Полный текст (774 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
دعا بماء فتوضأ ومسح على قدميه، وذكره أبو عبيدة فى غريب الحديث ... إلى غير ذلك مما يطول ذكره.
وقوله: "ويل للعراقيب من النار"، فقد روى فيه أن قوماً من أجلاف الأعراب كانوا يبولون وهم قيام، فيتشرشر البول على أعقابهم وأرجلهم فلا يغسلونها، ويدخلون المسجد للصلاة، وكان ذلك سبباً لهذا الوعيد..
وأما الكعبان فقد اختُلِف فى معناهما، فعند الإمامية هما العظمان النابتان فى ظهر القدم عند معقد الشراك، ووافقهم فى ذلك محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة، وإن كان يوجب غسل الرجلين إلى هذا الموضع. وقال جمهور المفسَرين والفقهاء: الكعبان هما عظما الساقين، قالوا: ولو كان كما قالوه لقال سبحانه: "وأرجلكم إلى الكعاب" ولم يقل: إلى الكعبين، لأن على ذلك القول يكون فى كل رِجْل كعبان".
* *
* نكاح الكتابيات:
ولما كان مذهب الطبرسى عدم جواز نكاح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فإنَّا نجده يتأثر بهذا المذهب فيفسِّر كلام الله على مقتضاه، فنجده عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٢١] من سورة البقرة: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ﴾ ... الآية، يقول بعد ما تكلم عن اللُّغة والإعراب وسبب النزول: "لما تقدم ذكر المخالطة بيَّن تعالى مَن يجوز مخالطته بالنكاح فقال: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ أى لا تزوجوا النساء الكافرات حتى يؤمنّ - أى يصدقن بالله - وهى عامة عندنا فى تحريم مناكحة جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم. وليست بمنسوخة ولا مخصوصة، فاختلفوا فيه، فقال بعضهم: لا يقع اسم المشركات على أهل الكتاب، وقد فصل الله بينهما فقال: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ [البينة: ١] ، و ﴿مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين﴾ [البقرة: ١٠٥] وعطف أحدهما على الآخر، فلا نسخ فى الآية ولا تخصيص.
وقال بعضهم: الآية متناولة جميع الكفار، والشرك يُطلق على الكل، ومَن جحد نبوة نبينا محمد ﷺ فقد أنكر معجزته وأضافه إلى غير ذلك، وهذا هو الشرك بعينه، لأن المعجزة شهادة من الله له بالنبوة. ثم اختلف هؤلاء: منهم مَن قال: إن الآية منسوخة فى الكتاب بالآية التى فى المائدة: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ [المائدة: ٥] .. عن ابن عباس والحسن ومجاهد - ومنهم من قال: إنها مخصوصة بغير الكتابيات.. عن قتادة وسعيد بن جبير - ومنهم مَن قال: إنها على ظاهرها فى تحريم نكاح كل كافرة كتابية كانت أو مشركة.. عن ابن عمر وبعض الزيدية وهو مذهبنا،
стр. 422
وسيأتى بيان آية المائدة فى موضعها إن شاء الله: ﴿وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ﴾ : معناه: مملوكة مصدِّقة مسلمة خير من حُرَّة مشركة، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ : معناه: ولو أعجبتكم بمالها أو حسبها أو جمالها، فظاهر هذا يدل على أنه يجوز نكاح الأَمَة المؤمنة فى وجود الطَوْل، فأما قول الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً﴾ [النساء: ٢٥] ... الآية، فإنما هى على التنزيه دون التحريم، ﴿وَلاَ تُنْكِحُواْ المشركين حتى يُؤْمِنُواْ﴾ معناه: ولا تُنكِحوا النساء المسلمات جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم حتى يؤمنوا، وهذا يؤيد قول من يقول: إن قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ يتناول جميع الكافرات، وقوله: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ﴾ ، أى عبد مصدِّق مسلم خير من حُرٍّ مشرك ولو أعجبكم ماله أو حاله أو جماله".
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥] من سورة المائدة: ﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ ... الآية، نراه يقول ما نصه: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ وهم اليهود والنصارى، واختُلف فى معناه، فقيل: هنَّ العفائف حرائر كنَّ أو إماء، حربيات كنَّ أو ذِمِّيات.. عن مجاهد والحسن والشعبى وغيرهم - وقيل: هنَّ الحرائر ذِمِّيات كنَّ أو حربيات - وقال أصحابنا: لا يجوز عقد نكاح الدوام على الكتابية، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] ، ولقوله: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠] . وأوَّلوا هذه الآية بأن المراد بـ ﴿المحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ اللاتى أسلمن منه، والمراد بـ ﴿والمحصنات مِنَ المؤمنات﴾ : اللاتى كُنَّ فى الأصل مؤمنات بأن وُلِدْن على الإسلام، وذلك أن قوماً كانوا يتحرَّجون من العقد على مَن أسلمت عن كفر، فبيَّن سبحانه أنه لا حَرَج فى ذلك، ولهذا أفردهن بالذكر، حكى ذلك أبو القاسم البلخى. قالوا: ويجوز أن يكون مخصوصاً أيضاً بنكاح المتعة وملك اليمين، فإن عندنا يجوز وطؤهن بكلا الوجهين، على أنه قد روى أبو الجارود عن أبى جعفر أنه منسوخ بقوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ ، بقوله: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ .
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٠] من سورة الممتحنة: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ قال ما نصه: "أى لا تمسكوا بنكاح الكافرات، وأصل العصمة المنع، وسمى النكاح عصمة، لأن المنكوحة تكون فى حبال الزوج وعصمته، وفى هذا دلالة على أنه لا يجوز العقد على الكافرة سواء أكانت حربية أو ذِميَّة، وعلى كل حال، الآية
стр. 423
عامة فى الكوافر، وليس لأحد أن يخص الآية بعابدة الوثن لنزولها بسببهن، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بالسبب".
* *
* الغنائم:
ولما كانت الإمامية الإثنا عشرية لهم فى الغنائم نظام خاص يخالفون به مَن عداهم فيوجبون الخُمس لمستحقيه فى مطلق الغنيمة، فهو غير مختص عندهم بغنائم الحرب بل يشمل أنواعاً سبعة هى: غنائم الحرب، وغنائم الغوص، والكنز الذى يُعثر عليه، والمعدن الذى يُستنبط من الأرض، وأرباح المكاسب، والحلال المختلط بالحرام، والأرض المنتقلة من المسلم إلى الذِمِّى. وليس الخُمس الهاشمى الذى يرون وجوبه - فيما عدا الغنائم الحربية - من الصدقات كما يتوهم البعض، ولكنهم يعتبرونه حقاً امتيازياً لآل محمد الذين حُرِّمت عليهم الصدقات نظير ما تمتاز به الأسر المالكة اليوم من التمتع بمخصصات خاصة، وقد تضافر الحديث عن الأئمة بأن الخُمس حق سلطانى بإرادة ملكية، وهى إرادة مليك الكائنات لمستحقيه الذين ذكرهم القرآن.
لما كان هذا، فإنَّا نجد الطبرسى يُنزل ما ورد فى الغنائم من الآيات على مذهبه، ولهذا عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٤١] من سورة الأنفال: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ ... الآية، يقول متأثراً بمذهبه: "اختلف العلماء فى كيفية قسمة الخُمس ومَن يستحقه على أقوال:
أحدها: ما ذهب إليه أصحابنا، وهو أن الخُمس يُقسَّم على ستة أسهم، فسهم الله، وسهم للرسول، وهذان السهمان مع سهم ذى القُرَبى للإمام القائم مقام الرسول، وسهم ليتامى آل محمد، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم، ولا يشركهم فى ذلك غيرهم، لأن الله سبحانه حَرَّم عليهم الصدقات لكونها أوساخ الناس وعوَّضهم من ذلك الخُمس، وروى ذلك الطبرى عن علىّ بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علىّ الباقر. وروى ايضاً عن أبى العالية والربيع أنه يُقسم على ستة أسهم إلا أنهما قالا: سهم الله للكعبة، والباقى لمن ذكره الله. وهذا القسم مما يقتضيه ظاهر الكتاب ويقويه.
الثانى: أن الخُمس يُقسم على خمسة أسهم، وأن سهم الله والرسول واحد، ويُصرف هذا السهم إلى الكراع والسلاح، وهو المروى عن ابن عباس، وإبراهيم، وقتادة، وعطاء.
الثالث: أن يُقسم على أربعة أسهم: سهم لذى القُرَبى.. لقرابة النبى ﷺ ، والأسهم الثلاثة لمن ذُكِروا بعد ذلك من سائر المسلمين وهو مذهب الشافعى.
الرابع: أنه يُقسم على ثلاثة أسهم، لأن سهم الرسول قد سقط بوفاته، لأن الأنبياء
стр. 424
لا تورث فيما يزعمون، وسهم ذوى القُربى قد سقط، لأن أبا بكر وعمر لم يعطيا سهم ذى القُرَبى ولم ينكر ذلك، أحد من الصحابة عليهما.. وهو مذهب أبى حنيفة وأهل العراق - ومنهم مَن قال: لو أعطى فقراء ذوى القُربَى سهماً والآخرين ثلاثة أسهم جاز، ولو جعل ذوى القُرَبى أُسوة بالفقراء ولا يفرد لهم سهم جار - واختُلِف فى ذى القُرَبى: فقيل: هم بنو هاشم خاصة من ولد عبد المطلب، لأن هاشماً لم يعقب إلا منه.. عن ابن عباس ومجاهد، وإليه ذهب أصحابنا - وقيل: هم بنو هاشم بن عبد مناف، وبنو عبد المطلب بن عبد مناف ... وهو مذهب الشافعى، وروى ذلك عن جبير بن مطعم عن النبى ﷺ وقال أصحابنا: إن الخُمس واجب فى كل فائدة تحصل للإنسان من المكاسب، وأرباح التجارات، وفى الكنوز والمعادن، والغوص، وغير ذلك مما هو مذكور فى الكتب، ويمكن أن يُستدل على ذلك بهذه الآية، فإن فى عُرْف اللغة يُطلق على جميع ذلك اسم الغُنْم والغنيمة.. ".
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٧] من سورة الحشر: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ ... الآية، يقول ما نصه: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى﴾ أى من أموال كفار أهل القرى، ﴿فَلِلَّهِ﴾ يأمركم فيه بما أحب، ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ بتمليك الله إياه، ﴿وَلِذِي القربى﴾ يعنى أهل بيت رسول الله وقرابته، وهم بنو هاشم، ﴿واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ منهم، لأن التقدير: ولذى قُرْباه، ويتامى أهل بيته ومساكينهم وابن السبيل منهم، وروى المنهال بن عمرو عن علىّ بن الحسين قال: قلت: قوله: ﴿وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ قال: هم أقرباؤنا ومساكيننا وأبناء سبيلنا. وقال جميع الفقهاء: هم يتامى الناس عامة، وكذلك المساكين وأبناء السبيل. وقد روى أيضاً ذلك عنهم. وروى محمد بن مسلم عن أبى جعفر أنه قال: "كان أبى يقول: لنا سهم رسول الله وسهم ذوى القُرَبى، ونحن شركاء الناس فيما بقى. والظاهر يقتضى أن ذلك لهم، سواء أكانوا أغنياء أو فقراء.. وهو مذهب الشافعى - وقيل: إن مال الفئ للفقراء من قرابة رسول الله وهم بنو هاشم وبنو المطلب. وروى عن الصادق أنه قال: نحن قوم فرض الله طاعتنا، ولنا الأنفال، ولنا صفو المال.. يعنى ما كان يُصطفى لرسول الله ﷺ من فره الدواب، وحسان الجوارى، والدُرَّة الثمينة، والشئ الذى لا نظير له".
* *
* ميراث الأنبياء:
والطبرسى يقول كغيره من علماء مذهبه بأن الأنبياء ﵈ يورثون كما
стр. 425
يورث سائر الناس، ولهذا نراه يتأثر بمذهبه هذا. فيحمل عليه كلام الله، فمثلاً عندما فسَّر قوله تعالى فى الآيتين [٥، ٦] من سورة مريم: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ واجعله رَبِّ رَضِيّاً﴾ .. يقول ما نصه: ".. اختُلِف فى معناه، فقيل: معناه: يرثنى مالى ويرث من آل يعقوب النبوة.. عن أبى صالح - وقيل معناه: يرث نبوتى ونبوة آل يعقوب.. عن الحسن ومجاهد. واستدل أصحابنا بالآية على أن الأنبياء يورثون المال، وأن المراد بالإرث المذكور فيها المال دون العلم والنبوة، بأن قالوا: إن لفظ الميراث فى اللُّغة والشريعة لا يُطلق إلا على ما يُنقل من الموروث إلى الوارث كالأموال، ولا يُستعمل فى غير المال إلا على طريق المجاز والتوسع، ولا يُعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة. وأيضاً فإن زكريا قال فى دعائه: ﴿واجعله رَبِّ رَضِيّاً﴾ .. أى اجعل يا رب ذلك المولى الذى يرثنى رضياً عندك ممتثلاً لأمرك، ومتى حملنا الإرث على النبوة لم يكن لذلك معنى، وكان لغواً عبثاً، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحد: اللَّهم ابعث لنا نبياً، واجعله عاقلاً رضياً فى أخلاقه، لأنه إذا كان نبياً فقد دخل الرضا وما هو أعظم من الرضا فى النبوة، ويقوى ما قلناه أن زكريا صرَّح بأنه يخاف بنى عمه بعده بقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي﴾ .. وإنما يطلب وارثاً لأجل خوفه، ولا يليق خوفه منهم إلا بالمال دون النبوة والعلم، لأنه كان أعلم بالله تعالى من أن يخاف أن يبعث نبياً مَن ليس بأهل النبوة، وأن يورث علمه وحكمته مَن ليس لهما بأهل، ولأنه إنما بُعث لإذاعة العلم ونشره فى الناس، فكيف يخاف من الأمر الذى هو الغرض من بعثته. فإن قيل: إن هذا يرجع عليكم فى ورثة المال، لأن فى ذلك إضافة الضن والبخل إليه، قلنا: معاذ الله أن يستوى الأمران، فإن المال قد يروق المؤمن والكافر، والصالح والطالح، ولا يمتنع أن يأسى على بنى عمه إذا كانوا من أهل الفساد أن يظفروا بماله فيصرفوه فيما لا
ينبغى، بل فى ذلك غاية الحكمة، فإن تقوية الفُسَّاق وإعانتهم على أفعالهم المذمومة محظورة فى الدين، فمن عَدَّ ذلك بخلاً وضَنا فهو غير منصف، وقوله: ﴿خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي﴾ يُفهم منه أن خوفه إنما كان من أخلاقهم وأفعالهم ومعان فيهم لا من أعيانهم، كما أن مَن خاف الله تعالى فإنما خاف عقابه، فالمراد به: خِفْتُ تضييع الموالى مالى وإنفاقهم إياه فى معصية الله".
وعندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [١٦] من سورة النمل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ .. نجده يقول ما نصه: "فى هذه دلالة على أن الأنبياء يورثون المال كتوريث غيرهم.. وهو قول الحسن - وقيل: معناه: أنه ورث علمه ونبوته ومُلكه دون سائر
стр. 426
أولاده. ومعنى الميراث هنا أنه قام مقامه فى ذلك، فأْطلق عليه اسم الإرث كما أُطلق على الجنَّة اسم الإرث.. عن الجبائى، وهذا خلاف الظاهر، والصحيح عند أهل البيت هو الأول".
* *
* الإجماع:
ولما كان الطبرسى كعلماء مذهبه لا يعتبرون حِجِّية الإجماع مهما كان نوعه إلا إذا كان كاشفاً عن رأى الإمام أو كان الإمام داخلاً فى جملة المجمعين، فإنَّا نراه يرد الأدلة القرآنية التى استدل بها الجمهور على حِجِّية الإجماع ويناقشهم فى فهم هذه الآيات.
فمثلاً عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٥٩] من سورة النساء: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ .. نراه يرد استدلال الجمهور بهذه الآية على حِجِّية الإجماع فيقول ما نصه: " ... واستدلّ بعضهم بقوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول﴾ على أن إجماع الأُمة حُجَّة بأن قالوا: إنما أوجب الله الرد إلى الكتاب والسُّنَّة بشرط وجود التنازع، فدل على أنه إذا لم يوجد التنازع لا يجب الرد، ولا يكون كذلك إلا والإجماع حُجَّة. وهذا الاستدلال إنما يصح لو فُرض أن فى الأُمة معصوماً حافظاً للشرع، فأما إذا لم يُفرض ذلك فلا يصح، لأن تعليق الحكم بشرط أو صفة لا يدل على أن ما عداه بخلافه عند أكثر العلماء، فكيف اعتمدوا عليه ههنا. على أن الأُمة لا تُجْمِع على شئ إلا عن كتاب أو سُنَّة. وكيف يقال إنها إذا أجمعت على شئ لا يجب عليها الرد إلى الكتاب والسُّنَّة وقد رُدَّت إليهما"؟.
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١١٥] من سورة النساء: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين نُوَلِّهِ مَا تولى﴾ ... الآية، يقول ما نصه: ".. وقد استدل بهذه الآية على أن إجماع الأُمة حُجَّة، لأنه توعَّد على مخالفة سبيل المؤمنين كما توعَّد على مشاقة الرسول. والصحيح أنه لا يدل على ذلك، لأن ظاهر الآية يقتضى إيجاب متابعة مَن هو مؤمن على الحقيقة ظاهراً وباطناً، لأن مَن أظهر الإيمان لا يوصف بأنه مؤمن إلا مجازاً، فكيف يُحمل ذلك على الإيجاب متابعة مَن أظهر الإيمان، وليس كل مَن أظهر الإيمان مؤمناً، ومتى حملوا الآية على بعض الأُمة حملها غيرهم على مَن هو مقطوع على عصمته عنده من المؤمنين وهم الأئمة من آل محمد ﷺ . على أن ظاهر الآية يقتضى أن الوعيد إنما يتناول مَن جمع
стр. 427
بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، فمن أين لهم أنَّ مَن يفعل أحدهما يتناوله الوعيد؟. ونحن إنما علمنا أن الوعيد إنما يتناول بمشاقة الرسول بانفرادها بدليل غير الآية، فيجب أن يسندوا تناول الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين إلى دليل آخر".
* *
* تأثر الطبرسى بمذهب المعتزلة فى تفسيره:
هذا.. وإن عقيدة الطبرسى كعقيدة غيره من الشيعة لها كثير الارتباط بمبادئ المعتزلة فى علم الكلام، ولهذا نراه فى تفسيره كثيراً ما يوافق المعتزلة فى بعض آرائهم الكلامية، ويرتضى مذهبهم، ويدافع عنه، ويحاول أن يهدم ما عداه. وأحياناً نراه لا يرتضى ما يقوله المعتزلة ولا يسلمه لهم بل يقف موقف المنازع لهم، والمعارض لأدلتهم.
* الهدى والضلال:
ففى الآيات التى لها تعلق بهداية العبد وضلاله، نراه يوافق المعتزلة فى عقيدتهم، ويدافع عنها، ويهدم ما عداها.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٢٥] من سورة الأنعام: ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ ... الآية، يقول ما نصه: ".. قد ذُكِر فى تأويل الآية وجوه:
أحدها: أن معناه: مَن يرد الله أن يهديه إلى الثواب وطريق الجنَّة يشرح صدره للإسلام فى الدنيا، بأن يثبت عزمه عليه، ويقوى دواعيه على التمسك به، ويزيل عن قلبه وساوس الشيطان وما يعرض فى القلوب من الخواطر الفاسدة. وإنما يغفل ذلك لطفاً له ومَنا عليه وثواباً على اهتدائه بهدى الله وقبوله إياه. ونظيره قوله سبحانه: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] ، ﴿وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦] ، ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ﴾ عن ثوابه وكرامته، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ﴾ فى كفره، ﴿ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ عقوبة له على ترك الإيمان من غير أن يكون سبحانه مانعاً له عن الإيمان، وسالباً إياه القدرة عليه، بل ربما يكون ذلك سبباً داعياً له إلى الإيمان، فإن مَن ضاق صدره بالشئ كان ذلك داعياً له إلى تركه. والدليل على أن شرح الصدر قد يكون ثواباً قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ .. الآيات ومعلوم أن وضع الوزْر ورفع الذِكْر يكون ثواباً على تحمل أعباء الرسالة وكلفها، وكذلك ما قُرِن به من شرح الصدر. والدليل على أن الهدى قد يكون إلى الثواب قوله: ﴿والذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤-٥] ، ومعلوم
стр. 428
أن الهداية بعد القتل لا تكون إلا إلى الثواب، فليس بعد الموت تكليف، وقد وردت الرواية الصحيحة: أنه لما نزلت هذه الآية سُئل رسول الله ﷺ عن شرح الصدر: ما هو؟ فقال: نور يقذفه الله فى قلب المؤمن فيشرح له صدره وينفسح، قالوا: فهل لذلك من أمارة يُعرف بها؟. قال: "نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافى عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت".
وثانيها: أن معنى الآية: فمن يرد الله أن يثبته على الهدى يشرح صدره من الوجه الذى ذكرنا جزاءً له على إيمانه واهتدائه، وقد يُطلق لفظ الهدى والمراد به الاستدامة كما قلنا فى قوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦] ، ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ﴾ .. أى يخذله ويخَلى بينه وبين ما يريده لاختياره الكفر وتركه الإيمان، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ بأن يمنعه الألطاف التى ينشرح بها صدره لخروجه من قبولها بإقامته على كفره. فإن قيل: إنَّا نجد الكافر غير ضيق الصدر لما هو فيه، ونراه طيب القلب على كفره، فكيف يصح الخلف فى خبره سبحانه؟ قلنا: إنه سبحانه بيَّن أنه يجعل صدره ضيقاً ولم يقل فى كل حال، ومعلوم من حاله فى أحوال كثيرة أنه يضيق صدره بما هو فيه من ورود الشبه والشكوك عليه، وعندما يجازى الله المؤمنين على استعمال الأدلة الموصلة إلى الإيمان، وهذا القدر هو الذى يقتضيه الظاهر.
وثالثها: أن معنى الآية: مَن يرد الله أن يهديه زيادة الهدى التى وعدها المؤمن يشرح صدره لتلك الزيادة، لأن من حقها أن تزيد المؤمن بصيرة، ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ﴾ عن تلك الزيادة بمعنى يُذهبه عنها من حيث أخرج هو نفسه من أن يصح عليه، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ لمكان فقد تلك الزيادة، لأنها إذا اقتضت فى المؤمن ما قلناه أوجب فى الكافر ما يضاده، ويكون الفائدة فى ذلك الترغيب فى الإيمان والزجر عن الكفر.. وهذا التأويل قريب مما تقدم. وقد روى عن ابن عباس أنه قال: إنما سمى الله قلب الكافر حَرَجاً، لأنه لا يصل الخير إلى قلبه - وفى رواية أُخرى: لا تصل الحكمة إلى قلبه - ولا يجوز أن يكون المراد بالإضلال فى الآية الدعاء إلى الضلال، ولا الأمر به، ولا الإجبار عليه، لإجماع الأمة على أن الله تعالى لا يأمر بالضلال ولا يدعو إليه، فكيف يُجبر عليه، والدعاء إليه أهون من الإجبار عليه. وقد ذم الله تعالى فرعون والسامرى على إضلالهما عن دين الهدى فى قوله: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى﴾ [طه: ٧٩] ، وقوله: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السامري﴾ [طه: ٨٥] ، ولا خلاف فى أن إضلالهما إضلال أمر وإجبار ودعاء، وقد ذمهما الله تعالى عليه مطلقاً، وكيف يتمدح بما ذم عليه غيره".
* *
*
стр. 429
رؤية الله:
كذلك يقول الطبرسى بما يقول به المعتزلة من عدم جواز رؤية الله ووقوعها فى الآخرة، ولهذا نراه يُفسِّر قوله تعالى فى الآيتين [٢٢، ٢٣] من سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بما يتفق ومذهبه فيقول: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ اختلف فيه على وجهين:
أحدهما: أن معناه نظرة العين. والثانى: أنه الانتظار.
واختلف من حمله على نظر العين على قولين:
أحدهما: أن المراد: إلى ثواب ربها ناظرة، أى هى ناظرة إلى نعيم الجنَّة حالاً بعد حال، فيزداد بذلك سرورها. وذكر الوجوه والمراد به أصحاب الوجوه.. روى ذلك عن جماعة من علماء المفسِّرين من الصحابة والتابعين وغيرهم.. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كما فى قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] : أمر ربك. وقوله: ﴿وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى العزيز الغفار﴾ [غافر: ٤٢] : أى إلى إطاعة العزيز الغفار وتوحيده. وقوله: ﴿إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله﴾ [الأحزاب: ٥٧] : أى أولياء الله.
والآخر: أن النظر بمعنى الرؤية، والمعنى: تنظر إلى الله معاينة، روى ذلك عن الكلبى ومقاتل وعطاء وغيرهم.. وهذا لا يجوز، لأن كل منظور إليه بالعين، مشار إليه بالحدقة واللحاظ، والله يتعالى عن أن يشار إليه بالعين، كما يجل سبحانه عن أن يُشار إليه بالأصابع، وأيضاً فإن الرؤية بالحاسة لا تتم إلا بالمقابلة والتوجه، والله يتعالى عن ذلك بالاتفاق. وأيضاً فإن رؤية الحاسة لا تتم إلا باتصال الشعاع بالمرئى، والله منزَّه عن اتصال الشعاع به. على أن النظر لا يفيد الرؤية فى اللُّغة، فإنه إذا علق بالعين أفاد طلب الرؤية. كما أنه إذا علق بالقلب أفاد طلب المعرفة بدلالة قولهم: نظرت إلى الهلال فلم أره، فلو أفاد النظر الرؤية لكان هذا القول ساقطاً متناقضاً، وقولهم: ما زلتُ أنظر إليه حتى رأيته، والشئ لا يُجعل غاية لنفسه، فلا يقال: ما زلتُ أراه حتى رأيته، ولأنَّا نعلم الناظر ناظراً بالضرورة، ولا نعلمه رائياً بالضرورة، بدلالة أنَّا نسأله: هل رأيتَ أم لا؟
وأما مَن حمل النظر فى الآية على الانتظار فإنهم اختلفوا فى معناه على أقوال:
أحدها: أن المعنى: منتظرة لثواب ربها.. روى ذلك عن مجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك.. وهو المروى عن علىّ. ومَن اعترض على هذا بأن قال: إن النظر بمعنى الانتظار لا يتعدى بـ "إلى"، فلا يقال: انتظرت إليه، وإنما يقال: انتظرته، فالجواب عنه على وجوه:
منها: أنه قد جاء فى الشعر بمعنى الانتظار ومعدى بـ "إلى"، كما فى البيت الذى سبق ذكره:
стр. 430
. ناظرات ... إلى الرحمن
وكقول جميل بن معمر:
وإذا نظرتُ إليك من ملك ... والبحر دونك زدتنى نعماً
وقول الآخر:
إنى إليك لما وعدتَ لناظر ... نظر الفقير إلى الغنى الموسر
ونظائره كثيرة..
ومنها أن تحمل "إلى" فى قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ على أنها اسم، فهو واحد الآلاء التى هى النعم، فإن فى واحدها أربع لغات: "إلا" و "ألا" مثل: معى وقفا، و "ألى"و "إلى" مثل جدى وحسى، وسقط التنوين بالإضافة. وقال الأعشى:
أبيض لا يرهب الهزال ولا ... يقطع رحماً ولا يخون إلى
وليس لأحد أن يقول: إن هذا من أقوال المتأخرين وقد سبقهم الإجماع، فإنَّا لا نُسلِّم ذلك، لما ذكرناه من أن علياً ومجاهداً والحسن وغيرهم قالوا: المراد بذلك: تنتظر الثواب.
ومنها: أن لفظ النظر يجوز أن يعدى بـ "إلى" فى الانتظار على المعنى، كما أن الرؤية عديت بـ "إلى" فى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: ٤٥] فأجرى الكلام على المعنى، ولا يقال: رأيت إلى فلان. ومن إجراء الكلام على المعنى قول الفرزدق:
ولقد عجبت إلى هوازن أن أصبحت ... منى تلوذ ببطن أم جرير
فعدى "عجبت" بـ "إلى" لأن المعنى نظرت.
وثانيها: أن معناه: مؤملة لتجديد الكرامة، كما يقال: عينى ممدودة إلى الله تعالى وإلى فلان، وأنا شاخص الطرف إلى فلان.. ولما كانت العيون بعض أجزاء الوجوه أضيف الذى يقع بالعين إليها.. عن أبى مسلم.
وثالثها: أن المعنى: أنهم قطعوا آمالهم وأطماعهم عن كل شئ سوى الله، ورجوه دون غيره، فكنى سبحانه عن الطمع بالنظر، ألا ترى أن الرعية تتوقع نظر السلطان
стр. 431
وتطمع فى إفضاله عليها وإسعافه فى حوائجها، فنظر الناس مختلف: فناظر إلى السلطان، وناظر إلى تجارة، وناظر إلى زراعة، وناظر إلى ربه يؤمله.. وهذه الأقوال متقاربة فى المعنى، وعلى هذا فإن هذا الانتظار متى يكون؟ فقيل: إنه بعد الاستقرار فى الجنَّة، وقيل: إنه قبل استقرار الخلق فى الجنة والنار، فكل فريق ينتظر ما هو له أهل.. وهذا اختيار القاضى عبد الجبار - وذكر جمهور أهل العدل أن النظر يجوز أن يُحمل على المعنيين جميعاً، ولا مانع لنا من حمله على الوجهين، فكأنه سبحانه أراد أنهم ينظرون إلى الثواب المُعَد لهم فى الحال من أنواع النعيم، وينتظرون أمثالها حالاً بعد حال ليتم لهم ما يستحقون من الإجلال، ويُسئل على هذا فيقال: إذا كان بمعنى النظر بالعين حقيقة وبمعنى الانتظار مجازاً فكيف يُحمل عليهما؟ والجواب: أن عند أكثر المتكلمين فى أصول الفقه يجوز أن يرادا بلفظ واحد إذ لا تنافى بينهما.. وهو اختيار المرتضى قدَّس الله روحه، ولَمْ يجوزِّ ذلك أبو هاشم إلا إذ تكلم به مرتين: مرة يريد النظر، ومرة يريد الانتظار. وأما قولهم: المنتظر لا يكون نعيمه خالصاً فكيف يوصف أهل الجنَّة بالانتظار؟ فالجواب عنه: أن مَن ينتظر شيئاً لا يحتاج إليه فى الحال وهو واثق بوصوله إليه عند حاجته فإنه لا يهتم بذلك ولا ينقص سروره به، بل ذلك زايد فى نعيمه، وإنما يحلق الهم المنتظر إذا كان يحتاج إلى ما ينتظره فى الحال ويلحقه بفوته مضرَّة وهو غير واثق بالوصول إليه. وقد قيل فى إضافة النظر إلى الوجوه: إن الغم والسرور إنما يظهران فى الوجوه، فبيَّن الله سبحانه أن المؤمن إذا ورد يوم القيامة تهلل وجهه، وأن الكافر يخاف مغبة أفعاله القبيحة فيكلح وجهه.. "
* *
السحر:
والطبرسى ينكر حقيقة السحر ولا يقول به، ويخالف جمهور أهل السُّنَّة فى ذلك، ويرد أدلتهم، وينكر حديث البخارى فى سحر رسول الله ﷺ ، ولهذا نراه فى آخر تفسيره لقوله تعالى للآية [١٠٢] من سورة البقرة: ﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ... الآية، يقول ما نصه: ".. واختُلِف فى ماهية السحر على أقوال:
فقيل: إنه ضرب من التخييل وصنعة لطيفة من الصنائع، وقد أمر الله تعالى بالتعوذ منه وجعل التحرز منه بكتابة وقاية منه، وأنزل فيه سورة الفلق.. وهو قول الشيخ المفيد أبى عبد الله من أصحابنا.
وقيل: إنه خدع ومخاريق وتمويهات لا حقيقة لها، تخيل إلى المسحور لها حقيقة..
وقيل: إنه يمكن الساحر أن يقلب الإنسان حماراً ويقلبه من صورة إلى صورة، وينشئ الحيوان على وجه الاختراع. وهو لا يجوز، ومن صدَّق به فهو لا يعرف النبوة،
стр. 432
ولا يأمن من أن تكون معجزات الأنبياء من هذا النوع، ولو أن الساحر والمعزم قدرا على نفع أو ضرر، وعلما الغيب لقدرا على إزالة الممالك واستخراج الكنوز من معادنها والغلبة على البلدان بقتل الملوك من غير أن ينالهم مكروه وضرر، فلما رأيناهم أسوأ الناس حالاً وأكثرهم مكيدة واحتيالاً. علمنا أنهم لا يقدرون على شئ من ذلك. فأما ما روى من الأخبار أن النبى ﷺ سُحر فكان يرى أنه فعل ما لم يفعله أو أنه لم يفعل ما فعله فأخبار مفتعلة لا يُلتفت إليها، وقد قال الله حكاية عن الكفار: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ [الفرقان: ٨] . فلو كان السحر عمل فيه لكان الكفار صادقين فى مقالهم، حاشا للنبى من كل صفة نقص تنفر عن قبول قوله، فإنه حُجَّة الله على خلقه وصفوته على بريته.. ".
* *
* الشفاعة:
هذا.. ولا يلتزم الطبرسى القول بكل معتقدات المعتزلة، بل نراه يخالفهم فى كثير من الأحيان، ويرد عليهم معتقداتهم، ويجادلهم فيها جدالاً عنيفاً قوياً.
فمذهب الطبرسى فى الشفاعة - مثلاً - يخالف مذهب المعتزلة، ولهذا نراه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٨] من سورة البقرة: ﴿واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ .. يقول ما نصه: ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ قال المفسرون: حكم هذه الآية مختص باليهود، لأنهم قالوا: نحن أولاد الأنبياء وآباؤنا يشفعون لنا، فأيأسهم الله عن ذلك فخرج الكلام مخرج العموم والمراد به الخصوص، ويدل على ذلك أن الأمة اجتمعت على أن للنبى شفاعة مقبولة، وإن اختلفوا فى كيفيتها، فعندنا هى مختصة بدفع المضار وإسقاط العقاب عن مستحقيه من مذنبى المؤمنين.
وقالت المعتزلة: هى فى زيادة المنافع للمطيعين والتائبين دون العاصين. وهى ثابتة عندنا للنبى، ولأصحابه المنتخبين، وللأئمة من أهل بيته الطاهرين، ولصالحى المؤمنين، وينجى بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين، ويؤيده الخبر الذى تلقته الأمة بالقبول وهو قوله: "ادخرتُ شفاعتى لأهل الكبائر من أُمتى"، وما جاء فى روايات أصحابنا رضى الله عنهم مرفوعاً إلى النبى أنه قال: "إنى أُشَفَّع يوم القيامة فأشفع، ويُشفَّع علىّ فيشفع، ويُشَفَّع أهل بيتى فيشفعون، وإن أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع فى أربعين من إخوانه كل قد استوجب النار"، وقوله مخبراً عن الكفار عند حسراتهم على الفائت لهم مما حصل لأهل الإيمان من الشفاعة: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠-١٠١] .
* *
*
стр. 433
حقيقة الإيمان:
وهو أيضاً يخالف المعتزلة فى حقيقة الإيمان، فلذلك لما عرض لتفسير قوله تعالى فى الآية [٣] من سورة البقرة: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ .. قال ما نصه: ".. وقالت المعتزلة بأجمعها: الإيمان هو فعل الطاعة، ثم اختلفوا فمنهم مَن اعتبر الفرائض والنوافل. ومنهم مَن اعتبر الفرائض فحسب. واعتبروا الاجتناب من الكبائر كلها، وقد روى العام والخاص عن علىّ بن موسى الرضا: أن الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان، وقد روى ذلك على لفظ آخر منه أيضاً: الإيمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول، واتباع الرسول.
وأقول أنا: أصل الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاءت به رسله. وكل عارف بشئ فهو مصدِّق به، يدل عليه هذه الآية، فإنه تعالى لما ذكر الإيمان علَّقه بالغيب، ليعلم أنه تصديق للمخبر فيما أخبر به من الغيب على معرفة وثقة، ثم أفرده بالذكر عن سائر الطاعات البدنية والمالية وعطفها عليه فقال: ﴿وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ، والشئ لا يُعطف على نفسه إنما يُعطف على غيره، ويدل عليه أيضاً أنه تعالى حيث ذكر الإيمان أضافه إلى القلب فقال: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦] ، وقال: ﴿أولائك كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان﴾ [المجادلة: ٢٢] .. وقال النبى ﷺ : "الإيمان سر - وأشار إلى صدره - والإسلام علانية" وقد يسمى الإقرار إيماناً كما يسمى تصديقاً إلا أنه متى صدر على شك أو جهل كان إيماناً لفظياً لا حقيقياً، وقد تُسمى أعمال الجوارح أيضاً إيماناً استعارة وتلويحاً كما يسمى تصديقاً كذلك، فيقال: فلان تُصدِّق أفعاله مقاله، ولا خير فى قول لا يصدقه الفعل. والفعل ليس بتصديق حقيقى باتفاق أهل اللُّغة، وإنما استعير هذا الاسم على الوجه الذى ذكرناه. فقد آل الأمر مع تسليم صحة الخبر وقبوله إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب والتصديق به على نحو ما تقتضيه اللُّغة، ولا يُطلق لفظه إلا على ذلك. إلا أنه يستعمل فى الإقرار باللسان والعمل بالأركان مجازاً واتساعاً، وبالله التوفيق".
* *
* روايته للأحاديث الموضوعة:
هذا.. ولا يفوتنا أن نقول: إن الطبرسى ﵀ لم يكن صادقاً فى وصفه لكتابه هذا بأنه محجة للمحدِّث، ذلك لأنَّا تتبعناه فوجدناه غير موفق فيما يروى من الأحاديث فى تفسيره، فقد أكثر من ذكر الموضوعات، خصوصاً ما وضعه الشيعة ونسبوه إلى النبى ﷺ أو إلى أهل البيت مما يشهد لمعتقداتهم ويدل على تشيعهم.
стр. 434
وإذا نحن تتبعنا ما يرويه من الأحاديث فى فضائل السور لوجدناه قد وقع فيما وقع فيه كثير من المفسِّرين من الاغترار بما جاء من الأحاديث فى فضائل السور مسنداً إلى أُبَىّ وغيره، ومرفوعاً إلى رسول الله ﷺ ، وهى أحاديث موضوعة باتفاق أهل العلم.
كذلك لو تتبعنا هذا التفسير لوجدنا صاحبه يروى فى تفسيره من الأحاديث ما يشهد لمذهبه أو يتصل به، وهى أخبار نقرؤها ولا نكاد نرى عليها صبغة الصدق ورواء الحق.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٧] من سورة الرعد: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ .. نجد أنه يذكر من الروايات ما هو موضوع على ألسنة الشيعة، ثم يمر عليها بدون تعقيب منه، مما يدل على أنه يصدقها ويقول بها. فهو بعد أن ذكر أقوالاً أربعة فى معنى هذه الآية نقل عن ابن عباس أنه قال: "لما نزلت الآية قال رسول الله ﷺ : "أنا المنذر وعلىّ الهادى من بعدى، يا علىّ، بك يهتدى المهتدون". ونقل بسنده إلى أبى بردة الأسلمى أنه قال: "دعا رسول الله ﷺ بالطهور، وعنده علىّ ابن أبى طالب، فأخذ رسول الله بيد علىّ بعد ما تطهر فألزمها بصدره ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ﴾ ، ثم ردها إلى صدره، ثم قال: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ ، ثم قال: إنك منارة الأنام، وغاية الهدى، وأمير القرى، وأشهد علىّ ذلك أنك كذلك".
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٣] من سورة الشورى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ .. نجده يذكر أقوالاً ثلاثة فى معنى هذه الآية:
أحدها: لا أسألكم على تبليغ الرسالة وتعليم الشريعة أجراً إلا التوادد والتحاب فيما يُقَرِّب إلى الله تعالى من العمل الصالح.
وثانيها: أن معناه: إلا أن تودونى فى قرابتى منكم وتحفظونى لها.
وثالثها: إلا أن تودوا قرابتى وتحفظونى فيهم ... وهنا يسوق من الروايات عن أهل البيت وغيرهم ما يصرِّح بأن الذين أمر الله بمودتهم: علىّ وفاطمة وولدهما، ويروى - فيما يروى - هذا الحديث الغريب الذى نقله من كتاب "شواهد التنزيل لقواعد التفضيل" مرفوعاً إلى أبى أُمامة الباهلى قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى خلق الأنبياء من أشجار شتَّى، وخُلقت أنا وعلىّ من شجرة واحدة، فأنا أصلها، وعلىّ فرعها، وفاطمة لقاحها، والحسن والحسين ثمارها، وأشياعنا أوراقها، فمَن تعلَّق بغصن من أغصانها نجا، ومَن زاغ عنها هوى، ولو أن عبداً عبد الله بين الصفا والمروة ألف عام ثم ألف عام ثم ألف عام حتى يصير كالشن البالى، ثم لم يدرك محبتنا كبَّه الله على منخريه فى النار، ثم تلا: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ .
* *
*
стр. 435
نموقفه من الإسرائيليات:
وكثيراً ما يروى الطبرسى فى تفسيره الروايات الإسرائيلية معزوَّة إلى قائليها، ونلاحظ عليه أنه يذكرها بدون أن يُعقِّب عليها.. اللَّهُمَ إلا إذا كانت مما يتنافى مع العقيدة، فإنه ينبه على كذب الرواية، ويبين ما فيها من مجافاتها للحق وبُعدها عن الصواب، فمثلاً عند قوله تعالى فى الآية [٢١] وما بعدها من سورة (ص) : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب * إِذْ دَخَلُواْ على دَاوُودَ ... .﴾ ... الآيات، نجده يقول: "واختلف فى استغفار داود من أى شئ كان، فقيل: إنه حصل منه على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والخضوع والتذلل بالعبادة والسجود، كما أخبر سبحانه عن إبراهيم بقوله: ﴿والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين﴾ [الشعراء: ٨٢] .. وأما قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: ٢٥] فالمعنى أنَّا قبلناه منه وأثبتناه، فأخرجه على لفظ الجزاء مثل قوله: ﴿يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] ، وقوله: ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] . فلما كان المقصود من الاستغفار والتوبة القبول قيل فى جوابه: "غفرنا" وهذا قول من يُنَزِّه الأنبياء عن جميع الذنوب من الإمامية وغيرهم. ومَن جوَّز على الأنبياء الصغائر قال: إن استغفاره كان لذنب صغير وقع منه، ثم إنهم اختلفوا فى ذلك على وجوه:
أحدها: أن أُوريا بن حيّان خطب امرأة وكان أهلها أرادوا أن يُزوِّجوها منه، فبلغ داود جمالها فخطبها أيضاً فزوَّجوها منه، فقدَّموه على أوربا، فعوتب داود على الدنيا.. عن الجبائى.
وثانيها: أنه أخرج أُوريا إلى بعض ثغوره فقُتل فلم يجزع عليه جزعه على أمثاله من جنده إذ مالت نفسه إلى نكاح امرأته، فعوتب على ذلك بنزول المَلَكين.
وثالثها: أنه كان فى شريعته أن الرجل إذا مات وخلَّف امرأته فأولياؤه أحق بها إلا أن يرغبوا عن التزوج بها، فحينئذ يجوز لغيرهم أن يتزوج، فلما قُتل أُوريا خطب داود امرأته ومنعت هيبة داود وجلالته أولياءه يخطبوها فعوتب على ذلك.
ورابعها: أن داود كان متشاغلاً بالعبادة فأتاه رجل وامرأة متحاكمين فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها وذلك مباح، فمالت نفسه إليها ميل الطباع ففصل بينهما وعاد إلى عبادة ربه، فشغله الفكر فى أمرها عن بعض نوافله فعوتب.
وخامسها: أنه عوتب على عجلته فى الحكم قبل التثبت، وكان يجب عليه حين سمع الدعوى من أحد الخصمين أن يسأل الآخر عما عنده فيها ويحكم عليه قبل ذلك، وإنما أنساه التثبت فى الحكم فزعه من دخولهما عليه فى غير وقت العادة.
وأما ما ذُكر فى القصة أن داود كان كثيرا الصلاة فقال: يا رب فضَّلتَ علىّ إبراهيم فاتخذَتُه خليلاً، وفضَّلتَ علىّ موسى فكلَّمتَه تكليماً، فقال: يا داود إنا ابتليناهم بما
стр. 436
لم نبتلك بمثله فإن شئت ابتليتْ، فقال: نعم يا رب فابتلنى، فبينا هو فى محرابه ذات يوم وقعت حمامة، فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوَّة المحراب، فذهب ليأخذها فاطلع من الكوَّة فإذا امرأة أُوريا ابن حيَّان تغتسل فهواها وهَمَّ بتزوجها، فبعث بأُوريا إلى بعض سراياه وأمر بتقديم أمام التابوت الذى فيه السكينة ففعل ذلك وقُتِل، فلما انقضت عِدَّتها تزوجها وبنى بها فولد له منها سليمان، فبينا هو ذات يوم فى محرابه يقرأ إذ دخل عليه رجلان ففزع منهما، فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ ... ﴾ ... إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ .. فنظر أحد الرجلين إلى صاحبه ثم ضحك فتنبه داود على أنهما ملكان بعثهما الله إليه فى صورة خصمين ليبكتاه على خطيئته فتاب وبكى حتى نبت الزرع من كثرة دموعه، فمما لا شبهة فى فساده، فإن ذلك مما يقدح فى العدالة فكيف يجوز أن يكون أنبياء الله تعالى الذين هم أمناؤه على وحيه وسفراؤه بينه وبين خلقه بصفة مَن لا تُقبل شهادته وعلى حالة تنفر عن الاستماع إليه والقبول منه؟ جَلَّ أنبياء الله عن ذلك. وقد روى عن أمير المؤمنين أنه قال: لا أُوتى برجل يزعم أن داود تزوج امرأة أُوريا إلا جلدتُه حدَّين: حداً للنبوة، وحداً للإسلام".
* *
* التفسير الرمزى:
والطبرسى مع أنه فى كتابه هذا يُفسِّر القرآن تفسيراً يتمشى مع الظاهر المتبادر إلى الذهن إلا أنَّا نلاحظ عليه أحياناً أنه يذكر المعانى الباطنية، أو بعبارة أخرى يذكر التفسير الرمزى الذى يقول به الشيعة، وهو وإن كان ناقلاً لهذه الأقوال إلا أنه يرتضيها ولا يرد عليها، وكثيراً ما يؤيدها بأدلة من عنده.
مثال ذلك أنه عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٣٥] من سورة النور: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ ... الآية، نجده يقول بعد كلام طويل: "واختلف فى هذا المشبه والمشبه به على أقوال".. ثم ذكر هذه الأقوال، فكان من جملة ما ذكره هذه الروايات التى لا تعدو أن تكون من وضع الشيعة، وهى ما روى عن الرضا أنه قال: "نحن المشكاة فيها المصباح محمد ﷺ يهدى الله لولايتنا من أحب". وما نقله من كتاب التوحيد لأبى جعفر بن بابويه ﵀ بالإسناد عن عيسى بن راشد عن أبى جعفر الباقر فى قوله: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ قال: نور العلم فى صدر النبى، ﴿المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة﴾ الزجاجة صدر علىّ، صار علم النبى إلى صدر علىّ، علَّم النبى علياً، ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ نور العلم، ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾ لا يهودية ولا نصرانية، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ قال:
стр. 437
يكاد العالم من آل محمد يتكلم بالعلم قبل أن يُسئل، ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾ أى إمام مؤيَّد بنور العلم والحكمة فى أثر إمام من آل محمد ﷺ ، ذلك من النبى آدم ﵇ إلى أن تقوم الساعة. فهؤلاء الأوصياء الذين جعلهم الله خلفاء فى أرضه، وحججه على خلقه، لا تخل الأرض فى كل عصر من واحد منهم، ويدل عليه قول أبى طالب:
أنت الأمير محمد ... قرم أغر مسود
لمسودين أطاهر ... كرموا وطاب المولد
أنت السعيد من السعو ... د تكنفتك الأسعد
من لدن آدم لم يزل ... فينا وصى مرشد
ولقد عرفتك صادقاً ... والقول لا يتفند
مازلت تنطق بالصوا ... ب وأنت طفل أمرد
تحقيق هذه الجملة يقتضى أن الشجرة المباركة المذكورة فى الآية هى دوحة التقى والرضوان وعترة الهدى والإيمان، شجرة أصلها النبوة، وفرعها الإمامة، وأغصانها التنزيل، وأوراقها التأويل، وخدمها جبريل وميكائيل".
* *
* اعتداله فى تشيعه:
والطبرسى معتدل فى تشيعه غير مغال فيه كغيره من متطرفى الإمامية الإثنا عشرية، ولقد قرأنا فى تفسيره فلم نلمس عليه تعصباً كبيراً، ولم نأخذ عليه أنه كفَّر أحداً من الصحابة أو طعن فيهم بما يُذهب بعدالتهم ودينهم.
كما أنه لم يغال فى شأن علىّ بما يجعله فى مرتبة الإله أو مصاف الأنبياء، وإن كان يقول بالعصمة. ولقد وجدناه يروى عن رسول الله ﷺ حديثاً فى شأن مَن وإلى علياً ومَن عاداه، وهو بصرف النظر عن درجته من الصحة يدل على أن الرجل وقف موقفاً وسطاً أو فوق الوسط إلى حد ما فيه من حبه لعلىّ رضى الله عنه، هذا الحديث هو ما رواه فى الوجه الرابع من الوجوه التى قيلت فى سبب نزول قوله تعالى فى الآية [٥٧] من سورة الزخرف: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ ، حيث قال: ".. ورابعها: ما رواه سادة أهل البيت عن علىّ عليهم أفضل الصلوات أنه قال: جئت إلى رسول الله يوماً فوجدته فى ملإٍ من قريش فنظر إلىّ ثم قال: يا علىّ؛ إنما مثلك فى هذه الأمة كمثل عيسى ابن مريم أحبه قوم فأفرطوا فى حبه فهلكوا، وأبغضه قوم وأفرطوا فى بغضه فهلكوا، واقتصد فيه قوم فنجوا، فعظم ذلك عليهم فضحكوا وقالوا: يشبه بالأنبياء والرسل.. فنزلت الآية".
стр. 438
وكل ما لاحظناه عليه من تعصبه أنه يدافع بكل قوة عن أُصول مذهبه وعقائد أصحابه، كما أنه إذا روى أقوال المفسِّرين فى آية من الآيات ونقل أقوال المفسِّرين من أهل مذهبه فيها نجده يرتضى قول علماء مذهبه ويؤيده بما يظهر له من الدليل.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٨] من سورة النساء: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ ... الآية، يقول: "قيل فى المعنىِّ بهذه الآية أقوال".. ثم يذكر الأقوال، ويذكر ما رواه أصحابه عن أبى جعفر الباقر وأبى عبد الله الصادق من أنهما قالا: "أمر الله كل واحد من الأئمة أن يُسلِّم الأمر إلى مَن بعده".. ثم قال مؤيداً لهذا القول: "ويعضده أنه أمر الرعية بعد هذا بطاعة ولاة الأمر. وروى عنهم أنهم قالوا: آيتان إحداهما لنا والأخرى لكم، قال الله: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ ... الآية".
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٩] من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ .. الآية، نجده بعد أن يذكر ما جاء عن بعض السَلَف من أن المراد بأُولى الأمر الأمراء، وما جاء عن بعضهم من أن المراد بهم العلماء يقول: "وأما أصحابنا فإنهم رووا عن الباقر والصادق أن أُولى الأمر هم الأئمة من آل محمد، أوجب الله طاعتهم بالإطلاق كما أوجب طاعته وطاعة رسوله، ولا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلا مَن ثبت عصمته، وعلم أن باطنه كظاهره، وأمن منه الغلط والأمر بالقبيح، وليس ذلك بحاصل فى الأمراء ولا العلماء سواهم، جلَّ الله أن يُطاعه مَن يعصيه، أو بالانقياد للمختلفين فى القول والفعل، لأنه محال أن يُطاع المختلفون، كما أنه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه. ومما يدل على ذلك أيضاً أن الله لم يقرن طاعة أُولى الأمر بطاعة رسوله كما قرن طاعة رسوله بطاعته، ألا وإن أُولى الأمر فوق الخلق جميعاً، كما أن الرسل فوق أُولى الأمر وفوق سائر الخلق، وهذه صفة أئمة الهدى من آل محمد الذين ثبتت إمامتهم وعصمتهم، واتفقت الأمة على علو رتبتهم وعدالتهم".
وبعد.. أفلا ترى معى أن هذا التفسير يجمع بين حسن الترتيب، وجمال التهذيب، ودقة التعليل، وقوة الحُجَّة؟ أظن أنك معى فى هذا، وأظن أنك معى أيضاً فى أن الطبرسى وإن دافع عن عقيدته ونافح عنها لم يغل غلو غيره ولم يبلغ به الأمر إلى الدرجة التى كان عليها المولى الكازرانى وأمثاله من غلاة الإمامية الإثنا عشرية.
* * *
стр. 439
٤- الصافى فى تفسير القرآن (لملا محسن الكاشى)
* التعريف بصاحب هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير هو محمد بن الشاه مرتضى بن الشاه محمود، المعروف بملا محسن، وبالفيض الكاشى، وأحد غلاة الإمامية الإثنا عشرية. قال صاحب روضات الجنَّات فى ترجمته ما ملخصه: "وأمره فى الفضل والفهم والنبالة فى الفروع والأصول، والإحاطة بمراتب المعقول والمنقول، وكثرة التأليف والتصنيف، مع جودة التعبير والترصيف، أشهر من أن يخفى فى هذه الطائفة على أحد إلى منتهى الأبد. وعمره كما استفيد لنا من تتبع تصانيفه الوافرة تجاوز حدود الثمانين. ووفاته بعد الألف من الهجرة الطاهرة بنيف يلحق تمام التسعين. وأبوه مرتضى المذكور أيضاً كان من العلماء، وكذا أخوه محمد المعروف بنور الدين، وكذا أخوه الآخر المشهور بالمولى عبد الغفور، وبالجملة: فقد كان بيته الجليل المرتفع قدره إلى ذروة الأفلاك، من كبار بيوتات العلم والعمل والفضل والإدراك. وأما نفس الرجل فقد بلغ فضله إلى حيث لم يُعرف بين هذه الطائفة مثله، وخصوصاً فى مراتب المعرفة والأخلاق، وتطبيق الظواهر بالبواطن بحسن المذاق، وجودة الإشراق، وكان يشبه مشربه مشرب أبى حامد الغزالى، وقد نسب إليه الشيخ على المشهدى العاملى فى ذيل رسالته فى تحريم الغناء وغيرها، كثيراً من الأقاويل الفاسدة، والآراء الباطلة والعاطلة، التى تفوح منها رائحة الكفر والمضارة بضروريات هذا الدين المتين، والمضادة لما هو من قطعيات علم هذا الشرع المتين، ولو أردنا تأويل جملة منها بمحامل وجيهة صحيحة لما أمكننا ذلك بالنسبة إلى ما تدل عليه ألفاظه الظاهرة بل الصريحة ... من منافيات أصول هذه الشريعة وفروع مذهب الشيعة. مثل قوله بوحدة الوجود، وبعدم خلود الكفار فى عذاب النار، وعدم نجاة أهل الاجتهاد وإن كانوا فى جملة أجلائنا الكبار، وفى قوله بعدم منجسية المتنجس لغيره مثل النجس.. وبالجملة فقد كان ﵀ دائماً فى طرف النقيض من الشيخ على المذكور ... ومن جملة مَن كان ينكر عليه أيضاً كثيراً من علماء زمانه الفاضل المحدِّث المولى محمد طاهر القُمِّى صاحب كتاب حُجَّة الإسلام وغيره، وإن قيل إنه رجع فى أواخر عمره عن اعتقاده السوء فى حقه، فخرج من "قُم" المباركة إلى بلدة" كاشان" للاعتراف عنده بالخلاف، والاعتذار
لديه بحسن الإنصاف، ماشياً على قدميه إلى أن وصل إلى باب داره، فنادى: يا محسن قد أتاك المسئ، فخرج إليه مولانا المحسن وجعلا يتصافحان ويتعانقان ويستحل كل منهما من صاحبه ثم رحل من فوره
стр. 440
إلى بلده وقال: لم أرد من هذه الحركة إلا هضم النفس وتدارك الذنب وطلب رضوان الله العزيز الوهَّاب. ويقال أيضاً: إن بعض مَن اعتقد فى حقه الباطل رجع عنه بعد وفاته لما رآه فى المنام على هيئة حسنة يأمره بالرجوع إلى بعض ما كتبه فى أواخر عمره وهو فى مكان كذا كذا، فلما استيقظ وطلبه وجده كما نسبه، وكان فيه تبرئة نفسه من جميع ما يُنسب إليه من أقوال الضلال ... وقد ذكره صاحب أمل الآمل فقال: المولى الجليل، محمد بن مرتضى، المدعى بمحسن الكاشى، كان فاضلاً عالماً، حكيماً متكلماً، محدِّثاً فقيهاً، شاعراً أديباً، أحسن التصنيف، من المعاصرين، وله كتب: منها كتاب الوافى فى جمع الكتب الأربعة مع شرح أحاديثها المشكلة، وهو حسن إلا أن فيه ميلاً إلى بعض طريقة الصوفية، وكذا جملة من كتبه، وكتاب سفينة النجاة فى طريقة العمل، وتفاسير ثلاثة: كبير وصغير ومتوسط، وكتاب عَيْن اليقين، وكتاب علم اليقين، وكتاب حق اليقين.. وقال صاحب لؤلؤة البحرين: "وهذا الشيخ كان فاضلاً، محدِّثاً، إخبارياً، صلباً، كثير الطعن على المجتهدين، ولا سيما فى رسالة سفينة النجاة، حتى إنه يُفهم منها نسبة جملة من العلماء إلى الكفر فضلاً عن الفسق، مثل إيراده لآية: ﴿يابني اركب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين﴾ [هود: ٤٢] .. وهو تفريط وغلو بحت، مع أن له أدلة من المقالات التى جرى فيها على مذهب الصوفية والفلاسفة مما يكاد يوجب الكفر والعياذ بالله، مثل ما يدل فى كلامه على القول بوحدة الوجود، وقد وقفتُ له على رسالة قبيحة صريحة فى القول بذلك، قد جرى فيها على عقائد ابن عربى الزنديق، وأكثر فيها من النقل عنه وإن عبَّر عنه ببعض العارفين. ثم قال: وقد تتلمذ فى الحديث على السيد ماجد البحرانى، وفى الحكمة والأصول على صدر الدين محمد ابن إبراهيم الشيرازى، كان صهره على ابنته، ولذا ترى أن كتبه فى الأصول كلها على قواعد الصوفية والفلاسفة. ولاشتهار مذهب التصوف فى بلاد العجم وميلهم إليه،
بل وغلوهم فيه صارت إليه المرتبة العليا فى زمانه، والغاية القصوى فى أوانه، وفاق عند الناس جملة أقرانه. حتى جاء شيخنا المجلس فسعى غاية السعى فى سد تلك الشقائق الفاغرة، وإطفاء ثائرة البدع البائرة. وله تصانيف كثيرة أفرد لها فهرساً على حدة ونحن ننقل عنه ملخصاً: كتاب الصافى فى تفسير القرآن يقرب من سبعين ألف بيت فرغ من تأليفه فى سنة ١٠٧٥ هـ (خمس وسبعين بعد الألف من الهجرة) . وكتاب الأصفى، منتخب منه، أحد وعشرين ألف بيت تقريباً. ثم عدَّد كتبه التى ألفها وهى كثيرة. وحكى السيد السعيد السيد نعمة الله الجزائرى التسترى قال: كان أستاذنا المحقق المولى محمد محسن الكاشانى صاحب مؤلفات وفيرة مما يقرب من مائتى كتاب ورسالة، وكان نشوه فى بلدة "قُم"،
стр. 441
فسمع بقدوم السيد الأجَّل المحقق الإمام الهمام السيد ماجد البحرانى الصادقى إلى "شيراز"، فأراد الارتحال إليه لأخذ العلوم منه، فتردد والده فى الرخصة إليه، ثم بنوا الرخصة وعدمها على الاستخارة، فلما فتح القرآن جاءت الآية: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين﴾ [التوبة: ١٢٢] ... الآية، ثم بعده تفاءل بالديوان المنسوب إلى مولانا أمير المؤمنين فجاءت الأبيات هكذا:
تغرب عن الأوطان فى طلب العلا ... وسافِر ففى الأسفار خمس فوائد
تفرج هم، واكتساب معيشة ... وعلم، وآداب، وصحبة ماجد
هذه ترجمة المؤلف وفيها ما يشهد للرجل بعلو كعبه بين أصحابه فى العلم، كما أن الأقوال التى قيلت عن عقيدته تكاد تكون مجمعة على أنها عقيدة زائفة فاسدة، وإن كان صاحب روضات الجنَّات يحاول تبرئته من هذه التهمة ويقول إنها فرية بلا مرية.. أما أنا فلم ألاحظ عليه فى تفسيره أثراً للقول بوحدة الوجود، ولا ما يشهد بأنه يرى عدم خلود الكفار فى عذاب النار. ولم أر على تفسيره ذلك اللون الصوفى الفلسفى، ولعل الكتاب من أواخر مؤلفاته وبعد رجوعه عما نُسِب إليه واتُهِم به".
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
الصافى فى تفسير القرآن الكريم، كتاب فسَّر فيه صاحبه القرآن الكريم على وفق مبادئ الإمامية الإثنا عشرية. وهو تفسير وسط يقع فى جزئين كبيرين ومتناول لشرح الآيات القرآنية شرحاً مختصراً جداً ولا يطيل إلا إذا وجد فى الآية ما يمكن أن يأخذ منه شاهداً على مبدأ من مبادئه، أو دليلاً على عقيدة من عقائده، أو دفعاً يدفع به رأيا من آراء مخالفيه. كذلك يطيل عندما يعرض لشرح قصة من قصص القرآن، أو غزوة من غزوات الرسول ﷺ . والكتاب يعتمد أولاً وقبل كل شئ على ما ورد من التفسير عن الأئمة وعلماء أهل البيت، شأنه فى هذا شأن كل كتب التفسير عند الإمامية الإثنا عشرية، الذين يعتقدون أن أهل البيت هم أدرى الناس بأسرار القرآن وأعلمهم بمعانيه، والكتاب فى جملته يدل على مقدار تعصب صاحبه لمذهبه وغلوه فى تشيعه، فهو يجادل ويدافع عن مبادئ حزبه، ويطعن فى صاحبه رسول الله ﷺ ، ويرميهم بالنفاق والكفر.. إلى غير ذلك مما ستقف عليه فيما بعد إن شاء الله تعالى. هذا وقد قدَّم ملا محسن الكاشى لتفسيره باثنتى عشرة مقدمة، أرى أنه لا داعى لذكرها جميعاً، ولكن حسبى وحسب القارئ أن أذكر أهم الآراء التى يقول بها المؤلف ويشرحها لنا فى هذه المقدمات، ثم أذكر طريقته التى سار عليها فى تفسيره
стр. 442
كما أوضحها هو، ثم أعرض على القارئ بعد ذلك بعض مواقف المؤلف فى تفسيره، ومنها يتبين جلياً قيمة هذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه، ومسلكه الذى سلكه فى شرحه لكتاب الله تعالى بما يتفق مع مذهبه ويتمشى مع عقيدته، وإليك أهم هذه الآراء التى قالها المؤلف:
* آل البيت هم تراجمة القرآن، لأنهم جمعوا علمه كله دون مَن عداهم".
يرى المؤلف أن آل البيت هم تراجمة القرآن دون مَن عداهم، فهم الذين جمعوا علم القرآن كله وأحاطوا بمعانيه وأسراره، ووقفوا على رموزه وإشارته، ذلك لأن القرآن نزل فى بيتهم - بيت النبوة - ورب البيت أدرى بما فيه، وهو فى هذه العقيدة لا يشذ وحده بل هو رأى هذه الطائفة كلها لا فرق بين معتدل ومتطرف.
يرى المؤلف هذا الرأى ويصرِّح به فى مقدمة تفسيره فيقول: " ... وإن العترة تراجمة القرآن فمَن الكشاف عن وجوه عرايس أسرار ودقائقه وهم خوطبوا به؟ ومَن لتبيان مشكلاته ولديه مجمع بيان معضلاته ومنبع بحر حقائقه وهم أبو حسنه؟ ومَن يشرح آيات الله وييسر تفسيرها بالرموز والصراح إلا مَن شرح الله صدره بنوره ومثَّله بالمشكاة والمصباح؟ ومَن عسى يبلغ علمهم بمعالم التنزيل والتأويل، وفى بيوتهم كان ينزل جبريل؟.. وهى البيوت التى أذن الله أن تُرفع، فمنهم يُؤخذ ومنهم يُسمع. إذن أهل البيت بما فى البيت أدرى، والمخاطَبون بما خُوطبوا به أوعى، فأين نذهب عن بابهم وإلى مَن نصير.. "؟.
ثم يمضى صاحبنا بعد ذلك فيؤيد قوله هذا بأحاديث يرويها عن أهل البيت كلها - فيما نعتقد وكما يظهر من أسلوبها - من وضع الشيعة وأخلاقهم، فمن ذلك ما نقله عن الكافى بإسناده عن سليم بن قيس الهلالى قال: سمعت أمير المؤمنين ﵇ يقول.. وساق الحديث إلى أن قال: ما نزلت آية على رسول الله ﷺ وآله إلا أقرأنيها وأملاها علىّ فأكتبها بخطى، وعلَّمنى تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، ودعا الله أن يُعلِّمنى فهمها وحفظها، فما نسيتُ آية من كتاب الله، ولا علماً أملاه علىّ فكتبته منذ دعا لى بما دعا، وما ترك شيئاً علَّمه الله من حلال وحرام، ولا أمر ولا نهى كان أو يكون من طاعة أو معصية إلا علَّمنيه. وحفظته فلم أنس منه حرفاً واحداً، ثم وضع يده على صدرى ودعا الله أن يملأ قلبى علماً وفهماً وحكمة ونوراً، فقلت: يا رسول الله - بأبى أنت وأمى - منذ دعوتَ الله لى بما دعوت لم أنس شيئاً ولم يفتنى شئ لم أكتبه، أوَ تتخوَّف علىّ النسيان فيما بعد؟. فقال: لستُ أتخوَّفُ عليك نسياناً ولا جهلاً" قال: ورواه العياشى فى تفسيره
стр. 443
والصدوق فى إكمال الدين. بتفاوت يسير فى ألفاظه، وزيد فى آخره: "وقد أخبرنى ربِّى أنه قد استجاب لى فيك وفى شركائك الذين يكونون من بعدك، فقلت: يا رسول الله؛ ومَن شركائى من بعدى؟ قال: الذين قرنهم الله بنفسه وبى، فقال: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ .. فقلت: ومَن هم؟ قال: الأوصياء منى إلى أن يردوا علىَّ الحوض، كلهم هادين مهتدين لا يضرهم مَن خذلهم، هم مع القرآن والقرآن معهم، لا يفارقهم ولا يفارقونه، بهم تُنصر أُمتى وبهم تُمطر، وبهم يُدفع عنهم البلاء، وبهم يُستجاب دعاؤهم. فقلت: يا رسول الله؛ سمِّهم لى.. فقال: ابنى هذا.. ووضع يده على رأس الحسن، ثم قال: ابنى هذا.. ووضع يده على رأس الحسين، ثم ابن له يقال له: علىّ وسيولد فى حياتك فأقرئه منى السلام، ثم تكملة اثنى عشر من ولد محمد. فقلت له: بأبى أنت وأُمى أنت فسمِّهم لى، فسمَّاهم رجلاً رجلاً، فقال: منهم - والله يا أخا بنى هلال - مهدى أُمة محمد، الذى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت
ظلماً وجوراً، والله أنى لأعرف مَن يبايعه بين الركن والمقام وأعرف أسماء آبائهم وقبائلهم".
ومنها ما نقله عن الكافى بإسناده إلى زيد الشحَّام.. قال: دخل قتادة ابن دعامة على أبى جعفر ﵇ فقال: يا قتادة؛ أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون. فقال أبو جعفر ﵇: بعلم تُفسِّره أم بجهل؟ قال: لا، بل بعلم، فقال له أبو جعفر ﵇: فإن كنت تُفسِّره بعلم فأنت أنت وأنا أسألك. قال قتادة: سل. قال: أخبرنى عن قول الله تعالى فى سبأ: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨] .. فقال قتادة: مَن خرج من بيته بزاد وراحلة وكرى حلال يريد هَذَا البيت كان آمناً حتى يرجع إلى أهله. فقال أبو جعفر ﵇: نشدتك بالله - يا قتادة - هل تعلم أنه قد يخرج الرجل من بيته بزاد وراحلة وكرى حلال يريد هذا البيت فيُقطع عليه الطريق فتذهب نفقته ويُضرب مع ذلك ضربة فيها اجتياحه؟ قال قتادة: اللَّهم نعم. فقال أبو جعفر ﵇: ويحك يا قتادة.. إن كنت إنما فسَّرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكتَ وأهلكت، وإن كنتَ أخذته من الرجال فقد هلكتَ وأهلكت، ويحك يا قتادة.. ذلك من خرج من بيته بزاد وراحلة وكرى حلال يؤم هذا البيت عارفا بحقنا، يهوانا قلبه، كما قال الله تعالى: ﴿فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] ، ولم يعين البيت فقيل: إليه.. ونحن واللهِ دعوة إبراهيم ﵇ التى مَن هوانا قلبه قُبِلت حَجَّته وإلا فلا، يا قتادة فإذا كان ذلك كان آمناً من عذاب جهنم يوم القيامة. قال قتادة: لا جَرَم والله لا أُفسرها إلا هكذا. فقال أبو جعفر ﵇: ويحك يا قتادة.. إنما يعرف القرآن من خُوطب به".
* *
*
стр. 444
مَن يجوز له أن يُفسِّر القرآن برأيه:
ولكن هل معنى ذلك أن ملا محسن يرى أن فهم معانى القرآن ومعرفة أسراره أصبح أمراً مقصوراً على أهل البيت وحدهم فيكون بذلك قد حجر واسعاً وجحد فضل مَن عداهم من العلماء؟ أو يرى أن القرآن فى فهمه قدر مشترك بين العلماء جميعاً لا فرق بين أهل البيت وغيرهم؟.. الحق أن صاحبنا يرى أن فى معانى القرآن لأرباب الفهم متسعاً بالغاً ومجالاً رحباً، ولكن مَن هم أُولوا الفهم الذين يجوز لهم أن يُعمِلوا عقولهم فى فهم معانى القرآن واستنباط أحكامه؟. نرى المؤلف يحدد لنا أُولى الفهم بحدود، ويقيدهم بقيود لها صلة قوية بمذهبه الشيعى، وذلك حيث يقول: ".. فالصواب أن يقال: إن مَن أُخلص الانقياد لله ولرسوله ولأهل البيت ﵈، وأخذ عمله منهم، وتتبع آثارهم، واطلع على جملة من أسرارهم، بحيث حصل له الرسوخ فى العلم، والطمأنينة فى المعرفة، وانفتح عينا قلبه، وهجم به العلم على حقائق الأُمور، وباشر روح اليقين، واستلان ما استوعره المترفون، وأنس بما استوحش منه الجاهلون، وصحب الدنيا ببدن روحه معلَّقة بالمحل الأعلى، فله أن يستفيد من القرآن بعض غرائبه، ويستنبط منه نبذاً من عجائبه، ليس ذلك من كرم الله بغريب، ولا من جوده بعجيب، فليست السعادة وقفاً على قوم دون آخرين، وقد عَدُّوا ﵈ جماعة من أصحابهم المتصفين بهذه الصفات من أنفسهم، كما قالوا: سلمان منا أهل البيت، فمَن هذه صفته فلا يبعد دخوله فى الراسخين فى العلم، العالمين بالتأويل".
* *
* المؤلف يرى أن تفسيره للقرآن بما جاء من أهل البيت هو التفسير المثالى ويطعن فى بقية الصحابة وفى تفسيرهم:
ولما كان المؤلف ﵀ قد جعل جُلّ اعتماده فى تفسيره، بل كله، على ما وصل إليه من التفسير عن آل البيت، لاعتقاده أنهم أدرى به من غيرهم، فإنَّا نراه يرى - مع شئ من التواضع التقليدى - أن تفسيره هو التفسير المثالى الذى يجب أن يُحتذى، كما نراه لا يعترف بتفسير غيره ممن تقدم عصره، بل ويبالغ فى عدم الاعتراف فيطعن على مَن عدا أهل البيت من الصحابة ويرميهم بالنفاق وغيره، ولا يرتضى ما جاء عنهم من تفسير، كأن عقول الصحابة جميعاً قد عقمت وضلَّت إلا عقول أهل البيت ومَن والاهم..
يقرر المؤلف هذا بكل صراحة وجراءة مع حملة ظالمة على صحابة رسول الله صلى الله ﷺ ، وذلك حيث يقول: ".. هذا يا إخوانى ما سألتمونى من تفسير القرآن، بما وصل إلينا
стр. 445
من أئمتنا المعصومين من البيان، أتيتكم به مع قِلَّة البضاعة، وقصور يدى عن هذه الصناعة، على قدر مقدور، فإن المأمور معذور، والميسور لا يُترك بالمعسور، ولا سيما أنى كنت أراه أمراً مهماً، وبدونه أرى الخطب مدلهماً، فإن المفسِّرين وإن أكثروا القول فى معانى القرآن، إلا أنه لم يأت أحد منهم فيه بسلطان، وذلك لأن فى القرآن ناسخاً ومنسوخاً، ومحكماً ومتشابهاً، وخاصاً وعاماً، ومبيناً ومبهماً، ومقطوعاً وموصولاً، وفرائض وأحكاماً، وسُنَناً وآداباً، وحلالاً وحراماً، وعزيمة ورُخصة، وظاهراً وباطناً، وحداً ومطلعاً.. ولا يعلم تمييز ذلك كله إلا مَن نزل فى بيته، وذلك هو النبى ﷺ وآله وأهل بيته، فكل ما لا يخرج من بيتهم فلا تعويل عليه، ولهذا ورد عن النبى ﷺ : "مَن فسَّر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ"، وقد جاءت عن أهل البيت صلوات الله عليهم فى تفسير القرآن وتأويله أخبار كثيرة، إلا أنها خرجت متفرقة عن أسئلة السائلين، وعلى أقدار أفهام المخاطبين، وبموجب إرشادهم إلى مناهج الدين، وبقيت بعد خبايا فى زوايا، خوفاً من الأعداء وتقيَّة من البعداء، ولعله مما برز وظهر لم يصل إلينا الأكثر، لأن رواته كانوا فى محنة من التقيَّة، وشدة من الخطر، وذلك أنه لما جرى فى الصحابة ما جرى، وضَلَّ بهم عامة الورى، أعرض الناس عن الثَقَلين، وتاهوا فى بيداء ضلالاتهم عن النجدين إلا شرذمة من المؤمنين فمكث العامة بذلك سنين، وعمهوا فى غمرتهم حتى حين، فآل الحال إلى أن نبذ الكتاب حملته، وتناساه حفظته، فكان الكتاب وأهله فى الناس وليسا فى الناس، ومعهم وليسا معهم، لأن الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا. وكان العلم مكتوماً، وأهله مظلوماً، لا سبيل لهم بإبرازه إلا بتعميته وإلغازه، ثم خلف من بعدهم خلف غير عارفين ولا ناصيين، لم يدروا ما صنعوا بالقرآن، وعمن أخذوا التفسير والبيان. فعمدوا إلى طائفة يزعمون أنهم من العلماء، فكانوا يُفسِّرون لهم
بالآراء، ويروون تفسيره عمن يحسبونه من كبرائهم، مثل أبى هريرة وأنس وابن عمر ونظرائهم، وكانوا يعدون أمير المؤمنين من جملتهم، ويجعلونه كواحد من الناس، وكان خير مَن يستندون إليه بعده ابن مسعود وابن عباس، ممن ليس على قوله كثير تعويل، ولا له إلى لُبَاب الحق سبيل، وكان هؤلاء الكبراء ربما ينقلونه من تلقاء أنفسهم غير خائفين من مآله، وربما يسندونه إلى رسول الله ﷺ وآله، ومن الآخذين عنهم مَن لم يكن له معرفة بحقيقة أحوالهم، لما تقرر عندهم من أن الصحابة كلهم عدول ولم يكن لأحد منهم عن الحق عدول، ولم يعلموا أن أكثرهم كانوا يُبطنون النفاق، ويجترئون على الله ويفترون على رسول الله ﷺ فى عزة وشقاق، وهكذا كان حال الناس قرناً بعد قرن، فكان لهم فى كل قرن
стр. 446
رؤساء ضلالة، عنهم يأخذون، وإليهم يرجعون، وهم بآرائهم يجيبون، أو إلى كبرائهم يستندون، وربما يروون عن بعض أئمة الحق ﵈ فى جملة ما يروون عن رجالهم، ولكن يحسبونه من أمثالهم، فتباً لهم ولأدب الرواية، إذ ما رعوها حق الرعاية، نعوذ بالله من قوم حذفوا محكمات الكتاب، ونسوا الله رب الأرباب، وراموا غير باب الله أبواباً، واتخذوا من دون الله أرباباً، وفيهم أهل بيت نبيهم، وهم أزِّمة الحق، وسُنَّة الصدق، وشجرة النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحى، وعَيْبة العلم، ومنار الهدى، والحجج على أهل الدنيا، خزائن أسرار الوحى والتنزيل، ومعادن جواهر العلم والتأويل، والأمناء على الحقائق، والخلفاء على الخلائق. أُولوا الأمر الذين أُمروا بطاعتهم، وأهل الذكر الذين أُمروا بمسألتهم، وأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطَهَّرهم تطهيراً، والراسخون فى العلم الذين عندهم القرآن كله تأويلاً وتفسيراً، ومع ذلك كله يحسبون أنهم مهتدون، إنا لله وإنا إليه راجعون. ولما أصبح الأمر كذلك وبقى العلم سخرياً هنالك، صار الناس كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب بإمامهم، فضربوا بعضه ببعض لترويج مرامهم، وحملوه على أهوائهم فى تفاسيرهم وكلامهم، والتفاسير التى صنَّفها العامة من هذا القبيل، فكيف يصح عليها التعويل، وكذلك التى صنَّفها متأخرو أصحابنا
فإنها أيضاً مستندة إلى رؤساء العامة وشذ ما تُقِل فيه حديث عن أهل العصمة ﵈، وذلك لأنهم إنما نسجوا على منوالهم، واقتصروا فى الأكثر على أقوالهم، مع أن أكثر ما تكلم به هؤلاء وهؤلاء - فإنما تكلموا فى النحو، والصرف، والاشتقاق، واللُّغة، والقراءة، وأمثالها - مما يدور على القشور دون اللُّباب - فأين هم والمقصود من الكتاب؟ وإنما ورد على طائفة منهم ما قويت فيه منته، وترك ما لا معرفة له به مما قصرت عنه همته، ومنهم مَن أدخل فى التفسير ما لا يليق به، فبسط الكلام فى فروع الفقه وأُصوله، وطوَّل القول فى اختلاف الفقهاء. أو صرف همته فيه إلى المسائل الكلامية وذكر ما فيها من الآراء، وأما ما وصل إلينا مما ألَّفه قدماؤنا من أهل الحديث فغير تام، لأنه إما غير منته إلى آخر القرآن، وإما غير محيط بجميع الآيات المفتقرة إلى البيان، مع أن منه ما لم يثبت صحته عن المعصوم، لضعف رواته أو جهالة حالهم، ونكارة بعض مقالهم".. إلى أن قال: "وبالحرى أن يسمى هذا التفسير بالصافى، لصفائه عن كدروات آراء العامة والممل والمحير والمتنافى".
* *
* جُلّ القرآن نازل فى شأن آل البيت وأوليائهم وأعدائهم:
ويعتقد صاحبنا أن معظم القرآن إنما نزل فى شأن آل البيت وأوليائهم وأعدائهم،
стр. 447
فما كان من آية مدح فهى فى آل البيت وأشياعهم، وما كان من آية ذم أو وعيد أو تهديد فهى فى مخالفيهم، ثم يقوِّى رأيه هذا ويستدل له بما يرويه عن علماء أهل البيت من روايات واردة فى هذا المعنى، فمن ذلك ما نقله عن الكافى وتفسير العياشى بالإسناد إلى أبى جعفر ﵇ قال: "نزل القرآن على أربعة أرباع: ربع فينا، وربع فى أعدائنا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام"، وزاد العياشى: "ولنا كرائم القرآن".. ثم مضى بعد ذكره لهذه الرواية وأمثالها فقال: "وقد وردت أخبار جَمَّة عن أهل البيت ﵈، فى تأويل كثير من آيات القرآن بهم وبأوليائهم وبأعدائهم، حتى إن جماعة من أصحابنا صنَّفوا كتباً فى تأويل القرآن على هذا النحو، جمعوا فيها ما ورد عنهم ﵈ فى تأويل آية آية، إما بهم أو بشيعتهم، أو بعدوهم، على ترتيب القرآن. وقد رأيت منها كتاباً يقرب من عشرين ألف بيت.. ثم قال: وذلك مثل لما رواه الكافى عن أبى جعفر ﵇ فى قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين * على قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المنذرين *بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣-١٩٥] .. قال: هى الولاية لأمير المؤمنين ﵇. وفى تفسير العياشى عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر ﵇ قال: يا أبا محمد؛ إذا سمعتَ الله ذكر قوماً من هذه الأمة بخير فنحن هم، وإذا سمعت الله ذكر قوماً بسوء ممن مضى فهم عدونا. وفيه عن عمير بن حنظلة عن أبى عبد الله ﵇: سأله عن قوله تعالى: ﴿قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾ [الرعد: ٤٣] .. قال: فلما رآنى أتتبع هذا وأشباهه من الكتاب قال: حسبك.. كل شئ فى الكتاب من فاتحته إلى خاتمته مثل هذا فهو فى الأئمة عُنوا به".
* *
* رأى المصنف فى تحريف القرآن وتبديله:
يدين ملا محسن بأنَّ علياً رضى الله عنه هو أول مَن جمع القرآن، وأن القرآن الذى جمعه هو القرآن الكامل الذى لم يتطرق إليه تحريف ولا تبديل، ويروى لنا أحاديث عن آل البيت كمستند له فى رأيه هذا، فمن ذلك: ما نقله عن القُمَّى فى تفسيره بإسناده عن أبى عبد الله ﵇ أنه قال: "إن النبى ﷺ وآله وسلم قال لعلىّ ﵇: "يا علىّ؛ إن القرآن خلف فراشى فى الصحف والحرير والقراطيس، فخذوه واجمعوه ولا تضيعوه كما ضيعت اليهود التوراة"، فانطلق ﵇ فجمعه فى صوب أصفر ثم ختم عليه فى بيته وقال: لا أرتدى حتى جمعه. قال: كان الرجل ليأتيه فيخرج إليه بغير رداء حتى جمعه".
ومنها ما رواه القُمِّى بإسناده عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبى عبد الله -
стр. 448
وأنا أستمع - حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله: كُفّ عن هذه القراءة. اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام اقرأ كتاب الله تعالى على حدة، وأخرج المصحف الذى كتبه علىّ ﵇ إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله كما أنزله الله على محمد ﷺ ، وقد جمعته بين اللوحين. فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه، فقال: أما واللهِ ما ترونه بعد يومكم هذا أبداً، إنما كان علىّ أن أخبركم حين جمعته لقراءته.
ومن ذلك ما روى عن أبى ذر الغفارى رضى الله عنه: أنه لما توفى رسول الله ﵌ جمع علىّ ﵇ القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم، لما قد أوصاه بذلك رسول الله ﷺ وآله وسلم. فلما فتحه أبو بكر خرج فى أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر وقال: يا علىّ.. اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه علىّ ﵇ وانصرف، ثم حضر زيد بن ثابت - وكان قارئاً للقرآن - فقال له عمر: إن علياً جاءنا بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد أردنا أن تؤلف لنا القرآن وتُسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك، ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علىّ القرآن الذى ألَّفه أليس قد بطل كل ما عملتم؟. ثم قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: ما الحيلة دون أن نقتله ونستريح منه، فدبَّر فى قتله على يد خالد بن الوليد فلم يقدر على ذلك.. فلما استخلف عمر سأل علياً ﵇ أن يدفع إليه القرآن فيحرقوه فيما بينهم فقال: يا أبا الحسن؛ إن كنتَ جئت به إلى أبى بكر فأت به إلينا حتى نجمع عليه، فقال علىّ ﵇: هيهات، ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئتُ به لأبى بكر لتقوم به الحُجَّة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة: إنَّا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا: ما جئتنا به. إن القرآن الذى عندى لا يمسه إلا المطهَّرون والأوصياء من ولدى، فقال عمر: فهل وقت لإظهاره معلوم؟ قال علىّ ﵇: نعم، إذا قام القائم من ولدى فيُظهره ويحمل الناس عليه فتجرى السُّنَّة به".
ولكنَّا نجد صاحبنا بعد ما ساق هذه الروايات وكثيراً غيرها يقف منها موقف المستشكل فيقول: "ويرد على هذا كله إشكال.. وهو أنه على هذا التقدير لم يبق لنا اعتماد على شئ من القرآن، إذ على هذا يحتمل كل آية منه أن يكون محرَّفاً ومغيَّراً، أو يكون على خلاف ما أنزل الله، فلم يبق لنا فى القرآن حُجَّة أصلاً، فتنفى فائدة الأمر باتباعه والوصية بالتمسك به إلى غير ذلك، وأيضاً قال الله : ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤١-٤٢] ، وقال:
стр. 449
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .. فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير؟ وأيضاً قد استفاض عن النبى والأئمة صلوات الله عليهم حديث عرض الخبر المروى على كتاب الله ليُعلم صحته بموافقته له، وفساده بمخالفته، فإذا كان القرآن الذى بأيدينا محرَّفاً فما فائدة العرض؟ مع أن خبر التحريف مخالف لكتاب الله مكذِّب له، فيجب رده والحكم بفساده أو تأويله".
وهنا يجيب ملا محسن على إشكاله هذا بجوابين:
أولهما: أن هذه الأخبار إن صحَّت فلعل التغيير إنما وقع فيما لا يخل بالمقصود كثير إخلال، كحذف اسم علىّ وآل محمد، وحذف أسماء المنافقين، فإن انتفاء التعبير باق لعموم اللَّفظ.
وثانيهما: أن بعض المحذوفات كان من قبيل التفسير والبيان ولم يكن من أجزاء القرآن، فيكون التبديل من حيث المعنى، أى حرَّفوه وغيَّروه فى تفسيره وتأويله، بأن حملوه على خلاف ما يُراد منه".
ثم ذكر بعد هذا أقوال مَن تقدَّمه من شيوخه وعلماء مذهبه وهم ما بين مجيز للتحريف والنقصان ومانع لذلك، ولكلِّ أدلته وحُجَّته، ولا نطيل بذكرها ومَن أرادها فليرجع إليها فى المقدمة السادسة (ص ١٤، ١٥) .
* *
* طريقة المؤلف فى تفسيره:
بيَّن المؤلف فى المقدمة الثانية عشرة من مقدمات تفسيره طريقته واصطلاحاته التى جرى عليها فى كتابه فقال: "كل ما يحتاج من الآيات إلى بيان وتفسير لفهم المقصود من معانيه. أو إلى تأويل لمكان تشابه فيه، أو إلى معرفة سبب نزوله المتوقف عليه فهمه وتعاطيه، أو إلى تعرف نسخ أو تخصيص أو صفة أُخرى فيه، وبالجملة ما يزيد على شرح اللفظ والمفهوم مما يفتقر إلى السماع عن المعصوم، فإن وجدنا شاهداً من محكمات القرآن يدل عليه أتينا به، فإن القرآن يُفسِّر بعضه بعضاً، وقد أُمِرنا من جهة أئمة الحق ﵈ أن نرد متشابهات القرآن إلى محكماته، وإلا فإن ظفرنا فيه بحديث معتبر عن أهل البيت ﵈ فى الكتب المعتبرة من طرق أصحابنا رضوان الله عليهم أوردناه، وإلا أوردنا ما روينا عنهم ﵈ من طرق العامة.. نظائره فى الأحكام ما روى عن الصادق: إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما يروى عنا، فانظروا إلى ما رووه عن علىّ ﵇ فاعملوا به (رواه الشيخ الطوسى فى العدة) .
стр. 450
وما لم نظفر فيه بحديث عنهم ﵈ أوردنا ما وصل إلينا من غيرهم من علماء التفسير إذا وافق القرآن وفحواه، وأشبه حديثهم فى معناه.. فإن لم نعتمد عليه من جهة الاستناد، اعتمدنا عليه من جهة الموافقة والشبه والسداد، قال رسول الله ﵌: "إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نوراً، فما وافق كتب الله فخذوه"، وقال الصادق: "ما جاءك فى رواية من راوٍ فاجر يوافق القرآن فخذ به، وما جاءك فى رواية من راوٍ فاجر يخالف القرآن فلا تأخذ به"، وقال الكاظم: "إذا جاءك الحديثان المختلفان فقسهما على كتاب الله وعلى أحاديثنا. فإن أشبههما فهو حق، وإن لم يشبهها فهو باطل"، وما ورد فيه أخبار كثيرة فإن لم يكن فيها كثير اختلاف اقتصرنا منها على ما اشتمل على مجامعها، وتركنا سايرها مما فى معناه روماً للاختصار، وصوناً عن الإكثار، وربما أشرنا إلى تعددها وتكثرها إذا أهمنا الاعتماد.
وإن كانت مختلفات نقلنا أصحها وأحسنها وأعمها فائدة، ثم أشرنا إلى موضع الاختلاف ما استطعنا. وما لا يحتاج إلى شرح اللَّفظ والمفهوم، والنكات المتعلقة لعلوم الرسوم، مما لا يفتقر إلى السماع من المعصوم، أوردنا فيه ما ذكره المفسِّرون الظاهريون، مَن كان تفسيره أحسن، وبيانه أوجز وأتقن، كائناً مَن كان".
ثم ذكر أنه اقتبس من تفسير الحسن العسكرى وغيره، وذكر اصطلاحاته فى العزو إلى الكتب التى استقى منها، وفى نسبة الأقوال إلى قائليها ولا نطيل بذكرها.
هذه هى أهم الآراء التى يقول بها ملا محسن، والتى استخلصناها من مقدماته التى قدَّم بها تفسيره. وهذه هى طريقته التى سار عليها فى كتابه الذى نحن بصدده. والكتاب - كما أشرنا آنفاً - مذهبى إلى حد التطرف والغلو، فهو لا يكاد يمر بآية من القرآن إلا ويحاول صاحبه أن يأخذ منها شاهداً لمذهبه أو دفعاً لمذهب مخالفيه! ... ولقد قرأت فى هذا الكتاب، فلمست فيه روح التحيز المزرى، والتعصب الممقوت. ولأجل أن يكون القارئ على بيِّنة من الأمر أسوق إليه نماذج من نواح شتَّى وفى موضوعات مختلفة ليلمس كما لمست مقدار هذا التعصب الذى يريد صاحبه من ورائه أن يحجب نور الحق ويطمس معالمه.
* *
* القرآن وأهل البيت:
فمثلاً، نجد كثيراً من آيات القرآن لها معان خاصة، ولا صلة لها بأهل البيت، ولا بما لهم من مناقب وشمائل، ولكنَّا نجد صاحبنا يتأثر بمذهبه الشيعى، فيحاول أن يلوى
стр. 451
هذه الآيات إلى معان لا صلة لها باللَّفظ.. معان تحمل فى طياتها طابع التعاصب المذهبى بصورة مكشوفة مفضوحة.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٤] من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لأَدَمََ﴾ ... الآية، يقول ما نصه: "وذلك لما كان فى صلبه من أنوار نبينا وأهل بيته المعصومين، وكانوا قد فُضِّلوا على الملائكة باحتمالهم الأذى فى جنب الله، فكان السجود لهم تعظيماً وإكراماً، ولله سبحانه عبودية، ولآدم طاعة. قال علىّ بن الحسين: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: يا عباد الله؛ آدم لما رأى النور ساطعاً من صلبه إذ كان الله قد نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره، رأى النور ولم يتبين الأشباح، فقال: يا رب؛ ما هذه الأنوار؟ قال الله : أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشى إلى ظهرك، ولذلك أمرتُ الملائكة بالسجود لك إذ كنتَ وعاءً لتلك الأشباح، فقال آدم: يا رب؛ لو بينتها لى؟ فقال الله : انظر يا آدم إلى ذروة العرش، فنظر آدم ﵇ ووقع نور أشباحنا من ظهر آدم إلى ذروة العرش، فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا التى فى ظهره، كما ينطبع وجه الإنسان فى المرأة الصافية، فرأى أشباحنا فقال: ما هذه الأشباح يا رب؟ قال الله: يا آدم؛ هذه أشباح أفضل خلائقى وبرياتى، هذا محمد، وأنا الحميد المحمود فى فعالى، شققتُ له أسماً من اسمى. وهذا علىّ، وأنا العالى، شققتُ له اسماً من اسمى. وهذه فاطمة، وأنا فاطر السماوات والأرض، فاطم أعدائى من رحمتى يوم فصل قضائى، وفاطم أوليائى عما يعيرهم ويشينهم فشققتُ لها اسماً من اسمى، وهذا الحسن، وهذا الحسين، وأنا المُحَسِّن المُجَمِّل، شققتُ اسميهما من اسمى. هؤلاء خيار خليقتى، وكرام بريتى، بهم آخذ، وبهم أعطى، وبهم أُعاقب، وبهم أُثيب، فتوسل بهم إلىّ يا آدم، وإذا دهتك داهية فاجعلهم إلىّ شفعاءك، فإنى آليت على نفسى قسَماً حقاً لا أخيب بهم آملاً، ولا أرد بهم سائلاً، فلذلك حين زلَّت به الخطيئة دعا الله بهم، فتاب عليه وغفر له".
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١-٣] من سورة البلد: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهاذا البلد * وَأَنتَ حِلٌّ بهاذا البلد * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ .. يقول ما نصه: "فى المجمع عن الصادق: يعنى آدم وما ولد من الأنبياء والأوصياء وأتباعهم.. ".
فأنت ترى من كل هذا أن المؤلف يجِّد فى إخضاع آيات القرآن لمذهبه، وتنزيلها على وفق هواه وعقيدته، وهذا خروج بكتاب الله عن معانيه الظاهرة المرادة منه!!
* *
*
стр. 452
طعن المؤلف على الصحابة:
كذلك نجد ملا محسن فى تفسيره هذا، يطعن على أبى بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم من صحابة رسول الله ﷺ ، ويرميهم بما لا يليق بمؤمن فضلاً عن صحابى جاهد مع رسول الله ﷺ وبذل فى سبيل نُصرْته دمه وماله، كما يطعن فى بنى أُمية ويرميهم بكل نقيصة، وهو فى حملته هذه مدفوع بدافع الخصومة المذهبية والنزعة الشيعية.
* طعنه على عثمان رضى الله عنه:
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٨٤، ٨٥] من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هاؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بالإثم وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .. نجده يفسر الآية تفسيراً مختصراً مقبولاً، ثم يروى عن القُمِّى: "أنها نزلت فى أبى ذر - رحمة الله عليه - وفيما فعل به عثمان بن عفان، وكان سبب ذلك: أنه لما أمر عثمان بنفى أبى ذر - رحمة الله عليه - إلى الرِبْذة، دخل عليه أبو ذر وكان عليلاً وهو متكئ على عصاه، وبين يدى عثمان مائة ألف درهم أتته من بعض النواحى، وأصحابه حوله ينظرون إليه ويطعمون أن يقسمها فيهم، فقال أبو ذر لعثمان: ما هذا المال؟ فقال: حُمِل إلينا من بعض الأعمال مائة ألف درهم أريد أن أضم إليها مثلها ثم أرى فيها رأيى.. قال أبو ذر: يا عثمان؛ أيما أكثر؟ مائة ألف درهم أم أربعة دنانير؟ قال عثمان: بل مائة ألف درهم، فقال: أما تذكر إذ أنا وأنت دخلنا على رسول الله ﷺ عِشاءً فوجدناه كئيباً حزيناً، فسلَّمنا عليه فلم يرد علينا السلام، فلما أصبحنا أتيناه فرأيناه ضاحكاً مستبشراً، فقلت له: بأبى أنت وأُمى، دخلنا عليك البارحة فرأيناك كئيباً حزيناً، وعدنا إليك اليوم فرأيناك ضاحكاً مستبشراً، فقال: "نعم.. قد بقى عندى من فئ المسلمين أربعة دنانير لم أكن قسمتها، وخِفتُ أن يدركنى الموت وهى عندى، وقد قسمتها اليوم فاسترحت". فنظر عثمان إلى كعب الأحبار فقال له: يا أبا إسحاق؛ ما تقول فى رجل أدَّى زكاة ماله المفروضة، هل يجب عليه فيها بعد ذلك شئ؟ فقال: لا، ولو اتخذ لبنة من ذهب ولبنة من
فضة ما وجب عليه شئ، فرفع أبو ذر عصاه فضرب بها رأس كعب، فقال يابن اليهودية المشركة، ما أنت والنظر فى أحكام المسلمين؟ قول الله أصدق من قولك حيث قال: ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ... ﴾ ... إلى
стр. 453
قوله: ﴿فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥] .. قال عثمان: يا أبا ذر؛ إنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك، ولولا صحبتك لرسول الله ﷺ لقتلتك، فقال: كذبتَ يا عثمان؛ ويلك، أخبرنى رسول الله ﷺ فقال: "لا يفتنونك يا أبا ذر ولا يقتلونك"، أما عقلى فقد بقى منه ما أذكرنى حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ قاله فيك وفى قومك، قال: وما سمعتَ من رسول الله فىّ وفى قومى؟ قال: سمعته يقول - وهو قوله ﷺ : "إذا بلغ آل أبى العاص ثلاثون رجلاً صيَّروا مال الله دولاً، وكتاب الله دغلاً، وعباد الله خولاً، والصالحين حرباً، والفاسقين حزباً". قال عثمان: يا معشر أصحاب محمد؛ هل سمع أحد منكم هذا الحديث من رسول الله؟ قالوا: لا ما سمعنا هذا من رسول الله ﷺ ، قال عثمان: ادعوا علياً.. فجاء أمير المؤمنين فقال له عثمان: يا أبا الحسن؛ اسمع ما يقول الشيخ الكذَّاب، فقال أمير المؤمنين: يا عثمان؛ لا تقل كذاباً، فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أظلَّت الخضراء ولا أقلَّت الغبراء على ذى لهجة أصدق من أبى ذر". قال أصحاب رسول الله. صدق علىّ، سمعنا هذا من رسول الله، فعند ذلك بكى أبو ذر، وقال: ويلكم، كلكم قد مدَّ عنقه إلى هذا المال، ظننتم أنى أكذب على رسول الله ﷺ ، ثم نظر إليهم فقال: مَن خيركم؟ فقالوا: أنت تقول إنك خيرنا، قال: نعم.. خلفت حبيبى رسول الله ﷺ وهو على بعيره، وأنتم قد أحدثتم أحداثاً كثيرة، والله سائلكم عن ذلك ولا يسألنى، فقال عثمان: يا أبا ذر؛ أسألك بحق رسول الله ألا ما أخبرتنى عما أنا سائلك عنه؟ فقال أبو ذر: واللهِ لو لم تسألنى بحق رسول الله ﷺ لأخبرتك، فقال: أى البلاد أحب إليك أن تكون فيها؟ فقال: مكة
حرم الله وحرم رسوله، أعبد الله فيها حتى يأتينى الموت، فقال: لا، ولا كرامة لك. قال: المدينة حرم رسول الله، فقال: لا، ولا كرامة لك، قال: فسكت أبو ذر. فقال: وأى البلاد أبغض إليك أن تكون بها؟ قال: الرِبْذة التى كنتُ بها على غير دين الإسلام، فقال عثمان: سر إليها، فقال أبو ذر: قد سألتنى فصدقتك، وأنا أسألك فاصدقنى، قال: نعم، قال: أخبرنى، لو أنك بعثتنى فيمن بعثت من أصحابك إلى المشركين فأسرونى وقالوا لا نفديه إلا بثلث ما تملك؟.. قال: كنت أفديك، قال: فإن قالوا: لا نفديه إلا بكل ما تملك، قال: كنت أفديك، فقال أبو ذر: الله أكبر.. قال لى حبيبى رسول الله ﷺ يوماً: "يا أبا ذر؛ كيف أنت إذا قيل لك أى البلاد أحب إليك أن تكون فيها؟ فتقول: مكة حرم الله وحرم رسوله، أعبد الله فيها حتى يأتينى الموت، فيقال: لا، ولا كرامة لك، فتقول: المدينة حرم رسول الله، فيقال: لا، ولا كرامة لك، ثم يقال لك: فأى البلاد أبغض إليك أن تكون فيها؟ فتقول: الرِبْذة التى كنت بها على غير دين الإسلام، فيقال لك: سر إليها"، فقلت: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟ فقال: "والذى نفسى بيده إنه لكائن"، فقلت: يا رسول الله؛ أفلا أضع سيفى على
стр. 454
عاتقى فأضرب به قدماً قدماً؟ قال: "لا.. اسمع واسكت ولو لعبد حبشى، وقد أنزل الله فيك وفى عثمان - خصمك - آية، فقلت: وما هى يا رسول الله؟ فقال: قول الله ... .. وتلا الآية".
* *
* طعنه على أبى بكر:
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٠] من سورة التوبة: ﴿ثَانِيَ اثنين إِذْ هُمَا فِي الغار إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا﴾ ... الآية، نجده لا يعترف بهذه المنقبة لأبى بكر، رضى الله عنه، بل ويحاول بكل جهوده أن يأخذ منها مغمزاً على أبى بكر، وذلك حيث يقول ما نصه: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ وهو أبو بكر، ﴿لاَ تَحْزَنْ﴾ لا تخف، ﴿إِنَّ الله مَعَنَا﴾ بالعصمة والمعونة.. فى الكافى عن الباقر أن رسول الله ﷺ أقبل يقول لأبى بكر فى الغار: اسكن فإن الله معنا، وقد أخذته الرعدة وهو لا يسكن، فلما رأى رسول الله حاله قال له: تريد أن أريك أصحابى من الأنصار فى مجالسهم يتحدثون؟ وأريك جعفر وأصحابه فى البحر يغوصون؟ قال: نعم، فمسح رسول الله ﷺ بيده على وجهه فنظر إلى الأنصار يتحدثون، وإلى جعفر وأصحابه فى البحر يغوصون، فأضمر تلك الساعة أنه ساحر، ﴿فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ﴾ أمنته التى تسكن إليها القلوب ﴿عَلَيْهِ﴾ .. فى الكافى عن الرضا: أنه قرأها: "على رسوله" قيل له: هكذا؟ قال: هكذا نقرؤها، وهكذا تنزيلها. والعياشى عنه: إنهم يحتجون علينا بقوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثنين إِذْ هُمَا فِي الغار﴾ وما لهم فى ذلك من حُجَّة، فوالله لقد قال الله: "فأنزل الله سكينته على رسوله" وما ذكره فيها بخبر، قَيل: هكذا تقرأونها؟ قال: هكذا قراءتها".
* *
* طعنه على أبى بكر وعمر وعائشة وحفصة:
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى أول سورة التحريم: ﴿ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ ... ﴾ ... الآيات إلى قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هاذا قَالَ نَبَّأَنِيَ العليم الخبير﴾ [التحريم: ٣] .. نراه ينقل عن القُمِّى فى سبب نزول هذه الآية: "أن رسول الله ﷺ كان فى بعض بيوت نسائه، وكانت مارية القبطية تكون معه تخدمه، وكانت ذات يوم فى بيت حفصة، فذهبت حفصة فى حاجة لها، فتناول رسوله الله مارية، فعلمت حفصة بذلك فغضبت، وأقبلت على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ فى يومى؟ وفى دارى؟ وعلى فراشى؟ فاستحى رسول الله منها فقال: كُفِّى، فقد حرَّمتُ مارية على نفسى، ولا أطؤها بعد هذا أبداً، وأنا أفضى إليكِ سراً إن أخبرتِ به فعليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فقالت: نعم، ما هو؟ فقال: إن أبا
стр. 455
بكر يلى الخلافة بعدى، ثم بعده أبوك، فقالت: مَن أنبأك هذا؟ فقال: نبأنى العليم الخبير، فأخبرت حفصةُ به عائشةَ من يومها ذلك، وأخبرت عائشة أبا بكر فجاء أبا بكر إلى عمر فقال له: إن عائشة أخبرتنى عن حفصة بشئ ولا أثق بقولها فاسأل أنت حفصة، فجاء عمر إلى حفصة فقال لها: ما هذا الذى أخبرتْ عنكِ عائشة، فأنكرت ذلك وقالت: ما قلتُ لها من ذلك شيئاًَ. فقال لها عمر: إن هذا حق فأخبرينا حتى نتقدم فيه، فقالت: نعم.. قد قاله رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا أربعة على أن يسمُّوا رسول الله، فنزل جبريل على رسول الله بهذه السورة قال: ﴿وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ﴾ يعنى أظهره على ما أخبرت به وما هَمُّوا به من قتله ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ : أخبرها وقال: لِمَ أخبرتِ بما أخبرتك ﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ .. قال: لم يخبرهم بما يعلم مما هَمُّوا به من قتله".
* *
* صرفه لآيات العتاب عن ظاهرها:
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى أول سورة عبس: ﴿عَبَسَ وتولى * أَن جَآءَهُ الأعمى﴾ ... الآيات إلى آخر القصة، نجده يصرف الآيات عن ظاهرها المتعارف بين المفسِّرين جميعاً، ويجعل العتاب موجهاً إلى عثمان رضى الله عنه، أو إلى رجل آخر من بنى أُمية. والذى حمله على ذلك هو ما يراه من أن مثل هذا العتاب لا يليق أن يكون موجهاً إلى النبى ﷺ أو إلى أحد من الأئمة المعصومين، كما أن سبب العتاب لا يليق أن يصدر منهم، أما توجه العتاب إلى عثمان وصدور سببه منه فهذا أمر جائز وواقع فى نظره، لأن عثمان ليس له من العصمة ما للأئمة، فلهذا تراه يروى عن القُمِّى: "أنها نزلت فى عثمان وابن أُم مكتوم"، وكان ابن أُم مكتوم مؤذناً لرسول الله ﷺ ، وكان أعمى، وجاء إلى رسول الله ﷺ وعنده أصحابه وعثمان عنده، فقدَّمه رسول الله ﷺ على عثمان فعبس عثمان وجهه وتولَّى عنه، فأنزل الله: ﴿عَبَسَ وتولى * أَن جَآءَهُ الأعمى﴾ .. ونقل عن مجمع البيان أنها نزلت فى رجل من بنى أُمية كان عند النبى فجاء ابن أُم مكتوم، فلما رآه تقذَّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه، فحكى الله ذلك وأنكره عليه.. ثم قال: أقول: "وأما ما اشتهر من تنزيل هذه الآيات فى النبى ﷺ دون عثمان فيأباه سياق مثل هذه المعاتبات الغير اللائقة بمنصبه، وكذا ما ذكره بعدها إلى آخر السورة كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام، ويمكن أن يكون من مختلقات أهل النفاق خذلهم الله".
* *
* دفاع المؤلف عن أُصول مذهبه:
كذلك نجد المؤلف ينظر إلى القرآن من خلال عقيدته، ونراه ينتصر لمذهبه
стр. 456
ويتعصب له، ويؤيد أُصوله بكل ما يستطيع من الأدلة، ويدفع الشبه عنه، ويرد على الخصوم بما يستطيع من أوجه الرد، فلهذا نجده إذا مرَّ بآية من آيات القرآن التى يستطيع أن يستند إليها ويعتمد عليها فى نظره، أخذ فى تأويلها على وفق مذهبه وهواه، وإن كان فى ذلك خروج عن ظاهر النظم القرآنى.
* ولاية على:
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ .. نراه يستند إلى هذه الآية استناداً قوياً فى أن علياً رضى الله عنه هو وصى النبى ﷺ وخليفته من بعده، فيقول ما نصه: "فى الكافى عن الصادق فى تفسير هذه الآية "أولى بكم": أى أحق بكم وبأموركم من أنفسكم وأموالكم الله ورسوله والذين آمنوا - يعنى علياً وأولاده الأئمة إلى يوم القيامة - ثم وصفهم الله فقال: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ .. وكان أمير المؤمنين فى صلاة الظهر - وقد صلَّى ركعتين - وهو راكع، عليه حُلَّة قيمتها ألف دينار، وكان النبى أعطاه إياها، وكان النجاشى أهداها له، فجاء سائل فقال: السلام عليك يا ولى الله وأولى المؤمنين من أنفسهم.. تصدق على مسكين، فطرح الحُلَّة إليه، وأومأ بيده إليه أن احملها، فأنزل الله فيه هذه الآية، وصيَّر نعمة أولاده بنعمته، فكل مَن بلغ من أولاده مبلغ الإمامة يكون بهذه النعمة مثله، فيتصدَّقون وهم راكعون. والسائل الذى سأل أمير المؤمنين من الملائكة، والذين يسألون الأئمة من أولاده يكونون من الملائكة.
وعنه عن أبيه عن جده فى قوله : ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ .. قال: لما نزلت: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله﴾ ... الآية، اجتمع نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فى مسجد المدينة فقال بعضهم: إن كفرنا بهذه الآية نكفر بسائرها، وإن آمنا فإن هذا ذلٌ حين يُسلَّط علينا علىّ ابن أبى طالب، فقالوا: قد علمنا أن محمداً صادق فيما يقول، ولكنا نتولاه ولا نطيع علياً فيما أمرنا، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ يعنى ولاية على، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون﴾ بالولاية.
وعنه أنه سُئل: الأوصياء طاعتهم مفروضة؟. قال: نعم، هم الذين قال الله: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] .. وهم الذين قال الله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ﴾ ... الآية، وروى المؤلف غير ذلك من الروايات، وكلها يدور حول هذا الشأن، ثم ادّعى إجماع الأُمة على أنه لم يُؤْتِ الزكاة يومئذ أحد منهم وهو راكع غير رجل واحد هو علىّ.. ثم علَّل عدم ذكره باسمه فى الكتاب بأنه لو ذُكِر باسمه فى الكتاب لأُسقط مع ما أُسقط.. ثم وفَّق بين الروايات
стр. 457
القائلة بأنه تصدَّق بحُلَّته، وبين الروايات القائلة بأنه تصدَّق بخاتمه فقال: "لعله تصدَّق مرة فى ركوعه بالحُلَّة، ومرة بالخاتم.. والآية نزلت بعد الثانية، وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ﴾ إشعار بذلك، لتضمنه التكرار والتجديد، كما أن فيه إشعاراً بفعل أولاده أيضاً".
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦٧] من سورة المائدة: ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ... الآية، نراه يحمل التبليغ المأمور به ﵇ على تبليغه للناس إمامة علىّ وولايته، ويروى هنا قصة طويلة جداً، ويروى خطبة النبى لأصحابه عند "غدير خُمْ"، وهى خطبة طويلة كذلك، وفى هذه الخطبة يقول رسول الله ﷺ مبيناً سبب نزول الآية: "وأنا مبين لكم سبب هذه الآية: إن جبريل هبط إلىَّ مراراً ثلاثة، يأمرنى عن السلام ربى وهو السلام: أن أقوم فى هذا المشهد وأُعلم كل أبيض وأسود أن علىَّ بن أبى طالب أخى، ووصيى وحليفتى، والإمام من بعدى، الذى محله منى محل هارون من موسى، إلا أنه لا نبى بعدى، وهو وليكم بعد الله ورسوله، وقد أنزل الله علىّ بذلك آية من كتابه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ، وعلىّ بن أبى طالب أقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكع، يريد الله فى كل حال، وسألتُ جبريل أن يستغفر لى عن تبليغ ذلك إليكم أيها الناس، لعلمى بِقِلَّة المتقين، وكثرة المنافقين، وإدغال الآثمين، وحيل المستهزئين بالإسلام، الذين وصفهم الله فى كتابه بأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم، ويحسبونه هَيِّناً وهو عند الله عظيم، وكثرة أذاهم لى غيره مرة حتى سمونى أُذُناً، وزعموا أنى كذلك لكثرة ملازمته إياى وإقبالى عليه، حتى أنزل الله فى ذلك: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ [التوبة: ٦١] ... الآية، ولو شئتُ أن أسميهم بأسمائهم لسميت، وأن أُومئ إليهم لأعيانهم لأومأت، وأن أدل عليهم لدللت، ولكنى - والله - فى أُمورهم قد تكرمت، وكل ذلك لا يرضى الله منى إلا أن أُبلِّغ ما أنزل إلىّ.. ثم تلا: ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ فى علىّ، ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس﴾ .. إلخ". * *
* أُولوا الأمر الذين تجب طاعتهم:
ومثلاً عند قوله تعالى فى الآية [٥٩] من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ .. الآية، نراه يحمل هذه الآية على وفق مذهبه، فيقصر أُولى الأمر على الأئمة من أهل البيت خاصة، أما مَن عداهم فليسوا أُولى الأمر، وليس يجب على أحد من يقوم بطاعتهم، ولهذا يقول عند تفسيره لهذه
стр. 458
الآية ما نصه: "فى الكافى والعياشى عن الباقر: إيانا عنى خاصة.. أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا. وفى الكافى عن الصادق: أنه سُئِل عن الأوصياء، طاعتهم مفترضة؟ قال: نعم، هم الذين قال الله: ﴿أَطِيعُواْ الله﴾ ... .. الآية، وقال الله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله﴾ ... الآية. وفيه والعياشى عنه فى هذه الآية قال: نزلت فى علىّ بن أبى طالب والحسن والحسين، فقال: إن الناس يقولون: فما له لم يُسَمِ علياً وأهل بيته فى كتابه؟ فقال: فقولوا لهم: نزلت الصلاة ولم يُسَمِ الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً حتى كان رسول الله ﷺ فسَّر ذلك لهم، ونزلت: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ ، ونزلت فى علىّ والحسن والحسين، فقال رسول الله ﷺ فى علىّ: "مَن كنت مولاه فهذا علىّ مولاه"، وقال: "أُوصيكم بكتاب الله وأهل بيتى، فإنى سألت الله أن لا يُفرِّق بينهما حتى يوردهما على الحوض، فأعطانى ذلك". وقال: "لا تعلموهم، فإنهم أعلم منكم"، وقال: "إنهم لم يخرجوكم من باب هدى ولم يدخلوكم فى باب ضلالة"، فلو سكت رسول الله ﷺ ولم يبين مَنْ أهل بيته لادعاها آل فلان وآل فلان، ولكن الله أنزل فى كتابه تصديقاً لنبيه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣] ، فكان علىّ والحسن والحسين وفاطمة، فأدخلهم رسول الله ﷺ تحت الكساء فى بيت أُم سلمة ثم قال: "اللَّهم إن لكل نبى أهلاً وثَقَلاً، وهؤلاء أهل بيتى وثَقَلى"، فقالت أُم سلمة: ألستُ من أهلك؟ فقال: "إنك إلى خير، ولكن هؤلاء أهل بيتى وثقلى" ... (الحديث) ، وزاد العياشى: آل عباس، وآل عقيل، قبل قوله: وآل فلان.
عن الصادق أنه سئُل عما بنيت عليه دعائم الإسلام التى إذا أُخِذَ بها زكى العمل ولم يضر جهل ما جهل بعده، فقال: "شهادة أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وحق فى الأموال: الزكاة، والولاية التى أمر الله بها: ولاية آل محمد، فإن رسول الله قال: "مَن مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية".. قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ ، فكان علىّ، ثم صار من بعده الحسن، ثم بعده الحسين، ثم من بعده علىّ بن الحسين، ثم من بعده محمد بن علىّ، ثم هكذا يكون الأمر، إن الأرض لا تصلح إلا بإمام" ... (الحديث) .
وفى المعانى عن سليم بن قيس الهلالى عن أمير المؤمنين أنه سأله: ما أدنى ما يكون به الرجل ضالاً، فقال: أن لا يعرف مَن أمر الله بطاعته وفرض ولايته، وجعله حُجَّته فى أرضه، وشاهده على خلقه.. قال: فمن هم يا أمير المؤمنين؟ قال: الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه فقال: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ . قال: فقبلَّتُ رأسه وقلت: أوضحتَ لى، وفرَّجتَ عنى، وأذهبتَ كل شئ كان فى قلبى.
стр. 459
وفى الإكمال عن جابر بن عبد الله الأنصارى قال: لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله؛ عرفنا الله ورسوله، فمَن أُولوا الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال: "هم خلفائى يا جابر وأئمة المسلمين من بعدى، أولهم علىّ بن أبى طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علىّ بن الحسين، ثم محمد بن علىّ المعروف فى التوراة بالباقر - وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فأقرئه منى السلام - ثم الصادق جعفر بن محمد بن موسى بن جعفر، ثم علىّ بن موسى، ثم محمد بن علىّ، ثم علىّ بن محمد، ثم الحسن ابن علىّ، ثم سميى محمد، وكنيته "حُجَّة الله فى أرضه، وبقيته فى عباده"، ابن الحسن بن علىّ، ذاك الذى يُفتح على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذى يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا مَن امتحن الله قلبه للإيمان". قال جابر: فقلت: يا رسول الله؛ فهل لشيعته الانتفاع به فى غيبته، فقال: "إى، والذى بعثنى بالنبوة إنهم يستضيئون بنوره، وينتفعون بولايته، كانتفاع الناس بالشمس وإن تجللها سحاب. يا جابر؛ هذا من مكنون سر الله ومخزون علم الله فاكتمه إلا عن أهله".
والأخبار فى هذا المعنى من الكتب المتداولة المعتبرة لا تحصى كثرة. وفى التوحيد عن أمير المؤمنين: اعرفوا الله بالله، والرسول بالرسول، وأُولى الأمر بالمعروف والعدل والإحسان.
وفى العلل عنه: لا طاعة لمن عصى الله، وإنما الطاعة لله ولرسوله ولولاة الأمر، إنما أمر الله بطاعة الرسول لأنه معصوم مُطهَّر لا يأمر بمعصية، وإنما أمر بطاعة أُولى الأمر لأنهم معصومون مُطهَّرون لا يأمرون بمعصية".
* *
الإمام يوصى لمن بعده:
ولما كان مذهب المؤلف أن كل إمام يوصى بالإمامة لمن بعده، وليس ذلك لأحد من المسلمين غيره، فإنَّا نجده يتأثر بهذه العقيدة ويُفسِّر قوله تعالى فى الآية [٥٨] من سورة النساء: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ ... الآية على وفق هذه العقيدة فيقول: "فى الكافى وغيره فى عدة روايات أن الخطاب إلى الأئمة.. أمر كُلاً منهم أن يؤدى إلى الإمام الذى بعده ويوصى إليه، ثم هى جارية فى سائر الأمانات.. وفيه وفى العياشى عن الباقر: إيانا عنى، أن يؤدى الإمام الأول إلى الذى بعده العلم والكتب والسلاح" ... إلخ.
* *
* استدلاله على الرجعة:
ولما كان المؤلف يدين بالرجعة فإنَّا نجده يستدل على جوازها بقوله تعالى فى الآيتين [٥٥، ٥٦] من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً
стр. 460
فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .. وذلك حيث يقول: "أقول: قيَّد البعث بالموت لأنه قد يكون عن إغماء ونوم، وفيه دلالة واضحة على جواز الرجعة التى قال بها أصحابنا نقلاً عن أئمتهم، واحتج بهذه الآية أمير المؤمنين على ابن الكواء حين أنكرها كما رواه عنه الإصبع بن نباتة، والقُمِّى، هذا دليل على الرجعة فى أُمة محمد ﷺ . فإنه قال: لم يكن فى بنى إسرائيل شئ إلا وفى أُمته مثله - يعنى دليلاً على وقوعها".
* *
* الإيمان بالرجعة وقيام القائم من الإيمان بالغيب:
ولكون المؤلف يعتقد بالرجعة ويرى ضرورة الإيمان بها لكل مؤمن، فإنَّا نراه يعد الإيمان بها من ضمن الإيمان بالغيب الذى مدح الله به عباده المتقين وذلك حيث يقول عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٢، ٣] من سورة البقرة: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ : ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ بما غاب عن حواسهم من توحيد الله، ونبوة الأنبياء، وقيام القائم، والرجعة، والبعث، والحساب، والجنَّة، والنار، وسائر الأُمور التى يلزمهم الإيمان بها مما لا يُعرف بالمشاهدة وإنما يُعرف بدلائل نصبها الله ".
* *
* التقيَّة:
ولما كان ملا محسن يقول بالتقية، ويراها ضرورة من ضروريات قيام مذهبه وصون أصحابه من الاضطهاد، فإنَّا نراه يفيض فيها عندما تكلم عن قوله تعالى فى الآية [٢٨] من سورة آل عمران: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ... الآية فيقول: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ إلا أن تخافوا من جهتهم خوفاً وأمراً يجب أن يُخاف منه، وقرئ: "تقية"، منع عن موالاتهم ظاهراً وباطناً فى الأوقات كلها إلا وقت المخافة، فإن إظهار الموالاة حينئذ جائز بالمخالفة كما قيل: كن وسطاً وامش جانباً.. ثم قال: وفى العياشى عن الصادق قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "لا إيمان لمن لا تقية له"، ويقول: قال الله: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ . وفى الكافى عنه قال: التقية ترس الله بينه وبين خلقه. وعن الباقر قال: التقية فى كل شئ يضطر إليه ابن آدم، وقد أحلَّ الله له. والأخبار فى ذلك مما لا يُحصى".
* *
* تأثره فى تفسيره بالفروع الفقهية للإمامية:
ولما كان المؤلف كغيره من علماء مذهبه له فى بعض المسائل الاجتهادية الفقهية
следующие страницы →