسنستقصي هذا في موضعه إن شاء الله.
ونحن أناس لا حجاز بأرضنا ... مع الغيث ما نلقى ومن هو غالبُ
يعني أنا مصحرون لا نخاف أحداً، نكون مع الغيث حيث أغن ومع الغلب حيث عن، ومثل نحو من هذا القول قول ذباب بن معاوية العكلي:
ونحن أناس لا حجاز بأرضنا ... نلوذ به إلا السيوف البواترُ
стр. 40
وقال سويد بن كراع العكلي وقال اللغويون: إن كراع اسم أمه، وإن اسم أبيه عمرو أو عمير، الشك مني:
ونحن أناس لا حجاز بأرضنا ... نلوذ به إلا السيوف القواطعُ
ولم يبق منا القتل إلا عصابة ... تطاعن عن أحسابنا وتقارعُ
وأبيض لا يشترى بشيءٍ أفاته ... أسنّتنا والنقع أغبر ساطعُ
تركنا عليه قصدتي سمهريةٍ ... وجريان سيفٍ سلَّه إذ تُماصعُ
وفي هذا البيت الرابع غرض حسن، ومعنى بديع، ويشبه قول ناجية بن الأسود الجرمي، وكان بعض السلاطين جلده، فأخذ سيفه من عنقه وضربه به:
ولما علاني بالقطيع علوته ... وبالكف صافٍ كالعقيقة قاطعُ
فطار بكفي نصله ورياسه ... وفي جيد سعدٍ غمدهُ والرصائعُ
وفي نحو من هذا يقول ابن زيانة التميمي - زيابة بوزن فعالة مشددة كذا فرآنا على جماعة من الأشياخ، وروى محمد بن داود بن الجراح عن رجاله: ابن زيانة بوزن فعالة تخفيفا ً - والزيابة الفأرة - وفي المثل: أسرق من زيابة، يعنون به الفأرة، ولا أحسب أبا عبد الله محمد بن داود إلا وقد أوهم في هذه اللفظة، لأن الرجل يقول في شعره:
أنا ابن زيابة إن تدعني ... آتيك والظن على الكاذب
قال محمد بن داود: واسمه عمرو بن الحارث بن همام أحد بني تيم الله ابن ثعلبة، والبيت الذي أردنا إنشاده لمشابهته ما تقدم قوله:
والله لو لاقيته خالداً ... لآب سيفانا مع الغالب
والثالث: - من وجوه اشتقاق العرب - أنه مأخذه من العرب وهي النفوس، وأحدثها عربهٌ، مثل قصبةٍ وقصبٍ وأنشدنني أبو أسامة لابن ميادة الرماح بن أبرد المري:
стр. 41
لما أتيتك أرجو فضل نائلكم ... نفحتني نفحة طابت لها العربُ
وقال: العرب هاهنا النفوس.
ويكون وجه هذا الاشتقاق على معنيين: أحدهما: أنهم من الخلق بمنزلة النفس من الجسم، وثانيهما: أنهم أعز الخليقة نفوساً، والمعروف ما انفردوا به من صلابة الأكباد وقوه الأرواح وعزة النفوس أشهر من أن نطلب عليه شاهداً، ومنه قول شاعرهم:
لا شيء أحسن منها إذ تودعنا ... وجيبها برشاش الدمع مغتسل
يبكي علينا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ أكباداً من الابل
وقائل هذا الشعر قدير بن منيع، أو أبوه منيع بن معاوية بن فروة ابن الاحمس بن عبدة بن خليفة بن جرول بن منقرٍ، خلاف هذا الشعر أنشدني لهدبة بن خشرم بن كرز بن أبي حية بن الاحسم بن عامر بن ثعلبة بن قرة بن خنبس بن عمرو بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن الحارث بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة:
باتوا وأتبعهم عيناً مملاة ... دمعاً وما ذاك إلا الشوق والطرب
نبكي عليهم ولا يبكون فرقتنا ... أنا وجيراننا من جيرة عجب
وليس بالمطرح في إباء النفس قول إبراهيم بن إسماعيل بن يسار بن فيروز أبن باذام، مولى بني تيم بن مرة:
ونفسي النفس تأبى أن أواتيها ... على الصغار وتأبى أن تواتيني
من نفس إبليس شقت في حميتها ... لا نفي آدم في عطفٍ وفي لين
وكان أبوه إسماعيل شاعراً في زمن عبد الملك ووالده. ولمصنف الكاتب شعر في الإبا قد أطاع هواه فورده وهو:
стр. 42
قارعت الأيام مني امرأ ... قد أعلق المجد بامراسه
تستنزل النجدة من رأيه ... ويستدر العز من باسه
أروع لا ينحط عن تيهه ... والسيف مسلول على رأسه
ولعلي بن محمد بن يوسف جد أبي شعر يقول فيه:
وإني على الإقتار همة ... لها مسلك بين المجرة والنسر
أؤمل نفسي لا أؤمل غيرها ... من الناس أو يأتي الغنا وهو ذو صغر
وقد أنشدوني لشاعر من قريش، قريش الأندلس شعراً يقول فيه:
ولو صدت نجوم الليل عني ... كصدك ما نظرت إلى السماء
وكيف تظن نخوة عبشمي ... تكون فيه قلب مزيقياءٍ
ولما قدمناه من التفسير سموا يوم الجمعة العروبة لاستكمال خلق النفوس وغيرها من المخلوقات فيه على ما يذكره رواة مبتدأ العالم. ومن ذلك أيضاً قيل له: الجمعة، لأن فيه اجتماع المخلوقات. ومما يدل على شرف هذا اليوم واستحقاقه لهذا الاسم أن الأيام تسمي بأسماء مشتقة لها من العدد في أكثر اللغات غيره، فأنه خص باسم عليه وقال رسول الله (لما قيل له: إن السبت لليهود والأحد للنصارى: " نحن الآخرون السابقون " يعني الآخرون زماناً والسابقون يوماً، ويروى أن رياح بن الربيع التميمي أخا حنظلة الذي يدعى بحنظلة الكتاب، وهو حنظلة ابن الربيع بن صيفي بن رياح بن الحارث بن مخاشن بن جهور بن غوى بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم - قال لرسول الله (: للنصارى يوم ولليهود يوم، فلو كان لنا يا رسول الله يوم!! فنزلت سورة الجمعة. ويقال: عروبة بلا ألف ولام، وأنشد أهل اللغة: يوماً كيوم عروبة المتطاول.
стр. 43
ويرون أن تعريفه بنفسه أفصح من تعريفه بالألف واللام على انه قد جاء في الشعر الفصيح، وقال الأعشي الكبير:
فبات عذوباً للسماء كأنما ... يوائم رهطاً للعروبة صيَّما
يوائم: يشابه. وفي المثل: لولا الوئام هلك الأنام - يعني لولا تشبههم بالكرام. وقد يقال فيها: العروب - بلا هاء - قال عباية بن شكس العنزي ثم الهزاني:
أنا العنزي بن الأسود الذي بهم ... أسامي إذا ساميت أو أتبحجُ
هم أسروا يوم العروب ابن طالم ... وأردوا مريئاً فهو للشق مجنحُ
ويروى: الغروب، والأول أثبت.
وإذ قد فسرنا عروبة فالوجه اتباعه بتفسير بقية الأسماء العربية للحاجة إلى ذلك. فأولها: الأحد، واسمه عندهم أول، لأنه أول الأيام، ولذلك أيضاً سمي الأحد، لأن منه ابتداء العدد، وأصله واحد، وأبدل من الواو ألفاً استثقالاً للابتداء بالواو، وقال نابغة ذبيان:
كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل على مستأنسٍ وحدِ
ويجمع على آحاد وأوحاد، ومثله أناة ووناة للجارية الجميلة الخريدة فأما الأناة الاسم من التأني فلا يكون إلا بالالف لأن أصلها من تأنيت، تفعلت بمعنى تنظرت الشيء إذا آن، أي حان ودنا وقته، ومنه قول يحيى بن يعمر الوشقي - من وشقة بوزن فعلة - بن عوف بن بكر بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان: أي مالٍ أديتَ زكاته فقد ذهب أبلته، قال أبو عبيدة: أصله وبلته - أي شره ومضرته - مأخوذ من الوبيل، وهو الضار.
ويسمى يوم الاثنين أهون، لأنه مكروه عندهم، ولكنه أهون طيرة، وأيسر كراهية من يوم الأربعاء، ويسمى أوهد أيضاً مشتقاً من الوهدة وهي الانحطاط، لانخفاض العدد من الأول إلى الثاني.
стр. 44
ويسمى الثلاثاء جباراً لأنه هدر لا يكره ولا يستحب، وكذلك كل ما لم يعتد به قيل له جباراً، ومن هاهنا قيل ذهب دمه جباراً أي هدراً. قال الأفوه - واسمه صلاءة بن عمرو أبن عوف بن منبه بن أود بم صعب بن سعد العشيرة بن مالك بن أددٍ، قال ابن الكلبي: أود ابن معد بن عدنان وإنما انتقلوا فقالوا: أود بن صعب -:
حكم الدهر علينا أنه ... ظلف ما نال منا وجبار
جبار: يعني هدراً ومنه: جرح العجماء جبار، وأصله من جبرت العظم وكأن هذه الأشياء السهلة الهنية يلغى ذكرها جبراً للمسلم، واعتماداً لشمل الصلح، ويقال: جبرت العظم، فجبر هو، قال العجاج: قد جبر الدين الإله فجبر ومنه الجباير الاسورة، شبهوها بحبائر العظم الكسير، وواحدها جبارة، وقال الأعشى: وأرتاك كفاً في الخضا - ب ومعصما ملء الجبارة وجمعها جبائر وأنشد الخليل في كتاب " العين " وهو مليح:
وتناولت كفها ... فاتقت بالجبائر
ثم قالت واستضحكت: ... هكذا غير صاغر
وأما الظلف فهو الهدر أيضاً قال اللغويون: الظلف شبه الأخذ للشيء ومنه الظلف وقد جاء الظليف بوزن فعيل بمعنى الظلف، قال رجل من بني ربيعة بن ذهل بن شيبان، يصف رجلاً منهم عقر فرسه لضيفه:
هو العاقر الحواء ليلة لم يصب ... لأضيافه إلا الشريعة في اللبد
فقال: كلوها في ظليف فإنني ... سأورثها من وارثٍ باخل بعدي
стр. 45
ويسمى الأربعاء دبارا لشدة ثقله عليهم، وتقرير الطيرة منه في نفوسهم منه، يرون أن المزوج فيه لا يلقى خيراً والمبضع لا يصادف ربحاً، والمسافر لا يصيب نجحاً، مأخوذ من الدبرة، وهي الهزيمة يقال: كانت الدبرة على بني فلان ٠٠٠٠الهزيمة. ومن٠٠٠٠ الدبري.
ويسمى الخميس مونسا، لخفته على قلوبهم، وطلاقته عندهم. ورشاد من يفعل فيه فعلاً ويمن من يطلب فيه أمراً، وهو كذلك في الإسلام، قد كان رسول الله (يتبرك به ويحب السفر فيه. وقال شاعر قديم:
فلو أنه أغنى لكنت لخندف ... على اليأس حتى ملها العمر تندب
إذا مونس لاحت خراطيم شمسه ... بكت غدوة حتى ترى الشمس تغرب
يعني ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة المسماة بخندف أم ولد الياس بن مضر، وكان مات يوم الخميس فكانت تبكي كل خميس من الغدوة إلى الليل، ونستورد الخبر والشعر، بالشرح من هذا القول في موضعه إن ساء الله. ويسمى الجمعة عروبة - وقد مر تفسيره.
ويسمى السبت شيار مشتقاً من الشارة وهي الحسن والجمال لبركته عندهم، ألا ترى إلى قول رسول الله (: " بورك لأمتي في بكورها، يوم سبتها وخميسها " أو كما قال. وقد روى بعض أهل النقل: " اللهم بارك لأمتي في بكورها " فقط دون الاقتصار على السبت والخميس.
أخبرني أبو مسلم قال أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن بكر المعروف بابن حمدون البالسي حدثنا بباليس سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة قال حدثني عماي إبراهيم وجعفر أبنا محمد بن بكر قال "؟ " أنبانا إبراهيم بن مهدي عن علي بن مسهر عن عبد الرحمن
стр. 46
بن أسحق عن النعمان بن سعد عن علي ﵇ أنه قال: قال رسول الله (: " اللهم بارك لأمتي في بكورها " وهذا أشبه بما روي عنه (من التسوية بين الأيام بما في جميعها من البركة والإحسان.
ومن هذا المعنى يقال هو أشور منه أي أحسن منه، قال كبد الحصاة العجلي - واسمه عمرو بن قيس -:
صبرت وبعض الجهل ما يتذكر ... وصبرك عن ليلى أعف وأشور
وعداك عنها نأيها ومشيبة ... من الحراب لا يصلى بها المعتذر
أعف وأشور: أراد أحسن وأجمل، كذا حكي لنا في اشتقاق شيار عن العرب أنفسها، وفي هذا الاشتقاق بعض النظر، لأنه لو كان من الشارة لكان شوار مثل شوار البيت وأصل الشارة شورة، وانقلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، على أصل القوم، ولذلك جاء: أعف وأشور بالواو منه، وأنشد ثعلب: أفز عنها كل مستشير أي كل طالب للشارة والجمال، ومنه الشوران الزعفران لجمال لونه وإشراق منظره. ومنه يقال: شار الدابة يشورها شوراً إذا عرضها وأظهر محاسنها، ويقال للمكان الذي يكون فيه ذلك المشوار، وإلى هذا تذهب العامة في قولها لفلان نشوار - بالنون - والنشوار ليس من هذا في شيء، وهو ما يلقيه الدابة من فضلات علفه على نواحي آريه، وما دري كيف يجيء شيار من هذا وأصله الواو، على أن أبا بكر أبن دريد قد قال: إن الشير بالياء على وزن فعل فخفف، من قولهم: شير وصبر إذا كان حسن الصورة والشارة مثل قولهم: ميت وقيل هو تخفيف وقيل وميت، فيجوز أن يكون شيار جمعه، لأن فعالاً في جمع فعل باب مطرد، مثل عذب وعذب وجبال وجبل، ومن ذلك قولهم: جاءت الإبل شياراً، وجاءت الخيل شياراً، إذا جاءت سمانا حسانا. وقال عمرو بن عدي بن معدي كرب بن عبد الله بن عصم
стр. 47
بن عمرو منبه - وهو زبيد الأصغر - بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن منبه بن سعد العشيرة:
أعباس لو كانت شيار جيادنا ... بتثليث ما ناصيت بعدي الاحامسا
فيكونون سموا اليوم باسم جامع، وهو سائغ، حسن، وكان أبو الحر عبيد الله بن حفص التغلبي يقول: إن الشيار من الاضداد يكون خيار الشيء وحسنه، ويكون رديئه وعفنه، وروى أن رجلاً من العرب ذم رجلا فقال: والله ما أطعمني إلا خبر شيار، يعني خبزاً عطناً. وإن كان هذا ثبتاً فيجوز أن يكون السبت سمي شياراً لأنه آخر الأيام في الخلق، ولأن العطن إنما يكون من تأخر مدة الشيء وطول عهده، وأهل اللغة ينشدون هذين البيتين:
أومل أن أعيش وإن يومي ... بأول أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإنه أفته ... فمونس أو عروبة أو شيار
وقال بعض أهل العلم: إنهما مصنوعان، ودليل ذلك تكلفهما ومنع ما يستحق الصرف من أسمائهما.
والسبت نفسه معناه لأن الأعمال انفطعت، والخليفة تمت يوم الجمعة، فكان يوم السبت منفصلا منقطعاً، أو لأنه قطعة من الدهر.
وفي السبت وجوه عدة يطول بإيرادها القول.
ولولا خوف شتات الغرض لذهبنا شوطا في تفسير الشهور والسنة والعام والحول والعصر، والشتاء والصيف والربيع والخريف، والليل والنهار، والساعة والإنى، وغير ذلك من تفصيل الزمان. ولعل أكثره أن يرد مبدداً في أثناء التصنيف، وبالله التوفيق.
والقول الرابع: أنه مشتق من العرب وهو حسن العشرة وجمال الخليقة. ومن ذلك العروب للمرأة الحسنة الخلق، والمحببة لزوجها، المتحببة إليه، المتجردة في التبعل له، قال الله : (أبكار عرباً أتراباً) وهي جمع عروب. وقال الأعمش: - سلمان بن
стр. 48
مهران الأسدي -: كنت أسمعهم يقولون: عرباً بالتخفيف مثل الرسل الكتب. ولغة بكر وتميم التخفيف في مثل هذه الأشياء، والوجه التثقيل، وعليه جاءت القراءات. وقال الشاعر في العروب أنشده محمد بن زياد:
وعروب غير فاحشةٍ ... قد ملكنا ودها حقيا
ثم آلت لا تكلمنا ... كل حي معقب عقبا
وقال أوس بن حجر:
وقد لهوت بمثل الريم آنسةٍ ... تصبي الحليم عروب غير مكلاح
ويقال أيضاً في معنى عروب: عربة بوزن فعلةٍ مكسورة العين، ذكر أبو عبيد، وكون وزنها فعلة يصح أن المصدر العرب محركاً، ويكون وجه هذا الاشتقاق أنهم لكرم أخلاقهم، واتساع جودهم وبشرهم لعارفيهم سموا بذلك. وقد سموا عرابة، وهو عرابة بن أوس الأوسي، وسنستقصي ذكره عند ذكر الشماخ من كتاب " ذبيان " إن شاء الله. وقد كنوا بأبي عروبة، وفي عنزة رجل يقال له أبو عروبة بن شاس من بني جلان وكان شاعراً فاتكا. وأغار الحطم - واسمه شريح بن ضبيعة بن شرحبيل بن عمرو بن مرئد بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة - على بهراء، فأصاب منهم رجلاً شريفاً فأسره، وكان معه ناس من عنزة، منهم أبو عروبة، فقتل أخ لأبي عروبة، فقالوا لأخيه: ما تدع هذا الأسير؟! آلا تقتله بأخيك؟ فشد عليه أبو عروبة فقتله، فأخذه الحطم فأوثقه في القد فكان الأسير، فقال في ذلك أبو عروبة.
غادرت ثأري مضرجاً بدمٍ ... ولم تغلني مقالة الحطم
وقال في أبيات يهجو بها الحطم:
يبيت يثني أيره فوق فخذه ... إذا فلت أسرى أصبح المرء باركا
стр. 49
واستغاث أبو عروبة وهو في قدة بعباد بن مرثد بن عمرو بن مرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وعمل إليه أبياتا منها:
يا من لهم يبيت الليل يكلوني ... كأنه موفق بالنبل يرميني
من ذا أعوذ به منه فيمنعني ... ولن أعوذ بذي رجلين ممحون
يعني نفسه - وممحون محبوس - فلم يصنع شيئاً فأتاه أبجر بن جابر العجلي فاشتراه بمائةٍ من الإبل واعتقه فقال:
قولا لأبجر والمعروف نافلة ... عندي وعمد بني عمي وأعمامي
رأبت ما لم يكن حي ليرأبه ... إلا الهمام على بوسي والنعام
فالله يجزيك عما لم تجاز به ... وعن شوابك أصهار وأرحام
وقال أبو عروبة أيضاً:
رضينا بعجل في اللقاء فوارساً ... إذا أزمات الموت حبت حياتها
يسود عجلاً صبرها برمحها ... ويحمدها مضرورها وعنانتها
وقد كان بحران بأخرة رجل محدث من بقية أهل الإسناد يقال له أبو عروبة الحراني، واسمه الحسين بن محمد بن مودود، وكان أبو الفضل الوزير ﵀ يذكر لنا أن أباه سمع منه شيئاً كثيراً، وكان أبو الفضل نفسه ﵀ يروى عنه شيئاً كثيراً بالمكاتبة والإجازة، وقد كان سعيد بن عروبة أحد المصنفين الثقات، وسعيد يكنى أبا النضر، وأسم أبى عروبة مهران مولى بني يشكر. وكان سعيد يروى عن سعيد عن قتادة بن دعامة السدوسي وحدثني الحسن أبن عبد الصمد بن الحسين بن يوسف عن أبيه عن أحمد بن إبراهيم الأشناني عن أحمد بن عبيد النحوي عن الواقدي عن قيس بن ربيع الأسدي عن السدي عن أبي مالك قال: لم يؤمن مع لوط أحد من الناس ألا بنتان له يقال لأكبر هما رية والصغرى عروبة.
والقول الخامس: انه مشتق من العرب وهو فساد المعدة يقال: عربت معدته نعرب
стр. 50
عرباً، مثل ذربت تذرب ذرباً، ذكره أبن دريد والجماعة وأنشدوا: لا يشتكي معدته من العرب ويكون وجه هذا الاشتقاق أنهم لحدة شوكتهم وخشونة ملمسهم وصرامة بأسهم أشجوا جميع الأمم المخالفة لهم، وكانوا فيهم بمنزلة هذا الداء من المعدة في مبالغته أذاها وإضراره بها. والقول السادس: أنه مشتق من العرب وهو الفجور والفساد، قال أبن الأعرابي أبو عبد الله، وأنشد شاهداً عليه:
فما خلف من أم عمران سلفع ... من السود ورهاء العنان عروب
قال: أراد فاجرة فاسدة، فأما كون مصدره على فعل فليس مما يوجبه القياس إلا أن أبا عمر الزاهد ذكره مسنداً عن أبن الأعرابي، والشعر للأقرع بن معاذ بن سنان بن حزن بن عامر أبن سلمة الخبر بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن الناس، واسم الأقرع الأشيم وقيل: الأشم وإنما سمي الأقرع بقوله، وأول القصيدة التي البيت الشاهد منها:
ألا حبذا ريح الغضاحين زعزعت ... بقضبانه بعد الطلال جنوب
وقد قال أبو الحسن علي بن حازم النحوي اللحياني: هي العاشق الغلمة.
وقال يحيى بن زياد بن عبد الله الفراء: هي الغنجة، فأطافا بالمعنى الذي صرح به أبو عبد الله وهو الفجور، ومن ذلك سمي النكاح الأعراب. وقال أبن عباس في قوله: فلا رفث ولا فسوق قال الرفث الذي ذكر هاهنا التعريض بذكر النكاح، قال أبن عباس: وهو العرابة في كلام العرب. يقال عربت وأعربت إذا أفشحت. قال روبة بن عبد الله العجاج: والعرب في عفافةٍ وإعراب
стр. 51
أراد بالعرب المتحببات إلى الأزواج، والإعراب من الفاحش، فمعناه أنه يقول: يجمعن العفافة عند الغرباء، والإفحاش عند الأزوج كما قال الفرزدق:
يأنس عند بعولهن إذا خلوا ... وإذا هم خرجوا فهن خفار
ومنه قول أبي محمد عطاء بن أبي رباح: أنه كره الأعراب للمحرم، يوميء به إلى النكاح،.
ويكون اشتقاق اسم العرب من هذا المعنى وهو الفجور أنهم عاملوا الناس في الجعجعة بهم والغلظة عليهم معامله الفجار، فسموا بذلك وأن لم يكونوا فجاراً، وعلى مثل هذا فسر بعض المفسرين قول الله : (يخادعون الله والذين آمنوا، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) وقال: معنى " يخادعون " يفعلون أفعال المخادعين، وإن لم تكن الخديعة واقعةً منهم، إذ كان أصل الخدع إخفاء الشيء، والله تخفى عليه خافية، هذا قول بعض أهل العلم والله أعلم بكتابه. وعلى نحو منه فسر صاحب اللواء:
حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صال
وذلك أنه لما كان من شأن الفاجر أن يغلظ يمينه، ويؤكد أليته حلف لها أمرؤ القيس كيمين الفاجر، وأن لم يكن فاجراً في قسمه، ويوضح ذلك أنه قال بعد هذا البيت:
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال
فقد صح ما أقسم عليه من نومهم، وبطل أن يكون في يمينه، ولم يبق إلا حمله على الوجه الذي ذكرناه، وكذلك هؤلاء فعلوا أفعالاً ساء موقعها عند من فعلوها معه من أعدائهم سوءاً شابهوا به أفعال الفجار وإن لم يكونوا فجاراً، ويجوز أن يكون محمولاً على أصل الفجور وهو الظهور والبروز ومنه: في فلان فجر، أي كرم ظاهر وجود فائق، ويكونون سموا بذلك ليرزوهم عن الأمم وظهورهم على الطوائف.
стр. 52
والقول السابع: أنه مشتق من العرب وهو مصدر عرب الجرح يعرب عرباً، إذا بقيت له آثار بعد البرء، عن أبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري، ويكون وجه هذا الاشتقاق أنهم لبروز أفعالهم وبقاء آثارهم وخلود نكايتهم لأعدائهم سموا بذلك.
والقول الثامن: أنه مشتق من العرب وهو كثرة الماء، ومنه بئر عربة إذا كثر ماؤها، ذكره ابن حبيب، واستشهد بقول طفيل الغنوي:
ولا أكون وكاء الزاد أحسبه ... لقد علمت بأن الزاد مأكول
ولا أقول وجم الماء ذو عرب ... من الحرارة: أن الماء مشغول
وقال محمد بن زياد الإعرابي أيضاً: يقال: ماء عرب ونهر عرب وبئر عربة، كله يراد به كثرة الماء.
ولهذا الاشتقاق وجوه: إحداها أنهم لاشتباه حسن أفعالها ووجدان الكرم في كافتهم سموا بذلك، وقد قيل في المثل: أشبه به من الماء بالماء.
وثانيهما: أنهم لكرم أنسابهم وخلوص أعراقهم وصفاء أصولهم سموا بذلك، كما قيل للحصان الصحيحة النسب من النساء: ماء السماء. وكما يقال: حصان كماء المزن.
وثالثها: أنهم لاستغنائهم بأنفسهم. واكتفائهم دون الحاجة إلى غيرهم وتحيزهم بتدبير أموالهم عن أكثر أغراض سواهم سموا بذلك، لأن الماء يوصف بالغنى عن الأشياء وبحاجتها إليه كما قال سهل بن هارون بن راهبون البليغ ﵀، في بعض حكمه، يصف بعض الملوك في جلالة قدره، واستغنائه عن آراء اتباعه وعن مساعي أعوانه -: كالماء الذي ليس به إلى شيءٍ حاجة، ولكل شيء إليه أمس الضرورة.
ورابعها: أنهم لما أحيوه من الأرض الميتة، وأقاموه من الأعلام الدارسة، وأهلوه من القفار العازبة، سموا بذلك، تشبيهاً بالماء الذي به حياة كل شيء قال الله : (وجعلنا من الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ) .
стр. 53
والقول التاسع: أنه مشتق من العرب، وهو النشاط قال النابغة الذبياني:
والخيل تمزع عرباً في أعنتها ... كالطير تنجو من الشؤبوب ذي البردِ
وقد رواه الناس قاطبة بالغين معجمة إلا أن الخليل أورده في باب العين، وقد نوزع فيه، ووجه هذا الاشتقاق أنهم سموا بذلك لنشاطهم إلى إحراز المآثر، وتسرعهم إلى معونة الثائر وإجابة دعاء الجار المجرور، واشتياقهم إلى اغتنام الثناء، وإدراك مناقب الكرماء، كما قال شاعرهم:
ومستنبحٍ قال الصدى مثل قوله ... حضأتُ له ناراً لها حطبٌ جزلُ
وقمت إليه مسرعاً فغنمته ... مخافة قومي أن يفوزوا به قبلُ
والقول العاشر: أنه مشق من العرب وهو يبيس البهمى، وأحدتها عربة وقال أبو زياد - وهو يزيد بن عبد الله بن الحارث بن همام بن دهر بن ربيعة بن عمرو بن نفاثة بن عبد الله بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة - إن البهمى خير أحرار البقل رطباً ويابساً.
ووجه هذا الاشتقاق أنهم سموا بذلك لأنهم من البشر بمنزلة البهمى من البقل. ويكون فيه وجه آخر أقوى من هذا وهو أن يبيس البهمى هو سفاها، والعرب تضرب به المثل في حدة شوكه، وتذلق غربه، حتى أنهم يسمونه نصالاً، قال القحيف العقيلي:
على كل ذيال أطار نسيله ... عياب الحيا والخصب حتى تفيلا
رعى الروض والقربان حتى إذا رأى ... نصال السفا من حيث ركبن نصلا
وقال الآخر، وأنشده ابن الأعرابي: إذا استنصل الهيف السفا برحت به عراقية الأقياظ نجد المرابع
стр. 54
فيكونون سموا بذلك لحدة شجاعتهم، ونفوذ عزائمهم، وقد قيل في العرب إنه بالغينمعجمة، والعين أثبت.
والقول الحادي عشر: أنه مأخوذ من التعريب، وهو الجبه بالغلط والرد، ومنه قول عمر: ما لكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض الناس أن لا تعربوا عليه؟ فقالوا: نخاف لسانه. قال ذلك أدنى أن لا تكونوا شهداء، رواه أبو عبيد وابن الأعرابي وغيرهما. ومعنى تعربوا عليه أي تردونه، وتدفعون قوله. وقال أوس بن حجر:
ومثل ابن عثم إن ذحول تذكرت ... وقتلي تياس عن صلاح تعربُ
ابن عثم: أحد بني جشم بن سعد. وتياس: أرض التقت فيها بنو سعد وبنو عمرو وكانت المعلاة لبني عمرو، قوم أوس يقول: فمثل هذه القتلى يمنع تذكره من الصلح.
ويكون وجه هذا الاشتقاق أنهم سموا بذلك لأنهم يردون حكومة الظالم، ويعصون أمر الغاشم.
والقول الثاني عشر: أنه مشتق من العبة، وهو النهر الشديد الجري، عن ابن دريد. ووجه هذا الاشتقاق أنهم شبهوا بالماء الجاري في قوة مسيله. وأعتياص رده وجره ما وجد في جريته.
فأما العربة لهذه المنصوبات على دجلة والفرات فمولد، إلا أن ثعلبة قد ذكره وصححه وقال: سميت بذلك من العربة وهو الشديد الجري من الأنهار، ولذلك لسرعة مدارها واتصال جريانها.
والقول الثالث عشر: أنه مشتق من التعريب، وهو مداواة للخيل بالنار، تسمى التبزيغ، وسميت العرب من ذلك لبلوغهم في شفاء الصدور بدرك الثأر، وإحكام ما عقدوه
стр. 55
من عهد وذمام مبلغ الكي الذي هو آخر الأدوية وأصعبها.
والأعراب جمع العرب. كالأعزاب جمع العزب، ولكن الشعراء استعملته بعد ذلك على اللفيف وسواد القبائل، ألا ترى إلى قول مكيث بن معاوية الكلبي - وقيل: مكيث بالضم -.
وما أسل الأعراب أرجو به الغنا ... ولو سلبت مالي سنون سوالبُ
وقول الأشهب العكلي:
يسموننا الأعراب والعرب اسمنا ... ونحن نسميهم رقاب المزاودِ
وقال أبو فرعون السائل العدوي من عدي بن عبد مناة بن أد بن طابخة - واسمه شاكر ابن:
ولست بسائل الأعراب شيئاً ... حمدت الله إذ لم يأكلوني
وقد كنا ذكرنا مصدر عربي، فأما أعرابي فمصدره الأعرابية، قال بعض الشعراء:
وإني لأهذي بالأوانس كالدمى ... وإني بأطراف القنا للعوبُ
وإني على ما كان من أجنبيتي ... ولوثة أعرابيتي لأديبُ
وأذكرني هذان البيتان بيتين لأبي الشغب العبسي:
لعمرك إني يوم راح ابن كوكب ... لصب وإني للهوى لغلوبُ
وإني على بعض الأناة ورسلتي ... لأبعد ما يرجو الفتى لطلوبُ
стр. 56
فصل في اشتقاق اللغة
رأيناه كالتوام لما قدمناه من اشتقاق العرب. في الحاجة إليه، وفي النيابة عن أبي بكر ﵀ بإيراده، وكثير ما يجري التساؤل بين أهل العلم عن هذه الكلمة وما رأيت فيها لأحد من العلماء المتقدمين ولا المتأخرين قولاً شافياً والله الموفق.
قال الحسين بن علي: لسنا نشك في أن المقصد باسم العرب معنى واحد من المعاني التي ذكرناها، وكذلك اللغة، لأن واضع الكلمة إنما يقصد بها الإخبار عن المعنى. فإن استردفت معنى آخر كان رجحاناً، ولكن لما كان الحقيقة المقصد خافياً عنا كنا مضطرين إلى حشد الأقوال لتطيب أنفسنا بأن الصواب في جملة واحدة مما أوردناه، وعلى هذا الاعتبار ففي اشتقاق اللغة سبعة أقوال: فالقول الأول: أنها من لغيت بالشيء الغي إذا أولعت وأغريت به. قال الفراء: يقال لغيت بالكلام أقوله، ولغي بالماء يشربه، إذا أولع به، وردده، ولغيت بمصاحبة فلان إذا لهجت به. وقال أبن الأعرابي أيضاً: لغى به ولكى به إذا لهج به. وقال أبو عبيد في " غريب المصنف ". عن الكسائي: لغيت بالماء ألغى إذا لزمت شربه، أو نحوا من هذا اللفظ.
وفي وزنهما قولان أحدهما أن أصلها كانت لُغية عن وزن فُعلة، فحذفت الياء تخفيفاً وبنيت الكلمة على النقص مع نظرائها جماعة الألفاظ، فإن قال قائل: فما بالهم لم يحذفوا الياء من دجية واحدة الدجى، وحكمه حكم لغيه؟ فجوابه: أن القياس إنما يطرد في الأصول والفروع المطرود عليها، فأما الحذف فإنما هو تخفيف، وفاعل التخفيف بالخيار فيه، إن شاء حذف وإن شاء أقر، وذلك على حسب المواقع في كثرة الاستعمال العاذرة في طلب الاختصار.
стр. 57
والقول الآخر أن وزنها فعلة، وأصلها لغية، فانقلبت الياء ألفاً لتحريكها، وانفتاح ما قبلها، وإنما كان الحكم حرفي المد واللين أن ينقلب كل واحد منهما ألفاً إذا تحرك وانفتح ما قبله، لأن أخف أحواله أن يسكن، وما قبله منه، أما سكونه فلان به تمكن المد فيه، وإما كون ما قبله منه فليلاحمه ويعينه ولا ينافره فما يراد به من مده ولينه وأوسط أحواله أن يسكن، ما قبله ليس منه، وأثقل أحواله أن يتحرك وما قبله ليس منه، فيجري مجرى الحروف الصحاح، وتفارق صفته المطلوبة فيه بحركته التي تزيله عن اللبن. وبقلة مساعدة ما قبله له، ومشاكلته إياه، فإذا جاء حرف المد متحركاً وما قبله ليس منه، جاء على أثقل أحواله، فيقلب ألفاً لينتقل إلى أخف أحواله، وهو سكونه وما قبله منه، فلما صار لغاة آنسهم هذا التغير بتغير آخر، فحذفوا الألف تخفيفاً، ولأن هذا الوزن قليل في الأسماء المفردة، وإنما هو من صيغ الجموع، مثل قضاة ورماة، فصار لغة كما ترى. ومن عادتهم أن يتبعوا نقص التغير نقصاً. ألا ترى إلى قولهم ليس وأصلها ليس، بوزن فعل، فكان قياسهم يوجب أن تنقلب الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها فيقال: لاس، ما انقلبت ياء بيع فقيل: باع، فلما وجدوها قد خالفت في التصرف، ولزمت باباً واحداً، وهو صيغة الماضي لعلة أخرى لا نرى الإطالة بذكرها في هذا الموضع، آنسهم ذلك بتغيرها ثانياً، وجراهم على ركوب الخلاف بها عودا بعد بدءٍ، فقالوا فيها: ليس، وفارقوا بها أخواتها ولم يقولوا: لاس، مثل زال وصار، وهو فعل من الليس، وهو الشدة والشجاعة، وكأن تقدير قولهم: ليس زيد قائماً، وامتنع وصعب أن يكون زيد قائماً، هذا على رأي النحويين. فأما أهل اللغة فيحكون عن الخليل أنه قال: ليس إنما أصله لا أيس، لأن أيس عنده لفظة يخبر بها عن الموجود، فإذا قالوا: لا أيس فكأنهم قالوا: لا موجود، فثقل عليهم فقالوا: ليس، والأيس في كلام العرب التأثير، فأخبره به المتكلمون عن الموجود، لأن الموجود لا بد أن يكون له أثر أو تأثير أو نحو ذلك. وقال الأصمعي في كتاب " نظائر الأفعال ": آسه ييئسة أيساً إذا ثر فيه، ومنه أيسه يويسه بوزن فعله، يفعله مشدداً، وأنشد يعقوب:
إن كانت جلمود صخر لا أؤيسه ... أوقد عليه فأحميه فينصدع
стр. 58
إن قناني لنبع لا يؤيسها ... عض الثقاف ولا دهن ولا نارُ
وقال أبو خلدة اليشكري - بخاء مفتوحة معجمة من فوق واحدة - قال أبو بكر ابن دريد: ومن غير ذلك فقد أخطأ، وهو ابن عبيد بن منقذ بن حجر بن عبد الله بن سلمة بن حبيب بن عدي بن جشم بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر بن وائل:
ما يسر الله من خير قنعت به ... ولا أموت على ما فاتني جزعا
ولا يؤنس من عودي خوالقه ... إذا المغمز منها لان أو خضعا
خوالقه: الأحداث التي تملسه، والأخلق: الأملس.
ويكون وجه هذا الاشتقاق إنها أعنى اللغة، لما كان أهلها ملازمين لها، وكانت قد صارت كالسمة لهم، والشيء اللاصق بهم، كانوا كأنهم قد أغروا بملازمتها، وأوزعوا الدؤوب عليها، وكانت هي للصوقها بصفاتهم كالمغراة أيضاً بهم، فلهذا جاز فيها فعله بتحريك العين، لأن فعله اسم فاعل، مثل ضربة لفاعل الضرب وحفظة للحافظ.
والقول الثاني: أنها من اللغو، وهو النطق، ومنه سميت لواغي الناس، أي أصواتهم ومنطقهم، وهذا من المصادر التي جاءت على فواعل، وهي قليلة، مثل قولهم سمعي رواغي الإبل، وثواغي الشاة، يعني رغاءها وثغاءها. قال حميد بن عبد الله بن عامر بن أبي ربيعة بن نهيك ابن هلال بن عامر بن صعصعة، وقد قال بعض النسابين في نسبه قولاً آخر، وهذا أحب إلي لأني رأيت أبا علي الهجري يرويه عن شيوخه من الأعراب وكان الهجري أعلم المتأخرين بالنسب، وغير الهجري أيضاً يروي عن أبي عمرو وغيره من الروات:
رعين المرار الجون من كل باطن ... دميث جمادى كلها والمحرما
إلى النيرو العلباء حتى تبدلت ... مكان رواغيها الصريف المسدما
ويقول: استبدلت عوض الرغاء الذي منها يأتي ضراً وهزلاً الذي يأتي سميناً وأشرا.
стр. 59
وقواضي الديفان: يراد به قضاؤه. قال أبو وجزة يزيد بن عبيدة من بني سعد أبن بكر من هوزان:
وإذا قطمتهم قطمت علاقماً ... وقواضي الذيفان فما تقطمْ
والنواطق: يعنون به النطق. قال كعب بن زهير المزني:
وأدركت ما قد قال قبلي لدهره ... زهير وإن يهلك تخلَّد نواطقهْ
والأوامر والنواهي: يعنون الأمر والنهي، كذا قال اللغويون.
وقد يجوز أن يكون لواغي جمع لاغية، وكذلك كله يجوز أن يكون جمعاً، والأوامر والنواهي يذهب به إلى العزمات والإرادات إلا أن الأول محفوظ القوم.
ومن اللغو المنطق قول الله : (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) . قال الخليل: معناه من اختلاط الكلام، والله اعلم بكتابه ومنه في الحديث: " من قال في الجمعة صه، فقد لغا " أي تكلم، كذا قال الخليل أيضاً. ومثله قول ثعلبة أبن صعير بن خزاعي بن مازن بن عمرو بن تميم بن مرِّ بن أدَّ.
أسمي ما يدريك أن رب فتية ... بيضٍ الوجوه ذوي ندى ومآثر
باكرتهم بسباء جونٍ ذارع ... قبل الصباح وقبل لغو الطائر
أي قبل تنطق الطيور، ويقال منه: لغت الطيور والناس أيضاً تلغو، ولغيت تلغى إذا نطقت وسمع نطقها، وقال عبد المسيح بن عسلة، أخو بني مرة بن همام بن مرة بن ذهل أبن شيبان - وقد رويت لغيره وهي له أثبت عند المفضل بن محمد بن يعلي الضَّبيِّ:
وعازب قد على التهويل جنبته ... لا تنفع النعل في رقراقه الحافي
стр. 60
صبحته صاحباً كالسيد معتدلاً ... كأن جُوُّجُوُّهُ مداك أصداف
- جعل المداك من صدف لأنه أحسن له وأكثر إشراقاً.
باكرته قبل أن تلغى عصافره ... مستخفياً صاحبي وغيره الخافي
لا ينفع الوحش منه أن تحذره ... كأنه معلق منه بخطاف
إذا أواضع منه مرَّ منتحياً ... مرَّ الأتي على برديِّه الطافي
وهذا الشعر من حسان أبيات المعاني.
ويقال أيضاً للصوت اللَّغا مقصور، يكتب بالألف مثل اللَّغو قال الجعدي:
وعادية مثل الجراد وزعتها ... لها قيروان خلفها متكتب
كأنَّ قطا العين التي فوق ضارج ... خلاف لغا أصواتها حين تقرب
شبه لغط القطا باختلاف أصوات الخيل، وخلاف هاهنا بمعنى اختلاف، ويقال: هذه لغتهم التي يلغون بها أي ينطقون بها كما يقال هذه لعبتهم التي يلعبون بها، ووزنها على ذلك فعلة اصلها لغوة، فلما وجدوا الواو متحركة قبلها ساكن وجب ثبوتها وذلك مستكره عندهم لنقصان فضيلتها به، وذلك أنها إذا تحركت نقص المد فيها، وثقلت زيادة على ثقلها، فاحتيل في تغيرها بأن حركوا العين قبلها، فلما تحركت العين، انقلبت الواو ألفاً فصارت لغات، فحذفوا الألف تخفيفاً على المذهب المتقدم في الجراءة على ٠٠ بالتغيير، فصارت لغة، وأهل اللغة يقولون حذفت الواو للنقص، ويقتصرون من الاعتدال على هذا القول.
والقول الثالث: إنها مشتقة من اللَّغو، وهو الذي لا يعبر لقلته، ولا يحتسب لدقته، أو لخروجه على غير جهة الاعتماد من فاعله كما قال الله : (لا يؤاخذكم الله باللَّغو في إيمانكم) ما لم تقصدوه وتعتمدوه، والله اعلم بكتابه. وقال المثقب العبدي - واسمه عائذ وقيل عايذ الله، وكلاهما مروي، بن محصن بن ثعلبة بن وائلة بن عدي بن عوف
стр. 61
٠٠٠بن عذوة بن ٠٠٠ بن نكرة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس -:
هل عند غانٍ لفوادٍ صد ... من نهلة في اليوم أو في غد؟
يجزي بها الجازون عنى ولو ... يمنع شربي لسقتني يدي
هل عندها سقياً لذي غلةٍ ... إلا بما قالت فلم يوجد
إلا ببدري ذهب خالصٍ ... كل صباح آخر المسند
من مال من يجبي ويجبى له ... سبعون قنطاراً من العسجد
أو مائة يجعل أولادها ... لغوا وعرض المئة الجلمد
ومنه ألغيت هذا الباب من الحساب، إذا تركته فلم تعده، وقال غيلان يهجو هشام بن قيس المرئي أحد بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم:
يعد الناسبون إلى تميمٍ ... بيوت الحي أربعة كبارا
يعدون الرباب لها وسعداً ... وعمراً ثم حنظله الخيارا
ويسقط بينها المرئي لغوا ... كما لغيت في الدية الحوارا
لغواً: أي ساقطاً لا يعد كما تسقط الفصلان في الديات.
وقال عمرو بن أحمر الباهلي:
يظل رعاؤها يلغون منها ... ولو عدت نظائر أو جمارا
والجمار: الجماعة. يقول: يسقطون منها ما هو نظير للجيد المختار، ويسقطون الجماعة لا يبالون بها، فاللغة لما طرح بها ما سواها وعطلت ما كان من اللغات قبلها، سميت بذلك، كما يقال لهوة للشيء الذي يلهى به، ولعبة للشيء الذي يلعب به، لأن اللعبة آلة للعب، كما أن اللغة آله لإلغاء ما قبلها من اللغات.
стр. 62
والقول الرابع: أنها مشتقة من اللغو، وهو الباطل، قال الله : (وإذا مروا باللغو مروا كراما) قال الخليل: وهو الباطل، قال ومنه قول الله : (لا تسمع فيها لاغية) أي كلمة باطل فاحشة، والله أعلم بكتابه.
واللغا مقصور يكتب بالألف مثل اللغو، قال العجاج:
فالحمد لله العلي الأعظم ... ذي الجبروت والجلال الأفخم
ورب كل كافر ومسلم ... ورب أسراب حجيج كظم
عن اللغا ورفث التكلم
يعني عن الباطل. ووجه الاشتقاق أن هذه اللغة أبطلت ما قبلها، وجعلته كالمحال الذي لا يقال، والباطل الذي لا يسمع، ومعناه قريب من معنى الفصل الذي قبله، وهما جميعاً في التصريف يجريان مجرى الباب الذي قبلهما، ويغنيان به عن شرح تصريفهما.
والقول الخامس: أنها مشتقة من النغي وهو الكلام. قال أبو عبيد: يقال أبو عبيد: يقال سمعت منه نغية، وهو الكلام الحسن، وأبدلت من النون لام، وبني منه لغية على وزن فعلة، وإبدال اللام من النون كثير من كلامهم، مثل لمق الكتاب ونمقه - وهتن وهتل، وأدكن وأدكل - من الألوان - وغير ذلك مما لو ذهبنا إلى استقصائه لاحتاج إلى جزء مفرد نجرده له، ويكون وزنها فعلة وأصلها لغية، ويجري أمرها مجرى لغوة من اللغو، وعلى ذلك التعليل بعينه، وذاكرت أبا أسامة بهذا الوجه لما عن لي فأعجبه.
والقول السادس: أنها مشتقة من لاغ الشيء يلوغه لوغاً إذا أراده في فمه ثم لفظه - عن ابن دريد - ويقال أيضاً: سائغ لائغ، ويقال: سيغ ليغ - عن ابن الأعرابي - ويكون وزنها فعلة، وأصلها لوغة، فاستثقلت ثلاث ضمات متتابعات، لأن الواو بمنزله ضمتين،
стр. 63
فحذفت إستخفافاً، فصار لغة. ووجه هذا الاشتقاق أنها لصحة أوزانها واعتدال أقسامها، وأصالة آراء الناطقين بها لا تخرج الكلمة منها إلا بعد ترو ونظر ونظر وتفكير، وأنها تلجلج وتردد قبل إرسالها. وتزم عند صحة العزم على إنفاذها، كما قال شداد بن أوس: ما تكلمت بكلمة كذا وكذا حتى أخطمها وأزمها.
فإن قيل: لو كان أصلها لوغة لكان جمعها على لوغ؟! ففي ذلك أجوبة: أولها ما صدرنا به هذا الفصل من الاعتذار لما نرده، والتنبيه على أنه لا بد أن يكون بعضه مخالفاً لما قصد به واضعه.
والثاني: أنه يجوز أ، يكون مجموعاً على لغاً قياساً به على نظائره في اللفظ، فإن الشيء يحمل على المشاكلة الظاهرة كثيراً، مثل ما قلب الفند الزماني شهل بن ربيعة بن زمان بن مالك بن صعب بن علي بن بكر بن وائل فقال:
أيا تملك يا تملي ... ذريني وذري عذلي
فثوبان جديدان ... وأرخي شرك النعلِ
ومني نظرة بعدي ... ومني نظرة قبلي
ونبلي وفقاها ك - عراقيب قطاً طُحلِ أراد بفقاها جمع فوقة، وكان ينبغي أن يقول: فوق فقلب كما ترى.
وقال يزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرغ الحميري في مثله: لقد نزع المغيرة نزع سوءٍ وعرق في الفقا سهماً قصيراً والثالث: أن جمع اللغة - فيما ذكره الخليل - لغات ولغين، ولم يأت فيه بلغى، فعدم السماع قد كفانا مؤونة ما يعترض به علينا طريق القياس.
وقال ابن دريد: إن العرب تختار أن تجري الأعراب على التاء من اللغات، وعلى ذلك
стр. 64
قول أهل الكوفة، وذكر الكسائي أنه سمع العرب تقول: سمعت لغاتهم، والبصريون، يمنعون ذلك أشد المنع ويقولون: إن اطرد هذا في المعتل اطرد في الصحيح، وانتقصت به الأصل.
والقول السابع: أنها مشتقة من الولغ، وهو ورود السبع والذئب والكلب الماء. ووجه هذا الاشتقاق أن ولغ الذئب متصل منتظم، ولذلك قال حاجز الأزدي اللص:
بغزوٍ مثل ولغ الذئب حتى ... يبوء بصاحبي ثأر منيمُ
يبوء بصاحبي أو يقتلوني قتيل ماجد بطل كيمُ وقال آخر:
نقاذف بالغارات عبساً وطيئاً ... وقد هربت منا تميم ومذحجُ
بغزوٍ كولغ الذئب غادٍ ورايحٍ وسيرٍ كصدر السيف لا يتعوجُ وقال ثعلب في " أماليه ": يقال هو في خيرٍ كولغ الذئب أي دائم متصل انتهى. فكأنها لا تساق نظامها وأتزان ألفاظها تجيء مسرودةً منضودةً، لا تفصل بينها فترة عيَّ، ولا تنحو بها هجنة هذرٍ، كما أن ولغ الذئب نسق واحد، كعد الحساب السريع، وكحظ الكاتب الوشيك، ووزنها على هذا فعلة، وأصلها ولغة، وهم يستثقلون حركة الواو بالفتح، فيقلبونها لذلك يقولون في واحدٍ: أحد، وبالكسر فيقلبونها يقولون في وسادة إسادة، وينتهي بهم استثقال الحركة على الواو أن يسقطوا الكلمة بالواجدة، ويتخذوا غيرها عنها عوضاً مثل ما أهملوا الكلام بودد وودع، واستغنوا عنهما بترك، فكيف إذا اتفق أن حركة الواو بالضمة، وهي أثقل الحركات على جميع الحروف وعلى الواو خاصة، فنقلوا حركة الواو إلى اللام فبقيت الواو ساكنة، وليس يبتدأ بساكن، فحذفوها فصار لغة - كما ترى
فإن قيل: إن النسبة إلى اللغة بلغوي يبطل هذا لأنه كان يجب أن يقول: ولغي؟ فجوابه ما ذكرناه في مقدمة الفصل، على أنه يجوز أن تكون النسبة جاءت مقلوبة مثل لعمري ورعملي، ويكون غرضهم في قلبها عند الجميع شيئين: أحدهما أن لا يبتدأ بالواو مضمومة، والثاني: لكيلا يفجا السمع تغير بين المنسوب والمنسوب إليه في أول الاسم ومقدمه، والمقدم
стр. 65
هو المهم عندهم، والمقلوب في كلام العرب مما يجوز القياس عليه لكثرته، قال أبو عبيد القاسم بن سلام في " غريب الحديث ": إن رجلاً سأل رسول الله (فقال أنا نصيب هوامي لإل. فقال (: " ضالة المؤمن - أو المسلم - حرق النار " وفسره أبو عبيد فقال: الهوامي الضوال، واتبع ذلك شرحاً طويلاً ثم قال: وليس هذا من الهوائم في شيء، لأن الهوائم جمع هائم، إلا أن تجعله من المقلوب مثل قولك: جذب وجبذ وضب. فتبين لنا بهذا القول أنه يجوز القياس عليه، وتأمل كلامه يغنينا عن إطالة القول في معناه. وبالله التوفيق.
стр. 66
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القسم الأول من كتاب " أدب الخواص "
في ذكر الشعراء المراقسة:
الباب الأول: - من هذا القسم في ذكر امرئ القيس الأكبر صاحب اللواء وذكر قبيلته كندة.
فصل جعلناه مقدمة لهذا الباب، نذكر فيه الكلام على لفظة " امرئ القيس " من طرق النحو واللغة، وبالله التوفيق. قالوا: يقال مَرء - بوزن فعل - ومُرءٌ - بالضم فيه - وأنثاه مرأة، وقد تحذف الهمزة وتلقى حركتها على الساكن الذي قبلها فيقال: مَرَةٌ، وقد يقال: مراة. قالوا: وهو أبعد اللغات. ويقال: هذا مرء ورأيت مرأ، ومررت بمرءٍ، وقد روي أنه يقال: هذا مرء ورأيت مرأ، ومررت بمرءٍ، فتجعل حركة الميم تابعة للإعراب، وذلك لضعف الهمزة عن تحمل الإعراب فجعلوا الميم تابعة لها، لتقوا بذلك، وتخطوا إلى الميم دون الراء لئلا تخرج إلى الثقل بتحريك عينه، وهم يهربون إلى تسكين المحرك لثقله، ويقال في تثنيه: مران ومرآن، وفي تثنيته مؤنثه: مرأتان ومرتان ومراتان جمع له من لفظه، ما حكى عن أبي سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري - مولى جميلة بنت قبط بن يزيد بن عمرو بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن الأزد، وجميلة هذا زوج مالك بن أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب أبن عامر بن غنم بن عدي بن النجار - وإنما سمي النجار لأنه ضرب رجلاً فقيل: كأنما نجره - وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة - أنه قال في بعض قصصه: يا أيها المروون،
стр. 67
فجمعه على أصله، ذكر ذلك عنه أبو محمد جعفر بن درستويه النحوي في " شرح الفصيح " ويقال على هذا في جمع المرأة مرآتٍ، فأما امرؤ وامرأة فمنتقل عن أصله بألف وصلةٍ، ونحن نحتاج إلى مزيد في شرحه، وذلك أنه اسم، وألف الوصل من خواص الأفعال، لأنه يعرض فيها ما يحتاج لأجله اليها، وهو أن المستقبل كان من حقه أن يكون مفتوح الأول على قياس ماضيه فيقال: يعمل ويصنع، فثقل عليهم توالي أربع حركات، ولم يكن إلى إسكان الأول سبيل، لتعذر الابتداء بالساكن، ولا إلى إسكان الثالث لأنه عين الفعل، وبحركته يعرف اختلاف الأبنية، ولا إلى إسكان الرابع لأنه مركز الإعراب، فأسكنوا الثاني إذ كان لا يمنع من تسكينه مانع، فصار يعمل، فلما احتاجوا إلى الأمر حذفوا حرف المضارعة الذي هو الياء المخبرة عن فاعل غائب لغناهم عنها، وذلك أنها علامة الاستقبال والأمر لا يكون إلا مستقبلاً، لا يجوز أن تأمر بماضٍِ فأغنت هذه النصبة عن حرف الاستقبال، مع طلبهم التخفيف، فبقيت فاء الفعل ساكنةً، وليس يجوز الابتداء بساكنٍ فاحتاجوا إلى الهمزة ليتوصلوا بها إلى النطق بالساكن، إلا أن يكون معتلاً أو مدغماً، فيكون اعتلاله أو إدغامه قد حرك أوله، والرباعي وما وراءه من الأبنية يجري هذا المجرى، والتأمل له مع هذا المثال الذي أوردناه يغني عن استقرائه، وقصدوا الهمزة لعلتين: إحداهما أنها أول مخرجا، فكانت أول شيء ليقيم من الحروف عند الاستقراء، والعلة الثانية: تيسر حذفها عند الأدراج، وسميت الهمزة ألفاً لأنها تنقلب إلى الألف قوال " راس " وأصله " رأس " وقد تنقلب ياء في قولك " ذيب " وقد تنقلب واواً في قولك " سرو " إذا لينت " السرو " وهو البقية، ومنه سائره - مهموزاً - أي أخذت بقيته - والناس كثيراً ما يغلطون هاهنا فيخبرون بسائره عن جميعه، وذلك خطأ، وأصله ما بينته لك.
وعلة أخرى في تسمية همزة الوصل ألفاً وهي أن الهمزة - كما قلنا - في أول المخارج، والألف فهي أول الحروف المرتبة للمعجم، فكان بينهما بذلك مناسبة أوجبت الاشتراك في التسمية، ولذلك خصت الهمزة باسمها دون الواو والياء، وقد ينقلبان عنها.
стр. 68
ومما قد يسأل عنه أنه يقال: كيف كانت صورة عند إحضارها؟! وهل كانت متحرك أو ساكنة؟ فإن كانت متحركة فبما إذن استحقت الحركة، لأن الحروف كلها حقها أن تجيء مرسلة عطلا حتى تستحق الحركة بعد ذلك بأحد الأسباب الموجبة؟ وإن كانت ساكنة فكيف يتوصل بالساكن إلى النطق بالساكن؟ والجواب عن هذا أنها أحضرت ساكنة في نية المتحرك، لأنهم قصدوا بها الابتداء، فوجب لها بهذا القصد شيء من الحراك ووجب عليها بأنها لم تبتدأ بها بعد السكون، فكانت في منزلة بين ذينك، وهي السكون بنية الحركة، فلما ألصقوها بالكلمة حركوها إلى الكسر، وإنما كانت بشريطة التقاء الساكنين " ٠٠٠ " لأن تحريك التقاء الساكنين بناء، ووجدوا الفتحة والضمة ويكونان للإعراب والبناء، ورأوا أن الكسرة لا تكون إلا للبناء فاختاروها لذلك، ولعلل غيره يطول ذكرها. وقد تجيء ألف الوصل مضمومة في الفعل الذي عينه مضمومة مثل " يقتل " والعلة في ذلك أن ألف الوصل لو جاءت هاهنا مكسورة لكان اللسان ينتقل من كسر إلى ضم، لأن فاء الفعل الساكنة حاجز غير حصين فينقل، مع أنه يكون بمنزله " فعل " وليس هذا من أبنيتهم، وعدلوا إلى الضمة دون الفتحة لئلا يلتبس بإخبارك عن نفسك إذا جئت به على الوقف فقلت: " أقتل " وإذا أدرجت سقطت ألف الوصل للغنى عنها بلقاء الساكن متحركاً مما قبله، فلما كانت ألف الوصل من لواحق الأفعال لم يستحقها من الأسماء إلا ما شابهها، وهي أسماء قلائل، جانست الأفعال في حذف الأواخر شيء يلزم الأفعال لكونها متصرفة متقلبة في قواليب الأمثلة، وكانت أواخرها أخص به لا " ٠٠٠ " التعبير بها من جهة كون الإعراب فيها، ولتطرقه في الجزم عليها، فلما جانست هذه الأسماء استحقت ٠٠٠ لمشاركة في بعض الخصائص، فزيدت فيها ألف الوصل، مع دعاء الحاجة إلى ذلك في بعضها أن يكون أولها. فمن تلك الأسماء امرؤ، وكان أصله مرء بوزن فعل،
стр. 69
والدليل على ذلك تصغيرهم إياه على مريءٍ، بوزن فعيلٍ، وقال الشاعر - ويمر خبره مستقصى في باب هلهل إن شاء الله -:
قتلنا مريء القيس غصباً بربه ... بواءً وأطلقنا إليهم مهلهلاً
وقد سموا بمريءٍ، وفي دليل من عبد القيس رجل اسمه مريء، وفي الأنصار من الخزرج رجلان اسم كل واحد منها مريء، وليس بشاهد لنا لأنه تصغير مرءٍ، قبل إدخال ألف الوصل، ولذلك لم نسق أنسابهم، فوقعت الهمزة لام الفعل وهي تعتل كاعتلال حروف المد اللين، مع ما فيها من الضعف بكونها أخيراً، ومن الاستعداد للتغيير بالتخفيف وغيره، فقل احتمالها للإعراب، وكان ضعفها وعجزها من الإعراب الذي هو حلي الكلمة وقيم معناها كعمدها، وحضورها عندهم كمغيبها، فعدوا هذا الاسم مما آخره محذوف، ورأوا أنه يستحق شيئاً من آلات الفعال لمشابهته إياها بهذا النقص، فأعطوه ألف الوصل في أوله، بعد أن اسكنوا فاءه التي هي الميم، ليزيد عذرهم بياناً في إدخال ألف الوصل، وليكون مورد ألف الوصل على الميم ساكنة كموردها على فاء الفعل الساكنة، ولتستوفي في هذا التعويض الذي أعطته كلية المشاكلة. وحركوا الراء لعلتين: إحداهما أنهم لما أسكنوا الميم - كما قلنا - لم يجز بقاء الراء ساكنه لئلا يلتقي ساكنان، وليس يسوغ ذلك في النطق. والثانية: الاحتزاز من تطرق التغيير على الهمزة بكونها متحركة قبلها ساكن. واختلف بعد ذلك في حركة الراء. فبعض العرب يلزمها الفتح، فيقول: رأيت امرأً، وهذا امرأً، ومررت بامرئٍ، ويقول إنه لما اضطر إلى تحريكها ذهب بها إلى الفتح لأن أخف الحركات. وبعضهم - وهو الأكثر الأشهر - يجعل الراء تابعة للإعراب الواقع على الهمزة، فيقول: هذا امرؤ، ورأيت امرأً، ومررت بامرئٍ، وذلك لأن الهمزة على ما قدمنا من الضعف، فعضدوها بمشاركة الراء لها، وتحملها الإعراب معها، ومن أجل هذا لم يضموا الألف في قولهم: هذا امرؤ، ولم يتبعوها ضمة الراء، كما ضموضها في قولك: " أقتل " اتباعاً لضمة التاء، وذلك لأن الراء ليست الضمة لازمة لها، وإنما هي أحد وجوه تصاريفها. وبعض الناس يرى أن الإعراب واقع على الراء، وإن حركة الهمزة مفحمة لا يعتد بها مثل قولهم: يا طلحة أقبل،
стр. 70
وهم يريدون: يا طلح أقبل. ولو أرادوا المناداة باسمه من غير ترخيم لقالوا: يا طلحة أقبل، بضم الهاء على حكم الاسم المفرد، وهذا القول غير طائل في قولهم: امروء، من أجل أنه يحصل الأعراب في وسط الاسم، وذلك لا يتمكن في كلامهم، والعلة في ذلك أنه لا يكون في أوله من أجل استحقاق الأول للحركة، إذ كان لا يقع الابتداء بساكنٍ، فلما استحق الحركة اللازمة كان بمنزلة ما استحق البناء فلم يعربوه في أوله، لأن الإعراب يتغير وينتقل، ومن رأيهم أن يبنوه، ولم يجز أن يعربوه في وسطه لئلا يختل نظام الأبنية، فلم يبق غير آخر فأعربوه فيه، ووجه آخر: أن الإعراب يستحقه الاسم بعد تمام الاسمية فيه، فكان الوجه على هذا أن يعرب في آخره على نحو قولهم: امرؤ، واتباعهم الراء حركه الهمزة، أجروا قولهم ابنم، وقد استقصينا شرحه بعلله وشواهده في غير هذا الكتاب.
وأما قولنا: امرأة فحركت الراء بالفتح، لأنه أخف الحركات، وتحصنت عن أن تتبع حركة الإعراب، لأن الهمزة استغنت عن حرف يعينها في حمل الإعراب، لانتقاله عنها إلى الهاء الموردة للتأنيث مع استفادتها - أعني الهمزة - بعض القوة لتوسطها واحتجازها عن التطرف بالهاء التي بعدها. والكلام في هذه المسألة يتسع لأكثر مما قلناه، ولكنا نرى الاختصار.
وإذا نسبوا إلى امرئ القيس قالوا: امرئي بوزن امرعي بكسر الراء، واقتصروا بالراء على الكسر لمكان ياءي النسبة واستدعائهما الكسر في المشاكلة، هذا القياس عند أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، مولى بني الحارث بن كعب، من مذحج، وعند عامة النحويين، والذي تكلمت به العرب مرئي، بوزن مرعي، وهو عند أهل العربية على الشذوذ، وقال ذو الرمة غيلان بن عقبة بن بهيشٍ - بالشين معجمة - بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن ساعدة بن كعب بن عوف بن ثعلبة بن ربيعة بن ملكان - في قضاعة ملكان وفي السكون ملكان والباقي كله ملكان - بن عدي بن عبد مناة بن ادبن طابخة - واسمه عامر - بن الياس بن مضر، في هجائه هشام بن قيس المرئي:
стр. 71
ويسقط بينها المرئي لغواً كما ... ألغيت في الدية الحوارا
إذا رئية ولدت غلاما ... فألام ناشيء نشيغ المحارا
وكرر ذكر المرئي في أبيات كثيرة لا نرى الإطالة بإنشادها، ويجوز أن تنشد بالتخفيف فتكون ألزم لطريق القياس، على أنه منسوب إلى مرءٍ من قولك مرء القيس.
قال أبو بكر الأنباري: يجوز في اللفظ به أربع صيغ: تقول هذا أمرؤ القيس - بضم الراء - وهذا امرؤ القيس - بفتح الراء - وهذا مرء القيس - بفتح الميم وتسكين الراء - وهذا مرء القيس - بتسكين الراء وصم الميم - فيقال على هذا: المرئي، وليس يخل بالوزن إلا أن السماع في هذا البيت وفي غيره من كلامهم مرئي - بالتحريك - ولعلهم حركوه خيفة التباسه بقولهم: رجل مرئي، أي منظور إليه، ومرئي أيضاً من رايته إذا أصبت رئته، مثل: قلبته إذا أصيب قلبه، ومثل قولهم: قتله، وإنما يعنون أصبت قاتله أي نفسه، والقتال النفس قال الشاعر: يدعن الجلس نحلا قتالها وفي نحو منه قولهم: بحت بالشيء، إنما يعنون به أظهرت ما في بوحي، والبوح النفس وقال أبو جعفر محمد بن حبيب مولى بني هاشم: كل امرئ القيس في العرب فالنسبة إليه مرئي كما جاء في شعر غيلان إلا صاحب اللواء فإن النسبة إليه مرقسي، مثل عبشمي وعبدري.
وجمله القول اللغوي في هذه الكلمة أن المرء الرجل والمرأة تأنيثه، وأصل هذا الباب الجري، فيقال: امرأة كما يقال: جارية، لأنها تجري في نمو وشباب، وكذلك الرجل أيضاً، ومنه الشيء المريء، يراد به الذي يجري في مجاريه ويسوغ أن يقصد مصدره المراءة، بوزن المراغة، ويقال: مرأ الطعام يمرأ مراءة، كما يقال: قمأت الماشية تقمأ قماءة، ومرو الرجل يمرو، كما يقال: قمو الرجل يقمو، عن محمد بن زياد الأعرابي. ويقال: استمرأت الطعام وهذا يمريء الطعام أي يسهل جريه وينفذه، ومنه المريء من
стр. 72
الحلق، وهو المسترط، الذي يجري فيه الطعام والشراب إلى المعدة، وجمعه أمرئة على أفعلة، ومرؤ - بوزن فعل مضموم الفاء والعين - وأبو أسامة يروي هذا الحرف في " غريب المصف " مشدداً غير مهموز قال: هو المري، وكأنه من مريت الضرع أي مسحته ولينته، وسهلت مجاري اللبن فيه. قال أبو أسامة: وقد روي المريء مهموزاً وهو جائز حسن، فأما أبو الحسن ثابت فرواه بالهمز لا غير، وقال أبو عبد الله بن الأعرابي في كتابه الذي سماه بكتاب " الإبل ": المري - غير مهموز - التي تحلب على غير ولد، وإنما سميت مرياً لأنها تمري بالأيدي فلا تكون مرياً ومعها ولدها.
ويقال هنيئاً مريئاً: أي جارياً لذيذاً سائغاً قال الله (فكلوه هنيئاً مريئاً) وقال كُثير بن عبد الرحمن - بن الأسود بن عامر بن عويمر بن مخلد بن سعيدة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقباء بن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن الأزد - وكان يقال له: أبن أبي جمعة ينسب إلى جدة من قبل أمه وهو أبو جمعة الأشيم بن خالد بن عبيد بن مشبر بن رياح بن سالم بن غاضرة أبن حبشية، وقد رأيت بخطوط رؤساء من أشياخ النسب حبشية - مشدد الياء والأول أثبت - وهو قول ابن حبيب. والحبشية النملة الكبيرة، وحبشية هو ابن كعب بن عمرو وكعب أخو مليح بن عمرو -:
هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
وقد قيل في نسب كثير قول آخر ما يضرنا ذكره: كان بعض قوم كثير يقولون: أنهم من ولد الصلت بن النضر بن كنانة، وفي ذلك يقول كثير:
أليس أبي بالنضر أم ليس أسرني ... بكل هجان من بني النصر أزهارا؟
إذا ما قطعنا من قريش عصابة ... فأي قسي تحمل النبل ميسرا؟
لبسنا ثياب العصب فأختلط السدى ... بنا وبهم والحضرمي المخضرا
فإن لم تكونوا من بني النضر فاتركوا ... أراكاً بأذناب الفوائج أخضرا
стр. 73
قال هذا الشعر يخاطب به أبا علقمة ميسر بن حدير بن علقمة بن أبي الجون - واسم أبي الجون عبد العزى - بن سعد بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية بن كعب فقال ميسرة يرد عليه في رواية النسابة الهاشمي من أهل حلب، وقال غيره: إنها للحوص -:
لعمري لقد جاء العراق كثير ... بأحدوثة من وحيه المتكذب
اتزعم أني من كنانة والدي ... وما لي من أم هناك ولا أب
ولما ذكر العراق لأن عبد الملك كان دعا كثيراً إلى هذا النسب فأجابه، وأجابته خزاعة الحجاز فسار كثير إلى خزاعة العراق يدعونهم فأبوا، وبلغ ذلك الأحوص - أو ميسرة - فقال هذا الشعر، وروى زبير بن بكار عن رجاله أن كثيراً ينسب نفسه وقومه إلى النضر بن كنانة، وقال لأبي علقمة ميسرة:
أبا علقم أكرم كنانة إنهم ... مواليك إن أمر نبابك مقلق
بنو النضر ترمي من ورائك بالحصا ... أولو حسب فيهم حفاظ ومصدق
إذا ركبوا ثارت عليك عجاجة ... وبالأرض من وقع الأسنة أولق
هم ملوكهم من تهامة منزلاً ... ولولاهم كنتم أباء يحرق
فلا تكفرن قوماً عززت بعزهم ... أبا علقم فالكفر بالريق يشرق
في أبيات. قل الزبير: فأجابه الأحوص بن عبد الله بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح - اسم أبي الأقلح قيس - بن عصمة بن مالك بن أمة بن ضبيعة بن زيد ب مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس.
стр. 74
فإنك لو أعذرت أو قلت شبهة ... لذي الحق فيها والمخاصم مغلق
عذرناك أو قلنا: صدقت وإنما ... يصدق بالأقوال من كان يصدق
ستأبى بنو عمرٍو عليك وينتهي ... بهم حسب في جذم غسان ومعرق
يعني بني عمرو مزيقاء
وإنك لا عمراً أباك حفظته ... ولا النضر إذ ضيعت شيخك تلحق
فأصبحت كالمهريق فضلة مائه ... لباقي سراب بالملا يترقرق
وجميع أهل العلم بالنسب يقولون: إن الصلت بن النضر درج، ويباطلون دعوى كثيرٍ.
وقد قال آخرون: إن خزاعة من ولد قمعة وهو عمير بن الياس بن مضر، وأحسب أن القتبي روى ذلك، والأول هو الصحيح. وكثير يكنى أبا صخر، وكان ينسب إلى عزة بنت جميل أبن حفص بن اياس بن عبد العزى بن حاجب بن غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة.
ونعود إلى سبيلنا الأولى. وقال عبد الله بن همام أحد بني مرة بن صعصعة أبن معاوية بن بكر بن هوزان بن منصور بن عكرمة بن خفصة بن قيس بن الناس بالنون وهو عيلان بن مضر. وأم ولد مرة بن صعصعة سلول بنت ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكاية أبن صعب بن علي بن بكر بن وايل فإليها ينسبون:
اشرب شرابك وانعم غير محسود ... واكسره بالماء لا تعض أبن مسعود
إن الأمير له في الخمر مأربة ... فأشرب هنيئاً مريئاً غير تصريد
ويعني عامر بن مسعود بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لوي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. وكان اسم جمح بن عمرو
стр. 75
تيماً، واسم أخيه سهم بن عمرو زيداً، فقعدت يوماً أمهما الألوف بنت عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، ومعهما أترجة من ذهب، وقيل من فضة، فدحت بها وقال لأبيها: استبقا إليها فمن أخذها فهي له. فأخذها سهم. فقالت: كأنك والله يا زيد سهم مرق من رميته، وكأن شيئاً جمح بك عنها يا تيم، فسمي هذا جمح وسمي هذا سهماً.
وعامر بن مسعود هذا كان يلقب دحروجة الجعل لقصره، وفي ذلك يقول عبد الله بن همام السلولي:
واشف الأرامل من دحروجة الجعلِ
واصطلح أهل الكوفة على عامر بن مسعود عند موت يزيد بن معاوية، وهرب عبد الله بن زياد، فأمروه عليهم، فأقره عبد الله بن زيد اشهراً ثم عزل، وخطب أهل الكوفة في أيام إمارته عليهم فقال: إن لكل قوم أشربة ولذات فاطلبوها في مظانها، وعليكم بما يجمل منها ويحل، واكسروا شرابها بالماء، وتواروا عني بهذه الجدارات فلذلك قال عبد الله بن همام الشعر المتدم، وقال فيه غيره من الشعر:
من ذا يحزم ماء المزن خالطه ... في قعر خابية ماء العناقيد
إني لأكره تشديد الرواة لنا فيها ويعجبني قول ابن مسعود ولما بلغ ابن مسعود قول عبد الله بن همام قال: قطع الله لسانه عدل الحمار فقد أساء القول. ذهب إلى قول الأخطل:
بئس الفوارس عند مختلف القنا ... عدلا الحمار محاربٌ وسلولُ
وقال آخر - أنشدنيه محمد بن الحسين عن إسحاق بن إسماعيل الطاهري عن المبرد -:
كل هنيئاً وما شربت مريئاً ... ثم قم صاغراً فغير كريم
следующие страницы →