Полный текст (774 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
تبارك وتعالى عن قصته فقال: "كهيعص" فالكاف: اسم كربلاء، والهاء: هلاك العترة، والياء: يزيد لعنه الله - وهو ظالم الحسين - والعين: عطشه، والصاد: صبره، فلما سمع بذلك زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيام، ومنع فيها الناس من الدخول عليه ... . (الخبر) . قال: وسيأتى تتمته فى سورته (ص ٢٢٣) .
وجعل الفصل الثانى من الخاتمة فى ذكر بعض الفوائد.
فالفائدة الأولى: بيَّن فيها أن دأبه فى هذا التفسير على شيئين:
أحدهما: تأويل ما ورد بحسب التنزيل بالنسبة إلى الأُمم السابقة وما صدر منهم بالنسبة إلى إطاعة أنبيائه وعصيانهم، بأن المراد الإطاعة وعدمها فيما بلَّغوا إليهم وأمروهم به من الإقرار بولاية النبى والأئمة، والاعتراف بحقهم، والتمسك بهم، مع التبرى من أعدائهم. بعد الإقرار بالله ورسله، وتصديقهم فيما بلَّغوا جميعاً، لا سيما الولاية.
وثانيهما: تطبيق كثير مما ورد بالنسبة إلى تلك الأُمم وإلى إطاعتهم وإلى معصيتهم وما ورد عليهم من الشر والنقم والخير والنعم وغير ذلك على طوائف هذه الأُمة فيما صدر منهم بالنسبة إلى إطاعة النبى والأئمة فى أمر الولاية وعدمها، وما ورد ويرد عليهم من الشر والخير لذلك، وذلك بتمثيل الأخيار بالأخيار، والأشرار بالأشرار، وتبيان وجه الشبه فى تنظيم أفعالهم بأفعالهم، كتنظير أصحاب السبت بقتلة ذُرِّية النبى كبنى أُمية وبنى العباس مثلاً، وأصحاب الكهف بأبى طالب ونظرائه مثلا، وأصحاب العِجْل بأهل السقيفة ... وغير ذلك (ص ٢٣٥) .
والفائدة الثانية: بيَّن فيها أن المراد فى الباطن بجميع ما حرَّم الله فى القرآن: أئمة الجور، وبما أحلّ: أئمة الحق، وأنهم أصل كل خير، ومن فروعهم كل بر، وأعداؤهم أصل كل شر، ومن فروعهم كل قبيح وفاحشة، وأن أعداءهم المراد بالفواحش والمناهى وما يُعبد من دون الله (ص ٢٣٦) .
والفائدة الثالثة: قال فيها: "إنه تقدَّم وجوب الإيمان بظاهر القرآن وباطنه معاً، وأن كُلاً منهما مقصود البارى، ولكن لما كانت التفاسير المتداولة مشتملة على جُلِّ ما يتعلق بالظاهر، وكان مقصدنا بالذات من وضع هذا الكتاب إبراز خبايا التأويلات المستفادة من الأئمة السادة، لخلو أكثر التفاسير عنها جميعاً، ومن أكثرها، جعلنا مدار كلامنا على تبيين هذا الأمر وبيان ما يتعلق بالبطون فلا نتعرض لما يتعلق بالظواهر مفصَّلاً، حذراً من التطويل والخروج عن المقصود الأصلى (ص ٢٣٦) .
والفائدة الرابعة: بيَّن فيها أن كل ما ذكره من تأويل الآيات والكلمات القرآنية فى تفسيره، فمبناه على التجوُّز فى المعنى، أو الإسناد، أو نحو ذلك من وجوه الاستعارات
стр. 387
وأمثالها. قال: ومع هذا لا يجوز ذلك فى موضع إلا بعد وجدان مستند له فيه وفى مثله، أو بحسب العموم والإطلاق الشامل (ص ٢٣٦) .
والفائدة الخامسة: بيَّن فيها أنه اقتصر فى نقل الأخبار على موضع الحاجة منها وما يدل على المراد، مخافة التطويل.
قال: فربما فرَّقنا مضمون خبر على مواضع، وربما نقلنا خلاصة مضمون روايته، ولكن كل ذلك بحيث لا يخل بالحديث ولا يتغير منه معناه (ص ٢٣٦) .
والفائدة السادسة: بيَّن فيها أن كل ما ذكره فى تفسيره من التأويلات فهو غير خال من المستند المستفاد من الأئمة ﵈ (ص ٢٣٦) .
والفائدة السابعة: بيَّن فيها أن الرجعة من ضروريات مذهب الشيعى، وادَّعى تواتر الأحاديث المثبتة لها فى الجملة وإن كانت مختلفة فى تفصيلها وقال: لقد وقفت على أزيد من مائتى حديث فيها، ثم ذكر من الأخبار ما يدل على ذلك (ص ٢٣٧-٢٣٩) .
ثم قال: "وليكن هذا آخر ما أردنا إيراده فى مقدمات تفسيرنا، ونشرع بعد هذا فى أصل التفسير إن شاء الله تعالى وبحَوْله وقُوَّته وتوفيقه، حامداً ومُصَلِّياً ومُسَلِّماً، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الأئمة المعصومين، صلوات الله عليهم أجمعين، حمداً وصلاة وتسليماً كثيراً كثيراً كثيراً".
ولكن أين هذا التفسير؟؟. قلنا: لم نعثر عليه فى مكتبة من مكاتبنا المصرية. وقلنا: إنه لو وقع لنا لكان خير مرجع يُصوِّر لنا معالم التفسير عند الإمامية الإثنا عشرية.. ولكن ألستَ معى فى أن هذه المقدمة التى لخصتُ لك أهم مباحثها، تكشف لنا إلى حد كبير عن مذهب صاحبها فى تفسيره، وعن مقدار تأثره بعقيدته فى فهمه لكتاب الله؟ أظن أنك معى فى هذا وإليك أسوق أهم القواعد التى سار عليها المولى عبد اللطيف فى تفسيره، وهى قواعد استخلصتها ولخصتها من مقدمة تفسيره، ولا أحسب أنه تخطاها أو شذ عنها بعد ما دافع عنها وقوَّاها بما استطاع من الأدلة. وهذه هى أهم القواعد:
أولاً: القرآن له ظهر وبطن، بل كل فقرة من كتاب الله لها سبعة وسبعون بطناً، وجملة باطن الكتاب فى الدعوة إلى الإمامة والولاية، وجملة ظاهره فى الدعوة إلى التوحيد والنبوة والرسالة، وكل ما ورد من الآيات المشتملة على المدح والإكرام ففى أئمتهم، وكل ما ورد من الآيات المشتملة على التهديد والوعيد والتوبيخ والتقريع ففى مخالفيهم وأعدائهم نزلت.
ثانياً: لا تقتصر معانى الآيات القرآنية على أهل زمان واحد، بل لكل آية تأويل يجرى فى كل أوان وعلى أهل كل زمان.
стр. 388
ثالثاً: معانى القرآن الظاهرة متناسبة مع معانيه الباطنة.
رابعاً: المعانى الباطنة ليست جملتها مما استعمل فيها اللَّفظ على سبيل الحقيقة بل أكثرها ومعظمها على طريق التجوُّز ونهج الاستعارة وسبيل الكناية ومن قبيل المجازات اللُّغوية والعقلية، وهذا فى تقديره أمر لا غرابة فيه ولا استبعاد، إذ أن أبواب التجوُّز فى كلام العرب واسعة، وموارده فى عبارات الفصحاء سائغة.
خامساً: يجب على الإنسان أن يؤمن بظاهر القرآن وباطنه على السواء، كما يجب عليه أن يؤمن بمحكم القرآن ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وبسائر ما يتعلق بذلك تفصيلاً أو إجمالاً إن لم يعلم التفصيل من أهل البيت، ومَن أنكر الظاهر وأقرَّ بالباطن أو العكس فهو ملحد كافر، بل ويجب على كل إنسان أن يُصدِّق بكل ما نُقِل عن الأئمة من تفسير وتأويل وإن لم يفهم معناه، ومن الجرأة أن ينكر أحد شيئاً من ذلك لخفائه عليه.
سادساً: علم تأويل القرآن جميعه عند الأئمة، وهذا أمر اختُصوا به دون مَن عداهم، فلهذا لا يجوز لأحد أن يُفسِّر القرآن برأيه وبدون سماع منهم، لأنه لا شبهة فى أن مَن عداهم تقصر علومهم وتعجز أفهامهم عن الوصول إلى كثير من ظواهر القرآن فضلاً عن بواطنه وتأويله.
سابعاً: ما علم الله صدوره من هذه الأُمة المحمدية فى الأزمنة المستقبلة - أى بعد نزول القرآن - أشار الله إليه ونَبَّه عليه فى كتابه الكريم، فكل ما جَدَّ ويَجِدّ من الحوادث بعد نزول القرآن يُستفاد من آياته عن طريق تأويلها، وهذا أبلغ فى الإعجاز وأجمل للإيجاز، فقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] تأويله الإخبار من الله بأن هذه الأُمة ستسلك سبيل مَن كان قبلها من الأُمم فى الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء.
ثامناً: القرآن الذى جمعه علىّ ﵇ وتوارثته الأئمة من بعده هو القرآن الصحيح، وما عداه وقع فيه التغيير والتبديل، فكل ما ورد صريحاً فى مدح أهل البيت وذم شانئيهم أُسْقِط من القرآن أو حُرِّف وبُدِّل، ولعلم الله بما سيكون من التغيير والتبديل لم يكتف الله تعالى بالإرشاد إلى أمر الإمامة والولاية وفضائل أهل البيت ومثالب أعدائهم بما صرَّح به القرآن، بل أرشد إلى ذلك أيضاً بحسب ما يدل عليه باطن اللَّفظ وتأويله، لتقوم بذلك الحُجَّة على الناس وإن حُرِّف القرآن وبُدِّل.
تاسعاً: كثيراً ما يريد الله فى كتابه بحسب الباطن بالألفاظ والخطابات الواردة ظاهراً على سبيل العموم خصوص بعض أفراد ما صدقت عليه، كالأئمة أو شيعتهم أو أعدائهم أو نحو ذلك، كما ورد فى تأويل "المشركين" بمن أشرك مع الإمام مَن ليس بإمام.
стр. 389
عاشراً: ما ورد من الخطاب للأُمم السابقة كثيراً ما يُراد به بحسب الباطن ما يصدق عليه الخطاب من هذه الأُمة بحسب الإمامة والولاية وغيرهما، مع إرادة الظاهر أيضاً مثل: ﴿وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] أراد فى الباطن بقوم موسى: أهل الإسلام.
الحادية عشرة: قد يُراد بالخطاب فى الباطن مخاطَباً غير مَن نفهم من الظاهر كون الخطاب له، كما ورد عن أبى عبد الله أنه قال: نزل القرآن بـ "إياك أعنى واسمعى يا جارة"، فقوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٤] عَنِىَ به غير النبى.
الثانية عشرة: قد يرجع الضمير بحسب التأويل والباطن إلى ما لم يسبق له ذكر صريحاً، مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] : يعنى أو بَدِّل علياً.
الثالثة عشرة: ما نسبه الله إلى نفسه بصيغة الجمع أو ضميره كقوله: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] السر فيه إدخال النبى ﷺ والأئمة فى مفهومه وهذا مجاز شائع معروف.
الرابعة عشرة: لفظ الجلالة وما شاكله والضمائر الراجعة إلى الله فى الظاهر مراد به الإمام باطناً وتأويلاً، وهذا مجاز شائع معروف.
هذه هى أهم القواعد التى سار عليها المؤلف فى تفسيره، وهى كما ترى ملخصه من مقدمة تفسيره.
* * *
٢- تفسير الحسن العسكرى
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير هو أبو محمد الحسن بن علىّ الهادى بن محمد الجواد ابن علىّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علىّ زين العابدين بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب، الإمام الحادى عشر عند الإمامية الإثنا عشرية، والمعروف بالحسن العسكرى، وهو والد المهدى المنتظر.
ولد سنة ٢٣١ هـ (إحدى وثلاثين ومائتين من الهجرة) وقيل سنة ٢٣٢ هـ
стр. 390
بالمدينة على الراجح، وتوفى بـ "سُرَّ من رأى" سنة ٢٦٠ هـ (ستين ومائتين) ودفن بها بجانب أبيه.
* *
*التعريف بهذا التفسير:
عثرنا على هذا التفسير فى دار الكتب المصرية فوجدناه منسوباً إلى الإمام أبى محمد الحسن العسكرى، ومروياً عنه برواية أبى يعقوب يوسف بن محمد بن زياد، وأبى الحسن علىّ بن محمد بن محمد بن سيار، وهما من الشيعة الإمامية، وقد تلقيا هذا التفسير وكتباه عن الحسن العسكرى فى سبع سنين. ولهما فى تلقى هذا التفسير عن الحسن العسكرى قصة غريبة فى مقدمة الكتاب حدَّثا بها فقالا ما ملخصه: كنا صغيرين. وكان أبوانا إماميين، وكانت الزيدية هم الغالبين بـ "إستراباذ"، وكنا فى إمارة الحسن ابن زيد العلوى، الملقب بالداعى إلى الحق، إمام الزيدية، وكان كثير الإصغاء إليهم، يقتل الناس لسعاياتهم، فخاف أبوانا الوشاية بهما عنده فخرجا بنا وبأهلينا إلى حضرة الإمام أبى محمد الحسن بن علىّ بن محمد أبى القائم، فلما دخلا عليه قال لهما: مرحباً بالآوين إلينا، الملتجئين إلى كنفنا، قد تقبَّل الله سعيكما، وآمن روعكما، وكفاكما أعداءكما، فانصرِفا آمنين على أنفسكما وأموالكما، قالا: فماذا تأمر أيها الإمام؟ أن نرجع فى طريقنا إلى أن ننتهى إلى بِلد خرجنا منه؟ وكيف ندخل ذلك البلد ومنه هربنا وطلب سلطان البلد لنا حثيث، ووعيده إيانا شديد؟ فقال ﵇: خلِّفا علىَّ ولديكما هذين لأفيدهما العلم الذى يشرفهما الله به، ثم لا تحفلا بالسعاة ولا بوعيد المسعى إليه، فإن الله يقصهم السعاة ويلجئهم إلى شفاعتكم فيهم عند مَن هربتم منه.
قال أبو يعقوب وأبو الحسن: فأتمرا لما أُمِرا، وخرجا وخلِّفانا هناك، فكنا نختلف إليه فيتلقانا ببر الإماء وذوى الأرحام الماسة، فقال لنا ذات يوم: إذا أتاكما خبر كفاية الله أبويكما، وإخزائه أعداءهما، وصدق وعدى إياهما، جعلت من شكر الله أن أفيدكما تفسير القرآن مشتملاً على بعض أخبار محمد ﷺ ، فيعظم الله بذلك شأنكما، قالا: ففرحنا وقلنا: يا ابن رسول الله؛ فإذن نأتى جميع علوم القرآن ومعانيه؟ قال: كلا، إن الصادق علم ما أريد أن أعلمكما بعض أصحابه ففرح بذلك وقال: يا ابن رسول الله قد جمعت علوم القرآن كلها، قال: قد جمعت خيراً كثيراً وأُوتيتُ فضلاً واسعاً، ولكنه مع ذلك أقل قليل أجزء علم القرآن، إن الله يقول: ﴿قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ
стр. 391
جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ [الكهف: ١٠٩] ، ويقول: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله﴾ [لقمان: ٢٧] ، وهذا علم القرآن ومعانيه وما أودع من عجائبه، فكيف ترى مقدار ما أخذته من جميع هذا القرآن؟ ولكن القدر الذى أخذته قد فضَّلَك الله به على كل مَن لا يعلم كعلمك ولا يفهم كفهمك.
ثم ذكرا ما كان من أمر عدول الحسن بن زيد العلوى عن بطشه وفتكه، وعدم تعرضه للناس فى مذاهبهم، وأمره لأبويهما بملازمة الإمام أبى محمد الحسن العسكرى لما سمع بهذا قال: هذا حين إنجازى ما وعدتكما من تفسير القرآن، ثم قال: قد وظَّفتُ لكما كل يوم شيئاً منه تكتبانه، فالزَمانى وواظبا على توفيق الله تعالى من العبادة حظوظكما. فأول ما أملى علينا أحاديث فى فضل القرآن وأهله، ثم أملى علينا التفسير بعد ذلك فكتبناه فى مدة مقامنا عنده، وذلك سبع سنين، نكتب فى كل يوم منه مقدار ما ننشط له، فكان أول ما أملى علينا وكتبناه قال: "حدَّثنى أبى: علىّ بن محمد، عن أبيه: محمد بن علىّ، عن أبيه: علىّ بن موسى، عن أبيه: موسى ابن جعفر، عن أبيه: جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه: الباقر محمد ابن علىّ، عن أبيه: علىّ بن الحسين زين العابدين، عن أبيه: الحسين ابن علىّ سيد المستشهدين، عن أبيه: أمير المؤمنين وسيد الوصيين وخليفة رسول الله رب العالمين، فاروق الأُمة، وباب مدينة الحكمة، ووصى رسول الرحمة، علىّ بن أبى طالب صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، عن رسول رب العالمين، وسيد المرسلين، وقائد الغُرّ المُحجَّلين، والمخصوص بأشرف الشفاعات فى يوم الدين، صلى الله عليه وآله أجمعين".
ثم ذكر شيئاً من الأخبار فى فضل القرآن وحملته.. ثم قال: "قال رسول الله: "أتدرون من المتمسك الذى بتمسكه ينال هذا الشرف العظيم؟ هو الذى أخذ القرآن وتأويله عنا أهل البيت، وعن وسائطنا السفراء عنا إلى شيعتنا، لا عن آراء المجادلين وقياس القايسين.. ". ثم قال: "قال رسول الله ﷺ فى قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٧ـ٥٨] قال رسول الله ﷺ : فضَّلَ الله القرآن والعلم بتأويله. وبرحمته: توفيقه لموالاة محمد وآله الطيبين، ومعاداة أعدائهم.. ".
ثم ذكر الحسن العسكرى تفسير "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم" منسوباً إلى علىّ رضى الله عنه، وفيه يقول علىّ: "ألا أُنبئكم ببعض أخبارنا؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. قال: إن رسول الله لما بنى مسجده بالمدينة وأشرع فيه بابه وأشرع المهاجرين والأنصار أبوابهم، أراد الله إبانة محمد وآله الأفضلين بالفضيلة، فنزل جبريل
стр. 392
عن الله تعالى: بأن سُدُّوا الأبواب عن مسجد رسول الله قبل أن ينزل بكم العذاب، فأول مَن بعث إليه رسول الله يأمره بسد بابه العباس بن عبد المطلب، فقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله - وكان الرسول معاذ بن جبل - ثم مرَّ العباس بفاطمة فرآها قاعدة على بابها وقد أقعدت الحسن والحسين، فقال لها: ما بالك قاعدة؟ انظروا إليها كأنها لبؤَة بين يديها جرواها، أتظن أن رسول الله يُخرج عمه ويُدخل ابن عمه؟! فمرَّ بهم رسول الله ﷺ فقال لها: ما بالك قاعدة؟ قالت: أنتظر أمر رسول الله بسد الأبواب، فقال لها: إن الله تعالى أمرهم بسد الأبواب واستثنى منهم رسول الله، وإنما أنتم نفس رسول الله. ثم إن عمر بن الخطاب جاء فقال: أحب النظر إليك يا رسول الله إذا مررت إلى مُصَلاك، فأْذن لى فى فُرجة أنظر إليك منك، فقال: قد أبى الله ذلك، قال: فمقدار ما أضع عليه وجهى، قال: قد أبى الله ذلك، قال: فمقدار ما أضع عليه إحدى عَيْنىَّ، قال: أبى الله ذلك، ولو قلتَ قدر طرف الإبرة لم آذن لك، والذى نفس محمد بيده ما أنا أخرجتكم ولا أدخلتهم، ولكن الله أدخلهم وأخرجكم.. ثم قال: لا ينبغى لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت فى هذا المسحد جُنُباً إلا محمد وعلىّ وفاطمة والحسن والحسين والمنتجبون من آلهم الطيبين من أولادهم. قال: فأما المؤمنون فقد رضوا وسلَّموا، وأما المنافقون فاغتاظوا لذلك وأنفوا، ومشى بعضهم يقول إلى بعض فيما بينهم: ألا ترون محمداً لا يزال يخص بالفضائل ابن عمه ليُخرجنا منها صفراً، والله لئن أنفذنا له فى حياته لنأتين عليه بعد وفاته، وجعل عبد الله بن أُبُىّ يصغى إلى مقالتهم ويغضب تارة ويسكن أخرى، ويقول لهم: إن محمداً لمتألِّه، فإياكم ومكاشفته، فإن مَن كاشف المتألِّه انقلب خاسئاً
حسيراً وينغص عليه عيشه. وإن الفطن اللبيب مَن يتجرع على الغُصَّة لينتهز الفُرصة. فبينما هم كذلك إذا طلع رجع من المؤمنين يقال له زيد بن أرقم فقال لهم: يا أعداء الله، أباللهِ تُكَذِّبون؟ وعلى رسوله تطعنون؟ ولدينه تكيدون؟ والله لأُخْبِرن رسول الله بكم، فقال عبد الله ابن أُبَىّ والجماعة: واللهِ لئن أخبرته بنا لنكذبنك ولنحلفن له، فإنه إذن يُصدِّقنا، ثم واللهِ لنقيمن عليك من يشهد عليك عنده بما يوجب قتلك أو قطعك أو حدك، قال: فأتى زيد رسول الله فأسَرَّ إليه ما كان من عبد الله بن أُبَىّ وأصحابه، فأنزل الله : ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ [الأحزاب: ٤٨] المجاهدين لك يا محمد فيما دعوتهم إليه من الإيمان بالله والموالاة لك ولأوليائك، والمعاداة لأعدائك، ﴿والمنافقين﴾ الذين يطيعونك فى
стр. 393
الظاهر ويخالفونك فى الباطن، ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ مما يكون منهم من القول السئ فيك وفى ذويك، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ فى إتمام أمرك وإقامة حُجَّتك، فإن المؤمن هو الظاهر بالحُجَّة وإن غُلِبَ فى الدنيا، لأن العاقبة له، لأن غرض المؤمنين فى كدحهم فى الدنيا إنما هو الوصول إلى نعيم الأبد فى الجنة، وذلك حاصل لك ولآلك ولأصحابك وشيعتك.
ثم إن رسول الله ﷺ لم يلتفت إلى ما بلغه عنهم، وأمر زيداً فقال: "إن أردت أن لا يصيبك شرهم ولا ينالك مكرهم فقل إذا أصبحت: أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم، فإن الله يعيذك من شرهم، فإنهم شياطين يُوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، وإذا أردت أن يُؤَمِّنك بعد ذلك من الغرق والحرق والسرق فقل إذا أصبحت: بسم الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله، بسم الله لا يسوق الخير إلا الله، بسم الله ما شاء الله ما يكون من نعمة فمن الله، بسم الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، بسم الله ما شاء الله وصلى الله على محمد وآله الطيبين، فإن مَن قالها ثلاثاً إذا أصبح أمن من الغرق والحرق والسرق حتى يمسى، ومَن قالها ثلاثاً إذا أمسى أمن من الحرق والغرق حتى يصبح، وإن الخضر وإلياس يلتقيان فى كل موسم، فإذا تفرقا تفرقا عن هذه الكلمات، وإن ذلك شعار شيعتى، وبه يمتاز أعدائى من أوليائى يوم خروج قائمهم.. ".
ثم ذكر حديثاً آخر طويلاً عن الباقر يتضمن ما كان من المحاورة بين العباس ورسول الله ﷺ بشأن إغلاق باب العباس وغيره، وإبقاء باب علىّ وحده، وفيه شهادة رسول الله ﷺ بالفضل لعلىّ على غيره، وفى آخره يقول رسول الله ﷺ : "يا عم رسول الله؛ إن شأن علىّ عظيم، إن حال علىّ جليل. وإن وزن علىّ ثقيل، وما وُضِع حب علىّ فى ميزان أحد إلا رجع على سيئاته، ولا وُضِع بغضه فى ميزان أحد إلا رجح على حسناته" ... إلخ.
هذا.. والكتاب مطبوع فى مجلد صغير يقع فى (٢٨٦ صحيفة) ، وهو غير شامل للقرآن كله، بل بعد الفراغ من المقدمة وشرح الاستعاذة شرع فى الفاتحة ففسَّرها، ثم شرع فى سورة البقرة فوصل فيها إلى قوله تعالى فى الآية [١١٤] : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه وسعى فِي خَرَابِهَآ أولائك مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ لَّهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .. (وذلك يبدأ من أول الكتاب إلى ص ٢٣٦) .
ومن قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ الصفا والمروة﴾ الآية [١٥٨] ... إلى قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ﴾ الآية [١٧٩] .. (وذلك يبدأ من ص ٢٣٦ إلى ص ٢٥٤) .
стр. 394
ومن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآية [١٩٨] ... إلى قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام﴾ الآية [٢١٠] .. (وذلك يبدأ من ص ٢٥٤ إلى ص ٢٦٧) .
ومن قوله تعالى فيها: ﴿أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل﴾ الآية [٢٨٢] ... إلى قوله: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ فى الآية [٢٨٣] .. (وذلك يبدأ من ص ٢٦٧ إلى ص ٢٨٦) .
هذا هو كل ما وُجِد وطُبع من التفسير المنسوب إلى الحسن العسكرى رحمه الله تعالى، وأرى أن أسوق لك بعض النماذج لتقف بنفسك على مسلكه فى التفسير، وتأثره بمذهب الإمامية، ولنرى بعد ذلك هل يمكن أن يكون هذا التفسير حقيقة لهذا الإمام الصالح، أو نُسب إليه زوراً وبهتاناً.
* ولاية على:
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٨] من سورة البقرة: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله وباليوم الآخر وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ .. يقول: "قال العالم موسى بن جعفر: إن رسول الله لما أوقف أمير المؤمنين علىّ ابن أبى طالب فى يوم الغدير موقفه المشهور المعروف، ثم قال: يا عباد الله؛ انسبونى، فقالوا: أنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف، ثم قال: يا أيها الناس؛ ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فنظر إلى السماء وقال: اللَّهم اشهد بقول هؤلاء - وهو يقول ويقولون ذلك ثلاثاً - ثم قال: ألا فمَن كنتُ مولاه وأولى به فهذا علىّ مولاه وأولى به، اللَّهم وال مَن والاه، وعاد مَن عاداه، وانصر مَن نصره. واخذل من خذله.. ثم قال: قم يا أبا بكر فبايع له بإمرة المؤمنين، فقام وبايع له. ثم قال: قم يا عمر فبايع له بإمره المؤمنين، فقام فبايع له، ثم قال بعد ذلك لتمام التسعة رؤساء المهاجرين والأنصار، فبايعوا كلهم، فقام من بين جماعتهم عمر بن الخطاب فقال: بَخٍ بَخٍ يا ابن أبى طالب، أصحبتَ مولاى ومولى كل مؤمن ومؤمنة، ثم تفرّقوا عند ذلك وقد وُكِّدَتْ عليهم العهود والمواثيق. ثم إن قوماً من متمرديهم وجبابرتهم تواطأوا بينهم لئن كان بمحمد كائنة ليدفعن هذا الأمر من علىّ ولا يتركونه، فعرف الله ذلك من قِبَلهم، وكانوا يأتون رسول الله ويقولون: لقد أقمتَ علينا أحب خلق الله إلى الله وإليك وإلينا فكفيتنا مؤنة الظلمة لنا والمتجبرين فى سياستنا، وعلم الله من قلوبهم خلاف ذلك من مواطأة بعضهم لبعض أنهم على العداوة مقيمون، ولدفع الأمر عن مستحقه مؤثرون، فأخبر الله محمداً عنهم فقال: يا محمد ﴿وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله﴾ الذى أمرك بنصب علىّ إماماً وسايساً لأُمتك ومدبراً، ﴿وَمَا هُم
стр. 395
بِمُؤْمِنِينَ﴾ بذلك، ولكنهم يتواطأون على إهلاكك وإهلاكه، يوطنون أنفسهم على التمرد على علىّ إن كانت بك كائنة".
وعند قوله تعالى فى الآية [١٣] من سورة البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ الناس قالوا أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السفهآء ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء ولاكن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ .. يقول: "قال موسى بن جعفر: إذا قيل لهؤلاء الناكثين للبَيْعة، قال لهم خيار المؤمنين كسلمان والمقداد وأبى ذر وعمار: آمنوا برسول الله وعلىّ الذى أوقفه موقفه وأقامه مقامه وأناط مصالح الدين والدنيا كلها به، وآمنوا بهذا النبى وسلِّموا لهذا الإمام، وسلِّموا له فى ظاهر الأمر وباطنه، كما آمن الناس المؤمنون كسلمان والمقداد وأبى ذر وعمار، قالوا فى الجواب لمن يفضون إليه لا لهؤلاء المؤمنين، فإنهم لا يجسرون على مكاشفتهم بهذا الجواب، ولكنهم يذكرون لمن يفضون إليه من أهلهم والذين يثقون بهم من المنافقين ومن المستضعفين من المؤمنين الذين هم بالستر عليهم واثقون بهم، يقولون لهم: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السفهآء﴾ ؟! يعنون سلمان وأصحابه لما أعطوا علياً خالص ودهم ومحض طاعتهم، وكشفوا رؤوسهم بموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه حتى إن اضمحل أمر محمد طحطحهم أعداؤه، وأهلكهم سائر الملوك والمخالفين لمحمد، فهم بهذا التعرض لأعداء محمد جاهلون سفهاء، قال الله : ﴿ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء﴾ الأخفاء العقول والآراء، الذين لم ينظروا فى أمر محمد حق النظر فيعرفوا نبوته، ويعرفوا صحة ما ناطه بعلمه من أمر الدين والدنيا، حتى بقوا لتركهم تأمل حجج الله جاهلين، وصاروا خائفين وجلين من محمد وذُرِّيته ومن مخالفيهم، لا يأمنون أيهم يغلب فيهلكون معه. فهم السفهاء حيث لا يسلم لهم بنفاقهم هذا لا محبة محمد والمؤمنين ولا محبة اليهود وسائر الكافرين، لأنهم يُظهرون لمحمد من موالاته وموالاة أخيه علىّ ومعاداة أعدائهم اليهود والنصارى، كما يُظهرون لهم معاداة محمد وعلىّ وموالاة أعدائهم، فهم يُقدِّرون فيهم نفاقهم معهم كنفاقهم مع محمد وعلىّ، ولكن لا يعلمون أن الأمر كذلك وأن الله يُطْلِع نبيه على أسرارهم فيخشاهم ويعلنهم ويُسقطهم".
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [١٥٩و ١٦٠] من سورة البقرة: ﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكتاب أولائك يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون * إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ .. يقول: ﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات﴾ من صفة محمد وصفة علىّ وحليته، ﴿والهدى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكتاب﴾ .. قال:
стр. 396
والذى أنزلناه هو ما أظهرناه من الآيات على فضلهم ومحلهم، كالغمامة التى تظل رسول الله فى أسفاره، والمياه الأجاجة التى كانت تعذب فى الآبار بريقه، والأشجار التى كانت تتهدل ثمارها بنزوله تحتها، والعاهات التى كانت تزول بمسح يده عليها أو بنفث ريقه فيها، وكالآيات التى ظهرت على علىّ من تسليم الجبال والصخور والأشجار قائلة: يا ولى الله ويا خليفة رسول الله، والسموم القاتلة التى تناولها مَن سمَّى باسمه عليها ولم يصبه بلاؤها ... وسائر ما خصَّه الله تعالى به من فضائله، فهذا من الهدى الذى بيَّنه الله للناس فى كتابه ... إلخ.
* *
* روايات مكذوبة فى فضل أهل البيت:
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣] من سورة البقرة: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ .. يقول: "ثم وصف هؤلاء المتقين الذين هذا الكتاب هدىً لهم فقال: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ يعنى بما غاب عن حواسهم من الأُمور التى يلزمهم الإيمان بها: كالبعث، والنشور، والحساب، والجنَّة، والنار، وتوحيد الله تعالى، وسائر ما لا يُعرف بالمشاهدة وإنما يُعرف بدلائل قد نصبها الله عليها: كآدم، وحواء، وإدريس، ونوح، وإبراهيم، والأنبياء الذين يلزمهم الإيمان بهم بحجج الله تعالى وإن لم يشاهدوهم، ويؤمنون بالغيب وهم من الساعة مشفقون، وذلك أن سلمان الفارسى مَرَّ بقوم من اليهود فسألوه أن يجلس إليهم ويُحدِّثهم بما سمع من محمد فى يومه هذا، فجلس إليهم لحرصه على إسلامهم فقال: سمعتُ محمداً يقول: إن الله يقول: يا عبادى؛ أوَ ليس مَن له إليكم حوائج كبار لا تجودون بها إلا أن يتجمل عليكم بأحب الخلق إليكم تقضونها كرامة لشفيعه؟ ألا فاعلموا أن أكرم الخلق علىّ وأفضلهم لدىَّ محمد وأخوه علىّ، ومن بعده الأئمة الذين هم الوسائل إلىَّ، ألا فليَدُعُنى مَن أَهْمَّته حاجة يريد نفعها، أو دهته دهياء يريد كف ضررها، بمحمد وآله الأفضلين الطيبين الطاهرين أقضها له أحسن مما يقضيها مَن تشفعون إليه بأعزِّ الخلق عليه. قالوا لسلمان - وهم يستهزئون به - يا عبد الله؛ فما بالك لا تقترح على الله وتتوسل بهم أن يجعلك أغنى أهل المدينة؟ فقال سلمان: قد دعوتُ الله بهم، وسألته ما هو أجَلّ وأفضل وأنفع من مُلْك الدنيا بأسرها، وسألته بهم أن يهب لى لساناً لتمجيد شأنه ذاكراً، وقلباً لآلائه شاكراً، وعلى الدواهى الداهية لى صابراً، وهو قد أجابنى إلى ملتمسى من ذلك، وهو أفضل من مُلْك الدنيا بحذافيرها وما يشتمل عليه من خيراتها مائة ألف ألف مرة. قال: فجعلوا يهزأون ويقولون: يا سلمان؛ لقد ادَّعيت مرتبة عظيمة يُحتاج أن يُمتحن صدقك من كذبك فيها، وها نحن إذن قائمون إليك
стр. 397
بسياط عذابنا فضاربوك، فاسأل ربك أن يكفَّ أيدينا عنك، فجعل سلمان يقول: اللَّهم اجعلنى على البلايا صابراً، وجعلوا يضربونه بسياطهم حتى أعيوا وملُّوا، وجعل
سلمان لا يزيد على قوله: اللَّهْم اجعلنى على البلايا صابراً، فلما مَلُّوا وأعيوا قالوا: يا سلمان؛ ما ظننا أن روحاً تثبت فى مقرها على مثل هذا العذاب الوارد عليك، فما بالك لا تسأل ربك أن يكفّنا عنك؟ قال: لأن سؤال ذلك ربى خلاف الصبر، بل سلَّمتُ لإمهال الله تعالى لكم، وسألته الصبر، فلما استراحوا قاموا بعد إليه بسياطهم فقالوا: لا نزال نضربك بسياطنا حتى تزهق روحك أو تكفر بمحمد، فقال: ما كنتُ أفعل ذلك، فإن الله قد أنزل على محمد: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ ، وإن احتمالى لمكارهكم لأدخل فى جملة مَن مدحه الله بذلك سهل علىَّ يسير، فجعلوا يضربونه بسياطهم حتى مَلُّوا، ثم قعدوا وقالوا: يا سلمان؛ لو كان لك عند ربك قدر لإيمانك بمحمد لاستجاب دعاءك وكفَّنا عنك، فقال سلمان: ما أجهلكم!! كيف يكون مستجيباً دعائى إذا فعل بى خلاف ما أريد منه، أنا أردت منه الصبر فقد استجاب لى فصبرت، ولم أسأله كفكم عنى فيمنعنى حتى يكون ضد دعائىكما تظنون، فقاموا إليه ثالثة بسياطهم فجعلوا يضربونه وسلمان لا يزيد على قوله: اللَّهم صبِّرنى على البلايا فى حب صفيك وخليلك محمد، فقالوا له: يا سليمان؛ ويحك! أو ليس محمد قد رخَّص لك أن تقول كلمة الكفر به بما تعتقد ضده للتقية؟ فقال سلمان: إن الله قد رخَّص لى ذلك ولم يفرضه علىّ، بل أجاز لى ألا أعطيكم ما تريدون وأحتمل مكارهكم، وجعله أفضل المنزلتين، وأنا لا أختار غيره، ثم قاموا إليه بسياطهم وضربوه ضرباً كثيراً وسيَّلوا دماءه، وقالوا له وهم ساخرون: لو لم تسأل الله كفّنا عنك ولا تُظهر لنا ما نريد منك لنكفّ به عنك فادع علينا بالهلاك إن كنتَ من الصادقين فى دعواك أن الله لا يرد دعاءك بمحمد وآله الطيبين الطاهرين، فقال سلمان: إنى لأكره أن أدعوا الله بهلاككم مخافة أن يكون فيكم مَن قد علم الله أن سيؤمن من بعد فأكون قد سألت الله اقتطاعه عن الإيمان، فقالوا: قل: اللَّهم أهْلِك مَن كان فى علمك أنه يبقى إلى الموت على تمرده، فإنك لا تصادف بهذا الدعاء ما خِفْته، قال: فانفرج له حائط البيت الذى هو فيه مع القوم وشاهد رسول الله ﷺ وهو يقول: يا سلمان؛ ادع عليهم بالهلاك فليس فيهم أحد
يرشد. كما دعا نوح على قومه لما عرف أنه لن يؤمن من قومه إلا مَن قد آمن، فقال سلمان: كيف تريدون أن أدعو عليكم بالهلاك؟ فقالوا: تدعو الله بأن يقلب سَوْط كل واحد منا أفعى تعطف رأسها ثم تمشش عظام سائر بدنه.. فدعا الله بذلك، فما من سياطم سَوْط إلا قلبه الله تعالى أفعى لها رأسان تتناول برأس رأسه، وبرأس آخر يمينه التى كان فيها سوطه، ثم رضضتهم ومششتهم وبلعتهم والتقمتهم، فقال رسول الله ﷺ وهو فى مجلسه: معاشر المؤمنين؛ إن الله
стр. 398
تعالى قد نصر أخاكم سلمان ساعتكم هذه على عشرين فِرْقة من اليهود والمنافقين، قُلِبت سياطهم أفاعى رضضتهم ومششتهم وهَشمت عظامهم والتقمتهم، فقوموا بنا ننظر إلى تلك الأفاعى المبعوثة لنُصْرة سلمان، فقام رسول الله وأصحابه إلى تلك الدار وقد اجتمع إليها جيرانها من اليهود والمنافقين لما سمعوا ضجيج القوم بالتقام الأفاعى لهم، فإذا هم خائفون منها، نافرون من قُرْبها، فلما جاء رسول الله ﷺ خرجت كلها إليه عن البيت إلى شارع المدينة، وكان شارعاً ضيقاً فوسَّعه الله تعالى وجعله عشرة أضعافه، ثم نادت الأفاعى: السلام عليك يا محمد يا سيد الأوَّلين والآخرين، السلام عليك يا علىّ يا سيد الوصيين، السلام على ذُرِّيتك الطيبين الطاهرين الذين جُعلوا على الخلق قوَّامين، ها نحن سياط هؤلاء المنافقين الذين قلبنا الله تعالى أفاعى بدعاء هذا المؤمن سلمان، قال رسول الله: الحمد لله الذى جعل من يضاهى بدعائه عند قبضه وعند انبساطه نوحاً نبيه. ثم نادت الأفاعى: يا رسول الله؛ قد اشتد غضبنا على هؤلاء الكافرين، وأحكامك وأحكام وصيك علينا جائزة فى ممالك رب العالمين، ونحن نسألك أن تسأل الله تعالى أن يجعلنا أفاعى جهنم حتى نكون فيها لهؤلاء مُعذِّبين كما كنا لهم فى هذه الدنيا ملتقمين، فقال رسول الله ﷺ : قد أجبتكم إلى ذلك فالحقوا بالطبق الأسفل من جهنم، بعد أن تقذفوا ما فى أجوافكم من أجزاء أجسام هؤلاء الكافرين ليكون أتم لخزيهم وأبقى للعار عليهم إذا كانوا بين أظهرهم مدفونين، يعتبر بهم المؤمنون المارون بقبورهم، يقولون: هؤلاء الملعونون المخزيون بدعاء ولى محمد سلمان
الخير من المؤمنين، فقذفت الأفاعى ما فى بطونها من أجزاء أبدانهم، فجاء أهلوهم فدفنوهم، وأسلم كثير من الكافرين، وأخلص كثير من المنافقين، وغلب الشقاء على كثير من الكافرين والمنافقين، فقالوا: هذا سحر مبين. ثم أقبل رسول الله على سلمان فقال: يا عبد الله؛ أنت من خواص إخواننا المؤمنين، ومن أحباب قلوب ملائكة الله المقرَّبين، إنك فى ملكوت السماوات والحُجُب والكرسى والعرش وما دون ذلك إلى الثرى أشهر فى فضلك عندهم من الشمس الطالعة فى يوم لا غيم ولا قتر ولا غبار فى الجو، فأنت من أفاضل الممدوحين بقوله: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ .
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢١٠] من سورة البقرة: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام والملائكة وَقُضِيَ الأمر وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ .. يقول ما نصه: ".. قالَ علىُّ بن الحسين: طلب هؤلاء الكفار الآيات ولم يقنعوا بما أتاهم به منها بما فيه الكفاية والبلاغ، حتى قيل لهم: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله﴾ .. أى إذا لم يقتنعوا بالحجج الواضعة الدامغة، فهل ينظرون إلا أن يأتيهم الله؟ وذلك محال،
стр. 399
لأن الإتيان على الله لا يجوز، كذلك النواصب اقترحوا على رسول الله فى نصب أمير المؤمنين علىّ إماماً، واقترحوا.. حتى اقترحوا المحال، وذلك أن رسول الله لما نص على علىّ بالفضيلة والإمامة، وسكن إلى ذلك قلوب المؤمنين وعاند فيه أصناف الجاحدين من المعاندين، وشك فى ذلك ضعفاء من الشاكين، واحتال فى السلم من الفريقين من النبى وخيار أصحابه ومن أصناف أعدائه جماعة المنافقين، وفاض فى صدورهم العداوة والبغضاء، والحسد والشحناء، حتى قال قائل المنافقين: لقد أسرف محمد فى مدح نفسه، ثم أسرف فى مدح أخيه علىّ، وما ذاك من عند رب العالمين، ولكنه فى ذلك من المتقوِّلين، يريد أن يثبت لنفسه الرياسة علينا حياً ولعلىّ بعد موته، قال الله تعالى: يا محمد؛ قل لهم: وأى شئ أنكرتم من ذلك؟ هو عظيم كريم حكيم، ارتضى عباداً من عباده، قد اختصهم بكرامات، لما علم من حسن طاعتهم ولانقيادهم لأمره، ففوَّض إليهم أمور عباده، وجعل إليهم سياسة خلقه بالتدبير الحكيم الذى وفقهم له، أفلا ترون لملوك الأرض إذا ارتضى أحدهم خدمة بعض عبيده ووثق بحسن اصطناعه بما يندب له من أُمور ممالكه، جعل ما وراء بابه إليه واعتمد فى سياسة جيوشه ورعاياه عليه؟ كذلك محمد فى التدبير الذى رفعه له ربه، وعلىّ من بعده الذى جعله وصيه وخليفته فى أهله، وقاضى دينه ومنجز عداته، والموازر لأوليائه والمناصب لأعدائه، فلم يقنعوا بذلك ولم يُسلِّموا، وقالوا: ليس الذى تسنده إلى ابن أبى طالب أمراً صغيراً إنما هو دماء الخلق، ونساؤهم، وأولادهم، وأموالهم، وحقوقهم، وأنصباؤهم، ودنياهم، وأخراهم، فلتأتنا بآية تليق بجلالة هذه الولاية، فقال
رسول الله: أما كفاكم نور علىّ الْمشْرِق فى الظلمات الذى رأيتموه ليلة خروجه من عند رسول الله إلى منزله؟ أما كفاكم أن علياً جاز والحيطان بين يديه ففتحت له وطُرِّقت ثم عادت والتأمت؟ أما كفاكم يوم غدير خُم أن علياً لما أقامه رسول الله رأيتم أبواب السماء مفتحة والملائكة فيها مطلعين تناديكم: هذا ولى الله فاتبعوه وإلا حَلَّ بكم عذاب الله فاحذروه؟ أما كفاكم رؤيتكم علىّ بن أبى طالب وهو يمشى والجبال تسير من بين يديه لئلا يحتاج إلى انحراف عنها، فلما جاز رجعت الجبال إلى أماكنها؟ ثم قال: اللَّهم زدهم آيات فإنها عليك سهلات يسيرات لتزيد حُجَّتك عليهم تأكيداً. قال: فرجع القوم إلى بيوتهم فأرادوا دخولها فاعتقلتهم الأرض ومنعتهم ونادتهم: حرام عليكم دخولها حتى تؤمنوا بولاية علىّ، قالوا: آمنا.. ودخلوا.. ثم ذهبوا ينزعون ثيابهم ليلبسوا غيرها فثقلت عليهم ولا يقلوها، ونادتهم: حرام عليكم سهولة نزعنا حتى تقروا بولاية علىّ، فأقروا.. ونزعوها.. ثم ذهبوا يلبسون ثياب الليل فثقلت عليهم ونادتهم: حرام عليكم لبسنا حتى تعترفوا بولاية علىّ، فاعترفوا.. ثم ذهبوا يأكلون فثقلت عليهم اللقم وما لم يثقل منها استحجر فى أفواههم وناداهم: حرام عليكم
стр. 400
أكلنا حتى تعترفوا بولاية علىّ، فاعترفوا.. ثم ذهبوا يبولون ويتغوطون فتعذبوا وتعذر عليهم ونادتهم بطونهم ومذاكيرهم: حرام عليكم السلامة منا حتى تعترفوا بولاية علىّ بن أبى طالب، فاعترفوا.. ثم ضجر بعضهم وقال: ﴿اللهم إِن كَانَ هاذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال الله : ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] .. إلخ.
* *
* الشجرة التى نُهى آدم عن الأكل منها:
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٥] من سورة البقرة: ﴿وَقُلْنَا يَآءَادَمُ اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هاذه الشجرة﴾ .. يبين المراد من الشجرة ويعلل النهى عنها فيقول: ".. لا تقربا هذه الشجرة: شجرة العلم، شجرة علم محمد وآل محمد، الذين آثرهم الله به دون سائر خلقه، فقال الله تعالى: لا تقربا هذه الشجرة، شجرة العلم، فإنها لمحمد وآله خاصة دون غيرهم، ولا يتناول منها بأمر الله إلا هم.. ومنها ما كان يتناوله النبى، وعلىّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، بعد إطعامهم المسكين واليتيم والأسير حتى لم يحسوا بعد بجوع ولا عطش ولا تعب ولا نَصَب، وهى شجرة تميزت من بين أشجار الجنة، إن سائر أشجار الجنة كان كل نوع منها يحمل نوعاً من الثمار والمأكول، وكانت هذه الشجرة وجنسها تحمل البُرَّ والعِنَب والتين والعُنَّاب وسائر أنواع الثمار والفواكه والأطعمة، فلذلك اختلف الحاكون لتلك الشجرة، فقال بعضهم: هى بُرَّة، وقال آخرون: هى عِنَبة، وقال آخرون: هى عُنَّابة. قال الله تعالى: ولا تقربا هذه الشجرة تلتمسان بذلك دوحة محمد وآل محمد فى فضلهم، فإن الله تعالى خصَّهم بهذه دون غيرها، وهى شجرة التى مَن يتناول منها بإذن الله أُلْهِم علم الأوَّلين والآخرين من غير تعلم. ومَنِ تناول منها بغير إذن الله خاب من مراده وعصى ربه، ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظالمين﴾ .. بمعصيتكما والتماسكما درجة قد أوثر بها غيركما كما إذ أردتما بغير حكم الله".
* *
* توسل الأنبياء والأُمم السابقة بمحمد ﷺ وبأهل البيت:
وقد جاء فى هذا التفسير من الأخبار ما يدل على أن الأنبياء والأُمم السابقين كانوا إذا حزبهم أمر وأهمهم توسلوا بمحمد ﷺ وأهل بيته رضوان الله تعالى عليهم.
فمثلاً عند قوله تعالى فى الآية [٣٨] من سورة البقرة: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .. نراه يقول: ".. فلما زلَّت من آدم الخطيئة واعتذر إلى ربه قال: يا رب؛ تُبْ علىّ واقبل معذرتى، وأعدنى إلى مرتبتى، وارفع لديك درجتى فما أشد تبين بغض الخطيئة وذلها بأعضائى وسائر
стр. 401
بدنى، قال الله تعالى: يا آدم؛ أما تذكر أمرى إياك بأن تدعونى بمحمد وآله الطيبين عند شدائدك ودواهيك وفى النوازل تنزل بك؟ قال آدم: يا رب بلى، قال الله له: فتوسل بمحمد وعلىّ وفاطمة والحسن والحسين خصوصاً، فادعنى أجبك إلى ملتمسك وأزدك فوق مرادك، فقال آدم: يا رب وقد بلغ عندك من محلهم أنك بالتوسل بهم تقبل توبتى، وتغفر خطيئتى، وأنا الذى أسجدتَ له ملائكتك، وأبحته جنَّتك، وزوَّجته حواء أَمَتك، وأخدمته كرام ملائكتك؟ قال الله: يا آدم؛ إنما أمرتُ الملائكة بتعظيمك بالسجود إذ كنتَ وعاءً لهذه الأنوار، ولو كنتَ سألتنى بهم قبل خطيئتك أن أعصمك منها وأن أفطنك لدواعى عدوك إبليس حتى تحذر منها لكنتُ قد جعلتُ ذلك، ولكن المعلوم فى سابق علمى يجرى موافقاً لعلمى، فالآن بهم فادعنى لأُجبك، فعند ذلك قال آدم: اللَّهم بجاه محمد وآله الطيبين، بجاه محمد وعلىّ وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهم لما تفضَّلتَ بقبول توبتى، وغفران زلَّتى. وإعادتى من كراماتك إلى مرتبتى، فقال الله : قد قبلتُ توبتك وأقبلتُ برضوانى عليك، ورزقتُ آلائى ونعمائى عليك، وأعدتك إلى مرتبتك من كراماتى، ووفرت نصيبك من رحماتى. فذلك قوله : ﴿فتلقىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم﴾ [البقرة: ٣٧] .
ومثلاً عند قوله تعالى فى الآية [٥٠] من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ نجده يقول: "قال الله : واذكروا إذ جعلنا ماء البحر فرقاً ينقطع بعضه عن بعض، فأنجيناكم هناك وأغرقنا فرعون وقومه وأنتم تنظرون إليهم وهم يغرقون، وذلك أن موسى لما انتهى إلى البحر أوحى الله إليه: قل لبنى إسرائيل جدِّدوا توحيدى، وأَمِرُّوا بقلوبكم ذكر محمد سيد عبيدى وإمائى، وأعيدوا على أنفسكم الولاية لعلىّ أخى محمد وآله الطبيين، وقولوا: اللَّهم بجاههم جوِّزنا على متن هذا الماء، فإنه يتحول لكم أرضاً، فقال لهم موسى ذلك، فقالوا: أتورد علينا ما نكره، وهل فررنا من آل فرعون إلا من خوف الموت، وأنت تقتحم بنا هذا الماء الغمر بهذه الكلمات، وما يدرينا ما يحدث من هذه علينا؟ فقال لموسى كالب بن يوحنا وهو على دابة له - وكان ذلك الخليج أربعة فراسخ - يا نبى الله؛ أمرك الله بهذا أن نقوله وندخل الماء؟ قال: نعم. قال: وأنت تأمرنى به؟ قال: نعم، فوقف وجدَّد على نفسه من توحيد الله ونبوة محمد وولاية علىّ والطيبين من آلهما ما أُمِرَ به، ثم قال: اللَّهم بجاههم جوِّزنى على متن هذا الماء، وإذا الماء قصته كأرض لينة، حتى بلغ آخر الخليج ثم عاد راكضاً، ثم قال لبنى إسرائيل: يا بنى
стр. 402
إسرائيل؛ أطيعوا موسى، فما هذا الدعاء إلا مفتاح أبواب الجنان، ومغاليق أبواب النيران، ومستنزل الأرزاق. وجالب على عباد الله وإمائه رضا المهيمن الخلاق. فأبوا وقالوا: لا نسير إلا على الأرض، فأوحى الله: يا موسى؛ اضرب بعصاك البحر وقل: اللَّهم بجاه محمد وآله الطيبين لما فلقته، ففعل؛ فانفلق وظهرت الأرض إلى آخر الخليج، فقال موسى: ادخلوها، قالوا: الأرض وحلة، نخاف أن نرسب فيها، فقال الله : يا موسى؛ قل: اللَّهم بحق محمد وآله الطيبين جففها، فقالها، فأرسل الله عليها ريح الصبا فجفَّت، فقال موسى: ادخلوها، فقالوا: يا نبى الله؛ نحن اثنتا عشرة قبيلة بنو اثنى عشر أباً، وإن دخلناها رام كل فريق منا تقدم صاحبه، ولا نأمن من وقوع الشر بيننا، فلو كان لكل فريق منا طريق على
حدة لأمنا ما نخافه، فأمر الله موسى أن يضرب البحر بعددهم اثنى عشر ضربة، فى اثنتى عشرة موضعاً إلى جانب ذلك الموضع ويقول: اللَّهم بجاه محمد وآله الطيبين بَيِّن الأرض لنا، وأقصر الماء عنا، فصار فيه تمام اثنى عشر طريقاً، وجَفَّ قرار الأرض بريح الصبا، فقال: ادخلوها، فقالوا: كل فريق منا يدخل سكة من هذه السكك لا يدرى ما يحدث على الآخرين، فقال الله : فاضرب كل طَوْد من الماء بين هذه السكك، فضرب فقال: اللَّهم بجاه محمد وآله الطيبين لما جعلت فى هذا الماء طيقاناً واسعة يرى بعضهم بعضاً، فحدثت طيقان واسعة يرى بعضهم بعضاً، ثم دخلوها، فلما بلغوا آخرها جاء فرعون وقومه فدخل بعضهم، فلما دخل آخرهم وهمَّ أولهم بالخروج أمر الله تعالى البحر فانطبق عليهم فغرقوا، وأصحاب موسى ينظرون إليهم فذلك قوله : ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ .
* *
* التقيَّة:
وهو يعترف بالتقيَّة ويدين بها، ويروى عن رسول الله ﷺ أحاديث فيها، فمن ذلك: أنه روى عن الحسن بن علىّ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الأنبياء إنما فضَّلهم الله على الخلق أجمعين لشدة مداراتهم لأعداء دين الله، وحُسن تقيتهم لأجل إخوانهم فى الله".
وروى عن أمير المؤمنين أنه قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن سُئل عن علم فكتمه حيث يجب إظهاره وتزول عنه التقية، جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من النار".
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٦٣] من سورة البقرة: ﴿وإلاهكم إلاه وَاحِدٌ لاَّ إلاه إِلاَّ هُوَ الرحمان الرحيم﴾ .. يقول: "الرحيم بعباده المؤمنين من شيعة آل محمد،
стр. 403
وسَّع لهم فى التقية، يجاهرون بإظهار موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه إذا قدروا، ويُسِّرُّونها إذا عجزوا".
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٧٣] من سورة البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير﴾ .. الآية، يقول: ".. نظر الباقر إلى بعض شيعته وقد دخل خلفَ بعض المنافقين إلى الصلاة، وأحس الشيعى بأن الباقر قد عرف ذلك منه بقصده وقال: أعتذر إليك يا ابن رسول الله عن صلاتى خلف فلان فإنها تقيَّة، ولولا ذلك لصليتُ وحدى، قال له الباقر: يا أخى؛ إنما كنت تحتاج أن تعتذر لو تركت، يا عبد الله المؤمن؛ ما زالت ملائكة السماوات السبع والأرضين السبع تصلى عليك وتلعن إمامك ذاك، وإن الله تعالى أمر أن تُحسب صلاتك خلفه للتقيَّة بسبعمائة صلاة لو صليتها لوحدك. فعليك بالتقيَّة".
* *
* تأثره بمذهب المعتزلة:
وإنا لنجد فى هذا التفسير تأثراً بمذهب المعتزلة ومعتقداتهم، فمثلاً عند قوله تعالى فى الآية [٧] من سورة البقرة: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ .. نجد المؤلف لا يرتضى نسبة الختم إلى الله على ظاهره، ونراه يتأوَّل هذا الختم بما يتفق ورأى المعتزلة فيقول: "أى وسَمَها بسِمَة يعرفها مَن يشاء من ملائكته إذا نظروا إليها بأنهم الذين لا يؤمنون، وعلى سمعهم كذلك بسِمَات، وعلى أبصارهم غشاوة، وذلك أنهم لما أعرضوا عن النظر فيما كُلِّفوه، وقصَّروا فيما أُرِيد منهم، جهلوا ما لزمهم من الإيمان به، فصاروا كمن على عينه غطاء لا يبصر ما أمامه، فإن الله يتعالى عن العبث والفساد، وعن مطالبة العباد بما قد منعهم بالقهر منه، فلا يأمرهم بمغالبته ولا بالمسير إلى ما قد صدَّهم بالعجز".
* *
* تأثره فى تفسيره بآراء الشيعة فى الفروع الفقهية:
كذلك نجد المؤلف يجرى فى تفسيره على وفق ما يميل إليه من الأحكام الفقهية التى يقول بها الإمامية الإثنا عشرية.
فمثلاً عند قوله تعالى فى الآية [٤٣] من سورة البقرة: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ .. نراه يروى حديثاً طويلاً عن رسول الله ﷺ يؤخذ منه صراحة أن فرض الرِجْلين فى الوضوء مسحهما لا غسلهما، وأن غسلهما لا يجوز إلا للتقيَّة، وهذا الحديث هو: أن رسول الله ﷺ قال: إن العبد إذا توضأ فغسل وجهه تناثرت ذنوب وجهه، وإذا غسل يديه إلى المرفقين تناثرت عنه ذنوب يديه، وإذا مسح رأسه تناثرت ذنوب رأسه، وإذا مسح رجليه - أو غسلهما تقيَّة - تناثرت ذنوب رجليه" ... إلخ.
стр. 404
وهكذا نجد هذا التفسير يسير مع الهوى الشيعى، سيراً فيه كثير من التطرف والغلو والخروج عن دائرة المعقول المقبول. وإذا كان هذا التفسير من عمل الحسن العسكرى، الإمام المعصوم، الذى عنده علم القرآن كله، فتلك أكبر شهادة على أنه لا عصمة له ولا علم عنده، وكيف يصدر هذا التلاعب بنصوص القرآن من إمام له قيمته ومكانته.
وإذا كان ما يذكره صاحب أعيان الشيعة من علمه وصلاحه أمراً حقيقياً، فالظن بهذا الكتاب أن يكون منسوباً إلى هذا الإمام زوراً وبهتاناً، وهذا ما أُرجحه وأختاره، لأنى لم أعثر على نقل صحيح يدل على غلو الرجل وتطرفه فى التشيع كما فعل غيره.
* * *
стр. 405
٣- مجمع البيان لعلوم القرآن (للطبرسى)
* ترجمة المؤلف ومكانته العلمية:
مؤلف هذا التفسير فى نظر أصحابه هو أبو علىّ، الفضل بن الحسن ابن الفضل الطبرسى المشهدى، الفاضل، العالِم، المفسِّر، الفقيه، المحدِّث، الجليل، الثقة، الكامل، النبيل، وهو من بيت عُرِف أهله بالعلم، فهو وابنه رضى الدين أبو نصر حسن بن الفضل صاحب مكارم الأخلاق، وسبطه أبو الفضل علىّ بن الحسن، وسائر سلسلته وأقربائه، من أكابر العلماء. ويروى عنه جماعة من العلماء منهم: ولده المذكور، وابن شهراشوب، والشيخ منتخب الدين، والقطب الراوندى، وغيرهم. ويروى هو عن الشيخ أبى علىّ ابن الشيخ الطوسى. قال الشيخ منتخب الدين فى الفهرس: "هو ثقة، فاضل، دَيِّن، عَيْن، له تصانيف، منها: مجمع البيان فى تفسير القرآن، والوسيط فى التفسير أربع مجلدات، والوجيز مجلدة، وإعلام الورى بأعلام الهدى مجلدتين، وتاج المواليد، والآداب الدينية للخزانة المعيبة".
قال صاحب روضات الجنَّات معقباً على هذا: "وقد فرغ من تأليف المجمع فى منتصف ذى القعدة سنة ٥٣٤ هـ (أربع وثلاثين وخمسمائة) ولعل مراده بالوسيط هو تفسير جوامع الجامع المشهور. وبالوجيز: الكافِ الشافِ عن الكشاف، ويحتمل المغايرة".
وقال صاحب مجالس المؤمنين ما معناه: "إن عمدة المفسِّرين، أمين الدين، ثقة الإسلام، أبو علىّ الفاضل بن الحسن بن الفضل الطبرسى، كان من نحارير علماء التفسير، وتفسيره الكبير الموسوم بمجمع البيان، بيان كاف ودليل واف لجامعيته لفنون الفضل والكمال، ثم لما وصل إليه بعد هذا التأليف كتاب الكشاف واستحسن طريقته، ألَّف تفسيراً آخر مختصراً، شاملاً لفوائد تفسيره الأول ولطائف الكشاف، وسماه الجوامع، وله تفسير ثالث أيضاً أخصر من الأولين، وتصانيف أخرى فى الفقه والكلام، ويظهر من كتاب اللمعة الدمشقية فى مبحث الرضاع أن الطبرسى هذا كان داخلاً فى زمرة مجتهدى علمائنا أيضاً، ومقالته فى الرضاع معروفة، وهى قوله بعدم اعتبار اتحاد الفحل فى نشر الحرمة، وكذا قوله بأن المعاصى كلها كبائر، وإنما يكون اتصافها بالصغيرة بالنسبة لما هو أكبر".
ومن العجيب أنهم يذكرون قصة فى غاية الطرافة والغرابة فى سبب تأليفه لتفسيره "مجمع البيان" - الذى نحن بصدده - فيقولون: "ومن عجيب أمر هذا الطبرسى بل
стр. 406
من غريب كراماته، وما اشتهر بين الخاص والعام، أنه قد أصابته السكتة فظنوا به الوفاة فغسلوه وكفنوه ودفنوه ثم رجعوا، فلما أفاق وجد نفسه فى القبر ومسدوداً عليه سبيل الخروج عنه من كل جهة، فنذر فى تلك الحالة أنه إذا نجى من تلك الداهية ألَّف كتاباً فى تفسير القرآن، فاتفق أن بعض النبَّاشين قصده لأخذ كفنه، فلما كشف عن وجه القبر أخذ الشيخ بيده، فتحيَّر النباش، ودهش مما رآه، ثم تكلم معه فأزداد به قلقاً، فقال له: لا تخف، أنا حى وقد أصابتنى السكتة ففعلوا بى هذا، ولما لم يقدر على النهوض والمشى من غاية ضعفه، حمله النبَّاش على عاتقه وجاء به إلى بيته الشريف، فأعطاه الخلعة وأولاه مالاً جزيلاً، وتاب على يده النبَّاش، ثم إنه بعد ذلك وفى بنذره الموصوف، وشرع فى تأليفه مجمع البيان".
وكانت وفاته ليلة النحر سنة ٨٣٥ هـ (ثمان وثلاثين وخمسمائة من الهجرة) .
* *
* الكلام على هذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
قبل أن أخوض فى الكلام عن هذا التفسير أرى أن أسوق ما جاء فى مقدمة هذا التفسير للمؤلف ﵀، لما جاء فيه من بيان الحوافز التى دفعت مؤلفه إلى تأليفه، ولما أوضحه لنا من طريقته التى سلكها فى تفسيره، فهو أدرى بها وأعلم..
*
* الدواعى التى حملت الطبرسى على كتابة هذا التفسير:
ذكر الطبرسى هذه الدواعى فقال: " ... وقد خاض العلماء قديماً وحديثاً فى علم تفسير القرآن، واجتهدوا فى إبراز مكنونه وإظهار مضمونه، وألَّفوا فيه كتباً جمَّة غاصوا فى كثير منها إلى أعماق لججه، وشققوا الشعر فى إيضاح حججه، وحققوا فى تفتيح أبوابه وتغلغل شعابه، إلا أن أصحابنا - رضى الله عنهم - لم يدوِّنوا فى ذلك غير مختصرات نقلوا فيها ما وصل إليهم فى ذلك من الأخبار، ولم يعنوا ببسط المعانى فيه وكشف الأسرار، إلا ما جمعه الشيخ الأجل السعيد، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسى من كتاب التبيان، فإنه الكتاب الذى يُقتبس من ضيائه الحق، ويلوح عيه رواء الصدق، وقد تضمن فيه من المعانى الأسرار البديعة، واختصر من الألفاظ اللغة الوسيعة، ولم يقنع بتدوينها دون تبينها، ولا بتنميقها دون تحقيقها، وهو القدوة أستضئ بأنواره، وأطأ مواقع آثاره، غير أنه خلط فى أشياء مما ذكره فى الإعراب والنحو الغث بالسمين، والخاثر بالزباد، ولم يميز الصلاح مما ذكر فيه والفساد، وأدى الألفاظ فى مواضع من متضمناته قاصرة عن المراد، وأخلَّ بحسن الترتيب وجودة التهذيب، فلم يقع له لذلك من القلوب السليمة الموقع المرضى، ولم يعل من الخواطر الكريمة المكان العلى".
стр. 407
"وقد كنت فى ريعان الشباب وحداثة السن، وريَّان العيش ونضارة الغصن، كثير النزاع شديد التشوق إلى جمع كتاب فى التفسير، ينتظم أسرار النحو اللطيفة، ولمع اللُّغة الشريفة، ويفى موارد القراءات من متوجهاتها، مع بيان حججها الواردة من جميع جهاتها، ويجمع جوامع البيان فى المعانى المستنبطة من معادنها، المستخرجة من كوامنها، إلى غير ذلك من علومه الجمَّة، مطلعة من الغلف والأكمة، فيعترض لذلك جوائح الزمان، وعوائق الحدثان، وواردات الهموم، وهفوات القدر المحتوم، وهلم جرآ إلى الآن، وقد زرف سنى على الستين واشتعل الرأس شيباً، وامتلأت العيبة عيباً، فحدانى على تصميم هذه العزيمة ما رأيت من عناية مولانا الأمير السيد الأجل العالِم، ولى النعِيم جلال الدين ركن الإسلام، فخر آل رسول الله صلى الله عليه وآله، أبَى منصور محمد بن يحيى بن هبة الله الحسين - أدام الله علاه - بهذا العلم، وصدق رغبته فى معرفة هذا الفن. وقصر همه على تحقيق حقائقه، والاحتواء على جلائله ودقائقه، والله عَزَّ اسمه المسئول أن يحرس للإسلام والمسلمين رفيع حضرته، ويفيض على الفضل والفضلاء سجال سيادته، ويمد على العلم والعلماء أمداد سعادته.. فأوجبتُ على نفسى إجابته إلى مطلوبه، وإسعافه بمحبوبه، واستخرتُ الله تعالى، ثم قصرت وهَمْى وهَمِّى على اقتناء هذه الذخيرة الخطيرة، واكتساب هذه الفضيلة النبيلة، وشمرتُ عن ساق الجد، وبذلتُ غاية الجهد والكد، وأسهرتُ الناظر، وأتعبتُ الخاطر، وأطلتُ التفكير، وأحضرتُ التفاسير، واستمددتُ من الله التوفيق والتيسير".
* *
* وصف الطبرسى لتفسيره:
ثم وصف الطبرسى تفسيره فقال: "وابتدأتُ فى تأليف كتاب هو فى غاية التلخيص والتهذيب، وحسن النظم والترتيب، يجمع أنواع هذا العلم وفنونه، ويحوى فصوصه وعيونه، من علم قراءاته وإعرابه ولغاته، وغوامضه ومشكلاته، ومعانيه وجهاته، ونزوله وأخباره، وقصصه وآثاره، وحدوده وأحكامه - وحلاله وحرامه، والكلام على مطاعن المبطلين فيه، وذكرنا ما يتفرد به أصحابنا - رضى الله عنهم - من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحة ما يعتقدونه من الأصول والفروع، والمعقول والمسموع، على وجه الاعتدال والاختصار، فوق الإيجاز دون الإكثار، فإن الخواطر فى هذا الزمان لا تحمل أعباء العلوم الكثيرة، وتضعف عن الإجراء فى الحلبات الخطيرة، إذ لم يبق من العلماء إلا الأسماء، ومن العلوم إلا الذماء". * *
*
стр. 408
منهج الطبرسى فى تفسيره:
ثم وضَّح منهجه فقال: " وقدَّمتُ فى مطلع كل سورة ذكر مكيها ومدنيها، ثم ذكر الاختلاف فى عدد آياتها، ثم ذكرت تلاوتها، ثم أُقدِّم فى كل آية الاختلاف فى القراءات، ثم أذكر العلل والاحتجاجات، ثم أذكر العربية واللُّغات، ثم أذكر الإعراب والمشكلات، ثم أذكر الأسباب والنزولات، ثم أذكر المعانى والأحكام والتأويلات، والقصص والجهات، ثم أذكر انتظام الآيات. على أنى قد جمعت فى عربيته كل غُرَّة لائحة، وفى إعرابه كل حُجَّة واضحة، وفى معانيه كل قول متين، وفى مشكلاته كل برهان مبين، فهو بحمد الله للأديب عمدة، وللنحوى عُدَّة، وللمقرئ بصيرة، وللناسك ذخيرة، وللمتكلم حُجَّة، وللمحدِّث محجة، وللفقيه دلالة، وللواعظ آلة، وسميته "مجمع البيان لعلوم القرآن".
* *
* مقدمات الكتاب:
ثم استطرد إلى ذكر مقدمات تتعلق ببعض علوم القرآن فقال: وقبل أن نشرع فى تفسير السور والآيات، فنحن نُصدِّر الكتاب بذكر مقدمات لا بد من معرفتها، لمن أراد الخوض فى علومه تجمعها فنون سبعة:
جعل الفن الأول منها: فى أعداد آى القرآن والفائدة من معرفتها.
والفن الثانى: فى ذكر أسامى القرَّاء المشهورين فى الأمصار ورواتهم.
والفن الثالث: فى ذكر التفسير والتأويل والمعنى، والتوفيق بين ما ورد من الآيات والآثار من النهى عن التفسير بالرأى وإباحته.
والفن الرابع: فى ذكر أسامى القرآن ومعانيها.
والفن الخامس: فى أشياء من علوم القرآن يحال فى شرحها وبسط الكلام فيها على المواضع المختصة بها والكتب المؤلَّفة فيها كإعجاز القرآن، والكلام عن زيادة القرآن ونقصانه.
وهنا يقول: فأما الزيادة فيه فمُجْمَع على بطلانه، وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن فى القرآن تغييراً ونقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذى نصره المرتضى قدَّس الله روحه ... إلخ.
ثم ذكر من جمله العلوم التى يحال فى شرحها وبسط الكلام فيها على الكتب المؤلَّفة فيها الكلام فى النسخ والناسخ والمنسوخ وغير ذلك من العلوم المتعلقة بالقرآن وليست داخلة فى التفسير.
والفن السادس: فى ذكر بعض ما جاء من الأخبار المشهورة فى فضل القرآن وأهله.
стр. 409
والفن السابع: فى ذكر ما يُستحَب للقارئ من تحسين اللفظ وتزيين الصوت بقراءة القرآن.
ثم شرع فى التفسير فتكلم عن الاستعاذة فالبسملة ففاتحة الكتاب وهكذا إلى آخر القرآن.
والحق أن تفسير الطبرسى - بصرف النظر عما فيه من نزعات تشيعية وآراء اعتزالية - كتاب عظيم فى بابه، يدل على تبحر صاحبه فى فنون مختلفة من العلم والمعرفة. والكتاب يجرى على الطريقة التى أوضحها لنا صاحبه، فى تناسق تام وترتيب جميل، وهو يجيد فى كل ناحية من النواحى التى يتكلم عنها، فإذا تكلم عن القراءات ووجوهها أجاد، وإذا تكلم عن المعانى اللُّغوية للمفردات أجاد، وإذا تكلم عن وجوه الإعراب أجاد، وإذا شرح المعنى والإجمالى أوضح المراد، وإذا تكلم عن أسباب النزول وشرح القصص استوفى الأقوال وأفاض، وإذا تكلم عن الأحكام تعرَّض لمذاهب الفقهاء، وجهر بمذهبه ونصره إن كانت هناك مخالفة منه للفقهاء، وإذا ربط بين الآيات آخى بين الجُمَل، وأوضح لنا عن حُسْن السبك وجمال النظم، وإذا عرض لمشكلات القرآن أذهب الإشكال وأراح البال. وهو ينقل أقوال مَن تقدَّمه من المفسِّرين معزوة لأصحابها، ويرجح ويوجه ما يختار منها، وإذا كان لنا بعض المآخذ عليه فهو تشيعه لمذهبه وانتصاره له، وحمله لكتاب الله على ما يتفق وعقيدته، وتنزيله لآيات الأحكام على ما يتناسب مع الاجتهادات التى خالف فيها هو ومَن على شاكلته، وروايته لكثير من الأحاديث الموضوعة. غير أنه - والحق يقال - ليس مغالياً فى تشيعه، ولا متطرفاً فى عقيدته، كما هو شأن كثير غيره من علماء الإمامية الإثنا عشرية.
وإليك بعض المثل من هذا التفسير، لترى كيف يميل الطبرسى بالآيات القرآنية إلى المعانى التى تتفق ومذهبه، وكيف يحاول بكل قواه الجدلية العنيفة أن يقيم مذهبه على أُسس من القرآن الكريم، وأن يرد ما يصادفه من ظواهر النصوص ويدفع بها فى وجه خصمه:
* إمامة علىّ:
لما كان الطبرسى يدين بإمامة علىّ رضى الله عنه، ويرى أنه خليفة النبى ﷺ بلا فصل، فإنَّا نراه يحاول بكل جهوده أن يثبت إمامته وولايته من القرآن فنراه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ .. يبذل مجهوداً كبيراً لاستخلاص وجوب إمامة علىّ رضى الله عنه من هذه الآية، فنجده أولاً يتكلم
стр. 410
عن المعانى اللُّغوية لبعض مفردات الآية، فيفسِّر "الولى" بقوله: "الولى هو الذى يلى النُصْرة والمعونة، والولى هو الذى يلى تدبير الأمر. يقال: فلان ولى أمر المرأة إذا كان يملك تدبير نكاحها. وولى الدم مَن كان إليه المطالبة بالقَوْد. والسلطان ولى أمر الراعية. ويقال لمن يرشحه للخلافة عليهم بعده: ولى عهد المسلمين. قال الكميت يمدح علياً:
ونِعْم ولى الأمر بعد وليه ... ومنتجع التقوى ونِعْم المؤدب
ويروى الفتوى: "وإنما أراد ولى الأمر والقائم بتدبيره، قال المبرد فى كتاب العبادة عن صفات الله: "أصل الولى الذى هو أولى - أى أحق - ومثله المولى".
ثم بعد ذلك فسَّر الطبرسى "الركوع" و "الحزب"، ثم ذكر الإعراب ثم ذكر سبب النزول فقال بعد سياقه لسند طويل: " ... بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم يقول: "قال رسول الله ﷺ "، إذ أقبل رجل متعمم بعمامة، فجعل ابن عباس لا يقول: قال رسول الله ﷺ ، إلا قال الرجل: "قال رسول الله، فقال ابن عباس: سألتك بالله مَن أنت؟ فكِشف العمامة عن وجهه وقال: يا أيها الناس؛ مَن عرفنى فقد عرفنى، ومَن لم يعرفنى فأنا جندب من جنادة البدرى أبو ذر الغفارى، سمعتُ رسول الله ﷺ بهاتين وإلا صمتا، ورأيته بهاتين وإلا عميتا يقول: "علىّ قائد البررة، وقاتل الكفرة، ومنصورٌ مَن نصره، ومخذولٌ مَن خذله"، أما إنى صليتُ مع رسول الله ﷺ يوماً من الأيام صلاة الظهر فسأل سائل فى المسجد فلم يعطه أحد شيئاً، فرفع السائل يده إلى السماء فقال: اللَّهم إنى سألت فى مسجد رسول الله فلم يعطنى أحد شيئاً، وكان علىّ راكعاً فآوى بخنصره اليمنى إليه - وكان يتختم فيها - فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين رسول الله ﷺ ، فلما فرغ النبى من صلاته رفع رأسه إلى السماء فقال: اللَّهم إن أخى موسى سألك فقال: ﴿رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لي أَمْرِي * واحلل عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي * واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي* اشدد بِهِ أَزْرِي *وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي﴾ [طه: ٢٥-٣٢] فأُنزِلت عليه قرآناً ناطقاً: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص: ٣٥] ، اللَّهُم وأنا محمد نبيك وصفيك، اللَّهم فاشرح لى صدرى، ويَسِّر لى أمرى، واجعل لى وزيراً من أهلى، علياً أشدد به ظهرى. قال أبو ذر: فواللهِ ما استتم رسول الله ﷺ الكلمة حتى نزل عليه جبريل من عند ربه فقال: يا محمد؛ اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال اقرأ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ﴾ [المائدة: ٥٥] ..
وروى هذا الخبر أبو إسحاق الثعلبى فى تفسيره بهذا الإسناد بعينه، وروى أبو بكر الرازى فى كتاب أحكام القرآن - على ما حكاه المغربى عنه، والرمانى، والطبرى أنها نزلت فى علىّ حين تصدَّق بخاتمه وهو راكع، وهو قول مجاهد والسدى. والمروى عن أبى جعفر وأبى عبد الله وجميع علماء أهل البيت.
стр. 411
وقال الكلينى: نزلت فى عبد الله بن سلام وأصحابه لما أسلموا فقطعت اليهود موالاتهم فنزلت الآية. وفى رواية عطاء قال عبد الله بن سلام: يا رسول الله؛ أنا رأيت علياً تصدَّق بخاتمه وهو راكع فنحن نتولاه.
وقد رواه السيد أبو الحمد أبى القاسم الحسكانى بالإسناد المتصل المرفوع إلى أبى صالح أبى الصلاح عن ابن عباس قال: أقبل عبد الله بن سلام ومعه نفر من قومه ممن آمنوا بالنبى ﷺ فقالوا: يا رسول الله؛ إن منازلنا بعيدة، وليس لنا مجلس ولا متحدث دون هذه المجالس. وإن قومنا لما رأونا آمنا بالله ورسوله وصدَّقناه رفضونا وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلمونا فشق ذلك علينا، فقال لهم النبى ﷺ : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ﴾ ... الآية، ثم إن النبى خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع، فبصر بسائل، فقال النبى ﷺ : هل أعطاك أحد شيئاً؟ فقال: نعم، خاتم من فضة، فقال النبى: مَن أعطاكه؟ قال: ذلك القائم - وأومأ بيده إلى علىّ - فقال النبى ﷺ : على أى حال أعطاكه؟ قال: أعطانى وهو راكع، فكبَّر النبى ثم قرأ: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون﴾ [المائدة: ٥٦] .. فأنشأ حسان بن ثابت يقول فى ذلك:
أبا حسن تفديك نفسى ومُهجتى ... وكل بطئ فى الهدى ومسارع
أيذهب مدحيك المحبر ضائعاً ... وما المدح فى جنب الإله بضائع
فأنت الذى أعطيت إذ كنت راكعاً ... زكاة فدتك النفس يا خير راكع
فأنزل فيك الله خير ولاية ... وثبتها ثبت الكتاب الشرائع
وفى حديث إبراهيم بن الحكم بن ظهير: أن عبد الله بن سلام أتى رسول الله ﷺ مع رهط من قومه يشكو إلى رسول الله ﷺ ما لقوا من قومهم، فبينا هم يشكون إذ نزلت هذه الآية، وأذَّن بلال فخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد وإذا بمسكين يسأل، فقال ﷺ : ماذا أُعْطِيتَ؟ قال: خاتم من فضة، قال: مَن أعطاكه؟ قال: ذلك القائم. فإذا هو علىّ. قال: على أى حال أعطاكه؟ قال: أعطانى وهو راكع، فكبَّر رسول الله ﷺ وقال: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ..﴾ ..
ثم شرح المعنى فقال: "ثم بيَّن تعالى مَن له الولاية على الخلق والقيام بأمرهم، ويجب طاعته عليهم، فقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ﴾ .. أى الذى يتولى مصالحكم ويحقق تدبيركم هو الله تعالى، ورسوله يفعله بأمره: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ .. ثم وصف الذين آمنوا فقال: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ بشرائطها، ﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾ أى ويعطون الزكاة ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ أى فى حال الركوع. وهذه الآية من أوضح الدلالة على صحة إمامة علىّ بعد النبى ﷺ بلا فصل. والوجه فيه: أنه إذا ثبت أن لفظة: ﴿وَلِيُّكُمُ﴾ فى الآية تفيد مَن هو أولى بتدبير أموركم ويجب طاعته عليكم،
стр. 412
وثبت أن المراد بـ ﴿الذين آمَنُواْ﴾ علىّ، ثبت النص عليه بالإمامة ووضح. والذى يدل على الأول هو الرجوع إلى اللُّغة. فمن تأملها علم أن القوم نَصُّوا على ذلك، وقد ذكرنا قول أهل اللُّغة فيه قبل فلا وجه لإعادته. وإن الذى يدل على أنها فى الآية تفيد ذلك دون غيره، أن لفظة ﴿إِنَّمَا﴾ على ما تقدم ذكره تفيد التخصيص ونفى الحكم عمن عدا المذكور، كما يقولون: إنما الفصاحة للجاهلية، ويعنون نفى الفصاحة عن غيرهم. وإذا تقرر هذا لم يجز حمل لفظة "الوالى" على الموالاة فى الدين والمحبة، لأنه لا تخصيص فى هذا المعنى لمؤمن دون مؤمن آخر، والمؤمنون كلهم مشتركون فى هذا المعنى، كما قال سبحانه: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] .. وإذا لم يجز حمله على ذلك لم يبقَ إلا الوجه الآخر وهو التحقيق بالأمور، وما يقتضى فرض الطاعة على الجمهور، لأنه لا محتمل للفظ إلا الوجهان، فإذا بطل أحدهما ثبت الآخر، والذى يدل على أن المعنى بـ ﴿الذين آمَنُواْ﴾ هو علىّ؛ الرواية الواردة من طريق العامة والخاصة بنزول الآية فيه لما تصدَّق بخاتمه فى حال الركوع، وقد تقدم ذكرها، وأيضاً فإن كل مَن قال: إن المراد بلفظة "ولى" ما يرجع إلى فرض الطاعة والإمامة، ذهب إلى أنه هو المقصود بالآية والمنفرد، ولا أحد من الأمة يذهب إلى أن هذه اللفظة تقتضى ما ذكرنا ويذهب إلى أن المعنىَّ بها سواه، وليس لأحد أن يقول: إن لفظة ﴿الذين آمَنُواْ﴾ لفظ جمع فلا يجوز أن يتوجه إليه
على الانفراد، وذلك أن أهل اللغة قد يُعبِّرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل التفخيم والتعظيم، وذلك أشهر فى كلامهم من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه. وليس لهم أن يقولوا: إن المراد بقوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ، أن هذه شيمتهم وعادتهم ولا يكون حالاً لإيتاء الزكاة، وذلك لأن قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصلاة﴾ ، قد دخل فيه الركوع، فلو لم يحمل قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ على أنه حال مَن ﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾ ، وحملناه على مَن صفتهم الركوع، كان ذلك كالتكرار غير المفيد، والتأويل المفيد أولى من البعيد الذى لا يفيد. ووجه آخر فى الدلالة على أن الولاية فى الآية مختصة، أنه قال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله﴾ فخاطب جميع المؤمنين، ودخل فى الخطاب النبى ﷺ وغيره، ثم قال: ﴿وَرَسُولُهُ﴾ فأخرج النبى ﷺ من جملتهم لكونهم مضافين إلى ولايته، ثم قال: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ فوجب أن يكون الذى خوطب بالآية هو الذى جُعِلَت له الولاية وإلا أدى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه، وإلى أن يكون كل واحد من المؤمنين ولى نفسه، وذلك محال. واستيفاء الكلام فى هذا الباب يطول به الكتاب ومَن أراده فليطلبه من مظانه ... ".
стр. 413
ولا شك أن هذه محاولة فاشلة، فإن حديث تصدق علىّ بخاتمه فى الصلاة - وهو محور الكلام - حديث موضوع لا أصل له، وقد تكفل العلامة ابن تيمية بالرد على هذه الدعوى فى كتابه منهاج السُّنَّة (الجزء الرابع ص ٣-٩) .
* *
* عصمة الأئمة:
ولما كان الطبرسى يدين بعصمة الأئمة فإنَّا نراه عند تفسيره لقوله تعاتلى فى الآية [٣٣] من سورة الأحزاب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ .. يحاول محاولة جدية أن يقصر أهل البيت على النبى ﷺ وعلىّ وفاطمة والحسن والحسين، ليصل من وراء ذلك إلى أن الأئمة معصومون من جميع القبائح كالأنبياء سواء بسواء، فلهذا يقول بعد ما سرد من الروايات ما يشهد له بالقصر الذى يريده: " ... والروايات فى هذا كثيرة من طريق العامة والخاصة، لو تصدينا لإيرادها لطال الكلام، وفيما أوردناه كفاية.. واستدلت الشيعة على اختصاص الآية بهؤلاء الخمسة بأن قالوا: إن لفظة ﴿إِنَّمَا﴾ محققة لما أُثبت بعدها، نافية لما لم يثبت، فإن قول القائل: إنما لك عندى درهم، وإنما فى الدار زيد، يقتضى أنه ليس عندى سوى الدرهم، وليس فى الدار سوى زيد. وإذا تقرر هذا فلا تخلو الإرادة فى الآية أن تكون هى الإرادة المحضة، أو الإرادة التى يتبعها التطهير وإذهاب الرجس، ولا يجوز الوجه الأول، لأن الله تعالى قد أراد من كل مُكلَّف هذه الإرادة المطلقة، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق، ولأن هذا القول يقتضى المدح والتعظيم لهم بغير شك وشبهة، ولا مدح فى الإرادة المجردة، فثبت الوجه الثانى، وفى ثبوته ثبوت عصمة الأئمة بالآية من جميع القبائح. وقد علمنا أن مَن عدا مَن ذكرنا من أهل البيت غير مقطوع على عصمته، فثبت أن الآية مختصة بهم لبطلان تعلقها بغيرهم. ومتى قيل: إن صدر الآية وما بعدها فى الأزواج، فالقول فيه: إن هذا لاينكره مَن عرف عادة الفصحاء فى كلامهم، فإنهم يذهبون من خطاب إلى غيره ويعودون إليه، والقرآن من ذلك مملوء وكذلك كلام العرب وأشعارهم".
فأنت ترى أن الطبرسى يحاول من وراء هذا الجدل العنيف أن يثبت عصمة الأئمة، وهى عقيدة فاسدة يؤمن بها هو ومَن على شاكلته من الإمامية الإثنا عشرية، ولا شك أن هذا تحكم فى كلام الله تعالى دفعه إليه الهوى وحمله عليه تأثير المذهب.
* *
* الرجعة:
ولما كان الطبرسى يقول بالرجعة، فإنَّا نراه عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٥٦] من سورة البقرة: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ يقول ما نصه: "..
стр. 414
واستدل قوم من أصحابنا بهذه الآية على جواز الرجعة. وقول مَن قال: إن الرجعة لا تجوز إلا فى زمن النبى لتكون معجزة له دلالة على نبوته باطل، لأن عندنا - بل عند أكثر الأمة - يجوز إظهار المعجزات على أيدى الأئمة والأولياء، والأدلة على ذلك مذكورة فى كتب الأصول ... . ".
* *
* المهدى:
والطبرسى يدين بالمهدى، ويعتقد أنه اختفى وسيرجع فى آخر الزمان، وقد تأثر بهذه العقيدة، فنجده عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣] من سورة البقرة: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يذكر الأقوال الواردة فى المعنى المراد بـ "الغيب"، وينقل فى جملة ما ينقل من الأقوال: أن ابن مسعود وجماعة من الصحابة فسَّروا الغيب بما غاب عن العباد علمه. ثم يقول: "وهذا أولى لعمومه، ويدخل فيه ما رواه أصحابنا من زمان غيبة المهدى ووقت خروجه".
* *
* التقيَّة:
ولما كان الطبرسى يقول بمبدأ التقيَّة، فإنَّا نجده يستطرد إلى الكلام فيها ويؤيد مذهبه عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٢٨] من سورة آل عمران: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ... الآية، فيقول: "مَن اتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين فليس من الله فى شئ، أى ليس هو من أولياء الله، والله برئ منه، وقيل: ليس هو من ولاية الله تعالى فى شئ. وقيل: ليس من دين الله فى شئ. ثم استثنى فقال: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ .. والمعنى: إلا أن يكون الكفار غالبين والمؤمنون مغلوبين فيخافهم المؤمن إن لم يُظهر موافقتهم ولم يُحسن العِشْرة معهم، فعند ذلك يجوز له إظهار موَدَّتهم بلسانه، ومداراتهم تَقيَّة منهم ودفعاً عن نفسه من غير أن يعتقد ذلك. وفى هذه الآية دلالة على أن التقيَّة جائزة فى الدين عند الخوف
стр. 415
على النفس، وقال أصحابنا: إنها جائزة فى الأحوال كلها عند الضرورة، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح وليس تجوز من الأفعال فى قتل المؤمن، ولا فيما يُعلم أو يغلب على الظن أنه استفساد فى الدين.
قال المفيد: إنها قد تجب أحياناً وتكون فرضاً، وتجوز أحياناً من غير وجوب، وتكون فى وقت أفضل من تركها، وقد يكون تركها أفضل وإن كان فاعلها معذوراً أو معفواً عنه متفضلاً عليه بترك اللوم عليها.
وقال الشيخ أبو جعفر الطوسى: وظاهر الروايات يدل على أنها واجبة عند الخوف على النفس، وقد روى رُخْصته فى جواز الإفصاح بالحق عنده، وروى الحسن: أن مسيلمة الكذَّاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ فلقال لأحدهما: أتشهد أنَّ محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: أفتشهد أنى رسول الله؟ قال: نعم، ثم دعا بالآخر فقال: أتشهد أنَّ محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: أفتشهد أنى رسول الله؟ قال: إنى أصم.. قالها ثلاثاً، كل ذلك يجيبه بمثل الأول، فضرب عنقه، فبلغ ذلك رسول الله فقال: أما ذلك المقتول فمضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضله فهنيئاً له، وأما الآخر فقبل رُخْصة الله فلا تبعة عليه، فعلى هذا تكون التقيَّة رُخْصة والإفصاح بالحق فضيلة".
* *
* تأثر الطبرسى بفقه الشيعة فى تفسيره:
ونجد الطبرسى فى تفسيره يتأثر بفقه الإمامية الإثنا عشرية وآرائهم الاجتهادية، فنراه يستشهد بكثير من الآيات على صحة مذهبه، أو يرد استدلال مخالفيه بآيات القرآن على مذاهبهم، وهو فى استدلاله، ورده، ودفاعه، وجدله، عنيف كل العنف، قوى إلى حد بعيد، بحيث يخيل لغير المدقق الخبير أن الحق بجانبه، والباطل بجانب مَن يخالفه.
* نكاح المتعة:
فمثلاً نجد الإمامية الإثنا عشرية يقولون بجواز نكاح المتعة، ولا يعترفون بنسخه كغيرهم من المسلمين، فلهذا حاول الطبرسى - وهو واحد منهم - أن يأخذ هذا المذهب بدليله من كتاب الله تعالى؛ فعندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٢٤] من سورة النساء: ﴿والمحصنات مِنَ النسآء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ... الآية، يقول ما نصه: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ... الآية، قيل: المراد بالاستمتاع هنا درك البغية والمباشرة وقضاء الوطر من اللَّذة.. عن الحسن ومجاهد وابن زيد. فمعناه على هذا: فما استمتعتم وتلذذتم من النساء بالنكاح فآتوهن مهورهن. وقيل: المراد نكاح المتعة، وهو النكاح المنعقد بمهر معيَّن إلى أجل معلوم.. عن ابن عباس والسدى وابن سعيد وجماعة من التابعين، وهو مذهب أصحابنا الإمامية، وهو الواضح، لأن أصل الاستمتاع والتمتع وإن كان فى الأصل واقعاً على الانتفاع والالتذاذ فقد صار بُعْرف الشرع مخصوصاً بهذا العقد، ولا سيما إذا أضيف إلى النساء، فعلى هذا يكون معناه: فمتى عقدتم عليهن هذا العقد المسمى مُتعة فآتوهن أُجورهن، ويدل على ذلك أن الله علَّق وجوب إعطاء المهر
стр. 416
بالاستمتاع وذلك يقتضى أن يكون معناه هذا العقد المخصوص دون الجِماع والاستلذاذ، لأن المهر لا يجب إلا به. هذا، وقد روى عن جماعة من الصحابة منهم أُبَىّ بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود: أنهم قرأوا: "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مُسمَّى فآتوهن أُجورهن".. وفى ذلك تصريح بأن المراد به عقد المتعة. وقد أورد الثعلبى فى تفسيره عن حبيب بن أبى ثابت قال: أعطانى ابن عباس مصحفاً فقال: هذا على قراءة أُبَىّ، فرأيت فى المصحف: "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مُسمَّى". وبإسناده عن أبى نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ فقلت: بلى، فقال: "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مُسمَّى"، قلت: لا أقرؤها
هكذا. قال ابن عباس: واللهِ هكذا أنزلها الله تعالى (ثلاث مرات) . وبإسناده عن سعيد بن جبير أنه قرأ: "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مُسمَّى". وبإسناده عن شعبة بن الحكم بن عيينة قال: سألته عن هذه الآية: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ أمنسوخة هى؟ قال: قال الحكم: قال علىّ بن أبى طالب: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شفى. وبإسناده عن عمران بن الحصين قال: نزلت آية المتعة فى كتال الله تعالى ولم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا رسول الله ﷺ وتمتعنا مع رسول الله ﷺ ، ومات ولم ينهنا عنها، فقال بعد رجل برأيه ما شاء. ومما أورده مسلم بن الحجاج فى الصحيح قال: حدثنا الحسن الحلوانى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: قدم جابر ابن عبد الله معتمراً فجئناه فى منزله، فسأله القوم عن أشياء، ثم ذكروا المتعة، فقال: استمتعنا على عهد رسول الله وأبى بكر وعمر.
ومما يدل أيضاً على أن لفظ الاستمتاع فى الآية لا يجوز أن يكون المراد به الانتفاع والجِماع، أنه لو كان كذلك لوجب أن لا يلزم شئ مِن المهر مَن لا ينتفع من المرأة بشئ، وقد علمنا أن لو طلَّقها قبل الدخول لزم نصف المهر، ولو كان المراد به النكاح الدائم لوجب للمرأة بحكم الآية جميع المهر بنفس العقد، لأنه قال: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أى مهورهن، ولا خلاف فى أن ذلك غير واجب، وإنما يجب الأجر بكماله بنفس العقد فى نكاح المتعة.
ومما يمكن التعلق به فى هذه المسألة، الرواية المشهورة عن عمر بن الخطاب أنه قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ حلالاً، أنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما، فأخبر بأن هذه المتعة كانت على عهد رسول الله وأضاف النهى عنها إلى نفسه بضرب من الرأى، فلو كان النبى ﷺ نسخها أو نهى عنها أو أباحها فى وقت مخصوص دون غيره
стр. 417
لأضاف التحريم إليه دون نفسه. وأيضاً فإنه قرن بين متعة الحج ومتعة النساء فى النهى، ولا خلاف فى أن متعة الحج غير منسوخة ولا محرَّمة، فوجب أن يكون حكم متعة النساء حكمها. وقوله: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة﴾ .. من قال إن المراد بالاستمتاع الانتفاع والجِماع، قال: المراد به: ولا حرج ولا إثم عليكم فيما تراضيتم به من زيادة مهر ونقصانه، أو حط، أو إبراء، أو تأخير. وقال السدى: معناه: لا جُناح عليكم فيما تراضيتم به من استئناف عقد آخر بعد انقضاء مدة الأجل المضروب فى عقد المتعة، يزيدها الرجل فى الآخر وتزيده فى المدة، وهذا قول الإمامية وتظاهرت به الروايات عن أئمتهم.. ".
* *
* فرض الرِجْلَين فى الوضوء:
كذلك يقول الطبرسى - كغيره من علماء مذهبه - بأن المسح هو فرض الرِجْلين فى الوضوء، فلهذا نراه يجادل بكل قوة، ويدافع عن مذهبه وينصره بأدلة إن دلَّت على شئ فهو قوة عقلية هذا الرجل وسعة ذهنه وكثرة اطلاعه، فعندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٦] من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ .. يقول ما نصه: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ .. اختُلِفَ فى ذلك، فقال جمهور الفقهاء: إن فرضهما الغسل. وقالت الإمامية: فرضهما المسح دون غيره، وبه قال عِكرمة. وقد روى القول بالمسح عن جماعة من الصحابة والتابعين، كابن عباس، وأنس وأبى العالية والشعبى. وقال الحسن البصرى بالتخيير بين المسح والغسل، وإليه ذهب الطبرى والجبائى إلا أنهم قالا: يجب مسح جميع القدمين ولا يجوز الاقتصار على مسح ظاهر القدم. قال ناصر الحق من جملة أئمة الزيدية: يجب الجمع بين المسح والغسل. وروى عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله فمسح على رجليه. وروى عنه أنه قال: إن فى كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلا الغسل. وقال: الوضوء غسلتان ومسحتان. وقال قتادة: فرض الله غسلتين ومسحتين. وروى ابن عُلية، عن حميد، عن موسى ابن أنس: أنه قال لأنس ونحن عنده: إن الحَجَّاج خطبنا بالأهواز فذكر الطهر فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم، وإنه ليس شئ من بنى آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقبهما، فقال أنس: صدق الله وكذب الحَجَّاج، قال تعالى: ﴿وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ .. قال فكان أنس إذا مسح قدميه بَلَّهما. وقال الشعبى: نزل جبريل ﵇ بالمسح. وقال: إن فى التيمم يمسح ما كان غسلاً، ويلغى ما كان مسحاً.
стр. 418
وقال يونس: حدثنى مَن صحب عِكرمة إلى واسط. قال: فما رأيته غسل رجليه، إنما كان يمسح عليهما - وأما ما رُوى عن سادة أهل البيت فى ذلك فأكثر من أن يُحصَى، فمن ذلك ما روى الحسين بن سعيد الأهوازى، عن فضالة، عن حماد بن عثمان، عن غالب بن هذيل قال: سألت أبا جعفر عن المسح على رجلين
فقال: هو الذى نزل به جبريل. وعنه عن أحمد ابن محمد قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضح بكفه على الأصابع ثم مسحهما إلى الكعبين، فقلت له: لو أن رجلاً قال بأصبعين من أصابعه هكذا إلى الكعبين؟ قال: لا، إلا بكفه كلها. وأما وجه القراءتين فى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فمن قال بالغسل حمل الجر فيه على أنه عطف على ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ، وقال: المراد بالمسح هو الغسل. وروى عن أبى زيد أنه قال: المسح خفيف الغسل، فقد قالوا: تمسَّحت للصلاة، وقوى ذلك بأن التحديد إنما جاء فى المغسول ولم يجئ فى الممسوح، فلما وقع التحديد فى المسح عُلِم أنه فى حكم الغسل لموافقة الغسل فى التحديد، وهذا قول ابن علىّ الفارسى.
وقال بعضهم: هو خفض على جوار، كما قالوا: جحر ضب خرب. وخرب من صفات الحجر لا الضب، وكما قال امرؤ القيس:
كأن ثبيراً فى عرانين وبله ... كبير أناس بجاد مزمل
وقال الزجَّاج: إذا قرئ بالجر يكون عطفاً على الرؤوس فيقتضى كونه ممسوحاً، وذُكر عن بعض السَلَف أنه قال: نزل جبريل بالمسح، والسُّنَّة فيه الغسل. قال: والخفض على الجوار لا يجوز فى كتاب الله تعالى، ولكن المسح على هذا التحديد فى القرآن كالغسل. وقال الأخفش: هو معطوف على الرؤوس فى اللفظ، مقطوع فى المعنى، كقول الشاعر:
علفتها تبناً وماءً بارداً
أى: وسقيتها ماءً بارداً.
وأما القراءة بالنصب، فقالوا فيه: إنه معطوف على ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ ، لأنَّا رأينا فقهاء الأمصار عملوا على الغسل دون المسح، ولما روى أن النبى ﷺ رأى قوماً توضأوا وأعقابهم تلوح. فقال: "ويل للعراقيب من النار". ذكره أبو علىّ الفارسى، وأما مَن قال بوجوب مسح الرجلين.. حمل الجر والنصب فى "أرجلكم" على ظاهره بدون تعسف، فالجر للعطف على الرؤوس، والنصب للعطف على موضع الجار والمجرور، وأمثال ذلك فى كلام العرب أكثر من أن تُحصى. قالوا: ليس فلان بقائم ولا ذاهباً، وأنشد:
معاوى إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وقال تأبط شراً:
هل أنت باعث ديناراً لحاجتنا ... أو عبد رب أخا عون بن مخراق
стр. 419
فعطف "عبد" على موضع "دينار"، فإنه منصوب فى المعنى، ومن ذلك قول الشاعر:
جئنى بمثل بنى بدر لقومهم ... أو مثل إخوة منظور بن سيار
فإنه لما كان معنى "جئنى": هات وأحضر لى مثلهم، عطف بالنصب على المعنى، وأجابوا الأوَّلين عما ذكروه فى وجه الجر والنصب بأجوبة نوردها على وجه الإيجاز.. قالوا: ما ذكروه أولاً من أن المراد بالمسح الغسل فباطل من وجوه:
أحدها: أن فائدة اللَّفظين فى اللُّغة والشرع مختلفة، وقد فرَّق الله سبحانه بين الأعضاء المغسولة وبين الأعضاء الممسوحة، فكيف يكون معنى المسح والغسل واحداً؟
وثانيها: أن الأرجل إذا كان معطوفاً على الرؤوس، وكان الفرض فى الرؤوس المسح الذى ليس بغسل بلا خلاف، فيجب أن يكون حكم الأرجل كذلك، لأن حقيقة العطف تقتضى ذلك.
وثالثها: أن المسح لو كان بمعنى الغسل لسقط استدلالهم بما رووه عن النبى ﷺ أنه توضأ وغسل رجليه، لأن على هذا لا ينكر أن يكون مسحهما فسمُّوا المسح غسلاً وفى هذا ما فيه.
فأما استشهاد أبى زيد بقولهم: تمسَّحْتُ للصلاة، فالمعنى فيه: أنهم لما أرادوا أن يُخبروا عن الطهور بلفظ موجز ولم يجز أن يقولوا: تغسَّلْتُ للصلاة، لأن ذلك تشبيه بالغُسل، قالوا بدلاً من ذلك تمسَّحْتُ، لأن المغسول من الأعضاء ممسوح أيضاً فتجوَّزوا لذلك تعويلاً على أن المراد مفهوم، وهذا لا يقتضى أن يكونوا جعلوا المسح من أسماء الغسل.
وأما ما قالوا فى تحديد طهارة الرِجْلين فقد ذكر المرتضى فى الجواب عنه: أن ذلك لا يدل على الغسل، وذلك لأن المسح فعل قد أوجبته الشريعة كالغسل فلا يُنكر تحديده كتحديد الغسل، ولو صرَّح فقال: وامسحوا أرجلكم وانتهوا بالمسح إلى الكعبين لم يكن منكراً. فإن قالوا: إن تحديد اليدين لما اقتضى الغسل فكذلك تحديد الرِجْلين يقتضى الغسل، قلنا: إنَّا لم نوجب الغسل فى اليدين للتحديد بل للتصريح بغسلهما، وليس كذلك فى الرِجْلين، وإن قالوا: عطف المحدود على المحدود أولى وأشبه بترتيب الكلام. قلنا: هذا لا يصح، لأن الأيدى محدودة وهى معطوفة على الوجوه التى ليست فى الآية محدودة، فإذن جاز عطف الأرجل وهى محدودة، على الرؤوس التى ليست بمحدودة، وهذا أشبه مما ذكرتموه، لأن الآية تضمنت ذكر عضو مغسول غير محدود وهو الوجه، وعطف عضو محدود مغسول عليه، ثم استؤنف ذكر عضو ممسوح غير محدود، فيجب أن يكون "أرجل" ممسوحة محدودة
стр. 420
معطوفة على الرؤوس دون غيره. ليتقابل الجملتان فى عطف مغسول محدود على مغسول غير محدود، وعطف ممسوح محدود على ممسوح غير محدود.
وأما مَن قال: إنه عطف على الجوار، فقد ذكرنا عن الزجَّاج أنه لم يُجوِّز ذلك فى القرآن، ومَن أجاز ذلك فى الكلام فإنما يجوز مع فقد حرف العطف، وكل ما استشهد به على الإعراب بالمجاورة فلا حرف فيه حائل بين هذا وذاك. وأيضاً فإن المجاورة إنما وردت فى كلامهم عند ارتفاع اللَّبْس والأمن من الاشتباه، فإن أحداً لا يشتبه عليه أن "خرباً" لا يكون من صفة الضب، ولفظة "مزمل" لا يكون من صفة البجاد، وليس كذلك الأرجل فإنها يجوز أن تكون ممسوحة كالرؤوس. وأيضاً فإن المحققين من النحويين نفوا أن يكون الإعراب بالمجاورة جائزاً فى كلام العرب، وقالوا فى "حجر ضب خرب": إنهم أرادوا خرب جحره، فحذفوا المضاف الذى هو "جحر" وأقيم المضاف إليه وهو الضمير المجرور مقامه، وإذا ارتفع الضمير استكن فى "خرب" وكذلك القول فى "كبير أناس فى بجاد مزمل"، فتقديره: مزمل كبيره، فبطل الإعراب بالمجاورة جملة، وهذا واضح لمن تدبره.
وأما مَن جعله مثل قول الشاعر: "علفتها تبناً وماءً بارداً"، كأنه قدَّر فى الآية: واغسلوا أرجلكم، فقوله أبعد من الجميع، لأن مثل ذلك لو جاز فى كتاب الله تعالى - على ضعفه وبُعْده فى سائر الكلام - فإنما يجوز إذا استحال حمله على ظاهر، فأما إذا كان الكلام مستقيماً ومعناه ظاهراً فكيف يجوز مثل هذا التقدير الشاذ البعيد؟
وأما ما قاله أبو علىّ فى القراءة بالنصب على أنه معطوف على الأيدى، فقد أجاب عنه المرتضى بأن قال: جعل التأثير فى الكلام للقريب أولى من جعله للبعيد، فنصب الأرجل عطفاً على الموضع أولى من عطفها على الأيدى والوجوه، على أن الجملة الأولى المأمور فيها بالغسل قد انقضت وبطل حكمها باستئناف الجملة الثانية، ولا يجوز بعد انقطاع حكم الجملة الأولى أن تعطف على ما فيها، فإن ذلك يجرى مجرى قولهم: ضربتُ زيداً وعَمْراً، وأكرمتُ خالداً وبكراً، فإن رد بكر إلى خالد فى الإكرام هو الوجه فى الكلام لا يسوغ الذى سواه، ولا يجوز رده إلى الضرب الذى قد انقطع حكمه، ولو جاز ذلك أيضاً لترجح ما ذكرناه لتطابق معنى القراءتين ولا تتنافيان.
فأما ما روى فى الحديث أنه قال: "ويل للعراقيب من النار"، وغير ذلك من الأخبار التى رووها عن النبى ﷺ أنه توضأ وغسل رجليه، فالكلام فى ذلك أنه لا يجوز أن يُرجعْ عن ظاهر القرآن المعلوم بظاهر الأخبار الذى لا يوجب علماً وإنما يقتضى الظن، على أن هذه الأخبار معارضة بأخبار كثيرة وردت من طرقهم ووُجِدت فى كتبهم، ونُقِلت عن شيوخهم، مثل ما روى عن أوس بن أبى أوس أنه قال: رأيتُ النبى ﷺ يتوضأ ومسح على نعليه ثم قام فصلَّى، وعن حذيفة قال: أتى رسول الله سباطة قوم فبال عليها ثم
стр. 421
دعا بماء فتوضأ ومسح على قدميه، وذكره أبو عبيدة فى غريب الحديث ... إلى غير ذلك مما يطول ذكره.
وقوله: "ويل للعراقيب من النار"، فقد روى فيه أن قوماً من أجلاف الأعراب كانوا يبولون وهم قيام، فيتشرشر البول على أعقابهم وأرجلهم فلا يغسلونها، ويدخلون المسجد للصلاة، وكان ذلك سبباً لهذا الوعيد..
وأما الكعبان فقد اختُلِف فى معناهما، فعند الإمامية هما العظمان النابتان فى ظهر القدم عند معقد الشراك، ووافقهم فى ذلك محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة، وإن كان يوجب غسل الرجلين إلى هذا الموضع. وقال جمهور المفسَرين والفقهاء: الكعبان هما عظما الساقين، قالوا: ولو كان كما قالوه لقال سبحانه: "وأرجلكم إلى الكعاب" ولم يقل: إلى الكعبين، لأن على ذلك القول يكون فى كل رِجْل كعبان".
* *
* نكاح الكتابيات:
ولما كان مذهب الطبرسى عدم جواز نكاح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فإنَّا نجده يتأثر بهذا المذهب فيفسِّر كلام الله على مقتضاه، فنجده عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٢١] من سورة البقرة: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ﴾ ... الآية، يقول بعد ما تكلم عن اللُّغة والإعراب وسبب النزول: "لما تقدم ذكر المخالطة بيَّن تعالى مَن يجوز مخالطته بالنكاح فقال: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ أى لا تزوجوا النساء الكافرات حتى يؤمنّ - أى يصدقن بالله - وهى عامة عندنا فى تحريم مناكحة جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم. وليست بمنسوخة ولا مخصوصة، فاختلفوا فيه، فقال بعضهم: لا يقع اسم المشركات على أهل الكتاب، وقد فصل الله بينهما فقال: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ [البينة: ١] ، و ﴿مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين﴾ [البقرة: ١٠٥] وعطف أحدهما على الآخر، فلا نسخ فى الآية ولا تخصيص.
وقال بعضهم: الآية متناولة جميع الكفار، والشرك يُطلق على الكل، ومَن جحد نبوة نبينا محمد ﷺ فقد أنكر معجزته وأضافه إلى غير ذلك، وهذا هو الشرك بعينه، لأن المعجزة شهادة من الله له بالنبوة. ثم اختلف هؤلاء: منهم مَن قال: إن الآية منسوخة فى الكتاب بالآية التى فى المائدة: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ [المائدة: ٥] .. عن ابن عباس والحسن ومجاهد - ومنهم من قال: إنها مخصوصة بغير الكتابيات.. عن قتادة وسعيد بن جبير - ومنهم مَن قال: إنها على ظاهرها فى تحريم نكاح كل كافرة كتابية كانت أو مشركة.. عن ابن عمر وبعض الزيدية وهو مذهبنا،
стр. 422
وسيأتى بيان آية المائدة فى موضعها إن شاء الله: ﴿وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ﴾ : معناه: مملوكة مصدِّقة مسلمة خير من حُرَّة مشركة، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ : معناه: ولو أعجبتكم بمالها أو حسبها أو جمالها، فظاهر هذا يدل على أنه يجوز نكاح الأَمَة المؤمنة فى وجود الطَوْل، فأما قول الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً﴾ [النساء: ٢٥] ... الآية، فإنما هى على التنزيه دون التحريم، ﴿وَلاَ تُنْكِحُواْ المشركين حتى يُؤْمِنُواْ﴾ معناه: ولا تُنكِحوا النساء المسلمات جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم حتى يؤمنوا، وهذا يؤيد قول من يقول: إن قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ يتناول جميع الكافرات، وقوله: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ﴾ ، أى عبد مصدِّق مسلم خير من حُرٍّ مشرك ولو أعجبكم ماله أو حاله أو جماله".
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥] من سورة المائدة: ﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ ... الآية، نراه يقول ما نصه: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ وهم اليهود والنصارى، واختُلف فى معناه، فقيل: هنَّ العفائف حرائر كنَّ أو إماء، حربيات كنَّ أو ذِمِّيات.. عن مجاهد والحسن والشعبى وغيرهم - وقيل: هنَّ الحرائر ذِمِّيات كنَّ أو حربيات - وقال أصحابنا: لا يجوز عقد نكاح الدوام على الكتابية، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] ، ولقوله: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠] . وأوَّلوا هذه الآية بأن المراد بـ ﴿المحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ اللاتى أسلمن منه، والمراد بـ ﴿والمحصنات مِنَ المؤمنات﴾ : اللاتى كُنَّ فى الأصل مؤمنات بأن وُلِدْن على الإسلام، وذلك أن قوماً كانوا يتحرَّجون من العقد على مَن أسلمت عن كفر، فبيَّن سبحانه أنه لا حَرَج فى ذلك، ولهذا أفردهن بالذكر، حكى ذلك أبو القاسم البلخى. قالوا: ويجوز أن يكون مخصوصاً أيضاً بنكاح المتعة وملك اليمين، فإن عندنا يجوز وطؤهن بكلا الوجهين، على أنه قد روى أبو الجارود عن أبى جعفر أنه منسوخ بقوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ ، بقوله: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ .
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٠] من سورة الممتحنة: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ قال ما نصه: "أى لا تمسكوا بنكاح الكافرات، وأصل العصمة المنع، وسمى النكاح عصمة، لأن المنكوحة تكون فى حبال الزوج وعصمته، وفى هذا دلالة على أنه لا يجوز العقد على الكافرة سواء أكانت حربية أو ذِميَّة، وعلى كل حال، الآية
стр. 423
عامة فى الكوافر، وليس لأحد أن يخص الآية بعابدة الوثن لنزولها بسببهن، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بالسبب".
* *
* الغنائم:
ولما كانت الإمامية الإثنا عشرية لهم فى الغنائم نظام خاص يخالفون به مَن عداهم فيوجبون الخُمس لمستحقيه فى مطلق الغنيمة، فهو غير مختص عندهم بغنائم الحرب بل يشمل أنواعاً سبعة هى: غنائم الحرب، وغنائم الغوص، والكنز الذى يُعثر عليه، والمعدن الذى يُستنبط من الأرض، وأرباح المكاسب، والحلال المختلط بالحرام، والأرض المنتقلة من المسلم إلى الذِمِّى. وليس الخُمس الهاشمى الذى يرون وجوبه - فيما عدا الغنائم الحربية - من الصدقات كما يتوهم البعض، ولكنهم يعتبرونه حقاً امتيازياً لآل محمد الذين حُرِّمت عليهم الصدقات نظير ما تمتاز به الأسر المالكة اليوم من التمتع بمخصصات خاصة، وقد تضافر الحديث عن الأئمة بأن الخُمس حق سلطانى بإرادة ملكية، وهى إرادة مليك الكائنات لمستحقيه الذين ذكرهم القرآن.
لما كان هذا، فإنَّا نجد الطبرسى يُنزل ما ورد فى الغنائم من الآيات على مذهبه، ولهذا عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٤١] من سورة الأنفال: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ ... الآية، يقول متأثراً بمذهبه: "اختلف العلماء فى كيفية قسمة الخُمس ومَن يستحقه على أقوال:
أحدها: ما ذهب إليه أصحابنا، وهو أن الخُمس يُقسَّم على ستة أسهم، فسهم الله، وسهم للرسول، وهذان السهمان مع سهم ذى القُرَبى للإمام القائم مقام الرسول، وسهم ليتامى آل محمد، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم، ولا يشركهم فى ذلك غيرهم، لأن الله سبحانه حَرَّم عليهم الصدقات لكونها أوساخ الناس وعوَّضهم من ذلك الخُمس، وروى ذلك الطبرى عن علىّ بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علىّ الباقر. وروى ايضاً عن أبى العالية والربيع أنه يُقسم على ستة أسهم إلا أنهما قالا: سهم الله للكعبة، والباقى لمن ذكره الله. وهذا القسم مما يقتضيه ظاهر الكتاب ويقويه.
الثانى: أن الخُمس يُقسم على خمسة أسهم، وأن سهم الله والرسول واحد، ويُصرف هذا السهم إلى الكراع والسلاح، وهو المروى عن ابن عباس، وإبراهيم، وقتادة، وعطاء.
الثالث: أن يُقسم على أربعة أسهم: سهم لذى القُرَبى.. لقرابة النبى ﷺ ، والأسهم الثلاثة لمن ذُكِروا بعد ذلك من سائر المسلمين وهو مذهب الشافعى.
الرابع: أنه يُقسم على ثلاثة أسهم، لأن سهم الرسول قد سقط بوفاته، لأن الأنبياء
стр. 424
لا تورث فيما يزعمون، وسهم ذوى القُربى قد سقط، لأن أبا بكر وعمر لم يعطيا سهم ذى القُرَبى ولم ينكر ذلك، أحد من الصحابة عليهما.. وهو مذهب أبى حنيفة وأهل العراق - ومنهم مَن قال: لو أعطى فقراء ذوى القُربَى سهماً والآخرين ثلاثة أسهم جاز، ولو جعل ذوى القُرَبى أُسوة بالفقراء ولا يفرد لهم سهم جار - واختُلِف فى ذى القُرَبى: فقيل: هم بنو هاشم خاصة من ولد عبد المطلب، لأن هاشماً لم يعقب إلا منه.. عن ابن عباس ومجاهد، وإليه ذهب أصحابنا - وقيل: هم بنو هاشم بن عبد مناف، وبنو عبد المطلب بن عبد مناف ... وهو مذهب الشافعى، وروى ذلك عن جبير بن مطعم عن النبى ﷺ وقال أصحابنا: إن الخُمس واجب فى كل فائدة تحصل للإنسان من المكاسب، وأرباح التجارات، وفى الكنوز والمعادن، والغوص، وغير ذلك مما هو مذكور فى الكتب، ويمكن أن يُستدل على ذلك بهذه الآية، فإن فى عُرْف اللغة يُطلق على جميع ذلك اسم الغُنْم والغنيمة.. ".
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٧] من سورة الحشر: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ ... الآية، يقول ما نصه: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى﴾ أى من أموال كفار أهل القرى، ﴿فَلِلَّهِ﴾ يأمركم فيه بما أحب، ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ بتمليك الله إياه، ﴿وَلِذِي القربى﴾ يعنى أهل بيت رسول الله وقرابته، وهم بنو هاشم، ﴿واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ منهم، لأن التقدير: ولذى قُرْباه، ويتامى أهل بيته ومساكينهم وابن السبيل منهم، وروى المنهال بن عمرو عن علىّ بن الحسين قال: قلت: قوله: ﴿وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ قال: هم أقرباؤنا ومساكيننا وأبناء سبيلنا. وقال جميع الفقهاء: هم يتامى الناس عامة، وكذلك المساكين وأبناء السبيل. وقد روى أيضاً ذلك عنهم. وروى محمد بن مسلم عن أبى جعفر أنه قال: "كان أبى يقول: لنا سهم رسول الله وسهم ذوى القُرَبى، ونحن شركاء الناس فيما بقى. والظاهر يقتضى أن ذلك لهم، سواء أكانوا أغنياء أو فقراء.. وهو مذهب الشافعى - وقيل: إن مال الفئ للفقراء من قرابة رسول الله وهم بنو هاشم وبنو المطلب. وروى عن الصادق أنه قال: نحن قوم فرض الله طاعتنا، ولنا الأنفال، ولنا صفو المال.. يعنى ما كان يُصطفى لرسول الله ﷺ من فره الدواب، وحسان الجوارى، والدُرَّة الثمينة، والشئ الذى لا نظير له".
* *
* ميراث الأنبياء:
والطبرسى يقول كغيره من علماء مذهبه بأن الأنبياء ﵈ يورثون كما
стр. 425
يورث سائر الناس، ولهذا نراه يتأثر بمذهبه هذا. فيحمل عليه كلام الله، فمثلاً عندما فسَّر قوله تعالى فى الآيتين [٥، ٦] من سورة مريم: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ واجعله رَبِّ رَضِيّاً﴾ .. يقول ما نصه: ".. اختُلِف فى معناه، فقيل: معناه: يرثنى مالى ويرث من آل يعقوب النبوة.. عن أبى صالح - وقيل معناه: يرث نبوتى ونبوة آل يعقوب.. عن الحسن ومجاهد. واستدل أصحابنا بالآية على أن الأنبياء يورثون المال، وأن المراد بالإرث المذكور فيها المال دون العلم والنبوة، بأن قالوا: إن لفظ الميراث فى اللُّغة والشريعة لا يُطلق إلا على ما يُنقل من الموروث إلى الوارث كالأموال، ولا يُستعمل فى غير المال إلا على طريق المجاز والتوسع، ولا يُعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة. وأيضاً فإن زكريا قال فى دعائه: ﴿واجعله رَبِّ رَضِيّاً﴾ .. أى اجعل يا رب ذلك المولى الذى يرثنى رضياً عندك ممتثلاً لأمرك، ومتى حملنا الإرث على النبوة لم يكن لذلك معنى، وكان لغواً عبثاً، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحد: اللَّهم ابعث لنا نبياً، واجعله عاقلاً رضياً فى أخلاقه، لأنه إذا كان نبياً فقد دخل الرضا وما هو أعظم من الرضا فى النبوة، ويقوى ما قلناه أن زكريا صرَّح بأنه يخاف بنى عمه بعده بقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي﴾ .. وإنما يطلب وارثاً لأجل خوفه، ولا يليق خوفه منهم إلا بالمال دون النبوة والعلم، لأنه كان أعلم بالله تعالى من أن يخاف أن يبعث نبياً مَن ليس بأهل النبوة، وأن يورث علمه وحكمته مَن ليس لهما بأهل، ولأنه إنما بُعث لإذاعة العلم ونشره فى الناس، فكيف يخاف من الأمر الذى هو الغرض من بعثته. فإن قيل: إن هذا يرجع عليكم فى ورثة المال، لأن فى ذلك إضافة الضن والبخل إليه، قلنا: معاذ الله أن يستوى الأمران، فإن المال قد يروق المؤمن والكافر، والصالح والطالح، ولا يمتنع أن يأسى على بنى عمه إذا كانوا من أهل الفساد أن يظفروا بماله فيصرفوه فيما لا
ينبغى، بل فى ذلك غاية الحكمة، فإن تقوية الفُسَّاق وإعانتهم على أفعالهم المذمومة محظورة فى الدين، فمن عَدَّ ذلك بخلاً وضَنا فهو غير منصف، وقوله: ﴿خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي﴾ يُفهم منه أن خوفه إنما كان من أخلاقهم وأفعالهم ومعان فيهم لا من أعيانهم، كما أن مَن خاف الله تعالى فإنما خاف عقابه، فالمراد به: خِفْتُ تضييع الموالى مالى وإنفاقهم إياه فى معصية الله".
وعندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [١٦] من سورة النمل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ .. نجده يقول ما نصه: "فى هذه دلالة على أن الأنبياء يورثون المال كتوريث غيرهم.. وهو قول الحسن - وقيل: معناه: أنه ورث علمه ونبوته ومُلكه دون سائر
следующие страницы →