← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12393

التفسير والمفسرون

محمد حسين الذهبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

عداها من الإكثار فى النقل، والاعتماد على الرواية، وما كان وراء ذلك من محاولات تفسيرية أو استطردات إلى نواح تتصل بالتفسير، فذلك أمر يكاد يكون ثانوياً بالنسبة لما جاء فيها من روايات عن السَلَف فى التفسير. وإلى هنا نمسك عن الكلام عن بقية الكتب المؤلَّفة فى التفسير المأثور لما قدّمناه من عدم وصول جميعها إلينا، ومن مخافة التطويل.. ولعل القارئ الكريم يتفق معى على أن هذه الكتب التى تقدَّمت، يغنى الكلام عنها عن الكلام عما عداها من الكتب التى نهجت هذا المنهج وسلكت هذا الطريق. * * *

стр. 177

التفسير بالرأى وما يتعلق به من مباحث *معنى التفسير بالرأى: يُطلق الرأى على الاعتقاد، وعلى الاجتهاد، وعلى القياس، ومنه: أصحاب الرأى: أى أصحاب القياس. والمراد بالرأى هنا "الاجتهاد" وعليه فالتفسير بالرأى، عبارة عن تفسير القرآن بالاجتهاد بعد معرفة المفسِّر لكلام العرب ومناحيهم فى القول، ومعرفته للألفاظ العربية ووجوه دلالاتها، واستعانته فى ذلك بالشعر الجاهلى ووقوفه على أسباب النزول، ومعرفته بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن، وغير ذلك من الأدوات التى يحتاج إليها المفسِّر، وسنذكرها قريباً إن شاء الله تعالى. * موقف العلماء من التفسير بالرأى: اختلف العلماء من قديم الزمان فى جواز تفسير القرآن بالرأى، ووقف المفسِّرون بإزاء هذا الموضوع موقفين متعارضين: فقوم تشدَّدوا فى ذلك فلم يجرءوا على تفسير شئ من القرآن، ولم يبيحوه لغيرهم، وقالوا: لا يجوز لأحد تفسير شئ من القرآن وإن كان عالماً أديباً متسعاً فى معرفة الأدلة، والفقه، والنحو، والأخبار، والآثار، وإنما له أن ينتهى إلى ما روى النبى ﷺ ، وعن الذين شهدوا التنزيل من الصحابة رضى الله عنهم، أو عن الذين أخذوا عنهم من التابعين. وقوم كان موقفهم على العكس من ذلك، فلم يروا بأساً من أن يفسِّروا القرآن باجتهادهم، ورأوا أن مَنْ كان ذا أدب وسيع فموسَّع له أن يُفسِّر القرآن برأيه واجتهاده. والفريقان على طرفى نقيض فيما يبدو، وكل يُعَزِّز رأيه ويُقَوِّيه بالأدلة والبراهين. أما الفريق الأول - فريق المانعين - قد استدَّلوا بما يأتى: أولاً - قالوا: إن التفسير بالرأى قول على الله بغير علم، والقول على الله بغير علم منهى عنه فالتفسير بالرأى منهى عنه، دليل الصغرى: أن المفسِّر بالرأى ليس على يقين بأنه أصاب ما أراد الله تعالى، ولا يمكنه أن يقطع بما يقول، وغاية الأمر أنه يقول بالظن، والقول بالظن قول على الله بغير علم.

стр. 178

ودليل الكبرى: قوله تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ وهو معطوف على ما قبله من المحرَّمات فى قوله تعالى فى الآية [٣٣] من سورة الأعراف: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ .. الآية، وقوله تعالى فى الآية [٣٦] من سورة الإسراء: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ .. قد رَدَّ المجيزون هذا الدليل فقالوا: نمنع الصغرى. لأن الظن نوع من العلم، إذ هو إدراك الطرف الراجح. وعلى فرض تسليم الصغرى فإنَّا نمنع الكبرى، لأن الظن منهى عنه إذا أمكن الوصول إلى العلم اليقينى القطعى، بأن يوجد نص قاطع من نصوص الشرع، أو دليل عقلى موصل لذلك. أما إذا لم يوجد شئ من ذلك، فالظن كاف هنا، لاستناده إلى دليل قطعى من الله على صحة العمل به إذ ذاك. كقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .. وقوله ﵊: "جعل الله للمصيب أجرين وللمخطئ واحداً"، ولقول رسول الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "فبِمَ تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسُّنَّة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيى، فضرب رسول الله ﷺ فى صدره وقال: الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يُرضى رسول الله". ثانياً - استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ، فقد أضاف البيان إليه، فعُلِمَ أنه ليس لغيره شئ من البيان لمعانى القرآن. وأجاب المجيزون عن هذا الدليل فقالوا: نعم إنَّ النبى ﷺ مأمور بالبيان ولكنه مات ولم يبيِّن كل شئ فما ورد بيانه عنه ﷺ ففيه الكفاية عن فكره من بعده، وما لم يرد عنه ففيه حينئذ فكرة أهل العلم بعده، فيستدلون بما ورد بيانه على ما لم يرد، والله تعالى يقول فى آخر الآية: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . ثالثاً - استدَّلوا بما ورد فى السُّنَّة من تحريم القول فى القرآن بالرأى فمن ذلك: ١ - ما رواه الترمذى عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى ﷺ أنه قال: "اتقوا الحديث عنى إلا ما علمتم، فمَن كذب علىّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ومَن قال فى القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار".. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. ٢ - ما رواه الترمذى وأبو داود عن جُندب أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن قال فى القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ". وأجاب المجيزون عن هذين الحديثين بأجوبة:

стр. 179

منها: أن النهى محمول على مَنْ قال برأيه فى نحو مشكل القرآن، ومشتابهه، من كل ما لم يُعلم إلا عن طريق النقل عن النبى ﷺ والصحابة عليهم رضوان الله. ومنها: أنه أراد - بالرأى - الرأى الذى يغلب على صاحبه من غير دليل يقوم عليه، أما الذى يشده البرهان، ويشهد له الدليل، فالقول به جائز، فالنهى على هذا متناول لمن كان يعرف الحق ولكنه له فى الشئ رأى وميل إليه من طبعه وهواه، فيتأوَّل القرآن على وفق هواه، ليحتج به على تصحيح رأيه الذى يميل إليه، ولو لم يكن له ذلك الرأى والهوى لما لاح له هذا المعنى الذى حمل القرآن عليه. ومتناول لمن كان جاهلاً بالحق ولكنه يحمل الآية التى تحتمل أكثر من وجه على ما يوافق رأيه وهواه، ويُرَجِّح هذا الرأى بما يتناسب مع ميوله، ولولا هذا لما تَرَجَّحَ عنده ذلك الوجه. ومتناول أيضاً لمن كان له غرض صحيح ولكنه يستدل لغرضه هذا بدليل قرآنى يعلم أنه ليس مقصوداً به ما أراد، مثل الداعى إلى مجاهدة النفس الذى يستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾ ، [طه: ٢٤] ويريد من فرعون النفس.. ولا شك أن مثل هذا قائل فى القرآن برأيه. ومنها: أن النهى محمول على مَنْ يقول فى القرآن بظاهر العربية، ومن غير أن يرجع إلى أخبار الصحابة الذى شاهدوا تنزيله، وأدُّوا إلينا من السنُن ما يكون بياناً لكتاب الله تعالى، وبدون أن يرجع إلى السماع والنقل فيما يتعلق بغريب القرآن، وما فيه من المبهمات. والحذف، والاختصار، والإضمار، والتقديم، والتأخير، ومراعاة مقتضى الحال، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وما إلى ذلك من كل ما يجب معرفته لمن يتكلم فى التفسير، فإنَّ النظر إلى ظاهر العربية وحده لا يكفى، بل لا بد من ذلك أولاً، ثم بعد ذلك يكون التوسع فى الفهم والاستنباط. فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩] معناه: وآتينا ثمود الناقة معجزة واضحة، وآية بيِّنة على صدق رسالته، فظلموا بعقرها أنفسهم، ولكن الواقف عن ظاهر العربية وحدها بدون أن يستظهر بشئ مما تقدَّم، يظن أن "مبصرة" من الإبصار بالعين، وهو حال من الناقة، وصف لها فى معنى، ولا يدرى بعد ذلك بِمَ ظلموا، ولا مَنْ ظلموا. كل من هذه الأجوبة الثلاثة. يمكن أن يُجاب به على مَنْ يستند فى قوله بحُرْمة التفسير بالرأى على هذين الحديثين المتقدمين، وهى أجوبة سليمة دامغة، كافية لإسقاط حُجَّتهما والاعتماد عليهما. هذا.. ويمكن الإجابة عن حديث جُندب - زيادة عما تقدَّم - بأنَّ هذا الحديث لم تثبت صحته، لأن مِن رواته سُهيل بن أبى حزم، وهو مُتكلَّم فيه، قال فيه أبو

стр. 180

حاتم: ليس بالقوى، وكذا قال البخارى والنسائى، وضعَّفه ابن معين، وقال فيه الإمام أحمد: روى أحاديث منكرة، والترمذى نفسه يقول بعد روايته لهذا الحديث: "وقد تكلَّم بعض أهل الحديث فى سُهيل بن أبى حزم". رابعاً - ما ورد عن السَلَف من الصحابة والتابعين، من الآثار التى تدل على أنهم كانوا يُعَظِّمون تفسير القرآن ويتحرَّجون من القول فيه بآرائهم. فمن ذلك: ما جاء عن أبى مُليكة أنه قال: سُئل أبو بكر الصِدِّيق رضى الله عنه فى تفسير حرف من القرآن فقال: "أىُّ سماء تظلنى، وأىُّ أرض تقلنى، وأين أذهب، وكيف أصنع إذا قلتُ فى حرف من كتاب الله بغير ما أراد ﵎"؟ وما ورد عن سعيد بن المسيب: أنه كان إذا سُئل عن الحلال والحرام تكلَّم، وإذا سُئل عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع شيئاً. وما روى عن الشعبى أنه قال: "ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن، والروح، والرأى". وهذا ابن مجاهد يقول: "قال رجل لأُبَىِّ: أنت الذى تُفسِّر القرآن برأيك؟ فبكى أُبَىّ، ثم قال: إنى إذن لجرئ، لقد حملتُ التفسير عن بضعة عشر رجلاً من أصحاب النبى ﷺ ورضى عنهم". وهذا هو الأصمعى إمام اللغة، كان مع علمه الواسع شديد الاحتراز فى تفسير الكتاب، بل والسُّنَّة، فإذا سُئل عن معنى شئ من ذلك يقول: "العرب تقول: معنى هذا كذا، ولا أعلم المراد منه فى الكتاب والسُّنَّة أى شئ هو". .. وغير هذا كثير من الآثار الدالة على المنع من القول فى التفسير بالرأى. وقد أجاب المجيزون عن هذه الآثار: بأن إحجام مَن أحجم من السَلَف عن التفسير بالرأى، إنما كان منهم ورعاً واحتياطاً لأنفسهم، مخافة ألا يبلغوا ما كُلِّفوا به من إصابة الحق فى القول، وكانوا يرون أن التفسير شهادة على الله بأنه عَنِى باللفظ كذا وكذا، فأمسكوا عنه خشية أن لا يوافقوا مراد الله ، وكان منهم مَن يخشى أن يُفسِّر القرآن برأيه فيُجعل فى التفسير إماماً يُبنَى على مذهبه ويُقتفَى طريقه، فربما جاء أحد المتأخرين وفسَّر القرآن برأيه فوقع فى الخطأ، ويقول: إمامى فى التفسير بالرأى فلان من السَلَف. ويمكن أن يُقال أيضاً: إن إحجامهم كان مُقيَّداً بما لم يعرفوا وجه الصواب فيه، أما إذا عرفوا وجه الصواب فكانوا لا يتحرَّجون من إبداء ما يظهر لهم ولو بطريق الظن. فهذا

стр. 181

أبو بكر رضى الله عنه يقول - وقد سُئل عن الكلالة -: "أقول فيها برأيى فإن كان صواباً فمِن الله، وإن كان غير ذلك فمِنى ومِن الشيطان: الكلالة كذا وكذا". ويمكن أن يُقال أيضاً: إنما أحجم مَنْ أحجم، لأنه كان لا يتعيَّن للإجابة، لوجود مَنْ يقوم عنه فى تفسير القرآن وإجابة السائل، وإلا لكانوا كاتمين للعلم، وقد أمرهم الله ببيانه للناس. وهناك أجوبة أُخرى غير ما تقدَّم. والكل يوضح لنا سر إحجام مَنْ أحجم مِنَ السَلَف عن القول فى التفسير برأيهم، ويبيِّن أنه لم يكن عن اعتقاد منهم بعدم جواز التفسير بالرأى. وأما الفريق الثانى - فريق المجوِّزين - فقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بما يأتى: أولاً - بنصوص كثيرة وردت فى كتاب الله تعالى: منها قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ..﴾ [محمد: ٢٤] وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ليدبروا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ [ص: ٢٩] .. وقوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] ، ووجه الدلالة فى هذه الآيات: أنه تعالى حَثَّ فى الآيتين الأوليين على تدبر القرآن والاعتبار بآياته، والاتعاظ بعظاته، كما دلّت الآية الأخيرة على أن فى القرآن ما يستنبطه أُولوا الألباب باجتهادهم، ويصلون إليه بإعمال عقولهم، وإذا كان الله قد حثَّنا على التدبر، وتعبَّدنا بالنظر فى القرآن واستنباط الأحكام منه، فهل يُعقل أن يكون تأويل ما لم يستأثر الله بعلمه محظوراً على العلماء، مع أنه طريق العلم، وسبيل المعرفة والعظة؟ لو كان ذلك لكنَّا مُلْزَمين بالاتعاظ والاعتبار بما لا نفهم، ولما توصلنا لشئ من الاستنباط، ولما فُهِم الكثير من كتاب الله تعالى. ثانياً - قالوا: لو كان التفسير بالرأى غير جائز لما كان الاجتهاد جائزاً، ولتعطل كثير من الأحكام، وهذا باطل بَيَّنُ البطلان، وذلك لأن باب الاجتهاد لا يزال مفتوحاً إلى اليوم أمام أربابه، والمجتهد فى حكم الشرع مأجور، أصاب أو أخطأ، والنبى ﷺ لم يُفسِّر كل آيات القرآن، ولم يستخرج لنا جميع ما فيه من أحكام. ثالثاً - استدلوا بما ثبت من أن الصحابة - رضوان الله عليهم - قرأوا القرآن واختلفوا فى تفسيره على وجوه، ومعلوم أنهم لم يسمعوا كل ما قالوه فى تفسير القرآن من النبى ﷺ ، إذ أنه لم يُبيِّن لهم كل معانى القرآن، بل بَيَّنَ لهم بعض معانيه، وبعضه الآخر توَّصلوا إلى معرفته بعقولهم واجتهادهم، ولو كان القول بالرأى فى القرآن محظوراً لكانت الصحابة قد خالفت ووقعت فيما حرَّم الله، ونحن نُعيذ الصحابة من المخالفة والجرُأة على محارم الله.

стр. 182

رابعاً - قالوا: إنَّ النبى ﷺ دعا لابن عباس رضى الله عنهما، فقال فى دعائه له: "اللَّهم فقهه فى الدين، وعلِّمه التأويل" فلو كان التأويل مقصوراً على السماع والنقل كالتنزيل، لما كان هناك فائدة لتخصيص ابن عباس بهذا الدعاء، فَدَلَّ ذلك على أن التأويل الذى دعا به الرسول ﷺ لابن عباس أمر آخر وراء النقل والسماع، ذلك هو التفسير بالرأى والاجتهاد، وهذا بَيِّنٌ لا إشكال فيه. هذه هى أدلة الفريقين، وكلُّ يحاول بما ذكر من الأدلة أن يثبت قوله ويركز مُدَّعاه. والغزالى - فى الإحياء، بعد الاحتجاج والاستدلال على بطلان القول بأن لا يتكلم أحد فى القرآن إلا بما يسمعه - يقول: "فبطل أن يُشترط السماع فى التأويل، وجاز لكل واحد أن يستنبط من القرآن بقدر فهمه وحد عقله". كما قال قبل ذلك بقليل: "إن فى فهم معانى القرآن مجالاً رحباً، ومتسعاً بالغاً، وإن المنقول من ظاهر التفسير ليس منتهى الإدراك فيه". والراغب الأصفهانى - بعد أن ذكر المذهبين وأدلتهما فى مقدمة التفسير - يقول: "وذكر بعض المحققين: أن المذهبين هما الغلو والتقصير، فمَن اقتصر على المنقول إليه فقد ترك كثيراً مما يحتاج إليه، ومَنْ أجاز لكل أحد الخوض فيه فقد عرَّضه للتخليط، ولم يعتبر حقيقة قوله تعالى: ﴿ليدبروا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ . * * * حقيقة الخلاف: ونحن مع هذا البعض الذى نقل عنه الراغب هذا التحقيق إن وقف الفريق الأول عند المنقول فلم يتجاوزه، وأجاز الفريق الثانى لكل أحد الخوض فى التفسير والكلام فيه، إذ أن الجمود على المنقول تقصير وتفريط بل نزاع، والخوض فى التفسير لكل إنسان غلو وإفراط بلا جدال. ولكن لو رجعنا إلى هؤلاء المتشدِّدين فى التفسير وعرفنا سر تشددهم فيه، ثم رجعنا إلى هؤلاء المجوِّزين للتفسير بالرأى ووقفنا على ما شرطوه من شروط لا بد منها لمن يتكلم فى التفسير برأيه، وحلَّلنا أدلة الفريقين تحليلاً دقيقاً، لظهر لنا أن الخلاف لفظى لا حقيقى، ولبيان ذلك نقول: الرأى قسمان: قسم جار على موافقة كلام العرب، ومناحيهم فى القول، مع موافقة الكتاب والسُنَّة، ومراعاة سائر شروط التفسير، وهذا القسم جائز لا شك فيه، وعليه يُحمل كلام المجيزين للتفسير بالرأى. وقسم غير جار على قوانين العربية، ولا موافق للأدلة الشرعية، ولا مستوف لشرائط

стр. 183

التفسير، وهذا هو مورد النهى ومحط الذم، وهو الذى يرمى إليه كلام ابن مسعود إذ يقول: "ستجدون أقواماً يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطع"، وكلام عمر إذ يقول: "إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأوَّل القرآن على غير تأويله، ورجل ينافس المُلْك على أخيه"، وكلامه إذ يقول: "ما أخاف على هذه الأُمَّة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بَيِّن فسقه، ولكنى أخاف عليها رجلاً قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه، ثم تأوَّله على غير تأويله".. فكل هذا ونحوه، وارد فى حق مَن لا يُراعى فى تفسير القرآن قوانين اللغة ولا أدلة الشريعة، جاعلاً هواه رائده، ومذهبه قائده، وهذا هو الذى يُحمل عليه كلام المانعين للتفسير بالرأى، وقد قال ابن تيمية - بعد أن ساق الآثار عَمَّن تحرَّج من السَلَف من القول فى التفسير -: فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السَلَف، محمولة على تحرجهم عن الكلام فى التفسير بما لا علم لهم به، فأما مَن تكلَّم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حَرَج عليه، ولهذا رُوِى عن هؤلاء وغيرهم أقوال فى التفسير، ولا منافاة، لأنهم تكلِّموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، هذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا عمل له به، فكذلك يجب القول فيما سُئِل عنه مما يعلمه، لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] .. ولما جاء فى الحديث المروى من طرق: "مَنْ سُئِلَ عن علم فكتمه أُلْجِمَ يوم القيامة بلجامٍ من نار". وإذ قد علمنا أن التفسير بالرأى قسمان: قسم مذموم غير جائز، وقسم ممدوح جائز، وتبين لنا أن القسم الجائز محدود بحدود، ومقيَّد بقيود، فلا بد لنا من أن نعرض هنا لما ذكروه من العلوم التى يحتاج إليها المفسِّر، وما ذكروه من الأدوات التى إذا توافرت لديه وتكاملت فيه، خرج عن كونه مفسِّراً للقرآن بمجرد الرأى، ومحض الهوى. * * * العلوم التى يحتاج إليها المفسِّر: اشترط العلماء فى المفسِّر الذى يريد أن يُفسِّر القرآن برأيه بدون أن يلتزم الوقوف عند حدود المأثور منه فقط، أن يكون مُلِماً بجملة من العلوم التى يستطيع بواسطتها

стр. 184

أن يُفسِّر القرآن تفسيراً عقلياً مقبولاً، وجعلوا هذه العلوم بمثابة أدوات تعصم المفسِّر من الوقوع فى الخطأ، وتحميه من القول على الله بدون علم. وإليك هذه العلوم مفصَّلة، مع توضيح ما لكل علم منها من الأثر فى الفهم وإصابة وجه الصواب: الأول - علم اللغة: لأن به يمكن شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع، قال مجاهد: "لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم فى كتاب الله إذا لم يكن عالماً بلغات العرب"، ثم إنه لا بد من التوسع والتبحر فى ذلك، لأن اليسير لا يكفى، إذ ربما كان اللفظ مشتركاً، والمفسِّر يعلم أحد المعنيين ويخفى عليه الآخر، وقد يكون هو المراد. الثانى - علم النحو: لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب، فلا بد من اعتباره. أخرج أبو عبيدة عن الحسن أنه سُئِل عن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حُسن المنطق ويقيم بها قراءته فقال: حسن فتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية فيعيى بوجهها فيهلك فيها. الثالث - علم الصرف: وبواسطته تُعرف الأبنية والصيغ. قال ابن فارس: "ومَن فاته المعظم، لأنَّ "وجد" مثلاً كلمة مبهمة، فإذا صرفناها اتضحت بمصادرها"، وحكى السيوطى عن الزمخشرى أنه قال: "من بدع التفاسير قول مَن قال: إن الإمام فى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] جمع "أُمّ"، وأن الناس يُدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم قال: وهذا غلط أوجبه جهله بالتصريف، فإن "أُمَّاً" لا تُجمع على إمام". الرابع - الاشتقاق: لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين، اختلف باختلافهما، كالمسيح مثلاً، هل هو من السياحة أو من المسح؟ الخامس والسادس والسابع - علوم البلاغة الثلاثة "المعانى، والبيان، والبديع": فعلم المعانى، يُعرف به خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى، وعلم البيان، يُعرف به خواص التراكيب من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، وعلم البديع، يُعرب به وجوه تحسين الكلام..

стр. 185

وهذه العلوم الثلاثة من أعظم أركان المفسِّر، لأنه لا بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وذلك لا يُدرك إلا بهذه العلوم. الثامن: - علم القراءات: إذ بمعرفة القراءة يمكن ترجيح بعض الوجوه المحتملة على بعض. التاسع - علم أصول الدين: وهو علم الكلام، وبه يستطيع المفسٍّر أن يستدل على ما يجب فى حقه تعالى، وما يجوز، وما يُستحَل، وأن ينظر فى الآيات المتعلقة بالنبوات، والمعاد، وما إلى ذلك نظرة صائبة، ولولا ذلك لوقع المفسِّر فى ورطات. العاشر - علم أصول الفقه: إذ به يعرف كيف يستنبط الأحكام من الآيات ويستدل عليها، ويعرف الإجمال والتبيين، والعموم، والخصوص، والإطلاق، والتقييد، ودلالة الأمر والنهى، وما سوى ذلك من كل ما يرجع إلى هذا العلم. الحادى عشر - علم أسباب النزول: إذ أن معرفة سبب النزول يعين على فهم المراد من الآية. الثانى عشر - علم القصص: لأن معرفة القصة تفصيلاً يعين على توضيح ما أجمل منها فى القرآن. الثالث عشر - علم الناسخ والمنسوخ: وبه يعلم المحكوم من غيره. ومَن فقد هذه الناحية، ربما أفتى بحكم منسوخ فيقع فى الضلال والإضلال. الرابع عشر - الأحاديث المبيِّنة لتفسير المجمل والمبهم، ليستعين بها على توضيح ما يشكل عليه. الخامس عشر - علم الموهبة: وهو علم يُورثه الله تعالى - لمن عمل بما علم، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله﴾ .. [البقرة: ٢٨٢] .. وبقوله ﷺ : "مَن عمل بما علم وَرَّثه اللهُ علم ما لا يعلم". قال السيوطى بعد أن عَدَّ علم الموهبة من العلوم التى لا بد منها للمفسِّر: "ولعلك تستشكل علم الموهبة وتقول: هذا شئ ليس فى قدرة الإنسان. وليس الأمر كما ظننت من الإشكال، والطريق فى تحصيله ارتكاب الأسباب الموجبة له من العمل والزهد. قال فى البرهان: "اعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معانى الوحى ولا تظهر له أسراره، وفى قلبه بدعة، أو كبر، أو هوى، أو حب دنيا، أو هو مُصِّرُ على ذنب، أو غير متحقق بالإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو يعتمد على قول مفسِّر ليس عنده علم، أو راجع إلى معقوله، وهذه كلها حُجُب وموانع بعضها آكد من بعض" قلت: وفى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق﴾ [الأعراف: ١٤٦]

стр. 186

قال ابن عيينة: أنزع عنهم فهم القرآن. أخرجه ابن أبى حاتم". هذه هى العلوم التى اعتبرها العلماء أدوات لفهم كتاب الله تعالى، وقد ذكرناها مسهبة مفصَّلة، وإن كان بعض العلماء ذكر بعضاً وأعرض عن بعض آخر، ومنهم مَن أدمج بعضها فى بعض وضغطها حتى كانت أقل عدداً مما ذكرنا، وليس هذا العدد الذى ذكرنا حاصراً لجميع العلوم التى يتوقف عليها التفسير، فإن القرآن - مثلاً - قد اشتمل على أخبار الأمم الماضية وسيرهم وحوادثهم، وهى أمور تقتضى الإلمام بعلمى التاريخ وتقويم البلدان، لمعرفة العصور والأمكنة التى وُجِدت فيها تلك الأُمم، ووقعت فيها هذه الحوادث. وأرى أن أسوق هنا مقالة الأستاذ المرحوم السيد محمد رشيد رضا فى مقدمة تفسيره تتميماً للفائدة، وإليك نص هذه المقالة التى اقتبسها من دروس أستاذه الإمام الشيخ محمد عبده عليه رضوان الله. قال ﵀: "للتفسير مراتب: "أدناها أن يُبيِّن بالإجمال ما يُشرِب القلب عظمة الله وتنزيهه، ويصرف النفس عن الشر، ويجذبها إلى الخير، وهذه هى التى قلنا إنها متيسرة لكل أحد: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] .. وأما المرتبة العليا فهى لا تتم إلا بأمور: أحدها: فهم حقائق الألفاظ المفردة التى أودعها القرآن، بحيث يحقق المفسِّر ذلك من استعمالات أهل اللغة، غير مكتف بقول فلان وفهم فلان، فإن كثيراً من الألفاظ كانت تُستعمل فى زمن التنزيل لمعان ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد، من ذلك لفظ: "التأويل"، اشتُهر بمعنى التفسير مطلقاً، أو على وجه مخصوص، ولكنه جاء فى القرآن بمعان أخرى، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق﴾ [الأعراف: ٥٣] .. فما هذا التأويل؟ يجب على مَنْ يريد الفهم الصحيح أن يتتبع الاصطلاحات التى حدثت فى المِلَّة، ليفرِّق بينها وبين ما ورد فى الكتاب، فكثيراً ما يُفسِّر المفسِّرون كلمات القرآن بالاصطلاحات التى حدثت فى المِلَّة بعد القرون الثلاثة الأولى، فعلى المُدقِّق أن يُفسِّر القرآن بحسب المعانى التى كانت مستعملة فى عصر نزوله، والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه، بأن يجمع ما تكرر فى مواضع منه وينظر فيه، فربما استُعمِل بمعان مختلفة كلفظ الهداية وغيره، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملة معنى الآية: فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه، وقد قالوا: إن القرآن يُفسِّر بعضه

стр. 187

بعضاَ، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ موافقته لما سيق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى، وائتلافه مع القصد الذى جاء له الكتاب بجملته. ثانيها: الأساليب، فينبغى أن يكون عنده من عملها ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة، وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته، مع التفطن لنكته ومحاسنه، والعناية بالوقوف على مراد المتكلم منه. نعم إننا لا نتسامى إلى فهم مراد الله تعالى كله على وجه الكمال والتمام، ولكن يمكننا فهم ما نهتدى به بقدر الطاقة، ويُحتاج فى هذا إلى علم الإعراب وعلم الأساليب (المعانى والبيان) ولكن مجرد العلم بهذه الفنون وفهم مسائلها وحفظ أحكامها لا يفيد المطلوب. ترون فى كتب العربية أن العرب كانوا مسددين فى النطق، يتكلمون بما يوافق القواعد قبل أن توضع، أتحسبون أن ذلك كان طبيعياً لهم؟ كلا، وإنما هى مَلَكة مكتسبة بالسماع والمحاكاة، ولذلك صار أبناء العرب أشد عُجْمة من العجم عندما اختلطوا بهم، ولو كان طبيعياً ذاتياً لما فقدوه فى مدة خمسين سنة بعد الهجرة. ثالثها: علم أحوال البَشر، فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب، وبيَّن فيه ما لم يُبيِّن فى غيره، بَيَّن فيه كثيراً من أحوال الخلق وطبائعهم، والسُنن الإلهية فى البشر، وقصَّ علينا أحسن القَصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسُنَّته فيها، فلا بد للناظر فى هذا الكتاب من النظر فى أحوال البشر فى أطوارهم وأدوارهم، ومناشئ اختلاف أحوالهم من قوة وضعف، وعز وذل، وعلم وجهل، وإيمان وكفر، ومن العلم بأحوال العالَم الكبير، عُلويه وسُفليه، ويحتاج هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه. قال الأستاذ الإمام: أنا لا أعقل كيف يمكن لأحد أن يفسِّر قوله تعالى: ﴿كَانَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] .. الآية، وهو لا يعرف أحوال البَشر، وكيف اتحدوا، وكيف تفرَّقوا، وما معنى تلك الوحدة التى كانوا عليها، وهل كانت نافعة أو ضارة، وماذا كان من آثار بعثة النبيين فيهم. أجمل القرآن الكريم عن الأُمم وعن السُنن الإلَهية، وعن آياته فى السماوات والأرض، وفى الآفاق والأنفس، وهو إجمال صادر عمَّن أحاط بكل شئ علماً، وأمرنا بالنظر والتفكر، والسير فى الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذى يزيدنا ارتقاءً وكمالاً، ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة فى ظاهره، لكنَّا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده، لا بما حواه من علم وحكمة. رابعها: العلم بوجه هداية البَشر كلهم بالقرآن، فيجب على المفسِّر القائم بهذا

стр. 188

الفرض الكفائى، أن يعلم ماكان عليه الناس فى عصر النبوة من العرب وغيرهم، لأن القرآن ينادى بأن الناس كلهم كانوا فى شقاء وضلال، وأن النبى ﷺ بُعث به لهدايتهم وإسعادهم، وكيف يفهم المفسِّر ما قبَّحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة أو ما يقرب منها، إذا لم يكن عارفاً بأحوالهم وما كانوا عليه؟ هل يُكتَفى من علماء القرآن - دعاة الدين والمناضلين عنه بالتقليد - بأن يقولوا تقليداً لغيرهم: إن الناس كانوا على باطل، وإن القرآن دحض أباطيلهم فى الجملة؟ كلا. وأقول الآن: يُروى عن عمر رضى الله عنه أنه قال: "إن جهل الناس بأحوال الجاهلية هو الذى يُخشَى أن ينقض عُرى الإسلام عُروة عروة". (انتهى بالمعنى) . والمراد: أن مَن نشأ فى الإسلام ولم يعرف حال الناس قبله، يجهل تأثير هدايته، وعناية الله بجعله مُغيِّراً لأحوال البَشر، ومُخْرِجاً لهم من الظلمات إلى النور، ومَن جهل هذا يظن أن الإسلام أمر عادى، كما ترى بعض الذين يتربون فى النظافة والنعيم يعدون التشديد فى الأمر بالنظافة والسواك من قبيل اللغو، لأنه من ضروريات الحياة عندهم، ولو اختبروا غيرهم من طبقات الناس لعرفوا الحكمة فى تلك الأوامر، وتأثير تلك الآداب من أين جاء؟ خامسها: العلم بسيرة النبى ﷺ وأصحابه، وما كانوا عليه من علم وعمل، وتصرف فى الشئون دنيويها وأُخرويَّهَا. هذه هى عبارة الأستاذ الشيخ رشيد رضا بنصها، وفيها تركيز وإدماج لبعض ما قلناه من قبل، وفيها شرح وإيضاح لبعض آخر منه، وهى تُلقى ضوءاً على ما تقدَّم، وتُوضِّح بعض ما فيه من إيجاز. * * * مصادر التفسير: خرجنا من المعركة التى قامت بين المتحرجين من القول فى التفسير بالرأى والمجيزين له: بأن الخلاف لفظى لا حقيقى، وأسفرت النتيجة عن انقسام التفسير بالرأى إلى قسمين: قسم جائز ممدوح، وقسم حرام مذموم، وعرفنا العلوم التى يجب على المفسِّر معرفتها حتى يكون أهلاً للتفسير بالرأى الجائز، وبقى علينا بعد ذلك أن نذكر المصادر التى يجب على المفسِّر أن يرجع إليها عند شرحه للقرآن، حتى يكون تفسيره جائزاً ومقبولاً، وإليك أهم هذه المصادر:

стр. 189

أولاً: الرجوع إلى القرآن نفسه، وذلك بأن ينظر فى القرآن نظرة فاحص مُدَقِّق، ويجمع الآيات التى فى موضوع واحد، ثم يقارن بعضها ببعضها الآخر، فإن من الآيات ما أُجْمَل فى مكان وفُسِّر فى مكان آخر، ومنها ما أُوجز فى موضع وبُسِط فى موضع آخر، فيحمل المُجمَل على المُفسَّر، ويشرح ما جاء موجزاً بما جاء مُسهباً مُفصَّلاً، وهذا هو ما يسمونه تفسير القرآن بالقرآن، فإن عدل عن هذا وفسَّر برأيه فقد أخطأ وقال برأيه المذموم. ثانياً: النقل عن الرسول ﷺ ، مع الاحتراز عن الضعيف والموضوع فإنه كثير، فإن وقع له تفسير صحيح عن رسول الله ﷺ فليس له أن يعدل عنه ويقول برأيه، لأن النبى ﷺ مؤيَّد من ربه، وموكول إليه أن يُبَيِّن للناس ما نُزِّل إليهم، فمَن يترك ما يصح عن النبى ﷺ فى التفسير إلى رأيه فهو قائل بالرأى المذموم. ثالثاً: الأخذ بما صحّ عن الصحابة فى التفسير، ولا يغتر بكل ما يُنسب لهم من ذلك، لأن فى التفسير كثيراً مما وُضِع على الصحابة كذباً واختلاقاً، فإن وقع على قول صحيح لصحابى فى التفسير، فليس له أن يهجره ويقول برأيه، لأنهم أعلم بكتاب الله، وأدرى بأسرار التنزيل، لِمَا شاهدوه من القرائن والأحوال، ولما اختُصوا به من الفهم التام والعلم الصحيح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة: الخلفاء الراشدين، وأُبَىّ بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس وغيرهم، وقد سبق لنا أن عرضنا لقول الصحابى، هل له حكم المرفوع أو لا، واستوفينا الكلام فى ذلك بما يُغنى عن إعادته هنا. ثم هل للمفسِّر أن يعدل عن أقوال التابعين فى التفسير، أو لا بد له من الرجوع إلى أقوالهم؟ خلاف سبق لنا أن عرضنا له أيضاً فلا داعى لإعادته. رابعاً: الأخذ بمطلق اللغة، لأن القرآن نزل بلسان عربى مبين، ولكن على المفسِّر أن يحترز من صرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة، يدل عليها القليل من كلام العرب، ولا توجد غالباً إلا فى الشعر ونحوه، ويكون المتبادر خلافها، روى البيهقى فى الشُعَب عن مالك رضى الله عنه أنه قال: "لا أُوتِىَ برجلٍ غير عالِم بلغة العرب يُفسِّر كتاب الله إلا جعلته نكالاً". خامساً: التفسير بالمقتضى من معنى الكلام والمتقضب من قوة الشرع، وهذا هو الذى دعا به النبى ﷺ لابن عباس حيث قال: "اللَّهم فقِّهه فى الدين وعلِّمه التأويل" والذى عناه علىُّ رضى الله عنه بقوله - حين سُئِل: هل عندكم عن رسول الله ﷺ شئ بعد القرآن؟ فقال: "لا والذى فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهم يؤتيه الله رجلاً فى القرآن".

стр. 190

ومن هنا اختلف الصحابة فى فهم بعض آيات القرآن، فأخذ كلٌ بما وصل إليه عقله، وأدَّاه إليه نظره. * * * الأُمور التى يجب على المفسِّر أن يتجنبها فى تفسيره: هناك أُمور يجب على المفسِّر أن يتجنبها فى تفسيره حتى لا يقع فى الخطأ ويكون ممن قال فى القرآن برأيه الفاسد، وهذه الأمُور هى ما يأتى: أولاً: التهجم على بيان مراد الله تعالى من كلامه مع الجهالة بقوانين اللغة وأصول الشريعة، وبدون أن يُحَصِّل العلوم التى يجوز معها التفسير. ثانياً: الخوض فيما استأثر الله بعلمه، وذلك كالمتشابه الذى لا يعلمه إلا الله. فليس للمفسِّر أن يتهجم على الغيب بعد أن جعله الله تعالى سراً من أسراره وحَجَبه عن عباده. ثالثاً: السير مع الهوى والاستحسان، فلا يُفسِّر بهواه ولا يُرَجِّح باستحسانه. رابعاً: التفسير المقرر للمذهب الفاسد، بأن يجعل المذهب أصلاً والتفسير تابعاً، فيحتال فى التأويل حتى يصرفه إلى عقيدته، ويرده إلى مذهبه بأى طريق أمكن، وإن كان غاية فى البُعْدِ والغرابة. خامساً: التفسير مع القطع بأن مراد الله كذا وكذا من غير دليل، وهذا منهى عنه شرعاً، لقوله تعالى فى الآية [١٦٩] من سورة البقرة: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ . وإذ قد بيِّنا أن المفسِّر لا يجوز له أن يتهجم على تفسير ما استأثر الله تعالى بعلمه وحَجبَه عن خلقه، وبيَّنا أنه لا يجوز له أن يقطع بأن مراد الله كذا وكذا من غير دليل، لزم علينا أن نبيَّن أنواع العلوم التى اشتمل عليها القرآن ما يمكن معرفته منها وما لا يمكن، فنقول: أنواع علوم القرآن تتنوع علوم القرآن إلى أنواع ثلاثة، وهى ما يأتى: النوع الأول: علم لم يطلع الله عليه أحداً من خلقه، وهو ما استأثر به من علوم أسرار كتابه، من معرفة كُنْه ذاته وغيوبه التى لا يعلمها إلا هو، وهذا النوع لا يجوز لأحد الخوض فيه والتهجم عليه بوجه من الوجوه إجماعاً. النوع الثانى: ما أطلع الله عليه نبيه ﷺ من أسرار الكتاب واختصه به، وهذا لا يجوز الكلام فيه إلا له ﷺ أو لمن أذن له. قيل: ومنه الحروف المقطعة فى أوائل السور، ومِنَ العلماء مَنْ يجعلها من النوع الأول.

стр. 191

النوع الثالث: علوم علَّمها الله نبيه مما أودع فى كتابه من المعانى الجلية والخفية وأمره بتعليمها، وهذا النوع قسمان: قسم لا يجوز الكلام فيه إلا بطريق السمع، وذلك كأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والقراءات، واللغات، وقصص الأُمم الماضية، وأخبار ما هو كائن من الحوادث، وأُمور الحشر والمعاد. وقسم يؤخذ بطريق النظر والاستدلال والاستنباط والاستخراج من العبارات والألفاظ، وهو ينقسم إلى قسمين.. أحدهما: اختلفوا فى جوازه، وهو تأويل الآيات المتشابهات فى الصفات، وثانيهما: اتفقوا على جوازه، وهو استنباط الأحكام الأصلية والفرعية، والمواعظ والحِكَم والإشارات وما شاكل ذلك من كل ما لا يمتنع استنباطه من القرآن واستخراجه منه لمن كان أهلاً لذلك. * * * المنهج الذى يجب على المفسِّر أن ينهجه فى تفسيره: علمنا مما سبق: أن المفسِّر برأيه لا بد أن يلم بكل العلوم التى هى وسائل لفهم كتاب الله، وأدوات للكشف عن أسراره، كما علمنا مما سبق أيضاً: أن المفسِّر لا بد أن يطلب المعنى أولاً من كتاب الله، فإن لم يجده طلبه من السُّنَّة، لانها شارحة للقرآن ومُوضِّحة له، فإن أعجزه ذلك رجع إلى أقوال الصحابة، لأنهم أدرى بكتاب الله وأعلم بمعانيه، لما اختُصوا به من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، ولاحتمال أن يكونوا سمعوه من الرسول ﷺ ، فإن عجز عن هذا كله، ولم يظفر بشئ من تلك المراجع الأولى للتفسير، فليس عليه بعد ذلك إلا أن يُعمل عقله، ويقدح فكره، ويجتهد وسعه فى الكشف عن مراد الله تعالى، مستنداً إلى الأصول التى تقدَّمت، مبتعداً عن كل ما ذكرنا من الأُمور التى تجعل المفسِّر فى عِداد المفسِّرين بالرأى المذموم، وعليه بعد ذلك أن ينهج فى تفسيره منهجاً يراعى فيه القواعد الآتية، بحيث لا يحيد عنها، ولا يخرج عن نطاقها، وهذه القواعد هى ما يأتى: أولاً: مطابقة التفسير للمفسَّر، من غير نقص لما يحتاج إليه فى إيضاح المعنى، ولا زيادة لا تليق بالغرض ولا تناسب المقام، مع الاحتراز من كون التفسير فيه زيغ عن المعنى وعدول عن المراد. ثانياً: مراعاة المعنى الحقيقى والمعنى المجازى، فلعل المراد المجازى، فيحمل الكلام على الحقيقة أو العكس. ثالثاً: مراعاة التأليف والغرض الذى سِيق له الكلام، والمؤاخاة بين المفردات. رابعاً: مراعاة التناسب بين الآيات، فيبيِّن وجه المناسبة، ويربط بين السابق واللاحق

стр. 192

من آيات القرآن، حتى يوضِّح أن القرآن لا تفكك فيه، وإنما هو آيات متناسبة يأخذ بعضها بحُجز بعض. خامساً: ملاحظة أسباب النزول. فكل آية نزلت على سبب فلا بد من ذكره بعد بيان المناسبة وقبل الدخول فى شرح الآية، وقد ذكر السيوطى فى الإتقان أن الزركشى قال فى أوائل البرهان: "قد جرت عادة المفسِّرين أن يبدأوا بذكر سبب النزول، ووقع البحث فى أنه: أيهما أولى بالبداءة؟ أيُبدأ بذكر السبب، أو بالمناسبة لأنها المصحِّحة لنظم الكلام، وهى سابقة على النزول؟ قال: والتحقيق التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفاً على سبب النزول كآية ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] .. فهذا ينبغى فيه تقديم ذكر السبب، لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على المقاصد. وإن لم يتوقف على ذلك، فالأَوْلى تقديم وجه المناسبة". سادساً: بعد الفراغ من ذكر المناسبة وسبب النزول. يبدأ بما يتعلق بالألفاظ المفردة - من اللغة، والصرف، والاشتقاق - ثم يتكلم عليها بحسب التركيب، فيبدأ بالإعراب، ثم بما يتعلق بالمعانى، ثم البيان، ثم البديع، ثم يبيِّن المعنى المراد، ثم يستنبط ما يمكن استنباطه من الآية فى حدود القوانين الشرعية. سابعاً: على المفسِّر أن يتجنب ادعاء التكرار فى القرآن ما أمكن. نقل السيوطى عن بعض العلماء أنه قال: "مما يدفع توهم التكرار فى عطف المترادفين نحو: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ ، ﴿صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ وأشباه ذلك، أن يعتقد أن مجموع المترادفين يحصل معنى لا يوجد عند انفراد أحدهما، فإن التركيب يُحدث معنًى زائداً، وإذا كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى، فكذلك كثرة الألفاظ". وعلى المفسِّر أيضاً أن يتجنب كل ما يُعتبر من قبيل الحشو فى التفسير كالخوض فى ذكر علل النحو، ودلائل مسائل أصول الفقه، ودلائل مسائل الفقه، ودلائل مسائل أصول الدين، فإن كل ذلك مقرر فى تآليف هذه العلوم، وإنما يؤخذ ذلك مسلَّماً فى علم التفسير دون استدلال عليه. وكذلك على المفسِّر أن يتجنب ذكر ما لا يصح من أسباب النزول وأحاديث الفضائل، والقَصص الموضوع، والأخبار الإسرائيلية، فإن هذا مما يُذهِب بجمال القرآن، ويُشغِل الناس عن التدبر والاعتبار.

стр. 193

ثامناً: على المفسِّر بعد كل هذا أن يكون يقظاً، فطناً عليماً بقانون الترجيح، حتى إذا ما كانت الآية محتملة لأكثر من وجه أمكنه أن يُرَجِّح ويختار. وإذا كان المفسِّر لا بد له من أن يحتكم إلى قانون الترجيح عندما تحتمل الآية أكثر من وجه، فإنَّا فى حاجة إلى بيان هذا القانون، الذى هو الحَكَم الفصل عند تزاحم الوجوه وكثرة الاحتمالات، فنقول: قانون الترجيح فى الرأى أجمع كلمة قيلت فى بيان هذا القانون، هى الكلمة التى نقلها لنا السيوطى فى كتابه الإتقان عن البرهان للزركشى، ونرى أن نسوقها هنا نقلاً عن الإتقان، ونكتفى بذلك لما فيها من الكفاية: قال الزركشى رحمه الله تعالى: "كل لفظ احتمل معنيين فصاعداً هو الذى لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعليهم اعتماد الشواهد والدلائل دون مجرد الرأى، فإن كان أحد المعنيين أظهر، وجب الحمل عليه، إلا أن يقوم الدليل على أن المراد هو الخفى. وإن استويا، والاستعمال فيهما حقيقة، لكن فى أحدهما حقيقة لغوية أو عرفية، وفى الآخر شرعية، فالحمل على الشرعية أولى، إلا أن يدل دليل على إرادة اللغوية، كما فى قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] .. ولو كان فى أحدهما عرفية، والآخر لغوية، فالحمل على العرفية أولى. وإن اتفقا فى ذلك أيضاً، فإن تنافى اجتماعهما ولم يمكن إرادتهما باللفظ الواحد، كالقُرء للحيض والطُهر، اجتهد فى المراد منهما بالأمارات الدالة عليه، فما ظنه فهو مراد الله تعالى فى حقه. وإن لم يظهر له شئ فهل يتخيَّر فى الحمل على أيهما شاء؟ أو يأخذ بالأغلظ حكماً؟ أو بالأخف؟ أقوال. وإن لم يتنافيا وجب الحمل عليهما عند المحققين، ويكون ذلك أبلغ فى الإعجاز والفصاحة، إلا إن دَلَّ دليل على إرادة أحدهما". * * * منشأ الخطأ فى التفسير بالرأى: يقع الخطأ كثيراً فى التفسير من بعض المتصدرين للتفسير بالرأى، الذين عدلوا عن مذاهب الصحابة والتابعين، وفسَّروا بمجرد الرأى والهوى، غير مستندين إلى تلك الأصول التى قدَّمنا أنها أول شئ يجب على المفسِّر أن يعتمد عليه. ولا متذرعين بتلك العلوم التى هى فى الواقع أدوات لفهم كتاب الله والكشف عن أسراره ومعانيه.

стр. 194

ونرى هنا أن نذكر منشأ هذا الخطأ الذى وقع فيه كثير من طوائف المفسِّرين فنقول: يرجع الخطأ فى التفسير بالرأى - غالباً - إلى جهتين حدثنا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فإن الكتب التى يُذكر فيها كلام هؤلاء صرفاً غير ممزوج بغيره، كتفسير عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وغيرهما، لا يكاد يوجد فيها شئ من هاتين الجهتين، بخلاف الكتب التى جَدَّت بعد ذلك فإن كثيراً منها، كتفاسير المعتزلة والشيعة، مليئة بأخطاء لا تُغتفر، حملهم على ارتكابهم نُصرة المذهب والدفاع عن العقيدة. أما هاتان الجهتان اللتان يرجع إليهما الخطأ فى الغالب فهما ما يأتى: الجهة الأولى: أن يعتقد المفسِّر معنى من المعانى، ثم يريد أن يحمل ألفاظ القرآن على ذلك المعنى الذى يعتقده. الجهة الثانية: أن يفسِّر القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه مَنْ كان مِنَ الناطقين بلغة العرب. وذلك بدون نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزَّل عليه، والمخاطَب به. فالجهة الأولى: مراعى فيها المعنى الذى يعتقده المفسِّر من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان. والجهة الثانية: مراعى فيها مجرد اللفظ وما يجوز أن يريد به العربى، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به والمخاطَب، وسياق الكلام. ثم إن الخطأ الذى يرجع إلى الجهة الأولى يقع على أربع صور: الصورة الأولى: أن يكون المعنى الذى يريد المفسِّر نفيه أو إثباته صواباً، فمراعاة لهذا المعنى يحمل عليه لفظ القرآن، مع أنه لا يدل عليه ولا يُراد منه، وهو مع ذلك لا ينفى المعنى الظاهر المراد، وعلى هذا يكون الخطأ واقعاً فى الدليل لا فى المدلول، وهذه الصورة تنطبق على كثير من تفاسير الصوفية والوعَّاظ الذين يفسِّرون القرآن بمعان صحيحة فى ذاتها ولكنها غير مرادة، ومع ذلك فهم يقولون بظاهر المعنى، وذلك مثل كثير مما ذكره أبو عبد الرحمن السلمى فى حقائق التفسير، فمثلاً عندما عرض لقوله تعالى فى الآية [٦٦] من سورة النساء: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دِيَارِكُمْ ... .﴾ الآية، نجده يقول ما نصه: ﴿اقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ بمخالفة هواها، ﴿أَوِ اخرجوا مِن دِيَارِكُمْ﴾ ، أي أخرجوا حب الدنيا من قلوبكم.. إلخ. الصورة الثانية: أن يكون المعنى الذى يريد المفسِّر نفيه أو إثباته صواباً، فمراعاة لهذا المعنى يسلب لفظ القرآن ما يدل عليه ويُراد به. ويحمله على ما يريده هو، وعلى

стр. 195

هذا يكون الخطأ واقعاً فى الدليل لا فى المدلول أيضاً، وهذه الصورة تنطبق على تفاسير بعض المتصوفة الذين يفسِّرون القرآن بمعان إشارية صحيحة فى حد ذاتها، ومع ذلك فإنهم يقولون: إن المعانى الظاهرة غير مرادة، وتفسير هؤلاء أقرب ما يكون إلى تفسير الباطنية، ومن ذلك ما فسَّرَ به سهل التسترى قوله تعالى فى الآية [٣٥] من سورة البقرة: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هاذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين﴾ .. حيث يقول ما نصه: لم يرد الله معنى الأكل فى الحقيقة، وإنما أراد معنى مساكنة الهمة لشئ هو غيره ... . إلخ. الصورة الثالثة: أن يكون المعنى الذى يريد المفسِّر نفيه أو إثباته خطأ، فمراعاة لهذا المعنى يحمل عليه لفظ القرآن، مع أنه لا يدل عليه ولا يُراد منه، وهو مع ذلك لا ينفى الظاهر المراد، وعلى هذا يكون الخطأ واقعاً فى الدليل والمدلول معاً، وهذه الصورة تنطبق على ما ذكره بعض المتصوفة من المعانى الباطلة، وذلك كالتفسير المبنى على القول بوحدة الوجود، كما جاء فى التفسير المنسوب لابن عربى عندما عرض لقوله تعالى فى الآية [٨] من سورة المزمل: ﴿واذكر اسم رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ .. من قوله فى تفسيرها: واذكر اسم ربك الذى هو أنت، أى اعرف نفسك ولا تنسها فينسك الله ... . إلخ. الصورة الرابعة: أن يكون المعنى الذى يريد المفسِّر نفيه أو إثباته خطأ، فمراعاة لهذا المعنى يسلب لفظ القرآن ما يدل عليه ويُراد به، ويحمله على ذلك الخطأ دون الظاهر المراد، وعلى هذا يكون الخطأ فى الدليل والمدلول معاً، وهذه الصورة تنطبق على تفاسير أهل البدع، والمذاهب الباطلة، فتارة يلوون لفظ القرآن عن ظاهره المراد إلى معنى ليس فى اللفظ أى دلالة عليه، كتفسير بعض غلاة الشيعة: "الجبت والطاغوت" بأبى بكر وعمر، وتارة يحتالون على صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى فيه تكلف غير مقبول، وذلك إذا أحسوا أن اللفظ القرآنى يصادم مذهبهم الباطل، كما فعل بعض المعتزلة ففسَّر لفظ "إلى" فى قوله تعالى فى الآيتين [٢٢، ٢٣] من سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بالنعمة، ذهاباً منهم إلى أن "إلى" واحد الآلاء، بمعنى النعم، فيكون المعنى: ناظرة نعمة ربها، على التقديم والتأخير، وذلك كله ليصرف الآية عما تدل عليه من رؤية الله فى الآخرة. وأما الخطأ الذى يرجع إلى الجهة الثانية فهو يقع على صورتين: الصورة الأولى: أن يكون اللفظ محتملاً للمعنى الذى ذكره المفسِّر لغة، ولكنه غير مراد، وذلك كاللفظ الذى يُطلق فى اللغة على معنيين أو أكثر. والمراد منه واحد بعينه، فيأتى المفسِّر فيحمله على معنى آخر من معانيه غير المعنى المراد، وذلك كلفظ "أُمَّة" فإنه يُطلق على معان، منها: الجماعة، والطريقة المسلوكة فى الدين، والرجل الجامع لصفات الخير، فحمله على غير معنى الطريقة المسلوكة فى الدين فى قوله تعالى فى الآية [٢٢] من سورة الزخرف: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ﴾ غير صحيح وإن احتمله اللفظ لغة. الصورة الثانية: أن يكون اللفظ موضوعاً لمعنى بعينه، ولكنه

стр. 196

غير مُراد فى الآية، وإنما المراد معنى آخر غير ما وضع له اللفظ بقرينة السياق مثلاً، فيخطئ المفسِّر فى تعيين المعنى المراد، لأنه اكتفى بظاهر اللغة، فشرح اللفظ على معناه الوضعى، وذلك كتفسير لفظ "مبصرة" فى قوله تعالى فى الآية [٥٩] من سورة الإسراء: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً﴾ بجعل "مبصرة" من الإبصار بالعين، على أنها حال من الناقة، وهذا خلاف المراد، إذ المراد: آية واضحة. * * * التعارض بين التفسير المأثور والتفسير بالرأى: قلنا إن التفسير بالرأى قسمان: قسم مذموم غير مقبول، وقسم ممدوح ومقبول، أما القسم المذموم، فلا يعقل وجود تعارض بينه وبين المأثور، لأنه ساقط من أول الأمر، وخارج عن محيط التفسير بمعناه الصحيح. وأما التفسير بالرأى المحمود، فهذا هو الذى يعقل التعارض بينه وبين التفسير المأثور، وهذا هو الذى نريد أن نتكلم فيه ونعرض له بالبحث والبيان، غير أنه يتحتم علينا - ليكون الكلام على بصيرة - أن نعرض لبيان معنى هذا التعارض فنقول: التعارض بين التفسير العقلى والتفسير المأثور معناه التقابل والتنافى بينهما، وذلك بأن يدل أحدهما على إثبات أمر مثلاً، والآخر يدل على نفيه، بحيث لا يمكن اجتماعهما بحال من الأحوال، فكأن كلاً منهما وقف فى عرض الطريق فمنع الآخر من السير فيه. وأما إذا وجدت المغايرة بينهما بدون منافاة وأمكن الجمع، فلا يُسمى ذلك تعارضاً، وذلك كتفسيرهم: ﴿الصراط المستقيم﴾ بالقرآن، وبالإسلام، وبطريق العبودية، وبطاعة الله ورسوله، فهذه المعانى وإن تغايرت غير متنافية ولا متناقضة، لأن طريق الإسلام هو طريق القرآن، وهو طريق العبودية، وهو طاعة الله ورسوله. ومثلاً تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات﴾

стр. 197

[فاطر: ٣٢] .. قيل فيه: السابق هو الذى يُصلِّى فى أول الوقت، والمقتصد هو الذى يُصلَّى فى أثنائه، والظالم هو الذى يُصلِّى بعد فواته. وقيل: السابق مَن يُؤدى الزكاة المفروضة مع الصدقة، والمقتصد مَن يُؤدى الزكاة المفروضة وحدها، والظالم لنفسه مَن يمنع الزكاة ولا يتصدق. وغير خاف أنه لا تنافى بين هذين التفسيرين وأن تغايرا، لأن الظالم لنفسه يتناول المُضَيِّعُ للواجبات، والمنتهك للحرمات، والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرَّمات، والسابق يتناول مَن يفعل الواجبات ويتقرَّب بعد ذلك بزيادة الحسنات، فكل ذكرَ فرداً لعام على سبيل التمثيل لا الحصر. هذا.. وإن الصور العقلية التى يحصل فيها التعارض بين التفسير العقلى والتفسير النقلى هى ما يأتى: أولاً: أن يكون العقلى قطعياً والنقلى قطعياً كذلك. ثانياً: أن يكون أحدهما قطعياً والآخر ظنياً. ثالثاً: أن يكون أحدهما ظنياً والآخر ظنياً كذلك. أما الصورة الأولى، ففرضية، لأنه لا يعقل تعارض بين قطعى وقطعى، ومن المحال أن يتناقض الشرع مع العقل. وأما الصورة الثانية: فالقطعى منهما مُقَدَّم على الظنى إذا تعذَّر الجمع ولم يمكن التوفيق، أخذاً بالأرجح وعملاً بالأقوى. وأما الصورة الثالثة: فإن أمكن الجمع بين العقلى والنقلى، وجب حمل النظم الكريم عليهما. وإن تعذَّر الجمع، قُدِّمَ التفسير المأثور عن النبى ﷺ إن ثبت من طريق صحيح، وكذا يُقَدَّم ما صحَّ عن الصحابة، لأن ما يصح نسبته إلى الصحابة فى التفسير، النفس إليه أميل، لاحتمال سماعه من الرسول ﷺ ، ولما امتازوا به من الفهم الصحيح والعمل الصالح، ولما اختُصوا به من مشاهدة التنزيل. وأما ما يؤثر عن التابعين ففيه التفصيل، وذلك إما أن يكون التابعى معروفاً بالأخذ عن أهل الكتاب أو لا، فإن عُرِف بالأخذ عن أهل الكتاب قدم التفسير العقلى. وإن لم يُعرف بالأخذ عن أهل الكتاب وتعارض ما جاء عنه مع التفسير العقلى - كما هو الفرض - فحينئذ نلجأ إلى الترجيح، فإن تأيَّد أحدهما بسمع أو استدلال رجحناه على الآخر، وإن اشتبهت القرائن، وتعارضت الأدلة والشواهد، توقفنا فى الأمر، فنؤمن بمراد الله تعالى، ولا نتهجم على تعيينه، وينزل ذلك منزلة المجمل قبل تفصيله، والمتشابه قبل تبيينه. وبعد.. فهذا هو التفسير العقلى بقسميه، وهذه هى نظرات العلماء إليه، وتلك

стр. 198

هى حقيقة الخلاف، ثم هذه هى البحوث التى تتعلق به تعلقاً قوياً، وتتصل به اتصلاً وثيقاً، وأرى بعد ذلك أن أتكلم عن أهم كتب التفسير بالرأى الجائز وأشهرها، متعرضاً لنبذة قصيرة عن كل مؤلف، تلقى لنا ضوءاً على شخصيته الذاتية والعلمية، ملتزماً بيان المسلك الذى سلكه كل منهم فى تفسيره، وطريقته التى جرى عليها وامتاز بها، بما يظهر لى من ذلك أثناء قراءتى فى هذه الكتب، مستعيناً فى ذلك بما أظفر به من مقدمات قدَّم بها أصحاب هذه الكتب لكتبهم، ثم بعد الفراغ من ذلك يكون لنا كلام آخر عن موقف بعض الفِرق من التفسير، وعن أشهر مؤلفاتهم فيه، وهى لا تكاد تخرج عن دائرة التفسير بالرأى المذموم. * * *

стр. 199

أهم كتب التفسير بالرأى الجائز * تمهيد: ابتدأ عهد التدوين من قديم، وظفر التفسير بالتدوين كغيره من العلوم، فأُلِّفت فيه كتب اختلفت فى منهجها، حسب اختلاف مشارب مؤلفيها، وظفرت هذه الناحية من التفسير - ناحية التفسير بالرأى الجائز - بكثرة زاخرة من الكتب المؤلفة، كثرة تضخمت على مَرِّ العصور وكَرِّ الدهور، ففى كل عصر يَجِّد جديد من الكتب المؤلَّفة فى التفسير بالرأى الجائز، ثم تنضم إلى ما سبق من ذلك، حتى ازدحمت بها المكتبة الإسلامية على اتساعها وطول عهدها. ولكن هل احتفظت لنا المكتبة الإسلامية بكل هذه الكتب؟ أو عفى رسمها وذهب أثرها؟ لا.. لا هذا، ولا ذاك، بل احتفظت لنا ببعضها، وذهب بعضها الآخر بتقادم الزمن عليه، ومع هذا فإن القصور المكتبى، حال بيننا وبين الاطلاع، على جميع ما خلَّفته لنا المكتبة الإسلامية العامة.. لهذا، ولعدم القدرة على الاطلاع على كل ما يوجد من هذه الكتب واستيعابه بالبحث والدراسة، أكتفى بأن أتعرض لبعض هذه الكتب على ضوء المنهج الذى بيَّنته، ولعل فى ذلك غِنَىً عن بعضها الآخر، الذى حال بينى وبين القصور المكتبى تارة، والقصور الزمنى تارة أخرى. هذا.. ولا يقوتنى أن أنبه إلى أن هذه الكتب التى وقع عليها اختيارى، يتجه كل منها إلى اتجاه معيَّن، وتغلب عليه ناحية خاصة من نواحى التفسير وألوانه، فمنها ما تغلب عليه الصناعة النحوية، ومنها ما تغلب عليه النزعة الفلسفية والكلامية، ومنها ما تطغى فيه الناحية القصصية والإسرائيلية، ومنها غير ذلك. ولكن الجميع ينضم تحت شئ واحد هو التفسير بالرأى الجائز، فلا عليه - إذن - إن كنت قد جمعت بين هذه الكتب المختلفة المنازع والاتجاهات، وهذا أمر اعتبارى لا أقل ولا أكثر. أما هذه الكتب التى وقع عليها اختيارى، فهى ما يأتى: ١ - مفاتيح الغيب: للفخر الرازى ٢ - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: للبيضاوى ٣ - مدارك التنزيل وحقائق التأويل: للنسفى ٤ - لُباب التأويل فى معانى التنزيل: للخازن ٥ - البحر المحيط: لأبى حيان ٦ - غرائب القرآن ورغائب الفرقان: للنيسابورى

стр. 200

٧ - تفسير الجلالين: للجلال المحلى، والجلال السيوطى ٨ - السراج المنير فى الإعانة على معرفة بعض معانى كلام ربنا الحكيم الخبير: للخطيب الشربينى ٩ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم: لأبى السعود ١٠ - روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى: للألوسى هذه هى الكتب التى وقع عليها اختيارى، وسأتكلم عنها على حسب هذا الترتيب، فأقول وبالله التوفيق: ١ - مفاتيح الغيب (للرازى) * التعريف بمؤلف هذا التفسير: مؤلف هذا التفسير، هو أبو عبد الله، محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن ابن علىّ، التميمى، البكرى، الطبرستانى، الرازى، الملقَّب بفخر الدين، والمعروف بابن الخطيب الشافعى، المولود سنة ٥٤٤ هـ (أربع وأربعين وخمسمائة من الهجرة) . كان ﵀ فريد عصره، ومتكلم زمانه، جمع كثيراً من العلوم ونبغ فيها، فكان إماماً فى التفسير والكلام، والعلوم العقلية، وعلوم اللغة، ولقد أكسبه نبوغه العلمى شهرة عظيمة، فكان العلماء يقصدونه من البلاد، ويشدون إليه الرحال من مختلف الأقطار، وقد أخذ العلم عن والده ضياء الدين المعروف بخطيب الرى، وعن الكمال السمعانى، والمجد الجيلى، وكثير من العلماء الذين عاصرهم ولقيهم، وله فوق شهرته العلمية شهرة كبيرة فى الوعظ، حتى قيل إنه كان يعظ باللسان العربى واللسان العجمى، وكان يلحقه الوجد فى حال الوعظ ويكثر البكاء، ولقد خلَّف ﵀ للناس مجموعة كبيرة من تصانيفه فى الفنون المختلفة، وقد انتشرت هذه التصانيف فى البلاد، ورزق فيها الحظوة الواسعة، والسعادة العظيمة، إذ أن الناس اشتغلوا بها، وأعرضوا عن كتب المتقدمين. ومن أهم هذه المصنفات: تفسيره الكبير المسمى بمفاتيح الغيب، وهو ما نحن بصدده الآن، وله تفسير سورة الفاتحة فى مجلد واحد، ولعله هو الموجود بأول تفسيره "مفاتيح الغيب"، وله فى علم الكلام: المطالب العالية، وكتاب البيان والبرهان فى الرد على أهل الزيغ والطغيان. وله فى أصول الفقه: المحصول، وفى الحكمة: المخلص، وشرح الإشارات لابن سينا، وشرح عيون الحِكمة، وفى الطلمسات: السر المكنون، ويقال: إنه شرح المفصل فى النحو للزمخشرى، وشرح الوجيز فى الفقه للغزالى.. وغير هذا كثير من مصنفاته، التى يتجلى فيها علم الرجل الواسع الغزير. هذا.. وقد كانت وفاة الرازى ﵀ سنة ٦٠٦ هـ (ست وستمائة من

стр. 201

الهجرة) بالرى، ويقال فى سبب وفاته: أنه كان بينه وبين الكرَّامية خلاف كبير وجدل فى أمور العقيدة، فكان ينال منهم وينالون منه سباً وتكفيراً، وأخيراً سمُّوه فمات على إثر ذلك واستراحوا منه. * * * التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه: يقع هذا التفسير فى ثمانى مجلدات كبار، وهو مطبوع ومتداول بين أهل العلم، ويقول ابن قاضى شُهبة: إنه - أى الفخر الرازى - لم يتمه، كما يقول ذلك ابن خلكان فى وفيات الأعيان، إذن فمَن الذى أكمل هذا التفسير؟ وإلى أى موضع من القرآن وصل الفخر الرازى فى تفسيره؟ الحق أن هذه مشكلة لم نوفق إلى حلها حلاً حاسماً، لتضارب أقوال العلماء فى هذا الموضوع، فابن حجر العسقلانى، فى كتابه الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة، يقول: "الذى أكمل تفسير فخر الدين الرازى، هو أحمد بن محمد بن أبى الحزم مكى نجم الدين المخزومى القمولى، مات سنة ٧٢٧ هـ (سبع وعشرين وسبعمائة من الهجرة) هو مصرى". وصاحب كشف الظنون يقول: "وصنَّف الشيخ نجم الدين أحمد ابن محمد القمولى تكملة له، وتوفى سنة ٧٢٧ هـ (سبع وعشرين وسبعمائة من الهجرة) ، وقاضى القضاة شهاب الدين بن خليل الخويى الدمشقى، كمَّل ما نقص منه أيضاً، وتوفى سنة ٦٣٩ هـ (تسع وثلاثين وستمائة) ". فأنت ترى أن ابن حجر يذكر أن الذى أتم تفسير الفخر هو نجم الدين القمولى، وصاحب كشف الظنون يجعل لشهاب الدين الخويى مشاركة على وجه ما فى هذه التكملة، وإن كانا يتفقان على أن الرازى لم يتم تفسيره. وأما إلى أى موضع وصل الفخر فى تفسيره؟ فهذه كالأولى أيضاً، وذلك لأننا وجدنا على هامش كشف الظنون ما نصه: "الذى رأيته بخط السيد مرتضى نقلاً عن شرح الشفا للشهاب، أنه وصل فيه إلى سورة الأنبياء". وقد وجدت فى أثناء قراءتى فى هذا التفسير عند قوله تعالى فى الآية [٢٤] من سورة الواقعة: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ هذه العبارة: "المسألة الأولى أصولية، ذكرها

стр. 202

الإمام فخر الدين ﵀ فى مواضع كثيرة، ونحن نذكر بعضها.. إلخ". وهذه العبارة تدل على أن الإمام فخر الدين، لم يصل فى تفسيره إلى هذه السورة. كما وجدتُ عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦] من سورة المائدة ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة﴾ .. الآية، أنه تعرَّض لموضوع النيَّة فى الوضوء. واستشهد على اشتراط النيَّة فيه بقوله تعالى فى الآية [٥] من سورة البينة: ﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ .. وبيَّن أن الإخلاص عبارة عن النيَّة، ثم قال: "وقد حققنا الكلام فى هذا الدليل فى تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ فليُرجع إليه فى طلب زيادة الإتقان". وهذه العبارة تُشعر بأن الفخر الرازى فسَّر سورة البيِّنة، أى أنه وصل إليها فى تفسيره، وهذا طبعاً بحسب ظاهر العبارة المجرد عن كل شئ. والذى أستطيع أن أقوله كحل لهذا الاضطراب: هو أن الإمام فخر الدين، كتب تفسيره هذا إلى سورة الأنبياء، فأتى بعده شهاب الدين الخويى، فشرع فى تكملة هذا التفسير ولكنه لم يتمه، فأتى بعده نجم الدين القمولى فأكمل ما بقى منه. كما يجوز أن يكون الخويى أكمله إلى النهاية، والقمولى كتب تكملة أخرى غير التى كتبها الخويى، وهذا هو الظاهر من عبارة صاحب كشف الظنون. وأما إحالة الفخر على ما كتبه فى سورة البيِّنة، فهذا ليس بصريح فى أنه وصل إليها فى تفسيره، إذ لعله كتب تفسيراً مستقلاً لسورة البيِّنة، أو لهذه الآية وحدها، فهو يشير إلى ما كتب فيها ويحيل عليه. أقول هذا، وأعتقد أنه ليس حلاً حاسماً لهذا الاضطراب، وإنما هو توفيق يقول على الظن يُخطئ ويُصيب. ثم إن القارئ فى هذا التفسير، لا يكاد يلحظ فيه تفاوتاً فى المنهج والمسلك، بل يجرى الكتاب من أوله إلى آخره على نمط واحد، وطريقة واحدة، تجعل الناظر فيه لا يستطيع أن يُميِّز بين الأصل والتكملة، ولا يتمكن من الوقوف على حقيقة المقدار الذى كتبه الفخر، والمقدار الذى كتبه صاحب التكملة. هذا.. وإن تفسير الفخر الرازى ليحظى بشهرة واسعة بين العلماء، وذلك لأنه يمتاز عن غيره من كتب التفسير، بالأبحاث الفيَّاضة الواسعة، فى نواح شتَّى من العلم،

стр. 203

ولهذا يصفه ابن خلكان فيقول: "إنه - أى الفخر الرازى - جمع فيه كل غريب وغريبة". * * * اهتمام الفخر الرازى ببيان المناسبات بين آيات القرآن وسوره: وقد قرأتُ فى هذا التفسير، فوجدتُ أنه يمتاز بذكر المناسبات بين الآيات بعضها مع بعض، وبين السور بعضها مع بعض، وهو لا يكتفى بذكر مناسبة واحدة بل كثيراً ما يذكر أكثر من مناسبة. * * * اهتمامه بالعلوم الرياضية والفلسفية: كما أنه يُكثر من الاستطراد إلى العلوم الرياضية والطبيعية، وغيرها من العلوم الحادثة فى المِلَّة، على ما كانت عليه فى عهده، كالهيئة الفلكية وغيرها، كما أنه يعرض كثيراً لأقوال الفلاسفة بالرد والتفنيد، وإن كان يصوغ أدلته فى مباحث الإلهيات على نمط استدلالاته العقلية، ولكن بما يتفق ومذهب أهل السُنَّة. * * * موقفه من المعتزلة: ثم إنه - كسُّنِّى يرى ما يراه أهل السُّنَّة، ويعتقد بكل ما يقررونه من مسائل علم الكلام - لا يدع فرصة تمر دون أن يعرض لمذهب المعتزلة بذكر أقوالهم والرد عليهم، رداً لا يراه البعض كافياً ولا شافياً. فهذا هو الحافظ ابن حجر يقول عنه فى لسان الميزان: "وكان يُعاب بإيراد الشبهة الشديدة، ويُقَصِّر فى حلها، حتى قال بعض المغاربة: "يُورد الشُبَه نقداً ويحلها نسيئة". وقال ابن حجر أيضاً فى لسان الميزان: "ورأيت فى الإكسير فى علم التفسير للنجم الطوفى ما ملخصه: ما رأيت فى التفاسير أجمع لغالب علم التفسير من القرطبى، ومن تفسير الإمام فخر الدين، إلا أنه كثير العيوب، فحدَّثنى شرف الدين النصيبى، عن شيخه سراج الدين السرمياحى المغربى، أنه صنَّف كتاب المأخذ فى مجلدين، بيَّن فيهما فى تفسير الفخر من الزيف والبهرج، وكان ينقم عليه كثيراً ويقول: يورد شُبَه المخالفين فى المذهب والدين على غاية ما يكون من التحقيق، ثم يورد مذهب أهل السُّنَّة والحق على غاية من الوهاء. قال الطوفى: ولعَمرى، إن هذا دأبه فى كتبه الكلامية والحكمة. حتى اتهمه بعض الناس، ولكنه خلاف ظاهر حاله، لأنه لو كان اختار قولاً أو مذهباً ما كان عنده مَن يخاف منه حتى يستر عنه، ولعل سببه أنه كان يستفرغ أقوالاً فى تقرير دليل الخصم، فإذا انتهى إلى تقرير دليل نفسه لا يبقى عنده

стр. 204

شئ من القوى، ولا شك أن القوى النفسانية تابعة للقوى البدنية، وقد صرَّح فى مقدمة نهاية العقول: أنه مقرر مذهب خصمه تقريراً لو أراد خصمه تقريره لم يقدر على الزيادة على ذلك". * * * موقفه من علوم الفقه والأصول والنحو والبلاغة: ثم إن الفخر الرازى لا يكاد يمر بآية من آيات الأحكام إلا ويذكر مذاهب الفقهاء فيها، مع ترويجه لمذهب الشافعى - الذى يُقلِّدُه - بالأدلة والبراهين. كذلك نجده يستطرد لذكر المسائل الأصولية، والمسائل النحوية، والبلاغية، وإن كان لا يتوسع فى ذلك توسعه فى مسائل العلوم الكونية والرياضية. وبالجملة.. فالكتاب أشبه ما يكون بموسوعة فى علم الكلام، وفى علوم الكون والطبيعة، إذ أن هذه الناحية، هى التى غلبت عليه حتى كادت تُقَلِّل من أهمية الكتاب كتفسير للقرآن الكريم. ومن أجل ذلك قال صاحب كشف الظنون: "إن الإمام فخر الدين الرازى ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة، وخرج من شئ إلى شئ، حتى يقضى الناظر العجب" ونقل عن أبى حيان أنه قال فى البحر المحيط: "جمع الإمام الرازى فى تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها فى علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء: فيه كل شئ إلا التفسير". ويظهر لنا أن الإمام فخر الدين الرازى كان مولعاً بكثرة الاستنباطات والاستطرادات فى تفسيره، ما دام يستطيع أن يجد صلة ما بين المستنبَط أو المستطرَد إليه وبين اللفظ القرآنى، والذى يقرأ مقدمة تفسيره لا يسعه إلا أن يحكم على الفخر هذا الحكم، وذلك حيث يقول: "اعلم أنه مَرَّ على لسانى فى بعض الأوقات، أن هذه السورة الكريمة - يريد الفاتحة - يمكن أن يُستنبَط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة، فاستبعد هذا بعض الحُسَّاد، وقوم من أهل الجهل والغى والعناد، وحملوا ذلك على ما ألفوه من أنفسهم من التعلقات الفارغة عن المعانى، والكلمات الخالية عن تحقيق المعاقد والمبانى، فلما شرعتُ فى تصنيف هذا الكتاب، قدَّمتُ هذه المقدمة، لتصير كالتنبيه على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول، قريب الوصول" ... إلخ. وبعد.. فالكتاب بين يديك، فأجِلْ نظرك فى جميع نواحيه، فسوف لا ترى إلا ما قلته فيه، وما حكمتُ به عليه. * * *

стр. 205

٢ - أنوار التنزيل وأسرار التأويل (للبيضاوى) * التعريف بمؤلف هذا التفسير: مؤلف هذا التفسير، هو قاضى القضاة، ناصر الدين أبو الخير، عبد الله ابن عمر بن محمد بن علىّ، البيضاوى الشافعى، وهو من بلاد فارس، قال ابن قاضى شهبة فى طبقاته: "صاحب المصنفات، وعالم أذربيجان، وشيخ تلك الناحية. ولى قضاء شيراز". وقال السبكى: "كان إماماً مُبرَزاً نظَّاراً خَيِّراً، صالحاً متعبداً". وقال ابن حبيب: "تكلَّم كل من الأئمة بالثناء على مصنفاته، ولو لم يكن له غير المنهاج الوجيز لفظه المحرر لكفاه". ولى القضاء بشيراز، وتوفى بمدينة تبريز. قال السبكى والأسنوى: سنة ٦٩١هـ (إحدى وتسعين وستمائة) ، وقال ابن كثير وغيره: "سنة ٦٨٥هـ (خمس وثمانين وستمائة) . ومن أهم مصنفاته: كتاب المنهاج وشرحه فى أصول الفقه، وكتاب الطوالع فى أصول الدين، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل فى التفسير، وهو ما نحن بصدده الآن. وهذه الكتب الثلاثة من أشهر الكتب وأكثرها تداولاً بين أهل العلم. * * * التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه: تفسير العلامة البيضاوى، تفسير متوسط الحجم، جمع فيه صاحبه بين التفسير والتأويل، على مقتضى قواعد اللغة العربية، وقرر فيه الأدلة على أصول أهل السُّنَّة. وقد اختصر البيضاوى تفسيره من الكشاف للزمخشرى، ولكنه ترك ما فيه من اعتزالات، وإن كان أحياناً يذهب إلى ما يذهب إليه صاحب الكشاف، ومن ذلك أنه عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٢٧٥] من سورة البقرة: ﴿الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس﴾ ... .. الآية، وجدناه يقول: "إلا قياماً كقيام المصروع، وهو وارد على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيُصرَع".. ثم يفسِّر المس بالجنون ويقول: "وهذا أيضاً من زعمانهم أنَّ الجنى يمس الرجل فيختلط عقله". ولا شك أن هذا موافق لما ذهب إليه الزمخشرى من أن الجن لا تسلط لها على الإنسان إلا بالوسوسة والإغواء. كما أننا نجد البيضاوى قد وقع فيما وقع فيه صاحب الكشاف، من ذكره فى نهاية كل سورة حديثاً فى فضلها وما لقارئها من الثواب والأجر عند الله، وقد عرفنا قيمة هذه الأحاديث، وقلنا إنها موضوعة باتفاق أهل الحديث، وليستُ أعرف كيف اغترَّ

стр. 206

بها البيضاوى فرواها وتابع الزمخشرى فى ذكرها عند آخر تفسيره لكل سورة، مع ما له من مكانة علمية، وسيأتى اعتذار بعض الناس عنه فى ذلك، وإن كان اعتذاراً ضعيفاً، لا يكتفى لتبرير هذا العمل الذى لا يليق بعالم كالبيضاوى له قيمته ومكانته. وكذلك استمد البيضاوى تفسيره من التفسير الكبير المسمى بمفاتيح الغيب للفخر الرازى، ومن تفسير الراغب الأصفهانى، وضم لذلك بعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، كما أنه أعمل فيه عقله، فضمنه نكتاً بارعة، ولطائف رائعة، واستنباطات دقيقة، كل هذا فى أسلوب رائع موجز، وعبارة تدُق أحياناً وتخفى إلا على ذى بصيرة ثاقبة، وفطنة نيِّرة. وهو يهتم أحياناً بذكر القراءت، ولكنه لا يلتزم المتواتر منها فيذكر الشاذ، كما أنه يعرض للصناعة النحوية، ولكن بدون توسع واستفاضة، كما أنه يتعرض عند آيات الأحكام لبعض المسائل الفقهية بدون توسع منه فى ذلك، وإن كان يظهر لنا أنه يميل غالباً لتأييد مذهبه وترويجه، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٢٨] من سورة البقرة: ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء﴾ .. يقول ما نصه: وقُروء جمع قُرء، وهو يُطلق للحيض كقوله ﵊: "دَعِى الصلاة أيام أقرائك" وللطُهر الفاصل بين الحيضتين، كقول الأعشى: مورثة مالاً وفى الحى رفعة ... لما ضاع فيها من قُروء نسائكما وأصله الانتقال من الطُهر إلى الحيض، وهو المراد فى الآية، لأنه الدال على براءة الرحم لا الحيض كما قاله الحنفية، لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أى وقت عدّتهن، والطلاق المشروع لا يكون فى الحيض. وأما قوله ﵊: "طلاق الأمَة تطليقتان وعدِتَّها حيضتان"، فلا يُقاوِم ما رواه الشيخان فى قصة ابن عمر: "مُرْهُ فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلّق قبل أن يمس، فتلك العِدَّة التى أمر الله تعالى أن تُطَلَّق لها النساء" ... إلخ. كذلك نجد البيضاوى كثيراً ما يقرر مذهب أهل السُّنَّة ومذهب المعتزلة، عندما يعرض لتفسير آية لها صلة بنقطة من نقط النزاع بينهم. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٢] و [٣] من سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ نراه يعرض لبيان معنى الإيمان والنفاق عند أهل السُّنَّة والمعتزلة والخوراج. بتوسع ظاهر، وترجيح منه لمذهب أهل السُّنَّة.

стр. 207

ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى أول سورة البقرة أيضاً: ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ نراه يتعرض للخلاف الذى بين أهل السُّنَّة والمعتزلة فيما يُطلق عليه اسم الرزق، ويذكر وجهة نظر كل فريق، مع ترجيحه لمذهب أهل السُّنَّة. والبيضاوى ﵀ مُقِّلٌ جداً من ذكر الروايات الإسرائيلية، وهو يُصْدِّر الرواية بقوله: رُوِى، أو قِيل ... إشعاراً منه بضعفها. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٢] من سورة النمل: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ يقول بعد فراغه من تفسيرها: رُوى أنه ﵇ لما أتم بناء بيت المقدس تجهز للحج.. إلى آخر القصة التى يقف البيضاوى بعد روايتها موقف المجوِّز لها. غير القاطع بصحتها، حيث يقول ما نصه: "ولعله فى عجائب قدرة الله وما خصّ به خاصة عباده أشياء أعظم من ذلك، يستكبرها مَن يعرفها، ويستنكرها مَن ينكرها". ثم إن البيضاوى إذا عرض للآيات الكونية، فإنه لا يتركها بدون أن يخوض فى مباحث الكون والطبيعة، ولعل هذه الظاهرة سرت إليه من طريق التفسير الكبير للفخر الرازى، الذى استمد منه كما قلنا. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٠] من سورة الصافات: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ نراه يعرض لحقيقة الشهاب فيقول: الشهاب ما يُرى كأن كوكباً انقض، ثم يرد على مَن يخالف ذلك فيقول: وما قيل إنه بخار يصعد إلى الأثير فيشتعل فتخمين - إن صَحَّ - لم يُناف ذلك".. إلى آخر كلامه فى هذا الموضوع. هذا وأرى أن أسوق لك بعض العبارات الشارحة لمنهج البيضاوى فى تفسيره، والمبيِّنة لمصادره التى رجع إليها واختصره منها، كشاهد على بعض ما ذكرناه من ناحية، وتتميماً للفائدة من ناحية أخرى. قال البيضاوى نفسه فى مقدمة تفسيره هذا بعد الديباجة ما نصه: "ولطالما أحدِّث نفسى بأن أصنِّف فى هذا الفن - يعنى التفسير - كتاباً يحتوى على صفوة ما بلغنى من عظماء الصحابة، وعلماء التابعين ومَن دونهم من السَلَف الصالحين، وينطوى على نِكات بارعة، ولطائف رائعة، استنبطتها أنا ومَن قبلى مِن أفاضل المتأخرين، وأماثل المحققين، ويعرب عن وجوه القراءات المشهورة المَعْزِّية إلى الأئمة الثمانية المشهورين، والشواذ المروية عن القرَّاء المعتبرين، إلاَّ أن قصور بضاعتى يُثبطنى عن الإقدام، ويمنعنى عن الانتصاب فى هذا المقام، حتى سنح لى بعد الاستخارة ما صمم به عزمى على

стр. 208

الشروع فيما أردته، والإتيان بما قصدته، ناوياً أن أسميه بأنوار التنزيل وأسرار التأويل". ويقول فى آخر الكتاب ما نصه: "وقد اتفق إتمام تعليق سواد هذا الكتاب المنطوى على فوائد ذوى الألباب. المشتمل على خلاصة أقوال أكابر الأئمة، وصفوة آراء أعلام الأُمة، فى تفسير القرآن وتحقيق معانيه. والكشف عن عويصات ألفاظه ومعجزات مبانيه، مع الإيجاز الخالى عن الإخلال، والتلخيص العارى عن الإضلال، الموسوم بأنوار التنزيل وأسرار التأويل". وكأنِّى به فى هذه الجملة الأخيرة، يشير إلى أنه اختصر من تفسير الكشاف ولخَّصَ منه، ضمن ما اختصره ولخَّصَهُ من كتب التفسير الأخرى، غير أنه ترك ما فيه من نزعات الضلال، وشطحات الاعتزال. ويقول الجلال السيوطى ﵀ فى حاشيته على هذا التفسير المسماة بـ "نواهد الأبكار وشوارد الأفكار" ما نصه: "وإن القاضى ناصر الدين البيضاوى لخَّصَ هذا الكتاب فأجاد، وأتى بكل مُستجاد، وماز فيه أماكن الاعتزال، وطرح موضع الدسائس وأزال، وحرَّر مُهمات، واستدرك تتمات، فظهر كأنه سبيكه نِضار، واشتهر اشتهار الشمس فى رائعة النهار، وعكف عليه العاكفون، ولهَج بذكر محاسنه الواصفون، وذاق طعم دقائقه العارفون، فأكَبَّ عليه العلماء تدريساً ومطالعة، وبادروا إلى تلقيه بالقبول رغبة فيه ومسارعة". ويقول صاحب كشف الظنون ما نصه: "وتفسيره هذا - يريد تفسير البيضاوى - كتاب عظيم الشأن غنى عن البيان، لخَّصَ فيه من الكشاف ما يتعلق بالإعراب والمعانى والبيان، ومن التفسير الكبير ما يتعلق بالحكمة والكلام، ومن تفسير الراغب ما يتعلق بالاشتقاق وغوامض الحقائق ولطائف الإشارات. وضم إليه ما وَرَّى زناد فكره من الوجوه المعقولة، فجلا رين الشك عن السريرة، وزاد فى العلم بسطة وبصيرة، كما قال مولانا المنشى: أولوا الألباب لم يأتوا ... بكشف قناع ما يُتلى ولكن كان للقاضى ... يد بيضاء لا تُبلى ولكونه متبحراً جال فى ميدان فرسان الكلام، فأظهر مهارته فى العلوم حسبما يليق بالمقام، كشف القناع عن تارة عن وجوه محاسن الإشارة، ومْلح الاستعارة، وهتك

стр. 209

الأستار أخرى عن أسرار المعقولات بيد الحكمة ولسانها. وترجمان المناطقة وميزانها، فحل ما أشْكَلَ على الآنام، وذلَّل لهم صِعاب المرام، وأورد فى المباحث الدقيقة ما يُؤْمَنُ به عن الشُبَه المضلة، وأوضح لهم مناهج الأدلة. والذى ذكره من وجوه التفسير ثانياً أو ثالثاً أو رابعاً بلفظ "قيل"، فهو ضعيف ضعف المرجوح أو ضعف المردود. وأما الوجه الذى تفرَّد فيه، وظن بعضهم أنه مما لا ينبغى أن يكون من الوجوه التفسيرية السُّنِّية، كقوله: وحمل الملائكة العرش وحفيفهم حوله مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له، ونحوه، فهو ظن من لعله يقصر فهمه عن تصور مبانيه، ولا يبلغ علمه إلى الإحاطة بما فيه، فمَن اعترض بمثله على كلامه كأنه ينصب الحبالة للعنقاء، ويروم أن يقنص نسر السماء، لأنه مالك زمام العلوم الدينية، والفنون اليقينية، على مذهب أهل السُّنَّة والجماعة. وقد اعترفوا له قاطبة بالفضل المطلق، وسلَّموا إليه قصب السبق، فكان تفسيره يحتوى فنوناً من العلم وعرة المسالك، وأنواعاً من القواعد المختلفة الطرائق، وقلّ من برز فى فن إلا وصدَّه عن سواه وشغله، والمرء عده لما جهله، فلا يصل إلى مرامه إلا من نظر إليه بعين فكره، وأعمى عين هواه، واستعبد نفسه فى طاعة مولاه، حتى يسلم من الغلط والزلل، ويقتدر على رد السفسطة والجدل. وأما أكثر الأحاديث التى أوردها فى أواخر السور، فإنه لكونه ممن صفت مرآة قلبه، وتعرّض لنفحات ربه، تسامح فيه، وأعرض عن أسباب التجريح والتعديل، ونحا نحو الترغيب والتأويل، عالماً بأنها مما فاه صاحبه بزور، ودلَّى بغرور. ثم إن هذا الكتاب رُزِق من عند الله بحسن القبول عند جمهور الأفاضل والفحولَ، فعكفوا عليه بالدرس والتحشية، فمنهم من علَّق تعليقة على سورة منه، ومنهم مَن حشى تحشية تامة، ومنهم من كتب على بعض مواضع منه".. ثم عَدَّ من هذه الحواشى ما يزيد عدده على الأربعين، ولا أطيل بذكرها، ومَن شاء الاطلاع على ذلك فليرجع إليه فى موضعه الذى أشرتْ إليه، وحسبى أن أقول: إن أشهر هذه الحواشى وأكثرها تداولاً ونفعاً: حاشية قاضى زاده، وحاشية الشهاب الخفاجى، وحاشية القونوى.

стр. 210

وجملة القول.. فالكتاب من أُمهات كتب التفسير، التى لا يستغنى عنها مَن يريد أن يفهم كلام الله تعالى، ويقف على أسراره ومعانيه، وهو مطبوع عدة طبعات، ومتوسط فى حجمه. * * * ٣ - مدارك التنزيل وحقائق التأويل (للنسفى) * التعريف بمؤلف هذا التفسير: مؤلف هذا التفسير، هو أبو البركات، عبد الله بن أحمد بن محمود النسفى الحنفى، أحد الزُّهاد المتأخرين، والأئمة المعتبرين، كان إماماً كاملاً عديم النظير فى زمانه، رأساً فى الفقه والأصول، بارعاً فى الحديث ومعانيه، بصيراً بكتاب الله تعالى، وهو صاحب التصانيف المفيدة المعتبرة فى الفقه والأصول وغيرهما. فمن مؤلفاته: متن الوافى فى الفروع، وشرحه الكافى، وكنز الدقائق فى الفقه أيضاً، والمنار في أصول الفقه، والعُمدة فى أصول الدين، ومدارك التنزيل وحقائق التأويل، وهو التفسير الذى نحن بصدد الكلام عنه، وغير ذلك من المؤلَّفات التى تداولها العلماء، وتناولوها دراسة وبحثاً، وليس هذا التراث العلمى بكثير على رجل تفقَّه على كثير من مشايخ عصره وأخذ عنهم، ومن هؤلاء: شمس الأئمة الكردى وعليه تفقه، وأحمد بن محمد العتابى الذى روى عنه الزيادات. وكانت وفاة النسفى ﵀ سنة ٧٠١ هـ (إحدى وسبعمائة من الهجرة) ، ودفن ببلدة أيذج فرضى الله عنه وأرضاه. * * * التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه: هذا التفسير، اختصره النسفى ﵀ من تفسير البيضاوى ومن الكشاف للزمخشرى، غير أنه ترك ما فى الكشاف من الاعتزالات، وجرى فيه على مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، وهو تفسير وسيط بين الطول والقصر، جمع فيه صاحبه بين وجوه الإعراب والقراءات، وضمنه ما اشتمل عليه الكشاف من النكت البلاغية، والمحسنَّات البديعية، والكشف عن المعانى الدقيقة الخفية، وأورد فيه ما أورده الزمخشرى فى تفسيره من الأسئلة والأجوبة، لكن لا على طريقته من قوله: "فإن قيل ... قلت" بل جعل ذلك فى الغالب كلاماً مدرجاً فى ضمن شرحه للآية، كما أنه لم يقع فيما وقع فيه صاحب الكشاف من ذكره للأحاديث الموضوعة فى فضائل السور.

стр. 211

هذا وقد أورد النسفى فى مقدمة تفسيره عبارة قصيرة، أوضح فيها عن طريقته التى سلكها فيه، وأرى أن أسوقها لك بنصها لتمام الفائدة: قال ﵀: "قد سألنى مَن تتعين إجابته، كتاباً وسطاً فى التأويلات، جامعاً لوجوه، الإعراب والقراءات، متضمناً لدقائق علمى البديع والإشارات، حالياً بأقاويل أهل السُّنَّة والجماعة، خالياً عن أباطيل أهل البدع والضلالة، ليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل، وكنت أُقدِّم فيه رِجْلاً وأؤخر أخرى، استقصاراً لقوة البَشر عن درك هذا الوطر، وأخذاً لسبيل الحذر عن ركوب متن الخطر، حتى شرعتُ فيه بتوفيق الله والعوائق كثيرة، وأتممته فى مدة يسيرة، وسميته بمدارك التنزيل وحقائق التأويل". وقال صاحب كشف الظنون: "اختصره - يعنى تفسير النسفى - الشيخ زين الدين، أبو محمد، عبد الرحمن بن أبى بكر بن العينى، وزاد فيه". ولكن لم يقع فى يدنا هذا المختصر، ولم نظفر به حتى نحكم عليه. قرأتُ فى هذا التفسير فوجدته كما قلت آنفاً موجز العبارة سهل المأخذ، مختصراً من تفسير الكشاف، جامعاً لمحاسنه، متحاشياً لمساوئه، ومن تفسير البيضاوى أيضاً حتى إنه ليأخذ عبارته بنصها أو قريباً منه ويضمنها تفسيره. * * * خوضه فى المسائل النحوية: كذلك وجدته - كما يقول صاحبه - جامعاً بين وجوه الإعراب والقراءات، غير أنه من ناحية الإعراب لا يستطرد كثيراً. ولا يزج بالتفاصيل النحوية فى تفسيره كما يفعل غيره، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢١٧] من سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام﴾ .. الآية. يقول ما نصه: "والمسجد الحرام": عطف على "سبيل الله"، أى وَصَدّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وزعم الفرّاء أنه معطوف على الهاء فى "به"، أى كفر به وبالمسجد الحرام، ولا يجوز عند البصريين العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار،

стр. 212

فلا تقول: مررت به وزيد، ولكن تقول: وبزيد، ولو كان معطوفاً على الهاء هنا لقيل: وكفر به وبالمسجد الحرام". * * * موقفه من القراءات: وأما من ناحية القراءات فهو ملتزم للقراءات السبع المتواترة مع نسبة كل قراءة إلى قارئها. * * * * خوضه فى مسائل الفقه: كذلك عند تفسيره لآية من آيات الأحكام نجده يعرض للمذاهب الفقهية التى لها تعلق وارتباط بالآية، ويوجه الأقوال ولكن بدون توسع. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٢٢] من سورة البقرة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النسآء فِي المحيض وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ . يقول ما نصه: " ... ثم عند أبى حنيفة وأبى يوسف - رحمهما الله - يجتنب ما اشتمل عليه الإزار. ومحمد ﵀ لا يُوجب إلا اعتزال الفَرُج، وقالت عائشة رضى الله عنها: يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك. ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ﴾ مجامعين، أو: ولا تقربوا مجامعتهن ﴿حتى يَطْهُرْنَ﴾ بالتشديد - كوفى غير حفص - أى يغتسلن، وأصله يتطهرن فأدغم التاء فى الطاء لقرب مخرجيهما. غيرهم ﴿يَطْهُرْنَ﴾ أى ينقطع دمهن، والقراءتان كآيتين، فعملنا بهما. وقلنا: له أن يقربها فى أكثر الحيض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل، عملاً بقراءة التخفيف، وفى أقل منه لا يقربها حتى تغتسل أو يمضى عليها وقت الصلاة، عملاً بقراءة التشديد، والحمل على هذا أولى من العكس، لأنه حينئذ يجب ترك العمل بإحداهما لما عُرف. وعند الشافعى ﵀ لا يقربها حتى تطهر وتتطهر، دليله قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ : فجامعوهن، فجمع بينهما.. ". وهو ينتصر لمذهبه الحنفى ويرد على مَنْ خالفه فى كثير من الأحيان، وإن أردت الوقوف على ذلك فارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٢٨] من سورة البقرة: ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء﴾ .. (جـ ١ ص ٨٩) ؛ وعند

стр. 213

تفسيره لقوله تعالى فى الآية (٢٣٧) من سورة البقرة: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح﴾ . (جـ ١ ص ٩٥) وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦] من سورة الطلاق: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ .. الآية، (جـ ٤ ص ٢٠١) . * * * موقفه من الإسرائيليات: ومما نلحظه على هذا التفسير أنه مُقِل جداً فى ذكره للإسرائيليات، وما يذكره من ذلك يمر عليه بدون أن يتعقبه أحياناً، وأحياناً يتعقبه ولا يرتضيه. فمثلاً نجده عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٦] من سورة النمل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ ياأيها الناس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير﴾ يقول: روى أنه صاحب فاختة فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلق لم يُخلقوا، وصاح طاووس فقال: يقول: كما تدين تدان. وصاح هدهد فقال: يقول: استغفروا الله يا مذنبون. وصاح خطاف فقال: يقول: قَدِّموا خيراً تجدوه، وصاحت رخمة فقال: تقول: سبحان ربى الأعلى ملء سمائه وأرضه، وصاح قمرى فأخبر أنه يقول: سبحان ربى الأعلى، وقال: الحدأة تقول: كل شئ هالك إلا الله، والقطاة تقول: مَن سكت سلم، والديك يقول: اذكروا الله يا غافلون، والنسر يقول: يا بن آدم، عِشْ ما شئت آخرك الموت، والعُقاب يقول: فى البُعد عن الناس أُنس. والضفدع يقول: سبحانه ربى القدوس. ثم يتكلم عن قوله تعالى: ﴿وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ بدون أن يتعقب ما ذكره من ذلك كله. ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٥] من سورة النمل أيضاً: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون﴾ .. نراه يذكر خبر هدية بلقيس لسليمان وما كان من امتحانها له، وهو خبر أشبه ما يكون بقصة نسجها خيال شخص مسرف فى تخيله، ومع ذلك فلا يُعَقِّب عليها الإمام النسفى بكلمة واحدة. ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٢١] و [٢٢] فى سورة [ص] : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب * إِذْ دَخَلُواْ على دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ واهدنآ إلى سَوَآءِ الصراط﴾ .. نراه - بعد أن يذكر من الروايات ما لاَ يتنافى مع عصمة داود ﵇ يقول ما نصه: "وما يُحكى أنه بعث مرة بعد مرة أوريا إلى غزوة البلقاء وأحب أن يُقتل

стр. 214

ليتزوجها - يعنى زوجة أوريا - فلا يليق من المتسمين بالصلاح من أفناء الناس، فضلاً عن بعض أعلام الأنبياء، وقال علىّ رضى الله عنه: مَن حدَّثكم بحديث داود ﵇ على ما يرويه القصاص، جلدته مائة وستين، وهو حد الفرية على الأنبياء". ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٤] من سورة [ص] أيضاً: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ﴾ .. نراه يذكر من الروايات ما لا يتنافى مع عصمة سليمان ﵇، ثم يقول ما نصه: "وأما ما يُروى من حديث الخاتم والشيطان، وعبادة الوثن فى بيت سليمان ﵇، فمن أباطيل اليهود". ففى هذه الآية الأخيرة وما قبلها نجد النسفى ﵀ يتصدى للتنبيه والرد على القَصص المكذوب الذى يتنافى مع عصمة الأنبياء، ولا يتساهل هنا كما تساهل فيما مثَّلنا به قبل ذلك، ولعله يرى أن كل ما يمس العقيدة من هذا القَصص يجب التنبيه على عدم صحته، وما لا يمس العقيدة فلا مانع من روايته بدون تعقيب عليه، ما دام يحتمل الصدق والكذب فى ذاته، ولا يتنافى مع العقل أو يتصادم مع الشرع. هذا.. وإن الكتاب لمتداول بين أهل العلم، ومطبوع فى أربعة أجزاء متوسطة الحجم، وقد نَفَّعَ الله به الناس كما نفَّعَهم بغيره من مؤلَّفات النسفى ﵀. * * * ٤ - لُبَاب التأويل فى معانى التنزيل (للخازن) * التعريف بمؤلف هذا التفسير: مؤلف هذا التفسير. هو علاء الدين، أبو الحسن، علىّ بن محمد ابن إبراهيم بن عمر بن خليل الشيحى. البغدادى، الشافعى، الصوفى، المعروف بالخازن. اشتهر بذلك لأنه كان خازن كتب خانقاه السميساطية بدمشق. ولُد ببغداد سنة ٦٧٨ هـ (ثمان وسبعين وستمائة من الهجرة) ، وسمع بها من ابن الدواليبى، وقدم دمشق فسمع من القاسم ابن مظفر ووزيرة بنت عمر، واشتغل بالعلم كثيراً. قال ابن قاضى شهبة: "كان من أهل العلم، جمع وألَّف، وحدَّث ببعض مصنفاته". وقد خَلَّف ﵀ كتباً جمَّة فى فنون مختلفة، فمن ذلك: لُبَاب التأويل فى معانى التنزيل، وهو التفسير الذى نريد الكلام عنه، وشرح عمدة الأحكام، ومقبول المنقول فى عشر مجلدات، جمع فيه بين مسندى الشافعى وأحمد والكتب الستة والموطأ وسنن الدارقطنى، ورتَّبه على الأبواب، وجمع سيرة نبوية مطوَّلة. وكان رحمه الله

стр. 215

صوفياً حسن السمت بشوش الوجه، كثير التودد للناس. توفى سنة ٧٤١ هـ (إحدى وأربعين وسبعمائة من الهجرة) بمدينة حلب، فرحمه الله رحمة واسعة. * * * التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه: هذا التفسير اختصره مؤلفه من معالم التنزيل للبغوى، وضم إلى ذلك ما نقله ولخّصه من تفاسير من تقدَّم عليه، وليس له فيه - كما يقول - سوى النقل والانتخاب، مع حذف الأسانيد وتجنب التطويل والإسهاب. وهو مكثر من رواية التفسير المأثور إلى حد ما، مَعْنِىُّ بتقرير الأحكام وأدلتها، مملوء بالأخبار التاريخية، والقصص الإسرائيلى الذى لا يكاد يسلم كثير منه أمام ميزان العلم الصحيح والعقل السليم، وأرى أن أسوق هنا ما قاله الخازن نفسه فى مقدمة تفسيره، مبيِّناً به طريقته التى سلكها، ومنهجه الذى نهجه فيه، وفيها غِنى عن كل شئ. قال رحمه الله تعالى: ولما كان كتاب معالم التنزيل، الذى صنَّفه الشيخ الجليل، والحَبْر النبيل، الإمام العالم محيى السُّنَّة، قدوة الأُمة، وإمام الأئمة، مفتى الفِرق، ناصر الحديث، ظهير الدين، أبو محمد الحسين ابن مسعود البغوى - قدَّس الله روحه، ونوَّر ضريحه - مِن أجَّلِّ المصنفات فى علم التفسير وأعلاها، وأنبلها وأسناها. جامعاً للصحيح من الأقاويل، عارياً عن الشُبه والتصحيف والتبديل، محلىّ بالأحاديث النبوية، مطرزاً بالأحكام الشرعية، موشىً بالقَصص الغريبة، وأخبار الماضين العجيبة، مُرصعاً بأحسن الإشارات، مخرجاً بأوضح العبارات، مُفرغاً فى قالب الجمال بأفصح مقال، فرحم الله تعالى مُصنِّفه وأجزل ثوابه. وجعل الجنة متقلبه ومآبه. لما كان هذا كتاب كما وصفتُ، أحببتُ أن أنتخب من غُرَرِ فوائده، ودُرَرِ فرائده، وزواهر نصوصه، وجواهر فصوصه، مختصراً جامعاً لمعانى التفسير، ولُباب التأويل والتعبير، حاوياً لخلاصة منقوله، متضمناً لنكته وأصوله، مع فوائد نقلتها، وفرائد لخَّصتها من كتب التفسير المصنَّفة، فى سائر علومه المؤلَّفة، ولم أجعل لنفسى تصرفاً سوى النقل والانتخاب، مجتنباً حد التطويل والإسهاب، وحذفتُ منه الإسناد لأنه أقرب إلى تحصيل المراد، فما أوردتُ فيه من الأحاديث النبوية والأخبار المصطفوية، على تفسير آية أو بيان حكم - فإن الكتاب يُطلب بيانه من السُّنَّة، وعليها مدار الشرع وأحكام الدين - عزوتُه إلى مخرجه، وبيَّنتُ اسم ناقله، وجعلتُ عوض كل اسم حرفاً يُعرف به، ليهون على الطالب طلبه. فما كان من صحيح أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى فعلامته قبل ذكر الصحابى الراوى للحديث (خ) . وما كان من صحيح أبى الحسين مسلم ابن الحجاج
следующие страницы →