← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12393

التفسير والمفسرون

محمد حسين الذهبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وغير هذا كثير نجده عندهم فى بطون الكتب، وهو لا يدع مجالاً للشك فى أن الخوارج قوم سطحيون فى فهمهم لآيات القرآن الكريم، وإدراك معانيه. * * موقف الخوارج من السُّنَّة وإجماع الأمة، وأثر ذلك فى تفسيرهم للقرآن ولقد كان من أثر جمود الخوارج عند ظواهر النصوص القرآنية. أنهم لم يلتفتوا إلى ما جاء من الأحاديث النبوية ناسخاً لبعض آيات الكتاب. أو مخصصاً لبعض عموماته، أو زائداً على بعض أحكامه، ويظهر أن هذا المبدأ قد تملَّك قلوب الخوارج، وتسلَّط على عقولهم، فنتج عنه أن وضع بعضهم على رسول الله ﷺ هذا الحديث، وهو: "إنكم ستختلفون من بعدى، فما جاءكم عنى فاعرضوه على كتاب الله، وما خالفه فليس عنى" فقد قال عبد الرحمن المهدى: "الزنادقة والخوارج وضعوا حديث: ما أتاكم عنى فاعرضوه على كتاب الله ... إلخ". كما كان من أثر هذا الجمود عند ظواهر القرآن أيضاً، أنهم لم يلتفتوا إلى إجماع الأمة، ولم يقدِّروه عند فهمهم لنصوص القرآن مع أن الإجماع فى الحقيقة يستند إلى أصل من الكتاب أو السُّنَّة، وليس أمراًَ مبتدعاً فى الدين، أو خارجاً على قواعده وأُصوله. وفي هذا كله نجد العلامة ابن قتيبة يحدثنا عن بعض أحكام احتج بها الخوارج، وهي مخالفة لإجماع الأُمة. ومناقضة لما صح عن الرسول ﷺ ، وقالوا: يبطلها القرآن.. فيقول: "قالوا: حكم فى الرجم يدفعه الكتاب.. قالوا: رويتم أن رسول الله ﷺ رجم، ورجمت الأئمة من بعده، والله تعالى يقول فى الإماء: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب﴾ [النساء: ٢٥] ، والرجم إتلاف للنّفس لا يتبعض، فكيف يكون على الإماء نصفه؟.. وذهبوا إلى أن المحصنات: ذوات الأزواج.. قالوا: وفى هذا دليل على أن المحصنة حدها الجَلْد". "قالوا: حكم فى الوصية يدفعه الكتاب.. قالوا: رويتم أن رسول الله ﷺ قال: "لا وصية لوارث"، والله تعالى يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت إِن تَرَكَ خَيْراً الوصية لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين﴾ [البقرة: ١٨٠] ، والوالدان وارثان على كل حال لا يحجبهما أحد عن الميراث. وهذه الرواية خلاف كتاب الله ". "قالوا: حكم فى النكاح يدفعه الكتاب.. قالوا: رويتم أن رسول الله ﷺ قال: "لا

стр. 562

تُنكح المرأة على عمَّتها، ولا على خالتها"، وأنه قال: "يُحَرِّم من الرضاع ما يُحَرِّم من النسب". والله يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ١٨٠] ... إلى آخر الآية، ولم يذكر الجمع بين المرأة وعمَّتها وخالتها، ولم يُحَرِّم من الرضاع إلا الأُم المرضعة والأخت بالرضاع.. ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فدخلت المرأة على عمتَّها وخالتها، وكل رضاع سوى الأم والأُخت، فيما أحلَّه الله تعالى". يحدثنا ابن قتيبة بهذا عنهم، ثم يتولى بنفسه الرد عليهم فى ذلك كله رداً مسهباً فيه إزالة كل شبهة، ودفع كل حُجَّة وردت على ألسن القوم، ولا نطيل بذكر ذلك. ومَن أراد الوقوف عليه، فليرجع إليه فى تأويل مختلف الحديث [ص ٢٤١ - ٢٥٠] . * * الإنتاج التفسيرى للخوارج لم يكن للخوارج من الإنتاج التفسيرى مثل ما كان للمعتزلة، أو الشيعة أو غيرهما من فرق المسلمين، التي خلَّفت لنا الكثير من كتب التفسير، وكل ما وصل إلينا من تفسير الخوراج الأُوَل لم يزد عن بعض أفهام لهم لبعض الآيات القرآنية تضمنها جدلهم، واشتملت عليها مناظراتهم، وذكرنا لك منها كل ما وصل إلى أيدينا، وجميع ما استخلصناه من بطون الكتب المختلفة. ولكن هل هذا هو كل ما كان للخوارج من تفسير؟ وهل وقف إنتاجهم عند هذا المقدار الضئيل؟ أو كان لهم مع هذا كتب مستقلة فى التفسير، ولكن فقدتها المكتبة الإسلامية على طور الأيام ومر العصور؟ الحق أنى وجهت لنفسى هذا السؤال، وكدت أعجز عن الجواب عنه.. ولكن هيأ الله لى ظرفاً جمعنى مع رجل من الإباضية المعاصرين، يقيم فى القاهرة، فوجهت إليها هذا السؤال نفسه، فأفهمنى أن الإنتاج التفسيرى للخوارج كان قليلاً بالنسبة لإنتاج غيرهم من فِرَق الإسلام، ومع هذا فلم تحتفظ المكتبة الإسلامية من هذا النتاج القليل إلا ببعض منه. لبعض العلماء من الإباضية فى القديم والحديث. فسألته: وهل تذكر شيئاً من هذه الكتب؟ فذكر لى من الكتب ما يأتى: ١- تفسير عبد الرحمن بن رستم الفارسى.. من أهل القرن الثالث الهجرى. ٢- تفسير هود بن محكم الهوارى.. من أهل القرن الثالث الهجرى. ٣- تفسير أبى يعقوب، يوسف بن إبراهيم الورجلانى.. من أهل القرن السادس الهجرى.

стр. 563

٤- داعي العمل ليوم الأمل.. للشيخ محمد بن يوسف إطفيش.. من أهل القرن الحاضر. ٥- هميان الزاد إلى دار المعاد.. له أيضاً. ٦- تيسير التفسير.. له أيضاً. فقلت له: وهل يوجد شىء من هذه الكتب إلى اليوم؟ فقال لى: أما تفسير عبد الرحمن بن رستم، فغير موجود. وأما تفسير هود بن محكم، فموجود، ومتداول بين الإباضية فى بلاد المغرب.. وهو يقع فى أربع مجلدات، وقد أطلعنى منه على جزئين مخطوطين عنده، وهما الأول والرابع. أما الأول: فيبدأ بسورة الفاتحة، وينتهى بآخر سورة الأنعام. وأما الرابع: فيبدأ بسورة الزمر، وينتهى بآخر القرآن. قال: وأما تفسير أبى يعقوب الورجلانى، فغير موجود، ويذكر المحققون من علمائنا أنه من أحسن التفاسير بحثاً، وتحقيقاً، وإعراباً. وأما تفسير داعى العمل ليوم الأمل، فلم يتمه مؤلفه، لأنه عزم على أن يجعله في اثنين وثلاثين جزءاً، ثم عدل عن عزمه هذا، واشتغل بتفسير هميان الزاد إلى دار المعاد. وقد أطلعنى مُحدِّثى على أربعة أجزاء من تفسير داعى العمل، فى مجلدين مخطوطين بخط المؤلف، أما أحد المجلدين: فإنه يحتوى على الجزء التاسع والعشرين، والجزء الثلاثين من أجزاء الكتاب، وهو يبدأ بسورة الرحمن، وينتهى بآخر سورة التحريم، وأما المجلد الثانى: فإنه يحتوى على الجزء الحادى والثلاثين، والجزء الثانى والثلاثين، وهو يبدأ بسورة تبارك، وينتهى بآخر القرآن. وقد وجدت بالمجلد الأخير بعض ورقات فيها تفسير أول سورة [ص] ، ويظهر - كما قال مُحدِّثى - أن المؤلف قد ابتدأ تفسيره هذا بسورة الرحمن إلى أن انتهى إلى آخر سورة الناس، ثم بدأ بسورة [ص] ووقف عندها ولم يتم. وأما تفسير هميان الزاد، فموجود ومطبوع فى ثلاثة عشر مجلداً كباراً، ومنه نسخة فى دار الكتب المصرية، ونسخة أخرى عند مُحدِّثى. وأما تيسير التفسير، فموجود ومطبوع فى سبع مجلدات متوسطة الحجم، ومنه نسخة بدار الكتب المصرية، وأخرى عند مُحدِّثى أيضاً. * * أسباب قِلَّة إنتاج الخوارج فى التفسير وأنت ترى أن هذه الكتب المذكورة، ما وُجِد منها وما لم يُوجد، كلها للإباضية وحدهم، ولعل السر فى ذلك: أن جميع فِرَق الخوارج ما عدا الإباضية بادت ولم يبق لها أثر.

стр. 564

أما الإباضية فموجودون إلى يومنا هذا، ومذهبهم منتشر فى بلاد المغرب، وحضرموت، وعُمان، وزنجبار. ولكن بقى بعد هذا سؤال يتردد فى نفسى، ولعله يتردد فى نفس القارئ أيضاً وهو: ما السر فى أن الخوارج قَلَّ إنتاجهم فى التفسير؟ والجواب عن هذا السؤال - كما أعتقد - ينحصر فى أُمور ثلاثة وهي ما يأتى: أولاً: أن الخوارج كان أكثرهم من عرب البادية، ومن قبائل تميم على الأخص، وقليل منهم كان يسكن البصرة والكوفة مع احتفاظه ببداوته، فكانوا لغلبة البداوة عليهم أبعد الناس عن التطور الدينى، والعلمى، والاجتماعى، وكانوا يمثلون الإسلام الأول فى بساطته، وعلى فطرته، بدون أن تشوبه تعاليم الأُمم الأُخرى. أضف إلى ذلك: احتفاظهم بأهم خصائص أهل البدو من سذاجة التفكير، وضيق التصور، والبُعْد عن التأثر بحضارة الأمم المجاورة لهم. ثانياً: أنهم شُغِلوا بالحروب من مبدأ نشأتهم. وكانت حروباً قاسية وطويلة، ومتتابعة.. أسلمتهم حروب علىّ إلى حروب الأمويين، وأسلمتهم حروب الأمويين إلى حروب العباسيين التى تركتهم في حالة تشبه الاحتضار، وتؤذن بالفناء، فكان من الطبيعى أن لا تدع الحرب لهم من الوقت ما يتسع للبحث والتصنيف. ثالثاً: أن الخوارج - مع ما هم عليه من شذوذ - كانوا يخلصون لعقيدتهم، ويتمسكون بإيمانهم إلى حد كبير، ويرون أن الكذب جريمة من أكبر الجرائم، وبه - عند جمهورهم - يخرج الإنسان من عِداد المؤمنين - فلعل هذا دعاهم إلى عدم الخوض في تفسير القرآن، وجعلهم يتورعون عن البحث وراء معانيه، مخافة أن لا يصيبوا الحق فيكونوا قد كذبوا على الله.. وقد سُئِل بعضهم: لِمَ لَمْ تُفسِّر القرآن؟ فقال: "كلما رأيت قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل * لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦] أحجمت عن التفسير". من أجل هذا كله لم يكن يُنتظر من الخوراج أن يُؤلِّفوا لنا فى التفسير كما ألفَ غيرهم، وليس التفسير وحده هو الذي حُرِم من تصنيف الخوارج وتأليفهم، بل كل العلوم فى ذلك سواء، وما وُجِد لهم من مؤلفات فى علم الكلام، أو الفقه، أو الأُصول، أو الحديث، أو التفسير، أو غير ذلك من العلوم فكله من عمل الإباضية وحدهم، لأن هذه الفِرْقة هى التى عاشت وانتشرت فى كثير من بلاد المسلمين، واستمرت إلى يومنا هذا، وتأثرت بتعاليم المعتزلة وغيرهم، وسايرت التطور العلمى والاجتماعى. وبعد.. فهذا هو تراث الخوارج في التفسير، وهو تراث نادر عزيز، وما وُجِد منه أندر وأعز، وأرى أن أكتفى بالكلام عن "هميان الزاد إلى دار المعاد" وحده، وعذرى

стр. 565

فى ذلك: أن ما وجدناه من تفسير هود بن محكم، لم يتيسر لنا الاطاع عليه الاطلاع الكافى الذى يعطينا فكرة واضحة عنه، وعن مؤلِّفه، وذلك راجع إلى رداءة خطه، وضياع بعض أوراقه، وتآكل بعضها. وما وجدناه من تفسير "داعى العمل ليوم الأمل". لم يكن أكثر حظاً من تفسير هود بن محكم. وأما "تيسير التفسير".. فهو فى الحقيقة خلاصة لما تضمنه "هميان الزاد" فلم يكن الكلام عنه بمعطينا فكرة جديدة عن التفسير عند الإباضية أو عند مُفسِّره على الأقل. * * *

стр. 566

هميان الزاد إلى دار المعاد التعريف بمؤلف هذا التفسير مؤلف هذا التفسير هو محمد بن يوسف بن عيسى بن صالح إطفيش الوهبى، الإباضى، وهو من وادى ميزاب بصحراء الجزائر من بلاد المغرب. نشأ بين قومه، وعُرِف عندهم بالزهد والورع.. واشتغل بالتدريس والتأليف وهو شاب لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، وانكبَّ على القراءة والتأليف، حتى قيل إنه لم ينم فى ليلة أكثر من أربع ساعات. وله من المؤلفات فى شتَّى العلوم ثروة عظيمة تربو على الثلاثمائة مؤلَّف ... فمن ذلك: نظم المغنى لابن هشام خمسة آلاف بيت.. وكان ذلك فى شبابه، وشرح كتاب التوحيد للشيخ عيسى بن تبغورين وهو من أهم مؤلفاته فى علم الكلام، وشرح كتاب العدل والإنصاف فى أُصول الفقه لأبى يعقوب يوسف ابن إبراهيم الورجلانى، وله فى الحديث: وفاء الضمانة بأداء الأمانة، وهو مطبوع فى ثلاثة مجلدات، وجامع الشمل فى حديث خاتم الرسل، وهو مطبوع فى مجلد واحد. وله فى الفقه شرح كتاب النيل. وهو مطبوع فى عشر مجلدات، وله مؤلفات أخرى فى النحو والصرف، والبلاغة، والفلك، والعروض، والوضع، والفرائض، وغيرها. وأما التفسير فله فيه "داعى العمل ليوم الأمل"، لم يتم ... و "هميان الزاد إلى دار المعاد"، وهو ما نحن بصدده ... و "تيسير التفسير"، وهو مختصر من السابق. هذا، وقد توفى المؤلف سنة ١٣٣٢ هـ (اثنين وثلاثين وثلاثمائة وألف من الهجرة) ، وله من العمر ست وتسعون سنة. * * التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه يعتبر هذا التفسير هو المرجع المهم للتفسير عند الإباضية من الخوارج، غير أنه لا يُصور لنا حالة التفسير عندهم فى عصورهم الأولى، وذلك لقرب عهد مؤلفه، وتأخره عن زمن كثير من التفسير الذين وافقوه على مذهبه، والذين خالفوه فيه. ولقد جرت سُنَّة الله بين المؤلفين أن يأخذ اللاحق من السابق، وأن يستفيد المتأخر من المتقدم، وصاحبنا فى تفسيره هذا، استمد من كتب مَن سبقه من المفسِّرين على اختلاف نِحَلهم ومشاربهم وإن كان يدَّعى فى مقدمته أن لا يُقلِّد فيه أحداً إلا إذا

стр. 567

حكى قولاً، أو قراءة، أو حديثاً، أو قصة، أو أثراً لسَلَف. وأما نفس تفاسير الآى، والرد على بعض المفسِّرين، والجواب، فمن عنده إلا ما نسبه لقائله. كما يَدَّعى أنه كان ينظر بفكره فى الآية أولاً، ثم تارة يوافق نظر جار الله الزمخشرى، والقاضى البيضاوى - وهو الغالب - وتارة يخالفهما، ويوافق وجهاً أحسن مما أثبتناه أو مثله. ومهما يكن من شىء فلا يسعنا إلا أن نقول: إن الرجل - وقد قرأ الكثير من كتب التفسير - تأثر بما جاء فيها، واستفاد الكثير من معانيها مما يدعونا إلى القول بأن تفسيره يمثل التفسير المذهبى للخوارج الإباضية فى أواخر عصورهم فقط، وبعد أن خرجوا من عزلتهم التى مكثوا فيها مدة طويلة من الزمن. نقرأ فى هذا التفسير فنجد أن صاحبه يذكر فى أول كل سورة عدد آياتها، والمكى منها والمدنى، ثم يذكر فضائل السورة، مستشهداً لذلك فى الغالب بالأحاديث الموضوعة فى فضائل السور، ثم يذكر فوائد السورة بما يشبه كلام المشعوذين الدجَّالين، ثم بعد ذلك كله يشرح الآيات شرحاً وافياً، فيُسهب فى المسائل النحوية، واللُّغوية، والبلاغية، ويفيض فى مسائل الفقه، والخلاف بين الفقهاء كما يتعرض لمسائل علم الكلام ويفيض فيها، مع تأثر كبير بمذهب المعتزلة، كما لا يفوته أن يعرض للأبحاث الأصولية والقراءات، وهو مكثر إلى حد كبير من ذكر الإسرائيليات التى [لا] (*) يؤيدها الشرع، ولا يصدقها العقل، كما يطيل فى ذكر تفاصيل الغزوات التى كانت على عهد رسول الله ﷺ . ثم هو بعد ذلك لا يكاد يمر بآية يمكن أن يجعلها فى جانبه إلا مال بها إلى مذهبه، وجعلها دليلاً عليه، ولا بآية تصارحه بالمخالفة إلا تلَّمس لها كل ما فى طاقته من تأويل، ليتخلص من معارضتها.. وقد يكون تأويلاً متكلفاً، وفاسداً، لا ينجيه من معارضة الآية له، لكنه التعصب الأعمى ... يدفع الإنسان إلى أن ينسى عقله، ويطرح تفكيره الصائب، ليمشى مع الهوى بعقل فارغ وتفكير خاطىء!!.. وإليك بعض ما جاء فى هذا التفسير، لتقف على مسلك صاحبه فى فهمه لآيات القرآن الكريم: حقيقة الإيمان فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٢-٣] من سورة البقرة: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ . نراه يقرر: "أن الإيمان يُطلق على مجموع الاعتقاد، والإقرار، والعمل"، ثم يقول: "فمَن أخلَّ بالاعتقاد وحده، أو به وبالعمل، فهو مشرك من حيث الإنكار، منافق أيضاً من حيث أنه أظهر ما ليس فى قلبه، ومَن أخلَّ بالإقرار وحده، أو بالإقرار والعمل، فهو مشرك عند جمهورنا وجمهور قومنا. وقال القليل: إنه إذا أخلَّ بالإقرار وحده، مسلم عند الله من أهل الجنة، وإن أخلَّ به وبالعمل ففاسق كافر كفر نعمة، وإن أخلَّ بالعمل فقط،

стр. 568

فمنافق عندنا، فاسق ضال، كافر كفراً دون شرك غير مؤمن الإيمان التام".. ثم قال: "واختلف الخوارج.. وهم الذين خرجوا عن ضلالة علىّ، فقالت الإباضية الوهبية، وسائر الإباضية فيمن أخلَّ بواحد من الثلاثة: ما تقدم من إشراكه بترك الاعتقاد، أو بترك الإقرار، وينافق بترك العمل. ويثبتون الصغيرة. وقال الباقون كذلك وإنه لا صغيرة. ومذهب المحدثين أن انضمام العمل والإقرار إلى الاعتقاد على التكميل لا على أنه ركن. ونحن نقول: انضمامها إليه ركن، وهما جزء ماهيته". ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٥] من سورة البقرة: ﴿وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ ... الآية، نراه يحاول محاولة جدية فى تحقيق أن العمل جزء من الإيمان، ولا يتحقق الإيمان بدونه. فيقول: "ترى الإنسان يفيد كلامه مرة واحدة بقيد، فيحمل سائر كلامه المطلق على هذا التقييد، فكيف يسوغ لقومنا أن يلغوا تقييد الله الإيمان بالعمل الصالح مع أنه لا يكاد يذكر الفعل من الإيمان إلا مقروناً بالعمل الصالح؟ بل الإيمان نفسه مفروض لعبادة مَن يجب الإيمان به وهو الله تعالى، إذ لا يخدم الإنسان مثلاً سلطاناً لا يعتقد بوجوده، وثبوت سُلْطته، فالعمل الصالح كالبناء النافع، المظلل المانع للحر، والبرد والمضرات، والإيمان أُس، ولا ينفع الأُس بلا بناء عليه، ولو بنى الإنسان أُلوفاً من الأُسس ولم يبن عليها لهلك باللصوص، والحر، والبرد، وغير ذلك، فإن ذكر الإيمان مفرداً قيد بالعمل الصالح. وإذا ذكر العمل الصالح، فما هو إلا فرع الإيمان، دليل على أن كلاً منهما غير الآخر، لأن الأصل فى العطف المغايرة بين المتعاطفين، ففى عطف الأعمال الصالحات على الإيمان إيذان بأن البشارة بالجنَّات، وإنما يستحقها مَن جمع بين الأعمال الصالحات والإيمان". * * موقفه من أصحاب الكبائر كذلك نجد المؤلف يحاول أن يأخذ من القرآن ما يدل على أن مرتكب الكبيرة مخلَّد فى النار وليس بخارج منها. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٨١] من سورة البقرة: ﴿بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته فأولائك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .. يقول: ﴿سَيِّئَةً﴾ خصلة قبيحة، وهى الذنب الكبير، سواء أكان نفاقاً أو إشراكاً، ومن الذنوب الكبيرة: الإصرار، فإنه نفسه كبيرة، سواء أكان على الصغيرة أو الكبيرة، والدليل على أن السيئة: الكبيرة قوله: ﴿فأولائك أَصْحَابُ النار﴾ .. ويحتمل وجه آخر وهو أن السيئة: الذنب صغيراً أو كبيراً، ثم يختَص الكلام بالكبيرة بقوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ

стр. 569

خطيائته﴾ . وإن قلت روى قومنا عن ابن عباس رضى الله عنهما أن السيئة هنا الشرك. وكذا قال الشيخ هود ﵀ إنها الشرك. قلت: ما ذكرته أولى مما ذكراه، فإن لفظ السيئة عام، وحمله على العموم أولى، إذ ذلك تفسير منهما لا حديث، ولا سيما أنهما وقومنا يعترفون بأن الكبيرة تُدْخِل فاعلها النار، ولم يحصروا دخولها على الشرك، ومعترفون بأن لفظ الخلود يُطلق على المكث الكبير، سواء أكان أبدياً، أو غير أبدى، وادعاء أن الخلود فى الموحِّدين بمعنى المكث الطويل، وفى الشرك بمعنى المكث الدائم، استعمال للكلمة فى حقيقتها ومجازها، وهو ضعيف، وأيضاً ذكر إحاطة الخطيئات ولو ناسب الشرك كغيره، لكنه أنسب بغيره، لأن الشرك أقوى ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته﴾ .. ربطته ذنوبه وأوجبت له دخول النار، فصار لا خلاص له منها، كمن أحاط به العدو، أو الحرق، أو حائط السجن، وذلك بأن مات غير تائب". * * حملته على أهل السُّنَّة ونرى المؤلف كلما سنحت له الفرصة للتنديد بجمهور أهل السُّنَّة القائلين بأن صاحب الكبيرة من المؤمنين يُعذَّب فى النار على قدر معصيته، ثم يدخل الجنة بعد ذلك، ندَّد بهم ولمزهم. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤] من سورة البقرة: ﴿والذين يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ .. يقول: ".. وترى أقواماً ينتسبون إلى المِلَّة الحنيفية يضاهئون اليهود فى قولهم: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات". * * مغفرة الذنوب ثم إن المؤلف حمل كل آيات العفو والمغفرة على مذهبه القائل: بأن الكبائر لا يغفرها الله إلا بالتوبة منها والرجوع عنها، ويحمل على الأشاعرة القائلين بأن الله يجوز أن يغفر لصاحب الكبيرة وإن لم يتب. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الاية [٢٨٤] من سورة البقرة: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ يقول: "ولا دليل فى الآية على جواز المغفرة لصاحب الكبيرة الميت بلا توبة منها، كما زعم غيرها، لحديث، هلك المُصِّرون".

стр. 570

وعند قوله تعالى فى الآية [١٢٩] من سورة آل عمران: ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ .. يقول: "يغفر لمن يشاء الغفران له بأن يوفقه للتوبة، ويُعذِّب مَن يشاء تعذيبه بأن لا يوفقه، وليس من الحكمة أن يُعذِّب المطيع الموفى، وليس منها أن يرحم العاصى المُصِّر، وقد انتفى الله من أن يكون ظالماً، وعد من الظلم: النقص من حسنات المحسن، والزيادة فى سيئات المسىء، وليس من الجائز عليه ذلك، خلافاً للأشعرية فى قولهم: يجوز أن يدخل الجنة جميع المشركين، والنار جميع الأبرار. وقد أخطأوا فى ذلك ... ". وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٣] من سورة الزمر: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ .. يقول: "بشرط التوبة منها، بدليل التقييد بها فى مواضع من القرآن والسُّنَّة، والمطلق يُحمل على المُقَيَّد. وقد ذُكِرَت فى القرآن مراراً شرطاً للغفران، فذكرها فيما ذكرت. ذكر لها فيما لم تذكر، وإنما تحذف لدليل، والقرآن فى حكم كلام واحد لا يتناقض حاشاه، وأيضاً يليق أن يذكر لهم أنه يغفر الكبائر بلا توبة مع أنه ناه عنها، لأن ذلك يؤدى بهم إلى الاجتراء عليها. وقد أخفى الصغائر لئلا يُجترأ عليها من حيث أنه غفرها. ويدل لذلك تعقيب الآية بقوله: ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤] لئلا يطمع طامع كالقاضى - يريد البيضاوى - فى حصول المغفرة بلا توبة. ويدل له أيضاً قراءة ابن مسعود وابن عباس: "يغفر الذنوب جميعاً لمن يشاء" أى لمن يشاؤه بالتوبة.. وأما قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ فاستئناف معلل لمغفرة الذنوب بالتوبة، أي يغفرها، ويقبل التوبة منها. لأن من شأنه الغفران العظيم والرحمة والعظيمة وملكه وغناه واسع لذلك. والمراد بالآية: التنبيه على أنه لا يجوز لمن عصى الله - أى عصيان كان - أن يظن أنه لا يغفر له، ولا يقبل توبته، وذلك مذهبنا معشر الإباضية، وزعم القاضى وغيره: أن الشرك يُغفر بلا توبة، ومشهور مذهب القوم: أن الموحِّد إذا مات غير تائب: يُرجى له، وأنه إن شاء عذَّبه بقدر ذنبه وأدخله الجنة. وإن شاء غفر له. ومذهبنا: أن مَن مات على كبيرة غير تائب: لا يُرجى له". * * رأيه فى الشفاعة ويرى المؤلف: أن الشفاعة لا تقع لغير الموحدِّين، ولا لأصحاب الكبائر، ومن خلال رأيه هذا ينظر إلى آيات الشفاعة فلا يرى فيها إلا ما يتفق ومذهبه. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٨] من سورة البقرة: ﴿واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ .. يقول: ".. وإن قلت: فهل الشفاعة والفداء بالعدل واقعان ولكن لا يُقبلان؟ أم غير واقعين؟ قلت: غير واقعين، أما مَن تأهل للشفاعة من الملائكة والأنبياء والعلماء

стр. 571

والصالحين، فلا يتعرضون بها لمن ظهرت شقاوته لهم. فإن تعرَّضوا بها لهم قبل أن تظهر لهم، قيل لهم: إنهم بَدَّلُوا وغيَّروا، وليسوا أهلاً لها، فيتركوا التعرض لها. وأما من لم يتأهل لها فمشغول بنفسه لا يدرى ما يُفعل به". وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٢٣] من السورة نفسها: ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ ... يقول.. ﴿وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ لعدمها هناك، فالمراد أنه لا شفاعة تنفعها، فالشفاعة هنالك منفية من أصلها، وليس المراد أنه هناك شفاعة لا تُقبل. وإنما ساغ ذلك، لأن القضية السالبة تصدق بنفى الموضوع، كما تصدق بنفى المحمول، فكما تقول: ليس زيد قاعداً فى السوق، وتريد أنه فيها لكنه قائم، كذلك تقول: ليس زيد قاعداً فيها، وتريد أنه ليس فيها أصلاً، وذلك مخصوص بالمشرك، فإنه لا شفاعة له هنالك إلا شفاعة القيام لدخول النار، ولا نفع له فى دخول النار، وإنما الشفاعة للموحِّد التائب". وعند قوله تعالى في الآية [١٥٩] من سورة الأنعام: ﴿إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ... الآية، يقول: "فالآية نص - أو كالنص - فى أن لا شفاعة لأهل الكبائر. أى أنت برئ منهم على كل وجه، وقد علمت عن عمر وأبى هريرة أن الآية فى أهل البدع من هذه الأمة". * * رؤية الله تعالى ويرى صاحبنا: أن رؤية الله تعالى غير جائزة ولا واقعة لأحد مطلقاً، ويُصرِّح بذلك فى تفسيره لآيات الرؤية، ويرد على أهل السُّنَّة الذين يقولون بجوازها فى الدنيا، ووقوعها للمؤمنين فى الآخرة. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ ... الآية، نراه يذكر ما ورد من الروايات فى هذا الباب، ومن الروايات رواية تفيد: أن موسى سأل ربه أن ينظر إليه بالمجاهرة، يعقب عليها فيقول: "وهذه الرواية تقتضى أن موسى يجيز الرؤية، حتى سألها ومُنعَها ... وليس كذلك، بل إن صح سياق هذه الرواية فقد سألوه الرؤية قبل ذلك، فنهاهم عن ذلك وحرَّمه، أو سكت انتظاراً للوحى فى ذلك، فلما فرغ وخرج، عاودوه ذكر ذلك، فقال لهم: قد سألته على لسانكم كما تحبون، لأخبركم بالجواب الذى يقمعكم لا لجواز الرؤية، فتجلَّى للجبل بعض آياته فصار دكاً، فكفروا بطلب الرؤية، لاستلزامها

стр. 572

اللون، والتركيب، والتحيز، والحدود، والحلول، وذلك كله يستلزم الحدوث، وذلك كله محال على الله، وإذا كان ذلك مستلزماً عقلاً لم يختلف دنيا وأخرى، فالرؤية محال دنيا وأخرى. ولا بالإيمان، والكفر، والنبوة، وعدمها". وعند قوله تعالى فى الآية [١٥٣] من سورة النساء: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السمآء فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك فقالوا أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ ... الآية، يقول: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِم﴾ إذ سألوا رؤية الله جَلَّ وعَلا الموجبة للتشبيه ... وقالت الأشعرية: الصاعقة إنما هى من أجل امتناعهم من الإيمان بما وجب إيمانه إلا بشرط الرؤية، لا من أجل طلب الرؤية. وهو خلاف ظاهر الآية، مع أن الرؤية توجب التحيز، والجهات، والتركيب، والحلول، واللون، وغير ذلك من صفات الخلق. ويدل لما قلته قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] . والأشعرية لما أُفحموا قالوا: بلا كيف. وحديث الرؤية - إن صح - فمعناه: يزدادون يقيناً بحضور ما وعد الله فى الآخرة، فلا يشكون فى وجود الله وكمال صدقه، وقدرته، كما لا يشكون فى البدر". * * أفعال العباد وإذا كان المؤلف يتأثر بآراء المعتزلة أحياناً، فإنه يُصرِّح بمخالفتهم فى بعض المسائل، فمثلاً نراه يقرر: أن فعال العباد كلها بإرادة الله تعالى وأن العبد لا يخلق أفعال نفسه. ونراه يرد على المعتزلة ولا يرضى موقفهم من هذه المسألة، فمثلاً عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [١٠٧] من سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ ... الآية، يقول: "ولو شاء الله عدم إشراكهم بالله تعالى ما أشركوا به تعالى شيئاً، فالآية دليل على أن إشراكهم بإرادة الله ومشيئته، وفيه رد على المعتزلة فى قولهم: لم يرد معصية العاصى.. وزعموا أن المعنى: لو شاء الله لأكرههم على عدم الإشراك، ولزم عليهم أن يكون مغلوباً على أمره إذا عُصى ولم يرد المعصية، بل أراد الإيمان منهم ولم يقع - تعالى الله عن ذلك - والحق أن المعصية بإرادته ومشيئته، مع اختيار العاصى، لا جبر، للذم عليها والعقاب والنهى عنها". وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦٢] من سورة الزمر: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ... يقول: "من إيمان، وكفر، وخير، وشر، مما هو كائن دنيا وأُخرى". * *

стр. 573

موقفه من المتشابه كذلك نجد المؤلف يقف من المتشابه موقف التأويل، ويعيب على مَن يقول بالظاهر، وإن فوَّض علمه وكيفيته لله. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢١٠] من سورة البقرة: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام والملائكة وَقُضِيَ الأمر وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ .. يقول: ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام﴾ على حذف مضاف: أي أمر الله. بدليل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الملائكة أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ ... والحاصل، أن مذهبنا ومذهب هؤلاء - يريد المعتزلة ومن وافقهم - تأويل الآية عن ظاهرها إلى ما يجوز وصف الله به". وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٢] من سورة المائدة: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُمْ بالقسط إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ .. نراه يذكر الحديث القائل: "إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين"، ثم يقول: "ويمين الرحمن عبارة عن المنزلة الرفيعة، والعرب تذكر اليمين فى الأمر الحسن، ودل لذلك قوله: "وكلتا يديه يمين"، والتأويل فى مثل ذلك هو الحق. وأما قول سَلَف الأشعرية فى مثل ذلك: إنَّا نؤمن به وننزهه عن صفة الخلق ونكل معناه إلى الله، ونقول: هو على معنى يليق به ... وكذا طوائف من المتكلمين، فجمود وتعام عن الحق". وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٤] من سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ ... الآية، يقول: "واستوى: بمعنى استولى بالملك، والغلبة والقوة، والتصرف في كيف شاء، و "العرش": جسم عظيم وذلك مذهبنا ومذهب المعتزلة، وأبى المعالى وغيره من حُذَّاق المتكلمين، وخص العرش بذكر الاستيلاء لعظمته". * * موقفه من تفسير الصوفية ونجد المؤلف يبدى رأيه فى تفسير الصوفية بصراحة تامة، ويحمل على مَن يُفسِّر هذا التفسير، فيقول عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣] من سورة البقرة: ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ : ".. قيل: ويحتمل أن يُراد الإنفاق من جميع ما رزقهم الله من أنواع الأموال، والعلم، وقوة البدن، والجاه، وفصاحة اللسان.. ينفعون بذلك عيال الله على الوجه الجائز، وقيل: المعنى: ومما خصصناهم به من أنوار معرفة الله - جَلَّ وعَلا - يفيضون.. وهذا القول والذى قبله أظنهما للصوفية أو لمن يتصوف،

стр. 574

وليس تفسير الصوفية عندى مقبولاً إذا خالف الظاهر، وكان تكلفاً، أو خالف أُسلوب العربية ولا أعذر مُن يُفسِّر به ولا أقبل شهادته، وأتقرب إلى الله تعالى ببغضه والبراءة منه، فإنه ولو كان فى نفسه حقاً لكن جعله معنى للآية أو للحديث خطأ لأنه خروج عن الظاهر وأساليب العرب التي يتخاطبون بها وتكلف من التكلف الذى يبغضه الله، فإن القولين وإن ناسبهما قوله ﷺ : "إنَّ علماً لا يقال به ككنز لا يُنفق منه" الذى رواه الطبرى فى الأوسط، لكن لا يصحان تفسيراً للآية، إذ لا يتبادر ذلك لا يجرى على أسلوب العرب والقول الأخير أبعد، وأنا أعد اعتقادى ذلك نوراً ومعرفة أفاضها الله الرحمن الرحيم علىّ. وقد أقبل القول الذى قبله لأنه قريب من أُسلوب العرب. قليل التكلف، والصحيح أن المراد: النفقة الواجبة وغير الواجبة من المال. * * موقفه من الشيعة وصاحبنا لا يُسلِّم للشيعة استدلالهم على إمامة علىّ بقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ... بل نراه يفند احتجاجهم بالآية فيقول: "وزعم الشيعة أن: ﴿والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ ... إلى: ﴿رَاكِعُونَ﴾ المراد به علىّ بن أبى طالب، وأن جملة ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ حال من واو ﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾ وهى مقارنة، وأنه أعطى الزكاة وهو فى الصلاة راكع، سأل سائل وهو فى ركوع الصلاة فأعطاه خاتمه فى حال ركوعه وأراد به الزكاة، وعبَّر عنه بالجمع تعظيماً، وهى دعوى بلا دليل عليها والأصل العموم، والأصل أن لا يُطلق لفظ الجمع على المفرد، ومن دعوى الشيعة أن المراد بالولى - فى الآية - المتولى للأمور المستحق للتصرف فيها، وأن هذه الآية دليل على إمامة علىّ ... وهذا أيضاً تكلف بلا دليل". * * رأيه فى التحيكم ونرى المؤلف يتأثر فى تفسيره هذا بعقيدته فى مسألة التحيكم بين علىّ ومعاوية ﵄، فيفر من الآيات التى تعارضه، ويمكن أن تكون مستنداً لمخالفيه. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٥] من سورة النساء: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فابعثوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ ... الآية، نراه يقول: "ولا دليل فى الآية على جواز التحكيم، لأن مسألة الحال إنما هى ليتحقق بالحَكَمين ما قد يخفى من حال الزوجين، بخلاف ما إذا ظهر بطلان إحدى الفرقتين بأن الله قد حكم بقتالها، وأيضاً المراد هنا: الإصلاح مثلاً لا مجرد بيان الحق".

стр. 575

وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٩-١٠] من سورة الحجرات: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ ... إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .. يقول: والإصلاح بالنصح والدعاء إلى حكم الله ... ثم يقول: وسمع علىّ رجلاً يقول فى ناحية المسجد: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفىء ما دامت أيديكم فى أيدينا، ولا نبدأكم بقتال. قلت: الحق أنه إذا حكم الله بحكم فى مسألة فلا حكم لأحد فيها سواه، فالحق مع الرجل، ولو كان علىّ أعلم عالِم. ثم قال: قيل: وفى الآية دليل على أن البغى لا يزيل اسم مؤمن، لأن الله سماهم مؤمنين مع كونهم باغين ... وسماهم إخوة مؤمنين، قلت: لا دليل، أما: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين﴾ فتسميتهم فيه مؤمنين: باعتبار ما يظهر لنا قبل ظهور البغى، أما: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ فتسميتهم فيه مؤمنين إخوة: باعتبار ما ظهر لنا قبل البغى، فقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ فى معنى اهدوهم إلى الحال التى كانوا عليها قبل. أو المراد بالمؤمن: الموحد لا الموفى، بدليل: "لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". وأما لفظ: آمن وإيمان، فلا يختصان بالموفى". * * إشادته بالخوارج وحطه من قدر عثمان وعلىّ ومَن والاهما ثم إنه لا تكاد تأتى لذكر الخوارج إلا رفع من شأنهم، ولا لذكر علىّ، أو عثمان، أو مَن يلوذ بهما إلا وغضَّ من شأنهم، ورماهم بكل نقيصة. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [١٠٥-١٠٦] من سورة آل عمران: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ البينات وأولائك لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ... إلخ، نراه يعيب على مَن يقول من المفسِّرين: إن الذين تفرَّقوا واختلفوا هم مَن خرج علَى علىّ عند قبوله التحكيم، ويقول: إن أمر الحَكَمين لم يكن حين نزلت الآية، بل فى إمارة علىّ، و ﴿تَفَرَّقُواْ واختلفوا﴾ صيغتان ماضويتان، ولا دليل على صرفها للاستقبال، ولا على التعيين لمن ذكر، بل دلَّت الآية على خلوصهم من ذلك، وعلى أنهم المحقون الذين تَبْيَضُ وجوههم، فمَن خالفهم فهو داخل فى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ .. وهو يعم كل مَن كفر بعد إيمانه. واعلم أنه قد خرج على علىّ حين أذعن للحكومة صحابة كثيرون - رضى الله عنهم - وتابعون كثيرون، فترى المخالفين يذمون ويشتمون مَن خرج عنه، ويلعنونه، غير الصحابة الذين خرجوا عنه، والخروج واحد: إما حق فى حق الجميع، وإما باطل فى حق الجميع.. فإذا كان حقاً في جنب الكل، فكيف يشتمون مَن خرج عليه غير الصحابة، وإن كان باطلاً فى جنب الكل، فقد استحق الصحابة الشتم أيضاً ... عافاهم الله. ونرى المخالفين يروون أحاديث لم تصح عن رسول الله ﷺ ، وقد يصح

стр. 576

الحديث ويزيدون فيه. وقد يصح ويؤولونه فينا وليس فينا". ثم سرد المؤلف بعض الأحاديث التى حملت عليهم، وردها بعدم صحتها، أو بحملها على غلاة الخوارج كالصفرية، أو بحملها على مَن قبل التحكيم. ثم قال: "والدليل الأقوى على أن تلك الأحاديث ليست فينا ولا فيمن اقتدينا بهم، وأن الراضين بالتحكيم هم المبطلون، ما رواه أبو عمر، وعثمان بن خليفة: أن رجلاً من تلاميذ أبى موسى الأشعرى - عبد الله بن قيس - لقيه بعد ما وقع فيما وقع من أمر التحكيم، فقال له: قف يا عبد الله بن قيس أستفتك، فوقف.. وكان التلميذ قد حفظ عنه أنه حكى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "سيكون فى هذه الأمة حَكَمان ضالان مُضلان يضلان ويضل مَن اتبعهما" قال: فلا تتبعهما وإن كنت أحدهما. ثم قال له التلميذ: إن صدقت فعليك لعنة الله، وإن كذبت فعليك لعنة الله. ومعنى ذلك: إن كانت الرواية التى رواها عن رسول الله ﷺ صحيحة ثم وقع فيها، فعليه لعنة الله، وإن كان كاذباً على رسول الله ﷺ فعليه، لعنة الله، لنقله الكذب عن رسول الله، لا محيص عن الأمرين جميعاً". وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٩] من سورة التوبة ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ ... الآية، نراه يحاول الغض من شأن عثمان الذى بذل ماله فى غزوة تبوك دفاعاً عن رسول الله ﷺ ، ونُصْرة لدين الله فيقول: " ... وعن عمران بن حصين أن نصارى العرب كتبت إلى هرقل: إن هذا الرجل الذى يَدَّعى النبوة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم، فبعث رجلاً من عظمائهم، وجهَّز معه أربعين ألفاً، فبلغ ذلك النبى ﷺ ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جهَّز عيراً إلى الشام، فقال: يا رسول الله؛ هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أُوقية. قال صاحب المواهب: قال عمران بن حصين: فسمعته يقول: "لا يضر عثمان ما عمل بعدها" - والعُهْدة على القسطلانى وعمران - فإن صح ذلك فمعنى ذلك: الدعاء له بالخير، لا القطع بأنه من أهل الجنة. وعن عبد الرحمن بن سمرة: جاء عثمان بن عفان بألف دينار فى كمه حين جهَّز جيش العُسرة، فنثرها فى حجره ﷺ ، فرأيت رسول الله ﷺ يقلبها فى حجره ويقول: "ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم"، فإن صح هذا فذلك أيضاً دعاء، وإنما قلت لك لأخبار سوء وردت فيه عن رسول الله ﷺ ". وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٠٣] وما بعدها من سورة الكهف: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين أَعْمَالاً﴾ ... الآيات إلى قوله: ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا

стр. 577

كَفَرُواْ واتخذوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾ ... يقول: ... وزعم علىّ أنهم أهل حروراء، وهم المسلمون الذين خرجوا عنه، لعدم رضاهم بالتحكيم فيما كان لله فيه حكم. وسأله ابن الكواء فقال: منهم حروراء. وسُئل: أهم مشركون؟ فقال: لا، فقال: أمنافقون؟ فقال: لا، بل إخواننا بغوا علينا ... وذلك خطأ تشهد به عبارته، لأنه ليس الإنسان إلا مؤمناً أو مشركاً أو منافقاً، فإذا انتفى الشرك والنفاق عن أهل حروراء فهم مؤمنون. والمؤمن لا يُوصف بالبغى وهو مؤمن، ومَن بغى دخل فى حدود النفاق. وأيضاً الباغى مَن يرى التحكيم فيما كان لله فيه حكم، والسافك دماء مَن لم يتبعه على هذه الزلَّة. وأيضاً أهل حروراء لم يكفروا بآيات الله، ولا بلقائه، بل مؤمنون بآيات الله وبالبعث. والأخسرون أعمالاً قد وصفهم الله بكفر الآيات واللقاء، ولست أقول ذلك معجباً بنفسى، ولا متعجباً ممن عصى، بل حق ظهر لى فصرَّحتُ به". وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة النور: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض﴾ ... الآية، يقول: "قال المخالفون عن الضحاك: إن الذين آمنوا هم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ. وإن استخلافهم: إمامتهم العظمى، وسيأتى ما يدل على بطلان دخول عثمان وعلىّ فى ذلك ... ثم قال: وفى أيام أبى بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ. وبعدهم، كانت الفتوح العظيمة، وتمكين الدين لأهله، لكن لا دليل فى ذلك على إصابة عثمان وعلىّ. فإنهما وإن كانت خلافتهما برضا الصحابة، لكن ما ماتا إلا وقد بدَّلا وغيَّرا فسحقاً ... كما فى أحاديث عنه ﷺ أنهما مفتونان". وعند تفسيره لقوله تعالى فى آخر الآية السابقة: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .. يقول: "أقول - والله أعلم بغيبه - إن أول مَن كفر بتلك النعمة وجحد حقها: عثمان بن عفان؛ جعله المسلمون على أنفسهم، وأموالهم، فخانهم فى كل ذلك. زاد فى مسجد رسول الله ﷺ ووسَّعه، وابتاع من قوم وأبى آخرون فغصبهم، فصاحوا به فسيَّرهم للحبس، وقال: قد فعل بكم عمر هذا فلم تصيحوا به، فكلَّمه فيهم عبد الله ابن خالد بن أسيد فأطلقهم من السجن، وقد جمع فى ذلك: عصب المال، وقذف عمر رضى الله عنه. واستعمل أخاه لأُمه وهو الوليد بن عُقبة. ونزل: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ [الأنفال: ٢٥] بحضرة أبي بكر، وعمر - رضى الله عنهما - وعثمان، وعلىّ، فقال لعثمان: "بك تُفتح وبك تُشَب"، وقال لعلىّ: "أنت إمامها وزمامها

стр. 578

وقائدها، تمشى فيها مشى البعير فى قيده" وقال: "لَضرس بعض الجلوس فى نار جهنم أعظم من جبل أُحُد". وقال: "يثور دخانها تحت قدمى رجل يزعم أنه منى وليس منى، ألا إن أوليائى المتقون" ... إلى آخر ما ذكره من النقائص فى حق علىّ وعثمان - رضى الله عنهما". وعند تفسيره لقوله فى الآية [٢٣] من سورة الشورى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ ... الآية، يقول: "فموَدَّة قرابته ﷺ مَن لَم يُبدِّل منهم ولم يُغيِّر، مثل فاطمة، وحمزة، والعباس، وابنه - رضى الله عنهم - واجبة".. ثم ذكر روايات كثيرة فى الحث على حب آل البيت وموَدَّتهم.. وبعدما فرغ منها قال: "لكن المراد بآله: آله الذين لم يُبَدِّلوا، فخرج علىّ ونحوه ممن بَدَّل، فإنه قتل مَن قال ﷺ : "لا يدخل قاتلة الجنة". ولم يصح عندنا معشر الإباضية رواية: أنه لما نزلت قيل: مَنْ قرابتك الذين تجب علينا موَدَّتهم؟ فقال: "علىّ، وفاطمة، وابناهما". * * اعتداده بنفسه وحملته على جمهور المسلمين هذا ... وإن المؤلف ليفخر كثيراً فى مواضع من تفسيره بنفسه وبأهل نِحْلته، ويرى أنه وحزبه أهل الإيمان الصادق، والدين القويم، والتفكير السليم، وأما مَن عداهم: فضالون مضلون، مبتدعون مخطئون. فمثلاً نجده عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٧٠] من سورة البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ﴾ ... الآية، يقول ما نصه: "واعلم أن الحق هو القرآن والسُّنَّة، وما لم يخالفهما من الآثار، فمَن قام بذلك. فهو الجماعة والسواد الأعظم، ولو كان واحداً، لأنه نائب النبى ﷺ والصحابة، والتابعين الذين اهتدوا، وكل مهتد. ومَن خالف ذلك، فهو مبتدع ضال، ولو كان جمهوراً. هذا ما يظهر لي بالاجتهاد، وكنت أقرره للتلاميذ عام تسع وسبعين ومائتين وألف.. فأصحابنا الإباضية الوهبية هم الجماعة والسواد الأعظم وأهل السُّنَّة ولو كانوا أقل الناس. لأنهم المصيبون فى أمر التوحيد، وعلم الكلام، والولاية، والبراءة، والأصول دون غيرهم". وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١١٢] من سورة هود: ﴿فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ ... الآية، يقول ما نصه: "واعلم يا أخى - رحمك الله - أنى

стр. 579

استقريت هذه المذاهب المعتبرة كمذهبنا معشر الإباضية، ومذهب المالكية، ومذهب الشافعية، ومذهب الحنفية، ومذهب الحنبلية، بالمنقول والمعقول، فلم أر مستقيماً منها فى علم التوحيد والصفات سوى مذهبنا، فإنه مستقيم خال عن التشبيه والتعطيل. حُججه لا تقاومها حُجَّة. ولا تثبت لها، والحمد لله وحده". هذا هو مُفسِّرنا الإباضى، وهذا هو تفسيره الذى ملأه بالدفاع عن العقيدة الزائفة، والتعصب للمذهب الفاسد، وهو بعد - كما ترى - لا يسلم من مجاراة المعتزلة فى بعض عقائدهم، كما لم يسلم من الأحاديث الموضوعة التى جرت على ألسن وُضَّاع الخوارج، لينصروا بها مذهبهم، ويُرَوِّجوا له بين الناس. * *

стр. 580

تفسير الصوفية أصل كلمة تصوف وقع الاختلاف فى أصل هذه الكلمة "تصوف" فقيل: إنها مشتقة من الصوف، وذلك لأن الصوفية خالفوا الناس فى لبس فاخر الثياب فلبسوا الصوف تقشفاً وزهداً. وقيل: إنه من الصفاء، وذلك لصفاء قلب المريد، وطهارة باطنه وظاهره عن مخالفه ربه. وقيل: إنه مأخوذ من الصُفَّة التى يُنسب إليها فقراء الصحابة المعروفون بأهل الصُفَّة. ويرى غيرهم أنه لقب غير مشتق. قال القشيرى ﵀: "ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية، ولا قياس، والظاهر أنه لقب. ومَن قال باشتقاقه من الصفاء أو من الصُفَّة فبعيد من جهة القياس اللُّغوى. قال: وكذلك من الصوف، لأنهم لم يُختصوا به". * * معنى التصوف وأما معنى التصوف.. فقيل: "هو إرسال النفس مع الله على ما يريده". وقيل: "هو مناجاة القلب ومحادثة الروح، وفى هذه المناجاة طُهرة لمن شاء أن يتطهر، وصفاء لمن أراد التبرؤ من الرِجس والدنس، وفى تلك المحادثة عروج إلى سماء النور والملائكة، وصعود إلى عالَم الفيض والإلهام، وما هذا الحديث والنجوى إلا ضرب من التأمل، والنظر، والتدبر فى ملكوت السموات والأرض. بَيْد أن الجسم والنفس متلازمان وتوأمان لا ينفصلان، ولا سبيل إلى تهذيب أحدهما بدون الآخر. فمَن شاء لنفسه صفاءً ورفعة فلا بد له أن يتبرأ عن الشهوات وملذات البدن.. فالتصوف إذن: فكر، وعمل، ودراسة، وسلوك". * * نشأة التصوف وتطوره والتصوف بهذا المعنى موجود منذ الصدر الأول للإسلام، فكثير من الصحابة كانوا معرضين عن الدنيا ومتاعها، آخذين أنفسهم بالزهد والتقشف، مبالغين فى العبادة، فكان منهم مَن يقوم الليل ويصوم النهار، ومنهم مَن يشد الحجر على بطنه تربية لنفسه وتهذيباً لروحه، غير أنهم لم يُعرفوا فى زمنهم باسم الصوفية، وإنما اشتهر بهذا

стр. 581

اللقب فيما بعد مَن عُرفوا بالزهد والتفانى فى طاعة الله تعالى، وكان هذا الاشتهار فى القرن الثانى الهجرى، وأول من سُمِّى بالصوفى: أبو هاشم الصوفى المتوفى سنة ١٥٠ هـ (خمسين ومائة من الهجرة) . وفى هذا القرن وما بعده تولَّدت بعض الأبحاث الصوفية، وظهرت تعاليم القوم ونظرياتهم التى تواضعوا عليها، وأخذت هذه الأبحاث تنمو وتتزايد كلما تقادم العهد عليها. وبمقدار ما اقتبسه القوم من المحيط العلمى الذى يعيشون فيه تطورت هذه الأبحاث والنظريات. ولقد استفاد المتصوفة من الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء ما كان له الأثر الأكبر فى هذا التطور الصوفى، غير أنهم أخذوا من الفلسفة بحظ وافر، بل وكوَّنوا فلسفة خاصة بهم، حتى أصبحنا نرى بينهم رجالاً أشبه بالفلاسفة منهم بالمتصوفة، وأصبحنا نرى بعضهم يدين بمسائل فلسفية لا تتفق ومبادئ الشريعة، مما أثار عليهم جمهور أهل السُّنَّة، وجعلهم يحاربون التصوف الفلسفى، ويؤيدون التصوف الذى يدور حول الزهد، والتقشف، وتربية النفس، وإصلاحها.. وما زال أهل السُّنَّة يحاربون التصوف الفلسفى حتى كادوا يقضون عليه فى نهاية القرن السابع الهجرى. ومن ذلك الوقت دخل فى التصوف رجال من غير أهله، تظاهروا بالورع والطاعة، وتحلَّوا بالزهد الكاذب والتقشف المصطنع، فأصبحنا نرى بعض الجهلاء الأُميين يشرفون على الطريق، ويتولون تربية الأتباع والمريدين، ووقفت التعاليم الصوفية عند دائرة محدودة، هى دائرة الأوراد والأذكار، وإن تعدتها فلا أكثر من بعض الأبحاث الضيقة فى الفقه والتفسير والحديث. * * أقسام التصوف مما تقدم يتضح لنا أن التصوف ينقسم إلى قسمين أساسيين: تصوف نظرى: وهو التصوف الذى يقوم على البحث والدراسة. وتصوف عملى: وهو التصوف الذى يقوم على التقشف والزهد والتفانى فى طاعة الله. وكل من القسمين كان له أثره فى تفسير القرآن الكريم، مما جعل التفسير الصوفى ينقسم أيضاً إلى قسمين: تفسير صوفى نظرى، وتفسير صوفى فيضى أو إشارى ... وسنتكلم على كل قسم منهما بما يفتح الله به ويوفق إليه: * * أولاً: التفسير الصوفى النظرى

стр. 582

ابن عربى شيخ هذه الطريقة ونستطيع أن نعتبر الأستاذ الأكبر محيى الدين بن عربى شيخ هذه الطريقة فى التفسير، إذ أنه أظهر مَن خَبَّ فيها ووضع، وأكثر أصحابه معالجة للقرآن على طريقة التصوف النظرى، وإن كان له من التفسير الإشارى ما يجعله فى عداد المفسِّرين الإشاريين إن لم يكن شيخهم أيضاً. * * تأثر ابن عربى بالنظريات الفلسفية نقرأ لابن عربى فى الكتب التى يُشَك فى نسبتها إليه، كالتفسير المشهور باسمه، وفى الكتب التى تُنسب إليه على الحقيقة كالفتوحات المكية، والفصوص، فنراه يطبق كثيراً من الآيات القرآنية على نظرياته الصوفية الفلسفية. فمثلاً يُفسِّر بعض الآيات بما يتفق والنظريات الفلسفية الكونية، فعند قوله تعالى فى الآية [٥٧] من سورة مريم فى شأن إدريس ﵇: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ ... نجده يقول: "وأعلى الأمكنة المكان الذى تدور عليه رحى عالَم الأفلاك، وهو فلك الشمس، وفيه مقام روحانية إدريس، وتحته سبعة أفلاك، وفوقه سبعة أفلاك، وهو الخامس عشر". ثم ذكر الأفلاك التى تحته، والتى فوقه، ثم قال: "وأما علو المكانة فهو لنا - أعنى المحمدين - كما قال تعالى: ﴿وَأَنتُمُ الأعلون والله مَعَكُمْ﴾ فى هذا العلو، وهو يتعالى عن المكان لا عن المكانة". وعند قوله تعالى فى الآية [٨٧] وما بعدها من سورة البقرة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل﴾ ... . إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾

стр. 583

يقول: " ... والظاهر أن جبرائيل هو العقل الفعَّال، وميكائيل هو روح الفلك السادس وعقله المفيض للنفس النباتية الكلية الموكلة بأرزاق العباد، وإسرافيل هو روح الفلك الرابع وعقله المفيض للنفس الحيوانية الكلية الموكلة بالحيوانات، وعزرائيل هو روح الفلك السابع الموكل بالأرواح الإنسانية كلها يقبضها بنفسه أو بالوسائط التى هى أعوانه ويسلمها إلى الله تعالى". وعند قوله تعالى فى الآيتين [١٩-٢٠] من سورة الرحمن: ﴿مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ ... يقول: ﴿مَرَجَ البحرين﴾ بحر الهيولى الجسمانية الذى هو الملح الأُجاج، وبحر الروح المجرد الذى هو العذب الفُرات، ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ فى الوجود الإنسانى، ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ هو النفس الحيوانية التى ليست فى صفاء الروح المجرَّدة ولطافتها، ولا فى كثرة الأجساد الهيولانية وكثافتها، ﴿لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ لا يتجاوز أحدهما حده فيغلب على الآخر بخاصيته، فلا الروح يجرد البدن ويخرج به ويجعله من جنسه، ولا البدن يجسد الروح ويجعله مادياً ... سبحان خالق الخلق القادر على ما يشاء". * * تأثره فى تفسيره بنظرية وحدة الوجود كذلك نرى ابن عربى يتأثر فى تفسيره للقرآن بنظرية وحدة الوجود، التى هى أهم النظريات التى بنى عليها تصوفه، فنراه فى كثير من الأحيان يشرح الآيات على وفق هذه النظرية، حتى إنه ليخرج بالآية عن مدلولها الذى أراده الله تعالى. فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى أول سورة النساء: ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ... الآية، نجده يقول: ﴿اتقوا رَبَّكُمُ﴾ اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربكم، واجعلوا ما بطن منكم - وهو ربكم - وقاية لكم، فإن الأمر ذم وحمد، فكونوا وقايته فى الذم، واجعلوه وقايتكم فى الحمد تكونوا أدباء عالمين". وفى تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٢٩-٣٠] من سورة الفجر: ﴿فادخلي فِي عِبَادِي * وادخلي جَنَّتِي﴾ .. يقول: ﴿وادخلي جَنَّتِي﴾ التى هى سترى، وليست جنتى سواك، فأنت تسترنى بذاتك الإنسانية فلا أُعرف إلا بك، كما أنك لا تكون إلا بى، فمَن عرفك عرفنى، وأنا لا أُعرف فأنت لا تُعرف، فإذا دخلت جنته دخلت نفسك، فتعرف نفسك معرفة أُخرى، غير المعرفة التى عرفتها حين عرفتَ ربك بمعرفتك إياها، فتكون صاحب معرفتين: معرفة به من حيث أنت، ومعرفة به بك من

стр. 584

حيث هو لا من حيث أنت، فأنت عبد رأيتَ رباً، وأنت رب لمن له فيه أنت عبد، وأنت رب وأنت عبد لمن له فى الخطاب عهد" ... إلخ. وفى سورة آل عمران عند قوله تعالى فى الآية [١٩١] : ﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ ... يقول: "أى شيئاً غيرك، فإن غير الحق هو الباطل، بل جعلته أسماءك ومظاهر صفاتك، ﴿سُبْحَانَكَ﴾ ننزهك أن يُوجد غيرك، أى يُقارِن شىء فردانيتك يُثَنَّى وحدانيتك". ومثلاً عند قوله تعالى فى الآيتين [٩-١٠] من سورة الشمس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ ... يقول: "تحقيق هذا الذكر أن النفس لا تزكو إلا بربها، فيه تشريف وتعظيم فى ذاتها، لأن الزكاة ربو، فمن كان الحق سمعه وبصره وجميع قواه، والصورة فى الشاهد صورة خلق، فقد زكت نفس مَن هذا نعته، وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، كالأسماء الإلهية لله. والخلق كله بهذا النعت فى نفس الأمر، ولولا أنه هكذا فى نفس الأمر ما صح بصورة الخلق ظهور ولا وجود، ولذلك خاب مَن دسَّاها، لأنه جهل ذلك فتخيل أنه دسَّها فى هذا النعت، وما علم أن هذا النعت لنفسه نعت ذاتى لا ينفك عنه ويستحيل زواله. لذلك وصفه بالخيبة حيث لم يعلم هذا، ولذلك قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ ففرض له البقاء، والبقاء ليس إلا لله، أو لما كان عند الله، وما ثَمَّ إلا الله، أو ما هو عنده، فخزائنه غير نافدة، فليس إلا صور تعقب صوراً". وغير هذا كثير من قسر الآيات وإخضاعها لنظرية وحدة الوجود التى يدين بها ابن عربى. * * قياسه الغائب على الشاهد كذلك نجد ابن عربى يفهم بعض النصوص القرآنية فهماً خيالياً منتزعاً من المشاهد المحسوس، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى أول سروة الرحمن: ﴿الرحمان * عَلَّمَ القرآن * خَلَقَ الإنسان * عَلَّمَهُ البيان * الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ *والنجم والشجر يَسْجُدَانِ * والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان * وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان﴾ [الرحمن: ١-٩] . يقول ما نصه: ﴿الرحمان * عَلَّمَ القرآن﴾ على أي قلب نزل، ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ فعيَّن له الصنف المنزَّل عليه، ﴿عَلَّمَهُ البيان﴾ أى نزَّل له البيان، فأبان عن المراد الذى فى الغيب، ﴿الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ﴾ ميزان حركات الأفلاك، ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ لهذا الميزان، أى

стр. 585

من أجل هذا الميزان، فمنه ذو ساق وهو الشجر، ومنه ما لا طاق له وهو النجم، فاختلفت السجدتان، ﴿والسمآء رَفَعَهَا﴾ وهى قبة الميزان، ﴿وَوَضَعَ الميزان﴾ ليزن به الثقلان، ﴿أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان﴾ بالإفراط والتفريط من أجل الخسران، ﴿وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط﴾ مثل اعتدال نشأة الإنسان، إذ الإنسان لسان الميزان، ﴿وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان﴾ أى لا تفرطوا بترجيح إحدى الكفتين إلا بالفضل. وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الموازين القسط﴾ [الانبياء: ٤٧] .. فاعلم أنه، ما من صنعة ولا مرتبة ولا حال ولا مقام إلا والوزن حاكم عليه علماً وعملاً، فللمعانى ميزان بيد العقل يُسمى المنطق، يحتوى على كفَّتين تُسمى المقدمتين، وللكلام ميزان يُسمى النحو يُوزن به الألفاظ لتحقيق المعانى التى تدل عليه ألفاظ ذلك اللِّسان، ولكل ذى لسان ميزان وهو المقدار المعلوم الذى قرنه الله بإنزال الأرزاق فقال: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ١] ، ﴿ولاكن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ﴾ .. وقد خلق جسد الإنسان على صورة الميزان، وجعل كفَّتيه: يمينه وشماله، وجعل لسانه: قائمة ذاته. فهو لأى جانب مال، وقرن الله السعادة باليمين، وقرن الشقاء بالشمال، وجعل الميزان الذى يوزن بالأعمال على شكل القَبَّان، ولها وُصِفَ بالثقل والخفة، ليجمع بين الميزان العددى وهو قوله تعالى: ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ ، وبين ما يوزن بالرطل، وذلك لا يكون إلا فى القَبَّان، فلذلك لم يعيّن الكفَّتين، بل قال: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٢] فى حق السعداء، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٨] فى حق الأشقياء، ولو كان ميزان الكفتين لقال: وأما مَن ثقلت كفَّة حسناته فهو كذا، وأما مَن ثقلت كفَّة سيئاته فهو كذا. وإنما جعل ميزان الثقل هو عَيْن ميزان الخفة كصورة القَبَّان، ولو كان ذا كفَّتين لوصف كفَّة السيئات بالثقل أيضاً إذا رجحت على الحسنات، وما وصفها قط إلا بالخفة فعرفنا أن الميزان على شكل القَبَّان.. ". * * إخضاعه قواعد النحو لنظراته الصوفية وكذلك يخضع ابن عربى التفسير الصوفى النظرى إلى القواعد النحوية، أحياناً، ولكنه خضوع يكيفه الصوفى على حسب ما يرضى روحه ويوافق ذوقه، فنجد ابن عربى مثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٠] من سورة الحج: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ .. يقول: "وقوله: ﴿عِندَ رَبِّهِ﴾ العامل فى هذا الظرف فى طريقنا قوله: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ﴾ ، أي مَن يعظمها عند ربه، أى فى ذلك الموطن، فلتبحث فى المواطن التى تكون فيها عند ربك ما هى؟.. كالصلاة مثلاً، فإن المُصَلِّى يناجى ربه، فإذا عظَّم حُرمة الله فى هذا الموطن كان خيراً له.. والمؤمن إذا نام

стр. 586

على طهارة فروحه عند ربه، فيُعَظِّم هناك حُرمة الله، فيكون الخير الذى له فى مثل هذا الموطن المبشرة التى تحصل له فى نومه أو يراها له غيره. والمواطن التى يكون العبد فيها عند ربه كثيرة فيُعَظِّم فيها حُرمات الله على الشهود". * * التفسير الصوفى النظرى فى الميزان من هذه الأمثلة السابقة كلها نستطيع أن نقرر فى صراحة واطمئنان: أن التفسير الصوفى النظرى تفسير يخرج بالقرآن - فى الغالب - عن هدفه الذى يرمى إليه!!.. يقصد القرآن هدفاً معيناً بنصوصه وآياته، ويقصد الصوفى هدفاً معيناً بأبحاثه ونظرياته. وقد يكون بين الهدفين تنافر وتضاد، فيأبى الصوفى إلا أن يُحوِّل القرآن عن هدفه ومقصده، إلى ما يقصده هو ويرمى إليه، وغرضه بهذا كله: أن يروج لتصوفه على حساب القرآن، وأن يقيم نظرياته وأبحاثه على أساس من كتاب الله، وبهذا الصنيع يكون الصوفى قد خدم فلسفته التصوفية ولم يعمل للقرآن شيئاً، اللهم إلا هذا التأويل الذى كله شر على الدين وإلحاد فى آيات الله!! رأينا ابن عربى يميل ببعض الآيات إلى مذهبه القائل بوحدة الوجود، ورأينا غيره كأبى يزيد البسطامى، والحلاج، وغيرهما، يسلك هذا المسلك نفسه أو قريباً منه. ووحدة الوجود - عندهم - معناها أنه ليس هناك إلا وجود واحد كل العالَم مظاهر ومجال له، فالله سبحانه هو الموجود الحق، وكل ما عداه ظواهر وأوهام، ولا توصف بالوجود إلا بضرب من التوسع والمجاز، وهذه النظرية سرت إلى بعض المتصوفة عن طريق الفلاسفة، وعن طريق الإسماعيلة الباطنية الذين خالطوهم وأخذوا عنهم مذهبهم القائل بحلول الإله فى أئمتهم، وصوَّروه - أعنى الصوفية - بصورة أخرى تتفق مع مذهب الباطنية فى الحقيقة، وإن اختلفت فى الاصطلاح والألفاظ! هذا المذهب الذى خَوَّل لمثل الحلاج أن يقول: أنا الله، ولمثل ابن عربى أن يقول: إن عجل بنى إسرائيل أحد المظاهر التى اتخذها الله وحَلَّ فيها، والذى جرَّه فيما بعد إلى القول بوحدة الأديان لا فرق بين سماوى وغير سماوى، إذ الكل يعبدون الإله الواحد المتجلى فى صورهم وصور جميع المعبودات. هذا المذهب الذى يُذهب بالدين من أساسه.. هل يكون سائغاً ومقبولاً أن نجعله أصلاً نبنى عليه أفهامنا لآيات القرآن الكريم؟.. وهل يليق بابن عربى وهو الأستاذ

стр. 587

الأكبر، أن ينظر من خلاله إلى مثل قوله تعالى فى الآيتين [٦-٧] من سورة البقرة: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ . فيقول شارحاً لهذا النص القرآنى: "يا محمد؛ إن الذين كفروا ستروا محبتهم فى، دعهم فسواء عليهم أأنذرتهم بوعيدك الذى أرسلتك به، أو لم تنذرهم لا يؤمنون بكلامك، فإنهم لا يعقلون غيرى، وأنت تنذرهم بخلقى وهم ما عقلوه ولا شاهدوه، وكيف يؤمنون بك وقد ختمت على قلوبهم فلم أجعل فيها متسعاً لغيرى، وعلى سمعهم فلا يسمعون كلاماً فى العالَم إلا منى، وعلى أبصارهم عشاوة من بهائى عند مشاهدتى، فلا يبصرون سواى، ولهم عذاب عظيم عندى ... أردهم بعد هذا المشهد السنى إلى إنذارك وأحجبهم عنى، كما فعلتُ بك بعد قاب قوسين أو أدنى قُرْباً.. أنزلتك إلى مَن يُكّذِّبك، ويرد ما جئتَ به إليه منى فى وجهك، وتسمع فىَّ ما يضيق له صدرك، فأين ذلك الشرح الذى شاهدته فى إسرائك؟ فهكذا أمنائى على خلقى الذين أخفيتهم رضاى عنهم". وهل يجدر بمثل هذا الصوفى الكبير أن يتأثر بمذهبه فى وحدة الوجود فيقول فى قوله تعالى فى الآية [٢٣] من سورة الإسراء: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ : ".. فعلماء الرسوم يحملون لفظ "قضى" على الأمر، ونحن نحمله على الحكم كشفاً وهو الصحيح، فإنهم اعترفوا أنهم ما يعبدون هذه الأشياء إلا لتقربهم إلى الله زُلْفى، فأنزلهم منزلة النواب الظاهر بصورة مَن استنابهم، وما ثَمَّ صورة إلا الأُلوهية فنسبوها إليهم. ولهذا يقضى الحق حوائجهم إذا توسلوا بها إليه غيرة منه على المقام أن يُهتضم، وإن أخطأوا فى النسبة فما أخطأوا فى المقام، ولهذا قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ﴾ .. أى أنتم قلتم عنها إنها آلهة، وإلا فسَمُّوهم، فلو سموهم لقالوا: هذا حجر، أو شجر، أو ما كان، فتتميز عندهم بالإسمية، إذا ما كل حجر عُبِد ولا اتُخِذ إلهاً، ولا كل شجر، ولا كل جسم منير، ولا كل حيوان، فلله الحُجَّة البالغة عليهم بقوله: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ .. وأصرح من هذا أنه لما عرض لقوله تعالى فى الآية [١٦٣] من سورة البقرة: ﴿وإلاهكم إلاه وَاحِدٌ﴾ .. قال: "إن الله تعالى خاطب فى هذه الآية المسلمين، والذين عبدوا غير الله قُربة إلى الله، فما عبدوا إلا الله، فلما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى﴾ فأكدوا ذكر العِلَّة، فقال الله لنا: إن إلهكم والإله الذى يطلب

стр. 588

المشرك القُربة إليه بعبادة هذا الذى أشرك به واحد، كأنكم ما اختلفتم فى أحديته.. فقال: ﴿وإلاهكم﴾ فجمعنا وإياهم إله واحد، فما أشركوا إلا بسببه فيما أعطاهم نظرهم. ومَن قصد من أجل أمر ما فذلك الأمر على الحقيقة هو المقصود لا مَن ظهر أنه قصد، كما يقال: مَن صحبك لأمر أو أحبك لأمر ولَّى بانقضائه، ولهذا ذكر الله أنهم يتبرأون منهم يوم القيامة. وما أُخِذوا إلا من كونهم فعلوا ذلك من نفوسهم، لا أنهم جهلوا قدر الله فى ذلك، ألا ترى الحق لما علم هذا منهم كيف قال: ﴿وإلاهكم إلاه وَاحِدٌ﴾ ؟ ونبههم فقال: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ فيذكرونهم بأسمائهم المخالفة أسماء الله، ثم وصفهم بأنهم فى شركهم قد ضلُّوا ضلالاً بعيداً، أو مبيناً، لأنهم أوقعوا أنفسهم فى الحيرة، لكونهم عبدوا ما نحتوا بأيديهم، وعلموا أنه لا يسمع ولا يبصر ولا يُغنى عنهم من الله شيئاً، فهى شهادة من الله بقصور نظرهم وعقولهم. ثم أخبرنا الله أنه قضى ألا نعبد إلا إياه بما نسبوه من الأُلوهية لهم أى جعلوهم كالنوَّاب لله والوزراء كأن الله استخلفهم، ومن عادة الخليفة أن يكون فى رتبة مَن استخلفه عند المستخْلَف عليه، فلهذا نسبوا الأُلوهية لهم ابتداءً من غير نظر فيمن جعل ذلك. وقول مَن قال: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلاها وَاحِداً﴾ ، إنما كان من أجل اعتقادهم فيما عبدوه أنهم آلهة دون الله المشهود له عندهم بالعظمة على الجميع، فأشبه هذا القول ما ثبت فى الشرع الصحيح من اختلاف الصور فى التجلِّى، ومعلوم عند مَن يشاهد ذلك أن الصورة ما هى هذه الصورة، وكل صورة لا بد أن يقول المشاهد له: إنها الله. لكن لما كان هذا من عند الله، وذلك الآخر من عندهم أنكر عليهم التحكم فى ذلك، كما ثبت فى قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ .. هذا حقيقة، فوجه الله موجود فى كل جهة يتولَّى أحد إليها، ومع هذا لو تولَّى الإنسان فى صلاته إلى غير الكعبة مع علمه بجهة الكعبة لم تُقبل صلاته، لأنه ما شُرع له إلا استقبال هذا البيت الخاص بهذه العبادة الخاصة، فإذا تولَّى فى غير هذه العبادة التى لا تصح إلا بتعيين هذه الجهة الخاصة، فإن الله يقبل ذلك التولِّى، كما أنه لو اعتقد أن كل جهة يتولًَّى إليها ما فيها وجه الله لكان كافراً وجاهلاً، ومع هذا فلا يجوز له أن يتعدى بالأعمال حيث شرعها الله، ولهذا اختلفت الشرائع، فما كان محرَّماً فى شرع ما، حللَّه الله فى شرع آخر، ونسخ ذلك الحكم الأول فى ذلك المحكوم عليه بحكم آخر فى عَيْن ذلك المحكوم عليه، قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: ٤٨] ، فما نسخ من شرع واتبعه مَن اتبعَه بعد نسخه فذلك المسمى هوى النفس الذى قال الله فيه لخليفته داود: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ يعنى الحق الذى أنزلته إليك، ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى﴾ وهو ما خالف شرعك، ﴿فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ وهو ما شرعه الله لك على الخصوص. فإذا علمت هذا وتقرر لديك،

стр. 589

علمت أن الله إله واحد فى كل شرع عيناً، وكثير صورة وكوناً، فإن الأدلة العقلية تُكّثِّره باختلافها فيه، وكلها حق ومدلولها صدق، والتجلِّى فى الصورة كثرة أيضاً لاختلافها. والعين واحدة، فإذا كان الأمر هكذا فما تصنع؟ أو كيف يصح لى أن أُخَطِّئ قائلاً؟ ولهذا لا يصح الخطأ من أحد فيه، وإنما الخطأ فى إثبات الغير وهو القول بالشريك، فهذا القول بالعدم، لأن الشريك ليس ثَمَّ، وذلك لا يغفره الله، لأن الغفر الستر، ولا يُستر إلا مَن له وجود، والشريك عدم يُستر.. فهى كلمة تحقيق، ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ ، لأنه لا يجده. فلو وجده لصح وكان للمغفرة عَيْن تتعلق بها، وما فى الوجود مَن يقبل الأضداد إلا العالَم من حيث ما هو واحد، وفى هذا الواحد ظهرت الأضداد، وما هى إلا أحكام عَيْن الممكنات فى عَيْن الوجود التى بظهورها عُلِمت الأسماء الإلهية المتضادة وأمثالها". * * رأينا فى التفسير الصوفى النظرى ورأيى الذى أدين الله عليه: أن مثل هذا التفسير القائم على نظرية وحدة الوجود ما كان لنا أن نقبله مهما كان قائله. كذلك ليس لنا أن نقبل التفسير الذى أُسس على نظريات الفلاسفة الذين بحثوا فى الطبيعة وما وراء الطبيعة، والذى جرى عليه ابن عربى وغيره من المتصوِّفة فى تفسيرهم لبعض الآيات القرآنية. لا نقبله على أنه تفسير موافق لمراد الله تعالى ومقصوده الذى جاء القرآن من أجله، وإن كنا نقبله - إن صح - على أنه مما تحتمله الآية ما دام لا يعارض القرآن ولا ينافيه. على أن كل ما جاء من ذلك لا يعدو أن يكون ظنياً، وقد يظهر خطؤه فى يوم من الأيام، فكيف نحمل عليه القرآن الكريم الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟ أما التفسير الذى يُبنى على قياس الغائب على الشاهد كتفسير ابن عربى لحقيقة الميزان الذى تُوزن به الأعمال يوم القيامة، فهذا أيضاً ضرب من التخمين، والتخمين لا يجوز أن يدخل فى فهم الأشياء التى لا يُتوصل إلى حقيقتها إلا من طريق السمع عن المعصوم ﷺ . وأما التفسير الذى يبُنى على قواعد نحوية أو بلاغية، فهذا إن ساعده السياق والسباق قُبِل، وإلا أعرضنا عنه، وأخذنا بما يصححه النظر ويقويه الدليل. هذا هو رأينا فى التفسير الصوفى النظرى، وليس لدينا من المعاذير ما نستطيع أن نتلمسه للقوم حتى نصحح لهم مثل هذا التفسير الذى يقوم على نظريات فاسدة تذهب بالدين من أساسه. وإذا صح - وما أرانى أرتضى ذلك - أن نغض الطرف عما

стр. 590

قالوه فى التفسير من بيان لحقائق الموجودات علويها وسفليها، وحقائق الملائكة، والروح، والعرش، والكرسى، وأمثال ذلك، فلا يصح أن نغض الطرف بحال عما قالوه من التفسير المبنى على وحدة الوجود. وإذا أمكننا - على كره - أن نتسامح فى بعض عبارات شديدة جرى بها لسان صوفى أخذه الوَجد، وارتفع به الحال، وغاب عن نفسه، وشاهد ما لا نشاهد، فقال فى لحظة نسى فيها نفسه فلم ير إلا الله: أنا الحق، أو أنا الله، فليس فى مقدورنا أن نتسامح فى مثل هذه التفاسير التى جرت بها ألسنة القوم وأقلامهم وهم فى حالة الهدوء النفسى، يُقَدِّرون ما يقولون، ويشعرون بكل ما ينطقون أو يكتبون. هذا.. ولم نسمع بأن أحداً ألَّف فى التفسير الصوفى النظرى كتاباً خاصاً يتتبع القرآن آية آية، كما أُلِّفَ مثل ذلك بالنسبة للتفسير الإشارى، وكل ما وجدناه من ذلك هو نصوص متفرقة اشتمل عليها التفسير المنسوب إلى ابن عربى، وكتاب "الفتوحات المكية" له، وكتاب "الفصوص" له أيضاً، كما يوجد بعض من ذلك فى كثير من كتب التفسير المختلفة المشارب. * * *

стр. 591

ثانياً: التفسير الصوفى الفيضي او الإشارى حقيقته التفسير الفيضى أو الإشارى.. هو تأويل آيات القرآن الكريم على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظاهر المرادة. * * الفرق بينه وبين التفسير الصوفى النظرى وعلى هذا فالفرق بين التفسير الصوفى الإشارى والتفسير الصوفى النظرى من وجهين. أولاً: أن التفسير الصوفى النظرى، ينبنى على مقدمات علمية تنقدح فى ذهن الصوفى أولاً، ثم يُنزل القرآن عليها بعد ذلك. أما التفسير الإشارى.. فلا يرتكز على مقدمات علمية، بل يرتكز على رياضة روحية يأخذ بها الصوفى نفسه حتى يصل إلى درجة تنكشف له فيها من سجف العبارات هذه الإشارات القدسية، وتنهل على قلبه من سُحُب الغيب ما تحمله الآيات من المعارف السبحانية. ثانياً: أن التفسير الصوفى النظرى، يرى صاحبه أنه كل ما تحتمله الآية من المعانى، وليس وراءه معنى آخر يمكن أن تُحمل الآية عليه..، هذا بحسب طاقته طبعاً. أما التفسير الإشارى.. فلا يرى الصوفى أنه كل ما يُراد من الآية، بل يرى أن هناك معنى آخر تحتمله الآية ويُراد منها أولاً وقبل كل شىء، وذلك هو المعنى الظاهر الذى ينساق إليه الذهن قبل غيره. * * هل للتفسير الإشارى أصل شرعى ؟ ربما يجول القارئ الكريم هذا السؤال وهو: هل للتفسير الإشارى أصل شرعى يقوم عليه. أو هو أمر جَدَّ بعد ظهور المتصوفة وذيوع طريقتهم؟ وللجواب عن هذا السؤال نقول: لم يكن التفسير الإشارى بالأمر الجديد فى إبراز معانى القرآن الكريم، بل هو أمر معروف من لدن نزوله على رسول الله ﷺ .. أشار إليه القرآن، ونبَّه عليه الرسول ﵊، وعرفه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وقالوا به. أما إشارة القرآن إليه، ففى قوله تعالى فى الآية [٧٨] من سورة النساء: ﴿فَمَالِ هاؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ ، وقوله فى الآية [٨٢] منها أيضاً: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً﴾ ، وقوله فى الآية [٢٤] من سورة محمد ﵇: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾

стр. 592

فهذه الآيات كلها تشير إلى أن القرآن له ظهر وبطن. وذلك لأنّ الله حيث ينعى على الكفار أنهم لا يكادون يفقهون حديثاً، ويحضهم على التدبر فى آيات القرآن الكريم لا يريد بذلك أنهم لا يفهمون نفس الكلام، أو حضهم على فهم ظاهره، لأن القوم عرب، والقرآن لم يخرج عن لغتهم فهم يفهمون ظاهره ولا شكّ. وإنما أراد بذلك أنهم لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، وحضَّهم على أن يتدبروا فى آياته حتى يقفوا على مقصود الله ومراده، وذلك هو الباطن الذى جهلوه ولم يصلوا إليه بعقولهم. وأما تنبيه الرسول ﷺ ، فذلك فى الحديث الذى أخرجه الفريابى من رواية الحسن مرسلاً عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع"، وفى الحديث الذى أخرجه الديلمى من رواية عبد الرحمن بن عوف مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ أنه قال: "القرآن تحت العرش، له ظهر وبطن يُحاج العباد". ففى هذين الحديثين تصريح بأن القرآن له ظهر وبطن. ولكن ما هو الظهر وما هو البطن؟ اختلف العلماء فى بيان ذلك: فقيل: ظاهرها - أى الآية - لفظها. وباطنها: تأويلها. وقال أبو عبيدة: إن القَصص التى قصَّها الله تعالى عن الأُمم الماضية وما عاقبهم به ظاهرها الإخبار بهلاك الأوَّلين، وحديث حَدَّث به عن قوم، وباطنها وعظ الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم، فيحل بهم مثل ما حلَّ بهم.. ولكن هذا خاص بالقَصص، والحديث يعم كل آية من آيات القرآن. وحكى ابن النقيب قولاً ثالثا: وهو أن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم، وبطنها ما تضمنته من الأسرار التى أطلع الله عليها أهل الحقائق. هذا هو أشهر ما قيل فى معنى الظهر والبطن.. وأما قوله فى الحديث الأول: "ولكل حرف حد"، فمعناه على ما قيل: لكل حرف حد، أى منتهى فيما أراد الله من معناه، أو لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب. والأول أظهر، وقوله: "ولكل حد مطلع"، معناه على ما قيل أيضاً: لكل غامض من المعانى والأحكام مطلع يُتوصل به إلى معرفته ويوقف على المراد به. وقيل: كل ما يستحقه من الثواب والعقاب يطلع عليه فى الآخرة عند المجازاة، والأول أظهر أيضاً. وأما الصحابة فقد نُقِل عنهم من الأخبار ما يدل على أنهم عرفوا التفسير الإشارى وقالوا به، أما الروايات الدالة على أنهم يعرفون ذلك فمنها:

стр. 593

ما أخرجه ابن أبى الحاتم من طريق الضحَّاك عن ابن عباس أنه قال: "إن القرآن ذو شجون وفنون، وظهور وبطون، لا تنقضى عجائبه، ولا تُبلغ غايته، فمَن أوغل فيه برفق نجا، ومَن أخبر فيه بعنف هوى، أخبار وأمثال، وحلال وحرام، وناسخ ومنسوخ، ومُحكم ومتشابه، وظهر وبطن، فظهره التلاوة، وبطنه التأويل، فجَالِسُوا به العلماء، وجَانِبُوا به السفهاء". وروى عن أبى الدرداء أنه قال: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوهاً". وعن ابن مسعود أنه قال: "مَن أراد علم الأوَّلين والآخرين فليَثَوِّر القرآن". وهذا الذى قالوه لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر. وأما الروايات الدالة على أنهم فسَّروا القرآن تفسيراً إشارياً، فما رواه البخارى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال: "كان عمر يُدخلنى مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وَجَدَ فى نفسه فقال: لِمَ تُدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه مَن حيث علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعانى يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون فى قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: ١] .. فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً، فقال لى: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له قال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ وذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر: ٣] .. فقال عمر: ما أعلم منها إلا مَا تقول". فبعض الصحابة لهم يفهم من السورة أكثر من معناها الظاهر، أما ابن عباس وعمر، فقد فهما معنى آخر وراء الظاهر، هو المعنى الباطن الذى تدل عليه السورة بطريق الإشارة. وأيضاً ما ورد من أنه لما نزل قوله تعالى فى الآية [٣] من سورة المائدة: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ .. فرح الصحابة وبكى عمر رضى الله تعالى عنه وقال: ما بعد الكمال إلا النقص، مستشعراً نعيه ﵊، فقد أخرج ابن أبى شيبة: "أن عمر رضى الله تعالى عنه لما نزلت الآية بكى، فقال النبى ﷺ : "ما يبكيك"؟ قال: أبكانى أنَّا كنا فى زيادة من ديننا، فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شئ قط إلا نقص، فقال ﵊: "صدقت".

стр. 594

فعمر رضى الله عنه أدرك المعنى الإشارى: وهو نعى رسول الله ﷺ ، وأقرَّه النبى على فهمه هذا.. وأما باقى الصحابة، فقد فرحوا بنزول الآية، لأنهم لم يفهموا أكثر من المعنى الظاهر لها. هذه الأدلة مجتمعة تعطينا أن القرآن الكريم له ظهر وبطن.. ظهر يفهمه كل مَن يعرف اللِّسان العربى.. وبطن يفهمه أصحاب الموهبة وأرباب البصائر. غير أن المعانى الباطنية للقرآن لا تقف عند الحد الذى تصل إليه مداركنا القاصرة، بل هى أمر فوق ما نظن وأعظم مما نتصور. ولقد فهم ابن مسعود أن فى فهم معانى القرآن مجالاً رحباً ومتسعاً بالغاً فقال: "مَن أراد علم الأوَّلين والآخرين فليُثَوِّر القرآن" وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ، وقال: ﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يفترى ولاكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ . [يوسف: ١١١] . * * التفاوت فى إدراك المعانى الباطنة وإصابتها غير أن هذه المعانى المتكاثرة التى يشتمل عليها باطن القرآن لم تكن فى متناول المفسِّرين جميعاً، كما أنهم لم يكونوا متساوين فى القدر الذى أدركوه منها، بل تفاوتوا فى ذلك بمقدار ما بينهم من تفاوت فى الأخذ بالأسباب، كما أنهم لم يكونوا جميعاً مصيبين فيما وصلوا إليه منها وأدركوه، بل أصابوا فى بعض منها وأخطأوا في بعض آخر، وما أخطأوا فيه: بعضه عن جهل، وبعضه عن تعمد خبيث ونية سيئة، فالإمامية مع قولهم بالظاهر على ما به، قالوا بالباطن أيضاً، ولكنهم تعمدوا أن يُفسِّروا الباطن على ما يتفق وعقيدتهم الفاسدة.. والباطنية لم يعترفوا بظاهر القرآن واعترفوا بالباطن فقط ولكنهم أيضاً تعمدوا أن يُفسِّروا الباطن على ما يتفق ونواياهم السيئة، وكلا الفريقين ضال مبتدع. أما الصوفية.. أهل الحقيقة وأصحاب الإشارة، فقد اعترفوا بظاهر القرآن ولم يجحدوه، كما اعترفوا بباطنه، ولكنهم حين فسَّروا المعانى الباطنة خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فبينما تجد لهم أفهاماً مقبولة سائغة، تجد لهم بجوارها أفهاماً لا يمكن أن يقبلها العقل أو يرضى بها الشرع، ولهذا أرى أن أستعرض بعض ما للقوم من أفهام فى التفسير، ثم أحكم عليها حكماً مجرداً عن كل شئ إلا عن الحق والإنصاف، ثم بعد هذا أذكر شروط التفسير الإشارى، وهى الشروط التى إذا توافرت فيه جاز لنا قبوله والأخذ به، وإلا أسقطناه ورفضناه مهما كان لقائله من المكانة فى نفوسنا أو فى نفوس القوم. * * التفسير الإشارى فى الميزان قلنا: إن القرآن له ظهر وبطن، وذكرنا لك أهم الأقوال فى معنى الظاهر والباطن،

стр. 595

ومهما يكن من شىء فإن ظاهر القرآن - وهو المنزَّل بلسان عربى مبين - هو المفهوم العربى المجرَّد. وباطنه هو مراد الله تعالى وغرضه الذى يقصد إليه من وراء الألفاظ والتراكيب، هذا هو خير ما يقال فى معنى الظاهر والباطن. وعلى ذلك نقول: إن كل ما كان من المعانى العربية التى لا ينبنى فهم القرآن إلا عليها داخل تحت الظاهر، فالمسائل البيانية، والمنازع البلاغية، لا معدل لها عن ظاهر القرآن، فإذا فهم الإنسان مثلاً الفرق بين "ضَيِّق" فى قوله تعالى فى الآية [١٢٥] من سورة الأنعام: ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء﴾ .. وبين "ضائق" فى قوله تعالى فى الآية [١٢] من سورة هود: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ .. وعرف أن "ضيِّق" صفة مشبهة دالة على الثبوت والدوام فى حق مَن يُرد الله أن يضله، وأن "ضائق" اسم فاعل يدل على الحدوث والتجدد وأنه أمر عارض له ﷺ . إذا فهم الإنسان مثل هذا فقد حصل له فهم ظاهر القرآن. إذن فلا يُشترط فى فهم ظاهر القرآن زيادة على الجريان على اللِّسان العربى، وإذن كل معنى مستنبَط من القرآن غير جار على اللِّسان العربى فليس من تفسير القرآن فى شئ.. لا مما يُستفاد منه ولا مما يُستفاد به. ومَن ادَّعى فيه ذلك فهو مبطل فى دعواه. أما المعنى الباطن، فلا يكفى فيه الجريان على اللِّسان العربى وحده. بل لا بد فيه مع ذلك من نور يقذفه الله تعالى فى قلب الإنسان يصير به نافذ البصر سليم التفكير، ومعنى هذا أن التفسير الباطن ليس أمراً خارجاً عن مدلول اللَّفظ القرآنى، ولهذا اشترطوا لصحة المعنى الباطن شرطين أساسيين: أولهما: أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر فى لسان العرب بحيث يجرى على المقاصد العربية. وثانيهما: أن يكون له شاهد نصاً أو ظاهراً فى محل آخر يشهد لصحته من غير معارض. أما الشرط الأول.. فظاهر من قاعدة كون القرآن عربياً، فإنه لو كان له فهم لا يقتضيه كلام العرب لم يوصف بكونه عربياً بإطلاق، ولأنه مفهوم يلصق بالقرآن وليس فى ألفاظه ولا فى معانيه ما يدل عليه، وما كان كذلك فلا يصح أن يُنسب إليه أصلاً، إذ ليست نسبته إليه على أنه مدلوله أولى من نسبة ضده إليه. ولا مرجح يدل على أحدهما، فإثبات أحدهما تَحَكُّمٌ وتَقَوُّلٌ على القرآن ظاهر، وعند ذلك يدخل قائله تحت إثم مَن قال فى كتاب الله بغير علم.

стр. 596

وأما الشرط الثانى: فلأنه إن لم يكن له شاهد فى محل آخر أو كان وله معارض صار من جملة الدعاوى التى تُدَّعى على القرآن، والدعوى المجرَّدة عن الدليل غير مقبولة باتفاق العلماء. إذا توافر هذان الشرطان فى معنى من المعانى الباطنة قُبِل، لأنه معنى باطن صحيح، وإلا رُفِض رفضاً باتاً، لأنه معنى باطن فاسد وتَقَوُّلٌ على الله بالهوى والتشهى. إذا عرفنا هذا كله ثم ذهبنا نستعرض على ضوئه أقوال القوم فى معانى القرآن الباطنة، وجدنا الكثير منها يمكن أن يكون من قبيل الباطن الصحيح، وكثير منها أيضاً هو من قبيل الباطن الفاسد المرفوض، وكبرى المشاكل أن بعضها منسوب إلى رجال من أهل العلم لهم مكانة علمية ودينية فى نفوسنا، بل وبعضها منسوب إلى رجال من الصحابة، وهم أعرف الناس بكتاب الله وما يحويه من المعانى والأسرار. فمن الأفهام الباطنة المنقولة عنهم ويمكن أن تكون من قبيل الباطن الصحيح المقبول: ما جاء فى قوله تعالى فى الآية [٢٢] من سورة البقرة: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .. من قول سهل التسترى ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ أى أضداداً، فأكبر الأضداد: النفس الأمَّارة بالسوء، المتطلعة إلى حظوظها ومناها بغير هدى من الله". فهذا القول من سهل يشير إلى أن النفس الأمَّارة داخلة تحت عموم الأنداد حتى لو فصَّل لكان المعنى: فلا تجعلوا لله أنداداً لا صنماً، ولا شيطاناً، ولا النفس، ولا كذا، ولا كذا.. وهذا مشكل من حيث الظاهر، لأن سياق الآية وما يحف بها من قرائن يدل على أن الأنداد مراد بها كل ما يعبد من دون الله، سواء أكان صنماً أم غير صنم، أما الأنفس فلم تكن معبودة لهم، ولم يُعرف أنهم اتخذوها أرباباً من دون الله، ومع هذا فيمكن أن يكون لهذا التفسير وجه صحيح، وبيان ذلك: إن الناظر فى القرآن الكريم، قد يأخذ من معنى الآية معنى باب الاعتبار، فيُجرية فيما لم تنزل فيه الآية، لأنه يجامعه فى القصد أو يقاربه، وسهل التسترى ﵀ حيث قال فى الآية ما قال، لم يرد أنه تفسير للآية، بل أتى بما هو ند فى الاعتبار الشرعى، وذلك لأن حقيقة الند: أنه المضاد لنده، الجارى على مناقضته، والنفس الأمَّارة هذا شأنها، لأنها تأمر صاحبها بمراعاة حظوظها، لاهية أو صادَّة عن مراعاة حقوق خالقها، وهذا هو الذى يعنى به الند بالنسبة لنده، لأن الأصنام نصبوها لهذا المعنى بعينه، وعلى هذا فلا غبار على قول سهل فى الآية، بل وهناك ما يشهد له من الجهتين -

стр. 597

جهة حمل الأنداد على الأنفس الأمَّارة - اعتباراً، وجهة كون الخطاب - وإن كان موجهاً للمشركين - فيه لأهل الإسلام نظر واعتبار. أما ما يشهد له من الجهة الأولى: فقوله تعالى فى الآية [٣١] من سورة التوبة: ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله﴾ .. وظاهر أنهم لم يعبدوهم من دون الله، ولكنهم ائتمروا بأوامرهم، وانتهوا عما نهوهم عنه كيف كان، فما حرَّموا عليهم حرَّموه، وما أباحوا لهم حلَّلوه، وفاتهم أن المحلِّل والمحرِّم هو الله، فقال الله سبحانه: ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله﴾ . وهذا بعينه هو شأن المتبع لهوى نفسه. وأما ما يشهد له من الجهة الثانية، فهو أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لبعض مَن توسَّع فى الدنيا من أهل الإيمان: أين تذهب بكم هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ ؟ وكان هو يعتبر نفسه بها، مع أن الآية نزلت فى حق الكفار لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوْا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ .. الآية، فعمر رضى الله عنه، له فى الآية، فعمر رضى الله عنه، له فى الآية نظر واعتبار، فأخذ من معناها معنى أجرى الآية فيه وإن لم تنزل فيه، حذراً منه وخوفاً أن يكون التوسع فى المباحات سبباً فى الحرمان من نعيم الآخرة ومتاعها، فإذا صح لعمر رضى الله عنه أن يُنزل الآية على المتوسعين فى المباحات من المؤمنين ولم تنزل فيهم، صحَّ لسهل أيضاً أن يُنزل الآية على النفس الأمَّارة وإن لم تنزل فيها كذلك. ومن ذلك أيضاً ما جاء فى قوله تعالى فى الآية [٣٥] من سورة البقرة: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هاذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين﴾ .. من قول سهل ﵀: "لم يرد الله معنى الأكل فى الحقيقة، وإنما أراد معنى مساكنة الهمة لشئ هو غيره.. أى لا تهتم بشئ هو غيرى. قال: فآدم ﵇ لم يعصم من الهمة والفعل فى الجنة، فلحقه ما لحقه من أجل ذلك. قال: وكذلك كل من ادَّعى ما ليس له وساكنه قلبه ناظراً إلى هوى نفسه، لحقه الترك من الله مع ما جُبِلت عليه نفسه إلا أن يرحمه الله، فيعصمه من تدبيره وينصره على عدوه وعليها.. قال: وآدم لم يُعْصَم عن مساكنة قلبه إلى تدبير نفسه للخلود لما أُدْخِلَ الجنة، ألا ترى أن البلاء دخل عليه من أجل سكون القلب إلى ما وسوست به نفسه، فغلب الهوى والشهوة العلم والعقل والبيان ونور القلب، لسابق القدر من الله تعالى، كما قال ﵇، "الهوى والشهوة يغلبان العلم والعقل". وبالنظر فى كلام سهل هذا نرى أنه ادَّعى فى الآية خلاف ما ذكره المفسِّرون من أن

стр. 598

المراد النهى عن نفس الأكل، لا عن سكون الهمة لغير الله. وإن كان هذا منهياً عنه أيضاً، لكن يمكن أن يكون لهذا الكلام الذى قاله سهل وجه يجرى عليه، وذلك أن النهى فى الآية لا يصح حمله على نفس القُرْب مجرَّداً، إذ لا مناسبة فيه ظاهرة، ولأنه لم يقل به أحد، وإنما النهى عن معنى فى القرب وهو إما التناول والأكل. وإما غيره وهو شىء ينشأ الأكل عنه، وذلك مساكنة الهمة، فإنه الأصل فى تحصيل الأكل، ولا شك فى أن السكون لغير الله لجلب منفعة أو دفع مفسدة منهى عنه. فهذا التفسير له وجه ظاهر فكأنه يقول: لم يقع النهى عن مجرد الأكل من حيث هو أكل، بل عما ينشأ عنه الأكل من السكون لغير الله، إذ لو انتهى عما نهى الله عنه لكان ساكناً لله وحده، فلما لم يفعل وسكن إلى أمر فى الشجرة غرَّه به الشيطان وهو الخلود فى الجنَّة، أضاف الله إليه لفظ العصيان فقال فى الآيتين [١٢١-١٢٢] من سورة طه: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى * ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهدى﴾ .. مثل هذا - وهو كثير فى كلام الصوفية - لا نعدم له وجهاً نحمله عليه حتى يكون تفسيراً صحيحاً ومقبولاً. ولكن هناك أقوال لهم فى التفسير الإشارى يقف أمامها العقل حائراً وعاجزاً عن تلمس محمل لها تُحمل عليه حتى تبدو صحيحة وتصبح مقبولة، فمن ذلك: ما يروونه عن ابن عباس أنه فسَّر ﴿آلم﴾ فقال: "الألف: الله، واللام: جبريل، والميم: محمد ﷺ ... وأن الله أقسم بنفسه وجبريل ومحمد ﵉". وهذا إن صح نقله فهو مشكل إلى حد بعيد، ذلك لأن الإشارة إلى الكلمة بحرف ليس معهوداً فى كلام العرب. اللَّهم إلا إن دل عليه الدليل اللفظى أو الحالى كقول الشاعر: فقلت لها قفى فقالت قاف أراد: قالت: وقفت. وقول زهير: بالخير خيرات وإن شراً فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا أراد: وإن شراً فشر، وأراد: إلا أن تشاء. وقول الآخر: نادوهموا ألا الجموا ألا تا ... قالوا جميعاً كلهم ألا فا أراد: ألا تركبون. قالوا: ألا فاركبوا.

стр. 599

وقوله ﵊: "كفى بالسيف شا" أراد: شافياً. ... ولكن أين الدليل على ما ذكر فى قوله: ﴿آلم﴾ ؟ على أنه لم يقم دليل من الخارج يدل على هذا التفسير، إذ لو كان له دليل لاقتضت العادة نقله، لأنه من المسائل التى تتوفر الدواعى على نقلها لو صح أنه مما يُفسر ويُقصد تفهيم معناه ... ولما لم يثبت شىء من ذلك دل على أنه من قبيل المتشابهات، فإن ثبت له دليل عليه صرنا إليه وإلا توقفنا. ومثل هذا المروى عن ابن عباس - ولعله أشكل منه - ما قاله سهل التسترى فى تفسيره للبسملة حيث قال: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .. الباء: بهاء الله ، والسين: سناء الله ، والميم: مجد الله ، والله: هو الاسم الأعظم الذى حوى الأسماء كلها، وبين الألف واللام منه حرف مكنى غيب من غيب إلى غيب، وسر من سر إلى سر، وحقيقة من حقيقة إلى حقيقة، لا ينال فهمه إلا الطاهر من الأدناس، الآخذ من الحلال قواماً ضرورة الإيمان، والرحمن: اسم فيه خاصية من الحرف المكنى بين الألف واللام، والرحيم: هو العاطف على عباده بالرزق فى الفرع، والابتداء فى الأصل، رحمة لسابق علمه القديم". وما فسَّر به ﴿آلم﴾ . فاتحة البقرة وهو قوله: ﴿آلم﴾ اسم الله ، فيه معان وصفات يعرفها أهل الفهم به، غير أن لأهل الظاهر فيه معان كثيرة، فأما هذه الحروف إذا انفردت، فالألف: تأليف الله . ألَّفَ الأشياء كما شاء، واللام: لطفه القديم، والميم: مجده العظيم"، وقال: "لكل كتاب أنزله الله تعالى سر، وسر القرآن فواتح السور، لأنها أسماء وصفات، مثل قوله: ﴿آلمص﴾ ، و ﴿آلر﴾ ، و ﴿آلمر﴾ ، و ﴿كهيعص﴾ ، و ﴿حمعسق﴾ ، و ﴿طسم﴾ ، فإذا جمعت هذه الحروف بعضها إلى بعض كانت اسم الله الأعظم، أى إذا أخذ من كل سورة حرف على الولاء، أى على ما أنزلت السورة وما بعدها على النسق: ﴿آلم﴾ ، و ﴿حم﴾ ، و ﴿ن﴾ معناه: الرحمن. وقال ابن عباس والضحَّاك: ﴿آلم﴾ : معناه أنا الله أعلم. وقال علىّ رضى الله عنه: هذه أسماء مقطعة، إذا أخذ من كل حرف حرفاً لا يشبه صاحبه فجُمِعن كان اسم من أسماء الرحمن، إذا عرفوه ودعوه به كان الاسم الأعظم الذى إذا دُعِىَ به أجاب". وكما قاله أبو عبد الرحمن السلمى فى تفسير: ﴿آلم﴾ فاتحة البقرة وهو قوله: ﴿آلم﴾ .. قيل: إن الألف ألف الوحدانية، واللام: لام اللطف، والميم: ميم المُلْك، معناه: مَن وجدنى على الحقيقة بإسقاط العلائق والأغراض تلطَّفتُ له.. فأخرجته من

стр. 600

رِقِّ العبودية إلى الملأ الأعلى، وهو الاتصال بمالك المُلْك، دون الاشتغال بشىء من الملك ... وقيل: ﴿آلم﴾ .. معنى الألف: أى أفرد سرك، واللام: ليت جوارحك لعبادتى، والميم: أقم معى بمحو رسومك وصفاتك، أزينك بصفات الأُنس بى، والمشاهدة إياى، والقُرْب منى". فهذا الذى قاله سهل التسترى والذى قاله أبو عبد الرحمن السلمى مشكل كالمروى عن ابن عباس، بل وأعظم منه إشكالاً حيث ادَّعوا أن هذه الحروف ترمز إلى أسرار غيبية ومعان مكنية، وإذا جُمعت هذه الحروف على طريقة مخصوصة كان كذا وكذا، بل ويدَّعون أحياناً أن هذه الحروف هى أصل العلوم ومنبع المكاشفات على أحوال الدنيا والآخرة، وينسبون ذلك إلى أنه مراد الله تعالى فى خطابه العرب الأُميِّة التى لا تعرف شيئاً من ذلك، وهذه كلها دعاوى يدَّعونها على القرآن، ولا أحسب أنهم استندوا فيها إلى دليل برهانى أو إقناعى، وكل ما أقوله فيها: إنها دعاوى محالة على الكشف والاطلاع، ودعوى الكشف والاطلاع لا تصلح دليلاً شرعياً بحال من الأحوال. ومن المواضع المشكلة أيضاً، ولكنها أخف إشكالاً مما مَرَّ.. ما جاء عنهم من نحو تفسير سهل التسترى لقوله تعالى فى الآية [٩٦] من سورة آل عمران: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ ... الآية، بقوله: "أول بيت وُضِعَ للناس بيت الله بمكةَ، هذا هو الظاهر، وباطنها: الرسول يؤمن به مَن أثبت الله فى قلبه التوحيد من الناس". ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٦] من سورة النساء: ﴿والجار ذِي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل﴾ .. حيث يقول - بعد ذكره للتفسير بالظاهر: "وأما باطنها، فالجار ذى القُربَى: هو القلب، والجار الجُنُب: هو الطبيعة، والصاحب بالجَنب: هو العقل المقتدى بالشريعة، وابن السبيل: هو الجوارح المطيعة لله". وتفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤١] من سورة الروم: ﴿ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر﴾ .. بقوله: "مَثَّلَ الله الجوارح بالبر، ومَثَّل القلب بالبحر، وهم أعم نفعاً وأكثر خطراً، هذا هو باطن الآية، ألا ترى أن القلب إنما سُمِّى قلباً لتقلبه وبُعْد غوره"؟ وتفسير ابن عطاء الله السكندرى لقوله تعالى فى الآية [٣٣] من سورة يس: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ بقوله: "القلوب
следующие страницы →