← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12393

التفسير والمفسرون

محمد حسين الذهبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه: ذكر مؤلف هذا التفسير فى مقدمته أنه منذ عهد الصغر، لم يزل متطلباً لاستكشاف سر كتاب الله المكتوم، مترقباً لارتشاف رحيقه المختوم، وأنه طالما فرق نومه لجمع شوارده، وفارق قومه لوصال خرائده، لا يرفل فى مطارف اللهو كما يرفل أقرانه، ولا يهب نفائس الأوقات لخسائس الشهوات كما يفعل إخوانه، وبذلك وفَّقه الله للوقوف على كثير من حقائقه، وحل وفير من دقائقه، وذكر أنه قبل أن يكمل سنه العشرين، شرع يدفع كثيراً من الإشكالات التى ترد على ظاهر النظم الكريم، ويتجاهر بما لم يظفر به فى كتاب من دقائق التفسير، ويعلق على ما أغلق مما لم تعلق به ظفر كل ذى ذهن خطير، وذكر أنه استفاد من علماء عصره، واقتطف من أزهارهم، واقتبس من أنوارهم، وأودع علمهم صدره، وأفنى فى كتابة فوائدهم حبره ... ثم ذكر أنه كثيراً ما خطر له أن يحرر كتاباً يجمع فيه ما عنده من ذلك وأنه كان يتردد فى ذلك، إلى أن رأى فى بعض ليالى الجمعة من شهر رجب سنة ١٢٥٢ هـ (اثنتين وخمسين ومائتين بعد الألف من الهجرة) ، أن الله جَلّ شأنه أمره بطى السماوات والأرض، ورتق فتقهما على الطول والعرض، فرفع يداً إلى السماء، وخفض الأخرى إلى مستقر الماء، ثم انتبه من نومه وهو مستعظم لرؤيته، فجعل يفتش لها عن تعبير، فرأى فى بعض الكتب أنها إشارة إلى تأليف تفسير، فشرع فيه فى الليلة السادسة عشرة من شهر شعبان من السنة المذكورة، وكان عمره إذ ذاك أربعاً وثلاثين سنة، وذلك فى عهد السلطان محمود خان بن السلطان عبد الحميد خان، وذكر فى خاتمته أنه انتهى منه ليلة الثلاثاء لأربع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ١٢٦٧ هـ (سبع وستين ومائتين بعد الألف) ، ولما انتهى منه جعل يفكر ما اسمه؟ وبماذا يدعوه؟ فلم يظهر له اسم تهتش له الضمائر، وتبتش من سماعه الخواطر، فعرض الأمر على وزير الوزراء علىّ رضا باشا. فسمَّاه على الفور: "روح المعانى، فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى". هذه هى قصة تأليف هذا التفسير، كما ذكرها صاحبه عليه رضوان الله. وقد ذكروا أن سلوكه فى تفسيره هذا كان أمراً عظيماً، وسراً من الأسرار غريباً، فإن نهاره كان للإفتاء والتدريس وأول ليلة لمنادمة مستفيد وجليس، فيكتب بأواخر الليل منه ورقات، فيعطيها صباحاً للكُتَّاب الذين وظَّفهم فى داره فلا يكملونها تبييضاً إلا فى نحو عشر ساعات. * * * مكانة هذا التفسير من التفاسير التى تقدمته: ثم إن هذا التفسير - والحق يقال - قد أفرغ فيه مؤلفه وسعه، وبذل مجهوده حتى أخرجه للناس كتاباً جامعاً لآراء السَلَف رواية ودراية، مشتملاً على أقوال الخَلَف بكل

стр. 247

أمانة وعناية، فهو جامع لخلاصة كل ما سبقه من التفاسير، فتراه ينقل لك عن تفسير ابن عطية، وتفسير أبى حيان، وتفسير الكشاف، وتفسير أبى السعود، وتفسير البيضاوى، وتفسير الفخر الرازى، وغيرها من كتب التفسير المعتبرة، وهو إذا نقل عن تفسير أبى السعود يقول - غالباً -: قال شيخ الإسلام. وإذا نقل عن تفسير البيضاوى يقول - غالباً -: قال القاضى، وإذا نقل عن تفسير الفخر الرازى يقول - غالباً -: قال الإمام. وهو إذ ينقل عن هذه التفاسير ينصب نفسه حَكَماً عدلاً بينها، ويجعل من نفسه نقَّاداً مُدققاً، ثم يبدى رأيه حراً فيما ينقل، فتراه كثيراً ما يعترض على ما ينقله عن أبى السعود، أو عن البيضاوى، أو عن أبى حيان، أو عن غيرهم. كما تراه يتعقب الفخر الرازى فى كثير من المسائل، ويرد عليه على الخصوص فى بعض المسائل الفقهية، انتصاراً منه لمذهب أبى حنيفة، ثم إنه إذا استصوب رأياً لبعض مَن ينقل عنهم، انتصر له ورجَّحَه على ما عداه. * * * موقف الألوسى من المخالفين لأهل السُّنَّة: والألوسى سَلَفى المذهب سُّنِّى العقيدة، ولهذا نراه كثيراً ما يُفَنِّد آراء المعتزلة والشيعة، وغيرهم من أصحاب المذاهب المخالفة لمذهبه. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٥] من سورة البقرة: ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ .. يقول بعد كلام طويل ما نصه: " ... وإضافته - أى الطغيان - إليهم، لأنه فعلهم الصادر منهم، بقدرهم المؤثرة بإذن الله تعالى فالاختصاص المشعرة به الإضافة، إنما هو بهذا الاعتبار، لا باعتبار المحلية والاتصاف، فإنه معلوم لا حاجة فيه إلى الإضافة، ولا باعتبار الإيجاد استقلالاً من غير توقف على إذن الفعَّال لما يريد، فإنه اعتبار عليه غبار، بل غبار ليس له اعتبار، فلا تهولنك جعجعة الزمخشرى وقعقعته". وانظر إلى ما كتبه قبل ذلك عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٧] من السورة نفسها: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ تجده يطيل بما لا يتسع لذكره المقام هنا، من بيان إسناد الختم إليه على مذهب أهل السُّنَّة، ومن ذكر ما ذهب إليه المعتزلة فى هذه الآية وما ردَّ به عليهم، وفنَّد به تأويلهم الذى يتفق مع مذهبهم الاعتزالى. ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١١] من سورة الجمعة: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مِّنَ اللهو وَمِنَ التجارة والله خَيْرُ الرازقين﴾ .. يقول ما نصه: "وطعن الشيعة لهذه الآية الصحابة رضى الله

стр. 248

تعالى عنهم، بأنهم آثروا دنياهم، على آخرتهم، حيث انفضُّوا إلى اللَّهو والتجارة، ورغبوا عن الصلاة التى هو عماد الدين، وأفضل من كثير من العبادات، لا سيما مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وروى أن ذلك قد وقع مراراً منهم، وفيه أن كبار الصحابة كأبى بكر وعمر وسائر العشرة المبشرة لم ينفضُّوا، والقصة كانت فى أوائل زمن الهجرة، ولم يكن أكثر القوم تام التحلى بحلية آداب الشريعة بعد، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر، فخاف أولئك المنفضُّون اشتداد الأمر عليهم بشراء غيرهم ما يُقتات به لو لم ينفضُّوا، ولذا لم يتوعدهم الله على ذلك بالنار أو نحوها، بل قصارى ما فعل سبحانه أنه عاتبهم ووعظهم ونصحهم، ورواية أن ذلك وقع منهم مراراً إن أريد بها رواية البيهقى فى شُعَب الإيمان عن مقاتل بن حيان أنه قال: بلغنى - والله تعالى أعلم - أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، فمثل ذلك لا يُلتفت إليه ولا يُعَوِّل عند المحدِّثين عليه. وإن أريد بها غيرها فليبين وليثبت صحته، وأنَّى بذلك؟ وبالجملة: الطعن بجميع الصحابة لهذه القصة التى كانت من بعضهم فى أوائل أمرهم - وقد عقبها منهم عبادات لا تحصى - سفه ظاهر وجهل وافر. * الألوسى والمسائل الكونية: ومما نلاحظه على الألوسى فى تفسيره، أنه يستطرد إلى الكلام فى الأُمور الكونية. ويذكر كلام أهل الهيئة وأهل الحكمة، ويقر منه ما يرتضيه، ويُفنَّد ما لا يرتضيه، وإن أردت مثالاً جامعاً، فارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيات [٣٨، ٣٩، ٤٠] من سورة يس: ﴿والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم * والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم * لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ .. وارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٢] من سورة الطلاق: ﴿الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ﴾ فسترى منه توسعاً فى هذه الناحية. * * * كثرة استطراده للمسائل النحوية: كذلك يستطرد الألوسى إلى الكلام فى الصناعة النحوية، ويتوسع فى ذلك أحياناً إلى حد يكاد يخرج به عن وصف كونه مفسِّراً، ولا أحيلك على نقطة بعينها، فإنه لا يكاد يخلو موضع من الكتاب من ذلك. * * *

стр. 249

موقفه من المسائل الفقهية: كذلك نجده إذا تكلم عن آيات الأحكام فإنه لا يمر عليها إلا إذا استوفى مذاهب الفقهاء وأدلتهم مع عدم تعصب منه لمذهب بعينه. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية: [٢٣٦] من سورة البقرة: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ مَتَاعاً بالمعروف حَقّاً عَلَى المحسنين﴾ .. يقول ما نصه: وقال الإمام مالك: المحسنون: المتطوعون، وبذلك استدل على استحباب المتعة وجعله قرينة صارفة للأمر إلى الندب، وعندنا: هى واجبة للمطلَّقات فى الآية، مستحبَة لسائر المطلَّقات. وعند الشافعى رضى الله عنه فى أحد قوليه: هو واجبة لكل زوجة مطلَّقة إذا كان الفراق من قِبَل الزوج إلا التى سمى لها وطُلِّقت قبل الدخول، ولما لم يساعده مفهوم الآية ولم يعتبر العموم فى قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف﴾ لأنه يحمل المطلق على المقيد، قال بالقياس، وجعله مقدَّماً على المفهوم، لأنه من الحجج القطعية دونه، وأجيب عما قاله مالك، بمنع قصر المحسن على المتطوع، بل هو أعم منه ومن القائم بالواجبات، فلا ينافى الوجوب، فلا يكون صارفاً للأمر عنه مع ما انضم إليه من لفظ حقاً". وإذا أردت أن تتأكد من أن الألوسى غير متعصب لمذهب بعينه فارجع إلى البحث الذى أفاض فيه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٢٨] من سورة البقرة: ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء﴾ ... الآية، تجده بعد أن يذكر مذهب الشافعية، ومذهب الحنفية، وأدلة كل منهم، ومناقشاتهم يقول: "وبالجملة، كلام الشافعية فى هذا المقام قوى، كما لا يخفى على مَن أحاط بأطراف كلامهم، واستقرأ ما قالوه، تأمل ما دفعوا به من أدلة مخالفيهم". * * * موقفه من الإسرائيليات: ومما نلاحظ على الألوسى أنه شديد النقد للإسرائيليات والأخبار المكذوبة التى حشا بها كثير من المفسِّرين تفاسيرهم وظنوها صحيحة، مع سخرية منه أحياناً. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٢] من سورة المائدة: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً﴾ .. نجده يقص علينا قصة عجيبة عن عوج بن عنق، يرويها عن البغوى، ولكنه بعد الفراغ منها يقول ما نصه: "وأقول: قد

стр. 250

شاع أمر عوج عند العامة، ونقلوا فيه حكايات شنيعة، وفى فتاوى العلاَّمة ابن حجر، قال الحافظ العماد ابن كثير: قصة عوج وجميع ما يحكون عنه، هذيان لا أصل له، وهو من مختلقات أهل الكتاب، ولم يكن قط على عهد نوح ﵇، ولم يسلم من الكفار أحد. وقال ابن القيم: من الأُمور التى يُعرف بها كون الحديث موضوعاً، أن يكون مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه، كحديث عوج بن عنق. وليس العجب مِن جرأة مَن وضع هذا الحديث وكذب على الله تعالى، إنما العجب ممن يُدخل هذا الحديث فى كتب العلم من التفسير وغيره ولا يبيِّن أمره، ثم قال: ولا ريب أن هذا وأمثاله من صنع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء والسخرية بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم.. ثم مضى الألوسى فى تفنيد هذه القصة بما حكاه عن غير مَن تقدّم من العلماء الذين استنكروا هذه القصة الخرافية. ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٨] من سورة هود: ﴿وَيَصْنَعُ الفلك وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ﴾ .. نجده يروى أخباراً كثيرة فى نوع الخشب الذى صُنعت منه السفينة، وفى مقدار طولها وعرضها ارتفاعها، وفى المكان الذى صُنعت فيه.. ثم يُعقِّب على كل ذلك بقوله: "وسفينة الأخبار فى تحقيق الحال فيما رأى لا تصلح للركوب فيها، إذ هى غير سالمة عن عيب، فالحرى بحال مَن لا يميل إلى الفضول، أن يؤمن بأنه ﵇ صنع الفُلْك حسبما قص الله تعالى فى كتاب، ولا يخوض فى مقدار طولها وعرضها وارتفاعها، ومن أى خشب صنعها، وبكم مدة أتم عملها إلى غير ذلك مما لم يشرحه الكتاب ولم تبينه السُّنَّة الصحيحة". * * * تعرضه للقراءات والمناسبات وأسباب النزول: ثم إن الألوسى يعرض لذكر القراءات ولكنه لا يتقيد بالمتواتر منها، كما أنه يعنى بإظهار وجه المناسبات بين السور كما يعنى بذكر المناسبات بين الآيات ويذكر أسباب النزول للآيات التى أنزلت على سبب، وهو كثير الاستشهاد بأشعار العرب على ما يذهب إليه من المعانى اللغوية. * * * الألوسى والتفسير الإشارى: ولم يفت الألوسى أن يتكلم عن التفسير الإشارى بعد أن يفرغ من الكلام عن كل ما يتعلق بظاهر الآيات، ومن هنا عَدَّ بعض العلماء تفسيره هذا فى ضمن كتب

стр. 251

التفسير الإشارى، كما عَدَّ تفسير النيسابورى فى ضمنها كذلك، ولكنى رأيت أن أجعلهما فى عِداد كتب التفسير بالرأى المحمود، نظراً إلى أنه لم يكن مقصودهما الأهم هو التفسير الإشارى، بل كان ذلك تابعاً - كما يبدو - لغيره من التفسير الظاهر، وهذه - كما قلت من قبل - مسألة اعتبارية لا أكثر ولا أقل، وإنما أردت أن أُبيِّن جهتى الاعتبار. وجملة القول.. فروح المعانى للعلاَّمة الألوسى ليس إلا موسوعة تفسيرية قيِّمة. جمعت جُلَّ ما قاله علماء التفسير الذين تقدَّموا عليه، مع النقد الحر، والترجيح الذى يعتمد على قوة الذهن وصفاء القريحة، وهو وإن كان يستطرد إلى نواح علمية مختلفة، مع توسع يكاد يخرجه عن مهمته كمفسِّر إلا أنه متزن فى كل ما يتكلم فيه، مما يشهد له بغزارة العلم على اختلاف نواحيه، وشمول الإحاطة بكل ما يتكلم فيه، فجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء، إنه سميع مجيب. وبعد ... فهذه هى أهم كتب التفسير بالرأى الجائز، وهناك كتب أخرى تدخل فى هذا النوع من التفسير، ولها أهميتها وقيمتها، كما أن لها شهرتها الواسعة بين أهل العلم الذين يعنون بالتفسير، غير أنى أمسكت عنها هنا مخافة التطويل، ولعدم إمكان الحصول على بعضها، وأحسب أن فى هذا القدر كفاية وغنى عن كتب أخرى كثيرة. * * *

стр. 252

التفسير بالرأى المذموم.. أو تفسير الفرقة المبتدعة * تمهيد فى بيان نشأة الفِرَق الإسلامية: جرى التفسير منذ زمن النبوة إلى زمن أتباع التابعين، على طريقة تكاد تكون واحدة، فخَلَف كل عصر يحمل التفسير عمَّن سلف بطريق الرواية والسماع، وفى كل عصر من هذه العصور، تتجدد نظرات تفسيرية، لم يكن لها وجود قبل ذلك، وهذا راجع إلى أن الناس كلما بعدوا عن عصر النبوة ازدادت نواحى الغموض فى التفسير. فكان لا بد للتفسير من أن يتضخم كلما مرَّت عليه السنون. لم يكن هذا التضخم فى الحقيقة إلا محاولات عقلية، ونظرات اجتهادية، قام بها أفراد ممن لهم عناية بهذه الناحية. غير أن هذه الناحية العقلية فى التفسير لم تخرج عن قانون اللغة، ولم تتخط حدود الشريعة، بل ظلَّت محتفظة بصبغتها العقلية والدينية، فلم تتجاوز دائرة الرأى المحمود إلى دائرة الرأى المذموم الذى لا يتفق وقواعد الشرع. ظلَّ الأمر على ذلك إلى أن قامت الفرق المختلفة، وظهرت المذاهب الدينية المتنوعة، ووجِد من العلماء من يحاول نُصرة مذهبه والدفاع عن عقيدته بكل وسيلة وحيلة. وكان القرآن هو هدفهم الأول الذى يقصدون إليه جميعاً، كلٌ يبحث فى القرآن ليجد فيه ما يُقَوِّى رأيه ويُؤَيِّد مذهبه، وكلٌ واجد ما يبحث عنه ولو بطريق إخضاع الآيات القرآنية لمذهبه، والميل بها مع رأيه وهواه، وتأويل ما يصادمه منها تأويلاً يجعلها غير منافية لمذهبه ولا متعارضة معه. ومن هنا بدأ الخروج عن دائرة الرأى المحمود إلى دائرة الرأى المذموم، واستفحل الأمر إلى حد جعل القوم يتسعون فى حماية عقائدهم، والترويج لمذاهبهم، بما أخرجوه للناس من تفاسير حملوا فيها كلام الله على وفق أهوائهم، ومقتضى نزعاتهم ونحلهم!! ونحن نعلم بطريق الإجمال - وللتفصيل موضع غير هذا - أن رسول الله ﷺ قال: "ستفترق أُمَّتى ثلاثاً وسبعين فِرْقة، كلها فى النار، إلا واحدة، وهى ما أنا عليه وأصحابى" وقد حقق الله نبوءة رسوله، وصدَّق قوله فتصدعت الوحدة الإسلامية إلى أحزاب مختلفة، وفرق متنافرة متناحرة، ولم يظهر هذا التفرق بكل ما فيه من خطر على الإسلام والمسلمين إلا فى عصر الدولة العباسية، أما قبل ذلك، فقد كان المسلمون يداً واحدة، وكانت عقيدتهم واحدة كذلك، إذا استثنينا ما كان بينهم من المنافقين الذين

стр. 253

ينتسبون إلى الإسلام ويضُمرون الكفر، وما كان بين علىّ ومعاوية من خلاف لم يكن له مثل هذا الخطر. وإن كان النواة التى قام عليها التحزب، ونبت عنها التفرق والاختلاف. بدأ الخلاف بين المسلمين أول ما بدأ، فى أُمور اجتهادية لا تصل بأحد منهم إلى درجة الابتداع والكفر، كاختلافهم عن قول النبى ﷺ : "إئتونى بقرطاس أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدى" حتى قال عمر: إن النبى قد غيبه الوجع، حسبنا كتاب الله، وكثر اللغط فى ذلك حتى قال النبى ﷺ : "قوموا عنى، لا ينبغى عندى التنازع". وكاختلافهم فى موضع دفنه ﷺ أيُدفن بمكة، لأنها مولده وبها قِبْلته ومشاعر الحج؟ أم يُدفن بالمدينة، لأنها موضع هجرته، وموطن أهل نُصرته؟ أم يُدفن ببيت المقدس، لأن بها تربة الأنبياء ومشاهدهم؟ وكالخلاف الذى وقع بينهم فى سقيفة بنى ساعدة فى تولية مَن يخلف رسول الله ﷺ بعد وفاته، وغير ذلك من الخلافات التى وقعت بينهم، ولم يكن لها خطرها الذى ينجم عنه التفرق ووقوع الفتنة والبغضاء بين المسلمين. ظل الأمر على ذلك إلى زمن عثمان رضى الله عنه، وكان ما كان من خروج بعض المسلمين عليه، ومحاصرتهم لداره، وقتلهم له، فعرى المسلمين من ذلك الوقت رجة فكرية عنيفة، طاحت بالروية، وذهبت بكثير من الأفكار مذاهب شتَّى، فقام قوم يطالبون بدم عثمان، ثم نشبت الحرب بين علىّ ومعاوية رضى الله عنهما من أجل الخلافة، وكان لكل منهم شيعة وأنصار يشدون أزره، ويقوون عزمه، وتبع ذلك انشقاق جماعة علىّ كرَّم الله وجهه، بعد مسألة التحكيم فى الخلاف الذى بينه وبين معاوية، فى السنة السابعة والثلاثين من الهجرة، فظهرت من ذلك الوقت فرقة الشيعة، وفرقة الخوراج، وفرقة المرجئة، وفرقة أخرى تنحاز لمعاوية، وتؤيد الأمويين على وجه العموم. ثم أخذ هذا الخلاف والتفرق، يتدرج شيئاً فشيئاً، ويترقى حيناً بعد حين، إلى أن ظهر فى أيام المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية، وكان أول مَن جهر بهذا المذهب ووضع الحجر الأساسى لقيام هذه الفِرْقة، معبد الجهنى الذى أخذ عنه مذهبه غيلان الدمشقى ومَن شاكله، وكان ينكر عليهم مذهبهم هذا مَن بقى من الصحابة كعبد الله بن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبى هريرة، وغيرهم. ثم ظهر بعد هؤلاء - وفى زمن الحسن البصرى بالبصرة - خلاف واصل ابن عطاء

стр. 254

فى القدر، وفى القول بالمنزلة بين المنزلتين، ومجادلته للحسن البصرى فى ذلك، واعتزاله مجلسه، ومن ذلك الوقت ظهرت فرقة المعتزلة. ثم كان من أصحاب الديانات المختلفة كاليهودية، والنصرانية، والمجوسية، والصابئة.. إلى آخر مَن تزيا بزى الإسلام وأبطن الكيد له، حنيناً إلى مِلَّتهم الأولى، كعبد الله بن سبأ اليهودى، فأوضعوا خلال المسلمين يبغونهم الفتنة، ويرجون لهم الفُرْقة، فأفلحوا فيما قصدوا إليه من تحزب المسلمين وتفرقهم. وفى خلال ذلك غلا بعض الطوائف التى ولدها الخلاف، فابتدعوا أقوالاً خرجت بهم عن دائرة الإسلام كالقائلين بالحلول والتناسخ من السبئية، وكالباطنية الذين لا يُعدون من فرق الإسلام، وإنما هم فى الحقيقة على دين المجوس. لم يزل الخلاف يتشعب، والآراء تتفرق، حتى تفرَّق أهل الإسلام وأرباب المقالات، إلى ثلاث وسبعين فِرقة كما قال صاحب المواقف، وكما عَدَّهم وبينَّهم الإمام الكبير، أبو المظفر الإسفرايينى، فى كتابه "التبصير فى الدين"، وليس هذا موضع ذكرها واستقصائها. والذى اشتهر من هذه الفِرَق خمس: أهل السُّنَّة، والمعتزلة، والمرجئة، والشيعة، والخوارج، وما وراء ذلك من الفرق كالجبرية، والباطنية، والمشبهة، وغيرها، فمعظمها مشتق من هذه الفِرَق الخمس الرئيسية. نحن نعلم هذا التفرق الذى أصاب المسلمين فى وحدتهم الدينية والسياسية، ونعلم أيضاً، أن الناس كانوا فى عصر النبى ﷺ وبعده يقرأون القرآن أو يسمعونه فيغنون بتفهم روحه، فإن عنى علماؤهم بشئ وراء ذلك، فما يوضح الآية من سبب للنزول، واستشهاد بأبيات من أشعار العرب تُفسِّر لفظاً عربياً، أو أسلوباً غامضاً. ولكنَّا لا نعلم فى هذا العصر الأول، انحياز الصحابة إلى مذاهب دينية وآراء فى الملل والنحل، فلما وقع هذا التفرق الذى أشرنا إليه وأجملنا مبدأه وتطوره، رأينا كل فِرْقة من هذه الفِرَق تنظر إلى القرآن من خلال عقيدتها، وتُفسِّره بما يتلاءم مع مذهبها، فالمعتزلى يطبق القرآن على مذهبه فى الاختيار، والصفات، والتحسين والتقبيح العقليين.. ويُؤَوِّل ما لا يتفق ومذهبه، وكذلك يفعل الشيعى، وكذلك يفعل كل صاحب مذهب حتى يسلم له مذهبه. غير أننا لم نحط علماً بكل هذه النظرات المذهبية فى القرآن، ولم يقع تحت أيدينا من كتب التفسير المذهبية إلا القليل النادر بالنسبة لما حُرمت منه المكتبة الإسلامية، على أن هذا القليل ليس إلا لبعض الفِرق دون بعض، وهناك تفسيرات وتأويلات

стр. 255

لبعض من آيات القرآن لبعض من الفرق، ولكنها متفرقة مشتتة بين صحائف كتب التفسير خاصة وكتب العلم عامة. وهناك فِرق أخرى لم نظفر لها بتفسير كامل ولا بشئ من التفسير، ولهذا أرى أن أتكلم عن التفسير المذهبى لا لكل الفِرَق، بل للفِرق التى ألَّفت وخلَّفت لنا كتباً فى التفسير، ووقعت تحت أيدينا، فاستطعنا بعد القراءة فيها والنظر إليها أن نحكم عليها بما يتناسب مع المنهج الذى انتهجه فيها مؤلفوها، والطريق الذى سلكوه فى شرحهم لكتاب الله تعالى. وسبق لنا أن تكلمنا عن التفسير بالرأى الجائز وأهم ما أُلَّف فيه من كتب، وذلك هو تفسير أهل السُّنَّة والجماعة، وتلك هى أشهر تفاسيرهم التى خلَّفوها للناس، فلا نعود لذلك، بل نشرع فى الكلام عن موقف غيرهم من الفِرَق، بالنسبة لكتاب الله تعالى، وعن أهم ما خلَّفوه لنا من كتب فى التفسير، والله يتولانا ويُسدِّد خُطانا، إنه سميع مجيب. * * *

стр. 256

المعتزلة.. وموقفهم من تفسير القرآن الكريم * كلمة إجمالية عن المعتزلة وأصولهم المذهبية - نشأة المعتزلة: نشأت هذه الفِرْقة فى العصر الأموى، ولكنها شغلت الفكر الإسلامى فى العصر العباسى ردحاً طويلاً من الزمان. وأصل هذه الفِرْقة هو واصل بن عطاء الملَّقب بالغزَّال المولود سنة ٨٠ هـ (ثمانين) ، والمتوفى سنة ١٣١ هـ (إحدى وثلاثين ومائة) ، فى خلافة هشام بن عبد الملك، وذلك أنه دخل على الحسن البصرى رجل فقال: يا إمام الدين؛ ظهر فى زماننا جماعة يُكَفِّرون صاحب الكبيرة - يريد وعيدية الخوارج - وجماعة أخرى يُرجِئون الكبائر، ويقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، فكيف لنا أن نعتقد فى ذلك؟ فتفكَّر الحسن، وقبل أن يجيب قال واصل: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق، ولا كافر مطلق، ثم قام إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد، وأخذ يقرر على جماعة من أصحاب الحسن ما أجاب به، من أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، ويثبت له المنزلة بين المنزلتين، قائلاً: إن المؤمن اسم مدح، والفاسق لا يستحق المدح فلا يكون مؤمناً، وليس بكافر أيضاً، لإقراره بالشهادتين، ولوجود سائر أعمال الخير فيه، فإذا مات بلا توبة خُلِّدَ فى النار، إذ ليس فى الآخرة إلا فريقان، فريق من الجنة، وفريق فى السعير، لكن يُخَفَفُ عنه، وتكون دركته فوق دركات الكفار، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فلذلك سُمى هو وأصحابه معتزلة. ويُلَقَّب المعتزلة بالقدرية تارة، وبالمُعَطِّلة تارة أخرى، أما تلقيبهم بالقدرية، فلأنهم يسندون أفعال العباد إلى قدرتهم، وينكرون القَدَر فيها. وأما تلقيبهم بالمُعَطِّلة فلأنهم يقولون بنفى صفات المعانى فيقولون: الله عالِم بذاته، قادِر بذاته.. وهكذا. فأنت ترى مما تقدم، أن الاعتزال نشأ فى البصرة، ولكن سرعان ما انتشر فى العراق، واعتنقه من خلفاء بنى أمية يزيد بن الوليد، ومروان بن محمد، وفى العصر العباسى، استفحل أمر المعتزلة، واحتلت أفكارهم وعقائدهم من عقول الناس وجدل العلماء مكاناً عظيماً، وما لبث أن تكوَّنت للاعتزال مدرستان كبيرتان: مدرسة البصرة،

стр. 257

وعلى رأسها واصل بن عطاء. ومدرسة بغداد، وعلى رأسها بشر بن المعتمر، وكان بين معتزلى البصرة ومعتزلى بغداد جدال وخلاف فى كثير من المسائل. ولا أطيل بذكر ما كان بين المدرستين من مسائل خلافية، فإن هذه العُجَالة لا تتحمل الإطالة والتفصيل، ويكفى أن أُجمل القول فى ذكر أُصول المعتزلة، وأن أشير إلى تعدد فرقهم، ومَن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب التى أُلِّفت فى تاريخ الفِرَق، وهى كثيرة. * * * أصول المعتزلة: أما أصول المعتزلة فهى خمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وهذه الأصول الخمسة يجمع الكل عليها، ومَن لم يقل بها جميعاً فليس معتزلياً بالمعنى الصحيح. قال أبو الحسن الخياط أحد زعماء المعتزلة فى القرن الثالث الهجرى: "وليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد، والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإذا كملت هذه الخصال فهو معتزلى". أما التوحيد: فهو لُبِّ مذهبهم، ورأس نحلتهم، وقد بنوا على هذا الأصل: استحالة رؤية الله يوم القيامة، وأن الصفات ليست شيئاً غير الذات، وأن القرآن مخلوق لله تعالى. وأما العدل: فقد بنوا عليه: أن الله تعالى لم يشأ جميع الكائنات، ولا خلقها ولا هو قادر عليها، بل عندهم أن أفعال العباد لم يخلقها الله تعالى، لا خيرها ولا شرها، ولم يرد إلا ما أمر به شرعاً، وما سوى ذلك فإنه يكون بغير مشيئته. وأما الوعد والوعيد: فمضمونه، أن الله يجازى مَن أحسن بالإحسان، ومَن أساء بالسوء، لا يغفر لمرتكب الكبيرة ما لم يتب، ولا يقبل فى أهل الكبائر شفاعة، ولا يُخرج أحداً منهم من النار. وأوضح من هذا أنهم يقولون: إنه يجب على الله أن يُثيب المطيع ويُعاقب مرتكب الكبيرة، فصاحب الكبيرة إذا مات ولم يتب لا يجوز أن يعفو الله عنه، لأنه أوعد بالعقاب على الكبائر وأخبر به، فلو لم يعاقب لزم الخلف فى وعيده. وهم يعنون بذلك أن الثواب على الطاعات، والعقاب على المعاصى قانون حتمى التزم الله به، كما قالوا: إن مرتكب الكبيرة مُخَلَّدٌ فى النار ولو صَدَّق بوحدانية الله وآمن برسله، لقوله تعالى فى الآية [٨١] من سورة البقرة: ﴿بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته فأولائك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ..

стр. 258

وأما المنزلة بين المنزلتين: فقد سبق أن بيَّناها فى مناظرة واصل بن عطاء للحسن البصرى. وأما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فهو مبدأ مقرر عندهم، وواجب على المسلمين لنشر الدعوة الإسلامية، وهداية الضالين وإرشاد الغاوين، ولكنهم بالغوا فى هذا الأصل، وخالفوا ما عليه الجمهور، فقالوا: إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يكون بالقلب إن كفى، وباللسان إن لم يكف القلب، وباليد إن لم يغنيا، وبالسيف إن لم تكف اليد، لقوله تعالى فى الآية [٩] من سورة الحجرات: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي حتى تفياء إلى أَمْرِ الله﴾ .. وهم فى ذلك لا يُفرِّقون بين صاحب السلطان وغيره، كما أنهم لم يُفرِّقوا بين الأصول الدينية المُجْمعُ عليها وعقائدهم الاعتزالية. وهناك مبادئ أخرى للمعتزلة، لا يشتركون فيها، بل هى مبادئ خاصة لكل فِرْقة من فِرقهم المتعددة، التى بلغت العشرين أو تزيد، ولا أطيل بذكر هذه الفِرَق وبيان خصائص كل فِرْقة، وأحيلك على المواقف، أو التبصير فى الدين، أو الفَرْق بين الفِرَق للبغدادى، أو المِلَل والنِحل للشهرستانى، أو الفِصَل لابن حزم، لتتعرف منها هذه الفِرَق وخصائصها، إذ ليس هذا موضع التفصيل. وبعد.. فقد عرفنا نشأة المعتزلة، وعرفنا أصولهم التى أجمعوا عليها، وما علينا بعد ذلك إلا أن نتكلم عن موقفهم الذى وقفوه من تفسير القرآن، ثم بعد ذلك نتكلم عن أهم من عرفناه من مفسِّرى المعتزلة. وعن كتبهم التى ألَّفُوها فى التفسير، ونسأل الله التوفيق والسداد. * * موقف المعتزلة من تفسير القرآن الكريم * إقامة تفسيرهم على أصولهم الخمسة: أقام المعتزلة مذهبهم على الأصول الخمسة التى ذكرناها آنفاً، ومن المعلوم أن هذه الأصول لا تتفق ومذهب أهل السُّنَّة والجماعة، الذين يعتبرون أهم خصومهم، لهذا كان من الضرورى لهذه الفِرْقة - فِرْقة المعتزلة - فى سبيل مكافحة خصومها، أن تُقيم

стр. 259

مذهبها وتُدعِّم تعاليمها على أُسس دينية من القرآن، وكان لا بد لها أيضاً أن ترد الحجج القرآنية لهؤلاء الخصوم، وتضعف من قوتها، وسبيل ذلك كله هو النظر إلى القرآن أولاً من خلال عقيدتهم، ثم إخضاعهم عبارات القرآن لآرائهم التى يقولون بها، وتفسيرهم لها تفسيراً يتفق مع نحلتهم وعقيدتهم. ولا شك أن مثل هذا التفسير الذى يخضع للعقيدة، يحتاج إلى مهارة كبيرة، واعتماد على العقل أكثر من الاعتماد على النقل، حتى يستطيع المفسِّر الذى هذا حاله، أن يلوى العبارة إلى جانبه، ويصرف ما يعارضه عن معارضته له وتصادمه معه. والذى يقرأ تفسير المعتزلة، يجد أنهم بنوا تفسيرهم على أُسسهم من التنزيه المطلق، والعدل وحرية الإرادة، وفعل الأصلح.. ونحو ذلك، ووضعوا أسساً للآيات التى ظاهرها التعارض فَحَكَّمُوا العقل، ليكون الفيصل بين المتشابهات وقد كان مَن قبلهم يكتفون بمجرد النقل عن الصحابة أو التابعين، فإذا جاءوا المتشابهات سكتوا وفوَّضوا العلم لله. * * * إنكار المعتزلة لما يعارضهم من الأحاديث الصحيحة: ثم إن هذا السلطان العقلى المطلق، قد جَرَّ المعتزلة إلى إنكار ما صح من الأحاديث التى تناقض أسسهم وقواعدهم المذهبية، كما أنه نقل التفسير الذى كان يعتمد أولاً وقبل كل شئ على الشعور الحى، والإحساس الدقيق، والبساطة فى الفهم وعدم التكلف والتعمق، إلى مجموعة من القضايا العقلية، والبراهين المنطقية، مما يشهد للمعتزلة - رغم اعتزالهم - بقوة العقل وجودة التفكير. ومع أن هذا السلطان العقلى المطلق، كان له الأثر الأكبر فى تفسير المعتزلة للقرآن، حتى اضطرهم فى بعض الأحيان إلى رد ما يعارضهم من الأحاديث الصحيحة، فإنَّا لا نستطيع أن نقول أن نقول إن المعتزلة كانوا يقصدون الخروج على الحديث أو عدم الاعتراف بالتفسير المأثور، وذلك لأن حالهم بإزاء التفسير المأثور وتصديقهم له، يظهر بأجلى وضوح من حكم النظام على استرسال المفسِّرين من معاصريه. وكان "النظام" معتبراً فى مدرسة المعتزلة من الرؤوس الحرة الواسعة الحرية وقد ذكر لنا تلميذه الجاحظ قوله الذى قاله فى شأن هؤلاء المفسِّرين، وهذا نصه: قال الجاحظ: "كان أبو إسحاق يقول: لا تسترسلوا إلى كثير من المفسِّرين وإن نصبوا أنفسهم للعامة وأجابوا فى كل مسألة، فإن كثيراً منهم يقول بغير رواية على غير أساس وكلما كان المفسِّر أغرب عندهم كان أحب إليهم، وليكن عندكم عِكرمة، والكلبى، والسدىّ، والضحاك، ومقاتل بن سليمان، وأبو بكر الأصم فى سبيلٍ واحدة، وكيف أثق بنفسيرهم وأسكن إلى صوابهم وقد قالوا فى قوله : ﴿وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ﴾ :

стр. 260

[الجن: ١٨] إن الله ، لم يعن بهذا الكلام مساجدنا التى نصلى فيها، بل إنما عنى الجباه، وكل ما سجد الناس عليه من يد وجبهة وأنف وثفنة - وقالوا فى قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ : [الغاشية: ١٧] إنه ليس يعنى الجمال والنوق، وإنما يعنى السحاب - وإذا سُئلوا عن قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] قالوا: الطلح هو الموز - وجعلوا الدليل على أن شهر رمضان قد كان فرضاً على جميع الأُمم وأن الناس غيَّروه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] .. وقالوا فى قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حشرتني أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾ [طه: ١٢٥] .. قالوا: إنه حشره بلا حُجة - وقالوا فى قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ : [المطففين: ١] الويل واد فى جهنم، ثم قعدوا يصفون ذلك الوادى. ومعنى الويل فى كلام العرب معروف، وكيف كان فى الجاهلية قبل الإسلام، وهو من أشهر كلامهم - وسئلوا عن قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ [الفلق: ١] .. قالوا: الفلق واد فى جهنم. ثم قعدوا يصفونه، وقال آخرون: الفلق: المقطرة بلغة اليمن.. إلى آخر ما ذكره من تفسيراتهم الغريبة". هذا.. وإن الزمخشرى - وهو أهم مَن عرفنا من مفسِّرى المعتزلة - نجده كثيراً ما يذكر ما جاء عن الرسول ﷺ أو عن السَلف من التفسير ويعتمد على ما يذكر من ذلك فى تفسيره. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٤١-٤٢] من سورة الأحزاب: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ .. يقول ما نصه: ﴿اذكروا الله﴾ اثنوا عليه بضروب الثناء، من التقديس، والتحميد، والتهليل، والتكبير، وما هو أهله، وأكثروا ذلك ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أى كافة الأوقات، قال رسول الله ﷺ : "ذكر الله على فم كل مسلم" - وروُى: "فى قلب كل مسلم" وعن قتادة: "قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم" وعن مجاهد: "هذه كلمات يقولها الطاهر والجُنُب والغفلان" أعنى: اذكروا وسبِّحوا موجهان إلى البُكرة والأصيل، كقولك: صُمْ وصَلِّ يوم الجمعة".. إلخ. * * * ادعاؤهم أن كل محاولاتهم فى التفسير مرادة لله: ثم إن المعتزلة - بناء على رأيهم فى الاجتهاد، من أن الحكم ما أدَّى إليه اجتهاد كل مجتهد، فإذا اجتهدوا فى حادثة فالحكم عند الله تعالى فى حق كل واحد

стр. 261

مجتهده - رفضوا أن يكون للآية التى تحتمل أوجهاً تفسيراً واحداً لا خطأ فيه، وحكموا على جميع محاولاتهم التى حاولوها فى حل المسائل الموجودة فى القرآن، بأنها مرادة لله تعالى، وغاية ما قطعوا به هو عدم إمكان التفسير المخالف لمبادئهم وآرائهم. وبدهى أن هذا الذى ذهب إليه المعتزلة، يخالف مذهب أهل السُّنَّة من أن لكل آية من القرآن معنى واحداً مراداً لله تعالى، وما عداه من المعانى المحتملة، فهى محاولات واجتهادات، يُراد منها الوصول إلى مُراد الله بدون قطع، غاية الأمر أن المفسِّر يقول باجتهاده، والمجتهد قد يُخطئ وقد يُصيب، وهو مأجور فى الحالتين وإن كان الأجر على تفاوت. * * * المبدأ اللغوى فى التفسير وأهميته لدى المعتزلة: كذلك نجد المعتزلة قد حرصوا كل الحرص على الطريقة اللغوية التى تعتبر عندهم المبدأ الأعلى لتفسير القرآن، وهذا المبدأ اللغوى، يظهر أثره واضحاً فى تفسيرهم للعبارات القرآنية التى لا يليق ظاهرها عندهم بمقام الألوهية، أو العبارات التى تحتوى على التشبه، أو العبارات التى تصادم بعض أصولهم، فنراهم يحاولون أولاً إبطال المعنى الذى يرونه مشتبهاً فى اللفظ القرآنى، ثم يُثبتون لهذا اللفظ معنى موجوداً فى اللغة يُزيل هذا الاشتباه ويتفق مع مذهبهم، ويستشهدون على ما يذهبون إليه من المعانى التى يحملون ألفاظ القرآن عليهم بأدلة من اللغة والشعر العربى القديم. فمثلاً الآيات التى تدل على رؤية الله تعالى كقوله سبحانه فى الآيتين [٢٢، ٢٣] من سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ . وقوله تعالى فى الآية [٢٣] من سورة المطففين: ﴿عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ﴾ نجد المعتزلة ينظرون إليها بعين غير العين التى ينظر بها أهل السُّنَّة، ويحاولون بكل ما يستطيعون أن يُطَبِّقوا مبدأهم اللغوى، حتى يتخلصوا من الورطة التى أوقعهم فيها ظاهر اللفظ الكريم، فإذا بهم يقولون: إن النظر إلى الله معناه الرجاء والتوقع للنعمة والكرامة، واستدلوا على ذلك بأن النظر إلى الشئ فى العربية ليس مختصاً بالرؤية المادية، واستشهدوا على ذلك بقول الشاعر: وإذ نظرتُ إليك من ملك ... والبحر دونك زدتنى نعماً ومثلاً عندما يقرأ المعتزلى قوله تعالى فى الآية [٣١] من سورة الفرقان: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المجرمين﴾ يجد أن مذهبه الذى يقول بوجوب الصلاح

стр. 262

والأصلح على الله لا يتفق وهذا الظاهر من معنى الجعل، ولكن سرعان ما يتخلص من هذه الضائقة العالِم المعتزلى الكبير أبو علىّ الجبائى فيفسِّر: "جعل" بمعنى "بَيَّن" لا بمعنى خلق، ويستدل على ذلك بقول الشاعر: جعلنا لهم نهج الطريق فأصبحوا ... على ثبت من أمرهم حين يمموا فيكون المعنى على هذا: أن الله سبحانه بَيَّنَ لكل نبى عدوه حتى يأخذ حذره منه. * * *تصرف المعتزلة فى القراءات المتواترة المنافية لمذهبهم: وأحياناً يحاول المعتزلة تحويل النص القرآنى من أجل عقيدتهم إلى ما لا يتفق وما تواتر من القراءات عن رسول الله ﷺ . فمثلاً ينظر بعض المعتزلة إلى قوله تعالى فى الآية [١٦٤] من سورة النساء: ﴿وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً﴾ .. فيرى أن مذهبه لا يتفق وهذا اللفظ القرآنى حيث جاء المصدر مؤكداً للفعل، رافعاً لاحتمال المجاز، فيبادر إلى تحويل هذا النص إلى ما يتفق ومذهبه فيقرؤه هكذا: "وكلَّم الله موسى تكليماً" بنصب لفظ الجلالة على أنه مفعول، ورفع موسى على أنه فاعل. وبعض المعتزلة يُبقى اللفظ القرآنى على وضعه المتواتر، ولكنه يحمله على معنى بعيد حتى لا يبقى مصادماً لمذهبه فيقول: إن "كلم" من الكَلْم بمعنى الجرح، فالمعنى: وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن، وهذا ليفر من ظاهر النظم الذى يصادم عقيدته ويخالف هواه. هذا الذى ذكرناه، تعرَّض له الزمخشرى فى كشافه، فرواه عمن قال به عندما تكلم عن هذه الآية فقال: وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب أنهما قرءا "وكلم اللهَ" بالنصب، ثم قال مندداً بالرأى الثانى: "ومن بدع التفاسير أنه من الكَلْم، وأن معناه: وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن". ومن الأمثلة التى يظهر فيها هذا التصرف من أجل أغراضهم المذهبية، قوله تعالى فى الآية [٨٨] من سورة البقرة: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ .. فبعض المعتزلة أحس من هذه الآية أنها لا تتفق ومذهبه، لأنها تُشعر بأن الله خلق قلوبهم على طبيعة وحالة لا تقبل معها الإسلام، فيكون هو الذى منعهم عن الهدى وألجأهم إلى الضلال فقرأها هذا المعتزلى: "غُلُفٌ".. جمع غلاف بمعنى الوعاء، أى قلوبنا أوعية حاوية للعلم، فهم مستغنون بما عندهم عما جاءهم به محمد ﵊، وهذا الوجه يتمشى مع القراءة المعروفة: ﴿غُلْفٌ﴾ على أنه مخفف

стр. 263

"غلف"، وبطبيعة الحال يكون هذا القول من اليهود افتخاراً منهم بأن قلوبهم أوعية للعلم، فلا حاجة لهم بما جاء به محمد ﵊، وليس اعتذاراً منهم وتبريراً لكفرهم بأن الله خلق قلوبهم فى أكنة مما يدعوهم إليه، ومغشاة بأغطية تمنع وصول دعوة الرسول إليها. وهذا الذى ذكرنا من قراءة "غلف" بدون تخفيف تعرض لذكره الزمخشرى فقال: "وقيل غُلُف: تخفيف غُلْف، جمع غلاف أى قلوبنا أوعية للعلم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره، وروُى عن أبى عمرو: "قلوبنا غُلُف".. بضمتين". كما ذكره أيضاً الإمام فخر الدين الرازى فى تفسيره لهذه الآية فقال: " ... وثانيها - أى ثانى الأوجه - روى الأصم عن بعضهم أن قلوبهم غُلُفْ بالعلم، ومملوؤة بالحكمة، فلا حاجة معها بهم إلى شرع محمد ﵇". وهكذا نجد شيوخ المعتزلة، يحاولون التوفيق بين مذهبهم والقرآن، بكل ما يستطيعون من وسائل التوفيق، تارة بتطبيق مبدئهم اللغوى على كثير من آيات القرآن الكريم، حتى يتمشى النص القرآنى مع قواعد مذهبهم أو يتلخصوا من معارضته ومصادمته لهم على الأقل، وتارة بتحويل النص القرآنى والتصرف فيه، بما يجعله فى جانبهم لا فى جانب خصومهم. * * * نقد ابن قتيبة لهذا المسلك الاعتزالى فى التفسير: غير أن هذا المسلك قد أغضب العلاَّمة ابن قتيبة وأهاجه عليهم فانتقدهم انتقاضاً مراً لاذعاً فى كتابه "تأويل مختلف الحديث"، وإليك ما قاله بنصه لتقف على ما كان بين الفريقين - فريق أهل السُّنَّة وفريق المعتزلة - من جدال ومحاورة، وليتبين لك مقدار الميل بالعبارات القرآنية إلى ناحية المذهب والعقيدة من كبار شيوخ المذهب الاعتزالى. قال أبو محمد: "وفسَّروا - أى المعتزلة - القرآن بأعجب تفسير، يريدون أن يردوه إلى مذهبهم، ويحملوا التأويل على نحلهم، فقال فريق منهم فى قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض﴾ [البقرة: ٢٥٥] أى علمه، وجاءوا على ذلك بشاهد لا يُعرف، وهذا قول الشاعر: ولا بكرْسئُ علم الله مخلوق كأنه عندهم: ولا يعلم علم الله مخلوق. والكرسى غير مهموز، وبكرسئ مهموز، يستوحشون أن يجعلوا لله تعالى كرسياً أو سريراً، ويجعلون العرش شيئاً آخر، والعرب لا تعرف من العرش إلا السرير وما عرش من السقف والآبار، يقول الله

стр. 264

تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش﴾ .. أى السرير، وأمية بن أبى الصلت يقول: مَجِّدوا الله، وهو للمجد أهل ... ربنا فى السماء أمسى كبيرا بالبناء الأعلى الذى سبق النا ... س وسوَّى فوق السماء سريرا شَرْ جَعاً ما يناله العيـ ... ـن ترى دونه الملائك صورا وقال فريق منهم فى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ١٠٠] : إنها هَمَّتْ بالفاحشة، وهمَّ هو بالفرار منها أو الضرب لها، والله تعالى يقول: ﴿لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] أفتراه أراد الفرار منها أو الضرب لها، فلما رأى البرهان أقام عندها؟ وليس يجوز فى اللغة أن تقول: هممتُ بفلان وهَمَّ بى، وأنت تريد اختلاف الهمَّين حتى تكون أنت تهم بإهانته ويهم هو بإكرامك، وإنما يجوز هذا الكلام إذا اتفق الهمَّان. وقال فريق منهم فى قوله تعالى: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾ [طه: ١٢١] : إنه أتخم من أكل الشجرة، فذهبوا إلى قول العرب: غَوِىَ الفصيل يَغْوىَ غَوىً، إذا أكثر من شرب اللبن حتى يبشم. وذلك غَوَى يَغْوِى غَيّاً، وهو من البشم: غَوِىَ يَغْوَى غَوىً. وقال فريق منهم فى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجن والإنس﴾ [الأعراف: ١٧٩] : أى ألقينا فيها، يذهب إلى قول الناس: ذرته الريح. ولا يجوز أن يكون ذرأنا من ذرته الريح، لأن ذرأنا مهموز، وذرته الريح تذروه غير مهموز. ولا يجوز أيضاً أن نجعله من أذرته الدابة عن ظهرها أى ألقته، لأن ذلك من "ذرأت" تقدير فعلت بالهمز، وهذا من "أذريت" تقدير أفعلت بلا همز، واحتج بقول المثقب العبدى: تقول إذا ذرأت لها وضينى ... أهذا دينه أبداً ودينى؟ وهذا تصحيف، لأنه قال: تقول إذا درأت، أى دفعت، بالدال غير معجمة. وقالوا فى قوله : ﴿وَذَا النون إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] : إنه ذهب مغاضباً لقومه، استيحاشاً من أن يجعلوه مغاضباً لربه مع عصمة الله، فجعلوه مغاضباً لقومه حين آمنوا، ففروا إلى مثل ما استقبحوا، وكيف يجوز أن يغضب نبى الله ﷺ على قومه حين آمنوا وبذلك بُعِثَ وبه أُمرِ؟، وما الفرق بينه وبين عدو الله إن كان يغضب من إيمان مائة ألف أو يزيدون ولم يخرج مغاضباً لربه

стр. 265

ولا لقومه؟ - وهذا مبين فى كتابى المؤلف فى مشكل القرآن، ولم يكن قصدى فى هذا الكتاب الإخبار عن هذه الحروف وأشباهها، وإنما كان القصد به الإخبار عن جهلهم وجرأتهم على الله بصرف الكتاب إلى ما يستحسنون، وحمل التأويل على ما ينتحلون. وقالوا فى قوله تعالى: ﴿واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥] : أى فقيراً إلى رحمته، وجعلوه من الخَلة بفتح الخاء، استيحاشاً أن يكون الله تعالى خليلاً لأحد من خلقه، واحتجوا بقول زهير: وإن أتاه خليل يوم مسغبة ... يقول لا غائب مالى ولا حرم أى إن أتاه فقير، فأية فضيلة فى هذا القول لإبراهيم ﷺ ؟ أما تعلمون أن الناس جميعاً فقراء إلى الله تعالى، وهل إبراهيم خليل الله إلا كما قيل، وموسى كليم الله، وعيسى روح الله؟ وقالوا فى قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] : إن اليد ههنا النعمة، لقول العرب: لى عند فلان يد، أى نعمة ومعروف. وليس يجوز أن تكون اليد ههنا النعمة، لأنه قال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] معارضة عما قالوه فيها، ثم قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ... ولا يجوز أن يكون أراد غُلَّت نعمهم بل نعمتاه مبسوطتان، لأن النعم لا تُغَّل، ولأن المعروف لا يُكَنَّى عنه باليدين كما يُكَنَّى عنه باليد، إلا أن يريد جنسين من المعروف فيقول: لى عنده يدان. ونعم الله تعالى أكثر من أن يُحاط بها". * * * تذرع المعتزلة بالفروض المجازية إذا بدا ظاهر القرآن غريباً: هذا.. وإن المعتزلة فى كثير من الأحيان، يعتمدون فى طريقتهم التفسيرية على الفروض المجازية، فمثلاً إذا مروا بآية من الآيات التى تبدو فى ظاهرها غريبة مستبعدة، كقوله تعالى فى الآية [١٧٢] من سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ... الآية، وقوله تعالى فى الآية [٧٢] من سورة الأحزاب: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا﴾ ... الآية، نجدهم يحملون الكلام على التمثيل أو التخييل، ولا يقولون بالظاهر ولا يحوِّمون عليه، اللَّهم إلا للرد على مَن يقول به ويُجَوِّز حصوله.. نعم إن القرآن يمثل القمة العالية فى كمال الأسلوب وبراعة النظم، وهو فى نفسه يقبل ما يقوله المعتزلة من المجازات والاستعارات، ولكن ما الذى يمنع من إرادة الحقيقة؟ وأى صارف يصرف اللفظ عن الظاهر إلى غيره من التمثيل أو التخييل بعد ما تقرر من أن اللفظ إذا أمكن حمله على الظاهر وجب ح

стр. 266

مله عليه وقبح صرفه إلى غير ما يتبادر منه؟؟.. اللَّهم لا شئ يمنع من إرادة المعنى الظاهر إلا استبعاد ذلك على قدرة الله تعالى، ولسنا فى شك من صلاحية القدرة لمثل ما جاء فى الآيات التى أشرنا إليها، غاية الأمر، أن كيفية أخذ الله ذُرِّية بنى آدم من ظهورهم، ومخاطبته لتلك الذُرِّية، وكيفية عرض الأمانة على ما ذكر من السماوات والأرض والجبال وإبائها عن حملها، أمر لا نستطيع أن نخوض فيه، بل يجب علينا أن نفوِّض علمه وحقيقته إلى الله سبحانه. وسيأتى الكلام عن هذه الناحية بالذات بما هو أوسع من هذا، عند الكلام على الكشاف للزمخشرى، فإنه صاحب اليد الطولى فى هذه الناحية، وخير من أفاض فيها وأجاد. * * * تفسيرهم للقرآن على ضوء ما أنكروه من الحقائق الدينية: وكذلك نجد المعتزلة قد وقفوا تجاه بعض الحقائق الدينية الثابتة عند جمهور أهل السُّنَّة موقف المعارضة والكفاح، فأهل السُّنَّة يقولون بحقيقة السحر، ويعترفون بما له من تأثير فى المسحور، ويقولون بوجود الجن، ويعترفون بما لهم من قوة التأثير فى الإنسان حتى ينشأ عن ذلك المس والصَرَع، ويقولون بكرامات الأولياء.. وما إلى ذلك، ولكن المعتزلة الذين ربطوا التفسير بما شرطوه من جعل العقل مقياساً للحقائق الدينية وقفوا ضد هذا كله وجعلوه من قبيل الخرافات، والتصورات المخالفة لطبيعة الأشياء، وكان من وراء ذلك أن تمرد المعتزلة - فى حرية مطلقة من كل قيد - على الاعتقاد بالسحر والسَحَرة، وما يدور حول ذلك، وبلغ بهم الأمر أن أنكروا أو تأوَّلوا ما صح من الأحاديث التى تُصَرِّح بأن الرسول ﷺ قد سُحِر، ولم يقفوا طويلاً أمام ما يعارضهم من سورة الفلق، بل تخلَّصوا بتأويلات ثلاث ذكرها الزمخشرى فى كشافه (الجزء الثانى ص ٥٦٨) . كذلك تمرد بعض أعلام المعتزلة كالنظام على الاعتقاد بوجود الجن، وثار بعضهم كالزمخشرى ضد مَن يقول بأن الجن لها قوة التأثير فى الإنسان مع الاعتراف منه بوجودها فى نفسها، فأوَّلوا ما يصادمهم من الآيات القرآنية، وأنكروا أو تأوَّلوا ما صح من الأحاديث النبوية، كالحديث الصحيح الذى أخرجه البخارى، وفيه: "أن شيطاناً من الجن عرض للنبى ﷺ وهو فى الصلاة يريد أن يشغله عنها فأمكنه الله منه"،

стр. 267

وكالحديث الصحيح الثابت عن رسول الله ﷺ وهو: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يُولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها". كذلك تمرَّد المعتزلة على الاعتقاد بكرامات الأولياء، واعتمدوا فى تمردهم هذا على قول الله تعالى فى الآيتين [٢٦، ٢٧] من سورة الجن: ﴿عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ﴾ .. ونرى الزمخشرى يستنتج من هذه الآية: "أنه تعالى لا يطلع على الغيب إلا المرتضى، الذى هو مصطفى للنبوة خاصة، لا كل مرتضى، وفى هذا إبطال الكرامات، لأن الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين، فليسوا برسل، وقد خصّ الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، وإبطال الكهانة والتنجيم، لأن أصحابهما أبعد شئ من الارتضاء وأدخله فى السخط". وبعد.. فإن المعتزلة لم يقفوا هذا الموقف الذى لا يتفق مع معتقدات أهل السُّنَّة، ولم يعطوا العقل هذا السلطان الواسع فى التفسير، إلا من أجل أن يبعدوا - كما يزعمون - كل الأساطير الخرافية عن محيط الحقائق الدينية، وليربطوا بين القرآن وبين عقيدتهم التى قامت على التوحيد الخالص من كل شائبة. ولكن هل وقف أهل السُّنَّة حيال هذه المحاولات الاعتزالية فى فهم نصوص القرآن الكريم موقف التسليم لها والرضا بها؟ أو أغضبهم هذا التصرف من خصومهم المعتزلة؟. الحق أن هذا التصرف من المعتزلة أثار عليهم خصومهم أهل السُّنَّة واستعداهم عليهم فرموهم بالعبارات اللاذعة، واتهموهم بتحريك النصوص عن مواضعها تمشياً مع الهوى وميلاً مع العقيدة. وقد مرَّ بك آنفاً مقالة ابن قتيبة، وفيها يُشدِّد عليهم النكير من أجل مسلكهم اللغوى فى التفسير. * * * حكم الإمام أبى الحسن الأشعرى على تفسير المعتزلة: وهذا هو الإمام أبو الحسن الأشعرى، يحكم على تفسير المعتزلة بأنه زيغ وضلال، وذلك حيث يقول فى مقدمة تفسيره المسمى بالمختزن والذى لم يقع لنا: "أما بعد، فإن أهل الزيغ والتضليل تأوَّلوا القرآن على آرائهم، وفسَّروه على أهوائهم، تفسيراً لم يُنزل الله به سلطاناً، ولا أوضح به برهاناً، ولا رووه عن رسول رب العالمين، ولا عن أهل بيته الطيبين، ولا عن السَلَف المتقدمين، من الصحابة والتابعين، افتراءً على الله، قد ضَلُّوا وما كانوا مهتدين. وإنما أخذوا تفسيرهم عن أبى الهذيل بياع العلف ومتبعيه، وعن إبراهيم نظَّام الخرز ومقلديه، وعن الفوطى وناصريه، وعن المنسوب إلى قرية جُبى ومنتحليه، وعن الأشج

стр. 268

جعفر بن حرب ومجتبييه، وعن جعفر بن مبشر القصبى ومتعصبيه، وعن الإسكافى الجاهل ومعظميه، وعن الفروى المنسوب إلى مدينة بلخ وذويه، فإنهم قادة الضلال، من المعتزلة الجهال، الذين قلدوهم فى دينهم، وجعلوهم معولهم الذى عليه يُعوِّلون، وركنهم الذى إليه يستندون. ورأيت الجبائى ألَّف فى تفسير القرآن كتاباً أوَّله خلاف ما أنزل الله ، وعلى لغة أهل قريته المعروفة بجُبى، وليس من أهل اللسان الذى نزل به القرآن، وما روى فى كتاب حرفاً عن أحد من المفسِّرين. وإنما اعتمد على ما وسوس به صدره وشيطانه، ولولا أنه استغوى بكتابه كثيراً من العوام، واستنزل به عن الحق كثيراً من الطغام، لم يكن لتشاغلى به وجه". * * * حكم ابن تيمية على تفسير المعتزلة: كذلك حكم ابن تيمية على تفسيرهم فقال: "إن مثل هؤلاء اعتقدوا رأياً ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سَلَف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين، لا فى رأيهم ولا فى تفسيرهم، وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم، وتارة من العلم بفساد ما فسَّروا به القرآن إما دليلاً على قولهم، أو جواباً على المعارض لهم، ومِن هؤلاء مَن يكون حسن العبارة فصيحاً ويدس البدع فى كلامه وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب الكشاف، ونحوه، حتى إنه يروج على خلق كثير ممن لا يعتقد الباطل من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله، وقد رأيت من العلماء المفسِّرين وغيرهم مَن يذكر فى كتابه وكلامه من تفسيرهم ما يوافق أصولهم التى يعلم أو يعتقد فسادها ولا يهتدى لذلك". * * * حكم ابن القيم على تفسير المعتزلة: كذلك نجد العلاَّمة ابن القيم يحكم على التفسير المعتزلة حكماً قاسياً فيقول: "إنه زُبالة الأذهان، ونخالة الأفكار، وعفار الآراء، ووساوس الصدور، فملأوا به الأوراق سواداً، والقلوب شكوكاً، والعالَم فساداً، وكل مَن له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالَم إنما نشأ من تقديم الرأى على الوحى، والهوى على العقل". * * *

стр. 269

أهم كتب التفسير الاعتزالى صَنَّف كثير من شيوخ المعتزلة تفاسير للقرآن الكريم على أصول مذهبهم، ولم تكن هذه التفاسير أكثر حظاً من غيرها من كتب التفسير المختلفة، حيث امتدت إلى كثير منها يد الزمان، فضاعت بتقادم العهد عليها، وحُرمت المكتبة الإسلامية العامة من معظم هذا التراث العلمى الذى لو بقى إلى يومنا هذا لألقى لنا ضوءاً واضحاً على مدى التفكير التفسيرى، لشيوخ هذا المذهب الاعتزالى، ولكشف لنا عن حقيقة ما يُنسب لبعض شيوخهم من تفسيرات واسعة النطاق، نسمع بها من علمائنا المتقدمين، ونقف منها موقف الحائر بين الشك واليقين، لما يُذكر عنها من الاستفاضة والتضخم إلى حد يكاد يكون متخيلاً أو مبالغاً فيه. نتصفح طبقات المفسِّرين للسيوطى، وطبقات المفسِّرين لتلميذه الداودى، وغيرهما من الكتب التى لها عناية بهذا الشأن، فنجد أن من أشهر من صَنَّف فى التفسير من المعتزلة: أبو بكر، عبد الرحمن بن كيسان الأصم المتوفى سنة ٢٤٠ هـ (أربعين ومائتين من الهجرة) . أقدم شيوخ المعتزلة، وشيخ إبراهيم ابن إسماعيل بن علية الذى كان يناظر الشافعى، فقد ذكر ابن النديم فى الفهرست: أنه ألَّف تفسيراً للقرآن الكريم. ولكنا لا نعلم عن هذا التفسير خبراً، حيث إنه فُقِد بمرور الزمن وتقادم العهد عليه. ومحمد بن عبد الوهاب بن سلام (أبو على الجبائى) المتوفى سنة ٣٠٣ هـ (ثلاث وثلاثمائة من الهجرة) ، وأحد شيوخ المعتزلة الذين كانت لهم شهرة واسعة فى الفلسفة والكلام، فقد ذكر السيوطى فى طبقات المفسِّرين: أنه ألَّف فى التفسير، وذكر ذلك ابن النديم فى الفهرست أيضاً. ولكنَّا لا نعلم شيئاً عن هذا التفسير أكثر مما ذكرناه آنفاً عن أبى الحسن الأشعرى. وأبو القاسم، عبد الله بن أحمد البلخى الحنفى، المعروف بالكعبى المعتزلى، المتوفى سنة ٣١٩ هـ (تسع عشرة وثلاثمائة من الهجرة) ، فقد ذكر صاحب كشف الظنون: أنه ألَّف تفسيراً كبيراً يقع فى اثنى عشر مجلداً، وقال: إنه لم يُسبَق إليه ولكن لم يقع لنا هذا التفسير كغيره. وأبو هاشم عبد السلام بن أبى علىّ الجبائى المتوفى سنة ٣٢١ هـ (إحدى وعشرين وثلاثمائة من الهجرة) ، ذكر السيوطى فى طبقات المفسِّرين: أنه ألَّف تفسيراً، وقال إنه رأى جزءاً منه، ولكنَّا لم نظفر به أيضاً.

стр. 270

وأبو مسلم، محمد بن بحر الأصفهانى المتوفى سنة ٣٢٢ هـ (اثنتين وعشرين وثلاثمائة من الهجرة) ، صنَّف تفسيراً اسمه "جامع التأويل لمحكم التنزيل" يقع فى أربعة عشر مجلداً، وقيل: فى عشرين مجلداً، وقد أشار إلى هذا التفسير ابن النديم فى الفهرست، والسيوطى فى بُغية الوعاة فى طبقات النحاة. وهذا التفسير - فيما يبدو - هو الذى يعتمد عليه الفخر الرازى فيما ينقله فى تفسيره من أقوال منسوبة لأبى مسلم، وقد أخذ بعض المؤلفين ما جاء فى تفسير الفخر الرازى منسوباً لأبى مسلم، وجمعه فى كتاب مستقل سماه تفسير أبى مسلم الأصفهانى، وقد اطلعتُ على جزء منه صغير الحجم بمكتبة الجامعة المصرية (جامعة القاهرة) . وأبو الحسن علىّ بن عيسى الرمانى المتوفى سنة ٣٨٤ هـ (أربع وثمانين وثلاثمائة من الهجرة) ، وأحد شيوخ المعتزلة المتشيعين صنَّف تفسيراً للقرآن الكريم، قال السيوطى فى طبقات المفسِّرين إنه رآه. وذكر صاحب كشف الظنون: أنه اختصره عبد الملك بن علىّ المؤذن الهروى المتوفى سنة ٤٨٩ هـ (تسع وثمانين وأربعمائة من الهجرة) ولكنَّا لم نظفر به ولا بمختصره. وعبيد الله بن محمد بن جرو الأسدى أبو القاسم النحوى العروضى المعتزلى المتوفى سنة ٣٨٧ هـ (سبع وثمانين وثلاثمائة من الهجرة) ، قال السيوطى فى طبقات المفسِّرين: إنه صنَّف تفسيراً للقرآن الكريم، وذكر فى ﴿بسم الله الرحمن الرَّحِيمِ﴾ مائة وعشرين وجهاً ولكنَّا لم نظفر به أيضاً. والقاضى عبد الجبار بن أحمد الهمدانى، المتوفى سنة ٤١٥ هـ (خمس عشرة وأربعمائة من الهجرة) ، ألَّف كتابه "تنزيه القرآن عن المطاعن" وهو بين أيدينا، ومتداوَل بين أهل العلم، ولكنه غير شامل لجميع آيات القرآن الكريم. والشريف المرتضى، العالِم الشيعى العلوى المتوفى سنة ٤٣٦ هـ (ست وثلاثين وأربعمائة من الهجرة) ، كتب بحوثاً فيَّاضة فى بعض آيات القرآن الكريم التى تصادم مذهب المعتزلة، ووفق بين ظاهر النظم الكريم والعقيدة الاعتزالية، ونجد هذه البحوث التفسيرية ضمن ما دوَّنه فى أماليه التى سماها: غُرر الفوائد ودُرر القلائد. وعبد السلام بن محمد بن يوسف القزوينى شيخ المعتزلة المتوفى سنة ٤٨٣ هـ (ثلاث وثمانين وأربعمائة من الهجرة) ، فسَّر القرآن تفسيراً واسعاً، فقد جاء فى طبقات المفسِّرين، للسيوطى: "أنه جمع التفسير الكبير الذى لم يرد فى التفاسير

стр. 271

أكبر منه ولا أجمع للفوائد، لولا أنه موجه بكلام المعتزلة وبَثَّ فيه معتقده وهو فى ثلاثمائة مجلد، منها سبع مجلدات فى الفاتحة". ونقل عن ابن النجار أنه قال فى شأن القزوينى هذا: "إنه كان طويل اللسان، ولم يكن محققاً إلا فى التفسير، فإنه لهج بالتفاسير حتى جمع كتاباً بلغ خمسمائة مجلد حشى فيه العجائب، حتى رأيت منه مجلداً فى آية واحدة، وهى قوله تعالى: ﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين﴾ ... الآية". وأبو القاسم محمود بن عمر الزمخشرى المتوفى سنة ٥٣٨ هـ (ثمان وثلاثين وخمسمائة من الهجرة) ، فسَّر القرآن الكريم تفسيراً عظيماً جداً لولا ما فيه من نزعات الاعتزال، وهو أشمل ما وصل إلينا من تفاسير المعتزلة. هؤلاء هم أشهر مَن عرفناهم من مفسِّرى المعتزلة. وهذه هى تفاسيرهم التى نسمع عنها، ولم يصل إلينا منها إلا هذه المصنَّفات الثلاثة: تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضى عبد الجبار، وأمالى الشريف المرتضى، والكشاف للزمخشرى. لهذا نرى أن نتكلم عن هذه الكتب الثلاثة، وعن المسلك الذى سلكه فيها أصحابها، بما يلقى لنا ضوءاً على المنحى الذى نحاه المعتزلة فى تفسيرهم لكتاب الله تعالى، وتأويلهم لنصوصه، حتى تشهد لهم، أو لا تتعارض معهم على الأقل. * * *

стр. 272

١ - تنزيه القرآن عن المطاعن (للقاضى عبد الجبار) * التعريف بمؤلف هذا التفسير: مؤلف هذا التفسير هو قاضى القضاة، أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد ابن عبد الجبار بن أحمد بن الخليل الهمدانى الأسدباذى الشافعى، شيخ المعتزلة. سمع من أبى الحسن بن سلمة بن القطان، وعبد الله بن جعفر ابن فارس، وغيرهما. عاش دهراً طويلاً وفاق أقرانه، وسار ذكره، وعظم صيته، ورحلت إليه الطلبة، وأخذ عنه كثير من العلماء، منهم: أبو القاسم علىّ بن الحسن التنوخى، والحسن بن على الصيمرى الفقيه، وأبو محمد عبد السلام القزوينى المفسِّر المعتزلى. استدعاه الصاحب إلى الرَّى بعد سنة ٣٦٠ هـ (ستين وثلاثمائة من الهجرة) ، فولى قضاءها، وبقى بها مواظباً على التدريس إلى آخر حياته، وكان الصاحب يقول فيه: هو أعلم أهل الأرض. وقد خلَّف القاضى عبد الجبار مصنَّفات فى أنواع مختلفة من العلوم، منها: كتاب الخلاف والوفاق، وكتاب المبسوط، وكتاب المحيط، وكلها فى علم الكلام. وألَّف فى أصول الفقه: النهاية، والعمدة، وشرحه. وألَّف فى المواعظ كتاباً سماه نصيحة المتفقهة. وقال ابن كثير فى طبقاته: إن من أجَّل مصنفاته وأعظمها، كتاب دلائل النبوة، فى مجلدين، أبان فيه عن علم وبصيرة جيدة، وبالجملة فقد طبق الأرض بكتبه، وبعد صيته، وعظم قدره، حتى انتهت إليه الرياسة فى المعتزلة، وصار شيخها وعالمها غير مدافع، وكانت وفاته فى ذى العقدة ٤١٥ هـ (خمس عشرة وأربعمائة من الهجرة) . * * * التعريف بكتاب تنزيه القرآن عن المطاعن وطريقة مؤلفه فيه: ذكر مؤلف هذا الكتاب فى مقدمته (ص٣، ٤) : أنه لا يُنتفع بكتاب الله إلا بعد الوقوف على معانى ما فيه، وبعد الفصل بين مُحكمه ومتشابهه، وذكر أن كثيراً من الناس قد ضلَّ بأن تمسك بالمتشابه حتى اعتقد أن قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [الحشر: ١، والصف: ١] حقيقة فى الحجر والمدر والطير والنعم، وربما رأوا فى ذلك تسبيح كل شئ من ذلك، ومَن اعتقد ذلك لم ينتفع بما يقرؤه، قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن﴾ [محمد: ٢٤] . وكذلك وصفه تعالى بأنه: ﴿يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المؤمنين﴾ [الإسراء: ٩] .. ثم قال: وقد أملينا فى ذلك كتاباً يفصل بين

стр. 273

المحكم والمتشابه، عرضنا فيه سور القرآن على ترتيبها، وبيَّنا معانى ما تشابه من آياتها، مع بيان وجه خطأ فريق من الناس فى تأويلها، ليكون النفع به أعظم، ونسأل الله التوفيق للصواب إن شاء الله. فالكتاب لم يقصد فيه مؤلفه أن يعرض لشرح كتاب الله آية آية، بل كان كل همه - كما نأخذ من عبارته السابقة، وكما يظهر لنا من مسلكه فى الكتاب نفسه - موجهاً إلى الفصل بين مُحكم الكتاب ومتشابهه، وإلى بيان معانى هذه الآيات المتشابهة، ثم إلى بيان خطأ فريق من الناس، فى تأويلها، وهو يقصد بهذا الفريق - فى الغالب - جماعة أهل السُّنَّة الذين لا يرون رأيه فى القرآن، ولا ينظرون إليه نظرته الاعتزالية. نقرأ هذا الكتاب، فنجد أن مؤلفه قد ابتدأه بسورة الفاتحة، واختتمه بسورة الناس، ولكنه لا يستقصى جميع السورة، ولا يعرض لكل آياتها بالشرح كما قلنا، بل نجده يبنى كتابه على مسائل، كل مسألة تتضمن إشكالاً وجواباً، وهذا الإشكال تارة يرد على ظاهر النظم الكريم من ناحية الصناعة العربية، وتارة يرد عليه من ناحية أنه لا يتفق مع عقيدته الاعتزالية. * * * بعض مواقفه من مشكلات الصناعة العربية: أما المسائل التى أوردها مشتملة على مشكلات الصناعة العربية وأجوبتها، فهو لا تخرج عما عرض له عامة المفسِّرين فى تفاسيرهم، وهذا الجانب يشمل جزءاً غير قليل من الكتاب، وإليك بعض هذه المسائل: فمثلاً فى سورة الحمد يقول فى (ص ٤، ٥) ما نصه: "مسألة - قالوا: الحمد لله: خبر، فإن كان حمد نفسه فلا فائدة لنا فيه. وإن أمرنا بذلك، فكان يجب أن يقول: قولوا الحمد لله. وجوابنا عن ذلك: أن المراد به الأمر بالشكر والتعليم لكى نشكره، لكنه وإن حذف الأمر فقد دل عليه بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .. لأنه لا يليق بالله تعالى، وإنما يليق بالعباد، فإذا كان معناه قولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فكذلك قوله: ﴿الحمد للَّهِ﴾ .. وهكذا كقوله: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤] .. ومثله كثير من القرآن". ومثلاً فى سورة البقرة يقول فى (ص٦) ما نصه: "مسألة" - ومتى قيل: ولماذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الكتاب﴾ [البقرة: ٢] ولم يقل: هذا الكتاب؟ فجوابنا: أنه جَلَّ وعَزَّ وعد رسوله إنزال كتاب عليه لا يمحوه الماء، فلما أنزل ذلك قال: ﴿ذَلِكَ الكتاب﴾ . والمراد: ما وعدتك، ولو قال: "هذا الكتاب" لم يفد هذه الفائدة". ويقول بعد ذلك مباشرة فى (ص ٧، ٦) ما نصه: "مسألة" - قالوا: ما معنى: ﴿لاَ

стр. 274

رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] وقد علمتم أن خلقاً يشكُّونَ فى ذلك فكيف يصح ذلك؟. وإن أراد: لا ريب فيه عندى وعند مَن يعلم، فلا فائدة فى ذلك. فجوابنا: أن المراد أنه حق يجب أن لا يُرتاب فيه، وهذا كما يبين المرء الشئ لخصمه فيحسن منه بعد البيان أن يقول: هذا كالشمس واضح، وهذا لا يشك فيه أحد، وهذا كما يقال عند إظهار الشهادتين: إن ذلك حق وصدق، وإن كان فى الناس مَن يُكَذِّب بذلك". ومثلاً فى سورة هود يقول فى (ص ١٦٤) ما نصه: "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ [هود: ١٧] : ما الفائدة فى هذا الابتداء ولا خبر له؟ وجوابنا: أن الخبر قد يُحذف إذا كان كالمعلوم، والمراد: أفمن كان بهذا الوصف كمن هو يكفر ولا يسلك طريق العبادة وما توجبه البيِّنة". ومثلاً فى سورة الفرقان يقول فى (ص ٣٥٤) ما نصه: "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: ﴿قُلْ أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد﴾ [الفرقان: ١٥] كيف يصح ذلك ولا خير فى النار أصلاً؟ وجوابنا: أن المراد: أيهما أولى بأن يكون خيراً؟ وقد يقول الحكيم لغيره من العصاة: إن التمسك بالطاعة خير لك من المعصية، والمراد ما قد ذكرنا". هذه أمثلة من الإشكالات التى أوردها القاضى عبد الجبار على ظاهر النظم من ناحية الصناعة، وهذه هى الأجوبة التى أجاب بها عن هذه الإشكالات. * * * بعض مواقفه من المشكلات العقيدية الاعتزالية: وأما المسائل التى أوردها مشتملة على إشكالات ترد على ظاهر النظم من ناحية أنه لا يتفق وعقيدته، وعلى أجوبة هذه الإشكالات، فهى كثيرة جداً، وهى تشغل الجزء الأكبر من هذا المؤلَّف، وإليك بعضه هذه المسائل: * الهداية والضلال: فمثلاً يقول فى سورة البقرة (ص ٩، ١٠) ما نصه: "مسألة - قالوا: فقد قال تعالى: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] .. وهذا يدل على أنه قد منعم من الإيمان، ومذهبكم بخلافه، وكيف تأويل الآية؟. وجوابنا: أن للعلماء فى ذلك جوابين، أحداهما: أنه شَبَّه حالهم بحال الممنوع الذى على بصره غشاوة من حيث أزاح كل عللهم فلم يقبلوا، كما قد تعيَّن للواحد الحق فتوضحه فإذا لم يقبل صحَّ أن تقول: إنه حمار قد طبع الله على قلبه، وربما تقول: إنه ميت، وقد قال تعالى للرسول: ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى﴾ [النمل: ٨] وكانوا أحياء، فلما لم يقبلوا شبَّههم بالموتى، وهو كقول الشاعر:

стр. 275

لقد أسمعتَ لو ناديتَ حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادى ويبيِّن ذلك أنه تعالى ذَمَّهم، ولو كان هو المانع لهم لما ذَمَّهم، وأنه ذكر فى جملة ذلك الغشاوة على سمعهم وبصرهم، وذلك لو كان ثابتاً لم يؤثر فى كونهم عقلاء مُكلَّفين. والجواب الثانى: أن الختم علامة يفعلها تعالى فى قلوبهم، لتعرف الملائكة كفرهم وأنهم لا يؤمنون فتجتمع على ذَمَّهم، ويكون ذلك لطفاً لهم، ولطفاً لمن يعرف ذلك من الكفار أو يظنه، فيكون أقرب إلى أن يقلع عن الكفر. وهذا جواب الحسن ﵀، ولهذا قال تعالى: ﴿غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] ". ومثلاً فى سورة الأعراف يقول فى (ص ١٤٠) ما نصه: "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: ﴿مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدي وَمَن يُضْلِلْ فأولائك هُمُ الخاسرون﴾ [الأعراف: ١٧٨] أليس ذلك يدل على أنه يخلق الهدى والضلال؟ وجوابنا: أن المراد: منَ يهد الله إلى الجنة والثواب فهو المهتدى فى الدنيا. ومَن يُضلل عن الثواب إلى العقاب فأُولئك هم الخاسرون فى الدنيا، وسبيل ذلك أن يكون بعثاً من الله تعالى على الطاعة. وكذلك قوله تعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] المراد: مَن يُضلله عن الثواب فى الآخرة فلا هادى له إليه، وإن كنا قد أزحنا العِلَّة وسهَّلنا السبيل إلى الطاعة". ومثلاً فى سورة الحج يقول فى (ص ٢٤٠، ٢٤١) ما نصه: "مسألة - وربما

стр. 276

قيل فى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الله يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ [الحج: ١٦] : إن ذلك يدل على أنه يهدى قوماً دون قوم بخلاف قولكم: إن الهدى عام. وجوابنا: أن المراد: يكلف مَن يريد، لأن فى الناس مَن لا يبلغه حد التكليف. أو يحتمل أن يريد الهداية إلى الثواب، لأنها خاصة فى المطيعين دون العصاة، ورغَّبَ تعالى المؤمن فى تحمل المشاق واحتمال ما يناله من المبطلين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ [الحج: ١٧] .. فبيِّن حُسن عاقبة المؤمن عند الفصل، ليكون فى الدنيا وإن لحقه الذل صابراً. وعلى هذا الوجه قال ﷺ : "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر". فأنت ترى من هذا كله: أنه يفر من القول بأن الله تعالى هو الذى يصرف العبد عن طريق الهدى إلى طريق الضلال أو العكس، تمشياً مع مذهبه وعقيدته.. * * مس الشيطان: كذلك نراه يُفسِّر الآيات التى تدل على أن الشيطان له قدرة على أن يؤثر فى الإنسان بما يوافق مذهبه، فيقول فى سورة البقرة (ص ٥٠) ما نصه: "مسألة - وربما قيل: إن قوله: ﴿الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس﴾ [البقرة: ٢٧٥] كيف يصح ذلك وعندكم أن الشيطان لا يقدر على مثل ذلك؟. وجوابنا: أن مس الشيطان إنما هو بالوسوسة كما قال تعالى فى قصة أيوب: ﴿مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] ، كما يقال فيمن يفكر فى شئ يغمه: قد مسَّه التعب، وبيَّن ذلك قوله فى صفة الشيطان: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] .. ولو كان يقدر على أن يخبط لصرفً هِمَّته إلى العلماء والزُهَّاد وأهل العقول، لا إلى مَن يعتريه الضعف. وإذا وسوس ضعف قلب مَن يخصه بالوسوسة فتغلب عليه المرة فيتخبط، كما يتفق ذلك فى كثير من الإنس إذا فعلوا ذلك لغيرهم". ويقول فى سورة الناس (ص ٣٨٥، ٣٨٦) : "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس *مَلِكِ الناس *إلاه الناس *مِن شَرِّ الوسواس الخناس﴾ [الناس: ١-٤] : أليس ذلك يدل على أن الشيطان يؤثر فى الإنسان حتى أُمِرنا بأن نتعوَّذ من شره، وأنتم تقولون: إنه لا يقدر على شئ من ذلك؟. وجوابنا: أنه تعالى بيَّن أن هذا الوسواس من الجِنَّة والناس، ومعلوم أن من يوسوس من الناس لا يخبط ولا يُحدِث فيمن يوسوس له تغيير عقل وجسم، فكذلك حال الشيطان، ومع ذلك فلا بد فى وسوستهم من أن يكون ضرر يصح أن يُتعوَّذ بالله تعالى منه، وهذا يدل إذا تأمله المرء على قولنا بأن العبد مختار لفعله، وذلك لأنه تعالى لو كان يخلق كل هذه الأمور فيه لم يكن لهذا التعوُّذ معنى، لأنه إن أراد خلق ما يضره فيه، وخلق المعاصى فيه، فهذا التعوُّذ وجوده كعدمه، وإنما ينفع متى كان العبد مختاراً، فإذا أتى بهذا التعوُّذ كان أقرب إلى أن لا يناله من قِبَلِ الجِنَّة والناس ما كان يناله لولا ذلك". * * رؤية الله: ولما كان المعتزلة لا يجوزِّون وقوع رؤية الله فى الآخرة، فإن صاحبنا قد تخلَّص من كل آية تُجوَّز وقوع الرؤية. فمثلاً فى سورة يونس يقول فى (ص ١٥٩) ما نصه: "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] : أليس المراد بها الرؤية على ما روى فى الخبر؟. وجوابنا: أن المراد بالزيادة التفضل فى الثواب، فتكون الزيادة من جنس المزيد عليه، وهذا مروى، وهو الظاهر، فلا معنى لتعلقهم بذلك، وكيف يصح ذلك وعندهم أن الرؤية أعظم من كل الثواب فكيف تُجعل زيادة على الحسنى؟ ولذلك قال بعده: ﴿وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فبيَّن أن الزيادة هى من هذا الجنس فى الجنَّة".

стр. 277

وفى سورة القيامة يقول فى (ص ٣٥٨، ٣٥٩) ما نصه: "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣] : إنه أقوى دليل على أن الله تعالى يُرَى فى الآخرة. وجوابنا: أن مَن تعلَّق بذلك إن كان ممن يقول بأن الله تعالى جسم، فإنَّا لا ننازعه فى أنه يُرَى. بل فى أنه يُصافَح، ويُعانَق، ويُلمَس، تعالى الله عن ذلك، وإنما نكلمه فى أنه ليس بجسم. وإن كان ممن ينفى التشبيه عن الله فلا بد من أن يعترف بأن النظر إلى الله تعالى لا يصح، لأن النظر هو تقليب العين الصحيحة نحو الشئ طلباً لرؤيته، وذلك لا يصح إلا فى الأجسام. فيجب أن يُتأوَّل على ما يصح النظر إليه وهو الثواب، كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢] ، فإنَّا تأوَّلناه على أهل القرية لصحة المسألة منهم. وبيَّن ذلك أن الله ذكر ذلك ترغيباً فى الثواب كما ذكر قوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤-٢٥] زجراً عن العقاب، فيجب حمله على ما ذكرناه". * * أفعال العباد: كذلك يتأثر القاضى عبد الجبار بعقيدته الاعتزالية القائلة بأن الله تعالى لا يخلق أفعال العباد، فيقول فى سورة الأنفال (ص ١٤٤) ما نصه: "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولاكن الله قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولاكن الله رمى﴾ [الأنفال: ١٧] ، كيف يصح ذلك مع القول بأن الله تعالى لا يخلق أفعال العباد؟ وجوابنا: أنه ﷺ كان يرمى يوم بدر، والله تعالى بلغ برميته المقاتل، فلذلك أضافه تعالى إلى نفسه كما أضاف الرمية أولاً إليه بقوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ ، والكلام متفق بحمد الله. ويقول فى سورة الصافات (ص ٢٩٨، ٢٩٩) ما نصه: "مسألة- وربما قيل فى قوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥-٩٦] : أليس فى ذلك تصريح بخلق أعمال العباد؟ وجوابنا: أن المراد: واللهُ خلقكم وما تعملون من الأصنام، فالأصنام من خلق الله، وإنما عملهم نحتها وتسويتها، ولم يكن الكلام فى ذلك، فإنه ﷺ أنكر عبادتهم، فقال: أتعبدون ما تنحتون؟ وذلك الذى تنحتون الله خلقه. ولا يصح لما أورده عليهم معنى إلا على هذا الوجه، وذلك فى اللغة ظاهر، لأنه يقال فى النجار: عمل السرير - وإن كان عمله قد تقضى - وعمل الباب، ونظير ذلك قوله تعالى فى عصا موسى: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥] : المراد ما وقع إفكهم فيه، فعلى هذا الوجه نتأوَّل هذه الآية، معنى قوله من بعد: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين﴾ [الصافات: ٩٩-١٠٠] ". * * المنزلة بين المنزلتين: ولما كان القاضى عبد الجبار يقول - كغيره من المعتزلة - بالمنزلة بين المنزلتين، فإنَّا نراه

стр. 278

يتأثر بهذه العقيدة، ففى سورة الأنفال فى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أولاائك هُمُ المؤمنون حَقّاً﴾ [الأنفال: ٢-٤] .. نجده فى (ص ١٤٣) يقول ما نصه: "وكل ذلك يدل على أن الإيمان قول وعمل، ويدخل فيه كل هذه الطاعات، وأن المؤمن لا يكون مؤمناً إلا أن يقوم بحق العبادات، ومتى وقعت منه كبيرة خرج عن أن يكون مؤمناً". وفى سورة الإنسان يقول فى (ص ٣٥٩، ٣٦٠) ما نصه: "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣] : أما يدل ذلك على أنه ليس من المكلَّفين إلا كافر ومؤمن؟ وجوابنا: أن الشاكر قد يكون شاكراً وإن لم يكن مؤمناً برَّاً تقياً، لأن الفاسق بغضب أو غيره قد يكون شاكراً فلا يدل على ما قالوا، بل فى الآية دلالة على ما نقول من أن الكافر والمؤمن هما سواء فى أن الله تعالى قد هداهما، لا كما قالت المجبِّرة: إنه تعالى إنما هدى المؤمنين. والمراد به أنه دلَّ الجميع وأزال عِلَّتهم، فمَن عصى فمِن جهة نفسه أُتِىَ". * * * تذرعه بالمجاز والتشبيه فيما يُستبعد ظاهره: كذلك نرد القاضى عبد الجبار يقف أمام الآيات التى تبدو فى ظاهرها غريبة مستبعَدة، موقف النفور من جواز إرادة المعنى الحقيقى، والتخلص من هذا الظاهر المستغرَب بحمل الكلام على المجاز والتشبيه. فمثلاً يقول فى سورة الأعراف (ص ١٤٠) ما نصه: "مسألة - وربما قيل فى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] : وفى الخبر أن جميع بنى آدم أخذ عليهم المواثيق من ظهر آدم ﷺ ، كيف يصح ذلك؟ وجوابنا: أن القوم مخطئون فى الرواية، فمن المحال أن يأخذ عليهم المواثيق وهم كالذَّر لا حياة لهم ولا عقل، فالمراد أنه أخذ الميثاق من العقلاء، بأن أودع فى عقلهم ما ألزمهم، إذ فائدة الميثاق أن يكون مُنَبِّهاً، وأن يُذَكِّر المرء بالدنيا والآخرة، وذلك لا يصح إلا فى العقلاء، وظاهر الآية بخلاف قولهم، لأنه تعالى أخذ من ظهور بنى آدم، لها من آدم، والمراد أنه خرج من ظهورهم ذُرِّية أكمل عقولهم، فأخذ الميثاق عليهم، وأشهدهم على أنفسهم بما أودعه عقلهم". ومثلاً فى سورة الرعد يقول فى (ص ١٨١) ما نصه: "مسألة - ومتى قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد: ١٣] ، وكيف يصلح التسبيح من الرعد؟. وجوابنا: أن المراد دلالة الرعد وتلك الأصوات الهائلة على قدرته وعلى تنزيهه، وذلك بقوله تعالى: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ [الحديد: ١] .. لدلالة الكل على أنه

стр. 279

منزَّه عما لا يليقَ، ولذلك قال: ﴿والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣] ففصل بين الأمرين. وقوله بعد: ﴿وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ [الرعد: ١٥] ؛ معناه: يخضع، فالمكلَّف العارف بالله يخضع طوعاً، وغيره يخضع كرهاً، لأنَّا نعلم أن نفس السجود لا يقع من كل أحد". وقد رأينا كيف حمل القاضى حملته الشعواء فى مقدمة كتابه على مَن يحمل مثل هذه الآية على حقيقتها، وكيف حكم عليه بأنه ضال لا ينتفع بما يقرأ من كتاب الله. ... وهكذا نجد القاضى عبد الجبار يتأثر تأثراً عظيماً بمذهبه الاعتزالى، فلا يكاد يمر بآية تعارض مذهبه إلا صرفها عن ظاهرها، ومال بها إلى ناحية مذهبه.. وعلى الجملة فالكتاب - رغم ما فيه من هذه النزعات الاعتزالية - قد كشف لنا عن كثير من الشبهات التى ترد على ظاهر النظم الكريم، وأوضح لنا عن كثير من جمال التركيب القرآنى الذى ينطوى على البلاغة والإعجاز، مما يشهد لمؤلفه بقوة وغزارة العلم. وهو مطبوع فى مجلد واحد كبير ومتداوَل بين أهل العلم. * * * ٢ - أمالى الشريف المرتضى أو "غُرَر الفوائد ودُرَر القلائد" * التعريف بمؤلف هذا الكتاب: مؤلف هذا الكتاب، هو أبو القاسم، علىّ بن الطاهر أبى أحمد الحسين ابن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علىّ زين العابدين بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنهم، وهو أخو الشريف

стр. 280

الرضىّ، وشيخ الشيعة ورئيسهم بالعراق، وكان مع تشيعه معتزلياً مبالغاً فى اعتزاله، وقد تبحَّر ﵀ فى فنون العلم، وعُرِف بالإمامة فى الكلام والأدب، والشعر، وأخذ عن الشيخ المفيد، وروى الحديث عن سهل الديباجى الكذَّاب، وله تصانيف كثيرة على مذهب الشيعة ومقالة فى أصول الدين، وله ديوان شعر كبير، وله كتاب "الأمالى" الذى سمَّاه "غُرَر الفوائد ودُرَر القلائد"، وجمع فيه بين التفسير الاعتزالى، والحديث، والأدب، وهو ما نحن بصدد الكلام عنه الآن، واختلف الناس فى كتاب "نهج البلاغة" المنسوب إلى الإمام علىّ بن أبى طالب، هل هو جمعه؟ أو جمع أخيه الشريف الرضىّ؟. وبالجملة فقد كان الشريف المرتضى إمام أئمة العراق، يفزع إليه علماؤها، ويأخذ عنه عظماؤها. وكانت ولادته سنة ٣٥٥ هـ (خمس وخمسين وثلاثمائة من الهجرة) ، وتوفى سنة ٤٣٦ هـ (ست وثلاثين وأربعمائة) ببغداد، ودُفن فى داره عَشية يوم وفاته، فرضى الله عنه وأرضاه. * * * التعريف بهذا الكتاب وطريقة مؤلِّفه التى سلكها فى التفسير: كتاب غُرَر الفوائد ودُرَر القلائد، كتاب يشتمل على محاضرات أو أمالى، أملاها الشريف المرتضى فى ثمانين مجلساً، تشتمل على بحوث فى التفسير والحديث، والأدب، وهو كتاب ممتع، يدل على فضل كثير، وتوسع فى الاطلاع على العلوم، وهو لا يحيط بتفسير القرآن كله، بل ببعض من آياته التى يدور أغلبها حول العقيدة، وعلى ضوء ما فسَّره من الآيات نستطيع أن نلقى نظرة فاحصة على تفسير المعتزلة للقرآن فى ذلك العصر، كما نستطيع أن نقف على مبلغ جهود الشريف المرتضى للتوفيق بين آرائه الاعتزالية وآيات القرآن التى تتصادم معها. ونحن إذ نتكلم عن أمالى الشريف المرتضى لا نتكلم عنها إلا من ناحية ما فيها من التفسير، أما الناحية الحديثية والأدبية فلا تعنينا فى هذا البحث، وإن كان لها قيمتها ومكانتها العلمية بين رجال الدين والأدب. نتصفح كتاب الأمالى، ونجيل النظر بين ما فيه من بحوث فى التفسير، فنجد السيد الشريف يسعى بكل جهوده إلى الوصول إلى مبادئه الاعتزالية عن طريق التفسير، مستعيناً فى ذلك بنبوغه الأدبى، ومعرفته بفنون اللغة وأساليبها، حتى إننا لنراه يقف من الآيات التى تعارضه موقفاً يلتزم فيه مخالفة ظاهر القرآن، ويُفَضِّل فيه التفسير الملتوية لبعض الألفاظ على ما يتبادر منها إرضاء لعقيدته، وتمشياً مع مذهبه. وإليك بعض الأمثلة من تفسيره للآيات التى تدور حول العقيدة، لتقف على حقيقة الأمر، ولتلمس مقدار هذا التعصب المذهبى عند هذا الشريف العلوى:

стр. 281

* رؤية الله: يقول فى المجلس الثالث (جـ١ ص٢٨-٢٩) : "مسألة - اعلم بأن أصحابنا قد اعتمدوا فى إبطال ما ظنَّه أصحاب الرؤية فى قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ على وجوه معروفة، لأنهم بيَّنوا أن النظر ليس يفيد الرؤية، ولا الرؤية من أحد محتملاته، ودلُّوا على أن النظر ينقسم إلى أقسام كثيرة: منها تقليب الحدقة الصحيحة فى جهة المرئى طلباً للرؤية، ومنها النظر الذى هو الانتظار، ومنها النظر الذى هو التعطف والمرحمة، ومنها النظر الذى هو الفكر والتأمل. وقالوا: إذ لم يكن فى أقسام النظر الرؤية، لم يكن للقوم بظاهرها تعلق، واحتجنا جميعاً إلى طلب تأويل الآية من جهة غير الرؤية. وتأوَّلها بعضهم على الانتظار للثواب، وإن كان المُنّتَظَر فى الحقيقة محذوفاً، والمُنْتَظَر منه مذكوراً على عادة للعرب معروفة. وسلَّم بعضهم أن النظر يكون الرؤية بالبصر. وحمل الآية على رؤية أهل الجنَّة لنِعَم الله تعالى عليهم، على سبيل حذف المرئى فى الحقيقة. وهذا كلام مشروح فى مواضعه، وقد بيَّنا ما يرد عليه، وما يُجاب به عن الشبهة المعترضة فى مواضع كثيرة. وههنا وجه غريب فى الآية، حُكى عن بعض المتأخرين، لا يفتقر معتمده إلى العدول عن الظاهر، أو إلى تقدير محذوف، ولا يحتاج إلى منازعتهم فى أن النظر يحتمل الرؤية أو لا يحتملها، بل يصح الاعتماد عليه، سواء أكان النظر المذكور فى الآية هو الانتظار بالقلب أو الرؤية بالعين، وهو أن يُحمِل قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّهَا﴾ ، إلى أنه أراد نعمة ربها، لأن الآلاء النِعَم، وفى واحدها أربع لغات، ألَى مثل قفَى، وألِى مثل رمِى، وإِلى مثل معىِ، وإِلى مثل حِنى. قال أعشى بكر بن وائل: أبيضُ لا يرهب الهزال ولا ... يقطع رَحْماً ولا يخون إلِى أراد أنه لا خون نعمة. وأراد تعالى: ﴿إلى رَبِّهَا﴾ ، فأسقط التنوين للإضافة؛ فإن قيل: فأى فرق بين هذه الوجه وبين تأويل مَن حمل الآية على أنه أراد به: إلى ثواب ربها ناظرة، بمعنى: رائية لنعمه وثوابه؟ قلنا: ذلك الوجه يفتقر إلى محذوف، لأنه إذا جعل "إلى" حرفاً، ولم يعلقها بالرب تعالى، فلا بد من تقدير محذوف، وفى الجواب الذى ذكرناه لا يُفتقر إلى تقدير محذوف، لأن "إلى" فيه اسم يتعلق به الرؤية، ولا يحتاج إلى تقدير غيره. والله أعلم بالصواب". * * الإرادة وحرية الأفعال: وفى المجلس الرابع (جـ١ ص٣٠-٣٣) يقول ما نصه: "تأويل آية - إن قال قائل: ما تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين

стр. 282

لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠] .. فظاهر هذا الكلام يدل على أن الإيمان إنما كان لهم فعله بإذنه وأمره، وليس هذا مذهبكم. وإن حُمِل الإذن هنا على الإرادة، اقتضى أن مَن لم يقع منه الإيمان لم يرده الله منه، وهذا أيضاً بخلاف قولكم. ثم جعل الرجس - الذى هو العذاب - على الذين لا يعقلون، ومَن كان فاقداً لعقله لا يكون مكلَّفاً. فكيف يستحق العذاب. وهو بالضد من الخبر المروى عن النبى ﷺ أنه قال: "أكثر أهل الجنة البُله"؟.. الجواب: يقال له: فى قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ وجوه: منها أن يكون الإذن: الأمر، ويكون معنى الكلام أن الإيمان لا يقع إلا بعد أن يأذن الله فيه ويأمر به، ولا يكون معناه ما ظنه السائل من أنه لا يكون للفاعل فعله إلا بإذنه، ويجرى هذا مجرى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ [آل عمران: ١٤٥] .. ومعلوم أن معنى قوله: "ليس لها" - فى هذه الآية. هو ما ذكرناه، وإن كان الأشبه فى هذه الآية التى ذُكِر فيها الموت أن يكون المراد بالإذن: العلم، ومنها أن يكون الإذن هو: التوفيق والتيسير والتسهيل. ولا شبهة فى أن الله يُوفِّق لفعل الإيمان ويلطف فيه، ويُسهِّل السبيل إليه.. ومنها أن يكون الإذن: العلم، من قولهم: أذنتُ لكذا وكذا، إذا سمعته وعلمتَه. وأذنتُ فلاناً بكذا، إذا أعلمته، فتكون فائدة الآية: الإخبار عن علمه تعالى بسائر الكائنات، فإنه ممن لا تخفى عليه الخفيات. وقد أنكر بعض مَن لا بصيرة له أن يكون الإذْن - بكسر الألف وتسكين الذال - عبارة عن العلم، وزعم أن الذى هو العلم: الأُذن - بالتحريك - واستشهد بقول الشاعر: إنَّ هَمَّى فى سماع وأُذن وليس الأمر على ما توهَّم هذا المتوهم، لأن الأذن هو المصدر، والإذن هو اسم الفعل، فيجرى مجرى الحذَر، والحذَر فى أنه مصدر، والحذْر - بالتسكين - الاسم. على أنه لو لم يكن مسموعاً إلا الأذن بالتحريك لجاز التسكين مثل: مثَل ومثْل، وشَبه وشِبْه، ونظائر ذلك كثيرة.. ومنها أن يكون الإذن: العلم، ومعناه إعلام الله المكلَّفين بفضل الإيمان وما يدعو إلى فعله، ويكون معنى الآية: وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإعلام الله لها بما يبعثها على الإيمان وما يدعوها إلى فعله.. فأما ظن السائل دخول الإرادة فى محتمل اللفظ فباطل، لأن الإذن لا يحتمل الإرادة فى اللُّغة، ولو احتملها أيضاً لم يجب ما توهمه، لأنه إذا قال: إن الإيمان لا يقع إلا وأنا مريد له، لم ينف أن يكون مريداً لما لم يقع، ولس فى صريح الكلام ولا دلالته شئ من ذلك". ثم انتقل من هذا إلى كشف الشبهة عن معنى قوله: ﴿وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ﴾ مما لا يتصل بعقيدته الاعتزالية.

стр. 283

وفى المجلس (٤١ جـ ٣ ص ٢-٤) يقول ما نصه: "تأويل آية - إن سأل سائل عن قوله تعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٦-٢٧] ... إلى آخر الأية فقال: ما تأويل هذه الآية؟ أو ليس ظاهرها يقتضى أنَّا لا نشاء شيئاً إلا والله تعالى شاءه، ولم يخصّ إيمان من كفر، ولا طاعة من معصية..؟ الجواب: الوجه المذكور فى هذه الآية أن الكلام متعلق بما تقدمه من ذكر الاستقامة، لأنه تعالى قال: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ ثم قال: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّ العالمين﴾ : أى ما تشاءون الاستقامة إلا والله تعالى مريد لها، ونحن لا ننكر أن يريد الله تعالى الطاعات، وإنما أنكرنا إرادته المعاصى وليس لهم أن يقولوا: تقدم ذكر الاستقامة لا يوجب قصر الكلام عليها ولا يمنع من عمومه، كما أن السبب لا يوجب قصر ما يخرج من الكلام عليه حتى لا يتعداه، وذلك أن الذى ذكروه إنما يجب فيما يستقل بنفسه من الكلام دون ما لا يستقْل.. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ لا ذكر للمراد فيه، فهو غير مستقل بنفسه، وإذا علق بما تقدم من ذكر الاستقامة استقل. على أنه لو كان للآية ظاهر يقتضى ما ظنُّوه - وليس لها ذلك - لوجب الانصراف عنه بالأدلة الثابتة على أنه تعالى لا يريد المعاصى ولا القبائح. على أن مخالفينا فى هذه المسألة لا يمكنهم حمل الآية على العموم، لأن العباد قد يشاءون عندهم ما لا يشاؤه الله تعالى بأن يريدوا الشئ ويعزموا عليه فلا يقع لمانع، ممتنعاً كان أو غيره. وكذلك قد يريد النبى ﵊ من الكفار والإيمان، وقد تعبدنا بأن نريد من المقدم على القبيح تركه، وإن كان تعالى عندهم لا يريد ذلك إذا كان المعلوم أنه لا يقع، فلا بد لهم من تخصيص الآية، فإذا جاز لهم ذلك بالشبهة، جاز لنا مثله بالحُجَّة، وتجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى: ﴿إِنَّ هاذه تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً* وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الإنسان: ٢٩-٣٠] .. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [المدثر: ٥٦] فى تعلق الكلام بما قبله.. فإن قالوا: فالآية تدل على صحة مذهبنا من وجه وبطلان مذهبكم من وجه آخر، وهو أنه قال: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ . وذلك يقتضى أنه يشاء الاستقامة فى حال مشيئتنا لها لأن "أن" الخفيفة إذا دخلت على الفعل المضارع اقتضت الاستقبال، وهذا يوجب أنه يشاء أفعال العباد فى كل حال، ويبطل ما تذهبون إليه من أنه إنما يريد الطاعات فى حال الأمر، قلنا: ليس فى ظاهر الآية أنَّا لا نشاء إلا ما شاءه الله تعالى فى حال مشيئتنا كما ظننتم، وإنما يقتضى حصول مشيئته لما نشاءوه من الاستقامة من غير ذكر لتقدم ولا

стр. 284

تأخر، ويجرى ذلك مجرى قول القائل: ما يدخل زيد هذه الدار إلا أن يدخلها عمرو، ونحن نعلم أنه غير واجب بهذا الكلام أن يكون دخولهما فى حالة واحدة، بل لا يمتنع أن يتقدم دخول عمرو، ويتلوه دخول زيد. و "أن" الخفيفة وإن كانت للاستقبال - على ما ذكر - فلم يبطل على تأويلنا معنى الاستقبال فيها، لأن تقدير الكلام: وما تشاءون الطاعات إلا بعد أن يشاء الله تعالى. ومشيئته تعالى قد كانت لها حال الاستقبال. وقد ذهب أبو على الجبائى إلى أنه لا يمتنع أن يريد تعالى الطاعات حالاً بعد حال، وإن كان قد أرادها فى حال الأمر، كما يصح أن يأمر بها أمراً بعد أمر، قال: لأنه قد يصح أن يتعلق بإرادته ذلك منا بعد الأمر وفى حال الفعل مصلحة. ويعلم تعالى أنَّا نكون متى علمنا ذلك كنا إلى فعل الطاعات أقرب، وعلى هذا المذهب لا يُعترض بما ذكروه.. والجواب الأول واضح إذا لم نذهب إلى مذهب أبى علىّ فى هذا الباب. على أن اقتضاء الآية للاستقبال من أوضح دليل على فساد قولهم، لأن الكلام إذا اقتضى حدوث المشيئة وأبطل استقبالها بطل قول من قال منهم: إنه مريد بنفسه، أو مريد بإرادة قديمة، وصحَّ ما نقوله من أن إرادته مُحْدَثة مُجَدَّدة. ويمكن فى تأويل الآية وجه آخر مع حملنا إياها على العموم من غير أن نخصها بما تقدَّم ذكره من الاستقامة، ويكون المعنى: وما تشاءون شيئاً من فعالكم إلا أن يشاء الله تمكينكم من مشيئتكم، وإقداركم عليها، والتخلية بينكم وبينها. وتكون الفائدة فى ذلك الإخبار عن الافتقار إلى الله تعالى، وأنه لا قدرة على ما لم يُقَدِّره الله تعالى . وليس يجب عليه أن يستبعد هذا الوجه، لأن ما تتعلق به المشيئة فى الآية محذوف غير مذكور، وليس لهم أن يُعلِّقوا قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ بالأفعال، دون تعلقه بالقُدرة، لأن كل واحد من الأمرين غير مذكور، وكل هذا واضح بحمد الله. فأنت ترى من هذه المُثُل وغيرها لو رجعت إليها فى مكانها أن الشريف المرتضى تأثر فى تأويله للآيات القرآنية بعقيدته الاعتزالية ودافع بكل ما يستطيع عن مذهبه، ورَدَّ كل شُبهة تَرِد عليه بما يدل على قوة ذهنه وسعة اطلاعه. * * * رفضه لبعض ظواهر القرآن: كذلك نجد الشريف المرتضى - كغيره من المعتزلة - يرفض بشدة المعانى القرآنية الظاهرة، التى تبدو فى أول أمرها مُسْتبعدَة مُسْتغرَبة، والتى يجوِّزها أهل السُّنَّة ويرونها أولى بأن يُحمل اللفظ عليها من غيرها، ويتخلص من ذلك إما بحمل اللفظ على معنى حقيقى آخر لا غرابة فيه، وإما بحمله على التمثيل أو التخييل، ونجد لذلك مثلاً جلياً واضحاً فى المجلس الثالث (جـ١ ص٢٠، ٢٢) حيث يقول ما نصه: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ

стр. 285

بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هاذا غَافِلِينَ * أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون﴾ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣] .. وقد ظنّ بعض مَن لا بصيرة له ولا فطنة عنده، أن تأويل هذه الآية: أن الله استخرج من ظهر آدم جميع ذُرِّيته وهم فى خلق الذَّر، فقررهم بمعرفته، وأشهدهم على أنفسهم. وهذا التأويل مع أن العقل يبطله ويحيله، مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه، لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ﴾ ، ولم يقل: من ظهره. وقال: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ، ولم يقل: ذُرِّيته. ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقول إنهم كانوا عن هذا غافلين. أو يعتذروا بشرك آبائهم، وأنهم نشئوا على دينهم وسُنَّتهم، وهذا يقتضى أن الآية لم تتناول ولد آدم لصلبه، وأنها تناولت من كان له آباء مشركون، وهذا يدل على اختصاصها ببعض ولد آدم، فهذه شهادة الظاهر ببطلان تأويله. فأما شهادة العقل؛ فمن حيث لا تخلو هذه الذُرِّية التى استُخْرِجت من ظهر آدم فخوطبت وقُرِرت من أن تكون كاملة العقول مستوفية لشروط التكليف، أو لا تكون كاملة العقول مستوفية لشروط التكليف، فإن كانت بالصفة الأولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم وإنشائهم وإكمال عقولهم ما كانوا عليه فى تلك الحال، وما قُرِروا به واستُشْهِدوا عليه، لأن العاقل لا ينسى ما يجرى هذا المجرى وإن بَعُدَ العهد وطال الزمان، ولهذا لا يجوز أن يتصرف أحدنا فى بلد من البلدان وهو عاقل كامل، فينسى مع بُعْد العهد جميع تصرفه المتقدم وسائر أحواله، وليس أيضاً لتخلل الموت بين الحالتين تأثير، لأنه لو كان تخلل الموت يزيل الذِكْر، لكان تخلل النوم، والسُكر، والجنون، والإغماء من أحوال العقلاء يزيل ذِكْرهم لما مضى من أحوالهم، لأن سائر ما عددناه مما ينفى العلوم يجرى مجرى الموت فى هذا. وليس لهم أن يقولوا: إذا جاز فى العاقل الكامل أن ينسى ما كان عليه فى حال الطفولية جاز ما ذكرناه، وذلك إنما أوجبنا ذكرالعقلاء لما ادَّعوه إذا كملت عقولهم، من حيث يجرى عليهم وهم كاملو العقول، ولو كانوا بصفة الأطفال فى تلك الحال لم نوجب عليهم ما أوجبناه. على أن تجويز النسيان عليهم ينقض الغرض فى الآية، وذلك أن الله تعالى أخبرنا بأنه إنما قررهم وأشهدهم، لئلا يدَّعوا يوم القيامة الغفلة وسقوط الحُجَّة عنهم، فإذا جاز نسيانهم له، عاد الأمر إلى سقوط الحُجَّة وزوالها، وإن كانوا على الصفة الثانية من فقد العقل وشرائط التكليف، قبح خطابهم، وتقريرهم، وإشهادهم، وصار ذلك عبثاً قبيحاً. فإن قيل: قد أبطلتم قول مخالفيكم، فما تأويلها الصحيح عندكم؟. قلنا: فى الآية وجهان، أحدهما: أن يكون تعالى إنما عَنِىَ بها جماعة من ذُرِّية بنى آدم، خلقهم، وبلَّغهم، وأكمل
следующие страницы →