← Адаб

Адаб · id 12392

أدب الخواص

الوزير المغربي

Полный текст (87 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الحسين بن علي: اللهم أنا نستوهبك التأمل، وما فيه من شفاء الجهل، ونستعيذ بك من التقليد وما فيه من إضاعة العقل، ونسألك ان تجعل لنا منك سلطاناً، وتصل بين أفعالنا وبين رضوانك سبباً، ولا يؤثر عنا قولنا إلاّ وله إلى أوامرك منزع ولطف، ولا ينفذ لنا عمل إلاّ وله في طاعتك نسب ولو ضعف، وأن تجعل بمفازة من الضلال والفساد، وعلى متن سبيل من الرشاد والصلاح، وأن تعيننا على مجاهدة العدو الخاص، ومكافحة القِرن اللاصق، من نفس إلى السوء نزوع، ومن لسان بالقول طموح، ومن قول مجذوذ، فليس له فعل يصله، ومن نيةٍ غفل فليس لها موضع تظهر فيه، ومن التجاهل بفضيلة الصمت، والاحتجاج للغو المنطق بغريزة الطبع. وقد عجب المتأملون من عقل لا يمضي سلطانه على نفسه، وهو يريغ نفاذ أمر من غيره، والإنسان يسفه القاصب له، ويثرب على المولع بسبه، ويزنه بالكذب، ويعزوه إلى قول ما لم يعلم وإلى المؤاخذة على الظنن، وإلى إرسال اليد واللسان قبل اليقين والثَّلج، ولا يحس أنَّ الداء الذي أضرع خصمه للملامة، والحج عدوه في التغليظ والمذمة هو وهي سلطان العقل، وانتقاص الجلد عن صرف اللسان وقد اشرب للقول، وعن حبسه قد تهيأ للبثِّ، وأنه هو قد كان يجب أن يكون من ذلك على أبعد البعد وفي المعرفة بعيبه على أبصر الرأي وأوضح الأمر، لا أن يتعقبه بمثله، ويصل إمداده من فعله، ويستمله من فاعله المذموم عنده، ويصير صدى فيه لخصمه المشنإ إليه، ويروون عن عبد الله بن العباس انه قال: من لم يملك نفسه فليس بأهل أن يملك غيره. وقال بعض الحكماء: العاجز من عجز عن سياسة نفسه. وقال الشاعر: أبدأ بنفسك فأنهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

стр. 2

فهناك تسمع إن وعظت ويقتدى ... بالقول منك، ويقبل التعليم ويحكون عن عبد الله بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله أبن العباس أنه لما شاع في الفساد في عامة رعيته، شاور نصحاءه، فقال بعضهم: الرأي أن تجمع قوماً فتصلبهم، وقال آخرون: بل تعمر بهم السجون. واختلفوا في القول، فقال: ليس الرأي شيئاً مما قلتم، ولكن الرأي أن أبدأ فأصلح نفسي، فإذا صلحت نفسي صلحت باطني، وإذا صلحت باطني دب الصلاح، وتفشا في رعيتي. قالوا: وفقك الله، وعمل بذلك الرأي فرأى الخير عليه، وقد قال البحتري: ولست أعجب من عصيان قلبك لي ... يوماً إذا كان قلبي فيك يعصيني وقريب من قول البحتري شعر انشدنيه أبو مسلم عن هارون بن عبد العزيز بن المعتمد عن تغلب، أو المبردالشك مني: يهم بحران الجزيرة قلبه ... وفيها غزال فاتن الطرف فاتره يوازره قلبي عليّ وليس لي ... يدان بمن قلبي علي يوازره واللسان جارحة يكمل بها النطق والمذاق، فما على من تكلم بما لا يعنيه وفي غير موقعه أن يتذوق ما لم يحصل في قرارة فمه، وأن يتمطق بالهواء طول دهره، وأن يعاتب ماضغه ويصرف بأنيابه في غير ساعة اغتدائه، على أنه لو استحسن ذلك لما وجب أن يستحسن إدامة الكلام لغير حينه، واللهج من القول بما لا ينفعه في شيء من أمره لأن الأول قبيح وغير ضار، والثاني قبيح وضار وفاحش قتال، وهو أصل المضرة بالأذى، كما هو أصل المضرة بالأذى، وكما هو أصل المضرة بالعيب فهو موجه بالمعرة، ومعهم مخول في المساءة واللسان عضو مثل اليد والرجل، فما على من تكلم عاجزاً عن ملك لسانه، وملقياً إلى التهلكة الخرق والجهل بيده، أن يبعث بأنامله دائماً

стр. 3

لغير بطش، وأن يلبط بقدمه سرمداً لغير سعي، ثم يطرد المقياس عليه بأن ينغض برأسه في جميع أوقاته، وأن يواقح به كل صفات تبدو لعينه. قد علم الله وعلم العالمون أن الآفة ليست شيئاً غير لعجز والتعاجز، وغير أن يعود الخاطر الوكال، ويحل عنه رباط النهضة والاعتزام، وغير الانسياح مع جريه الماء قبل جهد النفس في الخلاص، والميل مع هبّة الريح من غير أعذار بالاستمساك ونعوذ بالله أن نخرق بنعمه فنعيدها نقماً، وأن نفسد مثابته فنجعلها عقاباً، فإن اللسان نعمة من الله على عبده، فإن احسن أيالته ولملك تدبيره وذلل بالرياضة جامحه، وركزه وراء قلبه، وأوطأه اعقاب تمييزه وتدبره، ولم يرسله إلا لخير في الدنيا أو لخير في الآخرة من إحراز نفع، وأنفع العز وإزاحة مضرة، وأقتل الضر الذل، فذاك هو الذي يطب به إحسان بطبه، ويستديم الأنعام بحسن سياسته، وإن أرسله وشأنه، وأعفاه من ولاية العقل عليه، وأجراه في الوعث والخبار، وأنطقه بالصواب والمحال، أكتبه حصائده في النار على وجهه، بعد أن تكسوه في الدنيا ليط عار لا ينسل منه، وتحوش له من العداوات منزعجا لا قرار معه، كما قال أبو عبد الله محمد بن ميسرة وكان بليغاً شاعراً وفقيهاً ناسكاً، وصاحب نظر وتأمل، وبيان وتبحر: اكثر من الصديق ... لكل يوم ضيق من أكثر العدوا ... لم يستطع هدوا وقال آخر: وما أودعت أحشاء الليالي ... أضر عليك من حقد الرجال وقال طريح بن إسماعيل الثقفي: لا تأمنن إمرأً أسكنت مهجته ... غيضاً وإن قيل: إن الجرح يندمل

стр. 4

وأقبل جميل الذي يبدي وجار به ... وليحرسنك من أفعاله الرجل وقال حريث بن جابر الخنفي: لا تأمنن الدهر حراً ظلمته ... وإن نمت فأعلم أنه غير نائم إذا كان ذا عودٍ صليب ومرةٍ ... ركوباً لإحناء الأمور العظائم وقال آخر محدث: نم عن معاداة الرجا ... ل فإنها حسك المضاجع وإذا أذيت فحام عند ... الضيم مجتهداً، ومانع وقال آخر في المعنى الأول: إن كان يعجبك السكوت فإنه ... قد كان يعجب قبلك الأخيارا ولئن ندمت على سكوتٍ مرةً ... فلقد ندمت على الكلام مرارا كأنه منظم من قول بعض الأوائل: الندم على السكوت خير من الندم على القول. وقال أكثم: رب قولٍ أشد من صول. وقال أيضاً: وأحسن الصمت يكسب المحبة ويروى أن لقمان قال: الصمت حكم وقليل فاعله. وقال الحسن بن علي ﵇ وقد ليم على كثرة الصمت: إني وجدت لساني سبعاً إن أرسلته أكلني. وقيل لعبد العزيز بن مروان: أنت من أطول الناس لساناً فإذا

стр. 5

رقيت المنبر تكلمت بكلام نزر، فقال: إني لأستحيي من ربي إن آمرهم بما لا أفعل فلا جرم أن هذا القول من عبد العزيز صيره إلى أن يقول فيه المادح وهو نصيب مولاهم: يقول فيحسن القول أبن ليلى ... ويفعل فوق أحسن ما يقول فتى لا يرزأ الخلان إلاَّ ... مودتهم، ويرزؤه الخليل وقال بعض الحكماء: من أطلق أمله فلا قنوع له، ومن أطلق لسانه أهدر دمه. وقال آخر منهم. من ضاق قلبه أتسع لسانه، وسب رجل عابداً فقال العابد: لولا أن الله يسمعك لأجبتك. وهذا قول حسن. وقال المجشر بن النعام أحد بني كعب بن مالك بن غياث بن تغلب: أليس هبلتما ثلباً وزوراً ... يعد عليكما لو تعقلان؟! من الرفث الذي لا خير فيه ... يحش بكل آنسة حصان وقال شداد بن أوسٍ بن ثابت وهو ابن أخي حسان بن ثابت الشاعر: ما تكلمت بكلمةٍ منذ كذا وكذا حتى أخطمها وأزمها. وفي ارتهان القائل بقوله، ومحاذرته لعقبى الطغيان منطقه قال الشاعر العنقسي وأحسن: ألم تر كعباً كعب غورين قد قلا ... معالي هذا الدهر غير ثمان فمنهن تقوى الله بالغيب إنها ... رهينة ما تجني يدي ولساني هذا البيت الذي يليق باستشهادنا: ومنهن جري جحفلا لجب الوغا ... إلى جحفل يوماً فيلتقيان ومنهن تجريد الأوانس كالدمى ... للذاتها من كاعب وعوان

стр. 6

ومنهن شربي الكأس وهي لذيذة ... من الخمر لم يمزج بماء شنان ومنهن تقواد الجياد لعازبٍ ... من الوحش في دكداكة ومتان في أبيات أكثر من ذلك استوفى فيها عدد الثمان الخصال التي قدم في صدر قوله، ولم نكتبها. وقوله: من الخمر لم تمزج بماء شنان يشبه أن يكون قد أغار عليه سلم الخاسر وهو سلم بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر بن مولى عبد الله بن جدعان وكان هو يدعي ولاء محمد بن أبي جعفر وفي ذلك يقول من أبيات: لقد أتتني عن المهدي متعبة ... تظل من خوفها الأحشاء تضطرب مولاك مولاك لا تشمت أعديه ... فليس قبلك لي ذكر ولا نسب وأما الجماز الشاعر وهو ابن أخي سلم وكان شاعراً ظريفاً وهو الذي يقول في سنان الخصي: ظبي سنان شريكي ... فيه وبئس الشريك فلا سنان ي " ٠٠٠٠ " ... ولا يدعني " ٠٠٠٠٠ " وهو أعني الجماز الذي أنشد إنساناً مقطعات فقال: ما تزيدني على البيتين والثلاثة؟ فقال له الجماز: أردت أن أنشدك مذارعة؟! وكان يقول: انهم من موالي أبي بكر بن أبي قحافة، وأبو بكر من عبد الله جدعان قريب يجمعهما تيم بن مرة، والله أعلم. قال سلم في معنى الشعر الأول الذي أوردناه: أمزج الراح براح ... واسقني قبل الصباح ليت لي خمراً بماءٍ ... وفساداً بصلاح

стр. 7

وقد قال غيره من المحدثين: وبالحيرة لي يوم ... ويوم بالأكيراح إذا ما عزنا الماء ... مزجنا الراحَ بالراحِ وقد قال حماد عجرد لمحمد بن أبي العباس السفاح نحواً من هذا القول، وكان استناده لما ولي الكوفة، وذاك أن أبا جعفر كان أنفذه والياً عليها بعد قتل إبراهيم بن حسن ﵏ قالوا فوافاه في أشد القيظ، ولقد لط لحيته بالغالية حتى كأنه خضاب، وصعد المنبر فخطب، ولحيته تقطر على قبائه فسماه أهل البصرة لذلك أبا الدبس فلزمه هذا اللقب حتى هلك، وكان أبو جعفر لما ولاه أنفذ معه الزنادقة والمجان ليلهو ببعضهم، وليبغضه إلى الناس، وكان معه في جملتهم حماد عجرد وهو حماد بن عمر بن يونس أبن كليب مولي بني سواءة بن عامر بن صعصعصة وإنما سمي عجرداً لأنه نزع ثيابه فرآه بدوي فقال: تعجردت يا غلام، العجرد العريان، والعجرد الشديد الغليظ، والعجرد الذهب في غير هذا الموضع، وكان حماد يذكر بترسلٍ وبيان مع شعره، وقد أرتسم بالصناعة، وكتب لجماعة من رؤساء الدولة العباسية، وقد سمي بعجرد قبله، قال الخليل بن أحمد: كان في ربيعة رجل يقال له عجرد، نازع رجلاً في موازنة فوجأه بجمع كفه فقضى عليه، فأخذت عاقلته ديته، وقال شاعرهم: يا قوم من يعذر من عجرد ... القاتل المرء على الدانق لما رأى ميزانه شائلاً ... وجاه بين الأذن والعاتق فخر من واجأته ميتاً ... كأنما دهده من حالق فبعض هذا الوجء يا عجرد ... ماذا على قومك بالرافق؟ فقال محمد يوماً لحماد: أتحب من الأشربات الماء؟ قال: يشكرني فيه الحمار والبعير

стр. 8

قال: أفتحب اللبن؟ قال: لقت استحييت مما رضعت من ثدي أمي. فقال: أفتحب السويق؟ قال: شراب المسافر العجلان ولست منه. قال: فما تقول في الخمر؟ قال: تلك صديقة روحي قال: فضمه إليه، وقال: لا جرم وأنت صديق روحي. وقال له يوماً: أي المواضع أحب إليك أن تشرب عليه؟ قال فقال: إني لأجب ممن لم تحرقه الشمس ولم يؤذه المطر كيف يشرب على شيء غير وجه السماء. ولم يزل حماد مع محمد، ومن شعره يمدحه، وغنى له فيه حكم الوادي المغني - وهو حكم بن يحيى بن ميمون، وميمون كان حجاماً للوليد بن عبد الملك فأعتقه وإنما قيل له حكم الوادي لأنه كان يخدم عمر الوادي، وهو عمر بن داود مولى عمر بن عثمان بن عفان، ويأخذ عنه الغناء، وكان عمر من أهل وادي القرى: أرجوك بعد أبي العباس إذ بانا ... يا كرم الناس أعراقاً وعيدانا فأنت أكرم من يمشي على قدمٍ ... وأنظر الناس عند المحل أغصانا لو مج عودٌ على قوم غضارته ... لمج عودك فينا المسك وألبانا فأظهر محمد أنه يعشق زينب بنت سلمان بن عبد الله بن العباس وكان يركب إلى المربد كثيراً يتصدى لها ويطمع في النظر إليها. وقال لحماد فصنع على لسن محمد: يا ساكن المربد هيجت لي ... شوقاً فما أنفك بالمربد سوف أوافي جفرتي عاجلاً ... يا منيتي إن أنت لم تسعدي وعما له أيضاً - وقد قيل: إنه لمحمد نفسه: زينب ما ذنبي وما ... الذي غضبتم فيه، ولم تغضبوا؟ والله ما أعرف لي عندكم ... ذنباً، ففيما العتب يا زينب؟ ومن شعر محمد بن العباس نفسه لم يعنه عليه أحد، أنشده المدائني:

стр. 9

قولاً لزينب: لو رأيت ... تشوفي لكي وأشترافي وتلددي كما أرا ... ك وكان شخصك غير خاف ووجدت ريحك ساطعاً ... كالبيت جمر للطواف وتركتني وكأنما ... قلبي يوجأ بالأشافي وكان محمد هذا قوي ضليعاً، ويحكى أنه كان يلوي العمود ويلقيه إلى أخته ريطة فترده، وعاتبه المهدي يوماً وهو أمير فغمز ركابه حتى ضاق وضغط رجله فلم يقدر على إخراجها حتى رده فأخرجها، فمثل الآن وقايس بين قوة حسه وبين وهن قوى نفسه، وإنخذال روحانية قلبه، وإسفافه لمطمع شائن إذا كان محصولاً، وتعرضه لحرام فاضح لو كان محللاً، وأجعل ذلك - إن شئت شكاً على الأطباء، واعتراضاً على روايتهم عن جالينوس إن قوى النفس تابعة لمزاج البدن، وهو في غير موضع من كتبه، يروم أن يبين أن مزاج البدن تابع لقوى النفس أيضاً. ثم إن أبا جعفر سمى محمداً على يد خصيب الطبيب، فمات، وكتبت أمه إلى أبي جعفر تشكوه، فأمر بحمله إليه فضربه ثلاثين سوطاً خفافاً، وحبسه أياماً، ثم وهب له ثلاث مائة درهم وأطلقه. وقد قيل أنه استعفى من ولاية البصرة فأعفاه، ووردت "؟ " فمات ببغداد وكان خصيب هذا زنديقاً - فما قيل لا يعتقد شياً ويتظاهر بالنصرانية، وحبسه أبو جعفر لحدث أحدثه، فمات في مطبقه، وكان يقول: لو أسامت كنت رافضياً، وكان من العلماء المبرزين، وأخبرت عنه إنه كان يقول: حبس البول أمرن للمثانة. وقيل له: ما يذهب أكل الطين؟ فقال: لب المر، وفي القولين نظر على قانون الطب. وفي خصيب هذا يقول الحكم بن محمد بن قنبر المازني البصري: ولقد قلت لأهلي ... إذ أتوني بخصيبٍ: ليس والله خصيبٌ ... للذي بيّ بطبيبٍ

стр. 10

إنما يعلم طبي ... من به مثل الذي بي ولما مات محمد بن أبي العباس وقد "؟ " الكوفة والبصرة محمد بن سلمان بن علي أخو زينب، طاب حماداً طلباً حثيثاً فاستجار حماد بقبر سلمان بن علي وقال: إن أكن مذنباً فأنت ابن من كا ... ن لمن كان مذنباً غفاراً يا ابن بنت النبي إني لا اجعل ... إلا إليك منك الفرارا غير إني جعلت قبر أبي أيو ... ب لي من حوادث الدهر جارا لم أجد لي من الأنام مجيراً ... فاستجرت التراب والأحجارا فلم ينفعه ذلك شيئاً عند محمد بن سلمان، فكتب إليه: قل لوجه الخصي ذي العار إني ... سوف أهدي لزينب الأشعارا قد لعمر فررت من شدة الخوف، وأنكرت صاحبي جهارا وضننت القبور تمنع جاراً ... فاستجرت التراب والأحجارا فإذا القبر ليس لي بمجيرٍ ... فحشى الله ذاك القبر نارا وما أحسبه ظفر به. ونعود فنجدد من شأننا - بتوفيق الله -. قال صاحب اللواء: إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان وقال أيضاً: وجرح اللسان كجرح اليد وتبعه الأخطل فقال:

стр. 11

أفحمت عنكم بني النجار وقد علمت ... عليا معد، وكانوا طال ما هدروا حين إستكانوا وهم مني على مضضٍ ... والقول ينفذ ما لا تنفذ الأبر وقال غيره - وأحسبه طرفة -: فإن القوافي يتلجن موالجاً ... تضايق عنها أن تولجها الأبره قد ألم بهذا اللفظ دون المعنى أبو نصر بن نباتة، بقية شعراء العراق، وهو مادح أبي وجدي: فلا تحتقرن عدواً رماك ... وإن كان في ساعديه قصر فإن الحسام يقد الرقاب ... ويعجز عما تنال الابر وقال طرفة - واحسن -: وتقصد عنك مخيلة الرجل ال ... عريض، موضحة عن العظم بحسام سيفك أو لسانك وال ... كلم الرصين كأغرب الكلم وقال عمر بن عبد العزيز: التقي ملجم. وحدثنا أن يونس ﵇ قيل له من بعد خروجه من بطن الحوت، وقد أطال الصمت: لم لا تتكلم؟ فقال: الكلام صيرني إلى بطن الحوت. وروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: " إن من الكلام عيالا " وأنا أرى أن هذه اللفظة من الكلم التي أعطي رسول الله صلى الله عليه وآله جوامعها لحسنها وبيانها وإيجازها. وقال بعض عامة بلدانا الحلبيين في قصة له: رب كلمه، أزلت نعمة، وقال الشاعر: إن كان في العي آفات مقدرة ... ففي البلاغة آفات تساويها وهذا كثير لا ينساه إلا الساهي، وباهر لا يذل عنه إلا المحين، وقد أنشدني منشد من

стр. 12

أبيات بيتاً صحيح القسمة، يعجبني، وهو: هي الخطوب فمن ماضٍ ومنتظر ... وهو الأنام فمن ساهٍ ومعتبر ولعلم الله اللسان سبع عقور، ورائد للمنية صدوق، جعله مزموماً مخطوماً، وعن التصرف بذاته عاجزاً مقصوراً، فليس يجري ما لم يجره فارسه من العقل، ولا يفعل ما لم يأمره أميره من الرأي، ولم يجعله كالعين التي ترى ما نحاه اللاحظ بطرفة وما لم ينحه، وكالأذن التي ما قصد السامع لاستماعه وما لم يقصده. وكل ذلك لأنه صاحب الفتك والإمضاء، وينبوع الشر والبلاء، وكان إبراهيم بن أدهم الزاهد الناسك يطيل السكوت فليم في ذلك فقال: الكلام على أربعة وجوه: فمنه كلام ترجوه منفعته وتخشى عاقبته، فالفضل فيه السلامة منه، وكلام لا نرجو منفعته ولا تخشى عاقبته فأقل ما في تركه خفة المؤونة على بدنك ولسانك، وكلام لا ترجو منفعته وتخشى عاقبته، وهذا هو الداء العضال، ومن الكلام كلام ترجو منفعته، ولا تخشى عاقبته، وهو الذي يجب عليك نشره، فإذا به قد بهرج ثلاثة أرباع الكلام، هذا على بلاغة إبراهيم بن أدهم وحكمته وكثرة معارضته أهل البيان، وهو الذي سأل عبد الله بن شبرمة بن طفيل الضبي قاضي أبي جعفر عن مسألة فأسرع الجواب فقال: تأن. فقال له ابن شبرمة: إذا سهل الطريق لم أحتشد وهذا نسيبه يروى لأياس بن معاوية مشهور، وفي إبراهيم بن أدهم يقول محمد بن كناسة، وكان إبراهيم من أخواله بني عجل: رأيتك لا يكفيك ما دونه الغنى ... وقد كان يكفي دون ذلك أبن أدهما وكان يرى الدنيا صغيراً كبيرها ... وكان لحق الله فيها معظما واكثر ما يلفى مع القوم صامتاً ... وإن قال بذّ القائلين وأحكما

стр. 13

ومحمد بن كناسة هذا شاعر محسن، وأهل النقد يستحسنون قوله: على حين أن شابت لداتي ولم أشب ... فمنها لحى مبيضة وقرون وناصيت رأس الأربعين وأقبلت ... قساوة جني الشباب تلين وهو صاحب هذا الشعر والسائر: في انقباض وحشمة فإذا ... رأيت أهل الوفاء والكرم أرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت ما قلت، غير محتشم ومن قوله: قعدت عن الإخوان عن غير ما قلى ... على غير نقصٍ في الإخاء ولا الود ولكن أيامي تخرمن مرتي ... فما أبلغ الحاجات إلا على جهد ومن قوله يرثى حماداً الرواية - في أبيات معروفة: فهكذا يفسد الزمان ويف ... نى العلم فيه، ويذهب الأثر يرون أن ذلك منظور به قول عبد الله بن العباس وقد دلى زيد بن ثابت في قبره: من سره أن يرى كيف ذهاب العلم فهكذا ذهابه، وهو القائل لما أبغض زوجته ومر بجذع مصلوبٍ: أيا جذع مصلوب أتى دون صلبه ... ثلاثون حولا كاملاً هل تبادل؟ فما أنت بالحمل الذي قد حملته ... بأعرض مني بالذي أنا حامل وكل هذا حسن، أو واقف بين الحسن والقبيح، فأما الذي يوافق هواي ويصنع في نفسي

стр. 14

صنيع الواعظ الحسن في قلوب المخلصين، وليس يستحق ذلك في حقيقة النقد إلا أني معجب به فقوله في نكبة أبي أيوب المورياني، ولعل استحساني إياه لموافقته شجناً في نفسي في هذا الوقت: لا ترى زاجراً لهمِّ القلوب ... كالرضا بالموكَّل المكتوبِ فاتق الله وارضَ بالقصد حظاً ... لا تسيلنَّ في سبيل الذنوبِ لا يغرنَّك الذي غرَّ قوماً ... شربوا من حتوفهم بذنوببِ طلعت شمسهم عليهم نهاراً ... وأتتهم نحوسهم بغروبِ قد رأيت الذي أدالت ونالت ... وقعه الدهر من أبي أيوبِ وعدنا إلى كلام ابن أدهم، وقوا ابن أدهم في تزييف المنطق والمشورة بالصمت نسيب لقولهم: أبلغ الصمت ما يكون الكلام شراً منه، وكان حبيب بن أوس الطائي الشاعر يحكيعن أبي مسهر أحمد بن مروان الرملي النحوي قال: تكلم رجل في مجلس الهيثم بن صالح. فقال له الهيثم: يا هذا بكلام أمثالك رزق الصمت المحبه وقد أحسن الشاعر إذ قال: سأهجر ما يخاف علي منه ... وأترك ما هويت لما خشيتُ لسان المرء ينبي عن حجاه ... وعيُّ المرء يستره السكوتُ ومثل البيت الأول قول جامع هذا التعليق: أطعت العلى في هجر ليلى وإنني ... لأضمر فيها مثل ما يضمر الرندُ صريمة عزم لم يكن من رجالها ... سوى من العشاق قبل ولا بعدُ رأيت فراق النفس أهون ضيرةً ... عليَّ من الفعل الذي يكره المجدُ وفي نحو من هذا الأقوال المخبرة عن التسلي قول المؤلف أيضاً:

стр. 15

حبيبٌ ملكت الصبر بعد فراقه ... على أنني علقتهُ والفتهُ محا حسن يأسي شخصه من تذكري ... فلو أنني لاقيته ما عرفتهُ وله أيضاً في نحو من ذلك، ولعله مُحَيَّنٌ بذكره، وناطق بالشهادة على تقصيره وعجزه: ولاعبٍ بالهوى يؤمل أن يظ ... هر لي جفوة وأهواهُ قلت لقلبي وقد تتبعه: ... يا قلبُ إما أنا وأما هو!! وفي المعنى الأول قال قائل مصيب: عيُّ صامتٍ خيرٌ من عيِّ ناطق. ومن هاهنا قال بشار: وعيُّ القيام كعبيِّ الكلام ... وفي الصمت عيِّ كعبيِّ القلم وفي بعض الأحاديث إن ابن آدم إذا أصبح كفرت أعضاؤه للسان، وقالت: اتق الله فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا، وحدثني بعض شيوخنا بإسناد رفعه إلى أبي الدرداء أنه قال: لأن يعثر الرجل حتى يخر لوجهه خير له من أن يعثر بلسانه، وأنشدني هذا الشيخ في منظوم هذا المعنى لبعضهم: يموتُ الفتى من عَثرَة بلسانه ... وليس يموت المرءُ من عَثرة الرجلِ فعثرته من فيه تُودي برأسهِ ... وعثرته بالرِّجل تُوسىَ على مهلِ وقال أبو الفضل الريعي - من ولد ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب - حدثني محمد بن ذياد مؤدب المعتز - قال: بينا أنا جالس مع المعتز والزَّبير بن بكار يقرأ عليه أخبار أبي السائب وكان المتوكل قال لي: إذا غضبت عليه فلا تضربه، وقل ليندون الخدم يضربه،

стр. 16

قال: فترك المعتز الزبير، وقام يلعب مع الخدم، وقد كنت ظننت أنه قام لحاجة، فقلت ليندون: أما ترى إلى الأمير ترك شيخاً من قريش جالساً في سواده، وقام يلعب؟! لو كانت يدي مطلقةً عليه لأوجعته ضرباً، فقام إليه يندون ليضربه فهرب منه المعتز، فلم يزل يراوغه حتى سقط في عثرة، فدميت رجله، ففزعنا وبادرنا إليه وقال له الزبير: يا سيدي لو أعلمتني أنك قد ضجرت لقمت ولم أوذك فقال المعتز: لا بأس هوّن عليك وأنشد: يُصابُ الفتىَ من عَثرةٍ بلسانه ... وليس يصابُ المرءُ من عثرة الرجلِ قال أبو الفضل: فحدثت بهذا الحديث أبا عبد الله بن حمدون فقال لي: أنا أحدثك عن أبيه المتوكل بنحوٍ من هذا، كنا عنده في اليوم الذي قتل في ليلته، فقام لحاجة، فلما رجع قمنا، والمنتصر جالس، فلما قرب منه قام، فنظر إليه المتوكل وقال له: اجلس يا محمد، وأقبل علينا فقال: هُم سَمَّنوا كَلباً ليأكل بعضَهُم ... ولو أخذوا بالحزم ما سمَّنوا كلباً قال أبو عبد الله: فوالله ما صلينا عتمة من تلك الليلة والمتوكل من أهل الدنيا. ونرجع إلى ما كنا فيه فنقول: قد كان يجب أن نقدم بين يدي هذا القول الرغبة الى الله في المعافاة من سورة الغضب ومن غشية الأنف، ومن البلوغ في طاعة الحنق إلى ما يردي الحلم، وإلي ما يهزم الرأي، وإلى ما يزين إطلاق اليد واللسان بما يجنى منه الندم بعد ساعة فعله، ويوجد منه الأسف واللهف غب يوم كونه، وقد ينجد على اماتة الغيظ وقتله، وينفع في تَمصُّل الحقد وذوبه أن تكون النفس كاملة وقوراً، وبأمور الزمن عروفاً، وان يكن اللسان حديداً والقلب شديداً، فإن كمال الآلة يحبب الاقالة، وعلوَّ القدرة يزين التكرم والترفع عن المعاقبة، وقد قال قائل مجرب: كُنْ حاقداً ما دُمتَ ليتَ بقادر ... فإذا قَدِرْت فخلّ حقدكَ واغفر واعذُرْ أخاك إذا أساءَ فَرُبَما ... لجّتْ إساءتهُ إذا لم تَعذُرِ

стр. 17

وكثيراً ما يقطع بالمخاطب عيه فيفزع إلى السّفه، يتل الغبيّ البئ حصره فيطلب إخفاء أمره بالشغب، وذلك أخفض المواقف، والأم الهزائم وقال علقمة بن علاثة في نحو من هذا المعنى: أول العيّ الاختلاط، وأسوء القول الإفراط هاهنا الاضطراب لشدة الغضب، فأما إذا أيقن أنه التام الحسنى، والموفور للعلى فهو عند نفسه البحر الذي يلتهم كل ما ألقي فيه وهو ساج ساكن والطود الذي يحتمل كل ما نيط به وهو قار ثابت فيعود طريقه إلى الاحتمال دميثاً، وعذره في الأعضاء - عند نفسه - واضحاً جميلاً. جعلنا الله ممن يقيم لطبيعته المعاذير في الأقصار عن الرذائل، كما يقيم الحجيج عليها في القصور عن الفضائل، ولا جعلنا ممن يمهد لنفسه العلل في هجران الخير لصعوبة طريقه. ويخرج لها الأسباب في إتيان الشر لإعتنانه، واتفاق عروضه، وقد قال الشاعر: فلا تعذريني في الإساءة إنه ... شرار الرجال من يسيء فيعذر وتجزع نفس المرء من سب مرةٍ ... وتسمع ألفا مثلها ثم تصبر وقال آخر: وعذرك في القبائح مستتب ... وليس الناس كلهم يلام وقال العبدي: عذرك عندي لك مبسوط ... والذنب عن مثلك محطوط ليس بمسخوط فعال امرئٍ ... كل الذي يأتيه مسخوط وينشد أصحاب المعاني: فخذ القليل من اللئيم وسبه ... إن اللئيم بما أتى معذور قالوا: وليس هذا العذر في شيء، وإنما يريد أن اللئيم يسب بما يأتيه فيجعل وسما على وجهه كالعذار وقد يجوز أن يكون من العذر، وتأويله ذم اللئيم فإنه عند نفسه معذور، فذلك أوجب للوم عليه، لأنه لو استقصر فعله لدل على أنه أعطى قليلاً من نية مكثرة لو استطاعت.

стр. 18

وقال المكتفي أبو محمد علي بن أحمد - لما كان كاتبه معه بالري أحمد بن أبي الأصبغ يكاتب عبد الله بن سليمان بن وهب بأخباره، فينهيها إلى أبيه المعتضد، فلما اجتمعا عاتبه المعتضد، قال فلم أزل أقارب وأباعد حتى صدقني عن المخبر له، وزال ما في نفسه، فقالت: ولما رأيت العذر يظلم وجهه ... ولم يبق إلا أن أقول فأكذبا خلطت بحق باطلا فتشبها ... وجئت من الباب الذي كان أصوبا ونحو من هذا قول علي بن الجهم بن بدر - مولى بني سامة بن لؤى وهو يدعا "؟ " فيهم صميماً: وفتى ضاقت مذاهبه ... ضاق ذرعاً بالذي صنعا جعل الإقرار جنته ... حين رام العذر فامتنعا وقال آخر في ذم المعاذير، ونسبها إلى الأكاذيب: جد لي بغفرانك من قبل أن ... أخضع بالعذر وأن ارغبا فالعذر لا يسلم من زخرف ال ... كذب، وما أنشط أن أكذبا وكتب إلي بعض عمال السلطان معتذراً من تأخر كتابه عني بأن قال: فإن رأيت أن تسامحني بما في غضون اعتذار المعتذر فعلت إن شاء الله تعالى. وقال قائل: زاد على هؤلاء كلهم في حسن القول وجودة المعنى: إياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر فلما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس من سائر الناس عاذر وأشعر منه وأحكم كعب الغنوي إذ يقول:

стр. 19

لا تعذرن الدهر صاحب ريبةٍ ... فسان آتٍ أمر سوء، وعاذره ومن هذا الجنس - وإن لم يكن من النوع نفسه - قول تميم بن أُبيَّ بن مقبل عوف بن حنيف بن العجلان بن عبد الله بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة - وقد أحسن فيه ما شاء: يا حر أمسى سواد الرأس خالطه ... شيب القذال اختلاط الصفو بالكدر يا حر من يعتذر من أن بلم به ... ريب الزمان فإني غير معتذر فأما الكلام الذي يستحق قضية الحسن عندي، ولعله كذاك عند غيري فشعر أنشدنيه أبو مسلم عن ابن دريد عن عبد الرحمن عن عمه الأصمعي لبعض القيسيين: يا سلم لا أقري التعذر نازلي ... والذم ينزل ساحة المعتذر ولقد علمت إذا الرياح تناوحت ... أطناب بيتك في الزمان الأغبر إني لأبسط للضيوف تحيتي ... وأشب ضوء النار للمتنور وتنال بالمال القليل براعتي ... قحماً تضيق بها ذراع المكثر وهذا البيت الأخير عجب. والمعاذير كما قال الله من الأدهان "؟ " ومن الرياء والنفاق وهي مع ذلك ربما أردت، وربما كان الصدق أنجى منها في العاجل، فأما في الآجل فكلما. وعرض الحجاج قوماً من الخوارج للقتل فقال أحدهم: إن لي عليك حقاً أيها الأمير. قال وما هو؟ قال: آني حفظت غيبك، وذلك أنني كنت في مجلس أبن الأشعث فسبك وذكر أمك فقلت: مهلاً إن أبويه كانا كريمين سريين، ولكن ما شئت فيه فقل. واستشهد برجل من الأسرى، فشهد له، فقال الحجاج للشاهد: فما منعك أن تقول قوله؟ قال: قديم بغضي لك. قال: أطلقوا هذا لحقه، وهذا لصدقه.

стр. 20

فأما البدوي فإنه جعل المعاذير من أفعال المريب فقال: وربت منطقٍ حسن أحيلت ... معايبه فعد من الذنوب فلا عذري يرد علي شيئاً ... وكر العذر من فعل المريب فبذنبي حاضر لا شك في فيه ... لسامعه، وعذري بالمغيب وهذا البيت الأخير تمثل به عبد الحميد بن يحيى العامري صاحب البلاغة، ورئيس هذه الصناعة. ويكفيك من مذمة العذر أنهم أشقوا منه اسماً لشكاسة الخلق، ولظهور البخل، فقالوا: رجل عذور إذا كان سيئ الخلق كثير الاعتذار عند المنع، قالت الشاعرة: إذا نزل الأضياف كان عذوراً ... على الحي حتى تستقل مراجله وحسبك من نقيصة العذر أنه والملامة مقترنان، وأنه لا يوجد إلا مع التثريب في مكان واللوم الذي هو رديفه ومتكلفه هو الموت عند العقلاء، ولا سيما إذا ورد من العقلاء، ويعجبنيس قول البدوي: وإني أحب الخلد لو أستطيعه ... وكالخلد عندي أن أموت ولم ألم ومثله قول الحادرة: فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بأحسابنا إن الثناء هو الخلد والمعاذير صفو الكذب، كما أن الحجج صفو الحق وذاك أنه ليس يخلص في العذر من الأكاذيب إلا أشبهها بالحق، ولا يخلص في الحجة من الحق إلا أبعده شبهاً من الباطل، هذا إذا كانت حجة على الحقيقة، وكانت نتيجة عن مقدمات صادقة، فأما اللحن بإسكات الخصم واللدد يوم المقامة والحفل، فقد يكون بالحق والباطل كما قال الشاعر - وهو مليح ابن

стр. 21

أم غلاقٍ الأعيوي من أسدٍ، ولها خبر ليس هذا موضعه: برئت إلى الرحمن من كل صاحب ... أصاحبه إلا حماس بن ثامل وظني به يوم السماطين أنه ... سينجو بحق، أو سينجو بباطل وحِماس بن ثامل بن الشمردل بن تميم بن برثن بن منقذ بن أعيا - وأسمه الحارث - بن طريف بن عمرو بن الحارث بن ثعلبة هو القائل: ومستنبح في لجِّ ليلٍ دعوته ... بمشبوبةٍ في رأس صمدٍ مقابلِ فقلت له: أقبل، فإنك راشد ... وإن على النار الندى وابن ثاملِ وله شعر كثير، وكان جده الشمردل مذكوراً بحسن الشعر، وسنستقصي ذلك كله في موضعه في كتاب أسد - إن شاء الله. وقد كنت قلت - وأستغفر الله -: وأعتسف الخصم الألد بمنطقي ... فيبلغ ما لا يبلغ الحق باطلي بحيث جفاني الأقربون وكلهم ... شهيد، وأضحي ناصري مثل خاذلي لدى ملك يكمي لخصمي نصرةً ... وأعيا غلته ختل ثبتٍ مماجلِ إذا اتصلت آراؤه سهم حجةً ... تمهل أو يرمي به في المقاتلِ فلا عند أكثاف الرمية صامت ... ولا في ضجاج اللغو أول قائلِ ولي أيضاً في نحو ذلك: يا رب خصم قد تركت ذماءه ... وكأنما شفت له أرماسهُ من بعد ما قد كان يطفح قوله ... بدداً وينغض في المقادم رأسهُ بجدال ذي غرب ألد، كأنما ... يذكى بشعلةٍ قوله نبراسهُ في موقف كالحرب تهتضم الفتى ... فيه جبانته، وينفع بأسهُ وقال رسول الله (لرجلين: " لعل أحدكما أن يكون ألحن بحجته من

стр. 22

الآخر، فمن حكمت له بغير حقه فإنما أقطع له قطعةً من النار - أو كما قال (- فخرجا فتراضيا بينهما أراد (أن يؤدب أمته بإشعار المقضي عليه أن ليس مغلوباً من غلبة الحق، وبإعلام المقضي له أن ليس غالباً من غلبه الباطل، وبذلك يقع التباذل، وفي التباذل التناصف، وفي التناصف التصادق، وهو المذهب المحبوب عند الله وأصفيائه - جعلنا الله من المرضيين عنده أقوالاً وأفعالاً، ومن المعفوّ لهم أقوالاً وأفعالاً. وأعلم - حفظك الله - أن طالب الحق حيث يلاقي مذهبه، ومحب العدل إذا جمع عليه غرضه ليس يحب الحق لذاته، ولا يبغي التناصف على جهته، وإنما يريد موافقة المراد أين سلك، ويحب مواتاة النُّجح كيف سهل، ومورد الحق ومورد الباطل عنده سيان، بعد أن يتناوله آرابه، ويقضي أو طاره، فأبعد من هذا الشك ما استطعت، وأهرب بنفسك من هذا الشوب كيف أردت، وأعلم علماً يقيناً أن الأمر الذي يسرك، والأمر الذي يسؤك إذا كان منزعهما من العدل، ومصدرهما عن حكمة الحكم فكلاهما حق نقي وكلاهما عدل صحيح. وإنهما يسقيان بماء واحد، ويرجعان إلى أصل جامع، فلا تفرق بينهما بالهوى ولا تخرق إلتئامهما بطاعة الغضب، ولا تنسبهما لعلات وهما من الأعيان، ولا تحرمهما فضيلة التشابه وهما صنوان، فقد سمعت الله حمد قوماً فقال: (ولم يفرقوا بين أحد من رسله) والحق من كلماته، والعدل من أسمائه، وهو لمفرقهما أشد أرصاحاً "؟ " ومن ممحقهما أبعد رضواناً، لأن الرسل حملة الحق، وبالحق عظموا وبالحق شرفوا، فموضع الإساءة من المسرب أغلظ من موضعها في المشرف، وداعي السخط في المعظِّم أقوى منه في المعظَّم، ولعلي أجمع بتكرير هذا الوعظ بين الأجر في تعريفك، وبين النفع في إذكاري - والتوفيق من الله. سر - أيدك الله - فينا بسيرتنا، وأقضِ علينا بقضائنا: فأول راض سنةً من يسيرها.

стр. 23

وقد علمت مجازاة عبد الله بن هارون المأمون لسهل بن هارون عن كتابه في البخل، بالبخل عليه، ليريه أنه قدَّ جوابه من مسلَّته، وقد سدَّ مطالع حججه، لأنه منعه في معرض التنويل، وزرى على رأيه في شبه التفضيل، فكذلك فأعمل فينا بالعدل الذي جلوناه، واجعلنا أول من يفوز به منك، وأول من أظهرته فيه من قوى نفسك، وأنظر في هذا الكتاب ذاكراً لهذا الإيصاء، ومعتقداً لهذا الفعل، وهو كتاب صنعناه لكل أديب أحب أن يكون مذهبه خاصاً ومحضره بين أهل العلم مهيباً، وأراد أن يحسن الدلالة على اتساع معلومه، وينقلب عن المجلس إذا ألم به والألسن مشتجرةً بوصفه، وهمم أهل الطلب معقودةً بأثره، فإن الذي تضمنه ثمن للإجلال، وداعية للهيبة ورائد صادق في حسن المعرفة. وكان باعثي على تصنيفه أني رأيت أشعار العرب، وانتظامها كل مثل الحكيم، وكل معنى بديع، فرأيت أن جمع ذلك وتهذيبه واختياره وتأليفه يجمع بين النفع بما فيه من الأدب الذي يفتق اللسان، ويستقدم الجبان، وبين النفع بما فيه من الدلالة على معجز القرآن، إذ كان يتبحر ألفاظ هؤلاء القوم، والمعرفة بمعادن ألفاظهم، وبمنازع أغراضهم يعلم معجز القرآن علماً حسياً ذاتياً. وأنا أرى أن علم العالم أن القرآن معجز من طريق القياس والاستدلال، ومن طريق الحس والإدراك أشرف وأعلى من علم العالم بإعجازه من طريق القياس بالتقليد لغيره، والاعتبار بالفصحاء الذين تقدموه وكانوا حجة عليه، ولا أرى أن الإعجاز إنما هو بالصرفة لا غير، كما يعتقده قليل من الناس بل أرى أن الإعجاز إنما هو بنوعية ذلك النظم، وبإعجازه من التمكين والحول، وأن الصرفة أيدته وكانت في الرفد بمنزله الخوافي من القوادم، واستقصاء هذا الشوط من الكلام يطول، ولعل الله أن يوفقنا لتجريد كتاب مفرد في معناه. فعزمت لما رأيت هذا المرآى على كتاب أجمع فيه المختار من أشعار العرب، والمهذب من أخبارها وبلاغتها، فرأيته ينتهي من الطول إلى حد يفيض على لمع المعارف، ويستغرق نكت الفوايد، والكثرة إملال، وكأن الإطالة تقيم عذر المعرض عن العلم، وتبسط حجة التارك لتدبر الكتب، فقصدت إلى هؤلاء الشعراء الأربعة المثبتين في الطبقة الأولى

стр. 24

وهم أمرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى، فجمعت إلى أسم كل شاعر منهم أسماء من يشاكله، وأخبرت عن قبيلة كل واحد من الأصل والمضاف، بمختار أشعارها ومحاسن أخبارها، فتهيا لي من الشعراء زيِّد على ستين شاعراً، وإذا ورد المختار من أشعار قبائل هؤلاء على وفور عددهم مع ما يتعلق بهم من ملح الأناشيد، وطرف المقاطيع، ومعارف الأخبار، كان جمهور علم العرب من أخبارها وأشعارها وأنسابها مع لهوةٍ من غرائب اللغة التي تجمع بين الأغراب والإحسان، إذ كان الغريب حوشيُّ لا يستعمل، وعاديُّ لا يطلب، ولو أنني اقتصرت على أسماء هؤلاء الشعراء لكان غريباً عجيباً، لأنه لا شيء أحسن ولا آنق من أن يجري ذكر امرئِ القيس فنذكر بضعة عشر شاعراً على هذا الاسم، ونذهب في ملح أخبارهم وبارع أشعارهم، وكذلك في النوابغ والأزاهر، فأما العشو فنحو ثلاثين شاعراً، ولكنني لو فعلت ذلك لما تعديت الدلالة على شدة بحثي وطول استثارتي مدافن هذه العلوم، دون إيراد ما يغزر به إمتاع القارئ ويكون ثروة للحافظ المذاكر، كما صنع أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح ﵀ فإن صنع كتاب " العمرين " فأتى بإشارات دالةٍ على معرفته دون أن يقرن بذلك ما يلذ الناظر بعلمه، ولم أظن أنني بقيت في الاختيار متعللاً، لأنني كنت أختار البارع من أبيات القصيدة، ثم ألقيها جانباً مدة أيام، وأعاود النظر فيها برأي سالم، وباختيار شابِّ واعٍ، فأختار من ذلك المختار ما أرى إيراده، فيكون إبريزنارين. واعتمادنا في تفسير الغريب موافقة أغراض المتوسط في الأدب، إذ كان المبتدئ إلى غير هذا الكتاب أحوج، إلا في مواضع، رأينا أن تفسيرها وإن كانت معروفة شرك لذكر فائدة لا نرى إدماج ذكرها فنكون في ذلك كما قال البدوي: وأمضي إلى الأرض التي من ورائكم ... لأعذر في إتيانكم حين أرجع وكما قال الأخر:

стр. 25

وما بي حب الرمل لكن بي هوى ... ويغريك بالشيء البعيد الحبائب وكذلك فعلنا في مسارق الشعراء، فأنا لم نعرض منها إلا لما تكون الفائدة في المعرفة به دون المعرفة باستراقه، أو الاستراق منه. وألغينا الأسانيد خيفة التطويل إلا في أحد ثلاثة مواضع: إما خلاف نورده، وغفل نحضره، فنحتاج إلى إسناد يعضده، وإما أثر شرف روايةً في نفوسنا، وكان من أماثل من أدركناه في زماننا فحسبنا أن التخفيف بحذفه لا يبلغ ثمن العطل من التحلي بذكره، وإما فائدةٍ كان موقعها منَّا لطيفاً، وموردها عندنا غريباً، فرأينا أن الإغماض عن ذكر من أستفدناها منه خلل في المروءة، وشعبة من كفر النعمة، وغمط لإحسان لسنا أغنياء عن أمثاله، ولا مكتفين دون ما نستأنف من أشكاله، فقد حدثني أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ إنه كتب إليه أبو عبد الله النيسابوري أنه سمع أبا العباس محمد بن يعقوب الأصم يحكي عن العباس أبن محمد الدوري أنه سمع أبا عبيد القاسم بن سلام يقول: من شكر العلم ذكرك الفائدة منسوبةً إلى من أفادك إياها أو كما قال. وأغنانا عن سياقة الأسانيد كلها طريقتنا في الإتقان وما نحن من ٠٠٠٠إيثار شدة ٠٠٠ الصحيح من السقيم. وينبغي لك يا قارئ الكتاب إن كنت تحب الشعر أن تعتده مختار أشعار القبائل، فإن كنت تحب الأخبار تمثلته مؤلفاً في سير الجاهلية والإسلام ومقصوداً بالأغرب فالأغرب من المعارف والآثار، وإن كنت تحب اللغة تصورته كتاباً مرتبطاً " ٠٠٠٠ " من عقائلها، ومن الشواهد عليها، وإن كنت تحب النسب - وهو أصعب علوم العرب - احتسبته سياقة جماهير الأنساب، وذكر الجمل من معارف الأشراف، وأيقن أنك لو أردت أن تصنف منه مئين من الكتب لأمكنك، لأنك تأتي إلى أخبار إياس بن معاوية - مثلاً - فتجد في بابه من أخباره عند ذكر مزينة ما لو أفردته مؤلفاً لما كان معيباً، على إقراري بالعجز دون الغاية، إذ كانت

стр. 26

الكتب التي جمعها أسلافي ذهبت جميعاً بالشام، وكان مدة إستيافي النظر والجمع إلى حين تصنيف هذا الكتاب يقصر عن الاستيعاب، مع ما استفزع هذه المدة من أيام الصبا، التي عذرتني في قلة الحزم والإصابة، لأن كتبنا ضاعت وسنِيّ عشر سنين، وصنفت هذا الكتاب وأنا مستقبل الخامسة والعشرين. أسأل الله تعالى أن يرزقني برَّ ما أُصنفه من هذا الكتاب وغيره في تخليده لذكرى، واحتسابه بين أهل العلم غيبي، وقيامه بخلافة لساني ومحضري، ومع ذلك كله فأنا فقير من القارئ إلى بسط العذر، وإصلاح المختل، ولمِّ الشعث، ولعلي أزيد في هذا المصنف على طول الأيام ما امتد العمر، وما أتضل الفراغ وإن أقامت الرغبة وإن ثبتت الدواعي وإن نفقت الصناعة، وإن استقام الأمر، وإن شاء الله. والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين.

стр. 27

فصل في ذكر اشتقاق " العرب " رأينا أنه مما يحتاج إلى تقديمه، ونحن في إيراده كالنائبين عن أبي بكر محمد بن دريد ﵀ لأنه مما كان يجب أن يستقصيه في أول كتابه المصنف في اشتقاق الأسماء العربية، وبالله التوفيق. الذي أراه أن العرب سميت بهذا الاسم لإفصاحهم باللغة، وإيضاحهم سبيل البلاغة، من قولك: أعربت الشَّيءَ، أو عن الشيء، إذا ابنته أو أبنت عنه، وعربت عن فلان: أبنت عنه، وعربت الفارسية: أبنتها، وقال أبو عبيد في حديث رسول الله (" الثيب يعرب عنها لسانها، والبكر تستأمر في نفسها " وقد روى: " يعرب عنها " وهو قول الفراء، وبذلك الحديث الأخر في الذي قتل رجلاً يقول لا إله إلا الله، فقال القاتل: إنما قالها متعوذاً. فقال النبي (: " فهلا شققت عن قلبه "؟! فقال الرجل: هل كان يبين لي في ذلك شيئاً؟ فقال النبي: " فإنما كان يعرب عما في قلبه لسانه ". ومنه حديث رووه عن إبراهيم التيمي الفقيه، وهو إبراهيم بن يزيد بن شريك، بن تيم بن عبد مناة بن أدّ، قال: كانوا يستحبون أن يلقنوا الصبي حين يعرب أن يقول: لا إله إلا الله، سبع مرار، وأعرب الرجل بحجته إذا أفصح عنها، وعرب: إذا فصح فلم يلحن، والمعرب: الفصيح اللسان، والعربي مثله، والمعرب: الذي له خيل عراب، والذي يعرف الخيل العراب أيضاً يقال له معرب، ومنه إعراب النحو، لإبانته مقاصد الألفاظ، وإزالته شبهة الالتباس، ومنه العربون والعربان لأنه إبانة عن موافقة الشيءِ المشترى لمشتريه، وصحة عزمه على وزن الثمن فيه، ومنه في الحديث: " سنأتي سنون مغريات مكلحات " أي مبينات للجدب، وأحسبه في حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه

стр. 28

السلام. والعربرب والعبربر: السماق لبيان حمضه وحذاقة طعمه. ومما يقوي ذلك أن يعرب بن قحطان إنما سمي يعرب لأنه أول من عدل لسانه من السريانية إلى العربية في قول القحطانية، وقولنا للأمة التي يقع فيها الأعراب: عرب، كقولنا: فلان ضارب، إخباراً بأن الضرب وقع منه، لأنا لا نرى أن الأسماء مشتقة من الأفعال، على ما يذهب إليه قوم يخالفهم البصريون، بل نرى أن الأسماء والأفعال مشتقة من المصادر، على أنه قد يكون في الأسماء ما يشتق من الاسم دون المصدر، على حد قولك: أستحجر الطين، وأستنوق الجمل، وتأله الرجل، فعل الأفعال المقربة إلى الإله، كما قال: سبحن واسترجعن من تألَّهي واستقصينا ذلك كله في مواضعه من غير هذا الكتاب، وبالله التوفيق. هذا أحسن ما يفسر به اشتقاق العرب عندي، ولو كنا نقتصر على ما نتيقن صحته لكفانا هذا الوجه، إلا أنا لإيثار ناشفاء صدر القارئ وترك الاختيار في أقوال الخلف نورد ما يحضرنا ذكره من الوجوه في اشتقاق العرب وهي ثلاثة عشر وجهاً: فالأول ما ذكرته. والثاني: أن العربي منسوب إلى العرب، والعرب جمع عارب، كالغيب جمع غائب، والعارب الذي أتى عربة وهي جزيرة العرب، كما يقال: جلس فهو جالس إذا أتى جلساً، وهي نجد، وغار فهو غائر إذا أتى الغور. والعرب أيضاً جمع عارب كحايل وحول، وغائط وغوط، إلا أنه لا ينسب إلى العرب، لا يقال في كلامهم عربي، وكان العرب ورد مطابقة للعجم، كما أن العرب بازاء العجم، وكما يقال خُشْبٌ وخَشَبُ. والعجم اسم للجنس، وله اشتقاق يطول ذكره في هذا الموضع، والعجم جمع أعجم. والعرب وإن كان جمعاً كما ذكرناه فإنهم لم يروا أن يتصرفوا فيه بواحد يوردونه له، لأنهم لو قالوا: عارب لجاز أن يدل على أنه فاعل فعلاً من أحد الأقوال التي ذكرناها أن اشتقاق العرب

стр. 29

يتوجه منها، ولخرج عن أن يكون دلالة على نسبه، إلى أن يصير دلالة على فعله، فاستغنوا عن ذلك بالنسبة إليه فقالوا: عربيُّ. وقال أبن دريد في مصدره: يقال عربيٌ بين العرابة والعروبة وقد سموا بعربي كما سموا برومي وفي ضبة شاعر محسن يقال له رومي بن شريك، وفي وفي بني عبد الدار رجل يقال له أبو الروم عبد مناف بن عمير العبدري. وممن أسمه عربي: عربيَّ بن منكث أحد بني عبيد الرماح بن معد بن عدنان، وعبيد بن معد هؤلاء انقسموا قسمين: ففرقة دخلت في مزينة، وفرقة دخلت في كنانة والتي دخلت في كنانة هي التي يقال لها عبيد الرماح، وأبن عربي هذا: إبراهيم بن عربي، وكان مكرماً عند بني أمية، والسبب في ذلك أن أمه كانت فاطمة بنت شريك بن عبدة بن مغيث بن الحد بن عجلان بن حارثة بن ضبيعة بن حرام بن جعل بن عمرو بن جثم بن ودم بن ذبيان بن هميم بن ذهل بن هنيئ أبن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وشريك هو الذي يعرف بشريك بن سحماء، وسحماء أمه، وهي في قول بعضهم: سحماء بنت عبد الله الليثية، وقال آخرون هي يمانية. وشريك هو الذي اتهمه عويمر العجلاني من الأنصار بامرأته فنزل بسببها اللعان، في حديث طويل ليس هذا موضعه، فلما كان يوم دار عثمان ضرب مروان بن الحكم وسعيد بن العاص فسقطا، فوثبت فاطمة بنت شريك فأدخلت مروان بيتا فأفلت، فكان بنو مروان يحفظون إبراهيم بن عربي لذلك وولاه عبد الملك اليمامة وأعمالها، فتزوج بنت طلبة بن قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد ين مقاعس - وهو الحارث - بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وأوفد إبراهيم مقاتل بن طلبة إلى عبد الملك ومعه أشراف من تميم وعامر بن صعصعة، وكتب إلى الحجاب أن يحسنوا أذنه فأذن له أول الوفد، فلما دخل على عبد الملك أدناه وأكرمه فقال: وفضَّلني عند الخليفة أنني ... عشية وافت عامر وتميم وجدت أبي عند الإمام مقدَّما ... لكل أناس حادث وقديم

стр. 30

فقال رجل من عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم: لولا حر قدمته لابن منكتٍ ... مقلم ناب الاسكتين أزومُ لما كنت عند الباب أول داخل ... عشية وافت عامر وتميم وكان إبراهيم اسود، ففيه يقول البعيث - واسمه خداش بن بشر بن أبي خالد، وقد يقال: بشر بن خالد بغير كنية بن بينة بن قرط بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم: ترى منبر العبد اللئيم كأنما ... ثلاثة غربانٍ عليه وقوعُ وفي هذه القصيدة يقول: وإن لها جاراً إذا ما دعوته ... تحرد عاري الاشجعين منيع أغر إذا ما شد عقداً لذمةٍ ... حماها وطير في الدماء كروع وسنقصي - إن شاء الله - ذكر البعيث عند ذكر ضبة بنت البعيث فإنها كانت شاعرةً، وهي التي تقول ترثي أباها، وكان لما مات نعاه رجل من عكلٍ: نعاه لنا العكلي لا دردره ... فيا ليته كانت به النعل زلت فلن تسمعي صوت البعيث ممارياً ... إذا ما خصومات الرجال تعلت وإبراهيم هذا هو الذي استعداه منازل بن فرعان بن الأعرف من بني عبد منبه أبن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيدٍ، أخوه منقر بن عبيد على أبنه خليج بن منازل وقال: تظلمني حقي خليج وعقني ... على حين صارت كالحني عظامي رجاء لغولٍ من حرامٍ كأنما ... تسعر في بيتي حريق ضرام يعني إن أبنه تزوج امرأة من حرام بن كعب بن ربيعة بن سعد بن زيد مناة بن تميم:

стр. 31

لعمري لقد ربيته فرحاً به ... فلا يفرحن بعدي أمرؤ بغلام - في أبيات - فأراد إبراهيم بن عربي ضرب خليج فقال له: أصلح الله الأمير لا تعجل عليَّ!! أتعرف هذا؟! منازل بن فرعان الذي يقول فيه أبوه: جزت رحم بيني وبين منازلٍ ... جزاء مسيء يفتر طالبه تعمد حقي ظالماً ولوى يدي ... لوى يده الله الذي هو غالبه أأن أرعشت كفا أبيك وأصبحت ... يداك يدي ليث فإنك ضاربة في أبيات كثيرة، فرفع عنه إبراهيم الضرب وقال لأبيه: عققت فعققت. وقد كان في التابعين رجل يقال له أبو سلمة الزبير بن عربي البصري، والنضر بن عربي أيضاً حراني يروي عن عكرمة، وحسين بن محمد بن عربي من أصحاب شعبة، وغيرها هؤلاء ممن لم نعمد لإحصاء اسمه. ونعود إلى سبيلنا الأول فمن شاهد على أن عربة اسم جزيرة العرب ما أنشده هشام الكلبي في كتابه المسمى " عربة " لأبي طالب عم رسول الله (، واسمه عبد مناف بن عبد المطلب، واسمه شيبة بن هاشم واسمه عمرو بن عبد مناف، واسمه المغيرة، بن قصي، واسمه زيد، ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، وهو جماع قريش، من ليس من ولد النضر فليس من قريش - بن كنانة بن خزيمة بن مدركة واسمه عمرو، بن الياس أبن مضر بن نزار ين معد بن عدنان: وعربة أرض لا يحل حرامها ... من الناس غير الشوتري القنابل الشوتري: الجريء، ومنه قول غالب العكلي: بني كليب ساقكم جد شقي ... حتى رماكم عند آصال العشى بمطرهم في الشباب شوتري

стр. 32

والقنابل: الضخم الجسم، وقيل العظيم الرأس، وأنا أرى أن هذا البيت يدل على غير ما استشهد به هشام، لأنه يدل على مكة فقط، وهشام أعرف. وقال أبو سفيان الأكلبي، واسمه أنس بن مدرك من أكلب بن ربيعة بن عفرس بن حلف بن أفتل - وهو خثعم - بن أنمار بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقيل: هو أكلب بن ربيعة بن نزار، وأنهم دخلوا بحلف فصاروا معهم: أبونا رسول الله وأبن خليله ... بعربة بوانا فنعم المركب أبونا الذي لم تركب الخيل قبله ... ولم يدر شيخ قبله كيف تركب وقال ابن منقذ الثوري من ثور أطحل بن عبد مناة بن أد بن طابخة. لنا إبل يطمث الذل نيبها ... بعربة مأواها بقرنٍ بأبطحا ولو أن قومي طاوعني سراتهم ... أمرتهم الأمر الذي كان أريحا وقال أسيد بن الحلاحل: وعربة أرض جد في الشر أهلها ... كما جد في شرب النقاخ ظماء وقال أسيد أيضاً: إذا ما القمر الثريا ... لثالثة فقد ذهب الشتاء وتمت مدةٌ، ووفت عهود ... وبان الود واتصل الجلاء وبست بالتهام شامخات ... على أثباجها شجر وماء

стр. 33

ورجت باحة العربات رجاً ... ترقرق في مناكبها الدماء وقولهم: ما بالدار عريب من هذا، كأنهم قالوا: ما بها قوم من العرب وعريب جمع عارب، كعزيب جمع عازب، ويجوز أن يكون عريب اسماً واحداً غير جمع، ويكون بمعنى معربٍ، كما يقال: نذير بمعنى منذر، فكأنهم قالوا: ما بالدار أحد يعرب ولا يصفح، كما يقال: ما بها داع ولا مجيب. وأما عريب بن زيد بن كهلان وغيره ممن اسمه عريب على فعيل فيجوز فيه الوجهان جميعاً. ويحوز أن يكون جمعاً سمي به رجل مثل كلاب وسباع، ويكون واحداً، وقد يستعملون عرباً أيضاً بالتنكير، لأنهم يقولون: ما بهذا الدار عرب، كما يقولون: ما بها ناس، أو: ما بها أحد، وما نزل هذا الموضع عرب، كما يقولون: ما نزل هذا الموضع ناس. وقال عمرو بن معاوية بن المنتفق بن عامر بن عقيل - وقيل أن بين المنتفق وبين معاوية أبا آخر والله أعلم: تهادي قريش في دمشق لطيمتي ... وتترك أصحابي، وما ذاك بالعدل فإني على هول الجنان لنازل ... منازل لم تنزل بها عرب قبلي في أبيات يخاطب بها معاوية بن أبي سفيان، وكان صاحب الصوائف له غير مرة. وولاه أرمينة وأذربيجان، وولاه الاهواز، ثم غضب عليه وأغرمه. وكنا أغفلنا في صدر الكلام تفسير جزيرة العرب وحدودها عند ذكرنا عربة خوفاً من تفرط نظام القول وتكدير مهنإ الفائدة، ونحن نذكره، ونبين اختلاف أهل العلم فيه، ونبدأ بقول أبي جعفر محمد بن حبيب مولى بني هاشم والذي بلغنا عنه أن جزيرة العرب خمسة أقسام، وهي الحجاز وتهامة ونجد والعروض واليمن، قال: وذلك أن جبل السراة - وهو أعظم جبال العرب - أقبل من قعر اليمن حتى بلغ أطراف بوادي الشام، فسمت العرب سراته

стр. 34

حجازا لأنه حجز بين الغور ونجد. وكذلك تسمي العرب كل جبل يحتجز بين أرضين حجازاً، قال حربث أبن عتاب بن مطر بن كعب بن عوف بن عنين بن غوث بن نابل بن نبهان - واسمه أسود - بن عمرو بن الغوث بن طيء - وهو جلهمة - بن أددٍ: لنا نسوةٌ لم يجر فيهن مقسما ... خميس ولا بعد التساهم مربع حماهن من نبهان جمع عرموم ... وصم العوالي والحجاز الممنع يرى خارجياً لا يزال إذا بدا ... تشير لهم عين إليه وإصبع يعني بالحجاز هاهنا جبل طيءٍ، والخارج عنى به أنه ظهر وبدا للعيون. قال: وسمت ما خلف ذلك الجبل في غربيه إلى أسياف البحر من بلاد الاشعرين وعك وكنانة وغيرها ودونها إلى ذات عرق والجحفة وما صاقبها وغار من أرضها: الغور غور تهامة، تجمع تهامة ذلك كله. قال: وسعت ما دون الجبل في شرقيه من الصحارى النجد إلى أطراف العراق والسماوة وما يليها: نجداً، ويسمى جلساً أيضاً. إلا في قول أبي عبد الله محمد بن الأعرابي مولى مجالد، ومجالد مولى المنصور أبي جعفر فإنه ذكر أن المدينة هي جلس دون ما سواها، وذلك لارتفاعها عن الغور، وانخفاضها عن نجد، ذهب أبو عبد الله إلى أنها سميت بذلك جلس لانخفاضها، وقد يجوز أن تكون سميت جلساً لارتفاعها من قولهم: ناقة جلس، أي كوماء مشرفة قال مرة بن محكام السعدي: فصاف السيف منها ساق متليةً ... جلس فصادف منها ساقها عطبا وقال غيلان - وهو شاهد في الغريب -: يدعن الجلس نحلاً قتالها أي يتركن الناقة الضخمة ناحلة ضئيلة الجسم لشدة السير، والقتال والنفس. قال: وسموا

стр. 35

بلاد اليمامة والبحرين وما والاها - وفيها نجد وغور لقربهما من البحار وانخفاض مواضع فيها ومسايل أودية بها - العروض، وسموا ما خلف بلاد مذحج تثليث وما دونها وما قاربها إلى صنعاء وما والاها من البلاد إلى حضرموت والشحر وعمان وما يليها إلى اليمن: اليمن اسماً جامعاً لذلك كله. هذا قول أبي جعفر، وعليه معولي في هذا المعنى. وكان الهيثم بن عدي يحكي عن مجالد عن عامر أنه قال: سألته عن جزبرة العرب فقال: ما بين القادسية الى حضرموت. وقال معمر بن المثنى: جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وأما العرض فما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة. وقال الأصمعي: جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى اطرار الشام، وإلى هذا القول كان يذهب أبو عبيد القاسم بن سلام في تفسير حديث رسول الله (وعلى آله أنه أمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب. قال أبو عبيد: وإنما أستجاز عمر بن الخطاب إخراج أهل نجران من اليمن وكانوا نصارى إلى سواد العراق، وأجلى أهل خيبر إلى الشام وكانوا يهوداً من أجل هذا الحديث. وأما الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي فكان يذكر عن مالك الفقيه وهو مالك بن أنس بن مالك بم أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن ذي أصبح - وإليه تنسب السياط الأصبحية - واسمه الحارث بن مالك بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير - واسمه العرنجج بن سبأ - وأسمه عبد شمس، أبن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقد قيل في نسبه قول آخر، وهذا أصح وأثبت من طريق الكلبي، ولا بأس عند ذكر مالك يذكر نسب

стр. 36

منازعيه الرئاسة من الشافعي وأبي حنيفة، فأما الشافعي فهو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافعي - وإليه ينسب - ابن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف. وأما أبو حنيفة فهو النعمان بن ثابت مولى بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، ذكر ذلك ابن أبي خيثمة وهو الذي يروى عنه أبو عبد الله محمد بن داود ابن الجراح ﵀ وقد قيل انه ليس له عرق في العرب. ولا ولاء أيضاً، وأنه يدعي ولاء بني تيم الله، وذكر أبو عبد الرحمن المعري قال: قال لي أبو حنيفة ممن أنت؟ قلت: من أهل دورق. قال: ما يمنعك أن تعتزي إلى بعض أحياء العرب فهكذا كنت، حتى إعتزيت إلى هذا الحي من بكر بن وائل، فوجدتهم حي صدق، والله أعلم بالصحيح. وما أعرف في الثلاثة من يروى له شعر إلا الشافعي، فإن أبا بكر محمد بن شعيب الصيرفي القاضي الحلبي ﵀ أنشدني قال: أنشدني بن أبي العقب الدمشقي بإسناد وصله إلى الشافعي، للشافعي: يا راكباً قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاع خيفها والناهضِ سحراً إذا قاض الحجيج إلى منى ... دفعاً كملتطم الفرات الفائضِ إن كان رفضاً حبُّ آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي فقال الزبير عن مالك: إن جزيرة العرب المدينة، واسمها طيبة، وقد تسمى بأسماء غير ذلك منها طيبة وطابة، ويثرب والعذراء وجابرة ويندد والدار، قال الله : (والَّذينَ تَبَوَّأوا الدَّارَ والإيمان) ويحتج قائل هذا بقول عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى ابن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، وقد قال له كعب: إنك تموت شهيداً. فقال: من أين وأنا في جزيرة العرب؟!

стр. 37

وإنما نُحِلَت هذا الاسم من أجل أنه كان بنو عبيل بن عوص أخوة عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح ﵇، ثم نزلها بعدهم بنو عمليق بن يلمع بن عابر بن أشليحا بن لوذ بن سام بن نوح ﵇، ثم نزلها بعدهم قوم من عاد بن عوص، وكل هؤلاء من القبائل القديمة التي تدعى العرب العاربة، وهي عاد وعبيل أبناء عوص، وثمود وجديس ابنا غاثار بن ارم، وطسم وعمليق وجاسم وأميم بنو يلمع بن عابر. وروى أبو أسامة: أَميم - بفتح الهمزة - وغيره قال: أُميم - بضمها - وحضرموت والسلف والموذ، بنو يقطان بن عابر، وجدهم بن عامر بن سابن يقطان بن عابر بن حمير، فهم فيهم، قالوا: فأقام أولئك القوم من عاد بيثرب برهة، حتى جاءهم قوم من الأزد - واسم الأزد دراء بوزن فعال، ويقال فيه: الأسد بالسين، وذكر يعقوب أنه أفصح في الزاي والنسابون يقولون: إن الأسد إنما سمي الأسد لكثرة إسدائه المعروف، وهذا اشتقاق لا يصح عند أهل النظر، والصحيح في اشتقاق ما أخبرني به أسامة عن رجاله قال: العسد والأسد والأزد هذه الثلاث كلمات معناها كلها الفتل قال: والأزد يكون أيضاً بمعنى العزد، وهو النكاح. فنفى الأزديون العاديين عن يثرب وتدبرها، وأقاموا بها، وفي ذلك يقول شاعر من الخزرج ثم أحد بني زريق في قصيدة طويلة يصف قومه: ملوكاً على الناس لم يملكوا ... من الدهر يوماً كحل القسم فأنبوا بعادٍ وأشياعها ... ثمود وبعض بقايا ارم بيثرب قد شيدوا في النخيل ... خصوناً ودجن فيها النعم وفيما أشتهوا من عصير القطاف ... والعيش رخو، على غيرهم فساروا إليهم بأثقالهم على كل فحل هجانٍ قطم

стр. 38

فما راعهم غير معج الخيول ... والزحف من خلفهم قد دهم فابنا بسادتهم والنساء ... رغماً، وأموالهم تُقتسم ورثانا مساكنهم بعدهم ... فكنا ملوكاً بها لم نرم وقد استقصيت ذكر هذه القبائل وأصل نقلها ومناهي أمورها في موضعه من هذا الكتاب، وبالله التوفيق. وإنما نعني بجزيرة العرب محلها الأقدم، ومركز بيضهم الأول، لأنهم بع ذلك تفسحوا وحازوا كثيراً من الأرض خارجاً من هذه الجزيرة، ألا ترى إلى قول الأخنس بن شهاب - وسيأتي نسبه وخبره مستقصى في كتاب تغلب إن شاء الله: لكل أناس من معد غمارة ... عروض إليها يلجأون وجانبُ لكيز لها البحران والسيف كله ... وإن يأتها بأس من الهند كاربُ تطاير على أعجاز حوش كأنها ... جهام أراق ماءه فهو آيبُ - أبو عمرو الشيباني: يطيروا - لكيز: بن أقصى بن عبد القيس بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة ابن نزار. وبكر لها طهر العراق وإن تشا ... يحل دونها من اليمامة جانبُ يعني بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة ابن نزار، ومن قبائل بكر: يشكر، وزمان وشيبان وعجل ولخم وبنو قيس بن ثعلبة وغيرهم.

стр. 39

وصارت تميم بين قف ورملة ... لها من حبال منتاى ومذهبُ وكلب لها خبث فرملة عالجٍ ... إلى الحرة الرجلاء حيث تحابُ في الكلام على نسب كلب طويل، ونحن نذكره في موضعه إن شاء الله. وغسان حي عزهم في سواهم ... يجالد عنهم مقنب وكتائب - يعني أنهم عمال الروم - قد شرحنا نسب غسان في غير هذا الموضع من كتاب كندة، وبالله التوفيق. وبهراء حي قد علمنا مكانهم ... لهم شرك حول الرصافة لاحبُ بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، زهط المقداد بن عمرو. وغارت إياد في السواد ودونها ... برازيق عجم تبتغي من تضارب يعني إياد بن نزار بن معد، وكان يقال لهم الطبق لشدة إطباقهم بالشر والعُرام على الناس، ومنهم قيل: وافق شنٌّ طبقةً، يعنون شنَّ بن أقصى بن عبد قيس كذا قال الكلبي: ولخم ملوك الناس تجبى إليهم ... إذا قال منهم قائل فهو واجبُ لخم بن عدي بن الحارث بن أددٍ، وكان اسم لخم مالك، ومن لخم بنو نصر قوم النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وسنستقصي هذا في موضعه إن شاء الله. ونحن أناس لا حجاز بأرضنا ... مع الغيث ما نلقى ومن هو غالبُ يعني أنا مصحرون لا نخاف أحداً، نكون مع الغيث حيث أغن ومع الغلب حيث عن، ومثل نحو من هذا القول قول ذباب بن معاوية العكلي: ونحن أناس لا حجاز بأرضنا ... نلوذ به إلا السيوف البواترُ

стр. 40

وقال سويد بن كراع العكلي وقال اللغويون: إن كراع اسم أمه، وإن اسم أبيه عمرو أو عمير، الشك مني: ونحن أناس لا حجاز بأرضنا ... نلوذ به إلا السيوف القواطعُ ولم يبق منا القتل إلا عصابة ... تطاعن عن أحسابنا وتقارعُ وأبيض لا يشترى بشيءٍ أفاته ... أسنّتنا والنقع أغبر ساطعُ تركنا عليه قصدتي سمهريةٍ ... وجريان سيفٍ سلَّه إذ تُماصعُ وفي هذا البيت الرابع غرض حسن، ومعنى بديع، ويشبه قول ناجية بن الأسود الجرمي، وكان بعض السلاطين جلده، فأخذ سيفه من عنقه وضربه به: ولما علاني بالقطيع علوته ... وبالكف صافٍ كالعقيقة قاطعُ فطار بكفي نصله ورياسه ... وفي جيد سعدٍ غمدهُ والرصائعُ وفي نحو من هذا يقول ابن زيانة التميمي - زيابة بوزن فعالة مشددة كذا فرآنا على جماعة من الأشياخ، وروى محمد بن داود بن الجراح عن رجاله: ابن زيانة بوزن فعالة تخفيفا ً - والزيابة الفأرة - وفي المثل: أسرق من زيابة، يعنون به الفأرة، ولا أحسب أبا عبد الله محمد بن داود إلا وقد أوهم في هذه اللفظة، لأن الرجل يقول في شعره: أنا ابن زيابة إن تدعني ... آتيك والظن على الكاذب قال محمد بن داود: واسمه عمرو بن الحارث بن همام أحد بني تيم الله ابن ثعلبة، والبيت الذي أردنا إنشاده لمشابهته ما تقدم قوله: والله لو لاقيته خالداً ... لآب سيفانا مع الغالب والثالث: - من وجوه اشتقاق العرب - أنه مأخذه من العرب وهي النفوس، وأحدثها عربهٌ، مثل قصبةٍ وقصبٍ وأنشدنني أبو أسامة لابن ميادة الرماح بن أبرد المري:
следующие страницы →