Полный текст (774 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
* رؤية الله:
يقول فى المجلس الثالث (جـ١ ص٢٨-٢٩) : "مسألة - اعلم بأن أصحابنا قد اعتمدوا فى إبطال ما ظنَّه أصحاب الرؤية فى قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ على وجوه معروفة، لأنهم بيَّنوا أن النظر ليس يفيد الرؤية، ولا الرؤية من أحد محتملاته، ودلُّوا على أن النظر ينقسم إلى أقسام كثيرة: منها تقليب الحدقة الصحيحة فى جهة المرئى طلباً للرؤية، ومنها النظر الذى هو الانتظار، ومنها النظر الذى هو التعطف والمرحمة، ومنها النظر الذى هو الفكر والتأمل. وقالوا: إذ لم يكن فى أقسام النظر الرؤية، لم يكن للقوم بظاهرها تعلق، واحتجنا جميعاً إلى طلب تأويل الآية من جهة غير الرؤية. وتأوَّلها بعضهم على الانتظار للثواب، وإن كان المُنّتَظَر فى الحقيقة محذوفاً، والمُنْتَظَر منه مذكوراً على عادة للعرب معروفة. وسلَّم بعضهم أن النظر يكون الرؤية بالبصر. وحمل الآية على رؤية أهل الجنَّة لنِعَم الله تعالى عليهم، على سبيل حذف المرئى فى الحقيقة. وهذا كلام مشروح فى مواضعه، وقد بيَّنا ما يرد عليه، وما يُجاب به عن الشبهة المعترضة فى مواضع كثيرة.
وههنا وجه غريب فى الآية، حُكى عن بعض المتأخرين، لا يفتقر معتمده إلى العدول عن الظاهر، أو إلى تقدير محذوف، ولا يحتاج إلى منازعتهم فى أن النظر يحتمل الرؤية أو لا يحتملها، بل يصح الاعتماد عليه، سواء أكان النظر المذكور فى الآية هو الانتظار بالقلب أو الرؤية بالعين، وهو أن يُحمِل قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّهَا﴾ ، إلى أنه أراد نعمة ربها، لأن الآلاء النِعَم، وفى واحدها أربع لغات، ألَى مثل قفَى، وألِى مثل رمِى، وإِلى مثل معىِ، وإِلى مثل حِنى. قال أعشى بكر بن وائل:
أبيضُ لا يرهب الهزال ولا ... يقطع رَحْماً ولا يخون إلِى
أراد أنه لا خون نعمة. وأراد تعالى: ﴿إلى رَبِّهَا﴾ ، فأسقط التنوين للإضافة؛ فإن قيل: فأى فرق بين هذه الوجه وبين تأويل مَن حمل الآية على أنه أراد به: إلى ثواب ربها ناظرة، بمعنى: رائية لنعمه وثوابه؟ قلنا: ذلك الوجه يفتقر إلى محذوف، لأنه إذا جعل "إلى" حرفاً، ولم يعلقها بالرب تعالى، فلا بد من تقدير محذوف، وفى الجواب الذى ذكرناه لا يُفتقر إلى تقدير محذوف، لأن "إلى" فيه اسم يتعلق به الرؤية، ولا يحتاج إلى تقدير غيره. والله أعلم بالصواب".
*
* الإرادة وحرية الأفعال:
وفى المجلس الرابع (جـ١ ص٣٠-٣٣) يقول ما نصه: "تأويل آية - إن قال قائل: ما تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين
стр. 282
لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠] .. فظاهر هذا الكلام يدل على أن الإيمان إنما كان لهم فعله بإذنه وأمره، وليس هذا مذهبكم. وإن حُمِل الإذن هنا على الإرادة، اقتضى أن مَن لم يقع منه الإيمان لم يرده الله منه، وهذا أيضاً بخلاف قولكم. ثم جعل الرجس - الذى هو العذاب - على الذين لا يعقلون، ومَن كان فاقداً لعقله لا يكون مكلَّفاً. فكيف يستحق العذاب. وهو بالضد من الخبر المروى عن النبى ﷺ أنه قال: "أكثر أهل الجنة البُله"؟.. الجواب: يقال له: فى قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ وجوه: منها أن يكون الإذن: الأمر، ويكون معنى الكلام أن الإيمان لا يقع إلا بعد أن يأذن الله فيه ويأمر به، ولا يكون معناه ما ظنه السائل من أنه لا يكون للفاعل فعله إلا بإذنه، ويجرى هذا مجرى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ [آل عمران: ١٤٥] .. ومعلوم أن معنى قوله: "ليس لها" - فى هذه الآية. هو ما ذكرناه، وإن كان الأشبه فى هذه الآية التى ذُكِر فيها الموت أن يكون المراد بالإذن: العلم، ومنها أن يكون الإذن هو: التوفيق والتيسير والتسهيل. ولا شبهة فى أن الله يُوفِّق لفعل الإيمان ويلطف فيه، ويُسهِّل السبيل إليه.. ومنها أن يكون الإذن: العلم، من قولهم: أذنتُ لكذا وكذا، إذا سمعته وعلمتَه. وأذنتُ فلاناً بكذا، إذا أعلمته، فتكون فائدة الآية: الإخبار عن علمه تعالى بسائر الكائنات، فإنه ممن لا تخفى عليه الخفيات. وقد أنكر بعض مَن لا بصيرة له أن يكون الإذْن - بكسر الألف وتسكين الذال - عبارة عن العلم، وزعم أن الذى هو العلم: الأُذن - بالتحريك - واستشهد بقول الشاعر:
إنَّ هَمَّى فى سماع وأُذن
وليس الأمر على ما توهَّم هذا المتوهم، لأن الأذن هو المصدر، والإذن هو اسم الفعل، فيجرى مجرى الحذَر، والحذَر فى أنه مصدر، والحذْر - بالتسكين - الاسم. على أنه لو لم يكن مسموعاً إلا الأذن بالتحريك لجاز التسكين مثل: مثَل ومثْل، وشَبه وشِبْه، ونظائر ذلك كثيرة.. ومنها أن يكون الإذن: العلم، ومعناه إعلام الله المكلَّفين بفضل الإيمان وما يدعو إلى فعله، ويكون معنى الآية: وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإعلام الله لها بما يبعثها على الإيمان وما يدعوها إلى فعله.. فأما ظن السائل دخول الإرادة فى محتمل اللفظ فباطل، لأن الإذن لا يحتمل الإرادة فى اللُّغة، ولو احتملها أيضاً لم يجب ما توهمه، لأنه إذا قال: إن الإيمان لا يقع إلا وأنا مريد له، لم ينف أن يكون مريداً لما لم يقع، ولس فى صريح الكلام ولا دلالته شئ من ذلك". ثم انتقل من هذا إلى كشف الشبهة عن معنى قوله: ﴿وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ﴾ مما لا يتصل بعقيدته الاعتزالية.
стр. 283
وفى المجلس (٤١ جـ ٣ ص ٢-٤) يقول ما نصه: "تأويل آية - إن سأل سائل عن قوله تعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٦-٢٧] ... إلى آخر الأية فقال: ما تأويل هذه الآية؟ أو ليس ظاهرها يقتضى أنَّا لا نشاء شيئاً إلا والله تعالى شاءه، ولم يخصّ إيمان من كفر، ولا طاعة من معصية..؟ الجواب: الوجه المذكور فى هذه الآية أن الكلام متعلق بما تقدمه من ذكر الاستقامة، لأنه تعالى قال: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ ثم قال: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّ العالمين﴾ : أى ما تشاءون الاستقامة إلا والله تعالى مريد لها، ونحن لا ننكر أن يريد الله تعالى الطاعات، وإنما أنكرنا إرادته المعاصى وليس لهم أن يقولوا: تقدم ذكر الاستقامة لا يوجب قصر الكلام عليها ولا يمنع من عمومه، كما أن السبب لا يوجب قصر ما يخرج من الكلام عليه حتى لا يتعداه، وذلك أن الذى ذكروه إنما يجب فيما يستقل بنفسه من الكلام دون ما لا يستقْل.. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ لا ذكر للمراد فيه، فهو غير مستقل بنفسه، وإذا علق بما تقدم من ذكر الاستقامة استقل. على أنه لو كان للآية ظاهر يقتضى ما ظنُّوه - وليس لها ذلك - لوجب الانصراف عنه بالأدلة الثابتة على أنه تعالى لا يريد المعاصى ولا القبائح. على أن مخالفينا فى هذه المسألة لا يمكنهم حمل الآية على العموم، لأن العباد قد يشاءون عندهم ما لا يشاؤه الله تعالى بأن يريدوا الشئ ويعزموا عليه فلا يقع لمانع، ممتنعاً كان أو غيره. وكذلك قد يريد النبى ﵊ من الكفار والإيمان، وقد تعبدنا بأن نريد من المقدم على القبيح تركه، وإن كان تعالى عندهم لا يريد ذلك إذا كان المعلوم أنه لا يقع، فلا بد لهم من تخصيص الآية، فإذا جاز لهم ذلك بالشبهة، جاز لنا مثله بالحُجَّة، وتجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى: ﴿إِنَّ هاذه تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً* وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الإنسان: ٢٩-٣٠] .. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [المدثر: ٥٦] فى تعلق الكلام بما قبله..
فإن قالوا: فالآية تدل على صحة مذهبنا من وجه وبطلان مذهبكم من وجه آخر، وهو أنه قال: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ . وذلك يقتضى أنه يشاء الاستقامة فى حال مشيئتنا لها لأن "أن" الخفيفة إذا دخلت على الفعل المضارع اقتضت الاستقبال، وهذا يوجب أنه يشاء أفعال العباد فى كل حال، ويبطل ما تذهبون إليه من أنه إنما يريد الطاعات فى حال الأمر، قلنا: ليس فى ظاهر الآية أنَّا لا نشاء إلا ما شاءه الله تعالى فى حال مشيئتنا كما ظننتم، وإنما يقتضى حصول مشيئته لما نشاءوه من الاستقامة من غير ذكر لتقدم ولا
стр. 284
تأخر، ويجرى ذلك مجرى قول القائل: ما يدخل زيد هذه الدار إلا أن يدخلها عمرو، ونحن نعلم أنه غير واجب بهذا الكلام أن يكون دخولهما فى حالة واحدة، بل لا يمتنع أن يتقدم دخول عمرو، ويتلوه دخول زيد. و "أن" الخفيفة وإن كانت للاستقبال - على ما ذكر - فلم يبطل على تأويلنا معنى الاستقبال فيها، لأن تقدير الكلام: وما تشاءون الطاعات إلا بعد أن يشاء الله تعالى. ومشيئته تعالى قد كانت لها حال الاستقبال. وقد ذهب أبو على الجبائى إلى أنه لا يمتنع أن يريد تعالى الطاعات حالاً بعد حال، وإن كان قد أرادها فى حال الأمر، كما يصح أن يأمر بها أمراً بعد أمر، قال: لأنه قد يصح أن يتعلق بإرادته ذلك منا بعد الأمر وفى حال الفعل مصلحة. ويعلم تعالى أنَّا نكون متى علمنا ذلك كنا إلى فعل الطاعات أقرب، وعلى هذا المذهب لا يُعترض بما ذكروه.. والجواب الأول واضح إذا لم نذهب إلى مذهب أبى علىّ فى هذا الباب. على أن اقتضاء الآية للاستقبال من أوضح دليل على فساد قولهم، لأن الكلام إذا اقتضى حدوث المشيئة وأبطل استقبالها بطل قول من قال منهم: إنه مريد بنفسه، أو مريد بإرادة قديمة، وصحَّ ما نقوله من أن إرادته مُحْدَثة مُجَدَّدة. ويمكن فى تأويل الآية وجه آخر مع حملنا إياها على العموم من غير أن نخصها بما تقدَّم ذكره من الاستقامة، ويكون المعنى: وما تشاءون شيئاً من فعالكم إلا أن يشاء الله تمكينكم من مشيئتكم، وإقداركم عليها، والتخلية بينكم وبينها. وتكون الفائدة فى ذلك الإخبار عن الافتقار إلى الله تعالى، وأنه لا قدرة على ما لم
يُقَدِّره الله تعالى . وليس يجب عليه أن يستبعد هذا الوجه، لأن ما تتعلق به المشيئة فى الآية محذوف غير مذكور، وليس لهم أن يُعلِّقوا قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ بالأفعال، دون تعلقه بالقُدرة، لأن كل واحد من الأمرين غير مذكور، وكل هذا واضح بحمد الله.
فأنت ترى من هذه المُثُل وغيرها لو رجعت إليها فى مكانها أن الشريف المرتضى تأثر فى تأويله للآيات القرآنية بعقيدته الاعتزالية ودافع بكل ما يستطيع عن مذهبه، ورَدَّ كل شُبهة تَرِد عليه بما يدل على قوة ذهنه وسعة اطلاعه.
* *
* رفضه لبعض ظواهر القرآن:
كذلك نجد الشريف المرتضى - كغيره من المعتزلة - يرفض بشدة المعانى القرآنية الظاهرة، التى تبدو فى أول أمرها مُسْتبعدَة مُسْتغرَبة، والتى يجوِّزها أهل السُّنَّة ويرونها أولى بأن يُحمل اللفظ عليها من غيرها، ويتخلص من ذلك إما بحمل اللفظ على معنى حقيقى آخر لا غرابة فيه، وإما بحمله على التمثيل أو التخييل، ونجد لذلك مثلاً جلياً واضحاً فى المجلس الثالث (جـ١ ص٢٠، ٢٢) حيث يقول ما نصه: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ
стр. 285
بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هاذا غَافِلِينَ * أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون﴾ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣] ..
وقد ظنّ بعض مَن لا بصيرة له ولا فطنة عنده، أن تأويل هذه الآية: أن الله استخرج من ظهر آدم جميع ذُرِّيته وهم فى خلق الذَّر، فقررهم بمعرفته، وأشهدهم على أنفسهم. وهذا التأويل مع أن العقل يبطله ويحيله، مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه، لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ﴾ ، ولم يقل: من ظهره. وقال: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ، ولم يقل: ذُرِّيته. ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقول إنهم كانوا عن هذا غافلين. أو يعتذروا بشرك آبائهم، وأنهم نشئوا على دينهم وسُنَّتهم، وهذا يقتضى أن الآية لم تتناول ولد آدم لصلبه، وأنها تناولت من كان له آباء مشركون، وهذا يدل على اختصاصها ببعض ولد آدم، فهذه شهادة الظاهر ببطلان تأويله. فأما شهادة العقل؛ فمن حيث لا تخلو هذه الذُرِّية التى استُخْرِجت من ظهر آدم فخوطبت وقُرِرت من أن تكون كاملة العقول مستوفية لشروط التكليف، أو لا تكون كاملة العقول مستوفية لشروط التكليف، فإن كانت بالصفة الأولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم وإنشائهم وإكمال عقولهم ما كانوا عليه فى تلك الحال، وما قُرِروا به واستُشْهِدوا عليه، لأن العاقل لا ينسى ما يجرى هذا المجرى وإن بَعُدَ العهد وطال الزمان، ولهذا لا يجوز أن يتصرف أحدنا فى بلد من البلدان وهو عاقل كامل، فينسى مع بُعْد العهد جميع تصرفه المتقدم وسائر أحواله، وليس أيضاً لتخلل الموت بين الحالتين تأثير، لأنه لو كان تخلل الموت يزيل الذِكْر، لكان تخلل النوم، والسُكر، والجنون، والإغماء من أحوال العقلاء يزيل ذِكْرهم لما مضى من أحوالهم، لأن سائر ما عددناه مما ينفى العلوم يجرى مجرى الموت فى هذا. وليس لهم أن يقولوا: إذا جاز فى العاقل الكامل أن ينسى ما كان عليه فى حال الطفولية جاز ما ذكرناه، وذلك إنما أوجبنا ذكرالعقلاء لما ادَّعوه إذا كملت عقولهم، من حيث يجرى عليهم وهم كاملو العقول، ولو كانوا بصفة الأطفال فى تلك الحال لم نوجب عليهم ما أوجبناه. على أن تجويز النسيان عليهم ينقض الغرض فى الآية، وذلك أن الله تعالى أخبرنا بأنه إنما قررهم وأشهدهم، لئلا يدَّعوا يوم القيامة الغفلة وسقوط الحُجَّة عنهم، فإذا جاز نسيانهم له، عاد الأمر إلى سقوط
الحُجَّة وزوالها، وإن كانوا على الصفة الثانية من فقد العقل وشرائط التكليف، قبح خطابهم، وتقريرهم، وإشهادهم، وصار ذلك عبثاً قبيحاً. فإن قيل: قد أبطلتم قول مخالفيكم، فما تأويلها الصحيح عندكم؟. قلنا: فى الآية وجهان، أحدهما: أن يكون تعالى إنما عَنِىَ بها جماعة من ذُرِّية بنى آدم، خلقهم، وبلَّغهم، وأكمل
стр. 286
عقولهم، وقرَّرهم على ألسن رسله ﵈ بمعرفته، وما يجب من طاعته، فأُمِروا بذلك، وأشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا يوم القيامة: إنَّا كنا عن هذا غافلين، أو يعتذروا بشرك آبائهم. وإنما أُتِىَ مَن اشتبه عليه تأويل الآية من حيث ظن أن اسم الذُرِّية لا يقع إلى على مَن لم يكن عاقلاً كاملاً، وليس الأمر كما ظن، لأنه سمى جميع البَشر بأنهم ذُرِّية آدم وإن دخل فيهم العقلاء الكاملون، وقد قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [غافر: ٨] ولفظ "الصالح" لا يُطلق إلا على مَن كان كاملاً عاقلاً، فإن استبعدوا تأويلنا وحملنا الآية على البالغين المكلَّفين فهذا جوابهم.
والجواب الثانى: أنه تعالى لما خلقهم وركبَّهم تركيباً يدل على معرفته، ويشهد بقدرته ووجوب عبادته، فأراهم العِبر، والآيات، والدلائل، فى أنفسهم وفى غيرهم، كان بمنزلة المُشْهِد لهم على أنفسهم وكانوا فى مشاهدة ذلك ومعرفته، وظهوره فيهم على الوجه الذى أراده الله تعالى وتعذَّر امتناعهم منه وانفكاكهم من دلالته، بمنزلة المُقِّر المعترف وإن لم يكن هناك إشهاد ولا اعتراف على الحقيقة، ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ، وإن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة، ولا منهما جواب. ومثله قوله تعالى: ﴿شَاهِدِينَ على أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] ، ونحن نعلم أن الكفار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم، وإنما ذلك لَمَّا ظهر منهم ظهوراً لا يتمكنون من دفعه، كانوا بمنزلة المعترفين به، ومثل هذا قولهم: جوارحى تشهد بنعمتك، وحالى معترفة بإحسانك، وما رُوى عن بعض الحكماء من قوله: سل الأرض مَن شق أنهارِك؟ وغرس أشجارك؟ وجنى ثمارِك؟ فإن لم تجبك جؤاراً، أجابتك اعتباراً، وهذا باب كبير، وله نظائر كثيرة فى النظم والنثر، يُغنى عن ذكر جميعها القدر الذى ذكرناه منها.
* *
الطريقة اللُّغوية فى تفسيره للقرآن:
ثم إننا نجد الشريف المرتضى، قد ولع بالطريقة اللُّغوية فى تفسيره للآيات القرآنية، وحرص كل الحرص على تطبيق هذا المبدأ اللُّغوى، الذى يُعتبر الأصل المهم من قواعد التفسير عند المعتزلة، وكثيراً ما نراه يُظهر مهارة فائقة فى استعماله لهذه الطريقة عندما يساوره الشك فى ظاهر اللفظ الذى يتعلق بالعقيدة، فنراه يفسِّره تفسيراً مقبولاً لديه، يقوم على أساس من الأسس اللُّغوية. والحق أن الشريف المرتضى قد ظهر تفوقه العلمى الصحيح، عند تطبيقه لهذا المبدأ، وذلك راجع إلى تمكنه العظيم من اللُّغة والشعر القديم، ولهذا نجده لا يُعتبر من التفاسير اللُّغوية إلا ما كان له شاهد من اللُّغة أو
стр. 287
الشعر العربى القديم. أما التفسير المطلق، الذى لا يعتمد على شاهد من ذلك، فإنه يرفضه ولا يرضاه. وإليك بعض الأمثلة التى تصوِّر لك عناية المرتضى بهذا المبدأ اللُّغوى.
ففى المجلس (٢٣ جـ ٢ ص ٦-٩) يقول ما نصه: إن سأل سائل عن قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] ، ما المراد بالنفس فى هذه الآية وهل المعنى فيها كالمعنى فى قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨، ٣٠] أو يخالفه؟ أو يطابق معنى الآيتين؟ والمراد بالنفس فيهما ما رواه أبو هريرة عن النبى ﷺ أنه قال: "يقول الله : إذا أحبَّ العبدُ لقائى أحببتُ لقاؤه، وإذا ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى، وإذا ذكرنى فى مَلإٍ ذكرته فى مَلإٍ خير منه، وإذا تقرَّب إلىّ ذراعاً تقرَّبتُ إليه باعاً" أو لا يطابقه؟.. الجواب: قلنا: إن النفس فى اللغة لها معان مختلفة. ووجوه فى التصرف متباينة؛ فالنفس نفس الإنسان وغيره من الحيوان، وهى التى إذا فقدها خرج عن كونه حياً، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت﴾ [آل عمران: ١٨٥] .. والنفس: ذات الشئ الذى يُخبر عنه، كقولهم: فعلً ذلك فلان نفسه، إذا تولى فعله، والنفس: الأنفة، من قولهم: ليس لفلان نفس، أى لا أنفة له، والنفس: الإرادة، من قولهم: نفس فلان فى كذا، أى إرادته. قال الشاعر:
فنفساى نفس قالت إئت ابن بجدل ... تجد فرجاً من كل غم تهابها
ونفس تقول اجهد نجاك فلا تكن ... كخاصبة لم يغن شيئاً خضابها
ومنه: أن رجلاً قال للحسن البصرى: يا أبا سعيد؛ لم أحجج قط، فنفس تقول لى: حج، ونفس تقول لى: تزوج، فقال الحسن: أما النفس فواحدة، ولكن لك هم يقول: حج، وهم يقول: تزوج، وأمره بالحج. وقال الممزق العبدى، ويروى لمعقر بن حمار البارقى:
ألا مَن لعين قد نآها حميمها ... وأرَّقنى بعد المنام همومها
فباتت لها نفسان، شتَّى همومها ... فنفس تعزيها، ونفس تلومها
وقال نمر من تولب العكلى:
أما خليلى، فإنى لستُ معجله ... حتى يؤامر نفسيه كما زعما
نفس له من نفوس القوم صالحة ... تعطى الجزيل، ونفس ترضع الغنما
أراد أنه بين نفسين: نفس تأمره بالجود، وأخرى تأمره بالبخل، وكَنَّى برضاع الغنم عن البخل، لأن البخيل يرضع اللبن من الشاة ولا يحلبها، لئلا يسمع الضيف صوت الشخب فيهتدى إليه، ومنه قيل: لئيم راضع، وقال كثير:
فأصبحتُ ذا نفسين: نفس مريضة ... من الناس، ما ينفك هم يعودها
стр. 288
ونفس ترجى وصلها بعد صرمها ... تجمل كى يزداد غيظاً حسودها
والنفس: العين التى تصيب الإنسان يقال: أصابت فلاناً نفس: أى عين، وروُى أن رسول الله ﷺ كان يرقى فيقول: "بسم الله أرقيك، واللهُ يشفيك، من كل داء يؤذيك، وداء هو فيك، من كل عين عائن، ونفس نافس، وحسد حاسد".
وقال ابن الأعرابى: النفوس: التى تصيب الناس بالنفس، وذكر رجلاً فقال: كان واللهِ حسوداً نفوساً كذوباً، وقال عبد الله بن قيس الرقيات، وهو قرشى:
يتقى أهلها النفوس عليها ... فعلى نحرها الرقى والتميم
وقال مضرس الفقعسى:
وإذا نموا صعداً فليس عليهم ... منا الخيال ولا نفوس الحُسَّدِ
وقال ابن هرمة، يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك:
فاسلم، سلمتَ من المكاره والردى ... وعثارها، ووُقيتَ نفس الحُسَّدِ
والنفس أيضاً من الدباغ بمقدار الدبغة، تقول: أعطنى نفساً من دباغ، أى قدر ما أدبغ به مرة. والنفس: الغيب، يقول القائل: إنى لا أعلم نفس فلان: أى غيبه. وعلى هذا تأويل قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] : أى تعلم غيبى وما عندى، ولا أعلم غيبك. وقيل: إن النفس أيضاً: العقوبة، من قولهم: أحذرك نفسى: أى عقوبتى وبعض المفسِّرين يحمل قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨، ٣٠] على هذا المعنى كأنه: يحذركم عقوبته، وروى ذلك عن ابن عباس والحسن وآخرين، قالوا: معنى الآية: يحذركم الله إياه. وقد رُوى عن الحسن ومجاهد فى قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ما ذكرناه من التأويل بعينه.
فإن قيل: ما وجه تسميته "الغيب" بأنه نفس؟ قلنا: لا يمتنع أن يكون الوجه فى ذلك: أن نفس الإنسان لما كانت خفية الموضع، نزل ما يكتمه ويجتهد فى ستره منزلتها، وسمى باسمها فقيل فيه: إنه نفسه، مبالغة فى وصفه بالكتمان والخفاء. وإنما حَسُن أن يقول تعالى مخبراً عن نبيه ﵊: ﴿وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ من حيث تقدم قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ ليزدوج الكلام، ولهذا لا يحسن ابتداءً: أنا لا أعلم ما فى نفس الله تعالى وإن حَسُنَ على الوجه الأول، ولهذا نظائر فى الاستعمال مشهورة مذكورة. فأما الخبر الذى يرويه السائل فتأويله ظاهر، وهو خارج على مذهب العرب فى مثل هذا الباب المعروف، ومعناه: أن مَن ذكرنى فى نفسه جاريته على ذكره لى، وإذا تقرَّب إلىّ شِبْراً جازيته على تقربه إلىّ.. وكذلك الخبر إلى آخره، فسمى المجازاة على الشئ باسمه اتساعاً، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَآءُ
стр. 289
سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله﴾ [الأنفال: ٣٠] ، ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] .. وكما قال الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ونظائر هذا كثير فى كلام العرب. ولما أراد تعالى المبالغة فى وصف ما يفعله به من الثواب والمجازاة على تقربه بالكثرة والزيادة، كَنَّى عن ذلك بذكر المسافة المتضاعفة فقال: باعاً وذراعاً، إشارة إلى المعنى من أبلغ الوجوه وأحسنها.
وقال فى المجلس (٤٥ جـ٣ ص ٤٦-٥٠) ما نصه: إن سأل سائل عن معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله﴾ [الإنسان: ٩] ، وقوله تعالى: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٧] .. وما شاكل ذلك من آى القرآن المتضمنة لذكر الوجه.. الجواب: قلنا: الوجه ينقسم فى اللغة العربية إلى أقسام: فالوجه المركَّب فيه العينان من كل حيوان. والوجه أيضاً: أول الشئ وصدره. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار واكفروا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] : أى أول النهار، ومنه قول الربيع ابن زياد:
مَن كان مسروراً بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
أى غداة كل يوم، وقال قوم: وجه نهار: اسم موضع. والوجه: القصد بالفعل، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله﴾ [النساء: ١٢٥] .. وقال الفرزدق:
وأسلمتُ وجهى حين شدَّت ركائبى ... إلى آل مروان بناة المكارم
أى جعلتُ قصدى وإرادتى لهم. وأنشد الفرَّاء:
أستغفر الله ذنباً لستُ محصيه ... رَبُّ العباد إليه الوجِه والعمل
أى القصد، ومنه قولهم فى الصلاة: وَجهَّتُ وجهى للذى فَطَرَ السماوات والأرض: أى قصدتُ قصدى بصلاتى وعملى، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ القيم﴾ [الروم: ٤٣] ..
والوجه: الاحتيال فى الأمر، من قولهم: كيف الوجه لهذا الأمر، وما الوجه فيه، أى الحيلة. والوجه: الذهاب والجهة والناحية. قال حمزة ابن بيض الحنفى:
أى الوجوه انتجعت؟ قلت لهم ... لأى وجه إلا إلى الحكم
متى يقل صاحباً سرادقه ... هذا ابن بيض الباب يبتسم
والوجه: القدر والمنزلة، ومنه قولهم: لفلان وجه عريض، وفلان أوجه مِن فلان، أى أعظم قدراً وجاهاً، ويقال: أوجهه السلطان، إذا جعل له جاهاً. قال امرؤ القيس:
стр. 290
ونامت قيصر فى ملكه ... فأوجهنى وركبت البريدا
يقال: حمل فلاناً على البريد إذا هيَّأ له فى كل مرحلة مركباً ليركبه، فإذا وصل إلى المرحلة الأخرى نزل عن المعيى وركب المرفَّه.. وهكذا إلى أن يصل إلى مقصده.
والوجه: الرئيس المنظور إليه، يقال: فلان وجه القوم، وهو وجه عشيرته. ووجه الشئ: نفسه وذاته، قال أحمد بن جندل:
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة ... فأفلت منها وجهه عتد بها
أراد أفلته ونجَّاه، ومن ذلك قولهم: إنما أفعل ذلك لوجهك، ويدل أيضاً على أن الوجه يُعَبَّرُ به عن الذات، قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ *وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٥] ، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٨-٩] ، لأن جميع ما أضيف إلى الوجوه فى ظاهر الآى من النظر والظن والرضا لا يصح إضافته على الحقيقة إليها، وإنما يضاف إلى الجملة، فمعنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ ، أى كل شئ هالك إلا إياه. فكذلك قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٦-٢٧] ؛ لما كان المراد بالوجه نفسه لم يقل: "ذى" كما قال: ﴿تَبَارَكَ اسم رَبِّكَ ذِي الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٧٨] لما كان اسمه غيره.. ويمكن فى قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ، وجه آخر - وقد روى عن بعض المتقدمين - وهو أن يكون المراد بالوجه ما يُقصد به إلى الله تعالى، ويُوجَّه به إليه، نحو القُربة إليه جَلَّت عظمته، فيقول: لا تشرك بالله ولا تدع إلَهاً غيره، فإنَّ كل فعل يُتقرب به إلى غيره، ويُقصد به سواه فهو هالك باطل، وكيف يسوغ للمشبهة أن يحملوا هذه الآية والتى قبلها على الظاهر؟ أوَ ليس ذلك يُوجب أنه تعالى يفنى ويبقى وجهه، وهذا كفر وجهل من قائله.. فأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله﴾ [الإنسان: ٩] ، وقوله: ﴿إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى﴾ [الليل: ٢٠] ، وقوله: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله﴾ [الروم: ٣٩] ، فمحمول على أن هذه الأفعال مفعولة له، ومقصود بها ثوابه والقُربة إليه، والزلفى عنده. فأما قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ [البقرة: ١١٥] ، فيُحتمل أن يُراد به فثَمَّ الله، لا على معنى الحلول، ولكن على معنى التدبير والعلم. ويحتمل أيضاً أن يُراد به: فَثَمَّ رضا الله وثوابه والقُربة إليه. ويُحتمل أن يكون المراد بالوجه: الجهة، ويكون
الإضافة
стр. 291
بمعنى: الملك، والخلق، والإنشاء، والإحداث، لأنه قال: ﴿وَللَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ [البقرة: ١١٥] : أى أن الجهات كلها لله، وتحت ملكه، وكل هذا واضح بَيِّنٌ بحمد الله.
ونراه يقول فى المجلس (٣٩ جـ٢ ص ٥٣-٥٦) ما نصه: إن سأل سائل عن قوله تعالى: ﴿أولائك لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ والله سَرِيعُ الحساب﴾ [البقرة: ٢٠٢] فقال: أىُّ تَمدُّح فى سرعة الحساب وليس بظاهر وجه المدح فيه؟ الجواب: قلنا: فى ذلك وجوه:
أولها: أن يكون المعنى أنه سريع الحساب للعباد على أعمالهم، وأن وقت الجزاء قريب وإن تأخر، ويجرى مجرى قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧] ، وإنما جاز أن يُعبَّر عن المجازاة أو الجزاء بالحساب، لأن ما يُجازَى به العبد هو كفؤ لفعله وبمقداره، فهو حساب له إذا كان مماثلاً مكافئاً. ومما يشهد بأن فى الحساب معنى المكافأة قوله تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾ [النبأ: ٣٦] : أى عطاءً كافياً. ويقال: أحسبنى الطعام يحسبنى إحساباً: إذا كفانى. قال الشاعر:
وإذ لا ترى فى الناس حُسناً يفوتها ... وفى الناس حُسناً لو تأملت محسب
معناه: كاف.
وثانيها: أن يكون المراد أنه يُحاسِب الخلق جميعاً فى أوقات يسيرة. ويقال: إن مقدار ذلك حلب شاة، لأنه تعالى لا يشغله محاسبة بعضهم عن محاسبة غيره، بل يكلمهم جميعاً، ويحاسبهم كلهم على أعمالهم فى وقت واحد، وهذا أحد ما يدل على أنه تعالى ليس بجسم، وأنه لا يحتاج فى فعل الكلام إلى آلة، لأنه لو كان بهذه الصفات - تعالى عنها - لما جاز أن يخاطب اثنين فى وقت واحد بمخاطبتين مختلفتين، ولكان خطاب بعض الناس يشغله عن خطاب غيره ولكانت مدة محاسبته للخلق على أعمالهم طويلة غير قصيرة، كما أن جميع ذلك واجب فى المُحدِّثين الذين يفتقرون فى الكلام إلى الآلات.
وثالثها: ما ذكره بعضهم من أن المراد بالآية أنه سريع العلم بكل محسوب، وأنه لما كانت عادة بنى الدنيا أن يستعملوا الحساب والإحصاء فى أكثر أمورهم، أعلمهم الله أنه يعلم ما يحسبون بغير حساب، وإنما سمى العلم حساباً، لأن الحساب إنما يُراد به العلم، وهذا جواب ضعيف، لأن العلم بالحساب أو المحسوب لا يُسمى حساباً، ولو سُمى بذلك لما جاز أيضاً أن يقال: إنه سريع العلم بكذا، لأن علمه بالأشياء مما لا يتجدد فيوصف بالسرعة.
ورابعها: أن الله تعالى سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم، وذلك أنه يُسئل فى
стр. 292
وقت واحد سؤالات مختلفة من أمور الدنيا والآخر، فيجزى كل عبد بمقدار استحقاقه ومصلحته، فيوصل إليه عند دعائه ومسألته ما يستوجبه بحد ومقدار، فلو كان الأمر على ما يتعارفه الناس لطال العدد واتصل الحساب، فأعلمنا تعالى أنه سريع الحساب، أى سريع القبول للدعاء بغير إحصاء، وبحث عن المقدار الذى يستحقه الداعى. كما يبحث المخلوقون للحساب والإحصاء. وهذا جواب مبنى أيضاً على دعوى أن قبول الدعاء يُسمى حساباً، ولم يُعهد ذلك فى لغة، ولا عُرف ولا شرع. وقد كان يجب على مَن أجاب بهذا الجواب، أن يستشهد على ذلك بما يكون حُجَّة فيه، وإلا فلا طائل فيما ذكره. ويمكن فى الآية وجه آخر: وهو أن يكون المراد بالحساب محاسبة الخلق على أعمالهم يوم القيامة، ومواقفهم عليها، وتكون الفائدة، فى الإخبار بسرعته: الإخبار عن قرب الساعة، كما قال تعالى: ﴿سَرِيعُ العقاب﴾ [الأنعام: ١٦٥] ، وليس لأحد أن يقول: فهذا هو الجواب الأول الذى حكيتموه وذلك أن بينهما فرقاً، لأن الأول مبنى على أن الحساب فى الآية هو الجزاء والمكافأة على الأعمال، وفى هذا الجواب لم يخرج الحساب عن بابه، وعن معنى المحاسبة المعروفة، والمقابلة بالأعمال وترجيحها، وذلك غير الجزاء الذى يفضى الحساب إليه. وقد طعن بعضهم فى الجواب الثانى معترضاً على أبى علىّ الجبائى فى اعتماده إياه، بأن قال: مخرج الكلام فى الآية على وجه الوعيد، وليس فى خفة الحساب وسرعة زمانه ما يقتضى زجراً، ولا هو مما يُتوعد بمثله فيجب أن يكون المراد الإخبار عن قرب أمر الآخرة، والمجازاة على الأعمال. وهذا الجواب ليس أبو علىّ المبتدئ به، بل قد حُكى عن الحسن البصرى، واعتمده أيضاً قطرب بن المستنير النحوى، وذكره الفضل بن سلمة، وليس الطعن الذى حكيناه عن هذا الطاعن بمبطل له، لأنه اعتمد على أن مخرج الآية مخرج الوعيد، وليس كذلك، لأنه تعالى قال: ﴿فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ * وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ
النار * أولائك لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ والله سَرِيعُ الحساب﴾ [البقرة: ٢٠٠-٢٠٢] ، فالأشبه بالظاهر أن يكون وعداً بالثواب، وراجعاً إلى الذين يقولون: ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، أو يكون راجعاً إلى الجميع، فيكون المعنى: أن للجميع نصيباً مما كسبوا، فلا يكون وعيداً خالصاً: بل إما أن يكون وعداً خالصاً، أو وعدا ووعيداً. على أنه لو كان وعيداً خالصاً على ما ذكر الطاعن لكان لقوله تعالى: ﴿والله سَرِيعُ الحساب﴾ على تأويل مَن أراد قصر الزمان وسرعة الموافقة وجه وتعلق بالوعد والوعيد، لأن الكلام على كل حال متضمن لوقوع المحاسبة على أعمال العباد، والإحاطة بخيرها وشرها وإن وصف الحساب مع ذلك بالسرعة، وفى هذا ترغيب
стр. 293
وترهيب لا محالة، لأن مَن علم بأنه يُحاسَب بأعماله، ويُوقَف على جميلها وقبيحها انزجر عن القبيح، وعمل ورغب فى فعل الجواب، فهذا ينصر الجواب، وإن كنا لا ندفع أن فى حمل الجواب على قرب المجازاة، وقرب المحاسبة على الأعمال ترغيباً فى الطاعات، وزجراً على المقبحات، فالتأويل الأول أشبه بالظاهر ونسق الآية، إلا أن التأويل الآخر غير مدفوع أيضاً ولا مردود.
فأنت ترى فى المثالين الأوَّلين كيف تخلَّص من ظاهر اللفظ الذى يمس عقيدته بمهارته اللُّغوية وتوسعه فى المعرفة بأشعار العرب، كما ترى فى المثال الثالث كيف لم يقبل قول مَن قال: إن معنى "سريع الحساب" سريع العلم، أو سريع القبول للدعاء، لأن القولين لم يستندا - كما قال - إلى أصل لُّغوى، أو عُرْفى، أو شرعى.
* *
* دفعه لموهم الاختلاف والتناقض:
هذا.. وإن الشريف المرتضى لا يقتصر فى أماليه على هذا النوع المذهبى من التفسير، بل نجده يعرض لبعض الإشكالات التى ترد على ظاهر النظم الكريم مما يوهم الاختلاف والتناقض، ثم يجيب عنها بدقة بالغة، ترجع إلى مهارته فى اللُّغة وإحاطته بفنونها.
فمثلاً فى المجلس الثالث (جـ١ ص ١٨-٢٠) يقول ما نصه: "تأويل آية - إن سأل سائل فقال: "ما تقولون فى قوله ﵎ حكاية عن موسى: ﴿فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] ، وقال تعالى فى موضع آخر: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [القصص: ٣١] ، والثعبان: الحية العظيمة الخِلْقة، والجان: الصغير من الحيَّات، فكيف اختلف الوصفان والقصة واحدة؟ وكيف يجوز أن تكون العصا فى حال واحدة بصفة ما عَظُم خَلْقه من الحيَّات وبصفة ما صَغُر منها؟ وبأى شئ تزيلون التناقض عن هذا الكلام؟ الجواب: أول ما نقول: إنَّ الذى ظنَّه السائل من كون الآيتين خبراً عن قصة واحدة باطل، بل الحالتان مختلفتان، فالحال التى أخبر أن العصا فيها بصفة الجان، كانت فى ابتداء النبوة وقبل مسير موسى إلى فرعون. والحال التى صار العصا عليها ثعباناً، كانت عند لقائه فرعون وإبلاغه الرسالة، والتلاوة تدل على ذلك، وإذا اختلفت القصتان فلا مسألة، على أنَّ قوماً من المفسِّرين قد تعاطوا الجواب على هذا السؤال، إما لظنهم أن القصة واحدة، أو لاعتقادهم أن العصا الواحدة لا يجوز أن تنقلب فى حالتين، تارة إلى صفة الجان، وتارة إلى صفة الثعبان.
أو على سبيل الاستظهار فى الحُجَّة، وأنَّ الحال لو كانت واحدة على سبيل ما ظن لم يكن بين الآيتين تناقض. وهذا الوجه أحسن ما تكلَّف به الجواب لأجله، لأن
стр. 294
الأوَّلين لا يكونان إلا عن غلط أو عن غفلة. وذكروا وجهين تزول بكل منهما الشُبهة من تأويلها.
أحدهما: أنه تعالى إنما شبَّهها بالثعبان فى إحدى الحالتين لِعظَم خلقها، وكِبَر جسمها، وهول منظرها. وشبَّهها فى الآية الأخرى بالجان لسرعة حركتها، ونشاطها، وخفتها، فاجتمع لها مع أنها فى جسم الثعبان وكبر خلقه، نشاط الجان وسرعة حركته، وهذا أبهر فى باب الإعجاز وأبلغ فى خرق العادة، ولا تناقض بين الآيتين. وليس يجب إذا شبَّهها بالثِعبان أن يكون لها جميع صفات الثعبان، وإذا شبَّهها بالجان أن يكون لها جميع صفاته، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ* قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ..﴾ [الإنسان: ١٥-١٦] ، ولم يرد تعالى أن الفضة قوارير على الحقيقة، وإنما وصفها بذلك لأنه اجتمع لها صفاء القوارير وشفوفها ورقتها، مع أنها من فضة، وقد تُشَبِّه العرب الشئ بغيره فى بعض وجوهه، فيُشبِّهون المرأة بالظبية، وبالبقرة، ونحن نعلم أن فى الظباء والبقر من الصفات ما لا يُستحسن أن يكون فى النساء، وإنما وقع التشبيه فى صفة دون صفة، ومن وجه دون وجه.
والجواب الثانى: أنه تعالى لم يرد بذكر الجان فى الآية الأخرى الحية، وإنما أراد أحد الجن، فكأنه تعالى أخبر بأن العصا صارت ثعباناً فى الخِلْقة وعِظَم الجسم، وكانت مع ذلك كأحد الجن فى هول المنظر وإفزاعها لمن شاهدها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ .. ويمكن أن يكون فى الآية تأويل آخر استخرجناه، إن لم يزد على الوجهين الأوَّلين لم ينقص عنهما، والوجه فى تكلفنا له، ما بيَّناه من الاستظهار فى الحُجَّة، وأن التناقض الذى توهم زائل على كل وجه، وهو أن العصا لما انقلبت حيَّة صارت أولاً بصفة الجان وعلى صورته، ثم صارت بصفة الثعبان، ولم تصر كذلك ضربة واحدة، فتتفق الآيتان على هذا التأويل ولا يختلف حكمهما، وتكون الآية الأولى تتضمن ذكر الثعبان إخباراً عن غاية حال العصا، وتكون الآية الثانية تتضمن ذكر الحال التى ولَّى موسى منها هارباً، وهى حال انقلاب العصا إلى خِلْقة الجان، وإن كانت بعد تلك الحال انتهت إلى صورة الثعبان. فإن قيل على هذا الوجه: كيف يصح ما ذكرتموه مع قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ ، وهذا يقتضى أنها صارت ثعباناً بعد الإلقاء بلا فصل؟ قلنا: ليس تفيد الآية ما ظن، وإنما فائدة قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ الإخبار عن قُرب الحال التى صارت فيها بتلك الصفة، وأنه لم يطل الزمان فى مصيرها كذلك، ويجرى هذا مجرى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ، مع تباعد ما بين كونه نطفة وكونه
стр. 295
خصيماً مبيناً، وقولهم: ركب فلان من منزله فإذا هو فى ضيعته، وسقط من أعلى الحائط فإذا هو فى الأرض، ونحن نعلم أن بين خروجه من منزله وبلوغه ضيعته زماناً، وأنه لم يصل إليها إلا على تدريج، وكذلك الهابط من الحائط، وإنما فائدة الكلام الإخبار عن تقارب الزمان وأنه لم يطل ولم يمتد".
* *
* ليس فى الأمالى أثر للتشيع، وإنما فيه عزو أُصول المعتزلة إلى الأئمة من آل البيت:
هذا.. وإنَّا لا نكاد نجد أثراً ظاهراً للتشيع فيما فسَّره الشريف المرتضى من الآيات فى آماليه، رغم أنه من شيوخ الشيعة وعلمائهم، غير أنَّا نجد منه محاولة جَدِّية، يريد من ورائها أن يثبت أن أصول المعتزلة مأخوذة من كلام أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، ومن كلام غيره من أئمة الشيعة وغيرهم، وذلك حيث يقول فى المجلس العاشر (جـ١ ص١٠٣، ١٠٤) ما نصه: "اعلم أن أصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين علىّ ﵇ وخطبه وأنها تتضمن من ذلك ما لا مزيد عليه ولا غاية وراءه، ومَن تأمل المأثور فى ذلك من كلامه علم أن جميع ما أسهب المتكلمون من بعد فى تصنيفه وجمعه إنما هو تفصيل لتلك الجمل وشرح لتلك الأصول، ورُوى عن الأئمة من أبنائه ﵈ ما لا يكاد يُحاط به كثرة، ومَن أحب الوقوف عليه وطلبه من مظانه أصاب منه الكثير الغزير الذى فى بعضه شفاء للصدور السقيمة، ونتاج للعقول العقيمة، ونحن نُقدِّم على ما نريد ذكره شيئاً مما يُروى عنهم فى هذا الباب".. ثم ساق أشياء كثيرة منها ما نصه: "وروى صفوان بن يحيى قال: دخل أبو قرة المحدِّث على أبى الحسن الرضا ﵇، فسأله عن أشياء من الحلال والحرام، والأحكام والفرائض، حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد، فقال أبو قرة: إنَّا رُوينا: أن الله قَسَّم الكلام والرؤية، فقسم لموسى ﵇ الكلام، ولمحمد ﷺ الرؤية، فقال الرضا ﵇: فمَن المبلِّغ عن الله إلى الثَقَلين - الجن والإنس -: أنه ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] ، ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه: ١١٠] ، و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .. أليس محمد نبياً صادقاً؟ قال: بلَى. قال: وكيف يجئ رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنه جاء من عند الله يدعوهم إليه بأمره ويقول: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ ، ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .. ثم يقول: سأراه بعينى، وأُحيط به علماً، ألا تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا، أن يكون يأتى عن الله بشئ، ثم يأتى بخلافه من وجه آخر. قال أبو قرة: فإنه يقول: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أخرى *
عِندَ سِدْرَةِ المنتهى﴾ [النجم: ١٣-١٤] .. قال ﵇: ما قبل هذه الآية يدل على ما رأى حيث يقول: ﴿مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى﴾
стр. 296
[النجم: ١١] .. يقول: ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى فقال: ﴿لَقَدْ رأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكبرى﴾ [النجم: ١٨] ، وآيات الله غير الله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم، فقال أبو قرة: فأُكذِّب بالرؤية؟ فقال الرضا ﵇: إن القرآن كذَّبها وما أجمع عليه المسلمون أنه لا يُحاط به علماً، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شئ".
.. ثم قال بعد قليل: "وروُى أن شيخاً حضر صفين مع أمير المؤمنين ﵇ فقال: أخْبِرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام، أكان بقضاء من الله تعالى وقدر؟ قال له: نعم يا أخا أهل الشام، والذى فلق الحبة وبرأ النسمة، ما وطئنا موطئاً، ولا هبطنا وادياً، ولا علونا تلعة، إلا بقضاء من الله وقدر، فقال الشامى: عند الله أحتسب عناى يا أمير المؤمنين، وما أظن أن لى أجراً فى سعيى إذا كان الله قضاء علىّ وقدَّره، فقال له ﵇: إنَّ الله قد أعظم لكم الأجر على مسيركم وأنتم سائرون، وعلى مقامكم وأنتم مقيمون، ولم تكونوا فى شئ من حالاتكم مُكْرَهين، وإلا إليها مضطرين، ولا عليها مُجبْرَين، فقال الشامى: كيف ذاك والقضاء والقَدَر ساقانا. وعنهما كان مسيرنا وانصرافنا؟ فقال ﵇: ويحك يا أخا أهل الشام! لعلك ظننت قضاءً لازماً، وقَدَراً حاكماً، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، والأمر من الله والنهى، ولما كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المسئ، والمسئ أولى بعقوبة الذنب من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان، وحزب الشيطان، وخصماء الرحمن، وشهداء الزور، وقدرية هذه الأُمة ومجوسها. إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلَّف يسيراً، وأعطى على القليل كثيراً. ولم يُطَع مكرهاً، ولم يُعص مغلوباً، ولم يُكِلف عسيراً، ولم يُرسل الأنبياء لعباً، ولم يُنزل الكتب لعباده عبثاً، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الذين كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النار﴾ [ص: ٢٧] .. قال الشامى فما القضاء والقَدر الذى كان مسيرنا بهما وعنهما؟ قال: الأمر من الله بذلك والحكم. ثم تلا: ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً﴾ [الأحزاب: ٣٨] .. فقام الشامى: فرحاً مسروراً لما سمع هذا المقال، وقال: فرَّجت عنى، فرَّج الله عنك يا أمير المؤمنين، وجعل يقول:
أنت الإمام الذى نرجو بطاعته ... يوم الحساب من الرحمن غفراناً
أوضحتَ من أمرنا ما كان ملتبساً ... جزاك ربك بالإحسان إحساناً"
وهكذا يذكر الشريف المرتضى من الأخبار عن أهل البيت وعن غيرهم ما يستدل به على أن أصول المعتزلة مستمدة من كلامهم، والله يعلم مقدار ما عليه هذه الأخبار من الصحة، وأنا لا أكاد أصدقها بالنسبة لعلىّ (رضى الله عنه) . فقد روى أبو القاسم
стр. 297
بن حبيب فى تفسيره بإسناده: أن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه سأله سائل عن القَدَر فقال: دقي لا تمش فيه، فقال: يا أمير المؤمنين أخبِرنى عن القَدَر، فقال: بحر عميق لا تَخُضْ فيه، فقال: يا أمير المؤمنين أخبِرنى عن القَدَر، فقال: سر خفى لله لا تُفشِه، فقال: يا أمير المؤمنين أخبِرنى عن القَدَر، فقال علىّ (رضى الله عنه) : يا سائل؛ إن الله خلقك كما شاء أو كما شئت؟ فقال: كما شاء، قال: إن الله تعالى يبعثك يوم القيامة كما شئت أو كما شاء؟ فقال: كما شاء. فقال: يا سائل؛ لك مشيئة مع الله أو فوق مشيئته أو دون مشيئته؟ فإن قلت: مع مشيئته، ادعيت الشركة معه. وإن قلت: دون مشيئته، استغنيتَ عن مشيئته. وإن قلت: فوق مشيئته، كانت مشيئتك غالبة فى مشيئته. ثم قال: ألست تسأل الله العافية؟ فقال: نعم، فقال: فعن ماذا تسأله العافية؟ أمن بلاء هو ابتلاك به؟ أو من بلاء غيره ابتلاك به؟ قال: من بلاء ابتلانى به. فقال: ألست تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم؟ قال: بلى، قال: تعرف تفسيرها؟ فقال: يا أمير المؤمنين، علِّمنى مما علَّمك الله، فقال: تفسيره: أن العبد لا قدرة له على طاعة الله ولا على معصيته إلا بالله ، يا سائل؛ إن الله يسقم ويداوى، منه الداء. ومنه الدواء، اعقل عن الله، فقال السائل عقلت، فقال له: الآن صرتَ مسلماً، قوموا إلى أخيكم المسلم وخذوا بيده، ثم قال علىّ: لو وجدتُ رجلاً من أهل القَدَر لأخذت بعنقه، ولا أزال أضربه حتى أكسر عنقه، فإنهم يهود هذه الأُمة.
وبعد ... فهذه هى أمالى الشريف المرتضى، وهى وإن كانت لا تصوِّر لنا تفسيراً متناولاً للقرآن كله إلا أنها يمكن أن تكشف لنا عن مبلغ تأثر صاحبها بعقيدته الاعتزالية فى بحوثه التفسيرية التى عالجها، كما تكشف لنا عن مبلغ ما كان لفنه الأدبى من الأثر الظاهر فى التفسير.
* * *
стр. 298
٣ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل (للزمخشرى)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير، هو أبو القاسم: محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمى، الإمام الحنفى المعتزلى، الملقب بجار الله، ولد فى رجب سنة ٤٦٧ هـ (سبع وستين وأربعمائة من الهجرة) بزمخشر - قرية من قرى خوارزم وقدم بغداد، ولقى الكبار وأخذ عنهم، دخل خراسان مراراً عديدة. وما دخل بلداً إلا واجتمع عليه أهلها وتتلمذوا له، وما ناظر أحداً إلا وسَلَّم له واعترف به. ولقد عظم صيته وطار ذكره حتى صار إمام عصره من غير مدافعة.
ليس عجباً أن يحظى الزمخشرى بكل هذا وهو الإمام الكبير فى التفسير والحديث والنحو، واللغة والأدب، وصاحب التصانيف البديعة فى شتَّى العلوم. ومن أجَّل مصنفاته: كتابه فى تفسير القرآن العزيز الذى لم يُصنَّف قبله مثله، وهو ما نحن بصدده الآن، والمحاجاة فى المسائل النحوية، والمفرد والمركب فى العربية، والفائق فى تفسير الحديث، وأساس البلاغة فى اللغة، والمفصَّل فى النحو، ورؤوس المسائل فى الفقه.. وغير هذا كثير من مؤلفاته.
قال صاحب وفيات الأعيان: "كان الزمخشرى معتزلى الاعتقاد، متظاهراً باعتزاله، حتى نُقِل عنه: أنه كان إذا قصد صاحباً له واستأذن عليه فى الدخول يقول لمن يأخذ له الإذن: قل له أبو القاسم المعتزلى بالباب، وأول ما صنَّف كتاب الكشاف، كتب استتفتاح الخطبة: "الحمد لله الذى خلق القرآن" فيقال إنه قيل له: متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس سولا يرغب أحد فيه، فغيَّره بقوله: "الحمد لله الذى جعل القرآن" و "جعل" عندهم بمعنى "خلق"، والبحث فى ذلك يطول. ورأيت فى كثير من النسخ: "الحمد لله الذى أنزل القرآن" وهذا إصلاح الناس لا إصلاح المُصنِّف".
يقول الفيروزآبادى - وصاحب القاموس - فيما علَّقه على خطبة الكشاف: "قال بعض الطلبة - وأثبته بعض المعتنين بالكشاف فى تعليق له عليه - أنه كان فى الأصل كتب: "خلق" مكان: "أنزل" وأخيراً غيَّره المصنف أو غيَّره حذراً عن الشناعة
стр. 299
الواضحة وهذا قول ساقط جداً وقد عرضته على أستاذى فأنكره غاية الإنكار، وأشار إلى أن هذا القول بمعزل عن الصواب لوجهين: أحدهما أن الزمخشرى لم يكن أهلاً لأن تفوته اللطائف المذكورة فى "أنزل" وفى "نزل" فى مفتتح كلامه ووضع كلمة خالية من ذلك. والثانى: أنه لم يكن يأنف من انتمائه إلى الاعتزال، وإنما كان يفتخر بذلك، وأيضاً أتى عقيبه بما هو صريح فى المعنى ولم يبال بأنه قبيح، وقد رأيت النسخة التى بخط يده بمدينة السلام، مختبئة فى تربة الإمام أبى حنيفة، خالية عن أثر كشط وإصلاح".
وكانت وفاة الزمخشرى ﵀ ليلة عرفة سنة ٥٣٨ هـ (ثمان وثلاثين وخمسمائة من الهجرة) بجرجانية خوارزم بعد رجوعه من مكة، ورثاه بعضهم، بأبيات من جملتها:
فأرض مكة نَدَّى الدمع مقلتها ... حزناً لفُرقة جار الله محمود
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه - قصة تأليف الكشاف:
قبل الخوض فى التعريف بالكشاف للزمخشرى، أرى أن أسوق لك قصة تأليفه وما كان من الزمخشرى من التردد بين الإقدام عليه والإحجام عنه أولاً.. ثم العزم المصمم منه على تأليفه حتى أخرجه للناس كتاباً جامعاً نافعاً.
أسوق هذه القصة نقلاً عن الزمخشرى فى مقدمة كشافه، فقد أوضح ما كان منه أول الأمر، وكشف عن السبب الذى دعاه إلى تأليف كتابه فى التفسير فقال:
"ولقد رأيت إخواننا فى الدين من أفاضل الفئة الناجية العدلية، الجامعين بين علم العربية والأصول الدينية، كلما رجعوا إلىَّ فى تفسير آية فأبرزت لهم بعض الحقائق من الحُجُب، أفاضوا فى الاستحسان والتعجب، واستطيروا شوقاً إلى مُصَنَّف يضم أطرافاً من ذلك، حتى اجتمعوا إلىَّ مقترحين أن أُملى عليهم الكشف عن حقائق التنزيل، وعيون الأقاويل، فى وجوه التأويل، فاستعفيت، فأبوا إلا المراجعة والاستشفاع بعظماء الدين، وعلماء العدل والتوحيد. والذى حدانى إلى الاستعفاء - على علمى أنهم طلبوا ما الإجابة إليه علىَّ واجبة، لأن الخوض فيه كفرض العَيْن - ما أرى عليه الزمان من رثاثة أحواله، وركاكة رجاله، وتقاصر همهم عن أدنى عدد هذا العلم، فضلاً أن تترقى إلى الكلام المؤسس على علمى البيان والمعانى، فأمليت عليهم مسألة فى الفواتح، وطائفة من الكلام فى حقائق سورة البقرة، وكان كلاماً مبسوطاً كثير السؤال والجواب،
стр. 300
طويل الذيول والأذناب، وإنما حاولت به التنبيه على غزارة نكت هذا العلم، وأن يكون لهم مناراً ينتحونه، ومثالاً يحتذونه، فلما صمم العزم على معاودة جوار الله، والإناخة بحرم الله، فتوجهت تلقاء مكة، وجدت فى مجتازى بكل بلد مَن فيه مسكة من أهلها - وقليل ما هم - عطشى الأكباد إلى العثور على ذلك المملَى، متطلعين إلى إيناسه، حراصاً على اقتباسه، فهزَّ ما رأيت من عِطفى، وحرَّك الساكن من نشاطى، فلما حططت الرَحْل بمكة إذا أنا بالشعبة السنية من الدرجة الحسنية: الأمير الشريف، الإمام شرف آل رسول الله، أبى الحسن، بن حمزة بن وهاس - أدام الله مجده - وهو النكتة والشامة فى بنى الحسن، مع كثرة محاسنهم، وجموم مناقبهم، أعطش الناس كبداً، وألهبهم حشىً، وأوفاهم رغبة، حتى ذكر أنه كان يُحدِّث نفسه فى مدة غيبتى عن الحجاز مع تزاحم ما هو فيه من المشادة، بقطع الفيافى وطى المهامه، والإفادة علينا بخوارزم، ليتوصل إلى إصابة هذا الغرض، فقلت: قد ضاقت على المستعفى الحيل، وعيّت به العلل. ورأيتنى قد أخذت منى السن، وتقعقع الشن، وناهزت العشر التى سمتها العرب دقاقة الرقاب، فأخذت فى طريقة أخصر من الأولى، مع ضمان التكثير من الفوائد، والفحص عن السرائر،
ووفَّق الله وسدَّد، ففُرِغ منه فى مقدار مدة خلافة أبى بكر الصِدِّيق رضى الله عنه وكان يُقَدَّر تمامه فى أكثر من ثلاثين سنة. وما هى إلا آية من آيات هذا البيت المحرَّم، وبركة أُفيضت علىّ من بركات هذا الحرم المعظَّم. أسأل الله أن يجعل ما تعبت فيه سبباً ينجينى، ونوراً لى على الصراط يسعى بين يدى ويمينى، ونِعْم المسئول".
هذه قصة تأليف الكشاف كما يرويها الزمخشرى نفسه.
* *
* قيمة الكشاف العلمية:
وأما قيمة هذا التفسير. فهو - بصرف النظر عما فيه من الاعتزال - تفسير لم يُسبق مؤلفه إليه، لما أبان فيه من وجوه الإعجاز فى غير ما آية من القرآن، ولما ظهر فيه من جمال النظم القرآنى وبلاغته، وليس كالزمخشرى مَن يستطيع أن يكشف لنا عن جمال القرآن وسحر بلاغته، لما برع فيه من المعرفة بكثير من العلوم. لا سيما ما برز فيه من الإلمام بلغة العرب. والمعرفة بأشعارهم. وما امتاز به من الإحاطة بعلوم البلاغة،
стр. 301
والبيان والإعراب، والأدب، ولقد أضفى هذا النبوغ العلمى والأدبى على تفسير الكشاف ثوباً جميلاً، لفت إليه أنظار العلماء وعلَّق به قلوب المفسِّرين.
هذا.. وقد أحس الزمخشرى إحساساً قوياً بضرورة الإلمام بعلمى المعانى والبيان قبل كل شئ، لمن يريد أن يُفسِّر كتاب الله ، وجهر بذلك فى مقدمة الكشاف فقال: ".. ثم إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح، وأنهضها بما يُبهر الألباب القوارح، من غرائب نكت يلطف مسلكها، ومستودعات أسرار يدق سبكها، علم التفسير، الذى لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذى علم - كما ذكر الجاحظ فى كتاب نظم القرآن - فالفقيه وإن برز على الأقران فى علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن بَزَّ أهل الدنيا فى صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القِرِّية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصرى أوعظ، والنحوى وإن كان أنحى من سيبويه، واللُّغوى وإن علك اللغات بقوة لحييه، لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شئ من تلك الحقائق، إلا رجل قد برع فى علمين مختصين بالقرآن، وهما: علم المعانى، وعلم البيان، وتمهل فى ارتيادهما آونة، وتعب فى التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة فى معرفة لطائف حُجَّة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله بعد أن يكون آخذاً من سائر العلوم بحظ، جامعاً بين أمرين: تحقيق وحفظ، كثير المطالعات، طويل المراجعات، قد رَجَعَ زماناً ورُجِعَ إليه، ورَدَّ ورُدَّ عليه، فارساً فى علم الإعراب، مقدَّماً فى حملة الكتاب، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقَّادها، يقظان النفس، دراً كاللمحة وإن لطف شأنها، منتبهاً على الرمزة وإن خفى مكانها، لا كزَّاً جاسياً، ولا غليظاً جافياً، متصرفاً ذا دراية بأساليب النظم والنثر، مرتاضاً غير ريض بتلقيح بنات الفكر، قد علم كيف يُرتَّب الكلام ويُؤلَّف، وكيف يُنظَّم ويُرصَّف، طالما دفع إلى مضايقه. ووقع فى مداحضه ومزالقه".
وفى الحقيقة أن الزمخشرى قد جمع كل هذه الوسائل التى لا بد منها للمفسِّر، فأخرج للناس هذا الكتاب العظيم فى تفسير القرآن "الكشاف عن حقائقه، المخلص من مضايقه، المطلع على غوامضه، المثبت فى مداحضه، المُلخِّص لنكته ولطائف نظمه، المُنَقِّر عن فِقَره وجواهر علمه، المكتنز بالفوائد المفتنَّة التى لا تُوجد إلا فيه، المحيط بما لا يكتنه من بدع ألفاظه ومعانيه، مع الإيجاز الحاذف للفضول، وتجنب المستكرَه
стр. 302
المملول، ولو لم يكن فى مضمونه إلا إيراد كل شئ على قانونه، لكفى به ضالة ينشدها محققة الأخبار، وجوهرة يتمنى العثور عليها غاصة البحار".
ولما علم الزمخشرى أن كتابه قد تحلَّى بهذه الأوصاف قال متحدثاً بنعمة الله:
إن التفاسير فى الدنيا بلا عدد ... وليس فيها لعَمْرى مثل كشافى
إن كنتَ تبغى الهدى فالزم قراءته ... فالجهل كالداء والكشاف كالشافى
وإذا كان الزمخشرى قد اعتزَّ بكشافه، وبلغ إعجابه به إلى حد جعله يقول فيه ما قال من تقريظ له، وإطراء عليه، فإنَّا نعذره فى ذلك ولا نلومه عليه، فالكتاب واحدٌ فى بابه، وعَلَمٌ شامخ فى نظر علماء التفسير وطُلابه، ولقد اعترف له خصومه بالبرعة وحسن الصناعة، وإن أخذوا عليه بعض المآخذ التى يرجع أغلبها إلى ما فيه من ناحية الاعتزال، وإليك مقالات بعض العلماء فى الكشاف:
* مقالة ابن بشكوال فى الكشاف:
وإنَّا لنجد فى مقدمة تفسير أبى حيان، مقارنة للحافظ أبى القاسم بن بشكوال، بين تفسير ابن عطية وتفسير الزمخشرى، ووصفاً رقيقاً وتحليلاً عميقاً لكتاب الكشاف يقول فيها:
"وكتاب ابن عطية أنقل وأجمع وأخلص. وكتاب الزمخشرى ألخص وأغوص، إلا أن الزمخشرى قائل بالطفرة، ومقتصر من الذؤابة على الوفرة، فربما سنح له آبى المقادة فأعجزه اعتياصه، ولم يمكنه لتأنيه اقتناصه، فتركه عقلاً لمن يصطاده، وغفلاً لمن يرتاده. وربما ناقض هذا المنزع، فثنى العنان إلى الواضح والسهل اللائح، وأجال فيه كلاماً، ورمى نحو غرضه سهاماً. هذا مع ما فى كتابه من نصرة مذهبه، وتقحم مرتكبه، وتجشم حمل كتاب الله عليه، ونسبة ذلك إليه، فمغتفر إساءته لإحسانه، ومصفوح عن سقطه فى بعض، لإصابته فى أكثر تبيانه".
*
* مقالة الشيخ حيدر الهروى:
كذلك نجد للشيخ حيدر الهروى - أحد الذين عَلَّقوا على الكشاف - وصفاً دقيقاً لكتاب الكشاف وهذا نصه:
" ... وبعد، فإن كتاب الكشاف، كتاب عَلىُّ القدر رفيع الشأن، لم يُرَ مثله فى تصانيف الأوَّلين، ولم يرد شبيهه فى تآليف الآخرين. اتفقت على متانة تراكيبه الرشيقة كلمة المهرة المتقنين، واجتمعن على محاسن أساليبه الأنيقة ألسنة الكلمة المفلقين. ما قصَّرَ فى قوانين التفسير وتهذيب براهينه. وتمهيد قواعده وتشييد معاقده.
стр. 303
وكل كتاب بعده فى التفسير، ولو فُرِض أنه لا يخلو عن النقير والقطمير، إذا قيس به لا تكون له تلك الطلاوة، ولا يُوجد فيه شئ من تلك الحلاوة، على أن مؤلفه يَقتفى أثره، ويَسأل خبره. وقلَّما غيَّر تركيباً من تراكيبه إلا وقع فى الخطأ والخطل، وسقط من مزالق الخبط والزلل، ومع ذلك كله إذا فتشت عن حقيقة الخبر، فلا عين منه ولا أثر، ولذلك قد تداولته أيدى النظار، فاشتهر فى الأقطار، كالشمس فى وسط النهار، إلا أنه لإخطائه سلوك الطرق الأدبية، وإغفاله عن إجمال أرباب الكمال. أصابته عين الكلالة. فالتزم فى كتابه أُموراً أذهبت رونقه وماءه، وأبطلت منظره ورواءه، فتكدرت مشارعه الصافية، وتضيَّقت موارده الضافية، وتزلزلت رتبه العالية.
منها: أنه كلما شرع فى تفسير آية من الآى القرآنية مضمونها لا يساعد هواه، ومدلولها لا يطاوع مشتهاه، صرفها عن ظاهرها بتكلفات باردة، وتعسفات جامدة، وصرف الآية - بلا نكتة بلاغية لغير الضرورة - عن الظاهر، وفيه تحريف لكلام الله ، وليته يكتفى بقدر الضرورة، بل يبالغ فى الإطناب والتكثير، لئلا يوهم بالعجز والتقصي، فتراه مشحوناً بالاعتزالات الظاهرة التى تتبادر إلى الأفهام، والخفية التى لا تتسارق إليها الأوهام، بل لا يهتدى إلى حبائله إلا ورَّاد بعد وراَّد من الأذكياء الحذَّاق، ولا ينتبه لمكائده إلا واحد من فضلاء الآفاق. وهذه آفة عظيمة ومصيبة جسيمة.
ومنها: أنه يطعن فى أولياء الله المرتضين من عباده، ويغفل عن هذا الصنيع لفرط عناده. ونِعْمَ ما قال الرازى فى تفسير قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] .. خاض صاحب الكشاف فى هذا المقام فى الطعن فى أولياء الله تعالى، وكتب فيها ما لا يليق بعاقل أن يكتب مثله فى كتب الفحش، فهب أنه اجترأ على الطعن فى أولياء الله تعالى، فكيف اجتراؤه على كتبه ذلك الكلام الفاحش فى تفسير كلام الله المجيد.
ومنها: أنه أورد فيه أبياتاً كثيرة، وأمثالاً غزيرة بنى على الهزل والفكاهة أساسها. وأورد على المزاح البارد نبراسها. وهذا أمر من الشرع والعقل بعيد، لا سيما عند أهل العدل والتوحيد.
ومنها: أنه يذكر أهل السُّنَّة والجماعة - وهم الفرقة الناجية - بعبارات فاحشة، فتارة يُعَبِّر عنهم بالمُجَبِّرة، وتارة ينسبهم على سبيل التعريض إلى الكفر والإلحاد. وهذه وظيفة السفهاء الشطار، لا طريقة العلماء الأبرار".
*
* مقالة أبى حيان:
ونجد أبا حيان صاحب البحر المحيط عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٩] من
стр. 304
سورة النمل: ﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بالله لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ .. يتعقب الزمخشرى فى تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ .. ثم يصفه بقوله: "وهذا الرجل وإن كان أُوتِىَ من علم القرآن أوفر حظ، وجمع بين اختراع المعنى وبراعة اللفظ، ففى كتابه فى التفسير أشياء منتقدة، وكنت قريباً من تسطير هذه الأحرف قد نظمت قصيداً فى شغل الإنسان بكتاب الله، واستطردت إلى مدح كتاب الزمخشرى، فذكرت أشياء من محاسنه، ثم نبهت على ما فيه مما يجب تجنبه، ورأيت إثبات ذلك هنا لينتفع بذلك مَن يقف على كتابى هذا، ويتنبه على ما تضمنه من القبائح، فقلت بعد ذكر ما مدحته به:
ولكنه فيه مجال لناقد ... وزلات سوء قد أخذن المخانقا
فيثبت موضوع الأحاديث جاهلاً ... ويعزو إلى المعصوم ما ليس لائقا
ويشم أعلام الأئمة ضلة ... ولا سيما إن أولجوه المضايقا
ويُسهب فى المعنى الوجيز دلالة ... بتكثير ألفاظ تسمى الشقاشقا
يُقوِّل فيها الله ما ليس قائلا ... وكان محباً فى الخطابة وامقا
ويخطئ فى تركيبه لكلامه ... فليس لما قد ركَّبوه موافقا
وينسب إبداء المعانى لنفسه ... ليُوهم أغماراً وإن كان سارقا
ويخطئ فى فهم القرآن لأنه ... يُجَوِّز إعراباً أبى أن يطابقا
وكم بين مَن يؤتى البيان سليقة ... وآخر عاناه فما هو لاحقا
ويحتال للألفاظ حتى يديرها ... لمذهب سوء فيه أصبح مارقا
فيا خسره شيخ تخرَّق صيته ... مغارب تخريق الصبا ومشارقا
لئن لم تداركه من الله رحمة ... لسوف يُرى للكافرين مرافقا"
وأحسب أن القارئ لا يفوته أن يدرك ما فى الوصف من قسوة على الزمخشرى، وما فيه من اتهامه بقِلَّة بضاعته فى البيان والعربية، مع أنه سلطان هذه الطريقة فى التفسير غير مدافع.
*
* مقالة ابن خلدون:
وهذا هو العلاَّمة ابن خلدون، نجده عندما تكلم عن القسم الثانى من التفسير وهو ما يرجع إلى اللسان، من معرفة اللغة والإعراب والبلاغة فى تأدية المعنى بحسب المقاصد والأساليب. يقول: "ومن أحسن ما اشتمل عليه هذا الفن من التفاسير كتاب الكشاف للزمخشرى من أهل خوارزم العراق، إلا أن مؤلِّفه من أهل الاعتزال فى
стр. 305
العقائد، فيأتى بالحِجَاج على مذاهبهم الفاسدة حيث تعرَض له فى آى القرآن من طرق البلاغة، فصار بذلك للمحققين من أهل السُّنَّة انحراف عنه، وتحذير للجمهور من مكامته، مع إقرارهم برسوخ قدمه فيما يتعلق باللسان والبلاغة، وإذا كان الناظر فيه واقفاً مع ذلك على المذاهب السُّنِّية، محسناً للحجاج عنها، فلا جَرَم أنه مأمون من غوائله، فلتغتنم مطالعته لغرابة فنونه فى اللسان. ولقد وصل إلينا فى هذه العصور تأليف لبعض العراقيين، وهو شرف الدين الطيبى من أهل توريز، من عراق العجم، شرح فيه كتاب الزمخشرى هذا، وتَنَبَّع ألفاظه، وتَعَرَّض لمذاهبه فى الاعتزال بأدلة تُزيفها، وتُبيِّن أن البلاغة إنما تقع فى الآية على ما يراه أهل السُّنَّة، لا على ما يراه المعتزلة، فأحسن فى ذلك ما شاء، مع إمتاعه فى سائر فنون البلاغة، وفوق كل ذى علم عليم".
*
*مقالة التاج السبكى:
وأخيراً.. فهذا هو العلاَّمة تاج الدين السبكى يقول فى كتابه "معيد النِعَم ومبيد النِقَم": "واعلم أن الكشاف كتاب عظيم فى بابه، ومصنِّفه إمام فى فنه، إلا أنه رجل مبتدع متاجر ببدعته، يضع من قدر النبوة كثيراً، ويسئ أدبه على أهل السُّنَّة والجماعة، والواجب كشط ما فى الكشاف من ذلك كله، ولقد كان الشيخ الإمام - يعنى والده تقى الدين السبكى - يقرأه فإذا انتهى إلى كلامه فى قوله تعالى فى سورة التكوير الآية [١٩] : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أعرض عنه صفحاً، وكتب ورقة حسبة سماها "سبب الانكفاف، عن إقراء الكشاف" وقال فيها: قد رأيت كلامه على قوله تعالى: ﴿عَفَا الله عَنكَ﴾ ، وكلامه فى سورة التحريم وغير ذلك من الأماكن التى أساء أدبه فيها على خير خلق الله تعالى، سيدنا رسول الله ﷺ ، فأعرضتُ عن إقراء كتابه حياءً من النبى ﷺ ، مع ما فى كتابه من الفوائد والنكت البديعة".
هذه هى شهادات بعض العلماء فى تفسير الكشاف بما له وما عليه. ومهما يكن
стр. 306
من شئ، فالكل مجمع عن أن الزمخشرى هو سلطان الطريقة اللُّغوية فى تفسير القرآن، وبها أمكنه أن يكشف عن وجه الإعجاز فيه، ومن أجلها طار كتابه فى أقصى المشرق والمغرب، واشتهر فى الآفاق، واستمد كل مَن جاء بعده من المفسِّرين من بحره الزاخر، وارتشف من معينه الفيَّاض، واعتنى الأئمة المحققون بالكتابة عليه: فمن مميِّز لما جاء فيه من الاعتزال، ومن مناقش لما أتى فيه من وجوه الإعراب، ومن محش وضَّحَ ونَقَّحَ واستشكل وأجاب، ومن مخرج لأحاديثه عَزَا وأسْنَدَ وصَحَّحَ وأنقد، ومن مختصر لَخَّصَ وأوجز.
ولا أطيل بذكر الكتب التى عَنِىَ فيها أصحابها بهذه النواحى، ويكفى أن أقول: إن من أهم الحواشى على تفسير الكشاف، حاشية العلامة شرف الدين الحسن بن محمد الطيبى، المتوفى سنة ٧٤٣ هـ (ثلاث وأربعين وسبعمائة من الهجرة) ، وهى تقع فى ست مجلدات كباراً، وهى التى أشار إليها ابن خلدون فى مقالته السابقة. وقد سمَّاها صاحبها "فتوح الغيب، فى الكف عن قناع الريب" ومَن يريد الوقوف على كل ما كُتِب على الكشاف ليرجع إلى كشف الظنون (جـ٢ ص١٧٣-١٧٧) وسيراها كثيرة، كثرة يضيق المقام عن ذكرها.
هذا.. وإن حظوة الكشاف بهذا التقدير والإعجاب حتى من خصومه، وظفره بهذه الشهرة الواسعة التى أغرت العلماء بالكتابة عليه بمثل هذه الكثرة الوافرة الزاخرة من المؤلفات، لدليل قاطع على أنه تفسير فى أعلى القمة.
وليس عجيباً أن يكون الكشاف كذلك وهو أول كتاب فى التفسير كشف لنا على سر بلاغة القرآن، وأبان لنا عن وجوه إعجازه، وأوضح لنا عن دقة المعنى الذى يُفهم من التركيب اللفظى. كل هذا فى قالب أدبى رائع، وصوغ إنشائى بديع، لا يتفق لغير الزمخشرى، إمام اللُّغة وسلطان المفسِّرين. وإذا كان الزمخشرى قد تأثر فى تفسيره بعقيدته الاعتزالية فمال بالألفاظ القرآنية إلى المعانى التى تشهد لمذهبه، أو تأوَّلها بحيث لا يتنافى معه على الأقل، فإنه فى محاولاته هذه قد برهن بحق على براعته وقوة ذهنه، وصوَّر لنا مقدار ما كان من التأثر بين التفسير وهوى العقيدة، وما كان لنا بعد هذا كله أن نغض الطرف عن هذا التفسير، تأثراً بمذهبنا السُّنِّى، وكراهة لمذهب المعتزلة، وبخاصة بعد ما هو ثابت وواقع من ثناء كثير من علماء أهل السُّنَّة عليه - فيما عدا ناحيته الاعتزالية - واعتماد معظم مفسِّريهم عليه وأخذهم منه.
فالكشاف - والحق يقال - قد بلغ فى نجاحه مبلغاً عظيماً، ليس فقط لأنه لا يمكن الاستغناء عنه فى بيان الأقوال الكثيرة لقدماء المعتزلة، بل لأنه استطاع أيضاً أن يكون
стр. 307
معتَرفاً به من الأصدقاء والخصوم على السواء ككتاب أساسى للتفسير، وأن يأخذ طابعاً شعبياً يغرى الكل ويتسع للجميع.
وكما اعتبرنا تفسير الطبرى ممثلاً للقمة العالية فى التفسير بالمأثور فأطنبنا فى وصفه وأطلنا الكلام عليه، فهنا كذلك سنعتبر الكشاف للزمخشرى القمة العالية للتفسير الاعتزالى، لأنه الكتاب الوحيد من تفاسير المعتزلة الذى وصل إلينا متناولاً للقرآن كله. وشاملاً للأفكار الاعتزالية التى تتصل بالقرآن الكريم باعتباره أصل العقيدة ومعتمد ما يتشعب عنها من آراء وأفكار، ولهذا أرانى مضطراً إلى الإطناب والإفاضة فى كلامى عن هذا التفسير، ودراستى له من جميع نواحيه بمقدار ما يفتح الله.
* *
* اهتمام الزمخشرى بالناحية البلاغية للقرآن:
عندما يلقى الإنسان نظرة فاحصة على العمل التفسيرى الذى قام به العلاَّمة الزمخشرى فى كشَّافه، يظهر له من أول وهلة، أن المبدأ الغالب عليه فى جهوده التفسيرية، كان فى تبيين ما فى القرآن من الثروة البلاغية التى كان لها كبير الأثر فى عجز العرب عن معارضته والإتيان بأقصر سورة من مثله. والذى يقرأ ما أورده الزمخشرى عند تفسيره لكثير من الآيات من ضروب الاستعارات، والمجازات، والأشكال البلاغية الأخرى، يرى أن الزمخشرى كان يحرص كل الحرص على أن يُبرز فى حلة بديعة جمال أسلوبه وكمال نظمه، وإنَّا لنكاد نقطع - إذا استعرضنا كتب التفسير وتأملنا مبلغ عنايتها باستخراج ما يحتويه القرآن من ثروة بلاغية فى المعانى والبيان - بأنه لا يوجد تفسير أوسع مجالاً فى جهوده فى هذا الصدد من تفسير الزمخشرى.
ولقد كانت لعناية الزمخشرى بهذه الناحية فى تفسيره من الأثر بين المفسِّرين وبين مواطنيه من المشارقة ما هو واضح بيِّنٌ.
أما أثره بين المفسِّرين، فإنَّ كل مَن جاء بعده منهم - حتى من أهل السُّنَّة - استفادوا من تفسيره فوائد كثيرة كانوا لا يلتفتون إليها لولاه، فأوردوا فى تفسيرهم ما ساقه الزمخشرى فى كشَّافه من ضروب الاستعارات، والمجازات، والأشكال البلاغية الأخرى، واعتمدوا ما نبَّه عليه الزمخشرى من نكات بلاغية، تكشف عما دَقَّ من براعة نظم القرآن وحسن أُسلوبه.
وليس عجيباً أن يعتمد خصوم الزمخشرى كغيرهم على كتاب الكشاف، وينظروا إليه كمرجع مهم من مراجع التفسير فى هذه الناحية، بعد ما قدَّروا هذ الناحية البلاغية فى تفسير القرآن، وبعد ما علموا أن الزمخشرى هو سلطان هذه الطريقة غير مدافَع.
وأما أثره بين مواطنيه من المشارقة، فإنهم أخذوا عنه هذا الفن البلاغى وبرعوا فيه،
стр. 308
حتى سبقوا مَن عداهم من المغاربة، وقد بيَّن ابن خلدون فى مقدمته - عند الكلام عن علم البيان - ما لتفسير الزمخشرى من الأثر فى براعة المشارقة فى هذا الفن فقال:
".. وبالجملة، فالمشارقة على هذا الفن أقوم من المغاربة، وسببه - والله - أعلم - أنه كمالى فى العلوم اللسانية، والصنائع الكمالية توجد فى العمران والمشرق أوفر عمراناً من المغرب كما ذكرنا. أو نقول: لعناية العجم - وهم معظم أهل المشرق - بتفسير الزمخشرى وهو كله مبنى على هذا الفن وهو أصله".
ثم إنَّا نستعرض هذه الروح البلاغية التى تسود فى تفسير الزمخشرى فنشهدها واضحة من أول الأمر عندما تكلم عن قوله تعالى فى الآية [٢] من سورة البقرة: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ .. فبعد أن ذكر كل الاحتمالات التى تجوز فى محل هذه الجملة من الإعراب، نَبَّهَ على أن الواجب على مُفَسِّر كلام الله تعالى أن يلتفت للمعانى ويحافظ عليها، ويجعل الألفاظ تبعاً لها، فقال ما نصه: ".. والذى هو أرسخ عرقاً فى البلاغة أن يُضرب عن هذه الحال صفحاً وأن يقال: إن قوله: ﴿آلم﴾ جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها. ﴿ذَلِكَ الكتاب﴾ جملة ثانية و ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ ثالثة و ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ رابعة، وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة، وموجب حسن النظم، حيث جئ بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق، وذلك حسن لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بعنق بعض، فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها.. وهلم جرّاً إلى الثالثة والرابعة. بيان ذلك: أنه نَبَّه أولاً على أنه الكلام المُتَحدَّى به. ثم أشير إليه بأنه الكتاب المبعوث بغاية الكمال، فكان تقريراً لجهة التحدى وشداً من أعضاده، ثم نفى عنه أنه يتشبث به طرف من الريب، فكان شهادة وتسجيلاً بكماله، لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة. وقيل لبعض العلماء: فيم لذَّتك؟ فقال: فى حُجَّة تتبختر اتضاحاً، وفى شبهة تتضاءل افتضاحاً. ثم أخبر عنه بأنه ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ، فقرر بذلك كونه يقيناً لا يُحَوَّم الشك حوله، وحقاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثم لم تخل كل واحدة من الأربع بعد أن رتُبت هذا الترتيب الأنيق، ونُظِمَت هذا النظم السوى، من نكتة ذات جزالة، ففى الأولى: الحذف، والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه، وفى الثانية: ما فى التعريف من الفخامة، وفى الثالثة: ما فى تقديم الريب على الظرف. وفى الرابعة: الحذف، وضح المصدر الذى هو ﴿هُدًى﴾ موضع الوصف الذى هو ﴿هَاد﴾ ، وإيراده
стр. 309
منكراً، والإيجاز فى ذكر ﴿لِّلْمُتَّقِينَ﴾ . زادنا الله اطلاعاً على أسرار كلامه، وتييناً لنكت تنزيله، وتوفيقاً للعمل بما فيه".
* *
* تذرعه بالمعانى اللغوية لنُصرة مذهبه الاعتزالى:
كذلك نرى الزمخشرى - كغيره من المعتزلة - إذا مَرَّ بلفظ يشتبه عليه ظاهره ولا يتفق مع مذهبه، يُحاول بكل جهوده أن يُبطل هذا المعنى الظاهر، وأن يُثبت للفظ معنى آخر موجوداً فى اللغة.
فمثلاً يراه عندما تَعَرَّضَ لتفسير قوله تعالى فى الآيتين [٢٢، ٢٣] من سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .. يتخلص من المعنى الظاهر لكلمة "ناظرة"، لأنه لا يتفق مع مذهبه الذى لا يقول برؤية الله تعالى، ونراه يثبت له معنى آخر هو التوقع والرجاء، ويستشهد على ذلك بالشعر العربى فيقول ما نصه: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ : تنظر إلى ربها خاصة لا تنظر إلى غيره، وهذا معنى تقديم المفعول، ألا ترى إلى قوله: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾ [القيامة: ١٢] .. ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق﴾ [القيامة: ٣٠] .. ﴿إِلَى الله تَصِيرُ الأمور﴾ [الشورى: ٥٣] .. ﴿إلى الله المصير﴾ [آل عمران: ٢٨، النور: ٤٢، فاطر: ١٨] .. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] .. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١] كيف دَلَّ فيها التقديم على معنى الاختصاص، ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر، ولا تدخل تحت العدد، وفى محشر يجتمع فيه الخلائق كلهم، فإن المؤمنين نظَّارة ذلك اليوم، لأنهم الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظوراً إليه محال، فوجب حمله على معنى يصح معه الاختصاص. والذى يصح معه أن يكون من قول الناس: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بى، تريد معنى التوقع والرجاء، ومنه قول القائل:
وإذا نظرتُ إليك من ملك ... والبحر دونك زدتنى نعماً
وسمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر، حين يغلق الناس أبوابهم ويأوون إلى مقائلهم، تقول: عُيينتى نويظرة إلى الله وإليكم" والمعنى: أنهم لا يتوقون النعمة والكرامة إلا من ربهم، كما كانوا فى الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه".
* *
* اعتماده على الفروض المجازية، وتذرعه بالتمثيل والتخييل فيما يُستبعد ظاهره:
كذلك نرى الزمخشرى يعتمد فى تفسيره على الفروض المجازية فى الكلام الذى يبدو فى حقيقته بعيداً وغريباً.
стр. 310
فمثلاً عند قوله تعالى فى الآية [٧٢] من سورة الأحزاب: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال﴾ .. الآية، يقول ما نصه: "وهو يريد بالأمانة الطاعة، فعظَّم أمرها، وفَخَّم شأنها. وفيه وجهان:
أحدهما: أن هذه الأجرام العظام من السماوات والأرض والجبال، قد انقادت لأمر الله عَزَّ وعلا انقياد مثلها، وهو ما يتأتى من الجمادات، وأطاعت له الطاعة التى تصح منها وتليق بها، حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته إيجاداً، وتكويناً، وتسوية على هيئات مختلفة وأشكال متنوعة، كما قال: ﴿قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] .. وأما الإنسان، فلم تكن حاله فيما يصح منه من الطاعات ويليق به من الانقياد لأوامر الله ونواهيه - وهو حيوان عاقل صالح للتكليف - مثل حال تلك الجمادات فيما يصح منها ويليق بها من الانقياد وعدم الامتناع، والمراد بالأمانة: الطاعة، لأنها لازمة الوجود، كما أن الأمانة لازمة الأداء. وعرضها على الجمادات وإباؤها وإشفاقها مجاز. وأما حمل الأمانة، فمن قولك: فلان حامل للأمانة ومحتمل لها، تريد أنه لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته ويخرج عن عهدتها، لأن الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها وهو حاملها، ألا تراهم يقولون: ركبته الديون، ولى عليه حق.. فإذا أدَّاها لم تكن راكبة له ولا هو حاملاً لها. ونحوه قولهم: لا يملك مولى لمولى نصراً، يريدون أنه يبذل النصرة له ويسامحه بها ولا يمسكها الخاذل، ومنه قول القائل:
أخوك الذى لا تملك الحس نفسه ... وترفض عند المحفظات الكتائف
أى لا يمسك الرقة والعطف إمساك المالك الضنين ما فى يده، بل يبذل ذلك ويسمح به. ومنه قولهم: ابغض حق أخيك، لأنه إذا أحبه لم يخرجه إلى أخيه ولم يؤدِّه، وإذا أبغضه أخرجه وأدَّاه. فمعنى: ﴿فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان﴾ [الأحزاب: ٧٢] : فأبين إلا أن يؤدينها وأبى الإنسان إلا أن يكون محتملاً لها لا يؤدِّيها. ثم وصفه بالظلم لكونه تاركاً لأداء الأمانة، وبالجهل لإخطائه ما يسعده مع تمكنه منه وهو أداؤه.
والثانى: أنَّ ما كُلِّفه الإنسان بلغ من عظمه وثقل محمله، أنه عُرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواه وأشده أن يتحمله ويستقل به، فأبى حمله والاستقلال به، وأشفق منه، وحمله الإنسان على ضعفه ورخاوة قوته ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢] حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها، وضمنها ثم خاس بضمانه فيها: ونحو هذا الكلام كثير فى لسان العرب، وما جاء القرآن إلا على طرقهم وأساليبهم. ومن ذلك قولهم: "لو قيل للشحم أين تذهب؟ لقال: أسوى العوج" وكم لهم من
стр. 311
أمثال على ألسنة البهائم والجمادات، وتصور مقاولة الشحم محال ولكن الغرض أن السمن فى الحيوان مما يحسن قبيحه، كما أن العجف مما يقبح حسنه، فصوَّر أثر السمن فيه تصويراً هو أوقع فى نفس السامع، وهى به آنس، وله أقبل وعلى حقيقته أوقف، وكذلك تصوير عظم الأمانة، وصعوبة أمرها، وثقل محملها، والوفاء بها.
وهنا تقوم أمام الزمخشرى صعوبات ومشاكل يصوِّرها لنا فى سؤاله: "فإن قلت: قد عُلِمَ وجه التمثيل فى قولهم للذى لا يثبت على رأى واحد: أراك تُقَدِّم رِجْلاً وتُؤَخِّر أخرى، لأنه مُثِّلَت حاله فى تميله وترجحه بين الرأيين، وتركه المضى على أحدهما، بحال مَن يتردد فى ذهابه فلا يجمع رجليه للمضى فى وجهة، وكل واحد من الممثل والممثَّل به شئ مستقيم داخل تحت الصحة والمعرفة، وليس كذلك ما فى هذه الآية، فإن عرض الأمانة على الجماد وإباءه وإشفاقه محال فى نفسه غير مستقيم، فكيف صحّ بناء التمثيل على المحال؟ وما مثال هذا إلا أن تُشبِّه شيئاً والمشبَّه به غير معقول".
ولكن الزمخشرى لا يقف طويلاً أمام هذه الصعوبات، بل نراه يتخلص منها بكل دقة وبراعة حيث يقول: "قلت الممثَّل به فى الآية، وفى قولهم: لو قيل للشحم أين تذهب، وفى نظائره، مفروض، والمفروضات تتخيل فى الذهن كما المحققات مثلت حال التكليف فى صعوبته وثقل محمله، بحاله المفروضة لو عُرِضت على السماوات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها وأشفقن منها".
ثم إن هذه الطريقة التى يعتمد عليها الزمخشرى فى تفسيره - أعنى طريقة الفروض المجازية، وحمل الكلام الذى يبدو غريباً فى ظاهره على أنه من قبيل التعبيرات التمثيلية أو التخييلية - قد أثارت حفيظة خصمه السُّنِّى ابن المنير الإسكندرى عليه، فاتهمه بأشنع التهم فى كثير من المواضع التى تحمل هذا الطابع، ونسبه فيها إلى قِلَّة الأدب وعدم الذوق.
فمثلاً عندما يعرض الزمخشرى لقوله تعالى فى الآية [٢١] من سورة الحشر: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هاذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .. نراه يقول: "هذا تمثيل وتخييل كما مَرَّ فى قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة﴾ وقد دلَّ عليه قوله: ﴿وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ .. والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقِلَّة تخشعه، عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره".
ولكن هذا قد أغضب ابن المنير على الزمخشرى فقال معقباً عليه: "وهذا مما تقدَّم
стр. 312
إنكارى عليه فيه، أفلا كان يتأدب بأدب الآية، حيث سمَّى الله هذا مَثَلاً، ولم يقل: تلك الخيالات نضربها للناس؟. ألهمنا الله حُسْن الأدب معه. والله الموفق".
ولكن الزمخشرى ولع بهذه الطريقة، فمشى عليها من أول تفسيرهُ إلى آخره، ولم يقبل المعانى الظاهرة التى يُجوِّزها أهل السُّنَّة، بل ويرونها أقرب إلى الصواب من غيرها، وهو فى كل ما يذكر من المعانى لا يعدم مثلاً عربياً سائراً، أو بيتاً من الشعر القديم يشهد لما يقوله، كما أنه لا ينفك عن التنديد بأهل السُّنَّة الذين يقبلون هذه المعانى الظاهرة ويقولون بها، وكثيراً ما ينسبهم من أجل ذلك إلى أنهم من أهل الأوهام والخرافات. وإليك بعض الأمثلة لتقف على مقدار تمسكه بهذه الطريقة:
ففى سورة البقرة عند قوله تعالى فى الآية [٢٥٥] : ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض﴾ .. يذكر الزمخشرى أربع أوجه فى معنى الكرسى، يقول فى الوجه الأول منها: إن كرسيُّه لم يضق عن السَّمَاوات والأرض لبسطته وسِعَته، وما هو إلا تصوير لعظمته وتخييل فقط، ولا كرسى ثمة، ولا قعود، ولا قاعد، كقوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . من غير تصور قبضة وطى ويمين، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه، وتمثيل حسن، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ..
وبطبيعة الحال لم يرتض ابن المنير هذا الكلام فتعقبه بقوله: "قوله فى الوجه الأول: إن ذلك تخييل للعظمة، سوء أدب فى الإطلاق، وبُعْدٌ فى الإصرار. فإن التخييل إنما يُستعمل فى الأباطيل وما ليست له حقيقة صدق، فإن يكن معنى ما قاله صحيحاً، فقد أخطأ فى التعبير عنه بعبارة موهمة، لا مدخل لها فى الأدب الشرعى. وسيأتى له أمثالها مما يوجب الأدب أن يُجتنب".
وفى سورة الأعراف عند قوله تعالى فى الآيتين [١٧٢، ١٧٣] : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هاذا غَافِلِينَ * أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون﴾ يقول ما نصه: وقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ﴾ من باب التمثيل ومعنى ذلك: أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التى ركَّبها فيهم، وجعلها مميزة بين
стр. 313
الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم. وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ ؟ وكأنهم قالوا: بَلَى أنت ربنا، شهدنا على أنفسنا، وأقررنا بوحدانيتك. وباب التمثيل واسع فى كلام الله تعالى ورسوله ﵇ وفى كلام العرب، ونظيره قوله تعالى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] ، ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] .. وقوله:
إذا قالت الأنساع للبطن الحق ... قالت له ريح الصبا قرقار
ومعلوم أنه لا قول، وإنما هو تميل وتصوير للمعنى".
ولكن ابن المنير السُّىِّ لم يرض هذا من الزمخشرى بطبيعة الحال، ولذا تعقبه بقوله: "إطلاق التمثيل أحسن، وقد ورد الشرع به، وأما إطلاقه التخييل على كلام الله تعالى فمردود ولم يرد به سمع. وقد كثر إنكارنا عليه لهذه اللفظة، ثم إن القاعدة مستقرة على أن الظاهر ما لم يخالف المعقول يجب إقراره على ما هو عليه، فكذلك أقره الأكثرون على ظاهره وحقيقته ولم يجعلوه مثالاً. وأما كيفية الإخراج والمخاطبة فالله أعلم بذلك".
ويتصل بهذه الآية السابقة قوله تعالى فى الآية [٨] من سورة الحديد: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بالله والرسول يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ .. فالزمخشرى يميل فى تفسير الميثاق هنا إلى المعنى الذى حمل عليه أخذ العهد فى آية الأعراف، فيقول: "والمعنى: وأى عذر لكم فى ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه، وينبهكم عليه، ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالبراهين والحجج، وقبل ذلك قد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان، حيث رَكَّبَ فيكم العقول، ونصب لكم الأدلة، ومكَّنكم من النظر وأزاح عللكم، فإذا لم تبق لكم عِلَّة بعد أدلة العقول وتنبيه الرسول، فمالكم لا تؤمنون".
ولكن ابن المنير السُّنِّى، يريد أن يحمل أخذ الميثاق الذى فى سورة الحديد، على المعنى الذى ارتضاه للفظ "العهد" فى سورة الأعراف، ولهذا نراه يرد على الزمخشرى ويشدِّد عليه النكير فيقول: "ومما عليه أن يحمل أخذ الميثاق على ما بينَّه الله فى آية غير هذه، إذ يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ولقد يريبنى منه إنكاره لكثير من مثل هذه الظواهر، والعدول بها عن حقائقها مع إمكانها عقلاً، ووقوعها بالسمع
стр. 314
قطعاً، إلى ما يتوهمه من تمثيل يسميه تخييلاً. فالقاعدة التى تعتمد عليها كى لا يضرك ما يومئ إليه: أن كل ما جوَّزه العقل وورد بوقوعه السمع، وجب حمله على ظاهره. والله الموفق".
ومسألة التمثيل والتخيل يستعملها الزمخشرى بحرية أوسع فيما ورد من الأحاديث التى يبدو ظاهرها مستغرباً، وأسوق إليك مثالاً أتى به الزمخشرى عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٦] من سورة آل عمران: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم﴾ .. قال ﵀: "وما يروون من الحديث: "ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها" فالله أعلم بصحته، فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان فى إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومَيْن، وكذلك كل منَ كان فى صفتهما، كقوله تعالى: ﴿ ... لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ [ص: ٨٢-٨٣] .. واستهلاله صارخاً من مسه، تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا ممن أغويه. ونحوه من التخييل قول ابن الرومى:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سُلِّطَ إبليس على الناس بنخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلونا به من نخسه".
وبالضرورة لم يرتض ابن المنير هذا الصنيع من خصمه المعتزلى، فنراه يتورَّك عليه بقوله: "أما الحديث فمذكور فى الصحاح متفَق على صحته، فلا محيص له إذن عن تعطيل كلامه ﵇ بتعميله ما لا يحتمله، جنوحاً إلى اعتزال منتزع، فى فلسفة منتزعة، فى إلحاد. ظلمات بعضها فوق بعض،. وقد قدمت عند قوله تعالى: ﴿لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس﴾ [البقرة: ٢٧٥] ما فيه الكفاية. وما أرى الشيطان إلا طعن فى خواصر القدرية حتى بقرها، وذكر فى قلوبهم حتى حمل الزمخشرى وأمثاله أن يقول فى كتاب الله تعالى وكلام رسوله ﵇ بما يتخيل، كما قال فى هذا الحديث. ثم تنظيره بتخييل ابن الرومى فى شعره جرأة وسوء أدب. ولو كان معنى ما قاله صحيحاً لكانت هذه العبارة واجباً أن تُجتنب. ولو كان الصراخ غير واقع من المولود لأمكن على بُعْدٍ أن يكون تمثيلاً، أما وهو واقع مُشاهدَ فلا وجه لحمله على التخييل إلا الاعتقاد الضئيل، وارتكاب الهوى الوبيل".
стр. 315
* *
* مبدأ الزمخشرى فى التفسير عندما يصادم النص القرآنى مذهبه:
والمبدأ الذى يسير عليه الزمخشرى فى تفسيره ويعتمد عليه عندما تصادمه آية تخالف مذهبه وعقيدته، هو حمل الآيات المتشابهة على الآيات المحكمة، وهذا المبدأ قد وجده المزمخشرى فى قوله تعالى فى الآية [٧] من سورة آل عمران: ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ .. فـ "المحكمات" هى التى أحكمت عباراتها، بأن حُفظت من الاحتمال والاشتباه. و "المتشابهات" هى المتشبهات المحتملات. و "أم الكتاب" هى أصله الذى يُحمل عليه المتشابه، ويُرَد إليه، ويُفسَّر به.
علىَ هذا التفسير جرى الزمخشرى فى كشَّافه عندما تَعرَّض لهذه الآية، وهو تفسير لا غبار عليه، كما أن هذا المبدأ - أعنى مبدأ حمل الآيات المتشابهات على الآيات المحكمات - مبدأ سليم يقول به غير الزمخشرى أيضاً من علماء أهل السُّنَّة، ولكن الذى لا نُسَلِّمه للزمخشرى هو تطبيقه لهذا المبدأ على الآيات التى تصادمه، فإذا مَرَّ بآية تُعارِض مذهبه، وآية أخرى فى موضوعها تشهد له بظاهرها، نراه يَدَّعى الاشتباه فى الأولى والإحكام فى الثانية، ثم يحمل الأولى على الثانية وبهذا يُرضى هواه المذهبى، وعقيدته الاعتزالية.
وقد مَثَّل الزمخشرى لحملِ المتشابه على المحكم ورده إليه بقوله تعالى فى الآية [١٠٣] من سورة الأنعام: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ . وقوله فى الآيتين [٢٢، ٢٣] من سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .. فهو يرى أن الآية الأولى محكمة، والآية الثانية متشابهة، وعليه فتجب أن تكون الآية الثانية متفقة مع الآية الأولى، ولا سبيل إلى ذلك إلا بحملها عليها، وردها إليها.
ومَثَّل أيضاً بقوله تعالى فى الآية [٢٨] من سورة الأعراف: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا والله أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشآء أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ، وقوله فى الآية [١٦] من سورة الإسراء: ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القول فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ .. فهو يرى أن الآية الأولى محكمة، والآية الثانية متشابهة، فلا بد من حمل الثانية على الأولى ليتفق المعنى ويتحدد المراد.
ثم لا ينتهى الزمخشرى من تطبيقه لهذا المبدأ حتى يتساءل عن السبب الذى من أجله لم يكن القرآن كله محكماً، وعن السر الذى من أجله جعل الله فى القرآن آيات
стр. 316
محتملات متشابهات؟. ولكن الزمخشرى يجيب بنفسه على ما تساءل عنه فيقول: "لو كان كله محكماً لتعلَّق الناس به لسهولة مأخذه، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال، ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذى لا يُتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به، ولما فيه المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولما فى تقادح العلماء وإتعابهم القرائح فى استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة، والعلوم الجمَّة، ونيل الدرجات عند الله، ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة فى كلام الله ولا اختلاف، وإذا رأى فيه ما يتناقض فى ظاهره، وأهمه طلب ما يُوفِق بينه ويجريه على سنن واحد، ففكَّر وراجع نفسه وغيره، ففتح الله عليه، وتبين مطابقة المتشابه المحكم، ازداد طمأنينة إلى معتقدة وقوة فى إيقانه".
وهذا الجواب فى منتهى القوة والسداد، وابن المنير السُّنَّى يمر على كل هذا الكلام فلا يرى فيه أدنى ناحية من نواحى الاعتزال، لكنه يغضب على الزمخشرى فقط من أجل أنه عدَّ قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣] من قبيل المتشابه الذى يجب حمله على آية الأنعام: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] ، فيقول معقباً عليه: قال محمود: "المحكمات التى أُحكمت عباراتها.. إلخ" قال أحمد: هذا كما قدمته عنه من تكلفه لتنزيل الآى على وفق ما يتعقده، وأعوذ بالله من جعل القرآن تبعاً للرأى، وذلك أن معتقده إحالة رؤية الله تعالى، بناء على زعم القدرية من أن الرؤية تستلزم الجسمية والجهة، فإذا ورد عليهم النص القاطع الدال على وقوع الرؤية كقوله: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ مالوا إلى جعله من المتشابه حتى يردوه بزعمهم إلى الآية التى يَدَّعون أن ظاهرها يوافق رأيهم، ولآية قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ ثم جمع ابن المنير بين الآيتين بما يتفق مع مذهبه السُّنِّى.. ثم قال: وأما الآيتان الأخريان اللتان إحداهما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشآء﴾ ، والأخرى التى هى قوله تعالى: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ ، فلا ينازع الزمخشرى فى تمثيل المحكم والمتشابه بهما".
* *
* انتصار الزمخشرى لعقائد المعتزلة:
هذا.. وإن الزمخشرى لينتصر لمذهبه الاعتزالى، ويؤيده بكل ما يملك من قوة الحُجَّة وسلطان الدليل، وإنَّا لنلمس هذا التعصب الظاهر فى كثير مما أسلفنا من النصوص، وفى غيرها مما نسوقه لك من الأمثلة. وهو يحرص كل الحرص على أن يأخذ من الآيات القرآنية ما يشهد لمذهبه، وعلى أن يتأوَّل ما كان منها معارضاً له.
* انتصاره لرأى المعتزلة فى أصحاب الكبائر:
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٩٣] من سورة النساء: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً
стр. 317
مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ .. نجده يجعل هذه الآية أهمية كبيرة فى نُصْرة مذهبه، ويتيه بها على خصومه من أهل السُّنَّة، ويُنَدِّد بهم حيث يقولون بجواز مغفرة الذنب وإن لم يتب منه صاحبه، وبأن صاحب الكبيرة لا يخلد فى النار، فيقول مستغلاً لهذه الفرصة المواتية للاستهزاء من خصومه السُّنِّين: "هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد، والإبراق والإرعاد، أمر عظيم وخَطْبٌ غليظ، ومن ثَمَّ رُوِى عن ابن عباس ما رُوِى من أن توبة قاتل المؤمن عمداً غير مقبولة، وعن سفيان: كان أهل العلم إذا سُئِلوا، قالوا: لا توبة له، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسُنَّة الله فى التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلاً، وفى الحديث: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم". وفيه: "لو أن رجلا قُتِلَ بالمشرق وآخر رَضِىَ بالمغرب لأُشِرَك فى دمه" وفيه: "إن هذا الإنسان بنيان الله، ملعون مَن هدم بنيانه". وفيه: "مَن أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله". والعجب من قوم يقرأون هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة وقول ابن عباس بمنع التوبة، ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة، واتباعهم هواهم، وما يُخَيِّل إليهم مُناهم، أن يطمعوا فى العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: ٢٤] .. ثم ذكر الله التوبة فى قتل الخطأ - لما عسًى يقع من نوع تفريط فيما يجب من الاحتياط والتحفظ - فيه حسم للأطماع وأى حسم، ولكن لا حياة لمن تنادى، فإن قلت: هل فيها دليل على خلود مَن لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما أبين الدليل، وهو تناوله قوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ﴾ أىُّ قاتل كان، من مسلم أو كافر، تائب أو غير تائب، إلا أن التائب أخرجه الدليل، فمَن ادَّعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله".
وفى سورة الأنعام عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٥٨] : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ .. نجد الزمخشرى يمسك بهذه الآية، ويستدل بها على صحة عقيدته فى أن الكافر والعاصى سواء فى الخلود فى النار فيقول: "والمعنى أن أشراط الساعة إذا جاءت - وهى آيات ملجئة مضطرة - ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان حينئذ نفساً غير مقدَّمة إيمانها من قبل ظهور الآيات، أو مقدِّمة الإيمان غير كاسبة فى إيمانها خيراً، فلم يُفَرِّق - كما ترى - بين النفس الكافرة إذا آمنت فى غير وقت الإيمان، وبين النفس التى آمنت فى وقته ولم تكسب خيراً، ليعلم أن قوله: ﴿الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ جمع
стр. 318
بين قرينتين لا ينبغى أن تنفك إحداهما عن الأخرى، حتى يفوز صاحبهما ويسعد، وإلا فالشقوة والهلاك".
* *
* انتصاره لمذهب المعتزلة فى الحُسْن والقُبْح العقليين:
ولما كان الزمخشرى يقول بمبدأ المعتزلة فى التحسين والتقبيح العقليين، كان لابد له أن يتخلص من ظاهر هذين النصين المنافيين لمذهبه، وهما: قوله تعالى فى الآية [١٦٥] من سورة النساء: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل﴾ ، وقوله فى الآية [١٥] من سورة الإسراء: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ .. فنراه فى الآية الأولى يستشعر معارضة ظاهر الآية لهذا المبدأ فيسأل هذا السؤال: "كيف يكون للناس على الله حُجَّة قِبَل الرسل وهم محجوجون بما نصبه الله من الأدلة التى النظر فيها موصل إلى المعرفة، والرسل فى أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر فى تلك الأدلة، ولا عُرِفَ أنهم رسل الله إلا بالنظر فيها"؟
ثم يجيب هو عن هذا السؤال فيقول: "قلت: الرسل منُبِّهون عن الغفلة، وباعثون على النظر، كما ترى علماء أهل العدل والتوحيد، مع تبليغ ما حملوه من تفصيل أُمور الدين، وبيان أحوال التكليف. وتعليم الشرائع، فكان إرسالهم إزاحة للعِلَّة، وتتميماً لإلزام الحُجَّة لئلا يقولوا: لولا أرسلتَ إلينا رسولاً فيوقظنا من سِنَة الغفلة، وينبهنا لما وجب الانتباه له".
وعندما تكلم عن الآية الثانية نراه يستشعر مثل ما استشعر فى الآية الأولى، ويسأل ويجيب بمثل ما سأل عنه وأجاب به فى الآية الأولى فيقول: "فإن قلت: الحُجَّة لازمة لهم قبل بعثة الرسل، لأن معهم أدلة العقل التى بها يُعرف الله، وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه، واستيجابهم العذاب لإغفالهم النظر فيما معهم، وكفرهم لذلك، لا لإغفال الشرائع التى لا سبيل إليها إلا بالتوقيف والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان. قلت: بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة، لئلا يقولوا: كنا غافلين فلولا بعثتَ إلينا رسولاً ينبهنا على النظر فى أدلة العقل".
* *
* انتصار لمعتقد المعتزلة فى السحر:
ثم إن الزمخشرى - كغيره من المعتزلة - لا يقول بالسحر ولا يعتقد فى السَحَرة، ولهذا نجده عندما يفسِّر سورة الفلق التى تشهد لأهل السُّنَّة ولا تشهد له، لا تخونه مهارته، ولا تعوزه الحيلة التى يخرج بها فى تفسيره من هذه الورطة الصريحة، كما نجده يشدِّد النكير ويغرق فى الاستهزاء والسخرية بأهل السُّنَّة القائلين بحقيقة السحر، وذلك حيث يقول: "النفَّاثات: النساء أو النفوس، أو الجماعات السواحر، اللاتى يعقدن عُقَداً فى الخيوط، وينفثن عليها ويرقين. والنفث: النفخ من
стр. 319
ريق. ولا تأثير لذلك، اللَّهم إلا إذا كان ثَمَّ إطعام شئ ضار، أو سقيه، أو إشمامه، أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه، ولكن الله ، قد يفعل عند ذلك فعلاً على سبيل الامتحان الذى يتميز به الثبت على الحق، من الحشوية والجهلة من العوام، فينسبه الحشو والرعاع إليهن وإلى نفثهن، والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبأون به. فإن قلت: فما معنى الاستعاذة من شرِّهن؟ قلت: فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يُستعاذ من عملهن الذى هو صنعة السحر ومن إثمهن فى ذلك.
والثانى: أن يُستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وما يخدعنهم به من باطلهن.
والثالث: أن يُستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن.
ويجوز أن يُراد بهن النساء الكيَّادات من قوله: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] تشبيهاً لكيدهن بالسحر والنفث فى العُقَد، أو اللاتى يفتنَّ الرجال بتعرضهن لهم وعرضهن محاسنهن، كأنهن يسحرنهم بذلك".
وفى الحق أن هذه محاولة عقلية عنيفة من الزمخشرى يريد من ورائها أن يحوِّل الحقائق التى ورد بوقوعها الكتاب والسُّنَّة. إلى ما يتناسب مع هواه وعقيدته. ولقد دهش ابن المنير من هذه المحاولة وحكم على الزمخشرى بأنه: "استفزَّه الهوى حتى أنكر ما عُرِف، وما به إلا أن يتبع اعتزاله، ويغطى بكفه وجه الغزالة".
* *
* انتصاره لمذهب المعتزلة فى حرية الإرادة وخلق الأفعال:
ولقد تأثر الزمخشرى برأيه الاعتزالى فى حرية الإرادة وخلق الأفعال، ولكنه وجد ما يصادمه من الآيات الصريحة فى أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى، فأراد أن يتفادى هذا التصادم ويعمل على الخروج من هذه الورطة الكبرى، فساعده على ما أراد هذا المعنى الذى تمسك به المعتزلة ونفعهم فى كثير من المواضع. وهو "اللُّطف" من الله، فباللُّطف منه تعالى يسهل عمل الخير على الإنسان، وبسلبه يصعب عليه عمل الخير.
هذا "اللُّطف" وما يتصل به من "التوفيق" ساعد الزمخشرى على الخروج من الضائقة التى صادفته عندما تناول بالتفسير تلك الآيات القرآنية الصريحة فى أن الله يخلق أفعال العباد خيرها وشرها، والتى يعتبرها أهل السُّنَّة سلاحاً قوياً لهم ضد هذه النظرية الاعتزالية.
ففى سورة آل عمران عند قوله تعالى فى الآية [٨] : ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ .. نجد الزمخشرى يستشعر من هذه الآية أن قلوب العباد بيد الله يقلبها كيف
стр. 320
يشاء، فمَن أراد الله هدايته هداه، ومَن أراد ضلاله أضله، ولكنه يفر من هذا الظاهر فيقول: ﴿لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ وأرشدتنا لدينك. أو لا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفتَ بنا".
وفى سورة المائدة عند قوله تعالى فى الآية [٤١] : ﴿وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً أولائك الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .. نجد الزمخشرى لا يجزع من هذا الظاهر الذى يتشبث به أهل السُّنَّة ويتيهون به على خصومهم، بل نراه يفسِّرها حسب هواه ووفق مبدئه فيقول: ﴿وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ﴾ تركه مفتوناً وخذلاناً.. ﴿فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً﴾ فلن نستطيع له من لطف الله وتوفيقه شيئاً، أولئك الذين لم يُرد الله أن يمنحهم من ألطافه ما يُطَهِّر به قلوبهم، لأنهم ليسوا من أهلها، لعلمه أنهم لا تنفع فيهم ولا تنجع: ﴿إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله لاَ يَهْدِيهِمُ الله﴾ [النحل: ١٠٤] .. ﴿كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] .
وهكذا نجد الزمخشرى بواسطة هذه التأويلات يُخْضِع لمبدئه الاعتزالى فى الجبر والاختيار مثل هذه المواضع القرآنية التى لم تكن طيَّعة له. ولكن ابن المنير السكندرى لم ترقه هذه التأويلات، ولم يُسَلِّم بها لخصمه، فأخذ يناقشه فى معنى اللُّطف مناقشة حادة ساخرة، فعندما تكلم الزمخشرى عن قوله تعالى فى الآية [٢٧٢] من سورة البقرة: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولاكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ وتذرع بلفظ "اللُّطف" تعقبه ابن المنير فقال: "المعتقَد الصحيح، أن الله هو الذى يخلق الهدى لمن يشاء هداه، وذلك هو اللُّطف، لا كما يزعم الزمخشرى أن الهدى ليس خلقا لله إنما العبد يخلقه لنفسه، وإن أطلق الله تعالى إضافة الهدى إليه كما فى الآية فهو مؤوَّل - على زعم الزمخشرى - بلطف الله الحامل للعبد على أن يخلق هداه. إن هذا إلا اختلاق. وهذه النزعة من توابع معتقدهم السئ فى خلق الأفعال، وليس علينا هداهم، ولكن الله يهدى من يشاء، وهو المسئول ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا".
وعندما تكلَّم الزمخشرى عن قوله تعالى فى الآية [٣٩] من سورة الأنعام: ﴿مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ، وقال: ﴿مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ﴾ .. أى يخذله ويخله وضلاله لم يلطف به، لأنه ليس من أهل اللُّطف. ﴿وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أى يلطف به، لأن اللُّطف يجدى عليه. عندما قال ذلك تعقبه ابن المنير فقال: "وهذا من تحريفاته للهداية والضلالة اتباعاً لمعتقده الفاسد فى أن
следующие страницы →