Полный текст (774 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أشهر ما دُوِّنَ من كتب التفسير المأثور وخصائص هذه الكتب
لا نريد أن نستقصى هنا جميع الكتب المدوَّنة فى التفسير المأثور، لأن هذا أمر لا يتيسر لنا، نظراً لعدم وقوع كثير منها فى أيدينا. ولو تيسر لنا لوقفت عند عزمى هذا: وهو أنى لا أتعرض لكل كتاب أُلِّفَ فى هذا النوع من التفسير، بل أتكلم عما اشتهر وكثر تداوله فحسب، لأنى لو ذهبت أتكلم عن جميع ما دُوِّن من هذه الكتب، كتاباً كتاباً، لطال علىَّ الأمر، والرسول ﷺ يقول: "إن المُنْبَتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى".
لهذا رأيت أن أتكلم عن ثمانية كتب منها، هى أهمها وأشهرها وأكثرها تداولاً، وسبيلى فى هذا: أن أعرض أولاً لنبذة مختصرة عن المؤلف، ثم أُبيِّن خصائص كل كتاب وطريقة مؤلفه فيه، وهذه الكتب التى وقع عليها اختيارى هى ما يأتى:
١ - جامع البيان فى تفسير القرآن: لابن جرير الطبرى
٢ - بحر العلوم: لأبى الليث السمرقندى
٣ - الكشف والبيان عن تفسير القرآن: لأبى إسحاق الثعلبى
٤ - معالم التنزيل: لأبى محمد الحسين البغوى
٥ - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز: لابن عطية الأندلسى.
٦ - تفسير القرآن العظيم: لأبى الفداء الحافظ ابن كثير
٧ - الجواهر الحسان فى تفسير القرآن: لعبد الرحمن الثعالبى
٨ - الدر المنثور فى التفسير المأثور: لجلال الدين السيوطى
وسنتكلم عن كل واحد منها بحسب هذا الترتيب فنقول وبالله التوفيق:
١- جامع البيان فى تفسير القرآن (للطبرى)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير، هو أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير ابن غالب الطبرى، الإمام الجليل، المجتهد المطلق، صاحب التصانيف المشهورة، وهو من أهل آمل طبرستان، وُلِدَ بها سنة ٢٢٤ هـ (أربع وعشرين ومائتين من الهجرة) ، ورحل من بلده فى طلب العلم وهو ابن اثنتى عشرة سنة، سنة ٢٣٦ هـ (ست وثلاثين ومائتين) ، وطوَّف فى الأقاليم، فسُمِعَ بمصر والشام والعراق، ثم ألقى عصاه واستقر ببغداد، وبقى بها إلى أن مات سنة ٣١٠ هـ (عشر وثلاثمائة من الهجرة) .
* *
* مبلغه من العلم والعدالة:
كان ابن جرير أحد الأئمة الأعلام، يُحكم بقوله، ويُرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظاَ لكتاب
стр. 142
الله، بصيراً بالقرآن، عارفاً بالمعانى، فقيهاً فى أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم مِنَ المخالفين فى الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفاً بأيام الناس وأخبارهم، هذا هو ابن جرير فى نظر الخطيب البغدادى وهى شهادة عالِم خبير بأحوال الرجال. وذُكِرَ أن أبا العباس بن سريج كان يقول: محمد بن جرير فقيه عالِم. وهذه الشهادة جد صادقة، فإن الرجل برع فى علوم كثيرة، منها: علم القراءات، والتفسير، والحديث، والفقه. والتاريخ وقد صَنَّف فى علوم كثيرة وأبدع التأليف وأجاد فيما صنَّف، فمن مصنفاته: كتاب التفسير الذى نحن بصدده. وكتاب التاريخ المعروف بتاريخ الأمم والملوك، وهو من أُمهات المراجع، وكتاب القراءات، والعدد والتنزيل، وكتاب اختلاف العلماء، وتاريخ الرجال من الصحابة والتابعين، وكتاب أحكام شرائع الإسلام، ألَّفه على ما أدَّاه إليه اجتهاده، وكتاب التبصر فى أصول الدين ... وغير هذا كثير من تصانيفه التى تدل على سعة علمه وغزارة فضله.
ولكن هذه الكتب قد اختفى معظمها من زمن بعيد، ولم يحظ منها بالبقاء إلى يومنا هذا وبالشهرة الواسعة، سوى كتاب التفسير، وكتاب التاريخ.
وقد اعتُبِر الطبرى أباً للتفسير. كما اعتُبِر أباً للتاريخ الإسلامى، وذلك بالنظر لما فى هذين الكتابين من الناحية العلمية العالية. ويقول ابن خلكان: إنه كان من الأئمة المجتهدين، لم يقلدا أحداً، ونُقِل أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازى ذكره فى طبقات الفقهاء فى جملة المجتهدين. قالوا: وله مذهب معروف، وأصحاب ينتحلون مذهبه يقال لهم "الجريرية"، ولكن هذا المذهب الذى أسسه - على ما يظهر - بعد بحث طويل، ووجد له أتباعاً من الناس، لم يستطع البقاء إلى يومنا هذا كغيره من مذاهب المسلمين، ويظهر أن ابن جرير كان قبل أن يبلغ هذه الدرجة من الاجتهاد متُمذهباً بمذهب الشافعى، يدلنا على ذلك ما جاء فى الطبقات الكبرى لابن السبكى، من أن ابن جرير قال: أظهرتُ فقه الشافعى، وأفتيتُ به ببغداد عشر سنين، وتلقاه منى ابن بشار الأحول، أستاذ أبى العباس بن سريج. وقال السيوطى فى طبقات المفسِّرين: وكان أولاً شافعياً ثم انفرد بمذهب مستقل، وأقاويل واختيارات، وله أتباع مقلِّدون، وله فى الأصول والفروع كتب كثيرة.
وذكره صاحب لسان الميزان فقال: "ثقة، صادق، فيه تشيع يسير، وموالاة لا تضر ... " ثم قال: أقذع أحمد بن على السليمانى الحافظ فقال: كان يضع للروافض، وهذا رجم بالظن الكاذب، بل ابن جرير من كبار أئمة الإسلام المعتمدين، وما ندَّعى
стр. 143
عصمته من الخطأ، ولا يحل لنا أن نؤذيه بالباطل والهوى، فإن كلام العلماء بعضهم فى بعض ينبغى أن يُتأتَّى فيه، ولا سيما فى مثل إمام كبير، ولعل السليمانى أراد الآتى - يريد محمد ابن جرير بن رستم الطبرى الرافضى - قال: ولو حلفتُ أن السليمانى ما أراد إلا الآتى لبررت، والسليمانى حافظ متقن، كان يدرى ما يخرج من رأسه، فلا أعتقد أنه يطعن فى مثل هذا الإمام بهذا الباطل".
هذا هو ابن جرير، وهذه هى نظرات العلماء إليه، وذلك هو حكمهم عليه، ومن كل ذلك تتبين لنا قيمته ومكانته.
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
يعتبر تفسير ابن جرير من أقوم التفاسير وأشهرها، كما يعتبر المرجع الأول عند المفسِّرين الذين عنوا بالتفسير النقلى، وإن كان فى الوقت نفسه يُعتبر مرجعاً غير قليل الأهمية من مراجع التفسير العقلى، نظراً لما فيه من الاستنباط، وتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، ترجيحاً يعتمد على النظر العقلى، والبحث الحر الدقيق.
ويقع تفسير ابن جرير فى ثلاثين جزءاً من الحجم الكبير، وقد كان هذا الكتاب من عهد قريب يكاد يُعتبر مفقوداً لا وجود له، ثم قدَّر الله له الظهور والتداول، فكانت مفاجأة سارة للأوساط العلمية فى الشرق والغرب أن وُجِدَت فى حيازة أمير "حائل" الأمير حمود ابن الأمير عبد الرشيد من أمراء نجد نسخة مخطوطة كاملة من هذا الكتاب، طُبِع عليها الكتاب من زمن قريب، فأصبحت فى يدنا دائرة معارف غنية فى التفسير المأثور.
ولو أننا تتبعنا ما قاله العلماء فى تفسير ابن جرير، لوجدنا أن الباحثين فى الشرق والغرب قد أجمعوا الحكم على عظيم قيمته، واتفقوا على أنه مرجع لا غِنَى عنه لطالب التفسير، فقد قال السيوطى رضى الله عنه: "وكتابه - يعنى تفسير محمد بن جرير - أجَّل التفاسير وأعظمها، فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب، والاستنباط، فهو يفوق بذلك على تفاسير الأقدمين". وقال النووى: "أجمعت الأُمة على أنه لم يُصنَّف مثل تفسير الطبرى" وقال أبو حامد الإسفرايينى: "لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل على كتاب تفسير محمد بن
стр. 144
جرير لم يكن ذلك كثيراً"، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما التفاسير التى فى أيدى الناس، فأصحها تفسير ابن جرير الطبرى، فإنه يذكر مقالات السَلَف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين، كمقاتل بن بكير والكلبى".
ويذكر صاحب لسان الميزان: أن ابن خزيمة استعار تفسير ابن جرير من ابن خالويه فرده بعد سنين ثم قال: "نظرتُ فيه من أوله إلى آخره فما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير" فابن خزيمة ما شهد هذه الشهادة إلا بعد أن اطلع على ما فى هذا التفسير من علم واسع غزير.
وهذا قد كتب "نولدكه" فى سنة ١٨٦٠ بعد اطلاعه على بعض فقرات من هذا الكتاب: "لو كان بيدنا هذا الكتاب لاستغنينا به عن كل التفاسير المتأخرة، ومع الأسف فقد كان يظهر أنه مفقود تماماً، وكان مثل تاريخه الكبير مرجعاً لا يغيض معينه أخذ عنه المتأخرون معارفهم".
ويظهر مما بأيدينا من المراجع، أن هذا التفسير كان أوسع مما هو عليه اليوم، اختصر مؤلفه إلى هذا القدر الذى هو عليه الآن، كما أن كتابه فى التاريخ ظفر بمثل هذا البسط والاختصار، فابن السبكى يذكر فى طبقاته الكبرى: "أن أبا جعفر قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟، فقال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا ربما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره فى نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟، قالوا: كم قدره؟، فذكر نحواً مما ذكره فى التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنَّا لله، ماتت الهمم.. فاختصره فى نحو ما اختصر التفسير".
وهذا ونستطيع أن نقول إن تفسير ابن جرير هو التفسير الذى له الأوَّلية بين كتب التفسير، أوَّلية زمنية، وأوَّلية من ناحية الفن والصناعة.
أما أوَّليته الزمنية، فلأنه أقدم كتاب فى التفسير وصل إلينا، وما سبقه من
стр. 145
المحاولات التفسيرية ذهبت بمرور الزمن، ولم يصل إلينا شئ منها، اللَّهم إلا ما وصل إلينا منها فى ثنايا ذلك الكتاب الخالد الذى نحن بصدده.
وأما أوَّليته من ناحية الفن والصناعة، فذلك أمر يرجع إلى ما يمتاز به الكتاب من الطريقة البديعة التى سلكها فيه مؤلفه، حتى أخرجه للناس كتاباً له قيمته ومكانته.
ونريد أن نعطى هنا مثالاً لطريقة ابن جرير فى تفسيره، بعد أن أخذنا فكرة عامة عن الكتاب، حتى يتبين للقارئ أن الكتاب واحد فى بابه، سبق به مؤلفه غيره من المفسِّرين، فكان عمدة المتأخرين، ومرجعاً مهماً من مراجع المفسِّرين، على اختلاف مذاهبهم، وتعدد طرائقهم، فنقول:
* طريقة ابن جرير فى تفسيره:
تتجلَّى طريقة ابن جرير فى تفسيره بكل وضوح إذا نحن قرأنا فيه وقطعنا فى القراءة شوطاً بعيداً، فأول ما نشاهده، أنه إذا أراد أن يفسِّر الآية من القرآن يقول: "القول فى تأويل قوله تعالى كذا وكذا" ثم يفسِّر الآية ويستشهد على ما قاله بما يرويه بسنده إلى الصحابة أو التابعين من التفسير المأثور عنهم فى هذه الآية، وإذا كان فى الآية قولان أو أكثر، فإنه يعرض لكل ما قيل فيها، ويستشهد على كل قول بما يرويه فى ذلك عن الصحابة أو التابعين.
ثم هو لا يقتصر على مجرد الرواية، بل نجده يتعرض لتوجيه الأقوال، ويرجح بعضها على بعض، كما نجده يتعرض لناحية الإعراب إن دعت الحال إلى ذلك، كما أنه يستنبط الأحكام التى يمكن أن تؤخذ من الآية، مع توجيه الأدلة وترجيح ما يختار.
* إنكاره على مَن يفسِّر بمجرد الرأى:
ثم هو يخاصم بقوة أصحاب الرأى المستقلين فى التفكير، ولا يزال يُشدِّد فى ضرورة الرجوع إلى العلم الراجع إلى الصحابة أو التابعين، والمنقول عنهم نقلاً صحيحاً مستفيضاً، ويرى أن ذلك وحده هو علامة التفسير الصحيح، فمثلاً عندما تكلَّم عن قوله تعالى فى الآية [٤٩] من سورة يوسف: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ الناس وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ .. نجده يذكر ما ورد فى تفسيرها عن السَلَف مع توجيهه للأقوال وتعرّضه للقراءات بقدر ما يحتاج إليه تفسير الآية، ثم يعرج بعد ذلك على مَنْ يفسِّر القرآن برأيه، وبدون اعتماد منه على شئ إلا على مجرد اللغة، فيفند قوله، ويبطل رأيه، فيقل ما نصه: " ... وكان بعض مَن لا علم له بأقوال السَلَف من أهل التأويل، ممن يُفسِّر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ .. إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه مِنَ العصر، والعصر التى بمعنى المنجاة، من قول أبى زبيد الطائى:
стр. 146
صادياً يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود
أى المقهور - ومِنْ قول لبيد:
فبات وأسرى القوم آخر ليلهم ... وما كان وقافاً بغير معصر
وذلك تأويل يكفى من الشهادة على خطئه خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين".
وكثيراً ما يقف ابن جرير مثل هذا الموقف حيال ما يروى عن مجاهد أو الضحاك أو غيرهما ممن يروون عن ابن عباس.
فمثلاً عند قوله تعالى فى الآية [٦٥] من سورة البقرة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ .. يقول ما نصه: "حدَّثنى المثنى، قال. حدَّثنا أبو حذيفة، قال: حدَّثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال: "مُسِخَتَ قلوبهم ولم يمُسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم، كمثل الحمار يحمل أسفاراً".
ثم يعقب ابن جرير بعد ذلك على قول مجاهد فيقول ما نصه: "وهذا القول الذى قاله مجاهد، قول لظاهر ما دلَّ عليه كتاب الله مخالف" ... . الخ.
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى: فى الآية: [٢٢٩] من سورة البقرة أيضاً: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فأولائك هُمُ الظالمون﴾ .. نجده يروى عن الضحاك فى معنى هذه الآية: أنَ مَنْ طلَّق لغير العِدَّة فقد اعتدى وظلم نفسه، ومَنْ يتعدَّ حدود الله فأولئك هم الظالمون. ثم يقول: "وهذا الذى ذُكر عن الضحاك لا معنى له فى هذا الموضع، لأنه لم يجر للطلاق فى العِدَّة ذكر فيقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ﴾ ، وإنما جرى ذكر العدد الذى يكون للمطلِّق فيه الرجعة والذى لا يكون له فيه الرجعة، دون ذكر البيان عن الطلاق للعِدَّة".
... وهكذا نجد ابن جرير فى غير موضع من تفسيره، ينبرى للرد على مثل هذه الآراء التى لا تستند على شئ إلا على مجرد الرأى أو محض اللغة.
* *
* موقفه من الأسانيد:
ثم إن ابن جرير وإن التزم فى تفسيره ذكر الروايات بأسانيدها، إلا أنه فى الأعم الأغلب لا يتعقب الأسانيد بتصحيح ولا تضعيف، لأنه كان يرى - كما هو مقرر فى أصول الحديث - أنَّ مَن أسند لك فقد حملك البحث عن رجال السند ومعرفة مبلغهم من العدالة أو الجرح، فهو بعمله هذا قد خرج من العهدة، ومع ذلك فابن جرير
стр. 147
يقف من السند أحياناً موقف الناقد البصير، فيُعَدِّل مَنْ يُعَدِّل مِن رجال الإسناد، ويُجرِّح مَنْ يُجَرِّح منهم، ويرد الرواية التى لا يثق بصحتها، ويُصرِّح برأيه فيها بما يناسبها، فمثلاً نجده عنده تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٩٤] من سورة الكهف: ﴿ ... فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ .. يقول ما نصه: "رُوِى عن عكرمة فى ذلك - يعنى فى ضم سين " سداً" وفتحها - ما حدَّثنا به أحمد بن يوسف.
قال: حدَّثنا القاسم، قال: حدَّثنا حجاج، عن هارون، عن أيوب، عن عِكرمة قال: ما كان من صنعة بنى آدم فهو السَّد - يعنى بفتح السين، وما كان من صنع الله فهو السُّد، ثم يعقب على هذا السند فيقول: وأما ما ذكره عن عِكرمة فى ذلك، فإنَّ الذى نقلَ عن أيوب: "هارون"، وفى نقله نظر، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقاة أصحابه".
* *
* تقديره للإجماع:
كذلك نجد ابن جرير فى تفسيره يُقَدِّر إجماع الأُمَّة، ويعطيه سلطاناً كبيراً فى اختيار ما يذهب إليه من التفسير، فمثلاً عند قوله تعالى فى الآية [٢٣٠] من سورة البقرة: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ .. يقول ما نصه: "فإن قال قائل: فأى النكاحين عَنِىَ الله بقوله: ﴿فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ ؟ النكاح الذى هو جِماع؟ أم النكاح الذى هو عقد تزويج؟ قيل: كلاهما، وذلك أن المرأة إذا نكحت زوجاً نكاح تزويج ثم لم يطأها فى ذلك النكاح ناكحها ولم يجامعها حتى يُطلِّقها لم تحل للأول، وكذلك إن وطئها واطئ بغير نكاح لم تحل للأول، لإجماع الأُمَّة جميعاً، فإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن تأويل قوله: ﴿فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ ، نكاحاً صحيحاً، ثم يجامعها فيه، ثم يُطلِّقها، فإن قال: فإن ذكر الجِماع غير موجود فى كتاب الله تعالى ذكره، فما الدلالة على أن معناه ما قلت؟ قيل: الدلالة على ذلك إجماع الأُمَّة جميعاً على أن ذلك معناه".
* موقفه من القراءات:
كذلك نجد ابن جرير يعنى بذكر القراءات وينزلها على المعانى المختلفة، وكثيراً ما يرد القراءات التى لا تعتمد على الأئمة الذين يعتُبرون عنده وعند علماء القراءت حُجَّة، والتى تقوم على أُصول مضطربة مما يكون فيه تغيير وتبديل لكتاب الله، ثم يتبع ذلك برأيه فى آخر الأمر مع توجيه رأيه بالأسباب، فمثلاً عند قوله تعالى فى الآية [٨١] من سورة الأنبياء: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً﴾ .. يذكر أن عامة قُرَّاء الأمصار قرأوا "الريحَ"
стр. 148
بالنصب على أنها مفعول لـ "سخَّرنا" المحذوف، وأن عبد الرحمن الأعرج قرأ "الريحُ" بالرفع على أنها مبتدأ ثم يقول: والقراءة التى لا أستجيز القراءة بغيرها فى ذلك ما عليه قُرَّاء الأمصار لإجماع الحُجَّة من القُرّاء عليه.
ولقد يرجع السبب فى عناية ابن جرير بالقراءات وتوجيهها إلى أنه كان من علماء القراءات المشهورين، حتى إنهم ليقولون عنه: إنه ألَّف فيها مؤلَّفاً خاصاً فى ثمانية عشر مجلداً، ذكر فيه جميع القراءات من المشهور والشواذ وعلَّل ذلك وشرحه، واختار منها قراءة لم يخرج بها عن المشهور، وإن كان هذا الكتاب قد ضاع بمرور الزمن ولم يصل إلى أيدينا، شأن الكثير من مؤلفاته.
* *
*موقفه من الإسرائيليات:
ثم إننا نجد ابن جرير يأتى فى تفسيره بأخبار مأخوذة من القصص الإسرائيلى، يرويها بإسناده إلى كعب الأحبار، ووهب بن منبِّه، وابن جريج، والسدى، وغيرهم، ونراه ينقل عن محمد بن إسحاق كثيراً مما رواه عن مسلمة النصارى. ومن الأسانيد التى تسترعى النظر، هذا الإسناد: حدَّثنى ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق عن أبى عتاب - رجل من تغلب - كان نصرانياً عمراً من دهره ثم أسلم بعد فقرأ القرآن وفقه فى الدين، وكان فيما ذكر، أنه كان نصرانياً أربعين سنة ثم عمر فى الإسلام أربعين سنة.
يذكر ابن جرير هذا الإسناد، ويروى لهذا الرجل النصرانى الأصل خبراً عن آخر أنبياء بنى إسرائيل، عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٧] من سورة الإسراء: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً﴾ .
كما نراه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٩٤] من سورة الكهف: ﴿قَالُواْ ياذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرض﴾ .. الآية.. يسوق هذا الإسناد: حدَّثنا ابن حميد قال: حدَّثنا سلمة قال: حدَّثنا محمد ابن إسحاق قال: حدَّثنى بعض مَنْ يسوق أحاديث الأعاجم من أهل الكتاب ممن قد أسلم، مما توارثوا من علم ذى القرنين أنَّ ذا القرنين كان رجلاً من أهل مصر، اسمه مرزبا بن مردبة اليونانى من ولد يونن بن يافث بن نوح.. إلخ".
... وهكذا يُكثر ابن جرير من رواية الإسرائيليات، ولعل هذا راجع إلى ما تأثَّر به من الروايات التاريخية التى عالجها فى بحوثه التاريخية الواسعة.
стр. 149
وإذا كان ابن جرير يتعقب كثيراً من هذه الروايات بالنقد، فتفسيره لا يزال يحتاج إلى النقد الفاحص الشامل، احتياج كثير من كتب التفسير التى اشتملت على الموضوع والقصص الإسرائيلى، على أن ابن جرير - كما قدَّمنا - قد ذكر لنا السند بتمامه فى كل رواية يرويها، وبذلك يكون قد خرج من العهدة، وعلينا نحن أن ننظر فى السند ونتفقد الروايات.
* *
*انصرافه عما لا فائدة فيه:
ومما يلفت النظر فى تفسير ابن جرير أن مؤلِّفه لا يهتم فيه -كما يهتم غيره من المفسِّرين - بالأمور التى لا تغنى ولا تفيد، فنراه مثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى سورة المائدة: ﴿إِذْ قَالَ الحواريون ياعيسى ابن مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء ... ... .﴾ الآيات إلى قوله: ﴿وارزقنا وَأَنتَ خَيْرُ الرازقين﴾ [١١٢-١١٤] .. يعرض لذكر ما ورد من الروايات فى نوع الطعام الذى نزلت به مائدة السماء.. ثم يُعقِّب على هذا بقوله: "وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة فأن يقال: كان عليها مأكول، وجائز أن يكون سمكاً وخبزاً، وجائز أن يكون ثمراً من الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقرَّ تالى الآية بظاهر ما احتمله التنزيل".
كما نراه عند تفسير قوله تعالى فى الآية [٢٠] من سورة يوسف: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين﴾ .. يعرض لمحاولات قدماء المفسِّرين فى تحديد عدد الدراهم، هل هى عشرون؟ أو اثنان وعشرون؟ أو أربعون؟.. إلى آخر ما ذكره من الروايات.. ثم يُعقِّب على ذلك كله بقوله: "والصواب من القول أن يقال: إنَّ الله - تعالى ذكره - أخبر أنهم باعوه بدراهم معدودة غير موزونة، ولم يحد مبلغ ذلك بوزن ولا عدد، ولا وضع عليه دلالة فى كتاب ولا خبر من الرسول ﷺ ، وقد يحتمل أن يكون كان اثنين وعشرين، وأن يكون كان أربعون، وأقل من ذلك وأكثر، وأى ذلك فإنها كانت معدودة غير موزونة، وليس فى العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع فى دين، ولا فى الجهل به دخول ضُرٍّ فيه، والإيمان بظاهر التنزيل فرض، وما عداه فموضوع عنا تكلف علمه"
* *
*احتكامه إلى المعروف من كلام العرب:
وثمة أمر آخر سلكه ابن جرير فى كتابه، ذلك أنه اعتبر الاستعمالات اللغوية بجانب النقول المأثورة وجعلها مرجعاً موثوقاً به عند تفسيره للعبارات المشكوك فيها، وترجيح بعض الأقوال على بعض.
стр. 150
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٠] من سورة هود: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التنور قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾ .. الآية - نراه يعرض لذكر الروايات عن السَلَف فى معنى لفظ "التنور"، فيروى لنا قول مَنْ قال: إن التنور عبارة عن وجه الأرض، وقول مَنْ قال: إنه عبارة عن تنوير الصبح، وقول مَنْ قال: إنه عبارة عن أعلى الأرض وأشرفها، وقول مَنْ قال: إنه عبارة عما يُختبز فيه.. ثم يقول بعد أن يفرغ من هذا كله: "وأَوْلى هذه الأقوال عندنا بتأويل قوله "التنور" قول مَنْ قال: التنور: الذى يُختبز فيه، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يُوَّجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حُجَّة على شئ منه بخلاف ذلك فيُسلَّم لها، وذلك أنه جَلَّ ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به لإفهامهم معنى ما خاطبهم به ... "
* *
* رجوعه إلى الشِعر القديم:
كذلك نجد ابن جرير يرجع إلى شواهد من الشِعر القديم بشكل واسع، متبعاً فى هذا ما أثاره ابن عباس فى ذلك، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٢] من سورة البقرة: ﴿ ... فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ .. يقول ما نصه: قال أبو جعفر: والأنداد جمع ند، والند: العَدل والمثل، كما قال حسان ابن ثابت:
أتهجوهُ وليستَ له بندٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيرِكُما الفِدَاءُ
يعنى بقوله: "وليستَ له بندٍ": "ليست له بمثل ولا عدل، وكل شئ كان نظيراً لشئ وشبيهاً فهو له ند" ثم يسوق الروايات عمن قال ذلك من السَلَف.
* *
* اهتمامه بالمذاهب النحوية:
كذلك نجد ابن جرير يتعرَّض كثيراً لمذاهب النحويين من البصريين والكوفيين فى النحو والصرف، ويوجه الأقوال، تارة على المذهب البصرى، وأخرى على المذهب الكوفى، فمثلاً عند قوله تعالى فى الآية [١٨] من سورة إبراهيم: ﴿مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ .. يقول ما نصه: "اختلف أهل العربية فى رافع "مثل" فقال بعض نحويى البصرة: إنما هو كأنه قال: ومما نَقُصُّ عليكم مَثَل الذين كفروا، ثم أقبل يُفسِّره كما قال: مثل الجنة.. وهذا كثير. وقال بعض نحويى الكوفيين: إنما المَثَل للأعمال، ولكن العرب تُقَدِّم الأسماء لأنها أعرف، ثم تأتى بالخبر الذى تُخْبر عنه مع صاحبه، ومعنى الكلام: مَثَلُ أعمال الذين كفروا بربهم كرماد.. إلخ".
стр. 151
وهكذا يُكثر ابن جرير فى مناسبات متعددة من الاحتكام إلى ما هو معروف من لغة العرب، ومن الرجوع إلى الشِعر القديم يستشهد به على ما يقول، ومن التعرض للمذاهب النحوية عند ما تمس الحاجة، مما جعل الكتاب يحتوى على جملة كبيرة من المعالجات اللغوية والنحوية التى أكسبت الكتاب شهرة عظيمة.
والحق أنَّ ما قدَّمه لنا ابن جرير فى تفسيره من البحوث اللغوية المتعددة والتى تعتبر كنزاً ثميناً ومرجعاً مهماً فى بابها، أمر يرجع إلى ما كان عليه صاحبنا من المعرفة الواسعة بعلوم اللغة وأشعار العرب، معرفة لا تقل عن معرفته بالدين والتاريخ. ونرى أن ننبه هنا إلى أن هذه البحوث اللغوية التى عالجها ابن جرير فى تفسيره لم تكن أمراً مقصوداً لذاته، وإنما كانت وسيلة للتفسير، على معنى أنه يتوصل بذلك إلى ترجيح بعض الأقوال على بعض، كما يحاول بذلك - أحياناً - أن يوفق بين ما صح عن السَلَف وبين المعارف اللغوية بحيث يزيل ما يُتوهم من التناقض بينهما.
* *
* معالجته للأحكام الفقهية:
كذلك نجد فى هذا التفسير آثاراً للأحكام الفقهية، يعالج فيها ابن جرير أقوال العلماء ومذاهبهم، ويخلص من ذلك كله برأى يختاره لنفسه، ويرجحه بالأدلة العلمية القيمة، فمثلاً نجده عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٨] من سورة النحل: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ .. نجده يعرض لأقوال العلماء فى حكم أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، ويذكر قول كل قائل بسنده ... وأخيراً يختار قول مَنْ قال: إن الآية لا تدل على حُرْمة شئ من ذلك، ووجَّه اختياره هذا فقال ما نصه: "والصواب مِنَ القول فى ذلك عندنا ما قاله أهل القول الثانى - وهو أن الآية لا تدل على الحُرْمة - وذلك أنه لو كان فى قوله - تعالى ذكره - ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ دلالة على أنها لا تصلح إذا كانت للركوب للأكل، لكان فى قوله: ﴿فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ دلالة على أنها لا تصلح إذ كانت للأكل والدفء للركوب. وفى إجماع الجميع على أنَّ ركوب ما قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ جائز حلال غير حرام، دليل واضح على أن أكل ما قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ جائز حلال غير حرام، إلا بما نص على تحريمه، أو وضع على تحريمه دلالة من كتاب أو وحى إلى رسول الله ﷺ ، فأما بهذه الآية فلا يحرم أكل شئ. وقد وضع الدلالة على تحريم لحوم الحُمُر الأهلية بوحيه إلى رسول الله ﷺ ، وعلى البغال بما قد بيَّنا فى كتابنا "كتاب الأطعمة" بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع، إذ لم يكن هذا الموضع من مواضع البيان
стр. 152
عن تحريم ذلك، وإنما ذكرنا ما ذكرنا ليدل على أن لا وجه لقول مَن استدَّل بهذه الآية على تحريم لحم الفرس".
* *
* خوضه فى مسائل الكلام:
ولا يفوتنا أن ننبه على ما نلحظه فى هذا التفسير الكبير، من تعرض صاحبه لبعض النواحى الكلامية عند كثير من آيات القرآن، مما يشهد له بأنه كان عالماً ممتازاً فى أمور العقيدة، فهو إذا ما طبَّق أصول العقائد على ما يتفق مع الآية أفاد فى تطبيقه، وإذا ناقش بعض الآراء الكلامية أجاد فى مناقشته، وهو فى جدله الكلامى وتطبيقه ومناقشته، موافق لأهل السُّنَّة فى آرائهم، ويظهر ذلك جلياً فى رده على القدرية فى مسألة الاختيار.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى آخر سورة الفاتحة آية [٧] : ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين﴾ .. نراه يقول ما نصه: "وقد ظن بعض أهل الغباء من القَدَرية أن فى وصف الله جَلَّ ثناؤه النصارى بالضلال بقوله: ﴿وَلاَ الضآلين﴾ وإضافة الضلال إليهم دون إضافة إضلالهم إلى نفسه، وتركه وصفهم بأنهم المضللون كالذى وصف به اليهود أنه مغضوب عليهم، دلالة على صحة ما قاله إخوانه من جهلة القَدَرية، جهلاً منه بسعة كلام العرب وتصاريف وجوهه. ولو كان الأمر على ما ظنه الغبى الذى وصفنا شأنه، لوجب أن يكون كل موصوف بصفة أو مضاف إليه فعل لا يجوز أن يكون فيه سبب لغيره، وأن يكون كل ما كان فيه من ذلك من فعله، ولوجب أن يكون خطأ قول القائل: تحركت الشجرة إذا حرَّكتها الرياح، واضطربت الأرض إذا حرَّكتها الزلزلة، وما أشبه ذلك من الكلام الذى يطول بإحصائه الكتاب، وفى قوله جَلَّ ثناؤه: ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] وإن كان جريها بإجراء غيرها إياها، ما يدل على خطأَ التأويل الَذَى تأوَّله مَن وصفنا قوله فى قوله: ﴿وَلاَ الضآلين﴾ .. وادعائه أن فى نسبة الله جَلَّ ثناؤه الضلالة إلى مَن نسبها إليه من النصارى تصحيحاً لما ادَّعى المنكرون أن يكوِّن الله جَلَّ ثناؤه في أفعال خلقه بسبب من أجلها وجدت أفعالهم، مع إبانة الله عَزَّ ذكره نصاً فى آى كثيرة من تنزيله: أنه المضل الهادى، فمن ذلك قوله جَلَّ ثناؤه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلاهه هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] .. فأنبأ جَلَّ ذكره أنه المِضِّلُ الهادى دونَ غيره، ولكن القرآن نزل بلسان العرب على ما قدَّمنا البيان عنه فى أول الكتاب، ومن شأن العرب إضافة الفعل إلى مَنْ وُجِدَ منه وإن كان مشيئة غير الذى وُجِدَ منه الفعل غيره، فكيف بالفعل الذى
стр. 153
يكتسبه العبد كسباً، ويُوجدِه الله جَلَّ ثناؤه عَيْناً منشأة، بل ذلك أحرى أن يُضاف إلى مكتسبه كسباً له بالقوة منه عليه، والاختيار منه له، وإلى الله جلَّ ثناؤه بإيجاد
عَيْنه وإنشائها تدبيراً".
وكثيراً ما نجد ابن جرير يتصدى للرد على المعتزلة فى كثير من آرائهم الاعتقادية، فنراه مثلاً يجادلهم مجادلة حادة فى تفسيرهم العقلى التنزيهى للآيات التى تثبت رؤية الله عند أهل السُّنَّة، كما نراه يذهب إلى ما ذهب إليه السَلَف من عدم صرف آيات الصفات عن ظاهرها، مع المعارضة لفكرة التجسيم والتشبيه، والرد على أُولئك الذين يُشَبِّهون الله بالإنسان.
... وهكذا نجد ابن جرير لم يقف كمفسِّر موقفاً بعيداً عن مسائل النزاع التى تدور حول العقيدة فى عصره، بل نراه يشارك فى هذا المجال من الجدل الكلامى بنصيب لا يُستهان به، مع حرصه كل الحرص على أن يحتفظ بسُنِّيته ضد وجوه النظر التى لا تتفق وتعاليم أهل السُّنَّة.
وبعد.. فإن ما جمعه ابن جرير فى كتابه من أقوال المفسِّرين الذين تقدَّموا عليه، وما نقله لنا من مدرسة ابن عباس، ومدرسة ابن مسعود، ومدرسة على بن أبى طالب، ومدرسة أُبَىّ بن كعب، وما استفاده مما جمعه ابن جريج والسدى وابن إسحاق وغيرهم من التفاسير جعلت هذا الكتاب أعظم الكتب المؤلَّفة فى التفسير بالمأثور، كما أن ما جاء فى الكتاب من إعراب، وتوجيهات لُغوية، واستنباطات فى نواح متعددة، وترجيح لبعض الأقوال على بعض، كان نقطة التحول فى التفسير، ونواة لما وُجِد بعد من التفسير بالرأى، كما كان مظهراً من مظاهر الروح العلمية السائدة فى هذا العصر الذى يعيش فيه ابن جرير.
وفى الحق إن شخصية ابن جرير الأدبية والعلمية، جعلت تفسيره مرجعاً مهماً من مراجع التفسير بالرواية، فترجيحاته المختلفة تقوم على نظرات أدبية ولُغوية وعلمية قيِّمة، فوق ما جمع فيه من الروايات الأثرية المتكاثرة.
وعلى الإجمال، فخير ما وُصِف به هذا الكتاب ما نقله الداودى عن أبى محمد عبد الله بن أحمد الفرغانى فى تاريخه حيث قال: "فتم من كتبه - يعنى محمد بن جرير - كتاب تفسير القرآن، وجوَّده، وبيَّن فيه أحكامه، وناسخه ومنسوخة،
стр. 154
ومشكله وغريبه، ومعانيه، واختلاف أهل التأويل والعلماء فى أحكامه وتأويله، والصحيح لديه من ذلك، وإعراب حروفه، والكلام على الملحدين فيه، والقصص، وأخبار الأُمَّة والقيامة، وغير ذلك مما حواه من الحِكم والعجائب كلمة كلمة، وآية آية، من الاستعاذة، وإلى أبى جاد، فلو ادَّعى عالم أن يُصنِّف منه عشرة كتب كل كتاب منها يحتوى على علم مفرد وعجيب مستفيض لفعل".
هذا وقد جاء فى معجم الأدباء (الجزء ١٨ ص ٦٤-٦٥) وصف مسهب لتفسير ابن جرير، جاء فى آخره ما نصه: " ... وذكر فيه من كتب التفاسير المصنَّفة عن ابن عباس خمسة طرق، وعن سعيد بن جبير طريقين، وعن مجاهد بن جبر ثلاثة طرق، وعن الحسن البصرى ثلاثة طرق، وعن عِكرمة ثلاثة طرق، وعن الضحاك بن مزاحم طريقين، وعن عبد الله ابن مسعود طريقاً، وتفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وتفسير ابن جريج، وتفسير مقاتل بن حبان، سوى ما فيه من مشهور الحديث عن المفسِّرين وغيرهم، وفيه من المسند حسب حاجته إليه، ولم يتعرض لتفسير غير موثوق به، فإنه لم يُدخل فى كتابه شيئاً عن كتاب محمد بن السائب الكلبى، ولا مقاتل بن سليمان، ولا محمد بن عمر الواقدى، لأنهم عنده أظنَّاء والله أعلم. وكان إذا رجع إلى التاريخ والسير وأخبار العرب حكى عن محمد بن السائب الكلبى، وعن ابنه هشام، وعن محمد بن عمرالواقدى، وغيرهم فيما يُفتقر إليه ولا يُؤخذ إلا عنهم.
وذكر فيه مجموع الكلام والمعانى من كتاب علىّ بن حمزة الكسائى، ومن كتاب يحيى بن زيادة الفرَّاء، ومن كتاب أبى الحسن الأخفش، ومن كتاب أبى علىّ قطرب، وغيرهم مما يقتضيه الكلام عند حاجته إليه، إذ كان هؤلاء هم المتكلمون فى المعانى، وعنهم يؤخذ معانيه وإعرابه، وربما لم يسمهم إذا ذكر شيئاً من كلامهم، وهذا كتاب يشتمل على عشرة آلاف ورقة أو دونها حسب سعة الخط أو ضيقه".
كما نجد فى معجم الأدباء أيضاً قبل ذلك بقليل، ما يدل على أن الطبرى أتم تفسيره هذا فى سبع سنوات، إملاءً على أصحابه، فقد جاء فى الجزء (١٨ ص ٤٢) على أبى بكر بن بالويه أنه قال: "قال لى أبو بكر محمد بن إسحاق - يعنى ابن خزيمة -: بلغنى أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير؟ قلت: نعم، كتبنا التفسير عنه إملاءً، قال: كله؟ قلت: نعم، قال: فى أى سنة؟ قلت: من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين ... " إلخ.
وبعد.. فأحسب أنى قد أفضت فى الكلام عن هذا التفسير، وتوسعت فى الحديث
стр. 155
عنه، وأقول: إن السر فى ذلك هو أن الكتاب يُعتبر المرجع الأول والأهم للتفسير بالمأثور، وتلك ميزة لا نعرفها لغيره من كتب التفسير بالرواية.
* * *
٢- بحر العلوم (للسمرقندى)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير، هو أبو الليث، نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندى الفقيه الحنفى، المعروف بإمام الهدى. تفقه على أبى جعفر الهندوانى، واشتهر بكثرة الأقوال المفيدة، والتصانيف المشهورة. ومن أهم تصانيفه تفسير القرآن المسمى بـ "بحر العلوم"، والمعروف بتفسير أبى الليث السمرقندى، وهو ما نحن بصدده الآن، وكتاب النوازل فى الفقه، وخزانة الفقه فى مجلد، وتنبيه الغافلين، والبستان. وكانت وفاته ﵀ سنة ٣٧٣ هـ (ثلاث وسبعين وثلاثمائة) وقيل: سنة ٣٧٥ هـ (خمس وسبعين وثلاثمائة) من الهجرة.
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
قال فى كشف الظنون: "تفسير أبى الليث، نصر بن محمد الفقيه السمرقندى الحنفى، المتوفى سنة ٣٧٥ هـ (خمس وسبعين وثلاثمائة) ، وهو كتاب مشهور لطيف مفيد، خرَّج أحاديثه الشيخ زين الدين قاسم ابن قطلوبغا الحنفى سنة ٨٥٤ هـ (أربع وخسمين وثمانمائة) .
وهذا التفسير مخطوط فى ثلاث مجلدات كبار، وموجود بدار الكتب المصرية، وتوجد منه نسختان مخطوطتان بمكتبة الأهر. واحدة فى مجلدين والأخرى فى ثلاث مجلدات.
وقد رجعتُ إلى هذا التفسير وقرأتُ فيه كثيراً، فوجدتُ مؤلِّفه قد قدَّم له بباب فى الحث على طلب التفسير وبيان فضله، واستشهد على ذلك بروايات عن السَلَف، رواها بإسناد إليهم، ثم بيَّن أنه لا يجوز لأحد أن يفسِّر القرآن برأيه من ذات نفسه ما لم يتعلم أو يعرف وجوه اللغة وأحوال التنزيل، واستدلَّ على حُرْمه التفسير بمجرد الرأى بأقوال رواها عن السَلَف بإسناده إليهم أيضاً، ثم بيَّن أن الرجل إذا لم يعلم وجوه اللغة وأحوال التنزيل، فليتعلم التفسير ويتكلَّف حفظه، ولا بأس بذلك على سبيل الحكاية.. وبعد أن فرغ من المقدمة شرع فى التفسير.
تتبعتُ هذا التفسير فوجدتُ صاحبه يفسِّر القرآن بالمأثور عن السَلَف، فيسوق الروايات عن الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم فى التفسير، ولكنه لا يذكر إسناده إلى مَنْ يروى عنه، ويندر سياقه للإسناد فى بعض الروايات، وقد لاحظتُ عليه أنه إذا ذكر
стр. 156
الأقوال والروايات المختلفة لا يُعقِّب عليها ولا يُرَجَّح كما يفعل ابن جرير الطبرى - مثلاً - اللَّهم إلا فى حالات نادرة أيضاً، وهو يعرض للقراءات ولكن بقدر، كما أنه يحتكم إلى اللغة أحياناً ويشرح القرآن بالقرآن إن وجد من الآيات القرآنية ما يوضح معنى آية أخرى، كما أنه يروى من القصص الإسرائيلى، ولكن على قِلَّة وبدون تعقيب منه على ما يرويه، وكثيراً ما يقول: قال بعضهم كذا، وقال بعضهم كذا، ولا يُعيَّن هذا البعض. وهو يروى أحياناً عن الضعفاء، فيُخَرِّج من رواية الكلبى ومن رواية أسباط عن السدى، ومن رواية غيرهما ممن تُكلِّم فيه، ووجدته يُوجِّه بعض إشكالات ترد على ظاهر النظم ثم يجيب عنها، كما يعرض لموهم الاختلاف والتناقض فى القرآن ويزل هذا الإيهام.. وبالجملة، فالكتاب قَيِّمٌ فى ذاته، جمع فيه صاحبه بين التفسير بالرواية والتفسير بالدراية إلا أنه غلَّب الجانب النقلى فيه على الجانب العقلى، ولهذا عددناه ضمن كتب التفسير المأثور.
* * *
стр. 157
٣- الكشف والبيان عن تفسير القرآن (للثعلبى)
التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير، هو أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبى النيسابورى المقرئ، المفسِّر، كان حافظاً واعظاً، رأساً فى التفسير والعربية، متين الديانة، قال ابن خلكان: "كان أوحد زمانه فى علم التفسير، وصنَّف التفسير الكبير الذى فاق غيره من التفاسير". وقال ياقوت فى معجم الأدباء: "أبو إسحاق الثعلبى، المقرئ، المفسِّر، الواعظ، الأديب، الثقة، الحافظ، صاحب التصانيف الجليلة: من التفسير الحاوى أنواع الفرائد من المعانى والإشارات، وكلمات أرباب الحقائق ووجوه الإعراب والقراءات.. ". وله من المؤلَّفات كتاب العرائس فى قصص الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وله غير ذلك من المؤلفات. ونقل السمعانى عن بعض العلماء أنه يقال له "الثعلبى" و "الثعالبى"، وهو لقب له وليس بنسب. وذكره عبد الغفار بن إسماعيل الفارسى فى كتاب "سياق تاريخ نيسابور"، وأثنى عليه، وقال: هو صحيح النقل موثوق به. حدَّث عن أبى طاهر بن خزيمة والإمام أبى بكر بن مهران المقرئ. وعنه أخذ أبو الحسن الواحدى التفسير وأثنى عليه، وكان كثير الحديث كثير الشيوخ. ولكن هناك مِنَ العلماء مَنْ يرى أنه لا يوثق به، ولا يصح نقله. وسنذكر بعض مَن يرى ذلك فيه ومقالاتهم عند الكلام عن تفسيره هذا.. وقد توفى الثعلبى ﵀ سنة ٤٢٧ هـ (سبع وعشرين وأربعمائة) . فرحمه الله وأرضاه.
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
ألقى مؤلف هذا التفسير ضوءاً عليه فى مقدمته، وأوضح فيها عن منهجه وطريقته التى سلكها فيه فذكر أولاً اختلافه منذ الصغر إلى العلماء، واجتهاده فى الاقتباس من علم التفسير الذى هو أساس الدين ورأس العلوم الشرعية، ومواصلته ظلام الليل بضوء الصباح بعزم أكيد وجهد جهيد، حتى رزقه الله ما عرف به الحق من الباطل، والمفضول من الفاضل، والحديث من القديم، والبدعة من السُّنَّة، والحُجَّة من الشبهة، وظهر له أن المصنفين فى تفسير القرآن فِرَق على طُرقٍ مختلفة:
فِرقة أهل البدع والأهواء، وعَدَّ منهم الجبائى والرمَّانى.
стр. 158
وفِرقة مَن ألَّفوا فأحسنوا، إلا أنهم خلطوا أباطيل المبتدعين بأقاويل السَلَف الصالحين، وعَدَّ منهم أبا بكر القفَّال.
وفِرقة اقتصر أصحابها على الرواية والنقل دون الدارية والنقد، وعَدَّ منهم أبا يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلى.
وفِرقة حذفت الإسناد الذى هو الركن والعماد، ونقلت من الصحف والدفاتر، وحرَّرت على هوى الخواطر، وذكرت الغثّ والسمين، والواهى والمتين، قال: وليسوا فى عِداد العلماء، فصنتُ الكتاب عن ذكرهم.
وفِرقة حازوا قصب السبق، فى جودة التصنيف والحذق. غير أنهم طوَّلوا فى كتبهم بالمعادات، وكثرة الطُرُق والروايات، وعَدَّ منهم ابن جرير الطبرى. وفِرقة جرَّدت التفسير دون الأحكام، وبيان الحلال والحرام، والحل عن الغوامض والمشكلات، والرد على أهل الزيغ والشبهات، كمشايخ السَلَف الماضين، مثل مجاهد والسدى والكلبى.
ثم بيّن أنه لم يعثر فى كتب مَنْ تقدَّمه على كتاب جامع مهذَّب يُعتمد.. ثم ذكر ما كان من رغبة الناس إليه فى إخراج كتاب فى تفسير القرآن وإجابته لمطلوبهم، رعاية منه لحقوقهم، وتقرباً به إلى الله.. ثم قال: "فاستخرتُ الله تعالى فى تصنيف كتاب شامل، مهذب، ملخص، مفهوم، منظوم، مستخرج من زهاء مائة كتاب مجموعات مسموعات. سوى ما التقطته من التعليقات والأجزاء المتفرقات، وتلقفته عن أقوام من المشايخ الأثبات، وهم قريب من ثلاثمائة شيخ، نسَّقته بأبلغ ما قدرتُ عليه من الإيجاز والترتيب". ثم قال: وخرَّجت فيه الكلام على أربعة عشر نحواً: البسائط والمقدمات، والعدد والتنزلات، والقصص، والنزولات، والوجوه والقراءات، والعلل والاحتجاجات، والعربية واللغات، والإعراب والموازنات، والتفسير والتأويلات، والمعانى والجهات، والغوامض والمشكلات، والأحكام والفقهيات، والحكم والإشارات، والفضائل والكرامات، والأخبار والمتعلقات، أدرجتها فى أثناء الكتاب بحذف الأبواب، وسميته: كتاب "الكشف والبيان عن تفسير القرآن".. ثم ذكر فى أول الكتاب أسانيده إلى مَنْ يروى عنهم التفسير من علماء السَلَف، واكتفى بذلك عن ذكرها أثناء الكتاب، كما ذكر أسانيده إلى مصنفات أهل عصره - وهى كثيرة - وكتب الغريب والمشكل والقراءات، ثم ذكر باباً فى فضل القرآن وأهله، وباباً فى معنى التفسير والتأويل، ثم شرع فى التفسير.
عثرتُ على هذا التفسير بمكتبة الأزهر فوجدته مخطوطاً غير كامل، وجدتُ منه
стр. 159
أربع مجلدات ضخام - الأول والثانى والثالث والرابع -. والرابع ينتهى عند أواخر سورة الفرقان، وباقى الكتاب مفقود لم أعثر عليه بحال.
قرأتُ فى هذا التفسير فوجدته يُفسِّر القرآن بما جاء عن السَلَف، مع اختصاره للأسانيد، اكتفاءً بذكرها فى مقدمة الكتاب، ولاحظتُ عليه أنه يعرض للمسائل النحوية ويخوض فيها بتوسع ظاهر، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٩٠] من سورة البقرة: ﴿بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ الله﴾ .. الآية، نجده يتوسع فى الكلام على "نِعْمَ" و "بِئْسَ" ويفيض فى ذلك.
كما أنه يعرض لشرح الكلمات اللغوية وأصولها وتصاريفها، ويستشهد على ما يقول بالشعر العربى، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٧١] من سورة البقرة: ﴿وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً﴾ .. الآية، نجده يحلل كلمة "ينعق" تحليلاً دقيقاً ويصرفها على وجوهها كلها.
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٧٣] من السورة نفسها: ﴿فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ ... الآية، نجده يحلل لفظ البغى ويتكلم عن أصل المادة بتوسع.
ومما لاحظته على هذا التفسير أنه يتوسع فى الكلام عن الأحكام الفقهية عندما يتناول آية من آيات الأحكام، فتراه يذكر الأقوال والخلافات والأدلة ويعرض للمسألة من جميع نواحيها، إلى درجة أنه يخرج عما يُراد من الآية، انظر إليه عندما يعرض لقوله تعالى فى الآية [١١] من سورة النساء: ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ﴾ .. الآية، تجده يفيض فى الكلام عما يُفعل بتركه الميت بعد موته، ثم يذكر جملة الورثة والسهام المحددة، ومَنْ فرضه الرُبُع، ومَنْ فرضه الثُمُن، والثُلُثان، والثُلُث، والسُدُس.. وهكذا، ثم يعرض لنصيب الجد والجدة والجدَّات، ثم يقول بعد هذا: "فصل فى بساط الآية"، وفيه يتكلم عن نظام الميراث عند الجاهلية وقبل مبعث الرسول.
وارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٤] من سورة النساء: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ، تجده قد توسَّع فى نكاح المتعة وتعرَّض لأقوال العلماء، وذكر أدلتهم بتوسع ظاهر.
وارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣١] من سورة النساء: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ .. الآية، تجده يقول: "فصل: فى أقاويل
стр. 160
أهل التأويل فى عدد الكبائر، مجموعة من الكتاب والسُّنَّة، مقرونة بالدليل والحُجَّة".. ثم يسردها جميعاً ويذكر أدلتها على وجه التفصيل.
وارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٣] من سورة النساء: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ .. الآية، تجده يعرض لأقوال السَلَف فى معنى اللمس والملامسة.. ثم يقول: واختلف الفقهاء فى حكم الآية على خمسة مذاهب، ويتوسع على الخصوص فى بيان مذهب الشافعى ويسرد أدلته، ويذكر تفصيل كيفية الملامسة عنده، كما يعرض لأقوال العلماء فى التيمم ومذاهبهم وأدلتهم بتوسع ظاهر عندما يتكلم عن قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ ...
وهكذا يتطرق الكتاب إلى نواح علمية متعددة، فى إكثار وتطويل يكاد يخرج به عن دائرة التفسير بالمأثور.
ثم إن هناك ناحية أخرى يمتاز بها هذا التفسير، هى التوسع إلى حد كبير فى ذكر الإسرائيليات بدون أن يتعقب شيئاً من ذلك أو يُنبِّه على ما فيه رغم استبعاده وغرابته، وقد قرأتُ فيه قصصاً إسرائيلياً نهاية فى الغرابة.
ويظهر لنا أن الثعلبى كان مولعاً بالأخبار والقصص إلى درجة كبيرة، بدليل أنه ألَّف كتاباً يشتمل على قصص الأنبياء، ولو أنك رجعت إليه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٠] من سورة الكهف: ﴿إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف﴾ .. الآية، لوجدته يروى عن السدى ووهب وغيرهما كلاماً طويلاً فى أسماء أصحاب الكهف وعددهم، وسبب خروجهم إليه، ولوجدته يروى عن كعب الأحبار، ما جرى لهم مع الكلب حين تبعهم إلى الغار، ولعجبتَ حين تراه يروى أن النبى ﷺ طلب من ربه رؤية أصحاب الكهف فأجابه الله بأنه لن يراهم فى دار الدنيا، وأمره بأن يبعث لهم أربعة من خيار أصحابه ليبلغوهم رسالته.. إلى آخر القصة التى لا يكاد العقل يصدقها.
ثم ارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٩٤] من سورة الكهف أيضاً ﴿ ... إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرض﴾ ... الآية، تجده قد أطال وذكر كلاماً لا يمكن أن يُقبل بحال، لأنه أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة.
ثم ارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٧] من سورة مريم: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ .. الآية، تجده يروى عن السدى ووهب وغيرهما قصصاً كثيراً، وأخباراً فى نهاية الغرابة والبُعْد.
стр. 161
ثم إن الثعلبى لم يتحر الصحة فى كل ما ينقل من تفاسير السَلَف، بل نجده - كما لاحظنا عليه وكما قال السيوطى فى الإتقان - يكثر من الرواية عن السدى الصغير عن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس.
كذلك نجده قد وقع فيما وقع فيه كثير من المفسِّرين من الاغترار بالأحاديث الموضوعة فى فضائل القرآن سورة سورة، فروى فى نهاية كل سورة حديثاً فى فضلها منسوباً إلى أُبَىّ بن كعب، كما اغتر بكثير من الأحاديث الموضوعة على ألسنة الشيعة فسوَّد بها كتابه دون أن يشير إلى وضعها واختلاقها. وفى هذا ما يدل عن أن الثعلبى لم يكن له باع فى معرفة صحيح الأخبار من سقيمها.
هذا.. وإن الثعلبى قد جَرَّ على نفسه وعلى تفسيره بسبب هذه الكثرة من الإسرائيليات، وعدم الدقة فى اختيار الأحاديث، اللوم المرير والنقد اللاذع من بعض العلماء الذين لاحظوا هذا العيب على تفسيره، فقال ابن تيمية فى مقدمته فى أصول التفسير: "والثعلبى هو نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطب ليل، ينقل ما وجد فى كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع".
وقال أيضاً فى فتاواه - وقد سئل عن بعض كتب التفسير: "وأما الواحدى فإنه تلميذ الثعلبى، وهو أخبر منه بالعربية، لكن الثعلبى فيه سلامة من البدع وإن ذكرها تقليداً لغيره وتفسيره، وتفسير الواحدى البسيط والوسيط والوجيز فيها فوائد جليلة، وفيها غث كثير من المنقولات الباطلة وغيرها".
ومَن يقرأ تفسير الثعلبى يعلم أن ابن تيمية لم يتقوَّل عليه، ولم يصفه إلا بما هو فيه.
وقال الكتانى فى الرسالة المستطرفة عند الكلام عن الواحدى المفسِّر: "ولم يكن له ولا لشيخه الثعلبى كبير بضاعة فى الحديث، بل فى تفسيرهما - وخصوصاً الثعلبى - أحاديث موضوعة وقصص باطلة".
والحق أن الثعلبى رجل قليل البضاعة فى الحديث، بل ولا أكون قاسياً عليه إذا قلت إنه لا يستطيع أن يميز الحديث الموضوع من غير الموضوع، وإلا لما روى فى تفسيره أحاديث الشيعة الموضوعة على علىّ، وأهل البيت، وغيرها من الأحاديث التى اشتهر وضعها، وحَذَّرَ العلماء من روايتها.
والعجب أن الثعلبى بعد هذا كله يعيب كل كتب التفسير أو معظمها، حتى كتاب محمد بن جرير الطبرى الذى شهد له خلق كثير، وليته إذ ادَّعى فى مقدمة
стр. 162
تفسيره أنه لم يعثر فى كتب مَنْ تقدَّمه من المفسِّرين على كتاب جامع مهذَّب يُعتمد، أخرج لنا كتابه خالياً مما عاب عليه المفسِّرين.. ليته فعل ذلك.. إذن لكان قد أراحنا وأراح الناس من هذا الخلط والخبط الذى لا يخلو منه موضع من كتابه.
٤- معالم التنزيل (للبغوى)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف معالم التنزيل هو أبو محمد، الحسين بن مسعود بن محمد المعروف بالفرَّاء البغوى، الفقيه، الشافعى، المحدِّث، المفسِّر، الملقَّب بمحيى السُّنَّة وركن الدين. تفقه البغوى على القاضى حسين وسمع الحديث منه، وكان تقياً ورعاً، زاهداً، قانعاً، إذا ألقى الدرس لا يلقيه إلا على طهارة، وإذا أكل لا يأكل إلا الخبز وحده، ثم عدل عن ذلك فصار يأكل الخبز مع الزيت. توفى ﵀ فى شوَّال سنة ٥١٠ هـ (عشر وخمسمائة من الهجرة) بـ "مروروز" وقد جاوز الثمانين، ودُفِن عند شيخه القاضى حسين بمقبرة الطالقانى.
* مبلغه من العلم:
كان البغوى إماماً فى التفسير، إماماً فى الحديث، إماماً فى الفقه، وعَدَّه التاج السبكى من علماء الشافعية الأعلام، وقال: كان إماماً جليلاً، ورعاً زاهدا فقيهاً، محدِّثاً مفسِّراً، جامعاً بين العلم والعمل، سالكاً سبيل السَلَف، وصنَّف فى تفسير كلام الله تعالى، وأوضح المشكلات من قول النبى ﷺ ، وروى الحديث واعتنى بدراسته، وصنَّف كتباً كثيرة، فمن تصانيفه: "معالم التنزيل فى التفسير"، وهو الذى ترجمنا له، وسنتكلم عنه، وشرح السُّنَّة فى الحديث، والمصابيح فى الحديث أيضاً، والجمع بين الصحيحين، والتهذيب فى الفقه، وغير ذلك، وقد بورك له فى تصانيفه ورِزُق فيها القبول لحسن نِيَّته.
* التعريف بمعالم التنزيل وطريقة مؤلفه فيه:
قال فى كشف الظنون: "معالم التنزيل فى التفسير، للإمام محيى السُّنَّة، أبى
стр. 163
محمد حسين بن مسعود الفرَّاء البغوى الشافعى المتوفى سنة ٥١٦ هـ (ست عشرة وخمسمائة) ، وهو كتاب متوسط، نقل فيه عن مفسِّرى الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، واختصره الشيخ تاج الدين أبو نصرى عبد الوهاب بن محمد الحسينى المتوفى سنة ٨٧٥ هـ (خمس وسبعين وثمانمائة) ".
ووصفه الخازن فى مقدمة تفسيره بأنه: "من أجَّلِ المصنفات فى علم التفسير وأعلاها، وأنبلها وأسناها، جامع للصحيح من الأقاويل، عار عن الشبُهِ والتصحيف والتبديل، محلَّى بالأحاديث النبوية، مطرَّز بالأحكام الشرعية، موشَّى بالقصص الغريبة، وأخبار الماضيين العجيبة، مرصَّع بأحسن الإشارات، مُخَرَّج بأوضح العبارات، مُفَرَّغ فى قالب الجمال بأفصح مقال".
وقال ابن تيمية فى مقدمته فى أصول التفسير: "والبغوى تفسيره مختصر من الثعلبى، لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة".
وقال فى فتاواه - وقد سئل عن أى التفاسير أقرب إلى الكتاب والسُّنَّة: الزمخشرى. أم القرطبى. أم البغوى أم غير هؤلاء؟؟ - قال: "وأما التفاسير الثلاثة المسئول عنها، فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة البغوى، لكنه مختصر من تفسير الثعلبى، وحذف منه الأحاديث الموضوعة والبدع التى فيه، وحذف أشياء غير ذلك".
وقال الكتانى فى الرسالة المستطرفة (ص٥٨) : "وقد يوجد فيه - يعنى معالم التنزيل - من المعانى والحكايات ما يُحكم بضعفه أو وضعه".
وقد طُبِع هذا التفسير فى نسخة واحدة مع تفسير ابن كثير القرشى الدمشقى، كما طُبِعَ مع تفسير الخازن، وقد قرأتُ فيه فوجدته يتعرض لتفسير الآية بلفظ سهل موجز، وينقل ما جاء عن السَلَف فى تفسيرها، وذلك بدون أن يذكر السند، يكتفى فى ذلك بأن يقول مثلاً: قال ابن عباس كذا وكذا، وقال مجاهد كذا وكذا، وقال عطاء كذا وكذا، والسر فى هذا هو أنه ذكر فى مقدمة تفسيره إسناده إلى كل مَن يروى عنه. وبيَّن أن له طرقاً سواها تركها اختصاراً. ثم إنه إذا روى عمن ذكر أسانيده إليهم بإسناد آخر غير الذى ذكره فى مقدمة تفسيره فإنه يذكره عند الرواية، كما يذكر إسناده إذا روى عن غير مَنْ ذكر أسانيده إليهم مِنَ الصحابة والتابعين، كما أنه - بحكم كونه مِنَ الحفَّاظ المتقنين للحديث - كان يتحرَّى الصحة فيما يسنده إلى الرسول ﷺ ، ويعرض
стр. 164
عن المناكير وما لا تعلق له بالتفسير، وقد أوضح هذا فى مقدمة كتابه فقال: وما ذكرتُ من أحاديث رسول الله ﷺ فى أثناء الكتاب على وفاق آية أو بيان حكم فإن الكتاب يُطلَب بيانه من السُنَّة. وعليها مدار الشرع وأُمور الدين - فهى من الكتب المسموعة للحُفَّاظ وأئمة الحديث، وأعرضتُ عن ذكر المناكير وما لا يليق بحال التفسير".
وقد لاحظتُ على هذا التفسير أنه يروى عن الكلبى وغيره من الضعفاء، كما لاحظتُ أنه يتعرض للقراءات، ولكن بدون إسراف منه فى ذلك، كما أنه يتحاشى ما ولع به كثير من المفسِّرين من مباحث الإعراب، ونكت البلاغة، والاستطراد إلى علوم أخرى لا صلة لها بعلم التفسير، وإن كان فى بعض الأحيان يتطرق إلى الصناعة النحوية ضرورة الكشف عن المعنى، ولكنه مقل لا يكثر. ووجدته يذكر أحياناً بعض الإسرائيليات ولا يُعَقِّب عليها ووجدته يورد بعض إشكالات على ظاهر النظم ثم يجيب عنها، كما وجدته ينقل الخلاف عن السَلَف فى التفسير ويذكر الروايات عنهم فى ذلك، ولا يُرَجِّح رواية على رواية، ولا يُضَعِّف رواية ويُصحح أخرى.
وعلى العموم فالكتاب فى جملته أحسن وأسلم من كثير من كتب التفسير بالمأثور وهو متداوَل بين أهل العلم.
* * *
٥- المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز (لابن عطية)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير هو أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسى المغربى الغرناطى الحافظ القاضى. ولى القضاء بمدينة المرية بالأندلس ولما تولَّى توخى الحق وعدل فى الحكم وأعز الخطة. ويقال: إنه قصد مرسية بالمغرب ليتولى قضاءها، فصُدَّ عن دخولها، وصُرِف منها إلى الرقة بالمغرب، واعتُدى عليه ﵀، وكان مولده سنة ٤٨١ هـ (إحدى وثمانين وأربعمائة) ، وتُوفى بالرِّقة سنة ٥٤٦ هـ (ست وأربعين وخمسمائة من الهجرة) ، وقيل غير ذلك.
* *
*
стр. 165
مكانته العلمية:
نشأ القاضى أبو محمد بن عطية فى بيت علم وفضل، فأبوه أبو بكر غالب بن عطية، إمام حافظ، وعالم جليل. رحل فى طلب العلم وتفقه على العلماء. وجدَه عطية أنسل كثيراً لهم قدر وفيهم فضل، فلا عجب إذن أن يشبه الفرع أصله.
كان أبو محمد بن عطية غاية فى الدهاء والذكاء وحسن الفهم وجلالة التصرف، شغوفاً باقتناء الكتب، وكان على مبلغ عظيم من العلم، فكان فقيهاً جليلاً، عارفاً بالأحكام والحديث والتفسير، نحوياً لُغوياً، أديباً شاعراً، مقيداً ضابطاً، سُنِّياً فاضلا. وصفه صاحب "قلائد العقيان" بالبراعة فى الأدب، والنظم، والنثر، وذكر شيئاً من شِعره، ووصفه أبو حيان فى مقدمة البحر المحيط بأنه: "أجَّل مَنْ صنَّف فى علم التفسير، وأفضل مَنْ تعرَّض فيه للتنقيح والتحرير".
روى عن أبيه، وأبى علىّ الغسَّانى، والصفدى. وروى عنه أبو بكر ابن أبى حمزة، وأبو القاسم بن حبيش، وأبو جعفر بن مضاء، وغيرهم.
وقد خلَّف من المؤلفات كتاب التفسير، المسمى بـ "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"، وهو الكتاب الذى ترجمنا له وستتكلم عنه، كما ألَّف برنامجاً ضمنه مروياته وأسماء شيوخه، وقد حرر هذا الكتاب وأجاد فيه.
وعلى الجملة، فالقاضى أبو محمد بن عطية عالِم له شهرته العلمية فى نواح مختلفة، وقد عدَّه ابن فرحون فى "الديباج المذهب" من أعيان مذهب المالكية، كما عدَّه السيوطى فى "بغية الوعاة" من شيوخ النحو وأساطين النحاة.
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
تفسير ابن عطية المسمى بـ "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" تفسير له
стр. 166
قيمته العالية بين كتب التفسير وعند جميع المفسِّرين، وذلك راجع إلى أن مؤلفه أضفى عليه من روحه العلمية الفيّاضة ما أكسبه دقة، ورواجاً، وقبولاً. وقد لخصه مؤلفه - كما يقول ابن خلدون فى مقدمته - من كتب التفاسير كلها - أى تفاسير المنقول - وتحرَّى ما هو أقرب إلى الصحة منها، ووضع ذلك فى كتاب متداول بين أهل المغرب والأندلس، حسن المنحى".
والحق أن ابن عطية أحسن فى هذا التفسير وأبدع، حتى طار صيته كل مطار، وصار أصدق شاهد لمؤلفه بإمامته فى العربية وغيرها من النواحى العلمية المختلفة، ومع هذه الشهرة الواسعة لهذا الكتاب فإنه لا يزال مخطوطاً إلى اليوم، وهو يقع فى عشر مجلدات كبار، ويوجد منه فى دار الكتب المصرية أربعة أجزاء فقط: الجزء الثالث، والخامس، والثامن، والعاشر. وقد رجعتُ إلى هذه الأجزاء وقرأتُ منها ما شاء الله أن أقرأ، فوجدتُ المؤلف يذكر الآية ثم يفسِّرها بعبارة عذبة سهلة، ويورد من التفسير المأثور ويختار منه فى غير إكثار، وينقل عن ابن جرير الطبرى كثيراً، ويناقش المنقول عنه أحياناً، كما يناقش ما ينقله عن غير ابن جرير ويرد عليه. وهو كثير الاستشهاد بالشعر العربى، مَعْنِى بالشواهد الأدبية للعبارات، كما أنه يحتكم إلى اللغة العربية عندما يُوجه بعض المعانى، وهو كثير الاهتمام بالصناعة النحوية، كما أنه يتعرض كثيراً للقراءات ويُنزل عليها المعانى المختلفة.
ونجد أبا حيان فى مقدمة تفسيره يعقد مقارنة بين تفسير ابن عطية وتفسير الزمخشرى فيقول: "وكتاب ابن عطية أنقل، وأجمع، وأخلص، وكتاب الزمخشرى ألخص، وأغوص".
ونجد ابن تيمية يعقد مقارنة بين الكتابين - كتاب ابن عطية وكتاب الزمخشرى - فى فتاواه فيقول: "وتفسير ابن عطية خير من تفسير الزمخشرى، وأصح نقلاً وبحثاً، وأبعد عن البدع وإن اشتمل على بعضها، بل هو خير منه بكثير، بل لعله أرجح هذه التفاسير". كما يعقد مثل هذه المقارنة فى مقدمته فى أصول التفسير فيقول: "وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسُّنَّة والجماعة، وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشرى، ولو ذكر كلام السَلَف الموجود فى التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل، فإنه كثيراً ما ينقل من تفسير محمد بن جرير الطبرى - وهو من أجَّلِ التفاسير وأعظمها قدراً - ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السَلَف لا يحكيه بحَال، ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعنى بهم طائفة من أهل الكلام الذين قرروا
стр. 167
أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم، وإن كان أقرب إلى السُّنَّة من المعتزلة".
وأنا فى أثناء قراءتى فى هذا التفسير، رأيت ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٦] من سورة يونس: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ .. يقول ما نصه: "قالت فرقة هى الجمهور: الحُسنى: الجنة. والزيادة: النظر إلى الله ، ورُوى فى ذلك حديث عن النبى ﷺ ، رواه صهيب، ورُوى هذا القول عن أبى بكر الصِدِّيق، وحُذيفة، وأبى موسى الأشعرى.. ".
ثم يقول: "وقالت فرقة: الحُسنى هى الحسنة، والزيادة هى تضعيف الحسنات إلى سبعمائة، فروتها حسب ما روى فى نص الحديث وتفسير قوله تعالى: ﴿يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] ..، وهذا قول يعضده النظر، ولولا عظم القائلين بالقول الأول لترجح هذا القول".. ثم يأخذ فى ذكر طرق الترجيح للقول الثانى.
وهذا يدلنا على أنه يميل إليه المعتزلة، أو على الأقل يقدِّر ما ذهبت إليه المعتزلة فى مسألة الرؤية وإن كان يحترم مع ذلك رأى الجمهور. ولعل مثل هذا التصرف من ابن عطية هو الذى جعل ابن تيمية يحكم عليه بحكمه السابق.
* * *
٦- تفسير القرآن العظيم (لابن كثير)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير، هو الإمام الجليل الحافظ، عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن عمرو بن كثير من ضوء بن كثير بن زرع البصرى ثم الدمشقى، الفقيه الشافعى، قَدِم دمشق وله سبع سنين مع أخيه بعد موت أبيه. سمع من ابن الشجنة، والآمدى، وابن عساكر، وغيرهم، كما لازم المزى وقرأ عليه تهذيب الكمال، وصاهره على ابنته. وأخذ عن ابن تيمية، وفُتِن بحبه، وامتُحِن بسببه. وذكر ابن قاضى شهبة فى طبقاته: أنه كانت له خصوصية بابن تيمية، ومناضلة عنه، واتباع له فى كثير من آرائه، وكان يفتى برأيه فى مسألة الطلاق وامتُحِن بسبب ذلك وأُوذِى.
وقال الداودى فى طبقات المفسِّرين: "كان قدوة العلماء والحُفَّاظ، وعمدة أهل المعانى والألفاظ، وَلِىَ مشيخة أم الصالح بعد موت الذهبى - وبعد موت السبكى مشيخة الحديث الأشرفية مدة يسيرة، ثم أُخِذت منه".
وكان مولده سن ٧٠٠ هـ (سبعمائة) أو بعدها بقليل وتوفى فى شعبان سنة ٧٧٤
стр. 168
هـ (أربع وسبعين وسعبمائة من الهجرة) ، ودُفِن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية، وكان قد كفَّ بصره فى آخر عمره. ﵀ رحمة واسعة.
* *
* مكانته العلمية:
كان ابن كثير على مبلغ عظيم من العلم، وقد شهد له العلماء بسعة علمه، وغزارة مادته، خصوصاً فى التفسير والحديث والتاريخ. قال عنه ابن حجر: "اشتغل بالحديث مطالعة فى متونه ورجاله، وجمع التفسير، وشرع فى كتاب كبير فى الأحكام لم يكمل، وجمع التاريخ الذى سمَّاه البداية والنهاية، وعمل طبقات الشافعية، وشرع فى شرح البخارى.. وكان كثير الاستحضار، حسن المفاكهة، وصارت تصانيفه فى البلاد فى حياته، وانتفع بها الناس بعد وفاته، ولم يكن على طريق المحدِّثين فى تحصيل العوالى، وتمييز العالى من النازل، ونحو ذلك من فنونهم، وإنما هو من محدِّثى الفقهاء، وقد اختصر مع ذلك كتاب ابن الصلاح، وله فيه فوائد". وقال الذهبى عنه فى المعجم المختص: "الإمام المفتى، المحدِّث البارع، فقيه متفنن، مُحَدِّث متقن، مُفَسِّر نقَّال، وله تصانيف مفيدة"، وذكره صاحب شذرات الذهب فقال: "كان كثير الاستحضار، قليل النسيان، جيد الفهم"، وقال ابن حبيب فيه: "زعيم أرباب التأويل، سمع وجمع وصنَّف، وأطرب الأسماع بالفتوى وشنَّف، وحدَّث وأفاد، وطارت أوراق فتاويه فى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رياسة العلم فى التاريخ والحديث والتفسير"، وقال فيه أحد تلاميذه ابن حجى: "أحفظ مَنْ أدركناه لمتون الحديث، وأعرفهم بجرحها ورجالها، وصحيحها وسقيمها، وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك، وما أعرف أنى اجتمعتُ به على كثرة ترددى عليه إلا واستفدتُ منه"..
وعلى الجملة.. فعلم ابن كثير يتجلى بوضوح لمن يقرأ تفسيره أو تاريخه، وهما من خير ما ألَّف، وأجود ما أخرج الناس.
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
تفسير ابن كثير من أشهر ما دُوِّن فى التفسير المأثور، ويُعتبر فى هذه الناحية الكتاب الثانى بعد كتاب ابن جرير. اعتنى فيه مؤلفه بالرواية عن مفسِّرى السَلَف، ففسَّر فيه كلام الله تعالى بالأحاديث والآثار مسندة إلى أصحابها، مع الكلام عما يحتاج إليه جرحاً وتعديلاً. وقد طُبِع هذا التفسير مع معالم التفسير للبغوى، ثم طُبِع مستقلاً فى أربعة أجزاء كبار.
وقد قدَّم له مؤلفه بمقدمة طويلة هامة، تعرَّض فيها لكثير من الأُمور التى لها تعلق
стр. 169
واتصال بالقرآن وتفسيره، ولكن أغلب هذه المقدمة مأخوذ بنصه من كلام شيخه ابن تيمية الذى ذكره فى مقدمته فى أصول التفسير.
ولقد قرأتُ فى هذا التفسير فوجدته يمتاز فى طريقته بأنه يذكر الآية، ثم يُفسِّرها بعبارة سهلة موجزة، وإن أمكن توضيح الآية بآية أخرى ذكرها وقارن بين الآيتين حتى يتبين المعنى ويظهر المراد، وهو شديد العناية بهذا النوع من التفسير الذى يسمونه تفسير القرآن بالقرآن، وهذا الكتاب أكثر ما عُرِف من كتب التفسير سرداً للآيات المتناسبة فى المعنى الواحد.
ثم بعد أن يفرغ من هذا كله، يشرع فى سرد الأحاديث المرفوعة التى تتعلق بالآية، ويبين ما يُحتَج به وما لا يُحتَج به منها، ثم يردف هذا بأقوال الصحابة والتابعين ومَن يليهم من علماء السَلَف.
ونجد ابن كثير يُرَجِّح بعض الأقوال على بعض، ويُضَعِّف بعض الروايات، ويُصحِّح بعضاً آخر منها، ويُعَدِّل بعض الرواة ويُجَرِّح بعضاً آخر. وهذا يرجع إلى ما كان عليه من المعرفة بفنون الحديث وأحوال الرجال.
وكثيراً ما نجد ابن كثير ينقل من تفسير ابن جرير، وابن أبى حاتم، وتفسير ابن عطية، وغيرهم ممن تقدَّمه.
ومما يمتاز به ابن كثير، أنه يُنَبِّه إلى ما فى التفسير المأثور من منكرات الإسرائيليات، ويُحَذِّر منها على وجه الإجمال تارة، وعلى وجه التعيين والبيان لبعض منكراتها تارة أخرى.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦٧] وما بعدها من سورة البقرة: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ... ﴾ .. إلى آخر القصة، نراه يقص لنا قصة طويلة وغريبة عن طلبهم للبقرة المخصوصة، وعن وجودهم لها عند رجل من بنى إسرائيل كان من أَبَرِّ الناس بأبيه.. إلخ، ويروى كل ما قيل من ذلك عن بعض علماء السَلَف:. ثم بعد أن يفرغ من هذا كله يقول ما نصه: "وهذه السياقات عن عبيدة وأبى العالية والسدىّ وغيرهم، فيها اختلاف، والظاهر أنها مأخوذة من كتب بنى إسرائيل، وهى مما يجوز نقلها ولكن لا تُصَدَّق ولا تُكَذَّب، فلهذا لا يُعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا. والله أعلم".
стр. 170
ومثلاً عند تفسيره لأول سورة "ق" نراه يعرض لمعنى هذا الحرف فى أول السورة "ق" ويقول: ".. وقد روى عن بعض السَلَف أنهم قالوا: "ق" جبل محيط بجميع الأرض يقال له جبل قاف، وكأن هذا - والله أعلم - من خرافات بنى إسرائيل التى أخذها عنهم مما لا يُصدَّق ولا يُكَذَّب، وعندى أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يُلَبِّسون به على الناس أمر دينهم، كما افترى فى هذه الأُمَّة مع جلالة قدر علمائها وحُفَّاظها وأئمتها أحاديث عن النبى ﷺ ، وما بالعهد من قِدَم، فكيف بأُمَّه بنى إسرائيل مع طول المدى وقِلَّة الحُفَّاظ النُقَّاد فيهم، وشربهم الخمور وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته؟ وإنما أباح الشارع الرواية عنهم فى قوله: "وحدِّثوا عن بنى إسرائيل ولا حَرَج" فيما قد يُجَوِّزه العقل، فأما فيما تحيله العقول، ويُحكم فيه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل. والله أعلم".
كما نلاحظ على ابن كثير أنه يدخل فى المناقشات الفقهية، ويذكر أقوال العلماء وأدلتهم عندما يشرح آية من آيات الأحكام، وإن شئتَ أن ترى مثالاً لذلك فارجع إليه عند تفسير قوله تعالى فى الآية [١٨٥] من سورة البقرة: ﴿ ... فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ .. الآية، فإنه ذكر أربع مسائل تتعلق بهذه الآية، وذكر أقوال العلّماء فيها، وأدلتهم على ما ذهبوا إليه، وارجع إليه عند تفسير قوله تعالى فى الآية [٢٣٠] من سورة البقرة أيضاً: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ .. الآية، فإنه قد تعرَّض لما يُشترط فى نكاح الزوج المحلِّل، وذكر أقوال العلماء وأدلَّتهم.
وهكذا يدخل ابن كثير فى خلافات الفقهاء، ويخوض فى مذاهبهم وأدلَّتهم كلما تكلَّم عن آية لها تعلق بالأحكام، ولكنه مع هذا مقتصد مُقِلٌ لا يُسرف كما أسرف غيره من فقهاء المفسِّرين.
وبالجملة.. فإن هذا التفسير من خير كتب التفسير بالمأثور، وقد شهد له بعض العلماء فقال السيوطى فى ذيل "تذكرة الحفَّاظ" والزرقانى فى "شرح المواهب": إنه لم يُؤَلَّف على نمطه مثله.
* * *
стр. 171
٧ - الجواهر الحسان فى تفسير القرآن (للثعالبى)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف الجواهر الحسان، هو أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبى، الجزائرى، المغربى، المالكى، الإمام الحُجَّة، العالِم العامل، الزاهد الورع، ولىُّ الله الصالح العارف بالله. كان من أولياء الله المعرضين عن الدنيا وأهلها، ومن خيار عباد الله الصالحين. قال ابن سلامة الكبرى: كان شيخنا الثعالبى رجلاً صالحاً، زاهداً عالماً، عارفاً، ولياً من أكابر الأولياء. وبالجملة فقد اتفق الناس على صلاحه وإمامته، وأثنى عليه جماعة من شيوخه بالعلم والدين والصلاح، كالإمام الأبىّ، والولىّ العراقى، وغيرهما. وقد عرَّف هو بنفسه فى مواضع من كتبه، وبيَّن أنه رحل من الجزائر لطلب العلم فى آخر القرن الثامن فدخل بجاية، ثم تونس، ثم رحل إلى مصر، ثم رجع إلى تونس، ويقول هو: لم يكن بتونس يومئذ مَن يفوتنى فى علم الحديث، إذا تكلمت أنصتوا وقبلوا ما أرويه، تواضعاً منهم وإنصافاً، واعترفاً بالحق، وكان بعض المغاربة يقول لى لما قدمت من المشرق: أنت آية فى علم الحديث. وذكر كل شيوخه الذين سمع منهم فى تلك البلاد.
وكان الثعالبى إماماً علاَّمة مُصَنِّفاً، خلَّف للناس كُتباً كثيرة نافعة، منها: "الجواهر الحسان فى تفسير القرآن" وهو التفسير الذى نحن بصدده، وكتاب الذهب الإبريز فى غرائب القرآن العزيز، وتحفة الإخوان فى إعراب بعض آيات القرآن، وكتاب جامع الأُمهات فى أحكام العبادات، وغير ذلك من الكتب النافعة فى نواح علمية مختلفة. وكانت وفاته سنة ٨٧٦هـ (ست وسبعين وثمانمائة من الهجرة) أو فى أواخر التى قبلها، عن نحو تسعين سنة، ودفن بمدينة الجزائر، فرحمه الله ورضى عنه.
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
نستطيع أن نأخذ فكرة عامة واضحة عن هذا التفسير من كلام مؤلِّفه نفسه الذى ذكره فى مقدمته وخاتمته. يقول الثعالبى ﵀ فى مقدمة تفسيره بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله: "فإنى قد جمعت لنفسى ولك فى هذا المختصر ما أرجو أن يقر الله به عينى وعينك فى الدارين، فقد ضمَّنته بحمد الله المهم مما اشتمل عليه تفسير ابن عطية، وزدته فوائد جمَّة، من غيره من كتب الأئمة، وثقات أعلام
стр. 172
هذه الأُمَّة، حسبما رأيته أو رُوِيته عن الإثبات وذلك قريب من مائة تأليف، وما فيها تأليف إلا وهو لإمام مشهور بالدين ومعدود فى المحققين، وكل مَنْ نقلت عنه من المفسِّرين شيئاً فمن تأليفه نقلت، وعلى لفظ صاحبه عوَّلت، ولم أنقل شيئاً من ذلك بالمعنى خوف الوقوع فى الزلل، وإنما هى عبارات وألفاظ لمن أعزوها إليه، وما انفردتُ بنقله عن الطبرى، فمن اختصار الشيخ أبى عبد الله محمد ابن عبد الله بن أحمد اللخمى النحوى لتفسير الطبرى نقلت، لأنه اعتنى بتهزيبه".
ثم أبان المؤلف عن رموز الكتاب فقال: "وكل ما فى آخره: "انتهى" فليس هو من كلام ابن عطية، بل ذلك مما انفردتُ بنقله من غيره، ومَنْ أشكل عليه لفظ فى هذا المختصر فليراجع الأُمهات المنقول عنها فليصلحه منها، ولا يصلحه برأيه وبديهة عقله فيقع فى الزلل من حيث لا يشعر. وجعلتُ علامة "التاء" لنفسى بدلاً من: "قلت"، ومَنْ شاء كتبها: قلت. وأما "العين" فلابن عطية. وما نقلته من الإعراب عن غير ابن عطية فمن الصفاقصى مختصر أبى حيان غالباً. وجعلت "الصاد" علامة عليه، وربما نقلتُ عن غيره معزواً لمن عنه نقلت. وكل ما نقلته عن أبى حيان - وإنما نقلى له بواسطة الصفاقصى - أقول: قال الصفاقصى: وجعلت علامة ما زدته على أبى حيان "م" وما يتفق لى إن أمكن فعلامته: "قلت".. وبالجملة فحيث أطلق، فالكلام لأبى حيان.. "
ثم قال: "وما نقلته من الأحاديث الصحاح والحسان عن غير البخارى ومسلم وأبى داود والترمذى فى باب الأذكار والدعوات، فأكثره من النووى وسلاح المؤمن. وفى الترغيب والترهيب وأصول الآخرة، فمعظمه من التذكرة للقرطبى، والعاقبة لعبد الحق. وربما زدتُ زيادة كثيرة من مصابيح البغوى وغيره، كما ستقف إن شاء الله تعالى على كل ذلك معزواً لمحاله. وبالجملة فكتابى هذا محشو بنفائس الحِكَم، وجواهر السُنن الصحيحة، والحِسان المأثورة عن سيدنا محمد ﷺ . وسميته بالجواهر الحسان فى تفسير القرآن".
ثم نقل مما جاء فى مقدمة تفسير ابن عطية، فذكر باباً فى فضل القرآن، وباباً فى فضل تفسير القرآن وإعرابه، وفصلاً فيما قيل فى الكلام فيه، والجرأة عليه، ومراتب المفسِّرين، وفصلاً فى اختلاف الناس فى معنى قوله ﷺ : "أُنزِل القرآن على سبعة أحرف"، وفصلاً فى ذكر الألفاظ التى فى القرآن مما للغات العجم بها تعلق، وباباً فى تفسير أسماء القرآن وذكر السورة والآية.. ثم شرع فى التفسير بعد ذلك كله، وفى كل ما تقدَّم يعتمد على ابن عطية وينقل عنه.
стр. 173
وفى خاتمة التفسير يقول: "وقد أودعته بحمد الله جزيلاً من الدرر، وقد استوعبتُ بحمد الله مهمات ابن عطية، وأسقطتُ كثيراً من التكرار وما كان من الشواذ فى غاية الوهى، وزدتُ من غيره جواهر ونفائس لا يُستغنى عنها، مميَّزة معزوَّة لمحالها، منقولة بألفاظها، وتوخيتُ فى جميع ذلك الصِّدق والصواب".
هذا هو وصف المؤلف لكتابه وبيانه له، ومنه يضح جلياً أن الكتاب عبارة عن مختصر لتفسير ابن عطية، مع زيادة نُقُول نقلها الثعالبى عمَّن سبقه من المفسِّرين، ومن أجل هذا نستطيع أن نقول: إن الثعالبى فى تفسيره هذا ليس له بعد الجمع والترتيب إلا عمل قليل، وأثر فكرى ضئيل.
والكتاب مطبوع فى الجزائر فى أربعة أجزاء، وتوجد منه نسخة بدار الكتب المصرية، وأخرى بالمكتبة الأزهرية، وفى آخر الكتاب معجم مختصر فى شرح ما وقع فيه من الألفاظ الغريبة، ألحقه به مؤلفه، وزاد فيه كلمات أخرى وردت فى غيره يُحتاج إلى معرفتها، وجُلَّها مما جاء فى الموطأ وصحيحى البخارى، ومسلم وغيرهما من الكتب الستة، وبعد هذا ذكر الثعالبى مرائيه التى رأى فيها النبى ﷺ .
وقد قرأت فى هذا التفسير فلاحظتُ أنه التزم ما ذكره فى مقدمته، فنقل عمَّن ذكرهم، ورمز إليهم بالحروف المذكورة، ووجدته يتعرض للقراءات أحياناً، ويدخل فى الصناعة النحوية ناقلاً عمَّن ذكره ومِنْ عند نفسه، ورأيته يستشهد فى بعض المواضع بالشعر العربى على المعنى الذى يذكره، وهو إذ يذكر الروايات المأثورة فى التفسير يذكرها بدون أن يذكر سنده إلى مَن يروى عنه، وقد وجدتُ الثعالبى يذكر بعض الروايات الإسرائيلية، ولكنه يتعقب ما يذكره بما يفيد عدم صحته، أو على الأقل بما يفيد عدم القطع بصحته، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٠] من سورة النمل: ﴿وَتَفَقَّدَ الطير فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد أَمْ كَانَ مِنَ الغآئبين﴾ نجده يذكر بعض الأخبار الإسرائيلية، ثم يقول بعد الفراغ منها: "والله أعلم بما صحَّ من ذلك"، ومثلاً عندما تكلم عن "بلقيس" فى نفس السورة السابقة نجده يقول: "وأكثرَ بعض الناس فى قصصها بما رأيتُ اختصاره لعدم صحته، وإنما اللازم من الآية، أنها امرأة ملكة على مدائن اليمن، ذات مُلْك عظيم، وكانت كافرة من قوم كُفَّار".
وجملة القول.. فإن الكتاب مفيد، جامع لخلاصات كتب مفيدة، وليس فيه ما فى غيره من الحشو المُخِل، والاستطراد المُمِل.
* * *
стр. 174
٨ - الدُرُّ المنثور فى التفسير المأثور (للسيوطى)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير هو الحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبى بكر بن محمد، السيوطى الشافعى، المسند المحقق، صاحب المؤلفات الفائقة النافعة، وِلُد فى رجب سنة ٨٤٩ هـ (تسع وأربعين وثمانمائة) ، وتوفى والده وله من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر، وأسند وصايته إلى جماعة، منهم الكمال بن الهمام، فقرره فى وظيفة الشيخونية ولحظه بنظره، وختم القرآن وله من العمر ثمان سنين، وحفظ كثيراً من المتون، وأخذ عن شيوخ كثيرين، عدّهم تلميذه الداودى فبلغ بهم واحداً وخمسين، كما عَدَّ مؤلفاته فبلغ بها ما يزيد على الخمسمائة مُؤلَّف، وشهرة مؤلفاته تُغنى عن ذكرها، فقد اشتهرت شرقاً وغرباً، ورُزِقت قبول الناس. وكان السيوطى ﵀ آية فى سرعة التأليف حتى قال تلميذه الداودى: عاينتُ الشيخ وقد كتب فى يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفاً وتحريراً.
وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه، رجالاً، وغريباً، ومتناً، وسنداً، واستنباطاً للأحكام. ولقد أخبر عن نفسه أنه يحفظ مائتى ألف حديث، قال: لو وجدتُ أكثر لحفظت. ولما بلغ الأربعين سنة تجرَّد للعبادة، وانقطع إلى الله تعالى، وأعرض عن الدنيا وأهلها، وترك الإفتاء والتدريس، واعتذر عن ذلك فى مُؤلَّف سمَّاه بـ " التنفيس"، وأقام فى روضة المقياس ولم يتحوَّل عنها إلى أن مات. وله مناقب وكرامات كثيرة. وله شعر كثير جيد، أغلبه فى الفوائد العلمية، والأحكام الشرعية. وتوفى فى سَحَر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى سنة ٩١١ هـ (إحدى عشرة وتسعمائة) فى منزله بروضة المقياس، فرضى الله عنه وأرضاه.
* *
التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
عرَّف الجلال السيوطى نفسه هذا التفسير، وبيَّن لنا الحامل له على تأليفه، وذلك بمجموع ما ذكره فى آخر كتاب الإتقان له، وما ذكره فى مقدمة الدُرّ المنثور نفسه، فقال فى آخر الإتقان (٢/ ١٨٣) : "وقد جمعت كتاباً مسنداً فيه تفاسير النبى ﷺ ، فيه بضعة عشر ألف حديث ما بين مرفوع وموقوف، وقد تم ولله الحمد فى أربع مجلدات، وسميته "ترجمان القرآن".
وقال فى مقدمة الدُرِّ المنثور (١/٢) : "وبعد.. فلما ألفَّتُ كتاب ترجمان القرآن - وهو التفسير المُسْنَد عن رسول الله ﷺ وتم بحمد الله فى مجلدات، فكان ما أوردته فيه من الآثار بأسانيد الكتب المخرَّجة منها واردات، رأيتُ قصور أكثر
стр. 175
الهمم عن تحصيله، ورغبتهم فى الاقتصار على متون الأحاديث دون الإسناد وتطويله، فلخَّصتُ منه هذا المختصر، مقتصراً فيه على متن الأثر، مصدراً بالعزو والتخريج إلى كل كتاب معتبر، وسميته بالدُرِّ المنثور، فى التفسير المأثور".
ومن هاتين العبارتين يتبين لنا أن السيوطى اختصر كتابه الدُرّ المنثور من كتابه ترجمان القرآن، وحذف الأسانيد مخافة الملل، مع عزوه كل رواية إلى الكتاب الذى أخذها منه.
ويقول السيوطى فى آخر الإتقان (٣/ ١٩٠) : "وقد شرعتُ فى تفسير جامع لجميع ما يُحتاج إليه من التفاسير المنقولة، والأقوال المعقولة، والاستنباطات والإشارات، والأعاريب واللغات، ونكت البلاغة ومحاسن البدائع وغير ذلك، بحيث لا يُحتاج معه إلى غيره أصلاً، وسميته بمجمع البحرين ومطلع البدرين، وهو الذى جعلت هذا الكتاب - يعنى الإتقان مقدمة له".
ومن هذه العبارة يتبين لنا أن كتاب: "مجمع البحرين، ومطلع البدرين" يشبه فى منهجه وطريقته - إلى حد كبير - تفسير ابن جرير الطبرى، ولكن لا ندرى إذا كان السيوطى قد أتم هذا التفسير أم لا، ويظهر لنا أنه لا صلة بينه وبين كتاب الدُرّ المنثور، وذلك لأنى استعرضتُ كتاب الدُرّ المنثور فوجدته لا يتعرض فيه مطلقاً لما ذكره من منهجه فى مجمع البحرين ومطلع البدرين، فلا استنباط، ولا إعراب، ولا نكات بلاغية، ولا مُحَسِّنات بديعية، ولا شئ مما ذكر أنه سيعرض له فى مجمع البحرين ومطلع البدرين، وكل ما فيه هو سرد الروايات عن السَلَف فى التفسير بدون أن يُعقِّب عليها، فلا يُعَدِّل ولا يُجَرِّح، ولا يُضَعِّف ولا يُصَحِّح، فهو كتاب جامع فقط لما يُروى عن السَلَف فى التفسير، أخذه السيوطى من البخارى، ومسلم، والنسائى، والترمذى، وأحمد، وأبى داود، وابن جرير، وابن أبى حاتم، وعبد ابن حميد، وابن أبى الدنيا، وغيرهم ممن تَقدَّمه ودَوَّن التفسير.
والسيوطى رجل مُغرم بالجمع وكثرة الرواية، وهو مع جلالة قدره، ومعرفته بالحديث وعلله، لم يتحر الصحة فيما جمع فى هذا التفسير، وإنما خلط فيه بين الصحيح والعليل، فالكتاب يحتاج إلى تصفية حتى يتميز لنا عثه من سمينه، وهو مطبوع فى ست مجلدات، ومتداوَل بين أهل العلم.
ولا يفوتنا هنا أن ننبه إلى أن كتاب الدُرّ المنثور، هو الكتاب الوحيد الذى اقتصر على التفسير المأثور من بين هذه الكتب التى تكلمنا عنها، فلم يخلط بالروايات التى نقلها شيئاً من عمل الرأى كما فعل غيره.
وإنما اعتبرنا كل هذه الكتب من كتب التفسير بالمأثور، نظراً لما امتازت به عمَّا
стр. 176
عداها من الإكثار فى النقل، والاعتماد على الرواية، وما كان وراء ذلك من محاولات تفسيرية أو استطردات إلى نواح تتصل بالتفسير، فذلك أمر يكاد يكون ثانوياً بالنسبة لما جاء فيها من روايات عن السَلَف فى التفسير.
وإلى هنا نمسك عن الكلام عن بقية الكتب المؤلَّفة فى التفسير المأثور لما قدّمناه من عدم وصول جميعها إلينا، ومن مخافة التطويل.. ولعل القارئ الكريم يتفق معى على أن هذه الكتب التى تقدَّمت، يغنى الكلام عنها عن الكلام عما عداها من الكتب التى نهجت هذا المنهج وسلكت هذا الطريق.
* * *
стр. 177
التفسير بالرأى وما يتعلق به من مباحث
*معنى التفسير بالرأى:
يُطلق الرأى على الاعتقاد، وعلى الاجتهاد، وعلى القياس، ومنه: أصحاب الرأى: أى أصحاب القياس.
والمراد بالرأى هنا "الاجتهاد" وعليه فالتفسير بالرأى، عبارة عن تفسير القرآن بالاجتهاد بعد معرفة المفسِّر لكلام العرب ومناحيهم فى القول، ومعرفته للألفاظ العربية ووجوه دلالاتها، واستعانته فى ذلك بالشعر الجاهلى ووقوفه على أسباب النزول، ومعرفته بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن، وغير ذلك من الأدوات التى يحتاج إليها المفسِّر، وسنذكرها قريباً إن شاء الله تعالى.
* موقف العلماء من التفسير بالرأى:
اختلف العلماء من قديم الزمان فى جواز تفسير القرآن بالرأى، ووقف المفسِّرون بإزاء هذا الموضوع موقفين متعارضين:
فقوم تشدَّدوا فى ذلك فلم يجرءوا على تفسير شئ من القرآن، ولم يبيحوه لغيرهم، وقالوا: لا يجوز لأحد تفسير شئ من القرآن وإن كان عالماً أديباً متسعاً فى معرفة الأدلة، والفقه، والنحو، والأخبار، والآثار، وإنما له أن ينتهى إلى ما روى النبى ﷺ ، وعن الذين شهدوا التنزيل من الصحابة رضى الله عنهم، أو عن الذين أخذوا عنهم من التابعين.
وقوم كان موقفهم على العكس من ذلك، فلم يروا بأساً من أن يفسِّروا القرآن باجتهادهم، ورأوا أن مَنْ كان ذا أدب وسيع فموسَّع له أن يُفسِّر القرآن برأيه واجتهاده.
والفريقان على طرفى نقيض فيما يبدو، وكل يُعَزِّز رأيه ويُقَوِّيه بالأدلة والبراهين. أما الفريق الأول - فريق المانعين - قد استدَّلوا بما يأتى:
أولاً - قالوا: إن التفسير بالرأى قول على الله بغير علم، والقول على الله بغير علم منهى عنه فالتفسير بالرأى منهى عنه، دليل الصغرى: أن المفسِّر بالرأى ليس على يقين بأنه أصاب ما أراد الله تعالى، ولا يمكنه أن يقطع بما يقول، وغاية الأمر أنه يقول بالظن، والقول بالظن قول على الله بغير علم.
стр. 178
ودليل الكبرى: قوله تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ وهو معطوف على ما قبله من المحرَّمات فى قوله تعالى فى الآية [٣٣] من سورة الأعراف: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ .. الآية، وقوله تعالى فى الآية [٣٦] من سورة الإسراء: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ..
قد رَدَّ المجيزون هذا الدليل فقالوا: نمنع الصغرى. لأن الظن نوع من العلم، إذ هو إدراك الطرف الراجح. وعلى فرض تسليم الصغرى فإنَّا نمنع الكبرى، لأن الظن منهى عنه إذا أمكن الوصول إلى العلم اليقينى القطعى، بأن يوجد نص قاطع من نصوص الشرع، أو دليل عقلى موصل لذلك. أما إذا لم يوجد شئ من ذلك، فالظن كاف هنا، لاستناده إلى دليل قطعى من الله على صحة العمل به إذ ذاك. كقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .. وقوله ﵊: "جعل الله للمصيب أجرين وللمخطئ واحداً"، ولقول رسول الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "فبِمَ تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسُّنَّة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيى، فضرب رسول الله ﷺ فى صدره وقال: الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يُرضى رسول الله".
ثانياً - استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ، فقد أضاف البيان إليه، فعُلِمَ أنه ليس لغيره شئ من البيان لمعانى القرآن.
وأجاب المجيزون عن هذا الدليل فقالوا: نعم إنَّ النبى ﷺ مأمور بالبيان ولكنه مات ولم يبيِّن كل شئ فما ورد بيانه عنه ﷺ ففيه الكفاية عن فكره من بعده، وما لم يرد عنه ففيه حينئذ فكرة أهل العلم بعده، فيستدلون بما ورد بيانه على ما لم يرد، والله تعالى يقول فى آخر الآية: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
ثالثاً - استدَّلوا بما ورد فى السُّنَّة من تحريم القول فى القرآن بالرأى فمن ذلك:
١ - ما رواه الترمذى عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى ﷺ أنه قال: "اتقوا الحديث عنى إلا ما علمتم، فمَن كذب علىّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ومَن قال فى القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار".. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
٢ - ما رواه الترمذى وأبو داود عن جُندب أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن قال فى القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ".
وأجاب المجيزون عن هذين الحديثين بأجوبة:
стр. 179
منها: أن النهى محمول على مَنْ قال برأيه فى نحو مشكل القرآن، ومشتابهه، من كل ما لم يُعلم إلا عن طريق النقل عن النبى ﷺ والصحابة عليهم رضوان الله.
ومنها: أنه أراد - بالرأى - الرأى الذى يغلب على صاحبه من غير دليل يقوم عليه، أما الذى يشده البرهان، ويشهد له الدليل، فالقول به جائز، فالنهى على هذا متناول لمن كان يعرف الحق ولكنه له فى الشئ رأى وميل إليه من طبعه وهواه، فيتأوَّل القرآن على وفق هواه، ليحتج به على تصحيح رأيه الذى يميل إليه، ولو لم يكن له ذلك الرأى والهوى لما لاح له هذا المعنى الذى حمل القرآن عليه. ومتناول لمن كان جاهلاً بالحق ولكنه يحمل الآية التى تحتمل أكثر من وجه على ما يوافق رأيه وهواه، ويُرَجِّح هذا الرأى بما يتناسب مع ميوله، ولولا هذا لما تَرَجَّحَ عنده ذلك الوجه. ومتناول أيضاً لمن كان له غرض صحيح ولكنه يستدل لغرضه هذا بدليل قرآنى يعلم أنه ليس مقصوداً به ما أراد، مثل الداعى إلى مجاهدة النفس الذى يستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾ ، [طه: ٢٤] ويريد من فرعون النفس.. ولا شك أن مثل هذا قائل فى القرآن برأيه.
ومنها: أن النهى محمول على مَنْ يقول فى القرآن بظاهر العربية، ومن غير أن يرجع إلى أخبار الصحابة الذى شاهدوا تنزيله، وأدُّوا إلينا من السنُن ما يكون بياناً لكتاب الله تعالى، وبدون أن يرجع إلى السماع والنقل فيما يتعلق بغريب القرآن، وما فيه من المبهمات. والحذف، والاختصار، والإضمار، والتقديم، والتأخير، ومراعاة مقتضى الحال، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وما إلى ذلك من كل ما يجب معرفته لمن يتكلم فى التفسير، فإنَّ النظر إلى ظاهر العربية وحده لا يكفى، بل لا بد من ذلك أولاً، ثم بعد ذلك يكون التوسع فى الفهم والاستنباط.
فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩] معناه: وآتينا ثمود الناقة معجزة واضحة، وآية بيِّنة على صدق رسالته، فظلموا بعقرها أنفسهم، ولكن الواقف عن ظاهر العربية وحدها بدون أن يستظهر بشئ مما تقدَّم، يظن أن "مبصرة" من الإبصار بالعين، وهو حال من الناقة، وصف لها فى معنى، ولا يدرى بعد ذلك بِمَ ظلموا، ولا مَنْ ظلموا.
كل من هذه الأجوبة الثلاثة. يمكن أن يُجاب به على مَنْ يستند فى قوله بحُرْمة التفسير بالرأى على هذين الحديثين المتقدمين، وهى أجوبة سليمة دامغة، كافية لإسقاط حُجَّتهما والاعتماد عليهما.
هذا.. ويمكن الإجابة عن حديث جُندب - زيادة عما تقدَّم - بأنَّ هذا الحديث لم تثبت صحته، لأن مِن رواته سُهيل بن أبى حزم، وهو مُتكلَّم فيه، قال فيه أبو
стр. 180
حاتم: ليس بالقوى، وكذا قال البخارى والنسائى، وضعَّفه ابن معين، وقال فيه الإمام أحمد: روى أحاديث منكرة، والترمذى نفسه يقول بعد روايته لهذا الحديث: "وقد تكلَّم بعض أهل الحديث فى سُهيل بن أبى حزم".
رابعاً - ما ورد عن السَلَف من الصحابة والتابعين، من الآثار التى تدل على أنهم كانوا يُعَظِّمون تفسير القرآن ويتحرَّجون من القول فيه بآرائهم.
فمن ذلك: ما جاء عن أبى مُليكة أنه قال: سُئل أبو بكر الصِدِّيق رضى الله عنه فى تفسير حرف من القرآن فقال: "أىُّ سماء تظلنى، وأىُّ أرض تقلنى، وأين أذهب، وكيف أصنع إذا قلتُ فى حرف من كتاب الله بغير ما أراد ﵎"؟
وما ورد عن سعيد بن المسيب: أنه كان إذا سُئل عن الحلال والحرام تكلَّم، وإذا سُئل عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع شيئاً.
وما روى عن الشعبى أنه قال: "ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن، والروح، والرأى".
وهذا ابن مجاهد يقول: "قال رجل لأُبَىِّ: أنت الذى تُفسِّر القرآن برأيك؟ فبكى أُبَىّ، ثم قال: إنى إذن لجرئ، لقد حملتُ التفسير عن بضعة عشر رجلاً من أصحاب النبى ﷺ ورضى عنهم".
وهذا هو الأصمعى إمام اللغة، كان مع علمه الواسع شديد الاحتراز فى تفسير الكتاب، بل والسُّنَّة، فإذا سُئل عن معنى شئ من ذلك يقول: "العرب تقول: معنى هذا كذا، ولا أعلم المراد منه فى الكتاب والسُّنَّة أى شئ هو".
.. وغير هذا كثير من الآثار الدالة على المنع من القول فى التفسير بالرأى.
وقد أجاب المجيزون عن هذه الآثار: بأن إحجام مَن أحجم من السَلَف عن التفسير بالرأى، إنما كان منهم ورعاً واحتياطاً لأنفسهم، مخافة ألا يبلغوا ما كُلِّفوا به من إصابة الحق فى القول، وكانوا يرون أن التفسير شهادة على الله بأنه عَنِى باللفظ كذا وكذا، فأمسكوا عنه خشية أن لا يوافقوا مراد الله ، وكان منهم مَن يخشى أن يُفسِّر القرآن برأيه فيُجعل فى التفسير إماماً يُبنَى على مذهبه ويُقتفَى طريقه، فربما جاء أحد المتأخرين وفسَّر القرآن برأيه فوقع فى الخطأ، ويقول: إمامى فى التفسير بالرأى فلان من السَلَف.
ويمكن أن يُقال أيضاً: إن إحجامهم كان مُقيَّداً بما لم يعرفوا وجه الصواب فيه، أما إذا عرفوا وجه الصواب فكانوا لا يتحرَّجون من إبداء ما يظهر لهم ولو بطريق الظن. فهذا
следующие страницы →