Полный текст (774 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
محتملات متشابهات؟. ولكن الزمخشرى يجيب بنفسه على ما تساءل عنه فيقول: "لو كان كله محكماً لتعلَّق الناس به لسهولة مأخذه، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال، ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذى لا يُتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به، ولما فيه المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولما فى تقادح العلماء وإتعابهم القرائح فى استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة، والعلوم الجمَّة، ونيل الدرجات عند الله، ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة فى كلام الله ولا اختلاف، وإذا رأى فيه ما يتناقض فى ظاهره، وأهمه طلب ما يُوفِق بينه ويجريه على سنن واحد، ففكَّر وراجع نفسه وغيره، ففتح الله عليه، وتبين مطابقة المتشابه المحكم، ازداد طمأنينة إلى معتقدة وقوة فى إيقانه".
وهذا الجواب فى منتهى القوة والسداد، وابن المنير السُّنَّى يمر على كل هذا الكلام فلا يرى فيه أدنى ناحية من نواحى الاعتزال، لكنه يغضب على الزمخشرى فقط من أجل أنه عدَّ قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣] من قبيل المتشابه الذى يجب حمله على آية الأنعام: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] ، فيقول معقباً عليه: قال محمود: "المحكمات التى أُحكمت عباراتها.. إلخ" قال أحمد: هذا كما قدمته عنه من تكلفه لتنزيل الآى على وفق ما يتعقده، وأعوذ بالله من جعل القرآن تبعاً للرأى، وذلك أن معتقده إحالة رؤية الله تعالى، بناء على زعم القدرية من أن الرؤية تستلزم الجسمية والجهة، فإذا ورد عليهم النص القاطع الدال على وقوع الرؤية كقوله: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ مالوا إلى جعله من المتشابه حتى يردوه بزعمهم إلى الآية التى يَدَّعون أن ظاهرها يوافق رأيهم، ولآية قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ ثم جمع ابن المنير بين الآيتين بما يتفق مع مذهبه السُّنِّى.. ثم قال: وأما الآيتان الأخريان اللتان إحداهما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشآء﴾ ، والأخرى التى هى قوله تعالى: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ ، فلا ينازع الزمخشرى فى تمثيل المحكم والمتشابه بهما".
* *
* انتصار الزمخشرى لعقائد المعتزلة:
هذا.. وإن الزمخشرى لينتصر لمذهبه الاعتزالى، ويؤيده بكل ما يملك من قوة الحُجَّة وسلطان الدليل، وإنَّا لنلمس هذا التعصب الظاهر فى كثير مما أسلفنا من النصوص، وفى غيرها مما نسوقه لك من الأمثلة. وهو يحرص كل الحرص على أن يأخذ من الآيات القرآنية ما يشهد لمذهبه، وعلى أن يتأوَّل ما كان منها معارضاً له.
* انتصاره لرأى المعتزلة فى أصحاب الكبائر:
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٩٣] من سورة النساء: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً
стр. 317
مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ .. نجده يجعل هذه الآية أهمية كبيرة فى نُصْرة مذهبه، ويتيه بها على خصومه من أهل السُّنَّة، ويُنَدِّد بهم حيث يقولون بجواز مغفرة الذنب وإن لم يتب منه صاحبه، وبأن صاحب الكبيرة لا يخلد فى النار، فيقول مستغلاً لهذه الفرصة المواتية للاستهزاء من خصومه السُّنِّين: "هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد، والإبراق والإرعاد، أمر عظيم وخَطْبٌ غليظ، ومن ثَمَّ رُوِى عن ابن عباس ما رُوِى من أن توبة قاتل المؤمن عمداً غير مقبولة، وعن سفيان: كان أهل العلم إذا سُئِلوا، قالوا: لا توبة له، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسُنَّة الله فى التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلاً، وفى الحديث: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم". وفيه: "لو أن رجلا قُتِلَ بالمشرق وآخر رَضِىَ بالمغرب لأُشِرَك فى دمه" وفيه: "إن هذا الإنسان بنيان الله، ملعون مَن هدم بنيانه". وفيه: "مَن أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله". والعجب من قوم يقرأون هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة وقول ابن عباس بمنع التوبة، ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة، واتباعهم هواهم، وما يُخَيِّل إليهم مُناهم، أن يطمعوا فى العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: ٢٤] .. ثم ذكر الله التوبة فى قتل الخطأ - لما عسًى يقع من نوع تفريط فيما يجب من الاحتياط والتحفظ - فيه حسم للأطماع وأى حسم، ولكن لا حياة لمن تنادى، فإن قلت: هل فيها دليل على خلود مَن لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما أبين الدليل، وهو تناوله قوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ﴾ أىُّ قاتل كان، من مسلم أو كافر، تائب أو غير تائب، إلا أن التائب أخرجه الدليل، فمَن ادَّعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله".
وفى سورة الأنعام عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٥٨] : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ .. نجد الزمخشرى يمسك بهذه الآية، ويستدل بها على صحة عقيدته فى أن الكافر والعاصى سواء فى الخلود فى النار فيقول: "والمعنى أن أشراط الساعة إذا جاءت - وهى آيات ملجئة مضطرة - ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان حينئذ نفساً غير مقدَّمة إيمانها من قبل ظهور الآيات، أو مقدِّمة الإيمان غير كاسبة فى إيمانها خيراً، فلم يُفَرِّق - كما ترى - بين النفس الكافرة إذا آمنت فى غير وقت الإيمان، وبين النفس التى آمنت فى وقته ولم تكسب خيراً، ليعلم أن قوله: ﴿الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ جمع
стр. 318
بين قرينتين لا ينبغى أن تنفك إحداهما عن الأخرى، حتى يفوز صاحبهما ويسعد، وإلا فالشقوة والهلاك".
* *
* انتصاره لمذهب المعتزلة فى الحُسْن والقُبْح العقليين:
ولما كان الزمخشرى يقول بمبدأ المعتزلة فى التحسين والتقبيح العقليين، كان لابد له أن يتخلص من ظاهر هذين النصين المنافيين لمذهبه، وهما: قوله تعالى فى الآية [١٦٥] من سورة النساء: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل﴾ ، وقوله فى الآية [١٥] من سورة الإسراء: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ .. فنراه فى الآية الأولى يستشعر معارضة ظاهر الآية لهذا المبدأ فيسأل هذا السؤال: "كيف يكون للناس على الله حُجَّة قِبَل الرسل وهم محجوجون بما نصبه الله من الأدلة التى النظر فيها موصل إلى المعرفة، والرسل فى أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر فى تلك الأدلة، ولا عُرِفَ أنهم رسل الله إلا بالنظر فيها"؟
ثم يجيب هو عن هذا السؤال فيقول: "قلت: الرسل منُبِّهون عن الغفلة، وباعثون على النظر، كما ترى علماء أهل العدل والتوحيد، مع تبليغ ما حملوه من تفصيل أُمور الدين، وبيان أحوال التكليف. وتعليم الشرائع، فكان إرسالهم إزاحة للعِلَّة، وتتميماً لإلزام الحُجَّة لئلا يقولوا: لولا أرسلتَ إلينا رسولاً فيوقظنا من سِنَة الغفلة، وينبهنا لما وجب الانتباه له".
وعندما تكلم عن الآية الثانية نراه يستشعر مثل ما استشعر فى الآية الأولى، ويسأل ويجيب بمثل ما سأل عنه وأجاب به فى الآية الأولى فيقول: "فإن قلت: الحُجَّة لازمة لهم قبل بعثة الرسل، لأن معهم أدلة العقل التى بها يُعرف الله، وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه، واستيجابهم العذاب لإغفالهم النظر فيما معهم، وكفرهم لذلك، لا لإغفال الشرائع التى لا سبيل إليها إلا بالتوقيف والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان. قلت: بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة، لئلا يقولوا: كنا غافلين فلولا بعثتَ إلينا رسولاً ينبهنا على النظر فى أدلة العقل".
* *
* انتصار لمعتقد المعتزلة فى السحر:
ثم إن الزمخشرى - كغيره من المعتزلة - لا يقول بالسحر ولا يعتقد فى السَحَرة، ولهذا نجده عندما يفسِّر سورة الفلق التى تشهد لأهل السُّنَّة ولا تشهد له، لا تخونه مهارته، ولا تعوزه الحيلة التى يخرج بها فى تفسيره من هذه الورطة الصريحة، كما نجده يشدِّد النكير ويغرق فى الاستهزاء والسخرية بأهل السُّنَّة القائلين بحقيقة السحر، وذلك حيث يقول: "النفَّاثات: النساء أو النفوس، أو الجماعات السواحر، اللاتى يعقدن عُقَداً فى الخيوط، وينفثن عليها ويرقين. والنفث: النفخ من
стр. 319
ريق. ولا تأثير لذلك، اللَّهم إلا إذا كان ثَمَّ إطعام شئ ضار، أو سقيه، أو إشمامه، أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه، ولكن الله ، قد يفعل عند ذلك فعلاً على سبيل الامتحان الذى يتميز به الثبت على الحق، من الحشوية والجهلة من العوام، فينسبه الحشو والرعاع إليهن وإلى نفثهن، والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبأون به. فإن قلت: فما معنى الاستعاذة من شرِّهن؟ قلت: فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يُستعاذ من عملهن الذى هو صنعة السحر ومن إثمهن فى ذلك.
والثانى: أن يُستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وما يخدعنهم به من باطلهن.
والثالث: أن يُستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن.
ويجوز أن يُراد بهن النساء الكيَّادات من قوله: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] تشبيهاً لكيدهن بالسحر والنفث فى العُقَد، أو اللاتى يفتنَّ الرجال بتعرضهن لهم وعرضهن محاسنهن، كأنهن يسحرنهم بذلك".
وفى الحق أن هذه محاولة عقلية عنيفة من الزمخشرى يريد من ورائها أن يحوِّل الحقائق التى ورد بوقوعها الكتاب والسُّنَّة. إلى ما يتناسب مع هواه وعقيدته. ولقد دهش ابن المنير من هذه المحاولة وحكم على الزمخشرى بأنه: "استفزَّه الهوى حتى أنكر ما عُرِف، وما به إلا أن يتبع اعتزاله، ويغطى بكفه وجه الغزالة".
* *
* انتصاره لمذهب المعتزلة فى حرية الإرادة وخلق الأفعال:
ولقد تأثر الزمخشرى برأيه الاعتزالى فى حرية الإرادة وخلق الأفعال، ولكنه وجد ما يصادمه من الآيات الصريحة فى أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى، فأراد أن يتفادى هذا التصادم ويعمل على الخروج من هذه الورطة الكبرى، فساعده على ما أراد هذا المعنى الذى تمسك به المعتزلة ونفعهم فى كثير من المواضع. وهو "اللُّطف" من الله، فباللُّطف منه تعالى يسهل عمل الخير على الإنسان، وبسلبه يصعب عليه عمل الخير.
هذا "اللُّطف" وما يتصل به من "التوفيق" ساعد الزمخشرى على الخروج من الضائقة التى صادفته عندما تناول بالتفسير تلك الآيات القرآنية الصريحة فى أن الله يخلق أفعال العباد خيرها وشرها، والتى يعتبرها أهل السُّنَّة سلاحاً قوياً لهم ضد هذه النظرية الاعتزالية.
ففى سورة آل عمران عند قوله تعالى فى الآية [٨] : ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ .. نجد الزمخشرى يستشعر من هذه الآية أن قلوب العباد بيد الله يقلبها كيف
стр. 320
يشاء، فمَن أراد الله هدايته هداه، ومَن أراد ضلاله أضله، ولكنه يفر من هذا الظاهر فيقول: ﴿لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ وأرشدتنا لدينك. أو لا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفتَ بنا".
وفى سورة المائدة عند قوله تعالى فى الآية [٤١] : ﴿وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً أولائك الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .. نجد الزمخشرى لا يجزع من هذا الظاهر الذى يتشبث به أهل السُّنَّة ويتيهون به على خصومهم، بل نراه يفسِّرها حسب هواه ووفق مبدئه فيقول: ﴿وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ﴾ تركه مفتوناً وخذلاناً.. ﴿فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً﴾ فلن نستطيع له من لطف الله وتوفيقه شيئاً، أولئك الذين لم يُرد الله أن يمنحهم من ألطافه ما يُطَهِّر به قلوبهم، لأنهم ليسوا من أهلها، لعلمه أنهم لا تنفع فيهم ولا تنجع: ﴿إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله لاَ يَهْدِيهِمُ الله﴾ [النحل: ١٠٤] .. ﴿كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] .
وهكذا نجد الزمخشرى بواسطة هذه التأويلات يُخْضِع لمبدئه الاعتزالى فى الجبر والاختيار مثل هذه المواضع القرآنية التى لم تكن طيَّعة له. ولكن ابن المنير السكندرى لم ترقه هذه التأويلات، ولم يُسَلِّم بها لخصمه، فأخذ يناقشه فى معنى اللُّطف مناقشة حادة ساخرة، فعندما تكلم الزمخشرى عن قوله تعالى فى الآية [٢٧٢] من سورة البقرة: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولاكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ وتذرع بلفظ "اللُّطف" تعقبه ابن المنير فقال: "المعتقَد الصحيح، أن الله هو الذى يخلق الهدى لمن يشاء هداه، وذلك هو اللُّطف، لا كما يزعم الزمخشرى أن الهدى ليس خلقا لله إنما العبد يخلقه لنفسه، وإن أطلق الله تعالى إضافة الهدى إليه كما فى الآية فهو مؤوَّل - على زعم الزمخشرى - بلطف الله الحامل للعبد على أن يخلق هداه. إن هذا إلا اختلاق. وهذه النزعة من توابع معتقدهم السئ فى خلق الأفعال، وليس علينا هداهم، ولكن الله يهدى من يشاء، وهو المسئول ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا".
وعندما تكلَّم الزمخشرى عن قوله تعالى فى الآية [٣٩] من سورة الأنعام: ﴿مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ، وقال: ﴿مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ﴾ .. أى يخذله ويخله وضلاله لم يلطف به، لأنه ليس من أهل اللُّطف. ﴿وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أى يلطف به، لأن اللُّطف يجدى عليه. عندما قال ذلك تعقبه ابن المنير فقال: "وهذا من تحريفاته للهداية والضلالة اتباعاً لمعتقده الفاسد فى أن
стр. 321
الله تعالى لا يخلق الهدى ولا الضلال، وأنهما من جملة مخلوقات العباد. وكم تخرق عليه هذه العقيدة فيروم أن يرقعها، وقد اتسع الخرق على الراقع".
وعندما تكلم الزمخشرى عن قوله تعالى فى الآية [٤٣] من سورة الأعراف: ﴿وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهاذا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله﴾ وتأوَّل الهداية هنا بمعنى اللُّطف والتوفيق كعادته. تعقبه ابن المنير وردّ عليه رداً فى غاية التهكم والسخرية فقال: "وهذه الآية - يعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله﴾ - تكفح وجوه القدرية بالرد، فإنها شاهدة شهادة تامة مؤكدة باللام على أن المهتدى مَنْ خلق الله له الهدى، وأن غير ذلك محال أن يكون، فلا يهتدى إلا مَن هدى الله ولو لم يهده لم يهتد، وأما القدرية فيزعمون أن كل مهتد خلق لنفسه الهدى فهو إذن مهتد وإن لم يهده الله، إذ هدى الله للعبد خلق الهدى له، وفى زعمهم أن الله تعالى لم يخلق لأحد من المهتدين الهدى ولا يتوقف ذلك على خلقه. تعالى الله عما يقولون. ولما فطن الزمخشرى لذلك جرى على عادته فى تحريف الهدى من الله تعالى إلى اللُّطف الذى بسببه يخلق العبد الاهتداء لنفسه. فأنصِف من نفسك، واعرِض قول القائل: المهتدى مَن اهتدى بنفسه من غير أن يهديه الله - أى يخلق له الهدى - على قوله تعالى حكاية عن قول الموَحِّدين فى دار الحق: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله﴾ .. وانظر تباين هذين القولين - أعنى قول المعتزلى فى الدنيا وقول الموَحِّد فى الآخرة فى مقعد صدق - واختر لنفسك أى الفريقين تقتدى به. وما أراك - والخطاب لكل عاقل - تعدل بهذا القول المحكى عن أولياء الله فى دار الإسلام منوهاً به فى الكتاب العزيز، قول قدرى ضال تذبذب مع هواه وتعصبه فى دار الغرور والزوال. نسأل الله حُسْن المآب والمآل".
* *
* خصومة العقيدة بين الزمخشرى وأهل السُّنَّة:
ومن أجل هذا الخلاف العقيدى بين الزمخشرى وأهل السُّنَّة، نجد الخصومة بينهم حادة عنيفة، كل يتهم خصمه بالزيغ والضلال، ويرميه بأوصاف يسلكه بها فى قرن واحد مع الكفرة الفجرة، وتلك - على ما أعتقد - مبالغة مُسِفَّة فى الخصومة - ما كان ينبغى لأحد الخصمين أن يخوض فيها على هذا الوجه. وبخاصة بعد ما عُرِف من أن كليهما يهدف إلى تنزيه الله عما لا يليق بكماله. وإليك بعض الحملات التى وجهها كل من الخصمين إلى الآخر، لتلمس بنفسك مبلغ هذه الخصومة وتحكم عليها:
* ح
стр. 322
ملة الزمخشرى على أهل السُّنَّة:
هذا.. وإن المتتبع لما فى الكشَّاف من الجدل المذهبى، ليجد أن الزمخشرى قد مزجه فى الغالب بشئ من المبالغة فى السخرية والاستهزاء بأهل السُّنَّة، فهو لا يكاد يدع فرصة تمر بدون أن يُحقِّرهم ويرميهم بالأوصاف المقذعة، فتارة يسميهم المجبرة، وأخرى يسميهم الحشوية، وثالثة يسميهم المشبهة، وأحياناً يسميهم القدرية، تلك التسمية التى أطلقها أهل السُّنَّة على منكرى القَدَر، فرماهم بها الزمخشرى لأنهم يؤمنون بالقَدَر، كما جعل حديث الرسول الذى حكم فيه على القدرية أنهم مجوس هذه الأُمة مُنصَّباً عليهم، وذلك حيث قال عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٧] من سورة فصلت: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ العذاب الهون بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ : "ولو لم يكن فى القرآن حُجَّة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيها ﷺ وكفى به شاهداً - إلا هذه الآية لكفى بها حُجَّة".
كما سمَّاهم بهذا الاسم ورماهم بأنهم يحيون لياليهم فى تحمل فاحشة ينسبونها إلى الله تعالى، حيث قال عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٩، ١٠] من سورة الشمس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ : "وأما قول مَن زعم أن الضمير فى "زَكّى" و "دَسَّى" لله تعالى، وأن تأنيث الراجع إلى "مَنْ" لأنه فى معنى النفس، فمن تعكس القدرية الذين يوركون على الله قَدَراً هو برئ منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم فى تمحل الفاحشة ينسبونها إليه".
والظاهرة العجيبة فى خصومة الزمخشرى، أنه يحرص كل الحرص على أن يُحوِّل الآيات القرآنية التى وردت فى حق الكفار إلى ناحية مخالفيه فى العقيدة من أهل السُّنَّة، ففى سورة آل عمران حيث يقول الله تعالى فى الآية [١٠٥] : ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ البينات﴾ .. نجد الزمخشرى بعد ما يعترف بأن الآية واردة فى حق اليهود والنصارى، يُجَوِّز أن تكون واردة فى حق مبتدعى هذه الأُمة، وينص على أنهم المشبهة، والمجبرة، والحشوية، وأشباههم.
وفى سورة يونس حيث يقول الله تعالى فى الآية [٣٩] : ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ .. يقول: "بل سارعوا إلى التكذيب وفاجأوه فى بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كُنْهَ أمره، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله
стр. 323
ومعانيه، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم. وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم، كالناشئ على التقليد من الحشوية، إذا أحس بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه - وإن كان أضوأ من الشمس فى ظهور الصحة وبيان الاستقامة - أنكرها فى أول وهلة، واشمأز منها قبل أن يحسن إدراكها بحاسة سمعه من غير فكر فى صحة أو فساد، لأنه لم يُشعر قلبه إلا صحة مذهبه وفساد ما عداه من المذاهب".
ولقد أظهر الزمخشرى تعصباً قوياً للمعتزلة، إلى حد جعله يُخرج خصومه السُّنِّيين من دين الله وهو الإسلام، وذلك حيث يقول عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٨] من سورة آل عمران: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إلاه إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم﴾ .. الآية: "فإن قلت: ما المراد بـ "أُولى العلم" الذين عظَّمهم هذا التعظيم، حيث جمعهم معهْ ومع الملائكة فى الشهادة على وحدانيته وعدله؟ قلت: هم الذين يُثبتون وحدانيته وعدله بالحجج والبراهين القاطعة، وهم علماء العدل والتوحيد - يريد أهل مذهبه - فإن قلت: ما فائدة هذا التوكيد؟ - يعنى فى قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩] .. قلت: فائدته أن قوله: ﴿لاَ إلاه إِلاَّ هُوَ﴾ توحيد. وقوله: ﴿قَآئِمَاً بالقسط﴾ تعديل، فإذا أردفه قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ فقد آذن أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وهو الدين عند الله، وما عداه فليس عنده فى شئ من الدين. وفيه أن مَن ذهب إلى تشبيه أو ما يؤدى إليه كإجازة الرؤية، أو ذهب إلى الجبر الذى هو محض الجَوْر، لم يكن على دين الله الذى هو الإسلام. وهذا بيِّنٌ جَلِىٌ كما ترى".
هذه بعض الأمثلة التى يتجلى فيها تعصب الزمخشرى لمذهبه الاعتزالى، وانتصاره له. ويتضح منها مبلغ إيغاله فى الخصومة، ومقدار حملته على أهل السُّنَّة، وهناك غيرها كثير مما أثار عليه خصومه من السُّنِّيين، فتعقبوه بالمناقشة والتفنيد، وردوا بشكل حاسم على ما أورده فى كشّافه من استنتاجات اعتقادية. من آى القرآن الكريم، وقالوا: إنها جافة وقائمة على الرأى الطليق.
ومع ذلك لم يجحدوا ما كان للزمخشرى من أثر محمود فى التفسير، فنراهم - على ما بينهم وبينه من خصومه، ورغم ما سيمر بك من حملاتهم عليه - يُقَدِّرون إلى حد بعيد ما كان له من مجهود خاص فى عمله التفسيرى الذى يرجع إلى الناحية البلاغية واللُّغوية، كما نراهم فى الغالب يسطون على كتابه ويأخذون منه ما يعجبون به ويرون أنه عزيز المنال إلا على الزمخشرى.
*
стр. 324
* حملة ابن القيم على الزمخشرى:
فهذا هو العلاَّمة ابن القيم، كثيراً ما يثور على الزمخشرى من أجل تفسيره الاعتزالى.
فمثلاً نراه يذكر ما فَسَّرَ به الزمخشرى قوله تعالى فى الآية [١٧٦] من سورة الأعراف: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ولاكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض واتبع هَوَاهُ﴾ .. ثم يقول: "فهذا منه شنشنة نعرفها من قَدَرى نافٍ للمشيئة العامة، مبعد للنجعة فى جعل الكلام الله معتزلياً قدرياً".
*
* حملة ابن المنير على الزمخشرى:
ومن الذين خصصوا جهودهم للكشَّاف بعد قرون من ظهوره، قاضى الإسكندرية، أحمد بن محمد بن منصور المنير المالكى، فقد كتب عليه حاشية خاصة سماها "الانتصاف" ناقش فيها الزمخشرى وجادله فى بعض ما جاء فى كشَّافه من أعاريب وغيرها، ولكنه ركز مجهوده العظيم فى بيان ما تضمنه من الاعتزال، وإبطال ما فيه من تأويلات تتناسب مع مذهب الزمخشرى وتتفق مع هواه.
ويظهر أن القاضى المالكى كان يميل بوجه عام إلى الجدال والنقاش، فقد قيل: إنه كان بصدد أن يرد على كتب الإمام الغزالى، تلك الكتب التى لم تكن مقبولة عند المالكية، ولم يصرفه عن قصده إلا أُمه التى لم يطب خاطرها بهذه الحرب التى يثيرها ابنها ضد الموتى كما أثارها ضد الأحياء، ولكنه مع ذلك فعل هذا مع الزمخشرى، واعتقد أنه بعمله هذا قد ثار لأهل السُّنَّة من أهل البدعة، وقد صرَّح بذلك حيث توجَّه باللوم للزمخشرى على تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٢٣، ٢٤] ُ من سورة آل عمران: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب يُدْعَوْنَ إلى كِتَابِ الله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ * ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ ..
فقال: "فانظر إليه كيف أشحن قلبه بغضاً لأهل السُّنَّة وشقاقاً، وكيف ملأ الأرض من هذه النزعات نفاقاًَ، فالحمد لله الذى أهَّل عبده الفقير إلى التورك عليه، لأن آخذ من أهل البدعة بثأر أهل السُّنَّة، فأصمى أفئدتهم من قواطع البراهين بمقومات الأسِّنة".
كما اعتقد أنه أدَّى للمسلمين وللإسلام خدمة عظيمة، كافية لأن تقوم له عذراً أمام الله وأمام الناس عن تخلفه عن الخروج للغزو والجهاد فى سبيل الله وذلك حيث يقول بعد تعقيبه على الزمخشرى فى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٢٢] من سورة
стр. 325
التوبة: ﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ .. قال أحمد: ولا أجد فى تأخرى عن حضور الغزاة عذراً إلا صرف الهمة لتحرير هذا المُصنَّف، فإنى تفقهَّتُ فى أصل الدين وقواعد العقائد مؤيداً بآيات الكتاب العزيز، مع ما اشتمل عليه من صيانة حوزتها من مكايد أهل البدع والأهواء، وأنا مع ذلك أرجو من الله حُسْن التوجه. بلَّغنا الله الخير، ووفَّقنا لما يرضيه، وجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم".
وابن المنير - مع شدة خصومته للزمخشرى - لا ينسى ما له من أثر طيب فى التفسير - فكثيراً ما يُبدى إعجابه به، لتنويهه بأساليب القرآن العجيبة التى تنادى بأنه ليس من كلام البَشر.. وكثيراً ما يعترف - بتقدير كبير وفى عدالة واعتدال - بتحليلاته اللُّغوية، ونكاته البلاغية.
فمثلاً عندما تعقَّب تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٩١] من سورة الأنعام: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَآءَ بِهِ موسى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تعلموا أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ .. نجده يقول: "وهذا أيضاً من دقة نظره فى الكتاب العزيز والعمق فى آثار معانده، وإبراز محاسنه".
وفى سورة يونس عند قوله تعالى فى الآية [١١] : ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير﴾ .. الآية، نجده يثنى على تفسيره لها فيقول: "وهذا أيضاً من تنبيهات الزمخشرى الحسنة التى تقوم على دقة نظره".
وفى سورة هود عند قوله تعالى فى الآية [٩١] : ﴿قَالُواْ ياشعيب مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ .. أثنى على تفسيره لقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً﴾ .. فقال: "وهذا من محاسن نكته الدالة على أنه كان ملياً بالحذاقة فى علم البيان".
وعندما بيَّن الزمخشرى سر التعبير بقوله تعالى فى الآية [٥١] من سورة النحل: ﴿وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلاهين اثنين﴾ .. قال ابن المنير معترفاً بدقة الزمخشرى وبراعته: "وهذا الفصل من حسناته التى لا يُدافع عنها".
ومع كل هذا الاعتراف، فإن ابن المنير يلاحظ على الزمخشرى - أحياناً - أنه سئ
стр. 326
النية فيما يقول: فمن ذلك أن الزمخشرى لما تكلم عن قوله تعالى فى الآية [٣٣] من سورة الرعد: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأرض أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القول﴾ .. وختم تفسيره للآية بقوله: "وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التى ورد عليها، مناد على نفسه بلسان طلق ذلق: أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه. فتبارك الله أحسن الخالقين" لما قال الزمخشرى هذه المقالة، لم يتركها ابن المنير تمر بدون أن يُنبِّه على ما فيها فقال: "هذه الخاتمة كلمة حق أراد بها باطلاً، لأنه يُعَرِّض فيها بخلق القرآن، فتنبه لها. وما أسرع المُطالع لهذا الفصل أن يمر على لسانه وقلبه ويستحسنه، وهو غافل عما تحته، لولا هذا التنبيه والإيقاظ".
وفى الوقت نفسه لم يترك ابن المنير فرصة تمر بدون أن يكيل للزمخشرى بمثل كيله من الإقذاع فى القول والسخرية به وبأمثاله من المعتزلة، فنراه يرد هجمات الزمخشرى التى يشنها على أهل السُّنَّة بعبارات شديدة يوجهها إلى الزمخشرى وأصحابه، مع تحقيره له ولهم، واستبشاعه لتفسيره وتفسيرهم.
فمثلاً فى سورة آل عمران عندما تكلم الزمخشرى عن قوله تعالى فى الآية [١٨] : ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إلاه إِلاَّ هُوَ﴾ .. الآية، ونوَّه بأنه وأصحابه أهل العدل والتوحيد، وأنهم أُولوا العلم المرادون بالآية، وصرَّح - أو كاد - بخروج أهل السُّنَّة من مِلَّة الإسلام. عندما تكلم الزمخشرى بهذا كله، عقَّب عليه ابن المنير بتهكمه اللاذع، وسخريته الفاضحة فقال: "وهذا تعريض بخروج أهل السُّنَّة من رِبقة الإسلام، بل تصريح، وما ينقم منهم إلا أن صدَّقوا وعد الله عباده المكرمين على لسان نبيهم الكريم ﷺ بأنهم يرون ربهم كالقمر ليلة البدر لا يُضامون فى رؤيته، ولأنهم وحَّدوا الله حق توحيده، فشهدوا أنْ لا إله إلا هو، ولا خالق لهم ولأفعالهم إلا هو، واقتصروا على أن نسبوا لأنفسهم قدرة تقارن فعلهم، لا خلق لها ولا تأثير غير التمييز بين أفعالهم الاختيارية والاضطرارية. وتلك هى المُعَبَّرُ عنه شرعاً بالكسب فى مثل قوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] .
هذا إيمان القوم وتوحيدهم، لا كقوم يغيرون فى وجه النصوص، فيجحدون الرؤية التى يظهر أن جحدهم لها سبب فى حرمانهم إياها، ويجعلون أنفسهم الخسيسة شريكة لله فى مخلوقاته، فيزعمون أنهم يخلقون لأنفسهم بما شاءوا من أفعال على خلاف مشيئة ربهم، محادة ومعاندة لله فى مُلكه، ثم بعد ذلك يتسترون بتسمية
стр. 327
أنفسهم: أهل العدل والتوحيد، والله أعلم بمن اتقى، وَلَجَبْرٌ خيرٌ من إشراك، إن كان أهل السُّنَّة مجبرة فأنا أول المجبِّرين.
ولو نظرت أيها الزمخشرى بين الإنصاف إلى جهالة القدرية وضلالها لانبعثتَ إلى حدائق السُّنَّة وظلالها، ولخرجتَ من مزالق البدع ومزَّالها - ولكن كره الله انبعاثهم - ولعلمتَ أى الفريقين أحق بالأمن، وأولى بالدخول فى أُولى العلم المقرونين فى التوحيد بالملائكة المشرفين بعطفهم على اسم الله ".
وفى سورة المائدة عند قوله تعالى فى الآية [٤١] : ﴿وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً أولائك الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ .. الآية، نراه يُمعن فى السخرية من المعتزلة، ويغرق فى النكير على تفسير الزمخشرى لهذه الآية. وذلك حيث يقول: "كم يتلجلج والحق أبلج. هذه الآية - كما تراها - منطبقة على عقيدة أهل السُّنَّة فى أن الله تعالى أراد الفتنة من المفتونين، ولم يرد أن يُطَهِّر قلوبهم من دنس الفتنة ووضر الكفر، لا كما تزعم المعتزلة من أنه تعالى ما أراد الفتنة من أحد، وأراد من كل أحد الإيمان وطهارة القلب، وأن الواقع من الفتن على خلاف إرادته، وأن غير الواقع من طهارة قلوب الكفار مراد، ولكن لم يقع، فحسبهم هذه الآية وأمثالها - لو أراد الله أن يطهر قلوبهم من وضر البدع: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: ٢٤] .
وما أبشع صرف الزمخشرى هذه الآية عن ظاهرها بقوله: لم يرد الله أن يمنحهم ألطافه، لعلمه أن ألطافه لا تنجع فيهم ولا تنفع، فلطف مَن ينفع؟ وإرادة مَن تنجع؟ وليس وراء الله للمرء مطمع".
ولقد يتطرف ابن المنير فيرمى خصومه من المعتزلة بالشرك، ففى سورة يونس عند تفسير الزمخشرى لقوله تعالى فى الآية [٣١] : ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض﴾ ... الآية، نرى ابن المنير يقول: وهذه الآية كافحة لوجوه القدرية، الزاعمين أن الأرزاق منقسمة، فمنها ما رزقه الله للعبد وهو الحلال، ومنها ما رزقه العبد لنفسه وهو الحرام، وهذه الآية ناعية عليهم هذا الشرك الخفى لو سمعوا: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] ..
وإنَّا لنرى ابن المنير يعتمد فى حملاته الساخرة القاسية التى يحملها على الزمخشرى، على ما يعتمد عليه الزمخشرى فى حملاته على أهل السُّنَّة، أو على
стр. 328
الأصح، يأخذ من كلام الزمخشرى نفسه ما يبرر به موقفه الذى وقفه منه للرد على اعتزالاته، فحيث يقول الزمخشرى فى تفسير قوله تعالى فى الآية [٧٣] من سورة التوبة: ﴿ياأيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير﴾ : " ﴿جَاهِدِ الكفار﴾ بالسيف ﴿والمنافقين﴾ بالحُجَّة ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ فى الجهادين جميعاً ولا تحابهم. وكل مَن وُقِفَ منه على فساد فى العقيدة فهذا الحكم ثابت فيه، يُجاهَد بالحُجَّة، وتُستعمل معه الغلظة ما أمكن"، عندما يقول الزمخشرى هذا، ويرمى من ورائه إلى أن الآية شاملة لخصومه من أهل السُّنَّة، نرى ابن المنير يستغل هذا الكلام لنفسه ويقلبه على خصمه المعتزلى فيقول: "الحمد لله الذى أنطقه بالحُجَّة لنا فى إغلاظ عليه أحياناً".
وقد تبدو على ابن المنير علائم البِشْر، وتأخذه نشوة الفرح والسرور، عندما يرى أن الزمخشرى قد ابتعد عن متطرفى المعتزلة، وخالفهم فى بعض آرائهم، وأخذ برأى أهل السُّنَّة ومثل هذا نراه واضحاً عندما فسَّر الزمخشرى قوله تعالى فى الآية [١٨٥] من سورة آل عمران: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ وَما الحياة الدنيا إِلاَّ مَتَاعُ الغرور﴾ .. حيث قال فى تفسير هذه الآية: "فإن قلت: كيف اتصل به - أى بقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت﴾ - ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ .. قلت: اتصاله به على أن كلكم تموتون، ولا بد لكم من الموت، ولا تُوَفَّون أجوركم على طاعاتكم ومعاصيكم عقب موتكم، وإنما تُوَفَّونها يوم قيامكم من القبور. فإن قلت: فهذا يوهم نفى ما يُروى أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. قلت: كلمة التوفية تُزيل هذا الوهم، لأن المعنى أن توفية الأجور وتكميلها يكون ذلك اليوم، وما يكون قبل ذلك فبعض الأجور".
وهنا نرى ابن المنير يعترف بأن الزمخشرى قد أحسن فى مخالفته لأصحابه من المعتزلة، وموافقته لأهل السُّنَّة، فيقول: "هذا - كما ترى - صريح فى اعتقاده حصول بعضها قبل يوم القيامة، وهو المراد بما يكون فى القبر من نعيم وعذاب، ولقد أحسن الزمخشرى فى مخالفة أصحابه فى هذه العقيدة، فإنهم يجحدون عذاب القبر، وها هو قد اعترف به".
* * *
* موقف الزمخشرى من المسائل الفقهية:
هذا.. وإن الزمخشرى ﵀ يتعرض إلى حد ما، وبدون توسع إلى المسائل الفقهية التى تتعلق ببعض الآيات القرآنية، وهو معتدل لا يتعصب لمذهبه الحنفى.
стр. 329
ففى سورة البقرة عند قوله تعالى فى الآية [٢٢٢] : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النسآء فِي المحيض وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين﴾ .. يقول: " ... وبين الفقهاء خلاف فى الاعتزال، فأبو حنيفة وأبو يوسف يوجبان اعتزال ما اشتمل عليه الإزار. ومحمد بن الحسن لا يوجب إلا اعتزال الفَرْج، وروى محمد حديث عائشة رضى الله عنها: أن عبد الله بن عمر سألها: هل يباشر الرجل امرأته وهى حائض؟ فقال: تشد إزارها على سفلتها، ثم ليباشرها إن شاء، وما روى زيد بن أسلم: أن رجلاً سأل النبى ﷺ : ما يحل لى من امرأتى وهى حائض؟ قال: "لتشد عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها"، ثم قال: وهذا قول أبى حنيفة، وقد جاء ما هو أرخص من هذا عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: "يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك". وقرئ "يطَّهرن" بالتشديد، أى يتطهرن، بدليل قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ .. وقرأ عبد الله: "حتى يتطَّهرْن" و "يَطْهرن" بالتخفيف، والتطهر الاغتسال، والطُهر انقطاع دم الحيض. وكلتا القراءتين مما يجب العمل به، فذهب أبو حنيفة إلى أن له أن يقربها فى أكثر الحيض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل وفى أقل الحيض لا يقربها حتى تغتسل أو يمضى عليها وقت صلاة. وذهب الشافعى إلى أنه لا يقربها حتى تَطْهر وتَطَّهر فتجمع بين الأمرين، وهو قول واضح، ويعضده قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ ".
وعندما فَسَّر قوله تعالى فى الآية [٢٣٧] من سورة البقرة: ﴿إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح﴾ .. قال: "والذى بيده عقدة النكاح الولى، يعنى إلا أن تعفو المطلقَّات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة: ما رآنى، ولا خدمته، ولا استمتع بى، فكيف آخذ منه شيئاً. أو يعفو الولى الذى يلى عقد نكاحهن، وهو مذهب الشافعى. وقيل هو الزوج وعفوه أن يسوق إليها المهر كاملاً، وهو مذهب أبى حنيفة، والأول ظاهر الصحة".
وفى سورة الطلاق عند قوله تعالى فى الآية [١] : ﴿ياأيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ العدة﴾ .. يقول ما نصه: "فطلقوهن مستقبلات لعدتهن، كقولك: أتيته لليلة بقيت من المحرَّم، أى مستقبلاً لها. وفى قراءة رسول الله ﷺ : "فى قبل عِدَّتهم"، وإذا طُلِّقت المرأة فى الطُهْر المتقدم للقُرْءِ الأول من أقرائها فقد طُلِّقت مستقبلة لعِدَّتها.
والمراد أن يُطَّلقَن فى طُهر لم يُجامَعْنَ فيه، ثم يُخلين حتى تنقضى عدتهن، وهذا أحسن الطلاق، وأدخله فى السُّنَّة، وأبعده من الندم، ويدل عليه ما روى عن إبراهيم
стр. 330
النخعى: أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يستحبون ألاَّ يُطَلِّقوا أزواجهم للسُّنَّة إلا واحدة، ثم لا يُطَلِّقوا غير ذلك حتى تنقضى العِدَّة، وكان أحسن عندهم من أن يُطلِّق الرجل ثلاثاً فى ثلاثة أطهار. وقال مالك بن أنس رضى الله عنه: لا أعرف طلاق السُّنَّة إلا واحدة، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو متفرقة.
وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة فى طُهر واحد، فأما مُفرَّقاً فى الأطهار فلا، لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لابن عمر حيث طلَّق امرأته وهى حائض: "ما هكذا أمرك الله، إنما السُّنَّة أن تستقبل الطُهر استقبالاً، وتُطلِّقها لكل قُرء تطليقه". وروى أنه قال لعمر: "مر ابنك فليراجعها، ثم ليدعها حتى تحيض ثم تطهر، ثم ليُطلِّقها إن شاء، فتلك العِدَّة التى أمر الله أن تُطَّلَق لها النساء".
وعند الشافعى رضى الله عنه لا بأس بإرسال الثلاث، وقال: لا أعرف فى عدد الطلاق سُنَّة ولا بدعة، وهو مباح.
فمالك يراعى فى طلاق السُّنَّة الواحدة والوقت. وأبو حنيفة يراعى التفريق والوقت. والشافعى يراعى الوقت وحده".
* *
* موقف الزمخشرى من الإسرائيليات:
ثم إن الزمخشرى مُقِلٌ من ذكر الروايات الإسرائيلية، وما يذكره من ذلك إما أن يُصَدِّره بلفظ "روى"، المُشعر بضعف الرواية وبُعدها عن الصحة، وأما أن يُفَوِّض علمه إلى الله سبحانه، وهذا فى الغالب يكون عند ذكره للروايات التى لا يلزم من التصديق بها مساس بالدين، وإما أن يُنَبِّه على درجة الرواية ومبلغها من الصحة أو الضعف ولو بطريق الإجمال، وهذا فى الغالب يكون عند الروايات التى لها مساس بالدين وتَعلُّق به.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٥] من سورة النمل: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ .. الآية، نجده يذكر هذه الرواية فيقول: "روى أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجوارى، وحليهم الأساور والأطواق والقرطة، راكبى خيل مغشَّاة بالديباج محلاَّة اللُّجُم والسروج بالذهب المرصَّع بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك فى زِىِّ الغلمان، وألف لَبِنة من ذهب وفضة، وتاجاً مكَّلَلاً بالدُّرِ والياقوت المرتفع والمسك والعنبر، وحُقاً فيه دُرَّة عذراء وجزعة معوجة الثقب، وبعثت رجلين من أشراف قومها: المنذر ابن عمرو، وآخر ذا رأى وعقل، وقالت: إن كان نبياً مَيَّز بين الغلمان والجوارى، وثقب الدُرَّة ثقباً مستوياً، وسلك فى الخرزة خيطا. ثم قالت للمنذر:
стр. 331
إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك، فلا يهولنك، وإن رأيته بَشَّاً لطيفاً فهو نبى. فأقبل الهدهد فأخبر سليمان، فأمر الجن فضربوا لَبِنَ الذهب والفضة، وفرشوه فى ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطاً شُرَفَهُ من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب فى البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان ويساره على اللَّبِن، وأمر بأولاد الجن - وهم خلق كثير - فأُقيموا على اليمين واليسار، ثم قعد على سريره والكراسى من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ، والإنس صفوفاً فراسخ، والوحش والسباع والهوام والطيور كذلك، فلما دنا القوم ونظروا بُهتوا، ورأوا الدواب تروث على اللَّبِن فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ وقال: أين الحُقّ؟ وأخبره جبريْل ﵇ بما فيه، فقال لهم: إن فيه كذا وكذا، ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت فيها فجُعِل رزقها فى الشجرة، وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها ونفذت فيها فجُعِل رزقها فى الفواكه، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله فى الأخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم رَدَّ الهدية وقال للمنذر: ارجع إليهم، فقالت: هو نبى وما لنا به طاقة، فشخصت إليه فى اثنى عشر ألف قَيْلٍ تحت كل قَيْلٍ ألوف".
وفى سورة القصص عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٨] : ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ياأيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إلاه غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين فاجعل لِّي صَرْحاً﴾ .. الآية، قال: "روى أنه لما أمر ببناء الصرح، جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بنَّاء سوى الأتباع والأُجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير، فشيَّده حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، فكان البانى لا يقدر أن يقوم على رأسه يبنى، فبعث الله تعالى جبريل ﵇ عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطَّعه ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، ووقعت قطعة فى البحر، وقطعة فى المغرب ولم يبق أحد من عُمَّاله إلا قد هلك. ويروى فى هذه القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنُشابه إلى السماء، فأراد الله أن يفتنهم، فرُدت إليه ملطوخة بالدم، فقال: قد قتلتُ إلَه موسى، فعندها بعث الله جبريل ﵇ لهدمه، والله أعلم بصحته".
فالقصة الأولى صَدَّرها الزمخشرى بلفظ: "روى" المشعر بضعفها. والقصة الثانية صَدَّرها أيضاً بهذا اللفظ وعَقَّبَ عليها بقوله: "والله أعلم بصحته" مما يَدُل على أنه متشكك فى صحة هذه الرواية. وكِلتا القصتين على فرض صحتهما لا مطعن فيهما
стр. 332
ولا مغمز من ورائها يحلق الدين، ولهذا اكتفى الزمخشرى بما ذكر فى حكمه عليهما.
وفى سورة "ص" عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب﴾ .. الآيات [٢١] وما بعدها إلى آخر القصة نراه يقول: "كان أهل زمان داود ﵇ يسأل بعضهم بعضاً أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته، وكانت لهم عادة فى المواساة بذلك قد اعتادوها - وقد روينا أن الأنصار كانوا يُواسون المهاجرين بمثل ذلك - فاتفق أن عين داود وقعت على امرأة رجل يقال له "أوريا" فأحبها، فسأله النزول له عنها، فاستحيا أن يرده، ففعل، فتزوجها - وهى أم سليمان - فقيل له: إنك مع عظيم منزلتك، وارتفاع مرتبتك وكبر شأنك، وكثرة نسائك، لم يكن ينبغى لك أن تسأل رجلاً ليس له إلا امرأَة واحدة النزول عنها، بل كان الواجب عليك مغالبة هواك، وقهر نفسك، والصبر على ما امتُحنتَ به. وقيل: خطبها "أوريا" ثم خطبها داود فآثره أهلها، فكان ذنبه أن خطب على خِطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه.
وأما ما يُذكر أن داود ﵇، تمنَّى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فقال: يا رب، إن آبائى قد ذهبوا بالخير كله، فأوحى إليه أنهم ابتلوا ببلايا فصبروا عليها، قد ابتُلِىَ إبراهيم بنمروذ وذبح ولده، وإسحاق بذبحه وذهاب بصره، ويعقوب بالحزن على يوسف، فسأل الابتلاء، فأوحى الله إليه: إنك لمبتلىً فى يوم كذا وكذا فاحترس، فلما حان ذلك اليوم، دخل محرابه، وأغلق بابه، وجعل يُصلِّى ويقرأ الزبور، فجاء الشيطان فى صورة حمامة من ذهب، فمدَّ يده ليأخذها لابن له صغير فطارت، فامتد إليها فطارت، فوقعت فى كوّة فتتبعها، فأبصر امرأة جميلة قد نفضت شعرها فغطى بدنها، وهى امرأة أوريا، وهو من غزاة البلقاء، فكتب إلى أيوب بن صوريا - وهو صاحب بعث البلقاء - أن ابعث أوريا وقَدِّمه على التابوت - وكان من يتقدم لا يحل له أن يرجع حتى يفتح الله على يده أو يستشهد - ففتح الله على يده وسلم، فأمر برده مرة أخرى وثالثة حتى قُتِل، فأتاه خبر قتله فلم يحزن كما يحزن على الشهداء، وتزوج امرأته. فهذا ونحوه، مما لا يصح أن يُحَدَّث به عن بعض المتسمين بالصلاح من أفناء المسلمين، فضلاً عن بعض أعلام الأنبياء. وعن سعيد بن المسيب والحارث الأعور: أن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه قال: مَن حَدَّثكم بحديث داود على ما يرويه القُصَّاص، جلدته مائة وستين جَلْدة، وهو حد الفرية على الأنبياء. وروى أنه حُدِّث بذلك عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحق فكذَّب المحدِّث به وقال: إن كانت القصة على ما فى كتاب الله فما ينبغى أن يُلتمس خلافها، وأعظم بأن يقال غير ذلك، وإن كان كما ذكرت وكفَّ الله عنها ستراً على نبيه، فما ينبغى إظهارها عليه،
стр. 333
فقال عمر: لسماعى هذا الكلام أحبُّ إلىّ مما طلعت عليه الشمس. والذى يدل عليه المثل الذى ضربه الله لقصته ﵇ ليس إلا طلبه إلى زوج المرأة أن ينزل عنها فحسب".
فأنت ترى أن الزمخشرى يرتضى قصة النزول عن الزوجة، وقصة الخطبة على الخطبة، ولا يرى فى ذلك إخلالاً بعصمة داود، ولا مساساً بمقام النبوة، ويمثل قصة النزول بما كان من تنازل الأنصار للمهاجرين عن أزواجهم فى مبدأ الهجرة، ويروى أن الآية تدل على ذلك، ولكنه يستنكر القصة الأخيرة، ويذكر فى الأخبار ما يؤكد استبعادها، وذلك لأنه يرى فيها - لو صحَّت - إخلالاً بمقام النبوة، وهدماً لعصمة نبى الله داود ﵇.
كذلك نرى الزمخشرى فى السورة نفسها عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٤] : ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ﴾ .. يقول "قيل: فُتِن سليمان بعد ما مُلِّك عشرين سنة، ومَلَك بعد الفتنة عشرين سنة. وكانت من فتنته: أنه وُلِد له ابن فقالت الشياطين: إن عاش لم ننفك من السخرة، فسبيلنا أن نقتله أو نخبله، فعلم. فكان يغذوه فى السحاب، فما راعه إلا أن أُلقى على كرسيه ميتاً، فتنبه على خطئه فى أن لم يتوكل فيه على ربه، فاستغفر ربه وتاب إليه. وروى عن النبى ﷺ : "قال سليمان: لأطوفنَّ الليلة على سبعين امرأة، كل واحدة تأتى بفارس يجاهد فى سبيل الله - ولم يقل إن شاء الله - فطاف عليهنَّ فلم يحمل إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، والذى نفسى بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا فى سبيل الله فرساناً أجمعون". فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ . وهذا ونحوه مما لا بأس به.
وأما ما يروى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن فى بيت سليمان فالله أعلم بصحته. حكوا أن سليمان بلغه خبر صيدون، وهى مدنية فى بعض الجزائر، وأن بها مَلِكاً عظيم الشأن لا يُقوى عليه لتحصنه بالبحر، فخرج إليه تحمله الريح حتى أناخ بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها، وأصاب بنتاً له اسمها "جرادة". ومن أحسن الناس وجهاً، فاصطفاها لنفسه. وأسلمت، وأحبها. وكانت لا يرقأ دمعها على أبيها، فأمر الشياطين فمثَّلوا لها صورة أبيها فكستها مثل كسوته، وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها، يسجدن له كعادتهنّ فى مُلكه، فأخبر آصف سليمان بذلك، فكسر الصورة، وعاقب المرأة، ثم خرج وحده إلى فَلاةٍ وفُرش له الرماد فجلس عليه تائباً إلى الله متضرعاً. وكانت له أم ولد يقال لها "أمينة" إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع
стр. 334
خاتمه عندها - وكان مُلكه فى خاتمه - فوضعه عندها يوماً، وأتاها الشيطان صاحب البحر - وهو الذى دَلَّ سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس، واسمه "صخر" - على صورة سليمان فقال: يا أمينة، خاتمى، فتختَّم به وجلس على كرسى سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والإنس وغيَّر سليمان من هيئته، فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته، فعرف أن الخطيئة قد أدركته. فكان يدور على البيوت يتكفف، فإذا قال أنا سليمان، حثوا عليه التراب وسبُّوه، ثم عمد إلى السمَّاكين ينقل لهم السمك فيعطونه كل يوم سمكتين فمكث على ذلك أربعين صباحاً عدد ما عُبِد الوثن فى بيته، فأنكر آصف وعظماء بنى إسرائيل حكم الشيطان. وسأل آصف نساء سليمان، فقلن: ما يدع امرأة منا فى دمها ولا يغتسل من جنابة. وقيل: بل نفذ حكمه فى كل شئ إلا فيهن. ثم طار الشيطان وقذف الخاتم. فتختَّم به ووقع ساجداً، ورجع إليه مُلكه، وجاب صخرة لـ "صخر" فجعله فيها، وسدَّ عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص وقذفه فى البحر. وقيل: لما افتتن كان يسقط الخاتم من يده لا يتماسك فيها، فقال له آصف: إنك لمفتون بذنبك. والخاتم لا يقر فى يدك، فتُبْ إلى الله . ولقد أبى العلماء المتقنون قبوله، وقالوا: هذا من أباطيل اليهود، والشياطين لا يتمكون من فعل هذه الأفاعيل، وتسليط الله إياهم على
عباده حتى يقعوا فى تغيير الأحكام، وعلى نساء الأنبياء حتى يفجروا بهن قبيح. وأما اتخاذ التماثيل فيجوز أن تختلف فيه الشرائع، ألا ترى إلى قوله: ﴿مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: ١٣] .. وأما السجود للصورة فلا يُظَن بنبى الله أن يأذن فيه، وإذا كان بغير علمه فلا عليه".
وجَلِىُّ أن الزمخشرى قد صرَّح بجواز الروايتين (الأولى والثانية) ورأى أنه لا بأس من وقوع إحداهما، ولكنه فَنَّدَ الرواية الأخيرة - رواية صخر المارد - وبَيَّنَ أنها تُذْهِب بعصمة الأنبياء، ولا تتفق وقواعد الشريعة.
... وهكذا لم يقع الزمخشرى فيما وقع فيه غيره من المفسِّرين من الاغترار بالقَصص الإسرائيلى والأخبار المختلفة المصنوعة، وهذه محمدة أخرى لهذا المفسِّر الكبير تُحمَد له ويُشكَر عليها.
وبعد.. فهذه الكتب الثلاثة: تنزيه القرآن عن المطاعن، وأمالى الشريف المرتضى، وكشَّاف الزمخشرى، هى كل ما وصل إلى أيدينا من تراث المعتزلة ومؤلفاتهم فى التفسير، وهى وإن كانت قليلة بالنسبة لما لم تنله أيدينا من تفاسير المعتزلة، يمكن أن تكون تعويضاً مقبولاً إلى حد كبير عن التفاسير التى طوتها يد النسيان، وأدرجتها
стр. 335
فى غضون الزمن السحيق. وهى بعد ذلك تُعتبر أثراً خالداً ومهماً، لا فى تاريخ التفسير الاعتزالى فقط، بل فيه، وفى تاريخ الأدب العربى كذلك، لما تشتمل عليه من بحوث أدبية قيمة، تلقى لنا ضوءاً على ما كان بين الأدب والتفسير من تأثر كل منهما بالآخر وتأثيره فيه. والله أعلم.
* * *
стр. 336
الشيعة وموقفهم من تفسير القرآن الكريم
كلمة إجمالية عن الشيعة وعقائدهم
*كلمة إجمالية عن الشيعة وعقائدهم:
الشيعة في الأصل، هم الذين شايعوا علياً وأهل بيته ووالوهم، وقالوا: إن علياً هو الإمام بعد رسول الله ﷺ ، وإن الخلافة حق له، استحقها بوصية من رسول الله ﷺ ، وهى لا تخرج عنه في حياته، ولا عن أبنائه بعد وفاته، وإن خرجت عنهم فذلك يرجع إلى واحد من أمرين:
أحدهما: أن يغتصب غاصب ظالم هذا الحق لنفسه.
ثانيهما: أن يتخلى صاحب الحق عنه في الظاهر، تقيَّة منه، ودرءاً للشر عن نفسه وعن أتباعه.
وهذا المذهب الشيعي، من أقدم المذاهب الإسلامية، وقد كان مبدأ ظهوره في آخر عهد عثمان رضى الله عنه، ثم نما واتسع على عهد علىّ رضى الله عنه، إذ كان كلما اختلط - رضى الله عنه - بالناس تملكهم العجب، واستولت عليهم الدهشة، مما يظهر لهم من قوة دينه، ومكنون علمه، وعظيم مواهبه، فاستغل الدعاة كل هذا الإعجاب وأخذوا ينشرون مذهبهم بين الناس.
ثم جاء عصر بني أُمية وفيه وقعت المظالم على العلويين، ونزلت بهم محن قاسية، أثارت كامن المحبة لهم، وحرّكت دفين الشفقة عليهم، ورأى الناس في علىّ وذُرِّيته شهداء هذا الظلم الأمور، فاتسع نطاق هذا المذهب الشيعى وكثر أنصاره. ويظهر لنا أن هذا الحب لعلىّ وأهل بيته، وتفضيلهم على مَن سواهم، ليس بالأمر الذي جَدَّ وحدث بعد عصر الصحابة، بل وُجِدَ من الصحابة مَن كان يحب علياً ويرى أنه أفضل من سائر الصحابة، وأنه أَولى بالخلافة من غيره، كعمَّار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وأبى ذر الغفارى، وسلمان الفارسى، وجابر بن عبد الله ... وغيرهم كثير.
غير أن هذا الحب والتفضيل لم يمنع أصحابه من مبايعة الخلفاء الذين سبقوا علياً رضى الله عنه، لعلمهم أن الأمر شورى بينهم، وأن صلاح الإسلام والمسلمين لا بد له من شمل متحد وكلمة مجموعة، كما أن الأمر لم يصل بهم إلى القول بالمبدأ الذى تكاد تتفق عليه كلمة الشيعة، ويرونه قوام مذهبهم وعقيدتهم وهو "أن الإمامة ليست من مصالح العامة التى تُفوَّض إلى نظر الأُمة، ويعين القائم بها بتعيينهم، بل هى ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز للنبى إغفاله ولا تفويضه إلى الأُمة، بل يجب
стр. 337
عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصوماً من الكبائر والصغائر، وأن علياً رضى الله عنه، هو الذى عيَّنه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه".
لم يكن الشيعة جميعاً متفقين فى المذهب، والعقيدة، بل تفرّقت بهم الأهواء فانقسموا إلى فِرَق عِدّة، يرجع أساس اختلافها وانقسامها إلى عاملين قويين، كان لهما كل الأثر تقريباً في تعدد فِرَق الشيعة وتفرق مذاهبهم.
أولهما: اختلافهم فى المبادئ والتعاليم، فمنهم مَن تغالى فى تشيعه وتطرّف فيه إلى حد جعله يلقى على الأئمة نوعاً من التقديس والتعظيم، ويرمى كل مَن خالف علياَ وحزبه بالكفر. ومنهم مَن اعتدل فى تشيعه فاعتقد أحقية الأئمة بالإمامة وخطأ مَن خالفهم، ولكن ليس بالخطأ الذى يصل بصاحبه إلى درجة الكفر.
وثانيهما: الاختلاف فى تعيين الأئمة، وذلك أنهم اتفقوا جميعاً على إمامة علىّ رضى الله عنه، ثم على إمامة ابنه الحسن من بعده، ثم على إمامة الحسين من بعد أخيه. ولما قُتل الحسين على عهد يزيد بن معاوية تعددت وجهة نظر الشيعة فيمن يكون الإمام بعد الحسين رضى الله عنه:
ففريق يرى أن الخلافة بعد قتل الحسين انتقلت إلى أخيه من أبيه، محمد ابن علىّ، المعروف بابن الحنفية، فبايعوه بها.
وفريق ثان: يرى حصر الإمامة فى ولد علىّ من فاطمة، وقد أصبحت بعد قتل الحسين حقاً لأولاد الحسن، لأنه أكبر إخوته فلا يؤثر بها غير أولاده، وهم ينتظرون كبرهم ليبايعوا أرشدهم.
وفريق ثالث: يرى ما يراه الفريق الثانى من حصرها فى ولد علىّ من فاطمة، غاية الأمر أنه يقول: إن الحسن قد تنازل عنها فسقط حق أولاده فيها، وبقيت الإمامة حقاً لأولاد الحسين الذى قُتل من أجلها فهم أولى بالانتظار.
بلغ عدد الفِرَق التي انقسم إليها الشيعة حداً كبيراً من الكثرة، منها مَن تغالى في تشيعه وتجاوز بمعتقداته حد العقل والإيمان، ومنها مَن اعتدل فى تشيعه فلم تبالغ كما بالغ غيرها.
ولست بمستوعب كل هذه الفرق، ولكنى سأقتصر على فرقتين هما: الزيدية ، والإمامية "الإثنا عشرية"، والإسماعيلية، لأنى لم أعثر على مؤلفات فى التفسير لغير هاتين الفرقتين من فرق الشيعة.
* *
الزيدية
أما الزيدية، فهم أتباع زيد بن عليّ بن الحسين رضى الله عنهم، طمحت نفسه إلى
стр. 338
استرداد الخلافة، فخرج على الخليفة الأموى هشام بن عبد الملك، ولكن أتباعه خذلوه وتفرَّقوا عنه فقُتل وصُلب، ثم أُحرق جسده. وقد ورد فى سبب تفرق أصحابه عنه وخذلانهم له "أنه لما اشتد القتال بينه وبين يوسف ابن عمر الثقفى عامل هشام بن عبد الملك، قال الذين بايعوه: ما تقول فى أبى بكر وعمر؟ فقال زيد: اثنى عليهما جدى علىّ، وقال فيهما حسناً، وإنما خروجى على بنى أُمية، فإنهم قاتلوا جدى علياً، وقتلوا جدى حسيناً، فخرجوا عليه ورفضوه، فسُمُّوا رافضة بذلك السبب".
والزيدية أقرب فرق الشيعة إلى الجماعة الإسلامية، إذ أنها لم تغل فى معتقداتها، ولم يُكَفِّر الأكثرون منها أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم ترفع الأئمة إلى مرتبة الإله أو إلى درجة النبيين.
* *
قوام مذهب الزيدية
وقوام مذهب زيد وأتباعه إلى ما قبل طرو التغير عليه والتفرق بين أصحابه، هو ما يأتى:
١- أن الإمام منصوص عليه بالوصف لا بالاسم، وهذه الأوصاف هى: كونه فاطمياً، ورعاً، سخياً، يخرج داعياً الناس لنفسه.
٢- أنه يجوز إمامة المفضول مع وجود مَن هو أفضل منه بتوفر هذه الصفات فيه.
وبنوا على هذا أنه لو وقع اختيار أُولى الحل والعقد على إمام تتوفر فيه هذه الصفات مع وجود مَن تتوفر فيه صحَّت إمامته، ولزمت بَيْعته، ولهذا قالوا بصحة إمامة أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، وعدم تكفير الصحابة ببيعتهما.
ولقد كان من مذهب الزيدية جواز خروج إمامين فى قُطْرين مختلفين لا فى قُطْر واحد، كما كان من مذهبهم أن مرتكب الكبيرة إذا لم يتب فهو مُخَلَّد فى النار، وهذا هو عَيْن مذهب المعتزلة. ويظهر أن هذه العقيدة تسرَّبت من المعتزلة إلى الزيدية فقالوا بها كما قالوا بكثير من مبادئهم. والسر فى ذلك هو أن زيداً ﵀ تتلمذ لواصل بن عطاء، فأخذ عنه آراءه الاعتزالية وقال بها.
غير أن الزيدية لم يدوموا على وحدتهم المذهبية زمناً طويلاً، بل تفرَّقوا واختلفت عقائدهم. وقد ذكر لنا صاحب "المواقف" أنهم تفرَّقوا إلى ثلاث فِرَق، وذكر لكل فرقة خصائصها ومميزاتها وعقائدها، ولا نطيل بذكر ذلك. ومَن أراد الوقوف عليه فليرجع إليه فى موضعه.
* * *
الإمامية
أما الإمامية فهم القائلون بأن النبى ﷺ نص على إمامة علىّ رضى الله عنه نصاً
стр. 339
ظاهراً، لا بطريق التعريض بالوصف كما يقول الزيدية، كما أنهم يحصرون الإمامة بعد علىّ فى ولده من فاطمة رضى الله عنها.
وأصحاب هذا المذهب قد بالغوا فى تشيعهم، وتعدوا حدود العقل والشرع، فكفَّروا الكثير من الصحابة، واعتبروا أبا بكر وعمر مغتصبين للخلافة ظالمين لعلىّ رضى الله عنه، فأوجبوا التبرؤ منهما، ولم يسلم من هذا التطرف إلا نفر قليل، كالعلامة الطبرسى صاحب التفسير.
وقد اتفق الإمامية على إمامة علىّ رضى الله عنه، ثم انتقلت الإمامة إلى ابنه الحسن بالوصية له من أبيه، ثم إلى أخيه الحسين من بعده، ثم إلى ابنه علىّ زين العابدين، ثم إلى ابنه محمد الباقر، ثم إلى ابنه جعفر الصادق، ثم اختلفوا بعد ذلك فى سَوْق الإمامة، وانقسموا إلى فِرَق عدة أشهرها فرقتان: الإمامية الإثنا عشرية ، والإمامية الإسماعيلية.
الإمامية الإثنا عشرية
أما الإمامية الإثنا عشرية، فيرون أن الإمامة بعد جعفر الصادق انتقلت إلى ابنه موسى الكاظم، ثم إلى ابنه علىّ الرضا، ثم إلى ابنه محمد الجواد، ثم إلى ابنه علىّ الهادى، ثم إلى ابنه الحسن العسكرى، ثم إلى ابنه محمد المهدى المنتظر وهو الإمام الثانى عشر، ويزعمون أنه دخل سرداباً فى دار أبيه بـ "سرُ مَن رأى" ولم يعد بعد، وأنه سيخرج فى آخر الزمان، ليملأ الدنيا عدلاً وأمناً، كما مُلئت ظلماً وخوفاً.
وهؤلاء قد جاوزوا الحد فى تقديسهم للأئمة، فزعموا: أن الإمام له صلة روحية بالله كصلة الأنبياء. وقالوا: إن الإيمان بالإمام جزء من الإيمان بالله، وأن مَن مات غير معتقد بالإمام فهو ميت على الكفر، وغير ذلك من اعتقاداتهم الباطلة فى الأئمة.
* *
أشهر تعاليم الإمامية الإثنا عشرية
وأشهر تعاليم الإمامية الإثنا عشرية أمور أربعة: العصمة، والمهدية، والرجعة، والتقية.
أما العصمة: فيقصدون منها أن الأئمة معصومون من الصغائر والكبائر فى كل حياتهم، ولا يجوز عليهم شىء من الخطأ والنسيان.
وأما المهدية: فيقصدون منها الإمام المنتظر الذى يخرج فى آخر الزمان فيملأ الأرض أمناً وعدلاً، بعد أن مُلئت خوفاً وجوراً. وأول مَن قال بهذا هو "كيسان" مولى علىّ بن أبى طالب فى محمد ابن الحنفية. ثم تسرَّبت إلى طوائف الإمامية، فكان لكل منها مهدى منتظر.
стр. 340
وأما الرجعة: فهى عقيدة لازمة لفكرة المهدية، ومعناها: أنه بعد ظهور المهدى المنتظر، يرجع النبى ﷺ إلى الدنيا، ويرجع علىّ، والحسن، والحسين، بل وكل الأئمة، كما يرجع خصومهم، كأبى بكر وعمر، فيُقتص لهؤلاء الأئمة من خصومهم، ثم يموتون جميعاً، ثم يحيون يوم القيامة.
وأما التقية: فمعناها المداراة والمصانعة، وهى مبدأ أساسى عندهم، وجزء من الدين يكتمونه عن الناس، فهى نظام سرى يسيرون على تعاليمه، فيدعون فى الخفاء لإمامهم المختفى ويظهرون الطاعة لمن بيده الأمر، فإذا قويت شوكتهم أعلنوها ثورة مسلحة فى وجه الدولة القائمة الظالمة.
هذه هى أهم تعاليم الإمامية الإثنا عشرية، وهم يستدلون على كل ما يقولون ويعتقدون بأدلة كثيرة، غير أنها لا تُسلَّم لهم، ولا تُثبت مدعاهم. ونحن نمسك عنها وعن ردها خوف الإطالة، وسيمر بك - إن شاء الله تعالى - شىء من ذلك.
* *
الإمامية الاسماعيلية
وأما الإمامية الإسماعيلية، فيرون أن الإمامة بعد جعفر الصادق انتقلت إلى ابنه إسماعيل، بالنص من أبيه على ذلك، قالوا: وفائدة النص مع أنه مات قبل أبيه هو بقاء الإمامة فى عقبه، ثم انتقلت الإمامة من إسماعيل إلى ابنه محمد المكتوم، وهو أول الأئمة المستورين، وبعده تتابع أئمة مستورون إلى أن ظهر بالدعوة الإمام عبد الله المهدى رأس الفاطميين.
ثم إن هؤلاء الإمامية الإسماعيلية لُقِّبوا بسبعة ألقاب، وبعض هذه الألقاب أسماء لبعض فرقهم، وهذه الألقاب هى ما يأتى:
١- الإسماعيلية: لإثباتهم الإمامة لإسماعيل بن جعفر الصادق كما قلناه.
٢- الباطنية: لقولهم بالإمام الباطن أى المستور، أو لقولهم بأن للقرآن ظاهراً وباطناً، والمراد منه باطنه دون ظاهره.
٣- القرامطة: لأن أولهم الذى دعا الناس إلى مذهبهم رجل يقال له "حمدان قرمط".
٤- الحرمية: لإباحتهم المحرَّمات والمحارم.
стр. 341
٥- السبعية: لأنهم زعموا أن النطقاء بالشرائع سبعة: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، ومحمد المهدى المنتظر سابع النطقاء، وبين كل اثنين من النطقاء سبعة أئمة يتممون شريعته، ولا بد فى كل عصر من سبعة بهم يُقتدى وبهم يُهتدى.
٦- البابكية أو الخرمية: لاتباع طائفة منهم "بابك الخرمى" الذى خرج بأذربيجان.
٧- المحمرة: للبسهم الحمرة أيام بابك، أو لتسميتهم المخالفين لهم حميراً.
هذا وسيأتى بعد ما يكشف لنا عن عقيدة هؤلاء الباطنية، عندما نتكلم عن موقفهم من تفسير القرآن الكريم.
وقبل أن أخلص من هذه العُجَالة أسوق لك كلمة أنقلها بنصها عن أبى المظفر الإسفراينى فى كتابه "التبصير فى الدين" قال ﵀:
"واعلم أن الزيدية، والإمامية منهم، يُكَفِّر بعضهم بعضاً، والعداوة بينهم قائمة دائمة، والكيسانية يُعَدون فى الإمامية. واعلم أن جميع مَن ذكرناهم من فِرق الإمامية متفقون على تكفير الصحابة، ويدَّعون أن القرآن قد غُيِّر عما كان، ووقع فيه الزيادة والنقصان من قِبَل الصحابة، ويزعمون أنه قد كان فيه النص على إمامة علىّ فأسقطه الصحابة منه، ويزعمون أنه لا اعتماد على القرآن الآن ولا على شىء من الأخبار المروية عن المصطفى ﷺ ، ويزعمون أنه لا اعتماد على الشريعة التى فى أيدى المسلمين، وينتظرون إماماً يسمونه "المهدى" يخرج ويعلمهم الشريعة، وليسوا على شىء من الدين وليس مقصودهم من هذا الكلام تحقيق الكلام فى الإمامة، ولكن مقصودهم إسقاط كلفة تكليف الشريعة عن أنفسهم حتى يتوسعوا فى استحلال المحرَّمات الشرعية، ويعتذروا عند العوام بما يعدونه من تحريف الشريعة وتغير القرآن من عند الصحابة، ولا مزيد على هذا النوع من الكفر، إذ لا بقاء فيه على شىء من الدين".
* *
موقف الشيعة من تفسير القرآن الكريم
إذا نحن أجلنا النظر فى مذهب الشيعة، وجدنا أصحابه لم يسلموا من التفرق والتحزب والانقسام فى الرأى والعقيدة. فبينا نجد الغلاة الذين رفعوا علياً إلى مرتبة الآلهة فكفروا، نجد المعتدلين الذين يرون علياً أفضل من غيره من الصحابة، وأنه أحق
стр. 342
بالولاية وأولى بها من غيره فحسب، ونجد مَن يقف موقفاً وسطاً بين هؤلاء وهؤلاء، فلا هو يؤلِّه علياً، ولا هو يرى أنه بشر يُخطىء ويُصيب، بل يرى أنه معصوم، وأنه الخليفة بعد رسول الله ﷺ غير منازع ولا مدافع وإن غُلب على أمره واعتُصِبَت الولاية منه.
ولم يقل أمر الشيعة عند حد الانقسام إلى حزبين أو ثلاثة، بل تفرَّقت بهم الأهواء - كما قلنا - إلى حد الكثرة فى التحزب، وكان كل حزب له عقيدة خاصة لا يشاركه فيها غيره، ورأى خاص لا يقول به سواه.
وكان طبيعياً - وكل حزب من هذه الأحزاب يَدَّعى الإسلام، ويعترف بالقرآن ولو فى الجملة - أن يبحث كل عن مستند يستند إليه من القرآن ويحرص كل الحرص على أن يكون القرآن شاهداً له لا عليه، فما وجده من الآيات القرآنية يمكن أن يكون دليلاً على مذهبه تمسك به، وأخذ فى إقامة مذهبه على دعامة منه. وما وجده مخالفاً لمذهبه حاول بكل ما يستطيع أن يجعله موافقاً لا مخالفاً، وإن أدى هذا كله إلى خروج اللفظ القرآنى عن معناه الذى وُضِعَ له وسِيقَ من أجله. وإليك طرفاً من تأويلات هؤلاء الغلاة:
* من تأويلات السبئية:
فمثلاً نجد بعض السبئية يزعم أن علياً فى السحاب، وعلى هذا يُفسِّرون الرعد بأنه صوت علىّ، والبرق بأنه لمعان سَوْطه أو تبسمه، ولهذا كان الواحد منهم إذا سمع صوت الرعد يقول: عليك السلام يا أمير المؤمنين.
كذلك نجد زعيم السبئية يزعم أن محمداً ﷺ سيرجع إلى الحياة الدنيا، وتأوَّل على ذلك قوله تعالى فى الآية [٨٥] من سورة القصص: ﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ﴾ . *
* من تأويلات البيانية:
كذلك نجد بيان بن سمعان التميمى زعيم البيانية، يزعم أنه هو المذكور فى
стр. 343
القرآن بقوله تعالى فى الآية [١٣٨] من سورة آل عمران: ﴿هاذا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ .. ويقول: أنا البيان، وأنا الهدى والموعظة.
كما نراه يزعم أن الله تعالى رجل من نور، وأنه يفنى كله غير وجهه، ويتأوَّل على زعمه هذا قوله تعالى فى الآية [٨٨] من سورة القصص:
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ .. وقوله فى الآيتين [٢٦-٢٧] من سورة الرحمن: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ... ﴾ .
*
* من تأويلات المغيرية:
كذلك نجد المغيرة بن سعيد العجلى زعيم المغيرية يقول: إن الله تعالى لما أراد أن يخلق العالَم تكلَّم بالاسم الأعظم، فطار ذلك الاسم ووقع تاجاً على رأسه، وتأوَّل على ذلك قوله تعالى فى الآية الأولى من سورة الأعلى: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى﴾ ... وزعم أن الاسم الأعلى إنما هو ذلك التاج.
ويزعم المغيرة أيضاً: أن الله تعالى خلق أظلال الناس قبل أجسادهم، فكان أول ما خلق منها ظل محمد ﷺ . وقال: فذلك قوله فى الآية [٨١] من سورة الزخرف: ﴿قُلْ إِن كَانَ للرحمان وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾ .. قال: ثم أرسل ظل محمد إلى أظلال الناس، ثم عرض على السماوات والجبال أن يمنعن علىّ أبى طالب من ظالميه فأبين ذلك، فعرض ذلك على الناس. فأمر عمر أبا بكر أن يتحمل نُصْرة علىّ ومنعه من أعدائه، وأن يغدر به فى الدنيا، وضمن له أن يعينه على الغدر به، على شريطة أن يجعل له الخلافة من بعده، ففعل أبو بكر ذلك. قال: فذلك تأويل قوله فى الآية [٧٢] من سورة الأحزاب: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ .. فزعم أن الظلوم والجهول أبو بكر.
وتأوَّل فى عمر قوله تعالى فى الآية [١٦] من سورة الحشر: ﴿كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكفر فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي برياء مِّنكَ﴾ .. والشيطان عنده عمر.
*
*
стр. 344
من تأويلات المنصورية:
وكذلك نجد أبا منصور العجلى زعيم المنصورية والمعروف بـ "الكِسْف"، يزعم أنه عُرِج به إلى السماء، وأن الله تعالى مسح بيده على رأسه وقال له: يا بنى بلِّغ عنى، ثم أنزله إلى الأرض، وزعم أنه الكِسْف الساقط من السماء المذكور فى قوله تعالى فى الآية [٤٤] من سورة الطور: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ السمآء سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ .
وتأوَّلت هذه الطائفة الجنَّة بأنها رجل أُمِرنا بموالاته وهو الإمام، والنار بالضد، أى رجل أُمِرنا ببغضه وهو ضد الإمام وخصمه كأبى بكر وعمر، وتأوَّلوا الفرائض والمحرَّمات فقالوا: الفرائض أسماء رجال أُمِرنا بموالاتهم، والمحرَّمات أسماء رجال أُمِرنا بمعاداتهم.
*
* من تأويلات الخطابية:
كذلك نجد من الخطابية مَن يتأوَّل الجنَّة بأنها نعيم الدنيا، والنار بأنها آلامها.
ووجدنا منهم مَن يقول: إنه لا يؤمن إلا والله تعالى يُوحى إليه، وعلى هذا المعنى كانوا يتأوَّلون قوله تعالى فى الآية [١٤٥] من سورة آل عمران: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً﴾ .. ويقولون: إن معناه: بوحى من الله، ويقولون: إذا جاز أن يُوحى إلى النحل كما ورد فى قوله تعالى فى الآية [٦٨] من سورة النحل: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ .. لِمَ لا يجوز أن يُوحى إلينا؟.
*
*
стр. 345
من تأويلات العبيدين:
كذلك نجد أبا إسحاق الشاطبى يذكر لنا عن بعض العلماء: أن عبيد الله الشيعى المسمى المهدى، حين ملك إفريقيا واستولى عليها، كان له صاحبان من كتامة ينتصر بهما على أمره.. وكان أحدهما يسمى بـ "نصر الله"، والآخر يسمى بـ "الفتح" فكان يقول لهما: أنتما اللَّذان ذكركما الله فى كتابه فقال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: ١] قالوا: وقد كان عمل ذلك فى آيات من كتاب الله تعالى فبدَّل قوله تعالى فى الآية [١١٠] من سورة آل عمران: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ .. بقوله: "كتامة خير أُمَّة أُخْرِجت للناس".
فأنت ترى أن هؤلاء الغلاة الذين كفروا بما يعتقدون، يجدون فى صرف اللَّفظ القرآنى عن معناه الذى سيق له إلى معنى يتفق مع عقيدتهم، ويتناسب مع أهوائهم ونزعاتهم، وهم بعملهم هذا يُحَمِّلون القرآن ما لا يحتمله، ويقولون على الله بغير علم ولا برهان.
كذلك نجد الإمامية الإثنا عشرية يميلون بالقرآن نحو عقائدهم، ويلوونه حسب أهوائهم ومذاهبهم، وهؤلاء ليس لهم فى تفسيرهم المذهبى مستند صحيح يستندون إليه، ولا دليل سليم يعتمدون عليه، وإنما هى أوهام نشأت عن سلطان العقيدة الزائفة، وخرافات صدرت من عقول عشَّش فيها الباطل وأفرخ، فكان ما كان من خرافات وترهات!!
نعم.. يعتمد الإمامية الإثنا عشرية فى تفسيرهم للقرآن الكريم ونظراتهم إليه، على أشياء لا تعدو أن تكون من قبيل الأوهام والخرافات التى لا توجد إلا فى عقول أصحابها، فمن ذلك الذى يعتمدون عليه ما يأتى:
أولاً: جمع القرآن الكريم وتأويله، وهو كتاب جمع فيه علىّ رضى الله عنه القرآن على ترتيب النزول.
ثانياً: كتاب أملى فيه أمير المؤمنين ﵇ ستين نوعاً من أنواع علوم القرآن، وذكر لكل نوع مثالاً يخصه. ويعتقدون أنه الأصل لكل مَن كتب فى أنواع علوم القرآن، وهم يروون عن علىّ رضى الله عنه هذا الكتاب بطرق عدة، وهو فى أيديهم إلى اليوم، ويبلغ ثلاث عشرة ورقة إلا ربعاً بالقطع الكبير الكامل، كل صفحة منها سبعة وعشرون سطراً.
стр. 346
ثالثاً: الجامعة وهى كتاب طوله سبعون ذراعاً من إملاء رسول الله ﷺ وخط علىّ ﵇، مكتوب على الجلد المسمى بالرق فى عرض الجلد، جُمِعت الجلود بعضها ببعض حتى بلغ طولها سبعين ذراعاً وعدها من مؤلفات علىّ باعتبار أنه كتبها ورتبها من قول رسول الله ﷺ وإملائه. قالوا: وفيها كل حلال وحرام، وكل شئ يحتاج الناس إليه حتى الأرش فى الخدش.
رابعاً: الجفر، وهو غير الجامعة وفيه يقول ابن خلدون: "واعلم أن كتاب الجفر كان أصله أن هارون بن سعد العجلى وهو رأس الزيدية، كان له كتاب يرويه عن جعفر الصادق، وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم، ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص، وقع ذلك لجعفر ونظائره من رجالاتهم، على طريق الكرامة والكشف الذى يقع لمثلهم من الأولياء، وكان مكتوباً عند جعفر فى جلد ثور صغير، فرواه عنه هارون العجلى، وكتبه، وسماه "الجفر" باسم الجلد الذى كُتِب فيه، لأن الجفر فى اللغة هو الصغير، وصار هذا الاسم عَلَماً على هذا الكتاب عندهم، وكان فيه تفسير القرآن وما فى باطنه من غرائب المعانى، مروية عن جعفر الصادق.
وهذا الكتاب لم تتصل روايته، ولا عُرِف عَيْنه، وإنما يظهر منه شواذ من الكلمات لا يصحبها دليل، ولو صح السند إلى جعفر الصادق لكان فيه نِعْمَ المستند من نفسه، أو من رجال قومه، فهم أهل الكرامات".
ويُعرِّف صاحب أعيان الشيعة "الجفر" بأنه كتاب أملاه رسول الله ﷺ على علىّ رضى الله عنه، ويذكر فى ذلك أقوالاً متضاربة ثم يقول بعد فراغه منها: "الظاهر من الأخبار أن الجفر كتاب فيه العلوم النبوية من حلال، وحرام، وأحكام، وأُصول.. ما يحتاج إليه الناس فى أحكام دينهم وما يصلحهم فى دنياهم، والإخبار عن بعض الحوادث، ويمكن أن يكون فيه تفسير بعض المتشابه من القرآن المجيد، ثم ينكر على مَن يستبعد أن يكون الجفر فيه كل هذه العلوم، ويتمثل بقول أبى العلاء المَعرِّى:
لقد عجبوا لأهل البيت لما ... أروهم علمهم فى مسك جفر
ومرآة المنجم وهى صغرى ... أرته كل عامرة وقفر
خامساً: مصحف فاطمة، جاء فى البصائر: "أن أبا عبد الله سأله بعض الأصحاب
стр. 347
عن مصحف فاطمة، فقال: إنكم تبحثون عما تريدون وعما لا تريدون. إن فاطمة مكثت بعد رسول الله ﷺ خمسة وسبعين يوماً، وقد كان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبريل يأتيها ويُحسن عزاءها على أبيها، ويُطِّيب نفسها، ويُخبرها عن أبيها ومكانه، ويُخبرها بما يكون بعدها فى ذُرِّيتها. وكان علىّ ﵇ يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة.
هذه هى أهم الأشياء التى يستند إليها الإمامية الإثنا عشرية فى تفسيرهم لكتاب الله تعالى، وهى كلها أوهام وأباطيل لا ثبوت لها إلا فى عقول الشيعة.. وكيف يكون سائغاً ومقبولاً أن ينبنى تفسير القرآن وفهم معانيه على أوهام وأباطيل؟؟ لهذا نرى العلامة ابن قتيبة يشدد النكير على الشيعة فى تفسيرهم لكتاب الله تعالى فيقول:
"وأعجب من هذا التفسير - يعنى تفسير المعتزلة - تفسير الروافض للقرآن، وما يدَّعونه من علم باطنه بما وقع إليهم من الجفر الذى ذكره هارون بن سعد العجلى، وكان رأس الزيدية فقال:
ألم نر أن الرافضين تفرَّقوا ... فكلهم فى جعفر قال منكرا
فطائفة قالوا: إمام، ومنهم ... طوائف سمَّته النبى المُطهَّرا
ومن عجب لم أقضه جلد جفرهم ... بَرِئتُ إلى الرحمن ممن تجفَّرا
بَرئتُ إلى الرحمن من كان رافض ... بصير بباب الكفر.. فى الدين أعورا
إذا كفَّ أهل الحق عن بدعة مضى ... عليها، وإن يمضوا على الحق قصَّرا
ولو قال: إن الفيل ضبٌ لصدَّقوا ... ولو قال: زنجى تحوَّل أحمرا
وأخلف من بول البعير فإنه ... إذا هو للإقبال وُجِّه أدبرا
فقُبِّح أقوام رموه بفرية ... كما قال فى عيسى الفَرى مَن تنصرا
стр. 348
قال أبو محمد: وهو جلد جفر ادَّعوا أنه كتب فيه لهم الإمام كل ما يحتاجه إلى علمه، وكل ما يكون إلى يوم القيامة، فمن ذلك قولهم فى قول الله : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] : إنه الإمام ورث النبى ﷺ علمه. وقولهم فى قول الله : ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] : إنها عائشة رضى الله عنها، وفى قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: ٧٣] : إنه طلحة والزبير. وقولهم فى الخمر والميسر: إنهما أبو بكر وعمر رضى الله عنهما.. والجبت والطاغوت: إنهما معاوية وعمرو بن العاص.. مع عجائب أرغب عن ذكرها، ويرغب مَن بلغه كتابنا هذا عن استماعها.
وكان بعض أهل الأدب يقول: ما أشبه تفسير الرافضة للقرآن إلا بتأويل رجل من أهل مكة للشعر، فإنه قال ذات يوم: ما سمعتُ بأكذب من بنى تميم، زعموا أن قول القائل:
بيت زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع، وأبو الفوارس نهشل
إنه فى رجال منهم.. قيل له: فما تقول أنت فيهم؟ قال: البيت: بيت الله. وزرارة: الحِجْر، قيل: فمجاشع؟ قال: رمز.. جشعت بالماء. قيل: فأبو الفوارس؟ قال: أبو قبيس، قيل له: فنهشل؟ قال: نهشل.. أشده، وفكر ساعة ثم قال: نهشل: مصباح الكعبة، لأنه طويل أسود، فذلك نهشل.
وهم أكثر البدع اقترافاً ونحلاً، فمنهم قوم يقال لهم البيانية، يُنسبون إلى رجل يقال له "بيان"، قال لهم: إلىّ أشار الله تعالى إذ قال: ﴿هاذا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨] ..
وهم أول مَن قال بخلق القرآن، ومنهم المنصورية، أصحاب أبى منصور الكسْف، وكان قال لأصحابه: فىّ نزل قوله: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ السمآء سَاقِطاً﴾ [الطور: ٤٤] .. ومنهم الخنَّاقون والشدَّاخون، ومنهم الغرَّابية، وهم الذين ذكروا أن علياً رضى الله عنه كان أشبه بالنبى ﷺ من الغراب بالغراب، فتغلط جبريل ﵇ حيث بُعِثَ إلى علىّ لشبهه به.
قال أبو محمد: ولا نعلم فى أهل البدع والأهواء أحداً ادَّعى الربوبية لبَشر غيرهم، فإن عبد الله بن سبأ، ادَّعى الربوبية لعلىّ فأحرق علىُّ أصحابه بالنار، وقال فى ذلك:
стр. 349
لما رأيت الأمر أمراً منكرا ... أججت نارى ودعوت قنبرا
ولا نعلم أحداً ادَّعى النبوة لنفسه غيرهم، فإن المختار بن أبى عبيد ادَّعى النبوة لنفسه، وقال: "إن جبريل وميكائيل يأتيان إلى جهته، فصدَّقه قوم واتبعوه، وهم الكيسانية".
هذا ولا يفوتنا أن نقول: إن هذه الطوائف من الشيعة قد باد معظمها، وأشهر ما بقى منها إلى اليوم ثلاث فِرَق، هى: الإمامية الإثنا عشرية، والإمامية الإسماعيلية - وهم المسمون بالباطنية - والزيدية.
أما الإمامية الإثنا عشرية، فينتشرون اليوم فى بلاد إيران، وبلاد العراق كما يوجد منهم جماعة بالشام.
وأما الإسماعيلية، فينتشرون فى بلاد الهند، كما يوجدون فى نواح أخرى متفرقة، وزعيمهم أغا خان الزعيم الهندى الإسماعيلى المعروف.
وأما الزيدية فيوجدون ببلاد اليمن.
إذن.. فالأجدر بنا أن نمسك عن موقف هذه الفِرَق البائدة من تفسير القرآن، ما دامت قد بادت ولم يبق لها أثر، وما دمنا لم نقف لها على شئ فى التفسير أكثر من هذه النُبَذ المتفرقة التى وجدناها للبعض منهم وجمعناها من بطون الكتب المختلفة.
والذى يستحق عنايتنا وبحثنا بعد ذلك، هو تلك الفِرَق الثلاث التى لا تزال موجودة إلى اليوم، محتفظة بتعاليمها وآرائها. وسنبدأ أولاً بالإمامية الإثنا عشرية، ثم الإمامية الإسماعيلية، ثم بالزيدية، فنقول وبالله التوفيق:
стр. 350
١- موقف الإمامية الإثنا عشرية من تفسير القرآن الكريم
للإمامية الإثنا عشرية معتقدات يدينون بها، وينفردون بها عمن عداهم من طوائف الشيعة. وهم حين يعتقدون هذه المعتقدات لا بد لهم - ما داموا يقرون بالإسلام ويعترفون بالقرآن ولو بوجه ما - أن يقيموا هذه العقائد على دعائم من نصوص القرآن الكريم، وأن يدافعوا عنها بكل ما يمكنهم من سلاح الجدل وقوة الدليل.
* موقفهم من الأئمة وأثر ذلك فى تفسيرهم:
وإذا نحن استعرضنا هذه المعتقدات وجدنا أن أهمها يدور حول أئمتهم، فهم يلقون على الأئمة نوعاً من التقديس والتعظيم، ويرون أن الأئمة "أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحُجَّة الله البالغة على مَن فوق الأرض ومَن تحت الثرى"، ويرون أن الإمامة "زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين".
ولما كان الإمام عندهم فوق أن يُحكم عليه، وفوق الناس فى طينته وتصرفاته، فإنَّا نراهم يعتقدون بأن له صلة روحية بالله تعالى كتلك الصلة التى للأنبياء والرسل، وأنه مُشَرِّع ومُنَقِّذ، وأن الله قد فوَّض النبى والإمام فى الدين، ويروون عن الصادق أنه قال: "إن الله خلق نبيه على أحسن أدب وأرشد عقل، ثم أدَّب نبيه فأحسن تأديبه فقال: ﴿خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين﴾ [الأعراف: ١٩٩] .. ثم أثنى الله عليه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] .. ثم بعد ذلك فوَّض إليه دينه، فوَّض إليه التشريع فقال: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] ، و ﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [النساء: ٨٠] .. والله فوَّض دينه إلى نبيه. ثم إن نبى الله فوَّض كل ذلك إلى علىّ وأولاده سلَّمتم وجحده الناس، فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا، وأن تصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين الله، وما جعل الله لأحد خيراً فى خلاف أمرنا".
وحيث إن الله تعالى خلق النبى وكل إمام بعده على أحسن أدب وأرشد عقل، فلا يختار النبى ولا الإمام إلا ما فيه صلاح وثواب، ولا يخطر بقلب النبى ولا بقلب الإمام ما يخالف مشيئة الله وما يتناقض مصلحة الأُمة، فيفوِّض الله تعيين بعض الأُمور إلى رأى النبى ورأى الإمام، مثل الزيادة فى عدد ركعات الفرض، ومثل تعيين النوافل من
стр. 351
الصلاة والصيام، وذلك إظهاراً لكرامة النبى والإمام، ولم يكن أصل التعيين إلا بالوحى، ثم لم يكن الاختيار إلا بالإلهام، وله فى الشرع شواهد: حرَّم الله الخمر، وحرَّم النبى كل مسكر فأجازه الله، وفرض الله الفرائض ولم يذكر الجد، فجعل النبى للجد السدس، وكان النبى يُبَشِّر ويُعطى الجنَّة على الله ويجيزه الله.
وأيضاً فوَّض الله للنبى والأئمة من بعده أُمور الخلق، وأُمور الإدارة والسياسة من التأديب والتكميل والتعليم، وواجب على الناس طاعتهم فى كل ذلك. قالوا: وهذا حق ثابت دلَّت الأخبار عليه.
وأيضاً فوَّضهم الله تعالى فى البيان، بيان الأحكام والإفتاء وتفسير آيات القرآن وتأويلها، ولهم أن يُبيِّنوا ولهم أن يسكتوا، ولهم فوق ذلك البيان كيفما أرادوا وعلى أى وجه شاءوا، تَقيَّة منهم وعلى حسب الأحوال والمصلحة. والتفويض بهذا المعنى يدَّعون أنه حق ثابت لهم، والأخبار ناطقة به وشاهدة عليه. يقول صاحب الكافى: "سأل ثلاثة من الناس الصادق عن آية واحدة فى كتاب الله فأجاب كل واحد بجواب، أجاب ثلاثة بأجوبة ثلاثة، واختلاف الأجوبة فى مسألة واحدة كان يقع إما على سبيل التقيَّة وإما على سبيل التفويض".
وهناك نوع آخر من التفويض يثبتونه للنبى والأئمة، ذلك هو أن النبى أو الإمام له أن يحكم بظاهر الشريعة، وله أن يترك الظاهر ويحكم بما يراه وما يلهمه الله من الواقع وخالص الحق فى كل واقعة، كما كان لصاحب موسى فى قصة الكهف، وكما وقع لذى القرنين.
ثم كان من توابع هذه العقيدة التى يعتقدونها فى أئمتهم أن قالوا بعصمة الأئمة، وقالوا بالمهدى المنتظر، وقالوا بالرجعة، وقالوا بالتَقيَّة، وهذه كلها عقائد رسخت فى أذهانهم وتمكنت من عقولهم، فأخذوا بعد هذا ينظرون إلى القرآن الكريم من خلال هذه العقائد ففسَّروا القرآن وفقاً لهواهم، وفهموا نصوصه وتأوَّلوها حسبما تمليه عليهم العقيدة ويزينه لهم الهوى.. وهذا تفسير بالرأى المذموم، تفسير مَن اعتقد أولاً، ثم فسَّر ثانياً بعد أن اعتقد.
* *
* تأثير الإمامية الإثنا عشرية بآراء المعتزلة وأثر ذلك فى تفسيرهم:
هذا.. وإن الإمامية الإثنا عشرية لهم فى نصوص القرآن التى تتصل بمسائل علم الكلام نظرة تتفق إلى حد كبير مع نظرة المعتزلة إلى هذه النصوص نفسها، ولم يكن بينهم وبين المعتزلة خلاف إلا فى مسائل قليلة، ويظهر أن هذا الارتباط الوثيق الذى كان بين الفريقين راجع إلى تتلمذ الكثير من شيوخ الشيعة وعلمائهم لبعض شيوخ
стр. 352
المعتزلة، كما يظهر لنا جلياً أن هذا الارتباط فى التفكير شئ قديم غير جديد، فالحسن العسكرى، والشريف المرتضى، وأبو على الطبرسى، وغيرهم من قدماء الشيعة، ينظرون هذه النظرة الاعتزالية فى تفاسيرهم التى بأيدينا، والتى تعرَّضنا لبعضها وسنعرض لبعضها الآخر قريباً، بل إننا نجد الشريف المرتضى فى أماليه يحاول محاولة جدية أن يجعل علياً رضى الله عنه معتزلياً أو رأس المعتزلة على الأصح، وقد تقدمت لنا مقالته التى عرضنا لها عند الكلام عن أماليه. وليس من شك فى أن هذه النظرات الاعتزالية كان لها أثر كبير فى تفسيرهم، وسنقف على شئ من ذلك إن شاء الله تعالى.
* *
* تأثرهم بمذاهبهم الفقهية والأُصولية فى تفاسيرهم:
ثم إن الشيعة لهم فى الفقه وأُصوله آراء خالفوا بها مَن سواهم، فمثلاً نجدهم يذكرون أن أدلة الفقه أربعة وهى: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، ودليل العقل. أما الكتاب فلهم رأى فيه سنعرض له فيما بعد.
وأما السَّنَّة فهم غير أمناء عليها ولا ملتزمين ما صح منها، وسنعرض لها فيما بعد أيضاً.
وأما الإجماع فليس حُجَّة بنفسه، وإنما يكون حُجَّة إذا دخل الإمام المعصوم فى المُجْمِعين، أو كان الإجماع كاشفاً عن رأيه فى المسألة، أو كان الإجماع عن دليل معتبر، فهو فى الحقيقة داخل فى الكتاب أو السُّنَّة.
وأما دليل العقل عندهم فلا يدخل فيه القياس، ولا الاستحسان، ولا المصالح المرسلة، لأن ذلك كله ليس حُجَّة عندهم.
وفى الفقه لهم مخالفات يشذون بها، فمثلاً تراهم يقولون: إن فرض الرِجْلين فى الوضوء هو المسح دون الغسل، ولا يجوِّزون المسح على الخفين، وجوَّزوا نكاح المتعة، وجوَّزوا أن تورث الأنبياء، ولهم مخالفات فى نظام الإرث، كإنكارهم للعول مثلاً، ولهم مخالفات كثيرة غير ذلك فى مسائل الاجتهاد.
стр. 353
لهذا كان طبيعياً أن يقف الإمامية الإثنا عشرية من الآيات التى تتعلق بالفقه وأصوله موقفاً فيه تعصب وتعسف، حتى يستطيعوا أن يخضعوا هذه النصوص ويجعلوها أدلة لآرائهم ومذاهبهم، كما كان طبيعياً، أن يتأوَّلوا ما يعارضهم من الآيات والأحاديث. بل ووجدناهم أحياناً يزيدون فى القرآن ما ليس منه ويدَّعون أنه قراءة أهل البيت، وهذا إمعان منهم فى اللجاج، وإغراق فى المخالفة والشذوذ.
* * *
* احتيالهم على تركيز عقائدهم وترويجها:
ويظهر لنا أن الإمامية الإثنا عشرية لم يجدوا فى القرآن كل ما يساعدهم على أغراضهم وميولهم، فراحوا (أولاً) يدَّعون أن القرآن له ظاهر وباطن بل وبواطن كثيرة، وأن علم جميع القرآن عند الأئمة، سواء فى ذلك ما يتعلق بالظواهر وما يتعلق بالبواطن، وحجروا على العقول فمنعوا الناس من القول فى القرآن بغير سماع من أئمتهم.
وراحوا (ثانياً) يدَّعون أن القرآن وارد كُلّه أو جُلّه فى أئمتهم ومواليهم، وفى أعدائهم ومخالفيهم كذلك.
وراحوا (ثالثاً) يدَّعون أن القرآن حُرِّف وبُدِّل عما كان عليه زمن النبى ﷺ ، وكل هذا لا أعتقد إلا أنه من قبيل الاحتيال على تركيز عقائدهم وإيهام الناس أنها مستقاة من القرآن الذى هو المنبع الأساسى والأول للدين.
وأعجب من هذا.. أنهم أخذوا يموِّهون على الناس، ويغرون العامة بما وضعوه من أحاديث على رسول الله ﷺ وعلى أهل بيته، وطعنوا على الصحابة إلا نفراً قليلاً منهم، ورموهم بكل نقيصة فى الدين، ليجدوا لأنفسهم من وراء ذلك ثغرة يخرجون منها عندما تأخذ بخناقهم الأحاديث الصحيحة التى يرويها هؤلاء الصحابة عن رسول الله ﷺ .
ويحسن بنا ألا نمر سراعاً على هذه النقط الأربع بالذات، بل علينا أن نقف أمامها وقفة طويلة ودقيقة حتى نستطيع أن نقف على مدى هذه الأوهام والدعاوى. التى كان لها أكبر الأثر فى اتجاه التفسير عند الإمامية الإثنا عشرية، فنقول وبالله التوفيق:
١ - ظاهر القرآن وباطنه:
يقول الإمامية الإثنا عشرية: إنَّ القرآن له ظاهر وباطن. وهذه حقيقة نقرهم عليها ولا نعارضهم فيها بعد ما صح لدينا من الأحاديث التى تقرر هذا المبدأ فى التفسير، غاية الأمر أن هؤلاء الإمامية لم يقفوا عند هذا الحد. بل تجاوزوا إلى
стр. 354
القول بأن للقرآن سبعة وسبعين بطناً، ولم يقتصروا على ذلك بل تمادوا وادَّعوا أن الله تعالى جعل ظاهر القرآن فى الدعوة إلى التوحيد والنبوة والرسالة، وجعل باطنه فى الدعوة إلى الإمامة والولاية وما يتعلق بهما.
* حرصهم على التوفيق بين ظاهر القرآن وباطنه:
ولقد كان من أثر هذا الرأى فى القرآن، أن اشتد حرص هؤلاء القائلين به على أن يعقدوا صلة بين المعانى الظاهرة والمعانى الباطنة للقرآن، ويعملوا بكل ما فى وسعهم وطاقتهم على إيجاد مناسبة بينهما حتى يُقرِّبوا هذا المبدأ من عقول الناس ويجعلوه أمراً سائغاً مقبولاً. ومن أمثلة هذا التوفيق والربط بين ظاهر القرآن وباطنه، قوله تعالى فى الآية [١٥] من سورة محمد ﵇: ﴿مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات﴾ .. فهم يقرون أن هذا الظاهر مراد الله تعالى، ومراد له مع هذا الظاهر معنى آخر باطنى هو علوم الأئمة ﵈، ويقولون: إن الجامع بين المعنيين هو الانتفاع بكل منهما وبمثل هذا يوفقون بين المعانى الظاهرة والباطنة، حتى لا يكون مستبعداً إرادة الله لمعنى خاص بحسب ما يدل عليه ظاهر اللفظ، وإرادته لمعنى آخر بحسب ما يدل عليه باطن الأمر.
* *
* حملهم الناس على التسليم بما يدَّعون من المعانى الباطنة للقرآن:
وكأنِّى بالإمامية الإثنا عشرية بعد أن ربطوا بين ظاهر القرآن وباطنه، وجمعوا بينهما بجامع التناسب والتشابه.. كأنَّى بهم يعتقدون أن مثل هذا الربط لا يكفى فى حمل الناس على أن يذهبوا مذهبهم هذا، فحاولوا أن يحملوهم عليه من ناحية العقيدة والإرهاب الدينى، الذى يشبه الإرهاب الكَنَسى للعامة فى العصور المظلمة، من حمل الناس على ما يوحون به إليهم بعد أن حظروا عليهم إعمال العقل، وحالوا بينهم وبين حريتهم الفكرية، فقالوا: إن الإنسان يجب عليه أن يؤمن بظاهر القرآن وباطنه على السواء، كما يجب عليه أن يؤمن بمحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، ولا بد أن يكون ذلك على سبيل التفصيل إن وصل إليه علم ذلك مفصَّلاً عن آل البيت، ويكفى فيه الإجمال إن لم يصل إليه التفصيل. قالوا: ولا يجوز أن ينكر الباطن بحال، وعليه أن يُسَلِّمْ بكل ما وصل إليه من ذلك عن طريق آل البيت وإن لم يفهم معناه، ولو أن إنساناً آمن بالظاهر وأنكر الباطن لكفر بذلك، كما لو أنكر الظاهر وآمن بالباطن أو الظاهر والباطن جميعاً.
وحرصاً منهم على تعطيل عقول الناس ومنعهم من النظر الحر فى نصوص القرآن الكريم، قالوا: إن جميع معانى القرآن، سواء منها ما يتعلق بالظاهر وما يتعلق بالباطن،
стр. 355
اختص بها النبى ﷺ والأئمة من بعده، فهم الذين عندهم علم الكتاب كله، لأن القرآن نزل فى بيتهم "وأهل البيت أدرى بما فى البيت". أما مَن عداهم من الناس فلا يرون أدنى شبهة فى قصور علمهم، وعدم إدراكه لكثير من معانى القرآن الظاهرة، فضلاً عن معانيه الباطنة، قالوا: ولهذا لا يجوز لإنسان أن يقول فى القرآن إلا بما وصل إليه من طريقهم، غاية الأمر أنهم جوَّزوا لمن أخلص حبه وانقياده لله ولرسوله ولأهل البيت، واستمد علومه من أهل البيت حتى آنس من نفسه العلم والمعرفة.. جوَّزوا لمثل هذا أن يستنبط من القرآن ما يتيسر له، لأنه بحبه لآل البيت وأخذه عنهم صار كأنه منهم، وقد قيل: "سلمان منا آل البيت".
* * *
* أثر التفسير الباطنى فى تلاعبهم بنصوص القرآن:
ولقد كان من نتائج هذا التفسير الباطنى للقرآن أن وجد القائلون به أمام أفكارهم مضطرباً بالغاً ومجالاً رحباً، يتسع لكل ما يشاؤه الهوى وتزينه لهم العقيدة، فأخذوا يتصرَّفون فى القرآن كما يحبون، وعلى أى وجه يشتهون، بعد ما ظنوا أن العامة قد انخدعت بأوهامهم وسلَّموا بأفكارهم ومبادئهم.
فقالوا - مثلاً - إنَّ من لطف الله تعالى أن يشير بواسطة المعانى الباطنة لبعض الآيات إلى ما سيحدث فى المستقبل من حوادث، ويعدون هذا من وجوه إعجازه، ثم يُفرِّعون على هذه القاعدة ما يشاؤه لهم الهوى، وما يزينه فى أعينهم داعى العقيدة وسلطانها، فيقولون مثلاً فى قوله تعالى فى الآية [١٩] من سورة الانشقاق: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾ : إنه إشارة إلى أن هذه الأُمة ستسلك سبيل مَن كان قبلها من الأُمم فى الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء.
كذلك مكَّن لهم القول بباطن القرآن من أن يقولوا: إن اللَّفظ الذى يراد به العموم ظاهراً، كثيراً ما يراد به الخصوص بحسب المعنى الباطن، فمثلاً لفظ "الكافرون" الذى يُراد به العموم، يقولون: هو فى الباطن مخصوص بمن كفر بولاية علىّ.
كما مكَّنهم أيضاً من أن يصرفوا الخطاب الذى هو موجَّه فى الظاهر إلى الأُمم السابقة أو إلى أفراد منها، إلى مَن يصدق عليه الخطاب فى نظرهم من هذه الأُمة بحسب الباطن، فمثلاً قوله تعالى فى الآية [١٥٩] من سورة الأعراف: ﴿وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ .. يقولون فيه: قوم موسى فى الباطن هم أهل الإسلام.
ولقد مكَّنهم أيضاً من أن يتركوا أحياناً المعنى الظاهر ويقولوا بالباطن وحده، كما فى قوله تعالى فى الآيتين [٧٤-٧٥] من سورة الإسراء: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا
следующие страницы →