Полный текст (774 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
مفسرو أهل السُّنَّة من الظواهر فليس فى زعمه من المعانى التى يرمى إليها القرآن، وفى هذا يقول ما نصه:
" ... لو كان معانى آيات القرآن ما هو ظاهر يعرفه كل مَن يعرف اللُّغة العربية، ويتلذذ منه كل مَن له إلمام بالعلوم الأدبية، كيف يتم هذا القول - يريد قول رسول الله ﷺ فى شأن القرآن: "إنه لا تنقضى عجائبه" - وكيف يصدق قول الله فى الآية [٧] من سورة آل عمران: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم﴾ .
* *
إنتاج البابية والبهائية فى التفسير، ومثل من تأويلاتهم الفاسدة
ولكن هل وصل إلى أيدينا شىء من كتب هذه الطائفة فى تفسير القرآن؟ لم نسمع ولم نقرأ أنهم ألَّفوا تفسيراً متناولاً للقرآن آية آية، وإنما قرأنا أن رئيسهم الأول فسَّر سورة البقرة، وسورة الكوثر، ولكن لم يصل إلى أيدينا شىء من ذلك، وكل ما وصل إلينا هو نبذ من تفسيره، وتفسير بعض أشياعه ودعاته، قرأناها فى كتبهم أنفسهم، وفى الكتب والمقالات التى كتبت عنهم، وهذه النبذ مع قِلَّتها تصور لنا مقدار تهجمهم على تحريف القرآن الكريم، والميل بنصوصه إلى ما يُرضى أهواءهم، ويُشبع أطماعهم. وإليك بعض التأويلات، لتقف بنفسك على مقدار هذيان القوم، وتلاعبهم بالقرآن وبالعقول!!
*من تأويلات الباب:
فسَّر الباب سورة يوسف، فمشى فيها على طريقة التأويل الذى لا يقره الشرع ولا يقبله العقل، ولا يمكن أن يفهمه إلا مَن يفهم لغة المبرسمين كما قيل.
وإليك بعض ما قاله الباب في تفسيره لسورة يوسف، لتقف على مقدار هذيانه، وتلاعبه بالنصوص القرآنية:
عند قوله تعالى فى الآية: [٤] : ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ ياأبت إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ... يقول ما نصه: "وقد قصد الرحمن من ذكر يوسف نفس الرسول، وثمرة البتول، حسين ابن عليّ بن أبى طالب مشهوداً.. إذا قال حسين لأبيه يوماً: إنى رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم بالإحاطة على الحق لله القديم سُجَّاداً ... وإن الله قد أراد بالشمس فاطمة، وبالقمر محمداً، وبالنجوم أئمة الحق فى أُمِّ الكتاب معروفاً، فهم الذين يبكون على يوسف بإذن الله سُجَّداً وقياماً".
وفى قوله تعالى فى الآية: [٥] : ﴿قَالَ يابني لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ على إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ
стр. 527
لَكَ كَيْداً إِنَّ الشيطان لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ .. يقول ما نصه: "إذ قال علىّ: يا بُنَيَّ لا تُخبر مما أراك الله من أمرك إخوتك ترحماً على إلفهم، وصبراً لله تعالى، وهو الله كان عزيزاً حميداً. إن كنت تخبر من أمرك فى بعض مما قضى الله فيك، فيكيدوا لك كيداً، بأن يقتلوا أنفسهم فى محبة الله من دون نفسك الحق شهيداً، وإن الله لوجهك بدمك محمراً على الأرض بالحق على الحق صبيغاً، وإن الله قد شاء كما شاء أن يراك مخضباً شعرك من دمك ونفسك على الأرض على غير الحق لدى الحق قتيلاً. وجسمك على الأرض عرياً. وإن الله شاء كما شاء بأن يرى بناتك وحريمك فى أيدى الكافرين أسيراً.
وعند قوله تعالى فى الآية [٨] : ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إلى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ .. يقول ما نصه: ".. إذ قالوا حروف لا إله إلا الله. وأن يوسف أحب إلى أبينا منا بما قد سبق من علم الله حرفاً مستسراً بالسر مُقنَّعاً على السر محتجباً في سطر، غايباً في سر السر مرتفعاً عما فى الدنيا وأيدى العالَمين جميعاً. وإنَّا نحن عصبة فيما أراد الله فى شأن يوسف النبى محمد العربى حول السطر مسطوراً. وإن الله قد فضَّل أبانا بفضل نفسه وقدر الله سر المستسر من سر أمره بما فى أيدى العالمين بالكشف المبين على أهل النار من سر "الباء" ضلالاً ... إلخ.
**
*من تأويلات بهاء الله:
ويروى بهاء الله أن ما ورد فى القرآن عن الصراط، والزكاة، والصيام، والحج، والكعبة، والبلد الحرام، وما إلى ذلك، كله لا يراد به ظاهره وإنما يراد به الأئمة. وفى هذا يقول فى "الكتاب": "قال أبو جعفر الطوسى: قلت لأبى عبد الله: أنتم الصراط فى كتاب الله، وأنتم الزكاة، وأنتم الحج؟ قال: يا فلان؛ نحن الصراط فى كتاب الله ، ونحن الزكاة، ونحن الصيام، ونحن الحج، ونحن الشهر الحرام، ونحن البلد الحرام، ونحن كعبة الله، ونحن قِبْلة الله، ونحن وجه الله".
وفى كتاب بهاء الله والعصر الجديد، ما يدل على أن البهائيين لا يعترفون بالبعث، ولا بالجنة والنار، حيث يفسِّرون يوم الجزاء ويوم القيامة بمجىء ميرزا حسين الملقب ببهاء الله، قال فى كتاب بهاء الله والعصر الجديد: "وطبقاً للتفاسير البهائية، يكون مجيء كل مظهر إلهى عبارة عن يوم الجزاء، إلا أن مجىء المظهر الأعظم بهاء الله: هو يوم الجزاء الأعظم للدورة الدنيوية التى نعيش فيها"، وقال: "ليس يوم القيامة أحد الأيام العادية، بل هو يوم يبتدئ بظهور المظهر، ويبقى ببقاء الدورة العالمية".
ويُفسِّر البهائية الجنة بالحياة الروحانية، والنار بالموت الروحانى، فقد جاء فى
стр. 528
كتاب بهاء الله والعصر الجديد: "إن الجنة والنار فى الكتب المقدسة حقائق مرموزة" فالجنة ترمز إلى حياة الكمال، والنار ترمز إلى حياة النقص، ولما كانت الحياة الروحية في نظر البهاء هي الإيمان به، والموت الروحى هو تكذيب دعوته. فإنَّا نراه يقرر ذلك فيقول: " ... منهم مَن قال: هل الآيات نزلت؟ قل: إى ورب السموات. قال: أين الجنة والنار؟ قل: الأولى لقائى، والأخرى نفسك يا أيها المشرك المرتاب".
*من تأويلات عبد البهاء عباس:
كذلك نجد عبد البهاء، يتكلم عن النبوة والوحى بما يوافق كلام قدماء الباطنية الذين قلَّدوا الفلاسفة فيقول: "الأنبياء مرايا تنبئ عن الفيض الإلهى، والتجلى الروحانى، وانطبعت فيها أشعة ساطعة من شمس الحقيقة، وارتسمت فيها الصور العالية ممثلة لها تجليات أسماء الله الحُسنى. ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فهم معادن الرحمة، ومهابط الوحى، ومشارق الأنوار، ومصادر الإرسال. وما أرسلناك إلا رحمة للعالَمين".
ونجد قُرَّة العيون - إحدى أتباع الباب - تدَّعى أنها الصُور الذي يُنفخ فيه يوم القيامة، وتقول: "إن الصُور الذى ينتظرون فى اليوم الأخير هو أنا".
وبين أيدينا رسائل أبى الفضائل، محمد بن رضا الجرفادقانى، المعروف بفضل الله الإيرانى، أحد دعاة البابية المتعصبين، وكتاب الحجج البهية له أيضاً، وفيهما تفسير لبعض الآيات القرآنية، بما يتفق ومذهبه الباطل.
فمن ذلك مثلاً أنه يُفسِّر الروح الأمين الذى ورد فى القرآن بأنه الحقيقة المقدسة، ثم يُعَرِّفها فيقول: "هى غيب فى ذاتها، مجردة بحقيقتها عن الجسم أو الجسمانيات، فلا تُوصف بأوصاف الماديات، ولا تُذكر بخصائصها، ولا يُطلق عليها الخروج والدخول، ولا تُوصف بالتحيز والحلول، وإنما هى حقيقة تنجلى فى مظاهر أمر الله تعالى، عرشها قلوب الأصفياء، ومرآة تجليها صدور الأولياء، وإنما مثل طلوعها وإشراقها فى النفوس القدسية كمثل انطباع الشمس فى المرايا، فلا يقال: إن الشمس حلَّت فى المرآة، ولا إنها دخلت فيها، بل ولا يقال: إنها عُرِضت عليها، بل يقال: إن الشمس تجلَّت في المرآة، وظهرت منها وأشرقت، وانطبعت بها" ... وهذا بعينه مذهب قدماء الباطنية والفلاسفة.
ومن ذلك أيضاً أنه فسَّر قوله تعالى فى الآيتين [١٤٢-١٤٣] من سورة الأعراف: ﴿وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ... الآيتين،
стр. 529
تفسيراً باطنياً فقال: "المراد بالليل - كما سمعته منى مراراً - هو عبارة عن أيام غيبة شمس الحقيقة، واليوم حسب ما نزل فى التوراة المقدِّس يُحسب كل يوم واحد بسنة واحدة، وكان موسى ﵇ لما فارق أرض مصر، وفرَّ من فرعون وملئه إلى مدين، كان ابن ثلاثين، وأقام فى مدين عشر سنوات يشتغل فيها برعى أغنام شعيب النبى ﵇، وكان فى طى هذه المدة التى كانت كالليالى المظلمة، والدياجى الكالحة من ظلم الفراعنة، وأوهام الصابئة، مشتغلاً بتهذيب أخلاقه، وتطييب أعراقه، وتنقية فؤاده، والمناجاة مع ربه فى وحدته وانفراده، فلما طاب خلُقُه، وتم خَلْقه، بعثه الله نبياً لهداية بنى إسرائيل، وإنقاذهم من ذلك الوبيل. فالمراد بأربعين ليلة هو أربعون سنة. أقام موسى ﵇ فى أثنائها فى مصر ومدين، ولا تنافى كلمة "واعدنا" هذا التفسير، حيث ظاهرها يقتضى تكلم الرب مع موسى قبل بعثته، فإن أمثال هذه الكلمة كثيراً ما أُطلقت على ما أُلقى فى الروع، وأُلهم فى القلب، حتى على الحيوانات، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً﴾ ، ﴿وَقَالَ موسى لأَخِيهِ هَارُونَ اخلفني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين﴾ ... ظاهر الآية المباركة يدل على أن موسى ﵇ أخلف أخاه هارون حينما كان مع الشعب فى البرية، كما هو مذكور فى التواريخ، إلا أن التواريخ القديمة مظلمة جداً، حيث إن المؤرخين اعتمدوا فى هذه المسائل على ما جاء فى التوراة وسائر الكتب العتيقة، ولكنا أثبتنا فى كتاب الدرر البهية ضعف هذا المستند من حيث العلم، فيجوز أن يكون هارون مستخلفاً عن موسى ﵉، لحفظ الشعب أيام غياب موسى فى مدين، وقد كان بنو إسرائيل يحافظون على التوحيد من لدن جدهم إبراهيم ﵇، فلما غاب موسى وضع بنو إسرائيل رسم عجل إبيس أحد معبودات المصريين تزلفاً إلى فرعون وقومه،
فكأنهم تجنسوا بالجنسية المصرية، واعتنقنوا الديانة الوثنية، فلما رجع موسى ﵇ ورآهم على تلك الحال السيئة والعبادة الباطلة، أنكر ذلك على هارون، كما ذكره المؤرخون، إذ لا يعقل أن بنى إسرائيل على ما عُرفوا بصلابة الرأى يتركون ديانتهم الموروثة بسبب تأخير موسى عن الرجوع إليهم عشر ليال.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ موسى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ولاكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسى صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين﴾ [الأعراف: ١٤٣] .. اعلم - حفظك الله - أن علماءنا - سامحهم الله - اختلفوا فى رؤية الله تعالى وعدم جواز رؤيته، فالشيعة والمعتزلة أنكروا جواز رؤيته، حيث تقتضى الجهة والمقابلة، وهى من مقتضيات الجسد والتحين والتحدد وأمثال ذلك، وهو منزَّه
стр. 530
عن تلك الأوصاف، إذ لم يفهموا من لفظة "الله" سوى الذات، ولا شك أن الذات منزَّهة عن تلك الصفات. وأهل السُّنَّة والجماعة جوَّزوا رؤية الله تعالى اعتماداً على صريح الآيات، واستناداً على صريح الأحاديث والروايات، وكانوا على هذه العقيدة الصالحة إلى أواسط القرون الهجرية، فمزجوها بالعقائد الوهمية، حيث شاعت فى تلك القرون بينهم المسائل الكلامية، والمعارف الناقصة العقلية، فإنهم قالوا: إن رؤية الله تعالى جائزة وواقعة فى القيامة، إلا أنها ليست من قبيل الإحاطة بالنظر، فترى ذات الله تعالى من غير مواجهة ومقابلة، وكيفية وإحاطة، مما يرجع إلى الوهم الصريح، وإنكار الرؤية حقيقة، وأهل البهاء المستظلين بظلال الفرع الكريم المتشعب من الدوحة المباركة العليا، لما عرفوا - على حسب ما يعلمون من القلم الأعلى - أن ذات الله بسبب تجردها وتقديسها الذاتى لا تُدرك، ولا تُوصف، ولا تُسمى باسم، ولا تُشار بإشارة، ولا تتعين بإرجاع ضمير. والأسماء والأوصاف وكل ما يُسند ويُضاف إليها راجعة فى الحقيقة إلى مظاهرها ومطالعها، ولذلك سهل عليهم فهم معنى أمثال تلك الألفاظ التى نزلت فى الكتب المقدسة والصحف المطهّرة، من قبيل رؤية الله تعالى، ولقاء الله وظهور الله ومجىء الله وغيرها مما ليس بخاف على أهل التحقيق. ثم اعلم أيها الحبيب اللبيب أن أهل البيان كثيراً ما أطلقوا فى عباراتهم لفظ "جَلَّ" على أكابر الرجال استعارة، سواء أكانوا من صناديد الدولة والملك، أو من
قروم أهل العلم والفضل، كما أطلق أمير المؤمنين ﵇ على مالك بن الحارث النخعى المعروف بالأشتر، لما اشتهر ذكر وفاته، وأخبر بمماته، ومقامه ﵇ معلوم لديك فى الفصاحة والبراعة، ورسائله وخطبه مستغنية عن المدح والإطراء بالطلاوة والصناعة، وعبارته هذه مذكورة فى نهج البلاغة. وهذه استعارة فى غاية المناسبة واللَّطافة حيث إن أكابر الرجال هم بمنزلة الأوتاد، لاستقرار أرض المعارف والديانة، أو الأُمة والدولة، وكثيراً ما أطلقه داود ﵇ فى مزاميره، وسائر الأنبياء من بنى إسرائيل فى كتبهم على الرب تعالى، كما جاء فى مزمور [٤٢] : "أقول لله صخرتى لماذا نسيتنى"، وجاء فى مزمور [٧١] : "كن لى صخرة وملجأ أدخله دائماً. أمرت بخلاصى لأنك صخرتى وحصنى" ... إلى كثير من أمثالها، فإذا عرفت هذا، فاعلم أن موسى ﵇ إنما طلب رؤيا الله تعالى بسبب اقتراح الشعب عليه أن يريهم الله، كما يدلك عليه قوله تعالى: ﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ إلا أن الله تعالى أخبره بأن رؤيته موقوفة باستقرار جبال العلم والإيمان فى مكانهم من الإذعان واليقين، ولكنهم بسبب عدم بلوغهم إلى المقام الثابت الراسخ المكين من العلم والمعرفة واليقين فلا بد وأن تندك جبال وجودهم، ويتزعزع بنيان إذعانهم لمعبودهم حين لقائه فيتبدل إيمانهم بالكفر، ويقينهم بالشك، وإقبالهم بالإعراض، حيث لم تكمل بعد مراتب
стр. 531
عرفانهم، ولم يبلغ إلى الدرجة العليا بنيان إيمانهم، فلم يبلغوا بعد إلى رتبة استحقاق الرؤية واللقاء، ولم يصعدوا إلى درجة الاستقرار والبقاء، فلا بد من ظهور الأنبياء، وقيام الأصفياء، لتربية أشجار الوجودات البشرية، وتكمل معارفهم بالإيمان على ممر الدهور وطى العصور. حتى يبلغوا إلى درجة التمكن والاستقرار، حينئذ يتجلى عليهم رب الأرض والسماء، ويتشرف البالغون منهم إلى درجة المشاهدة واللقاء. فخلاصة تفسير الآية الكريمة: أن موسى ﵇ قال: ربِّ أرنى أنظر إليك، حيث إن الشعب طلبوا منه رؤية الله تعالى فأجابه الله تعالى: بأنك لن ترانى، لأن بنى إسرائيل لم يبلغوا بعد درجة كمال وجودهم، ولم يستعدوا للقاء معبودهم، فانظر إلى جبال الوجودات، ومقادير
استقرار الإيقان، فإن استقر جبل الوجود فى مقام إيمانه وإيقانه حين تجلَّى المعبود ولم يتزلزل ولم يتزعزع من مقامه حين الشهود، حينئذ استعد للقاء الله، واستحق للوقوف بين يدى الله، والتشرف برؤية الله. ثم تجلَّى الرب لأحد من تلك الأُمة ممن كان من رؤساء الشعب، ومن جبال الإيمان والإيقان، فاندك وجوده، وتضعضع إيمانه، واضطرب إيقانه فانصعق موسى من ذلك الامتحان، وعرف مقدار صعوبة مقام الافتتان، فندم على ما سأل الرؤية للطالبين ورجع فى الحين. وقال: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
فانظر إليه كيف أوَّل الأربعين ليلة بأنها أربعين سنة، وهى التى يُبعث الأنبياء على رأسها، وكيف علَّل التعبير بلفظ "ليلة" بأن مدى الأربعين سنة كانت مظلمة كالليالي بظلم فرعون وملئه، وكيف تخلَّص من منافاة لفظ "واعدنا" للمعنى الذى يهذى به. وكيف اتهم التوراة وسائر الكتب العتيقة - بما فيها القرآن طبعاً كما سيأتى بعد - بأنها لا يُعَوَّل عليها فى الروايات التاريخية، وكيف رمى المعتزلة وأهل السُّنَّة بعدم إصابة المعنى الحقيقى للرؤية الواردة فى الآية، وكيف ادَّعى أنه ومَن على شاكلته من البهائيين هم الذين أصابوا المعنى الحقيقى للآية؛ وكيف صرف لفظ "الجبل" عن معناه المراد إلى معنى لا يُفهم من لفظ القرآن وسياق الآية!! ... ولستُ فى حاجة إلى أن أبين ما فى هذا التفسير من خطأ وضلال، فإن الحق بَيِّن واضح.
وفي كتاب الدرر البهية، صرَّح أبو الفضائل بأن قصص القرآن غير واقعة، وأنها فى الحقيقة رموز إلى معان خفية فقال: "لا يمكن للمؤرخ أن يستمد معارفه التاريخية من آيات القرآن"، وقال: "إن الأنبياء ﵈ تساهلوا مع الأُمم فى معارفهم
стр. 532
التاريخية، وأقاصيصهم القومية، ومبادئهم العلمية، فتكلموا بما عندهم، وستروا الحقائق تحت أستار الإشارات، وسدلوا عليها ستائر بليغ الاستعارات".
ولا شك أن هذه دعوى كاذبة يُراد بها إدخال الشك فى قلوب المؤمنين، وإيهامهم بأن القرآن لا يُعتمَد على ظاهره، وإنما يُعتمد على باطنه الذى عندهم علمه دون مَن عداهم من الناس. وإلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، لم ولن يقوم دليل تاريخيى أو عقلى على عدم صحة قصة من قصص القرآن، وهو الذى ﴿لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ . [فصلت: ٤٢] .
كذلك نجد أبا الفضائل يعرض فى كتابه المسمى "الدرر البهية" لقوله تعالى فى الآية [٣٩] من سورة يونس: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ، ولقوله تعالى فى الآية [٥٣] من سورة الأعراف: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق﴾ ... فيقول:
"ليس المراد من تأويل آيات القرآن معانيها الظاهرية ومفاهيمها اللُّغوية، بل المراد المعانى الخفية التى أطلق عليها الألفاظ على سبيل الاستعارة والتشبيه والكناية" ... ثم قال بعد هذا: "قرر الله تنزيل تلك الآيات على ألسنة الأنبياء وبيان معانيها وكشف السر عن مقاصدها إلى روح الله حينما ينزل من السماء"، وقال: "إنما بُعثوا ﵈ لسوق الخلق إلى النقطة المقصودة، واكتفوا منهم بالإيمان الإجمالى حتى يبلغ الكتاب أجله، وينتهى سير الأفئدة إلى رتبة البلوغ فيظهر روح الله الموعود ويكشف لهم الحقائق المكنونة فى اليوم المشهود"، وقال: "وفى نفس الكتب السماوية تصريحات بأن تأويل آياتها إلى معانيها الأصلية المقصودة لا تظهر إلا فى اليوم الآخر، يعنى يوم القيامة، ومجىء مظهر أمر الله وإشراق آفاق الأرض ببهاء وجه الله". ثم قال: "ولذلك جاءت من لدن نزول التوراة إلى نزول البيان تافهة باردة عقيمة جامدة، بل مضلة مبعدة محرَّفة مفسدة".
ومعلوم أن لفظ التأويل في الآيتين عبارة عن وقوع المخبَر به ولكن يأبى هذا المنحرف المنحرف إلا أن يحمل التأويل على تأويل الآيات إلى المعانى الخفية، وعجيب بعد هذا أن يتهم الرسل بأنهم لا يعرفون تأويل الآيات، لأن وظيفتهم البلاغ فحسب، وأما كشف الستر عن المعانى الخفية فإلى روح الله حين نزوله. وروح الله فى نظره ونظر أشياعه: هو البهاء الذى يُعَبِّر عنه بالنقطة، ويدَّعى أن الرسل أُرسلوا لسوق الخلق إليه، ويدَّعى أيضاً أن ظهوره يكون يوم القيامة، ولا شك أن هذا تفسير بارد عقيم، وجامد مضل، ولكنه لا يريد أن يعترف بهذا، بل نجده يتعسف فيرمى كل التفاسير من
стр. 533
لدن نزول التوراة إلى نزول البيان بأنها تافهة باردة، عقيمة جامدة، مضلة مبعدة، محرَّفة مفسدة، لأن أصحابها خاضوا فيما لا علم لهم به، والعلم فى نظره عند البهاء وحده.
كذلك نجد أبا الفضائل يُفسِّر قوله تعالى فى الآية [٣١] من سورة المدثر: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بما لا يقره شرع، أو يرضى به عقل فيقول: "إن لفظ المَلَك واحد الملائكة، والملائكة في اللُّغة العربية توافق لفظاَ ومعنى ما في اللُّغة العبرانية، حيث إنها مأخوذة من الأصل السامى، الذى اشتُقَّت منه اللُّغات: السريانية، والعبرانية، والعربية، والآشورية، والكلدانية، وهو يفيد معنى المالكية والاستيلاء على شىء، فكما أنه أطلق لفظ المَلَك والملائكة في الكلمات النبوية المحفوظة في الكتب السماوية على النفوس القدسية، والأئمة الهداة، لخلعهم ثياب البشرية وتخلقهم بالأخلاق الروحانية الملكوتية، فملكوا زمام الهداية وصاروا ملوك ممالك الولاية، كأنهم أُعطوا سلطة مطلقة فى سعادة الناس وشقاوتهم، وهدايتهم وضلالهم، وهذا هو معنى الولاية المطلقة التى جاءت فى الأخبار، ولذا سمى سيد الأبرار وأمير الأبرار، بقسيم الجنة والنار. كذلك أطلق هذا اللفظ فى الكلمات النبوية على رؤساء الأشرار، وأئمة الضلال، حيث إنهم قادة الفُجَّار يقودونهم إلى النار ولذا أطلق عليهم لفظ الملائكة، كما أنه أطلق عليهم لفظ الأئمة فى قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار﴾ [القصص: ٤١] . ثم استدل أبو الفضائل بعبارات من الكتب القديمة على جواز إطلاق الملائكة على أئمة الجور والضلال، ثم تكلم عن سر تخصيص العدد بتسعة عشر، فذكر أن الديانات أبواب لدخول جنة الله ورضوانه، كما أنها أبواب للدخول فى جهنم بسخط الله حين تغييرها مثلاً ... ثم استطرد من هذا إلى أن الباب كما يُطلق أيضاً على الديانات، يُطلق أيضاً على الأنبياء وكبار الأولياء، واستدل على هذا بعبارة نقلها عن الجامعة وردت فى شأن الأئمة وهى: "أنتم باب الموتى والمأخوذ عنه" قال: وإليه أشير فى الآية الكريمة: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العذاب﴾ [الحديد: ١٣] ، بعد أن قرر هذا، ادَّعى "أن أبواب الجنة كانت عند ظهور النقطة الأولى تسعة عشر، وهى
ثمانية عشر حروف "الحى" والنقطة الفردانية، وبهم صعد المخلصون إلى الذروة العليا، ودخلوا الجنة ... . ثم عارض الدجال الرب سبحانه فعيَّن تسعة عشر إنساناً من رؤساء أصحابه ودهاة أحبابه، لإضلال أهل الإيمان، ومعارضة جمال الرحمن"، ثم قال: "فالمراد بملائكة النار فى الآية المباركة هو هذه الرجال من أصحاب الدجال وأئمة
стр. 534
الضلال".. ثم ذكر بعد ذلك أن عدد أبواب النار صار فى هذا الدور الحميد، والكون المجيد ثلاثة فقط وهى أيضاً ملائكة الجحيم، وقادة أصحاب الشمال إلى العذاب الأليم".
واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿انطلقوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ * لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللهب﴾ ... ثم قال: "وفى كل دور وزمان تجد لكلمات الله تعالى مصاديق يعرفها أهل الإيمان، وحملة القرآن، ومخازن الحكمة، ومطالع البيان".
وفى الحجج البهية يقرر أبو الفضائل: أن جميع الديانات السماوية. وغير السماوية واحدة من ناحية الاتفاق على العقائد الأصلية، وإن اختلفت فى الأحكام الفرعية، وذلك حيث يقول فى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٣] من سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ : "فانظروا - وفقكم الله - كيف اعتبر فى الآية الكريمة ديانات الصابئة والزردشتية والموسوية والنصرانية والإسلامية ديناً واحداً، كما اعتبر مؤسسها وشارعها إلهاً واحداً، على اختلافها فى الأحكام والحدود والآداب" وهذا منه كفر صريح، لأن الآية لا تدل على أكثر من اتحاد جميع الشرائع السماوية فى أُصول العقائد، أما الديانة الصابئية، والديانة الزردشتية، فلم يقل أحد إنها شرائع الله، حتى يُسوِّى بينها وبين سائر الشرائع السماوية.
كذلك نجد أبا الفضائل يقول بالرجعة، ويريد بها: رجوع الحقيقة المقدسة التى هى الوحى، على معنى أن الوحى بعد انقطاعه بموت محمد ﷺ يرجع فينزل مرة ثانية على زعيمهم الباب ثم البهاء، ويُفسِّر القيامة: بأنها قيام مظهر الحقيقة المقدَّسة، والساعة: بساعة طلوعها وإشراقها بعد الغيبة ويقول: "وأما الرجعة والقيامة بالمعنى الذى تعتقد وتنتظره الأُمم فهى أمر غير معقول، إذ هو مخالف للنواميس الطبيعية، ومباين للسنن الإلهية".
ويقول: "إن جميع ما نزل فى الكتب المقدسة من بشارات يوم الله، ويوم القيامة، وظهور الرب، وورود الساعة وأشراطها ... لا بد أن تكون لتلك الألفاظ مقاصد معقولة، ومفاهيم ممكنة ومعان غير المعانى الظاهرية، ومدلولات غير المدلولات الأوَّلية".
стр. 535
وكأنى بأبى الفضائل - وقد قال بنبوة الباب والبهاء - نظر فى كتاب البيان وكتاب بهاء الله، فلم يجدهما فى رصانة القرآن وفصاحته، فأراد أن ينزل بالقرآن عن مستواه فى البلاغة، ويسلب عنه إعجازه حتى يكون فى درجة البيان والكتاب فقال: "ولا يُعرف ولا يمتاز كلام الله عن كلام البشر بفصاحته، وبلاغته، ورصف كلماته، وتسجيع عباراته، وترصيع جمله، ولطيف استعاراته، كما يدَّعيه قوم".
كما أعتقد أنه - وقد ادَّعى نبوة الباب والبهاء - راح يفتش لهما عن معجزة تُصدِّق دعواهما النبوة، فلم يعثر ولا على جزء معجزة، فجرَّه ذلك أن ينكر معجزات الرسل، ويتأوَّل ما ورد فى القرآن منها بأنها من قبيل الاستعارات عن الأمور المعقولة، والحقائق الممكنة، مما يُجوِّزه العقل السليم، كما جَرَّه إلى القول بأنه لا صلة بين دعوى الرسالة، وبين القُدْرة على الإتيان بالخوارق فقال: "لا نسبة بين القُدْرة على إتيان المعجزات والعجائب، وبين ادعاء النبوة والرسالة، فإن الرسالة والنبوة ليست إلا بعث إنسان من قِبَلِ الله تعالى لهداية الخلق، فما هو ارتباط هذا المعنى بالقُدْرة على شق البحار، وجفاف الأنهار، وإنطاق الأحجار والأشجار مثلاً".
ولا يشك عاقل فى أن هذا الزنديق يريد من وراء هذا أن يفتح باب شر عظيم، ليدخل منه كل مَن يدَّعى النبوة والرسالة، كما دخل منه أنبياء البابية والبهائية من قبل.
وكما تأوَّل متعصبو الشيعة الشجر المباركة، والشجرة الملعونة، فحملوا الأُولى على آل البيت، والثانية على أعدائهم من بني أمية، كذلك تأوَّلهما أبو الفضائل، فقال فى شرحه لقوله تعالى فى الآية [٣٥] من سورة النور: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾ ... . الآية: "أطلق لفظ "شجرة مباركة زيتونة" على مظهر أمر الله، ومطلع الشمس حقيقته وذاته. ومشرق أنوار أسمائه وصفاته، فإن من هذا السدرة المباركة وحدها تتألف وتضىء الأنوار الإلهية، وتشرق وتلمع أشعة العلم والقوة، والقُدْرة الملكوتية السماوية، وهذه استعارة فى غاية الرقة واللَّطافة، وتجوّز فى نهاية اللطافة والبراعة، لم يُوجد مثلها إلا فى الكلمات النبوية، ولم يُسمع شبيهها إلا من نغمات طيور القدس فى الحدائق القدسية". قال: "وكذلك فى الآية [٦٠] من سورة بنى إسرائيل، أطلق لفظ الشجرة الملعونة: استعارة على أعداء الله، ومحاربى رسول الله، من السلالة الأُموية، والسلطة العضوضية
стр. 536
السفيانية، حيث قال جَلَّ وعَلا: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا التي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ والشجرة الملعونة فِي القرآن﴾ . [الإسراء: ٦٠]
هذه نُبذ من تأويلات البابية للقرآن الكريم، تعطينا دليلاً قوياً، وبرهاناً صادقاً على أن المذهب البابى، أو البهائى، يقوم على أطلال الباطنية، ويحمل فى سريرته القصد إلى هدم شريعة الإسلام بمعول التأويل فى آيات القرآن، ودعوى النبوة والرسالة، بعد أن ختمها الله برسالة محمد ﷺ . وإذا كان لنا كلمة بعد ذلك فهى: إن البابية وأسلافهم من الباطنية، لم يكونوا أول من ابتدأ التأويل لنصوص الشريعة على هذه الصورة التى تأتى على بنيان الدين من قواعده، وإنما هو صنيع قلَّدوا فيه طائفة من فلاسفة اليهود الذين سبقوهم، فهذا هو "فيلون" الفيلسوف اليهودى المولود ما بين عشرين وثلاثين سنة قبل الميلاد، نجده ألَّف كتاباً فى تأويل التوراة، ذاهباً إلى أن كثيراً مما فيها رموز إلى أشياء غير ظاهرة، ويقول الكاتبون فى تاريخ الفلسفة: إن هذا التأويل الرمزى كان موجوداً ومعروفاً عند أدباء اليهود بالإسكندرية قبل زمن "فيلون"، ويذكرون أمثلة من تأويلهم: أنهم فسَّروا آدم بالعقل، والجنة برياسة النفس، وإبراهيم بالفضيلة الناتجة من العلم، وإسحاق عندهم هو الفضيلة الغريزية، ويعقوب الفضيلة الحاصلة من التمرين، إلى أمثال هذا من التأويل الذى لا يحوم عليه إلا الجاحدون المراءون، ولا يقبله منهم إلا قوم هم عن مواقع الحكمة ودلائل الحق غافلون".
وبعد أن انتهينا من موقف الباطنية - قديمهم وحديثهم - من القرآن الكريم، نتكلم عن موقف الزيدية منه ... . فنقول وبالله التوفيق:
* *
стр. 537
الزيدية وموقفهم من التفسير والقرآن الكريم
تمهيد
لم يقع بين الزيدية من الشيعة، وبين جمهور أهل السُّنَّة خلاف كبير مثل ما وقع من الخلاف بين الإمامية وجمهور أهل السُّنَّة، والذى يقرأ كتب الزيدية يجد أنهم أقرب فِرَق الشيعة إلى مذهب أهل السُّنَّة، وما كان بين الفريقين من خلاف فهو خلاف لا يكاد يُذكر.
يرى الزيدية: أن علياً أفضل من سائر الصحابة، وأولى بالخلافة بعد رسول الله ﷺ ، ويقولون: إن كل فاطمى عالِم زاهد شجاع سخى خرج للإمامة صحَّت إمامته، ووجبت طاعته، سواء أكان من أولاد الحسن، أم من أولاد الحسين، ومع ذلك فهم لا يتبرأون من الشيخين، ولا يُكفرونهما، بل يُجوِّزون إمامتهما، لأنه تجوز عندهم إمامة المفضول مع وجود الفاضل، كما أنهم لم يقولوا بما قالت به الإمامية من التقية، والعصمة للأئمة، واختفائهم ثم رجوعهم فى آخر الزمان. وغير ذلك من خرافات الإمامية ومَن على شاكلتهم.
وكل الذى نلحظه على الزيدية، أنهم يشترطون الاجتهاد فى أئمتهم، ولهذا كثر فيهم الاجتهاد، وأنهم لا يثقون برواية الأحاديث إلا إذا كانت عن طريق أهل البيت. والذى يقرأ كتاب "المجموع" للزيدية يرى أن كل ما فيه من الأحاديث مروية عن زيد بن علىّ زين العابدين، عن آبائه من الأئمة، عن رسول الله ﷺ ، وليس فيه بعد ذلك حديث يُروى عن صحابى آخر من غير أهل البيت رضى الله عنهم.
كما نلاحظ على الزيدية أيضاً أنهم تأثروا إلى حد كبير بآراء المعتزلة ومعتقداتهم، ويرجع السر فى هذا إلى أن إمامهم زيد بن علىّ، تتلمذ على واصل بن عطاء، كما قلنا ذلك فيما سبق.
إذن فلا نطمع بعد ذلك أن نرى للزيدية أثراً مميزاً، وطابعاً خاصاً فى التفسير كما رأينا للإمامية، لأن التفسير إنما يتأثر بعقيدة مفسِّرة. ويتخذ له طابعاً خاصاً، واتجاهاً معيناً، حينما يكون لصاحبه طابع خاص واتجاه معين. وليست الزيدية - بصرف النظر عن ميولهم الاعتزالية - بمنأى بعيد عن تعاليم أهل السُّنَّة، وعقائدهم، حتى يكون لهم فى التفسير خلاف كبير.
* *
أهم كتب التفسير عند الزيدية
وإذا نحن ذهبنا نفتش عن تفاسير الزيدية فى المكتبات التى تحت أبصارنا وفى متناول أيدينا، فإنَّا لا نكان نظفر منها إلا بتفسير الشوكانى المسمى "فتح القدير" وهو تفسير متناول للقرآن كله، وجامع بين الرواية والدراية، وتفسير آخر فى شرح آيات الأحكام اسمه "الثمرات اليانعة" لشمس الدين يوسف بن أحمد - من علماء القرن التاسع الهجرى - هذا هو كل ما عثرنا عليه للزيدية من كتب فى التفسير.
ولكن هل هذا هو كل ما أنتجته هذه الطائفة؟ أو أن هناك كتباً أخرى أُلِّفت فى
стр. 538
التفسير ثم دَرست؟ أو أُلِّفت وبقيت إلى اليوم غير أنه لم يُكتب لها الذيوع والانتشار، ولذا لم تصل إلى أيدينا؟
الحق أنى وجهت هذا السؤال إلى نفسى، فرجحت أن تكون هناك كتب كثيرة فى التفسير لهذه الطائفة، منها ما دَرس، ومنها ما بقى إلى اليوم مطموراً فى بعض المكاتب الخاصة، إذ ليس من المعقول أن لا يكون لطائفة إسلامية قامت من قديم الزمان، وبقيت محتفظة بتعاليمها ومقوِّماتها إلى اليوم إلا هذا الأثر الضئيل فى التفسير.
رجحت هذا الرأى، فذهبت أفتش وأبحث فى بعض الكتب التى لها عناية بهذا الشأن، عَلِّى أعثر على أسماء لبعض كتب فى التفسير لبعض من علماء الزيدية ... . وأخيراً وجدت فى الفهرست لابن النديم: أن مقاتل ابن سليمان - وعَدَّهُ من الزيدية - له من الكتب، كتاب التفسير الكبير، وكتاب نوادر التفسير.
ووجدت فى الفهرست أيضاً: أن أبا جعفر محمد بن منصور المرادى الزيدى، له كتابان فى التفسير، أحدهما، كتاب التفسير الكبير، والآخر: كتاب التفسير الصغير.
وقرأت مقدمة شرح الأزهار من كتب الزيدية فى الفقه، وهى مقدمة تشتمل على تراجم الرجال المذكورة فى شرح الأزهار لأحمد بن عبد الله الجندارى، فخرجت منها بما يأتى:
١- تفسير غريب القرآن للإمام زيد بن علىّ، جمعه بإسناده محمد ابن منصور بن يزيد الكوفى، أحد أئمة الزيدية، المتوفى سنة نيف وتسعين ومائتين.
٢- تفسير إسماعيل بن عليّ البُستى الزيدى، المتوفى فى حدود العشرين وأربعمائة، قال: وهو فى مجلد واحد.
٣- التهذيب، لمحسن بن محمد بن كرامة المعتزلى ثم الزيدى، المقتول سنة ٤٩٤هـ (أربع وتسعين وأربعمائة) . قال: وهذا التفسير مشهور، ويمتاز من بين التفاسير بالترتيب الأنيق، فإنه يورد الآية كاملة، ثم يقول: القراءة ويذكرها، ثم يقول: الإعراب ويذكره، ثم يقول: النظم ويذكره، ثم يقول: المعنى ويذكره، ويذكر أقوالاً متعددة، وينسب كل قول إلى قائله من المفسِّرين، ثم يقول: النزول ويذكر سببه، ثم يقول: الأحكام ويستنبط أحكاماً كثيرة من الآية.
стр. 539
٤- تفسير عطية بن محمد النجوانى الزيدى، المتوفى سنة ٦٦٥هـ (خمسة وستين وستمائة) . قال: وقد قيل إنه تفسير جليل، جمع فيه صاحبه علوم الزيدية.
٥- التيسير فى التفسير، للحسن بن محمد النحوى الزيدى الصنعانى، المتوفى سنة ٧٩١هـ (إحدى وتسعين وسبعمائة) .
هذا هو كل ما قرأت عنه فى كتب الزيدية فى التفسير، لكن هل بقيت هذه الكتب إلى اليوم؟ أو دَرست بتقادم العهد عليها؟ سألت نفسى هذا السؤال، وحاولت أن أقف على جوابه، وأخيراً انتهزت فرصة وجود الوفد اليمنى فى مصر - وفيه الكثير من علماء الزيدية الظاهرين - فاتصلت بأحد أعضائه البارزين، وهو القاضى محمد بن عبد الله العامرى الزيدى، فسألته عن أهم مؤلفاته الزيدية فى التفسير، وعن الموجود منها إلى اليوم، فأخبرنى بأن للزيدية كتباً كثيرة فى تفسير القرآن الكريم، منها ما بقى، ومنها ما اندثر، وما بقى منها إلى اليوم لا يزال مخطوطاً، وموجوداً فى مكاتبهم، وذكر لى من تلك المخطوطات الموجودة عندهم ما يأتى:
١- تفسير ابن الأقضم.. أحد قدماء الزيدية.
٢- شرح الخمسمائة آية "تفسير آيات الأحكام" لحسين بن أحمد النجرى، من علماء الزيدية فى القرن الثامن الهجرى.
٣- الثمرات اليانعة "تفسير آيات الأحكام" للشيخ شمس الدين يوسف ابن أحمد بن محمد بن عثمان، من علماء الزيدية فى القرن التاسع الهجرى.
٤- منتهى المرام، شرح آيات الأحكام، لمحمد بن الحسين بن القاسم، من علماء الزيدية فى القرن الحادى عشر الهجرى.
- تفسير القاضى ابن عبد الرحمن المجاهد، أحد علماء الزيدية فى القرن الثالث عشر الهجرى.
قال: وهناك كتب أخرى لا يحضرنى اسمها، ولا اسم مؤلفيها، فسألته عن السر الذى من أجله بقيت هذه الكتب مخطوطة إلى اليوم؟ وأى شىء يحول بينكم وبين طبعها، حتى تصبح متداولة بين أهل العلم، وعشاق التفسير؟ فأجابنى بأن السر فى هذا أمران: أحدهما: عدم تقدم فن الطباعة عندهم. وثانيهما: أن كل اعتمادهم فى التفسير على كتاب "الكشاف" للزمخشرى، نظراً للصلة التى بين الزيدية والمعتزلة، مما
стр. 540
جعل أهل العلم ينصرفون عن كل ما عداه من كتب التفسير، ورجا ورجوت معه أن يهيىء الله لهذا التراث العلمى فى التفسير من الأسباب ما يجعله متداولاً بين أهل العلم ورجال التفسير.
وبعد ... فما دامت أيدينا لم تصل إلى شىء من كتب التفسير عند الزيدية سوى كتاب "فتح القدير" للشوكانى، و "الثمرات اليانعة" لشمس الدين يوسف بن أحمد، فإنى سأقتصر على هذين الكتابين فى دراستى وبحثى، وسأبدأ بتفسير الشوكانى، وإن كان لا يمثل لنا تفسير الزيدية تمثيلاً وافياً شافياً، وأُرجىء الكلام عن "الثمرات اليانعة" إلى أن أعرض للكلام عن تفاسير الفقهاء إن شاء الله:
* *
стр. 541
فتح القدير للشوكاني
التعريف بمؤلف هذا التفسير
ومؤلف هذا التفسير هو العلامة محمد بن علي بن عبد الله الشوكانى، وُلِد فى سنة ١١٧٣هـ (ثلاث وسبعين ومائة بعد الألف من الهجرة النبوية) ، فى بلدة هجرة شوكان. ونشأ - رحمه الله تعالى - بصنعاء، وتربى فى حجر أبيه على العفاف والطهارة، وأخذ فى طلب العلم والسماع من العلماء الأعلام، وجَدَّ فى طلب العلم، واشتغل كثيراً بمطالعة كتب التاريخ ومجاميع الأدب، وسار على هذه الطريقة ما بين مطالعة وحفظ، وما بين سماع وتلق، إلى أن صار إماماً يُعَوَّل عليه، ورأساً يُرحل إليه "فريداً فى عصره، ونادرة لدهره، وقدوة لغيره، بحراً فى العلم لا يُجارَى، ومفسِّراً للقرآن لا يُبارَى، ومُحَدِّثاً لا يشق له غبار، ومجتهداً لا يثبت أحد معه فى مضمار".
ولقد خلَّف ﵀ كتباً فى العلم نافعة وكثيرة، أهمها: كتاب "فتح القدير" فى التفسير، وهو الكتاب الذى نحن بصدد الكلام عنه، وكتاب "نيل الأوطار فى شرح منتقى الأخبار" فى الحديث، وكتاب "إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والميعاد والنبوات". رد به على موسى ابن ميمون الأندلسي اليهودى، وغير هذا كثير من مؤلفاته.
تفقه ﵀ على مذهب الزيدية، وبرع فيه، وألَّف وأفتى. ثم خلع ربقة التقليد، وتحلَّى بمنصب الاجتهاد، وألَّف رسالة سماها "القول المفيد فى أدلة الاجتهاد والتقليد"، تحامل عليه من أجلها جماعة من العلماء، وأرسل إليه أهل جهته سهام اللوم والمقت، وثارت من أجل ذلك فتنة فى صنعاء اليمن بين مَن هو مُقَلِّد ومن هو مجتهد.
وعقيدة الشوكانى عقيدة السَلَف، من حمل صفات الله تعالى الواردة فى القرآن والسُّنَّة على ظاهرها من غير تأويل ولا تحريف، وقد ألَّف فى ذلك رسالة "التحف بمذهب السَلَف".
هذا وقد توفى الشوكانى ﵀ سنة ١٢٥٠هـ (خمسون بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية) ، فرحمه الله وأرضاه.
* *
التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه
يعتبر هذا التفسير أصلاً من أُصول التفسير، ومرجعاً مهماً من مراجعه، لأنه جمع
стр. 542
بين التفسير بالدراية، والتفسير بالرواية، فأجاد فى باب الدراية، وتوسَّع فى باب الرواية، وقد ذكر مؤلفه فى مقدمته أنه شرع فيه فى شهر ربيع الآخر من شهور سنة ثلاث وعشرين بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية، وفرغ منه فى شهر رجب سنة تسع وعشرين بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل السلام وأزكى التحية. كما ذكر أنه اعتمد فى تفسيره هذا على أبي جعفر النحاس، وابن عطية الدمشقى، وابن عطية الأندلسى، والقرطبى، والزمخشرى، وغيرهم.
* *
طريقة الشوكانى فى تفسيره
وطريقة الشوكانى التى سلكها فى تفسيره يكفينا فى بيانها عبارته التى ذكرها فى مقدمة هذا التفسير مبيناً بها منهجه فيه.
قال ﵀: "ووطنت النفس على سلوك طريقة هى بالقبول عند الفحول حقيقة، وها أنا أوضح لك منارها، وأبين لك إيرادها وإصدارها، فأقول: إن غالب المفسِّرين تفرَّقوا فريقين، وسلكوا طريقين، الفريق الأول: اقتصروا فى تفاسيرهم على مجرد الرواية، وقنعوا برفع هذه الراية، والفريق الآخر: جردوا أنظارهم إلى ما تقتضيه اللُّغة العربية، وما تفيده العلوم الآلية، ولم يرفعوا إلى الرواية رأساً، وإن جاءوا به لم يصحوا لها أساساً، وكلا الفريقين قد أصاب، وأطال وأطاب، وإن رفع عماد بيت تصنيفه على بعض الأطناب، وترك منها ما لا يتم بدونه كمال الانتصاب".
ثم قال بعد أن دلل على قوله هذا: "وبهذا يُعرف أنه لا بد من الجمع بين الأمرين، وعدم الاقتصار على مسلك أحد الفريقين، وهذا هو المقصد الذى وطنت نفسى عليه، والمسلك الذى عزمت على سلوكه إن شاء الله، مع تعرضى للترجيح بين التفاسير المتعارضة مهما أمكن واتضح لى وجهه، وأخذى من بيان المعنى العربى والإعرابى والبيانى بأوفر نصيب، والحرص على إيراد ما ثبت من التفسير عن رسول الله ﷺ ، أو الصحابة، أو التابعين، أو تابعيهم، أو الأئمة المعتمدين، وقد أذكر ما فى إسناده ضعف، إما لأن فى المقام ما يقويه، أو لموافقته للمعنى العربى. وقد أذكر الحديث معزواً إلى راويه من غير بيان حال الإسناد، لأنى أجده فى الأصول التى نقلت عنها كذلك، كما يقع فى تفسير ابن جرير والقرطبى وابن كثير والسيوطى، وغيرهم، ويبعد كل البُعد أن يعلموا فى الحديث ضعفاً ولا يبينوه، ولا ينبغى أن يُقال فيما أطلقوه: إنهم قد علموا ثبوته، فإن من الجائز أن ينقلوه من دون كشف عن حال الإسناد، بل هذا هو الذى يغلب به الظن، لأنهم لو كشفوا عنه فثبت عندهم صحته لم يتركوا بيان ذلك، كما يقع منهم كثيراً التصريح بالصحة أو الحُسن، فمَن وجد الأصول التى يروون عنها، ويعزون ما فى تفاسيرهم إليها. فلينظر إلى أسانيدها موفقاً إن شاء الله.
"واعلم أن تفسير السيوطى المسمى بالدر المنثور، قد اشتمل على غالب ما فى تفاسير السَلَف من التفاسير المرفوعة إلى النبى ﷺ ، وتفاسير الصحابة ومَن بعدهم،
стр. 543
وما فاته إلا القليل النادر. وقد اشتمل هذا التفسير على جميع ما تدعو إليه الحاجة منه مما يتعلق بالتفسير، مع اختصار لما تكرر لفظاً واتحد معنى بقولى: ومثله ونحوه، وضممت إلى ذلك فوائد لم يشتمل عليها، وجدتها فى غيره من تفاسير علماء الرواية، أو من الفوائد التى لاحت لى، من تصحيح، أو تحسين، أو تضعيف، أو تعقيب، أو جمع، أو ترجيح ... فهذا التفسير وإن كبر حجمه فقد كثر علمه، وتوفر من التحقيق قسمه، وأصاب غرض الحق سهمه، واشتمل على ما فى كتب التفاسير من بدائع الفوائد، مع زوائد فرائد، وقواعد شرائد، ثم أرجع إلى تفاسير المعتمدين على الدراية، ثم انظر فى هذا التفسير بعد النظرين، فعند ذلك يسفر الصبح لذى عينين، ويتبين لك أن هذا الكتاب هو اللُّباب، وعجب العُجاب، وذخيرة الطُلاب، ونهاية مآرب أُولى الألباب ... وقد سميته "فتح القدير، الجامع بين فنى الرواية والدراية من علم التفسير".
مما تقدم يتضح لك جلياً طريقة المؤلف التى سلكها فى تفسيره هذا، وقد رجعت إلى هذا التفسير وقرأت فيه كثيراً، فوجدته يذكر الآيات، ثم يفسِّرها تفسيراً معقولاً ومقبولاً، ثم يذكر بعد الفراغ من ذلك: الروايات التفسيرية الواردة عن السَلَف، وهو ينقل كثيراً عمن ذكر من أصحاب كتُب التفسير. ووجدته يذكر المناسبات بين الآيات، ويحتكم إلى اللُّغة كثيراً. وينقل عن أئمتها كالمبرد وأبى عبيدة والفرَّاء، كما أنه يتعرض أحياناً للقراءات السبع، ولا يفوته أن يعرض لمذاهب العلماء الفقهية فى كل مناسبة، ويذكر اختلافاتهم وأدلتهم، ويُدلى بدلوه بين الدلاء، فيرجح، ويستظهر، ويستنبط، ويعطى نفسه حرية واسعة فى الاستنباط، لأنه يرى نفسه مجتهداً لا يقل عن غيره من المجتهدين.
* *
نقله للروايات الموضوعة والضعيفة
غير أنى آخذ عليه - كرجل من أهل الحديث - أنه يذكر كثيراً من الروايات الموضوعة، أو الضعيفة، ويمر عليها بدون أن ينبه عليها.
فمثلاً نجده عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ﴾ ... الآية، وقوله فى الآية [٦٧] منها: ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ ... الآية، يذكر من الروايات ما هو موضوع على ألسن الشيعة، ولا ينبه على أنها موضوعة، مع أنه يقرر عدم صلاحية مثل هذه الروايات للاستدلال على إمامة علىّ، ففى الآية الأولى يقول: ﴿.. وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ جملة حالية من فاعل للفعلين اللَّذين قبله، والمراد بالركوع: الخشوع والخضوع، أى يقيمون الصلاة، ويؤتون
стр. 544
الزكاة، وهم خاشعون لا يتكبرون. وقيل: هو حال من فاعل الزكاة، والمراد بالركوع هو المعنى المذكور، أى يضعون الزكاة فى مواضعها غير متكبرين على الفقراء، ولا مترفعين عليهم، وقيل: المراد بالركوع على المعنى الثانى: ركوع الصلاة، ويدفعه عدم جواز إخراج الزكاة فى تلك الحال".
ثم نراه يذكر فى ضمن ما يذكر من الروايات عن ابن عباس أنه قال: تصدَّق علىّ بخاتم وهو راكع، فقال النبي ﷺ للسائل: "مَن أعطاك هذا الخاتم"؟ قال: ذلك الراكع، فأنزل الله فيه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ﴾ ... الآية، ثم يمر على هذه الرواية الموضوعة باتفاق أهل العلم ولا ينبه على ما فيها.
وفى الآية الثانية نجده يروى عن أبى سعيد الخدرى أنه قال: "نزلت هذه الآية: ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ على رسول الله ﷺ يوم "غدير خُم"، فى علىّ بن أبي طالب رضى الله عنه"، ويروى عن ابن مسعود أنه قال: "كنا نقرأ على عهد رسول الله ﷺ : "يا أيها الرسول بَلِّغْ ما أُنزل إليك من ربك أن علياً مولى المؤمنين، وإن لم تفعل فما بلَّغتَ رسالته، والله يعصمك من الناس" - ثم يمر على هاتين الروايتين أيضاً بدون أن يتعقبهما بشىءٍ أصلاً.
* *
ذمه للتقليد والمقِّدين
كذلك نلاحظ على الشوكانى أنه لا يكاد يمر بآية من القرآن تنعى على المشركين تقليدهم آباءهم إلا ويطبقها على مقلِّدى أئمة المذاهب الفقهية، ويرميهم بأنهم تاركون لكتاب الله، مُعْرِضون عن سُنَّة رسوله ﷺ . ونحن وإن كنا لا نمنع من الاجتهاد مَن له قدرة عليه بتحصيله لأسبابه وإلمامه بشروطه إلا أنَّا لا ننكر أن فى الناس مَن ليس أهلاً للاجتهاد، وهؤلاء لا بد لهم من التقليد. ولستُ فى شك من أن الشوكانى مخطىء فى حملاته على المقلِّدة، كما أنه قاس إلى حد كبير حيث يطبق ما ورد من الآيات فى حق الكفرة على مقلِّدى الأئمة وأتباعهم، وإليك بعض ما قاله فى تفسيره.
فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٢٨] من سورة الأعراف: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا والله أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشآء أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ .. قال ما نصه: ".. وإن فى هذه الآية الشريفة لأعظم زاجر، وأبلغ واعظ للمقلِّدة، الذين يتبعون آباءهم فى المذاهب المخالفة للحق، فإن ذلك من الاقتداء بأهل الكفر لا بأهل الحق، فإنهم القائلون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ ... والقائلون: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا والله أَمَرَنَا بِهَا﴾ ...
стр. 545
والمقلِّد لولا اغتراره بكونه وجد أباه على ذلك المذهب، مع اعتقاده بأنه الذى أمر الله به، وأنه الحق لم يبق عليه، وهذه الخصلة هى التى بقى بها اليهودى على اليهودية، والنصرانى على النصرانية، والمبتدع على بدعته، فما أبقاهم على هذه الضلالات إلا كونهم وجدوا آباءهم فى اليهودية أو النصرانية أو البدعة. وأحسنوا الظن بهم، بأن ما هم عليه هو الحق الذى أمر الله به، ولم ينظروا لأنفسهم، ولا طلبوا الحق كما يجب، ولا بحثوا عن دين الله كما ينبغى، وهذا هو التقليد البحت والقصور الخالص. فيا مَن نشأ على مذهب من هذه المذاهب الإسلامية، أنا لك النذير المبالغ فى التحذير من أن تقول هذه المقالة، وتستمر على الضلالة، فقد اختلط الشر بالخير، والصحيح بالسقيم، وفاسد الرأى بصحيح الرواية، ولم يبعث الله إلى هذه الأُمة إلا رسولاً واحداً أمرهم باتباعه، ونهى عن مخالفته فقال: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ . ولو كان محض رأى أئمة المذاهب وأتباعهم حُجَّة على العباد، لكان لهذه الأُمة رسل كثيرون متعددون بعدد أهل الرأى، المكلِّفين للناس بما لم يُكلِّفهم الله به. وإن من أعجب الغفلة، وأعظم الذهول عن الحق، اختيار المقلِّدة لآراء الرجال، مع وجود كتاب الله ووجود سُنَّة رسوله. ووجود مَن يأخذونهما عنه، ووجود آلة الفهم لديهم، وَمَلَكة العقل عندهم".
وفى سورة التوبة عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣١] : ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله والمسيح ابن مَرْيَمَ وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلاها وَاحِداً لاَّ إلاه إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يقول ما نَصه: " ... وفى هذه الآية ما يزجر مَن كان له قلب أو أَلقى السمع وهو شهيد عن التقليد فى دين الله، وإيثار ما يقوله الأسلاف على ما فى الكتاب العزيز، والسُّنَّة المطهَّرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدى بقوله، ويستَّن بسُنَّته من علماء هذه الأُمة، مع مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله وبراهينه، ونطقت به كتبه وأنبياؤه، هو كاتخاذ اليهود والنصارى الأخبار والرهبان أرباباً من دون الله. للقطع بأنهم لم يعبدوهم، بل أطاعوهم، وحرَّموا ما حرَّموا. وحلَّلوا وهذا هو صنيع المقلِّدين من هذه الأمة، وهو أشبه به مِنْ شبَّه البيضة بالبيضة، والتمرة بالتمرة، والماء بالماء. فيا عباد الله، ويا أتباع محمد بن عبد الله؛ ما بالكم تركتم الكتاب والسُّنَّة جانباً، وعمدتم إلى رجال هم مثلكم فى تعبد الله لهم بهما، وطلبه منهم للعمل بما دلا عليه وأفاداه؟ فعلتم بما جاءوا به من الآراء التى لم تعمد بعماد الحق، ولم تعضد بعضد الدين، ونصوص الكتاب والسُّنَّة تنادى بأبلغ
стр. 546
نداء، وتُصوِّت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه، فأعرتموهما آذاناً صُما، وقلوباً غُلْفاً، وأفهاماً مريضة، وعقولاً مهيضة، وأذهاناً كليلة، وخواطر عليلة، وأنشدتم بلسان الحال:
وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويتُ وإن ترشد غزية أرشد
فدعوا - أرشدكم الله وإياى - كتباً كتبها لكم الأموات من أسلافكم، واستبدلوا بها كتاب الله خالقهم وخالقكم، ومتعبدهم ومتعبدكم، ومعبودهم ومعبودكم، واستبدلوا بأقوال من تدعونهم بأئمتكم وما جاءوكم به من الرأى، بأقوال إمامكم وإمامهم، وقدوتكم وقدوتهم، وهو الإمام الأول محمد بن عبد الله ﷺ .
دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمِنٌ فى دينه كمخاطر
اللَّهم هادى الضال، مرشد التائه، موضح السبيل ... اهدنا إلى الحق، وأرشدنا إلى الصواب، وأوضح لنا منهج الهداية".
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآيات [٥٢-٥٤] من سورة الأنبياء: ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هاذه التماثيل التي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ نجده يذم المقلِّدة، وأَئمة المذاهب بما لا يليق أن يصدر من عالِم فى حق عالِم آخر ربما كان أفضل منه عند الله، وذلك حيث يقول: " ... وهكذا يجيب هؤلاء المقلِّدة من أهل هذه المِلَّة الإسلامية، فإن العالم بالكتاب والسُّنَّة إذا أنكر عليهم العمل بمحض الرأى المدفوع بالدليل ... قالوا: هذا قد قال به إمامنا الذى وجدنا آباءنا له مقلِّدين، وبرأيه آخذين. وجوابهم هو ما أجاب به الخليل ههنا: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وآبَاؤُكُمْ فِى ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ . أى في خسران واضح لا يخفى على أحد، ولا يلتبس على ذى عقل، فإن قوم إبراهيم عبدوا الأصنام التى لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر، وليس بعد هذا الضلال ضلال، ولا يساوى هذا الخسران خسران. وهؤلاء المقلِّدة من أهل الإسلام استبدلوا بكتاب الله وبسُنَّة رسوله كتاباً قد دُوِّنت فيه اجتهادات عالِم من علماء الإسلام، زعم أنه لم يقف على دليل يخالفها، إما لقصور منه، أو لتقصير فى البحث، فوجد ذلك الدليل مَن وجده، وأبرزه واضح المنار، كأنه عَلَم فى رأسه نار، وقال: هذا كتاب الله، أو هذه سُنَّة رسول الله، وأنشدهم:
دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمِنٌ فى دينه كمخاطر
فقالوا كما قال الأول:
وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويتُ وإن ترشد غزية أرشد
стр. 547
وقد أحسن مَن قال:
يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ... ومنهج الحق له واضح
* *
حياة الشهداء
هذا ... وإن الشوكانى ليقرر فى تفسيره هذا: أن الشهداء أحياء عند ربهم يُرزقون، حياة حقيقية لا مجازية، وذلك حيث يقول عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٦٩] من سورة آل عمران: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ : " ... وقد اختلف أهل العلم فى الشهداء المذكورين فى هذه الآية مَن هم؟. فقيل: شهداء أُحُد. وقيل: فى شهداء بدر. وقيل: فى شهداء بئر معونة ... على فرض أنها نزلت فى سبب خاص فالاعتبار بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب.. ومعنى الآية عند الجمهور: أنهم أحياء حياة محققة. ثم اختلفوا: فمنهم مَن قال: إنها تُرد إليهم أرواحهم فى قبورهم فيتنعمون. وقال مجاهد: يُرزقون من ثمر الجنة، أي يجدون ريحها وليسوا فيها. وذهب مَن عدا الجمهور إلى أنها حياة مجازية، والمعنى: أنهم فى حكم الله مستحقون للنعم فى الجنة، والصحيح الأول، ولا موجب للمصير إلى المجاز، وقد وردت السُّنَّة المطهَّرة بأن أرواحهم في أجواف طيور خضر، وأنهم فى الجنة يُرزقون ويأكلون ويتمتعوْن".
* *
التوسل
ولكنه مع هذه الموافقة للجمهور، نراه يقف من مسألة التوسل بالأنبياء والأولياء موقف المعارضة، ويفيض فى الإنكار على مَن يفعل ذلك فى سورة يونس عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٩] : ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ ... يقول ما نصه: " ... وفى هذا أعظم واعظ، وأبلغ زاجر لمن صار دينه وهجيراه المناداة لرسول الله ﷺ ، والاستغاثة به عند نزول النوازل التى لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه، وكذلك مَن صار يطلب من الرسول ﷺ ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه، فإن هذا مقام رب العالمين، الذى خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين، ورزقهم وأحياهم ويميتهم، فكيف يُطلب من نبى من الأنبياء، أو مَلَك من الملائكة، أو صالح من الصالحين، ما هو عاجز عنه غير قادر عليه ويترك الطلب لرب الأرباب، القادر على كل شىء، الخالق الرازق، المعطى المانع، وحسبك بما فى هذه الآية موعظة، فإن هذا سيد ولد آدم، وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده: ﴿لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾ ، فكيف يملكه لغيره؟ وكيف يملكه غيره ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه فضلاً عن أن يملكه لغيره؟ فيا عجبا لقوم يعكفون على قبور الأموات
стр. 548
الذين صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله . كيف لا يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك، ولا يتنبهون لما حلَّ بهم من المخالفة لمعنى "لا إله إلا الله" ومدلول: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ . [الاخلاص: ١] .
"وأعجب من هذا، اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشد منها، فإن أُولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق، المحيي المميت، الضار النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله، ومقرِّبين لهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع، وينادونهم تارة على الاستقلال، وتارة مع ذى الجلال، وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه، ومُطهِّر شريعته من أوضار الشرك، وأدناس الكفر. ولقد توسل الشيطان - أخزاه الله - بهذه الذريعة إلى ما تقر به عينه، وينثلج به صدره، من كفر كثير من هذه الأُمة المباركة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً!! إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون".
* *
موقفه من المتشابه
ثم إن المؤلف - كما قلنا فى ترجمته - سَلَفى العقيدة، فكل ما ورد فى القرآن من ألفاظ توهم التشبيه حملها على ظاهرها، وفوَّض الكيف إلى الله، ولهذا نراه مثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٥٥] من سورة البقرة: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض﴾ . يقول: "الكرسى: الظاهر أنه الجسم الذى وردت الآثار بصفته كما سيأتى بيان ذلك. وقد نفى وجوده جماعة من المعتزلة، وأخطأوا فى ذلك خطئاً بيِّناً، وغلطوا غلطاً فاحشاً، وقال بعض السَلَف: إن الكرسى هنا عبارة عن العلم، ومنه قول الشاعر:
تحف بهم بيض الوجوه وعصبة ... كراسى بالأخبار حين تنوب
ورجَّح هذا القول ابن جرير. وقيل: كرسيه: قدرته التي يمسك بها السموات والأرض، كما يقال: اجعل لهذا الحائط كرسياً ... أى ما يعمده. وقيل: إن الكرسى هو العرش، وقيل: هو تصوير لعظمته ولا حقيقة له. وقيل: هو عبارة عن الملك. والحق القول الأول. ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقى إلى مجرد خيالات وضلالات".
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٤] من سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ ... الآية، يقول ما نصه: "قد اختلف العلماء فى معنى هذا على أربعة عشر قولاً، وأحقها وأولاها
стр. 549
بالصواب مذهب السَلَف الصالح: أنه استوى سبحانه عليه بلا كيف، بل على الوجه الذى يليق به مع تنزهه عما لا يجوز عليه".
* *
موقفه من آراء المعتزلة
وبالرغم من أن الزيدية تأثروا كثيراً بتعاليم المعتزلة، وأخذوا عنهم آراءهم وعقائدهم فى غالب مسائل الكلام، فإنَّا نجد صاحبنا لا يميل إلى القول بمبادئهم بل ونجده يرد عليهم، ويعارضهم معارضة شديدة فى كثير من المواقف.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ ... . الآية، يقول ما نصه: " ... وإنما عوقبوا بأخذ الصاعقة لهم، لأنهم طلبوا ما لم يأذن الله به من رؤية الدنيا، وقد ذهبت المعتزلة ومَن تابعهم إلى إنكار الرؤية فى الدنيا والآخرة. وذهب مَن عداهم إلى جوازها فى الدنيا، ووقوعها فى الآخرة. وقد تواترت الأحاديث الصحيحة بأن العباد يرون ربهم فى الآخرة، وهى قطعية الدلالة، لا ينبغى لمنصف أن يتمسك فى مقابلها بتلك القواعد الكلامية التى جاء بها قدماء المعتزلة، وزعموا أن العقل قد حكم بها، دعوى مبنية على شفا جرف هار، وقواعد لا يغتر بها إلا مَن لم يحظ من العلم بنصيب نافع".
كذلك نراه يرد على الزمخشري فى دعواه: أن دخول الجنة مستحَق بسبب العمل الصالح، فيقول عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٣] من سورة الأعراف: ﴿ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ : " ... . قال الكشاف: "بسبب أعمالكم لا بالتفضل كما تقول المبطلة". أقول: يا مسكين ... هذا قاله رسول الله ﷺ فيما صح عنه: "سددوا وقاربوا واعملوا. إنه لن يدخل أحد الجنة بعمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمته" والتصريح بسبب لا يستلزم نفى سبب آخر، ولولا التفضل من الله على العامل بإقداره على العمل لم يكن عمل أصلاً، فلو لم يكن التفضل إلا بهذا الإقدار لكان القائلون به محقة لا مبطلة. وفى التنزيل: ﴿ذلك الفضل مِنَ الله﴾ ، [النساء: ٧٠] وفيه: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ﴾ [النساء: ١٧٥] .
كذلك نراه ينكر على المعتزلة القائلين: بأن العين لا تأثير لها فى المعين، وذلك حيث يقول عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦٧] من سورة يوسف: ﴿وَقَالَ يابني لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾ ... الآية: "وقد أنكر بعض المعتزلة كأبى هاشم والبلخى، أن للعين تأثيراً، وليس هذا بمستنكر من هذين
стр. 550
وأتباعهما، فقد صار دفع أدلة الكتاب والسُّنَّة بمجرد الاستبعادات العقلية دأبهم وديدنهم، وأى مانع من إصابة العين بتقدير الله سبحانه لذلك، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بأن العين حق، وأُصيب بها جماعة فى عصر النبوة. ومنهم رسول الله ﷺ . وأعجب من إنكار هؤلاء لما وردت به نصوص هذه الشريعة ما يقع من بعضهم من الازدراء على مَن يعمل بالدليل المخالف، لمجرد الاستبعاد العقلى، والتنطع فى العبارات، كالزمخشرى فى تفسيره، فإنه فى كثير من المواطن لا يقف عند دفع دليل الشرع بالاستبعاد، حتى يضم إلى ذلك الوقاحة فى العبارة، على وجه يوقع المقصرين فى الأقوال الباطلة، والمذاهب الزائفة. وبالجمة، فقول هؤلاء مدفوع بالأدلة المتكاثرة. وإجماع مَن يُعتد به من هذه الأمة سَلَفاً وخَلَفاً، وبما هو مُشاهَد فى الوجود، فكم من شخص من هذا النوع الإنسانى، وغيره من أنواع الحيوان هلك بهذا السبب".
ويقف الشوكانى من المعتزلة موقف المعارضة فى مسألة غفران الذنوب. فعندما تعرَّض لتفسير قوله تعالى فى الآية [٥٣] من سورة الزمر: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ ... الآية، نجده يقول: " ... وأما ما يزعمه جماعة من المفسِّرين من تفسير هذه الآية بالتوبة، وأنها لا تغفر إلا ذنوب التائبين. وزعموا أنهم قالوا ذلك للجمع بين الآيات، فهو جمع بين الضب والنون، وبين الملاح والحادى، وعلى نفسها براقش تجنى، ولو كانت هذه البشارة العظيمة مقيدة بالتوبة لم يكن لها كثير موقع، فإن التوبة من المشرك يغفر الله له بها ما فعله من الشرك بإجماع المسلمين، وقد قال: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ ... فلو كانت التوبة قيداً في المغفرة لم يكن للتنصيص على الشرك فائدة، وقد قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ﴾ ... قال الواحدى: المفسِّرون كلهم قالوا: إنّ هذه الآية فى قوم خافوا إن أسلموا أن لا يُغفر لهم ما جنوا من الذنوب العظام، كالشرك، وقتل النفس، ومعاداة النبي ﷺ . قلت: هب أنها فى هؤلاء فكان ماذا؟ فإن الاعتبار بما اشتملت عليه من العموم لا بخصوص السبب، كما هو متفق عليه بين أهل العلم. ولو كانت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية مقيدة بأسبابها غير متجاوزة لها، لارتفعت أكثر التكاليف عن الأمة إن لم ترتفع كلها، واللازم باطل بالإجماع، فالملزوم مثله".
* *
موقف الشوكانى من مسألة خلق القرآن
هذا.. ولم يرض الشوكانى موقف أهل السُّنَّة، ولا موقف المعتزلة من مسألة خلق القرآن، وإنما رضى أن يكون من العلماء الوقوف فى هذه المسألة، فلم يجزم فيها برأى،
стр. 551
وراح ينحى باللائمة على مَن يقطع بأن القرآن قديم أو مخلوق، فعندما تعرَّض لتفسير قوله تعالى فى الآية [٢] من سورة الأنبياء: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ استمعوه وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ يقول ما نصه: " ... وقد استدل بوصف الذكّر بكونه مُحْدثاً على أن القرآن محدَث، لأن الذكر هنا هو القرآن، وأجيب بأنه لا نزاع فى حدوث المركب من الأصوات والحروف، لأنه متجدد فى النزول، فالمعنى: محدث تنزيله "وإنما النزاع فى الكلام النفسى. وهذه المسألة - أعنى قدم القرآن وحدوثه - قد ابتلى بها كثير من أهل العلم ... ولقد أصاب أئمة السُّنَّة بامتناعهم من الإجابة إلى القول بخلق القرآن وحدوثه، وحفظ الله بهم أُمة نبيه عن الابتداع، ولكنهم ﵏ جاوزوا ذلك إلى القول بِقدَمه، ولم يقتصروا على ذلك حتى كفَّروا من قال بالحدوث، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من قال: لفظى بالقرآن مخلوق، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير مَن وقف، وليتهم لم يجاوزوا حد الوقف، وإرجاع العلم إلى علام الغيوب، فإنه لم يُسمع من السَلَف الصالح من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم إلى وقت قيام المحنة وظهور القول فى هذه المسألة شىء من الكلام، ولا تُنقل عنهم كلمة فى ذلك، فكان الامتناع من الإجابة إلى ما دعوا إليه، والتمسك بأذيال الوقف، وإرجاع علم ذلك إلى عالمه. هو الطريقة المثلى، وفيه السلامة والخلوص من تكفير طوائف من عباد الله، والأمر لله سبحانه".
هذا هو أهم ما فى تفسير الشوكانى من البحوث التى أعطى فيها لنفسه حرية واسعة. خوَّلت له أن يسخر من عقول العامة، وأن يهزأ من تعاليم المعتزلة، وأن يُندَّد ببعض مواقف أهل السُّنَّة. وأحسب أن الرجل قد دخله شىء من الغرور العلمى، فراح يوجه لومه لهؤلاء وهؤلاء، وليته وقف منهم جميعاً موقف الحاكم النزيه، والناقد العف ... وعلى الجملة، فالكتاب له قيمته ومكانته، وإن كان لا يعطينا الصورة الواضحة للتفسير عند الإمامية الزيدية، ونرجو أن نوفق إلى العثور على بعض ما لهم فى التفسير، وأحسب أنه كثير. والكتاب مطبوع فى خمس مجلدات، ومتداوَل بين أهل العلم.
* *
стр. 552
الخوارج وموقفهم من تفسير القرآن الكريم
كلمة إجمالية عن الخوارج
بعد مقتل عثمان رضى الله عنه، نشط أنصار علىّ ﵁ فى الدعوة له، حتى أخذوا له البَيْعة من المسلمين، ليكون خليفة لهم ... ولكن لم تكد تتم له البَيْعة حتى قام ثلاثة من كبار الصحابة ينازعونه الأمر، لاعتقادهم أن الحق فى غير جانبه.. وهؤلاء الصحابة هم: معاوية ابن ابي سفيان، وطلحة بن عبد الله، والزبير بن العوام.
وكان لعلىّ - رضى الله عنه - شيعة وأنصار، وكان لمعاوية ﵁ شيعة وأنصار كذلك. وكانت حروب طاحنة بين الفريقين!!. كان الغلب فيها لعلىّ وحزبه، إلى ان جاءت موقعة صفين، فكاد الفشل يحيق بجيش معاوية، وأوشكت الهزيمة أن تُحدق به، لولا أن لجأ إلى حيلة رفع المصاحف على أسِّنَة الرماح، طلباً للهدنة، ورغبة في التحكيم بين الحزبين. وبعد أخذ ورد بين جيش علىّ فى قبول التحكيم وعدمه. رأى علىّ رضى الله اعنه قبول التحكيم، رغبة منه فى حقن الدماء. واختار معاوية: عمرو ابن العاص ليمثله، واختار أصحاب علىّ: أبا موسى الأشعرى.
وكان قبول علىّ - رضى الله عنه - لمبدأ التحكيم أول عامل من عوامل التصدع فى جيشه وحزبه، إذ أن بعض شيعته رأوا أن التحكيم خطأ، لأن الحق ظاهر فى جانب علىّ، ولا يعتوره شك فى نظرهم، وقبول التحكيم دليل الشك من علىّ فى أحقيته بالخلافة، وهم إنما قاموا معه فى حروبه لاعتقادهم بأن الحق فى جانبه، فكيف يشك هو فيه؟
لم يرض هؤلاء بفكرة التحيكم. فخرجوا على علىّ، ولم يقبلوا أن يرجعوا إليه إلا إذا أقرّ على نفسه بالكفر، لقبوله التحكيم، وإلا إذا نقض ما أبرم من الشروط بينه وبين معاوية، ولكن علياً رضى الله عنه لم يستجب لرغبتهم هذه، فأخذوا كلما خطب علىّ أو ضمَّه وإياهم مكان جامع رفعوا أصواتهم بقوله: "لا حكم إلا لله".
وكان التحكيم، وفيه خدع عمرو بن العاص أبا موسى الأشعرى، فلم يكن إلا تحكيماً فاشلاً، أمال قلوب كثير من الناس إلى ناحية الخوراج، وأخيراً وبعد يأس الخوارج من رجوع علىّ إليهم اجتمعوا فى منزل أحدهم، وخطب فيهم خطبة حثَّهم على التمسك بمبدئهم والدفاع عنه، وطلب منهم الخروج من الكوفة إلى قرية بالقرب منها يقال لها "حروراء"، فخرجوا إليها وأمَّروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبى،
стр. 553
ووقعت بينهم وبين علىّ حروب طاحنة هزمهم فيها، ولكن لم يقض عليه. وأخيراً دبروا له مكيدة قتله، فقتله عبد الرحمن بن ملجم.
وجاءت دولة الأُمويين، فكان الخوارج شوكة فى جنبها يهدودنها ويحاربونها، حتى كادوا يقضون عليها. ثم جاءت الدولة العباسية، فكان بينهم وبينها حروب كذلك، ولكن لم يكونوا فى قوتهم الأولى، لتفرق كلمتهم وتشتت وحدتهم، وضعف سلطانهم، وخور قواهم.
دبَّت فى وحدة الخوارج جرثومة التفرق، وأُصيبوا بداء التحزب، فبلغ عدد أحزابهم عشرين حزباً، كل حزب يفارق الآخر فى المبدأ والعقيدة ... ولكن يجمع الكل على مبدأين اثنين:
أحدهما: إكفار علىّ، وعثمان، والحَكَمين، وأصحاب الجمل، وكل مَن رضى بتحكيم الحَكَمين.
وثانيهما: وجوب الخروج على السلطان الجائر.
وهناك مبدأ ثالث يقول به أكثر الخوارج، وهو: الإكفار بارتكاب الكبائر.
هذا.. وقد وضع الخوارج مبدأ للخلافة فقالوا: "إن الخلافة يجب أن تكون باختيار حر من المسلمين، وإذا اختير الخليفة فليس يصح أن يتنازل أو يُحَكِّم، وليس بضرورى أن يكون الخليفة قرشياً، بل يصح أن يكون من قريش ومن غيرهم، ولو كان عبداً حبشياً، وإذا تم الاختيار كان رئيس المسلمين ويجب أن يخضع خضوعاً تاماً لما أمر الله، وإلا وجب عزله، ولهذا أمَّروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبى، ولم يكن قرشياً".
وعلى هذا حكموا بصحة خلافة أبى بكر وعمر، وبصحة خلافة عثمان فى سنيه الأولى، فلما غيَّر وبدَّل ولم يسر سيرة الشيخين - كما زعموا - وجب عزله، وأقروا بصحة خلافة علىّ أولاً، ثم خرجوا عليه بعد أن أخطأ فى التحكيم، وكفر به كما يزعمون!!
ولا يسعنا فى تلك العُجالة إلا أن نطوى الحديث عن التعرض لكل فرقة من فرق الخوارج، ولكن نكتفى بالكلام عن أشهرها، وهى ما يأتى:
أولا - الأزارقة: وهم أتباع نافع بن الأزرق، وهم يُكَفِّرُون من عداهم من المسلمين، ويُحَرِّمُون أكل ذبائحهم ومناكحتهم، ولا يُجيزون التوارث بينهم، ويعاملونهم معاملة الكفار من المشركين ... إما الإسلام، وإما السيف، ودارهم دار حرب، ويحل قتل نسائهم وأطفالهم، ولا يقولون برجم الزانى المحصن، ولا يقولون بحد مَن
стр. 554
يقذف المحصنين من الرجال ... أما قاذف المحصنات فعليه الحد قطعاً. ولا يرون جواز التقية.
ثانياً - النجدات: وهم أتباع نجدة بن عامر، وهم يرون أنه لا حاجة للناس إلى إمام قط، بل عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم، فإن رأوا أن الحاجة تدعو إلى إمام أقاموه، وإلا فلا. كما أنهم يُكَفِّرون من يقول بإمامة نافع ابن الأزرق، ويُكَفِّرون مَن يُكَفِّر القاعدين عن الهجرة لنافع وحزبه ويقولون: إن الدين أمران:
أحدهما: معرفة الله تعالى، ومعرفة الرسول، والإقرار بما جاء به جملة، فهذا واجب معرفته على كل مُكلَّف.
وثانيهما: ما عدا ما تقدم، فالناس معذورون بجهالته إلى أن تقوم عليهم الحُجَّة.
فمَن استحل شيئاً حراماً باجتهاد فله عذره، وهم يعظمون جريمة الكذب، ويجعلونها أكبر جُرْماً من شرب الخمر والزنا.
ومن بدع "نجدة" أنه تولى أصحاب الحدود من موافقيه، وقال: لعل الله يعذبهم بذنوبهم فى غير نار جهنم، ثم يُدخلهم الجنة، وزعم أن النار يدخلها مَن خالفه فى دينه.
ثالثاً - الصفرية: وهم أتباع زياد بن الأصفر، وهم يقولون بأن أصحاب الذنوب مشركون، غير أنهم لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم كما ترى الأزارقة ذلك. ومن الصفرية مَن يخالف فى ذلك فيقول: كل ذنب له حد فى الشريعة لا يسمى مرتكبه مشركاً، ولا كافراً، بل يُدعى باسمه المشتق من جريمته يقال: سارق، وقاتل، وقاذف ... وكل ذنب ليس فيه حد معلوم فى الشريعة مثل الإعراض عن الصلاة فمرتكبه كافر ... ولا يُسمى مرتكب واحد من هذين النوعين جميعاً مؤمناً، ومنهم مَن يقول: إن صاحب الذنب لا يُحكم عليه بالكفر حتى يُرفع إلى الوالى فيحده ويحكم بكفره.
رابعاً - الإباضية: وهم أتباع عبد الله بن إباض، وهم أعدل فِرَق الخوارج، وأقربها إلى تعاليم أهل السُّنَّة، وهم يُجمعون على أن مخالفيهم من المسلمين ليسوا مشركين، ولا مؤمنين، ولكنهم كفار. ويُروى عنهم أنهم يريدون: كفر النعمة، وأجازوا شهادة مخالفيهم من المسلمين، ومناكحتهم، والتوارث معهم، وحرَّموا دماءهم فى السر دون العلانية. لأنهم محاربون لله ولرسوله، ولا يدينون دين الحق، ودارهم دار توحيد إلا معكسر السلطان، واستحلوا من غنائمهم: الخيل والسلاح، وكل ما فيه قوة حربية لهم. ولم يستحلوا غنائم الذهب والفضة، بل يردونها لأهلها.
стр. 555
واختلفوا فى النفاق على ثلاثة أقوال:
فريق يرى أن النفاق براءة من الشرك والإيمان معاً، ويحتج بقوله تعالى فى الآية [١٤٣] من سورة النساء: ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هاؤلاء وَلاَ إِلَى هاؤلاء﴾ ..
وفريق يرى أن كل نفاق هو شرك، لأنه ينافى التوحيد.
وفريق ثالث يرى أن النفاق لا يُسمى به غير القوم الذين سمَّاهم الله تعالى منافقين.
وهناك مخالفة لبعض الإباضية فى بعض المسائل. لا نعرض لها هنا، مخافة التطويل.
هذه هى أهم فِرَق الخوراج، وهذه هى أهم ما لهم من تعاليم وعقائد، نضعها بين يدى القارئ قبل أن نتكلم عن موقفهم من التفسير، ليكون على علم بها، وليعلم بعد ذلك مقدار الصلة بينها وبين ما لهم من تفسير.
* *
مواقف الخوارج من تفسير القرآن الكريم
تعددت فِرَق الخوارج، وتعددت مذاهبهم وآراؤهم، فكان طبيعياً - وهم ينتسبون إلى الإسلام، ويعترفون بالقرآن - أن تبحث كل فرقة منهم عن أُسس من القرآن الكريم، تبنى عليها مبادئها وتعاليمها، وأن تنظر إلى القرآن من خلال عقيدتها، فما رأته فى جانبها - ولو ادعاءً - تمكست به، واعتمدت عليه. وما رأته فى غير صالحها حاولت التخلص منه بصرفه وتأويله، بحيث لا يبقى متعارضاً مع آرائها وتعاليمها.
* *
سلطان المذهب يغلب على الخوارج فى فهم القرآن
والذى يقرأ تاريخ الخوارج، ويقرأ ما لهم من أفكار تفسيرية، يرى أن المذهب قد سيطر على عقولهم، وتحكَّم فيها، فأصبحوا لا ينظرون إلى القرآن إلا على ضوئه، ولا يدركون شيئاً من معانيه إلا تحت تأثير سلطانه، لا يأخذون منه إلا بقدر ما ينصر مبادئهم ويدعو إليها.
فمثلاً نرى أن أكثر الخوارج يُجمعون على أن مرتكب الكبيرة كافر، ومخلَّد فى نار جهنم، ونقرأ فى الكتب التي تكلمت عن الخوارج فنجد ابن أبي الحديد - وهو ممن تعرض لهم فى كتابه "شرح نهج البلاغة" - يسوق لنا أدلتهم التى أخذوها من القرآن، وبنوا عليها رأيهم فى مرتكب الكبيرة، كما نجده يناقش هذه الأدلة، ويفندها دليلاً بعد دليل. ونرى أن نمسك عن مناقشة ابن أبى الحديد لهذه الأدلة، ويكفى أن نسوق للقارئ الكريم هذه الآيات التى استندوا إليها، ووجهة نظرهم فيها، فهى التى تعنينا في هذا البحث، وهى التى ترينا إلى أى حد تأثر الخوارج بسلطان العقيدة فى فهم نصوص القرآن.. فمن هذه الأدلة ما يأتى:
стр. 556
قوله تعالى فى الآية [٩٧] من سورة آل عمران: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ .. قالوا: فجعل تارك الحج كافراً.
ومنها قوله تعالى فى الآية [٨٧] من سورة يوسف: ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون﴾ .. قالوا: والفاسق - لفسقه وإصراره عليه - آيس من روح الله، فكان كافراً.
ومنها قوله تعالى فى الآية [٤٤] من سورة المائدة: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولائك هُمُ الكافرون﴾ .. قالوا: وكل مرتكب للذنوب فقد حكم بغير ما أنزل الله.
ومنها قوله تعالى فى الآيات [١٤-١٦] من سورة اللَّيل: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى * لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى * الذي كَذَّبَ وتولى﴾ .. قالوا: وقد اتفقنا مع المعتزلة على أن الفاسق يصلى النار، فوجب أن يُسمى كافراً.
ومنها قوله تعالى فى الآية [١٠٦] من سورة آل عمران: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ .. قالوا: والفاسق لا يجوز أن يكون ممن ابيضت وجوههم، فوجب أن يكون ممن اسودت، ووجب أن يُسمى كافراً، لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ..
ومنها قوله تعالى فى الآيات [٣٨] وما بعدها إلى آخر سورة عبس: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أولائك هُمُ الكفرة الفجرة﴾ ... قالوا: والفاسق على وجهه غبرة، فوجب أن يكون من الكفرة الفَجَرة.
ومنها قوله تعالى فى الآية [١٧] من سورة سبأ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور﴾ .. قالوا: والفاسق لا بد أن يُجازى، فوجب أن يكون كفوراً.
ومنها قوله تعالى فى الآية [٤٢] من سورة الحِجْر: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين﴾ ، وقال فى الآية [١٠٠] من سورة النحل: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ .. قالوا: فجعل الغاوى الذى يتبعه مشركاً.
ومنها قوله تعالى فى الآية [٢٠] من سورة السجدة: ﴿وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النار كُلَّمَآ أرادوا أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ .. قالوا: فجعل الفاسق مُكَذِّباً.
ومنها قوله تعالى في الآية [٣٣] من سورة الأنعام: ﴿ولاكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾ .. قالوا: فأثبت الظالم جاحداً، وهذه صفة الكفار.
стр. 557
ومنها قوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة النور: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك فأولائك هُمُ الفاسقون﴾ .
ومنها قوله تعالى فى الآيات [١٠٢-١٠٥] من سورة المؤمنون: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فأولائك هُمُ المفلحون * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأولائك الذين خسروا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ .. قالوا: فنص سبحانه على أن مَن تخف موازينه يكون مكذِّباً، والفاسق تخف موازينه فكان مكذِّباً، وكل مكذِّب كافر.
ومنها قوله تعالى فلا الآية [٢] من سورة التغابن: ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾ . قالوا: وهذا يقتضى أن مَن لا يكون مؤمناً فهو كافر، والفاسق ليس بمؤمن، فوجب أن يكون كافراً.
هذه بعض الآيات التى تمسَّك بها الخوارج فى موقفهم من مرتكب الكبيرة الذى لم يتب، والتى حسبوا أنها حجج دامغة لمذهب مخالفيهم من المسلمين. ولا يسع الذى يعرف سياق هذه الآيات وسباقها، ويعرف الآيات والأحاديث الواردة فى شأن عصاة المؤمنين، ويتأمل قليلاً فى هذه التخريجات والاستنتاجات التى يقولون بها، لا يسعه بعد هذا كله: إلا أن يحكم بأن القوم متعصبون، ومندفعون بدافع العقيدة، وسلطان المذهب.
وهناك نصوص من القرآن استغلها أفراد من الخوراج، لتدعيم مبادئهم التى يشذون بها عمن عداهم من بعض فِرَق الخوارج، وهى فى مظهرها التفسيرى أكثر تعصباً، وأبلغ تعنتاً، فمن ذلك: أن نافع بن الأزرق كان لا يرى جواز التقية التى هى فى الأصل من مبادئ الشيعة، ويستدل على حُرْمتها بقوله تعالى فى الآية [٧٧] من سورة النساء: ﴿.. إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله﴾ ..
ويرى نجدة بن عامر جواز التقية، ويستدل على ذلك بقوله تعالى فى الآية [٢٨] من سورة غافر: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ .
وأظهر من هذا: أن نجدة بن عامر كان لا يُصَوِّب نافع بن الأزرق فيما يقول به من إكفار القَعَدة، واستحلال قتل أطفال مخالفيه، وعدم رد الأمانات إلى مخالفيه، وغير ذلك من آرائه التى شذَّ بها، فأرسل نجدة إلى نافع رسالة يقول له فيها: ".. وأكفرتَ الذين عذرهم الله تعالى فى كتابه من قعدة المسلمين وضعفتهم. قال الله وقوله الحق ووعده الصدق: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى وَلاَ عَلَى
стр. 558
الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، ثم سماهم - تعالى - أحسن الأسماء فقال: ﴿مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ﴾ . ثم استحللتَ قتل الأطفال وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتلهم، وقال الله جَلَّ ثناؤه: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ ، وقال سبحانه فى القَعَدة خيراً فقال: ﴿وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً﴾ ، فتفضيله المجاهدين على القاعدين لا يدفع منزلة مَن هو دون المجاهدين أَوَ ما سمعت قوله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِي الضرر﴾ .. فجعلهم من المؤمنين، ثم إنك لا تؤدى الأمانة إلى مَن خالفك، والله تعالى قد أمر أن تُؤدَى الأمانات إلى أهلها، فاتق الله فى نفسك، واتق يوماً لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً، فإن الله بالمرصاد، وحكمه العدل، وقوله الفصل. والسلام".
فرد عليه نافع بكتاب جاء فيه: ".. وعِبتَ ما دِنْتُ به من إكفار القَعَدة وقتل الأطفال، واستحلال الأمانة من المخالفين، وسأفسر ذلك إن شاء الله..
أما هؤلاء القَعَدة.. فليسوا كمن ذكرت ممن كان على عهد رسول الله ﷺ ، لأنهم كانوا بمكة مقهورين محصورين لا يجدون إلى الهرب سبيلاً، ولا إلى الاتصال بالمسلمين طريقاً، وهؤلاء قد تفقهوا فى الدين وقرأوا القرآن والطريق لهم نهج واضح، وقد عرفتَ ما قاله الله تعالى فيمن كان مثلهم إذ قالوا: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض﴾ [النساء: ٩٧] ، فقال: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] ، وقال سبحانه: ﴿فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ الله وكرهوا أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ [التوبة: ٨١] ، وقال: ﴿وَجَآءَ المعذرون مِنَ الأعراب لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٠] .. فأخبر بتعذيرهم، وأنهم كذبوا الله ورسوله، ثم قال: ﴿سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٠] . فانظر إلى أسمائهم وسماتهم.
وأما الأطفال.. فإن نوحاً نبى الله كان أعلم بالله منى ومنك، وقد قال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح: ٢٦-٢٧] .. فسمَّاهم بالكفر وهم أطفال وقبل أن يُولدوا، فكيف كان ذلك فى قوم نوح ولا نقوله فى قومنا.. والله تعالى يقول: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزبر﴾ .. وهؤلاء كمشركى العرب لا يُقبل منهم جزية، وليس بيننا وبينهم إلا السيف أو الإسلام.
стр. 559
وأما استحلال أمانات مَن خالفنا. فإن الله تعالى أحلَّ لنا أموالهم كما أحلَّ دماءهم لنا، فدماؤهم حلال طلق وأموالهم فئ للمسلمين".
ولا شك لدينا فى أن نافع بين الأزرق متعصب فى فهمه للآيات على النحو الذى جاء فى رسالته هذه، وهو تعصب بلغ به إلى درجة المغالطة، وإلا فهو جهل منه بمواقع كلام الله، ومدلول آياته.
* *
مدى فهم الخوارج لنصوص القرآن
هذا.. وإن الخوارج عندما ينظرون إلى القرآن لا يتعمقون فى التأويل ولا يغوصون وراء المعانى الدقيقة، ولا يكلِّفون أنفسهم عناء البحث عن أهداف القرآن وأسراره، بل يقفون عند حرفية ألفاظه، وينظرون إلى الآيات نظرة سطحية، وربما كانت الآية لا تنطبق على ما يقصدون إليه، ولا تتصل بالموضوع الذى يستدلون بها عليه، لأنهم فهموا ظاهراً معطلاً، وأخذوا بفهم غير مراد.
ولقد يعجب الإنسان ويدهش عندما يقرأ ما للقوم من سخافات فى فهمهم لبعض نصوص القرآن، أوقعهم فيها التنطع والتمسك بظواهر النصوص، ولكى لا أُتهم بالقسوة فى حكمى هذا، أضع بين يدى القارئ الكريم بعض ما جاء عن القوم، حتى لا يجد مفراً من الحكم عليهم بمثل ما حكمت به.
"رُوىَ أن عبيدة بن هلال اليشكرى اتُهِمَ بامرأة حدَّاد رأوه يدخل منزله بغير إذنه، فأتوا قطرياً فذكروا ذلك له، فقال لهم: إن عبيدة من الدين بحيث علمتم، ومن الجهاد بحيث رأيتم، فقالوا: إنَّا لا نقاره على الفاحشة، فقال: انصرفوا.. ثم بعث إلى عبيدة فأخبره وقال: إنَّا لا نقار على الفاحشة، فقال: بهتونى يا أمير المؤمنين فما ترى؟ قال: إنى جامع بينك وبينهم، فلا تخضع خضوع المذنب، ولا تتطاول تطاول البرئ.. فجمع بينهم فتكلموا، فقام عبيدة فقال: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّ الذين جَآءُوا بالإفك عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ ... الآية [١١] وما بعدها من سورة النور - فبكوا وقاموا إليه فاعتنقوه وقالوا: استغفر لنا.. ففعل".
"ويُروى أن واصل بن عطاء وقع هو وبعض أصحابه فى يد الخوراج فقال لأصحابه: اعتزلوا ودعونى وإياهم - وكانوا قد أشرفوا على العطب - فقالوا: شأنك.. فخرج إليهم فقالوا: ما أنت وأصحابك؟ قال: مشركون مستجيرون ليسمعوا كلام الله ويعرفوا حدوده، فقالوا: قد أجرناكم. قال: فعلِّمونا، فجعلوا يُعلِّمونه أحكامهم، وجعل يقول: قد قبلتُ أنا ومَن معى. قالوا: فامضوا مصاحبين فإنكم إخواننا. قال: ليس
стр. 560
ذلك لكم. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] . فأبلغونا مأمننا، فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: ذلك لكم، فساروا بأجمعهم حتى بلغوهم المأمن".
ومن الخوارج مَن أدَّاه تمسكه بظاهر النصوص إلى أن قال: "لو أن رجلاً أكل من مال يتيم فلسين وجبت له النار، لقوله تعالى فى الآية [١٠] من سورة النساء: ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ ، ولو قتل اليتيم أو بقر بطنه لم تجب له النار، لأن الله لم ينص على ذلك".
وهذا هو ميمون العجردى زعيم الميمونية من الخوارج، يرى جواز نكاح بنات الأولاد وبنات أولاد الإخوة والأخوات ويستدل على ذلك فيقول: "إنما ذكر الله تعالى فى تحريم النساء بالنسب الأُمهات، والبنات، والأخوات، والعمَّات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأُخت، ولم يذكر بنات البنات ولا بنات البنين، ولا بنات أولاد الإخوة، ولا بنات أولاد الأخوات".
ويُروى أن رجلاً من الإباضية أضاف جماعة من أهل مذهبه، وكانت له جارية على مذهبه قال لها: قَدِّمى شيئاً، فأبطأت، فحلف ليبيعها من الأعراب، فقيل له: تبيع جارية مؤمنة من قوم كفار، فقال: ﴿وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا﴾ .. فى الآية [٢٧٥] من سورة البقرة.
وأيضاً نرى أن الخوارج خرجوا على عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، وقالوا: لِمَ خرجت من بيتها، والله تعالى يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ؟.. فى الآية [٣٣] من سورة الأحزاب.
وأيضاً فإن الأزارقة قالوا: مَن قذف امرأة محصنة فعليه الحد، ومن قذف رجلاً محصناً فلا حد عليه، وهذا لأن الله تعالى نص على حد قاذف المحصنات، ولم ينص على حد قاذف المحصنين.
وقالوا - أيضاً - بأن سارق القليل يجب عليه القطع، أخذاً بظاهر قوله تعالى فى الآية [٣٨] من سورة المائدة: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ الله﴾ .
стр. 561
وغير هذا كثير نجده عندهم فى بطون الكتب، وهو لا يدع مجالاً للشك فى أن الخوارج قوم سطحيون فى فهمهم لآيات القرآن الكريم، وإدراك معانيه.
* *
موقف الخوارج من السُّنَّة وإجماع الأمة، وأثر ذلك فى تفسيرهم للقرآن
ولقد كان من أثر جمود الخوارج عند ظواهر النصوص القرآنية. أنهم لم يلتفتوا إلى ما جاء من الأحاديث النبوية ناسخاً لبعض آيات الكتاب. أو مخصصاً لبعض عموماته، أو زائداً على بعض أحكامه، ويظهر أن هذا المبدأ قد تملَّك قلوب الخوارج، وتسلَّط على عقولهم، فنتج عنه أن وضع بعضهم على رسول الله ﷺ هذا الحديث، وهو: "إنكم ستختلفون من بعدى، فما جاءكم عنى فاعرضوه على كتاب الله، وما خالفه فليس عنى" فقد قال عبد الرحمن المهدى: "الزنادقة والخوارج وضعوا حديث: ما أتاكم عنى فاعرضوه على كتاب الله ... إلخ".
كما كان من أثر هذا الجمود عند ظواهر القرآن أيضاً، أنهم لم يلتفتوا إلى إجماع الأمة، ولم يقدِّروه عند فهمهم لنصوص القرآن مع أن الإجماع فى الحقيقة يستند إلى أصل من الكتاب أو السُّنَّة، وليس أمراًَ مبتدعاً فى الدين، أو خارجاً على قواعده وأُصوله.
وفي هذا كله نجد العلامة ابن قتيبة يحدثنا عن بعض أحكام احتج بها الخوارج، وهي مخالفة لإجماع الأُمة. ومناقضة لما صح عن الرسول ﷺ ، وقالوا: يبطلها القرآن.. فيقول:
"قالوا: حكم فى الرجم يدفعه الكتاب.. قالوا: رويتم أن رسول الله ﷺ رجم، ورجمت الأئمة من بعده، والله تعالى يقول فى الإماء: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب﴾ [النساء: ٢٥] ، والرجم إتلاف للنّفس لا يتبعض، فكيف يكون على الإماء نصفه؟.. وذهبوا إلى أن المحصنات: ذوات الأزواج.. قالوا: وفى هذا دليل على أن المحصنة حدها الجَلْد".
"قالوا: حكم فى الوصية يدفعه الكتاب.. قالوا: رويتم أن رسول الله ﷺ قال: "لا وصية لوارث"، والله تعالى يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت إِن تَرَكَ خَيْراً الوصية لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين﴾ [البقرة: ١٨٠] ، والوالدان وارثان على كل حال لا يحجبهما أحد عن الميراث. وهذه الرواية خلاف كتاب الله ".
"قالوا: حكم فى النكاح يدفعه الكتاب.. قالوا: رويتم أن رسول الله ﷺ قال: "لا
стр. 562
تُنكح المرأة على عمَّتها، ولا على خالتها"، وأنه قال: "يُحَرِّم من الرضاع ما يُحَرِّم من النسب". والله يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ١٨٠] ... إلى آخر الآية، ولم يذكر الجمع بين المرأة وعمَّتها وخالتها، ولم يُحَرِّم من الرضاع إلا الأُم المرضعة والأخت بالرضاع.. ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فدخلت المرأة على عمتَّها وخالتها، وكل رضاع سوى الأم والأُخت، فيما أحلَّه الله تعالى".
يحدثنا ابن قتيبة بهذا عنهم، ثم يتولى بنفسه الرد عليهم فى ذلك كله رداً مسهباً فيه إزالة كل شبهة، ودفع كل حُجَّة وردت على ألسن القوم، ولا نطيل بذكر ذلك. ومَن أراد الوقوف عليه، فليرجع إليه فى تأويل مختلف الحديث [ص ٢٤١ - ٢٥٠] .
* *
الإنتاج التفسيرى للخوارج
لم يكن للخوارج من الإنتاج التفسيرى مثل ما كان للمعتزلة، أو الشيعة أو غيرهما من فرق المسلمين، التي خلَّفت لنا الكثير من كتب التفسير، وكل ما وصل إلينا من تفسير الخوراج الأُوَل لم يزد عن بعض أفهام لهم لبعض الآيات القرآنية تضمنها جدلهم، واشتملت عليها مناظراتهم، وذكرنا لك منها كل ما وصل إلى أيدينا، وجميع ما استخلصناه من بطون الكتب المختلفة.
ولكن هل هذا هو كل ما كان للخوارج من تفسير؟ وهل وقف إنتاجهم عند هذا المقدار الضئيل؟ أو كان لهم مع هذا كتب مستقلة فى التفسير، ولكن فقدتها المكتبة الإسلامية على طور الأيام ومر العصور؟
الحق أنى وجهت لنفسى هذا السؤال، وكدت أعجز عن الجواب عنه.. ولكن هيأ الله لى ظرفاً جمعنى مع رجل من الإباضية المعاصرين، يقيم فى القاهرة، فوجهت إليها هذا السؤال نفسه، فأفهمنى أن الإنتاج التفسيرى للخوارج كان قليلاً بالنسبة لإنتاج غيرهم من فِرَق الإسلام، ومع هذا فلم تحتفظ المكتبة الإسلامية من هذا النتاج القليل إلا ببعض منه. لبعض العلماء من الإباضية فى القديم والحديث.
فسألته: وهل تذكر شيئاً من هذه الكتب؟ فذكر لى من الكتب ما يأتى:
١- تفسير عبد الرحمن بن رستم الفارسى.. من أهل القرن الثالث الهجرى.
٢- تفسير هود بن محكم الهوارى.. من أهل القرن الثالث الهجرى.
٣- تفسير أبى يعقوب، يوسف بن إبراهيم الورجلانى.. من أهل القرن السادس الهجرى.
стр. 563
٤- داعي العمل ليوم الأمل.. للشيخ محمد بن يوسف إطفيش.. من أهل القرن الحاضر.
٥- هميان الزاد إلى دار المعاد.. له أيضاً.
٦- تيسير التفسير.. له أيضاً.
فقلت له: وهل يوجد شىء من هذه الكتب إلى اليوم؟
فقال لى: أما تفسير عبد الرحمن بن رستم، فغير موجود. وأما تفسير هود بن محكم، فموجود، ومتداول بين الإباضية فى بلاد المغرب.. وهو يقع فى أربع مجلدات، وقد أطلعنى منه على جزئين مخطوطين عنده، وهما الأول والرابع. أما الأول: فيبدأ بسورة الفاتحة، وينتهى بآخر سورة الأنعام. وأما الرابع: فيبدأ بسورة الزمر، وينتهى بآخر القرآن.
قال: وأما تفسير أبى يعقوب الورجلانى، فغير موجود، ويذكر المحققون من علمائنا أنه من أحسن التفاسير بحثاً، وتحقيقاً، وإعراباً.
وأما تفسير داعى العمل ليوم الأمل، فلم يتمه مؤلفه، لأنه عزم على أن يجعله في اثنين وثلاثين جزءاً، ثم عدل عن عزمه هذا، واشتغل بتفسير هميان الزاد إلى دار المعاد.
وقد أطلعنى مُحدِّثى على أربعة أجزاء من تفسير داعى العمل، فى مجلدين مخطوطين بخط المؤلف، أما أحد المجلدين: فإنه يحتوى على الجزء التاسع والعشرين، والجزء الثلاثين من أجزاء الكتاب، وهو يبدأ بسورة الرحمن، وينتهى بآخر سورة التحريم، وأما المجلد الثانى: فإنه يحتوى على الجزء الحادى والثلاثين، والجزء الثانى والثلاثين، وهو يبدأ بسورة تبارك، وينتهى بآخر القرآن. وقد وجدت بالمجلد الأخير بعض ورقات فيها تفسير أول سورة [ص] ، ويظهر - كما قال مُحدِّثى - أن المؤلف قد ابتدأ تفسيره هذا بسورة الرحمن إلى أن انتهى إلى آخر سورة الناس، ثم بدأ بسورة [ص] ووقف عندها ولم يتم.
وأما تفسير هميان الزاد، فموجود ومطبوع فى ثلاثة عشر مجلداً كباراً، ومنه نسخة فى دار الكتب المصرية، ونسخة أخرى عند مُحدِّثى.
وأما تيسير التفسير، فموجود ومطبوع فى سبع مجلدات متوسطة الحجم، ومنه نسخة بدار الكتب المصرية، وأخرى عند مُحدِّثى أيضاً.
* *
أسباب قِلَّة إنتاج الخوارج فى التفسير
وأنت ترى أن هذه الكتب المذكورة، ما وُجِد منها وما لم يُوجد، كلها للإباضية وحدهم، ولعل السر فى ذلك: أن جميع فِرَق الخوارج ما عدا الإباضية بادت ولم يبق لها أثر.
стр. 564
أما الإباضية فموجودون إلى يومنا هذا، ومذهبهم منتشر فى بلاد المغرب، وحضرموت، وعُمان، وزنجبار.
ولكن بقى بعد هذا سؤال يتردد فى نفسى، ولعله يتردد فى نفس القارئ أيضاً وهو: ما السر فى أن الخوارج قَلَّ إنتاجهم فى التفسير؟
والجواب عن هذا السؤال - كما أعتقد - ينحصر فى أُمور ثلاثة وهي ما يأتى:
أولاً: أن الخوارج كان أكثرهم من عرب البادية، ومن قبائل تميم على الأخص، وقليل منهم كان يسكن البصرة والكوفة مع احتفاظه ببداوته، فكانوا لغلبة البداوة عليهم أبعد الناس عن التطور الدينى، والعلمى، والاجتماعى، وكانوا يمثلون الإسلام الأول فى بساطته، وعلى فطرته، بدون أن تشوبه تعاليم الأُمم الأُخرى. أضف إلى ذلك: احتفاظهم بأهم خصائص أهل البدو من سذاجة التفكير، وضيق التصور، والبُعْد عن التأثر بحضارة الأمم المجاورة لهم.
ثانياً: أنهم شُغِلوا بالحروب من مبدأ نشأتهم. وكانت حروباً قاسية وطويلة، ومتتابعة.. أسلمتهم حروب علىّ إلى حروب الأمويين، وأسلمتهم حروب الأمويين إلى حروب العباسيين التى تركتهم في حالة تشبه الاحتضار، وتؤذن بالفناء، فكان من الطبيعى أن لا تدع الحرب لهم من الوقت ما يتسع للبحث والتصنيف.
ثالثاً: أن الخوارج - مع ما هم عليه من شذوذ - كانوا يخلصون لعقيدتهم، ويتمسكون بإيمانهم إلى حد كبير، ويرون أن الكذب جريمة من أكبر الجرائم، وبه - عند جمهورهم - يخرج الإنسان من عِداد المؤمنين - فلعل هذا دعاهم إلى عدم الخوض في تفسير القرآن، وجعلهم يتورعون عن البحث وراء معانيه، مخافة أن لا يصيبوا الحق فيكونوا قد كذبوا على الله.. وقد سُئِل بعضهم: لِمَ لَمْ تُفسِّر القرآن؟ فقال: "كلما رأيت قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل * لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦] أحجمت عن التفسير".
من أجل هذا كله لم يكن يُنتظر من الخوراج أن يُؤلِّفوا لنا فى التفسير كما ألفَ غيرهم، وليس التفسير وحده هو الذي حُرِم من تصنيف الخوارج وتأليفهم، بل كل العلوم فى ذلك سواء، وما وُجِد لهم من مؤلفات فى علم الكلام، أو الفقه، أو الأُصول، أو الحديث، أو التفسير، أو غير ذلك من العلوم فكله من عمل الإباضية وحدهم، لأن هذه الفِرْقة هى التى عاشت وانتشرت فى كثير من بلاد المسلمين، واستمرت إلى يومنا هذا، وتأثرت بتعاليم المعتزلة وغيرهم، وسايرت التطور العلمى والاجتماعى.
وبعد.. فهذا هو تراث الخوارج في التفسير، وهو تراث نادر عزيز، وما وُجِد منه أندر وأعز، وأرى أن أكتفى بالكلام عن "هميان الزاد إلى دار المعاد" وحده، وعذرى
стр. 565
فى ذلك: أن ما وجدناه من تفسير هود بن محكم، لم يتيسر لنا الاطاع عليه الاطلاع الكافى الذى يعطينا فكرة واضحة عنه، وعن مؤلِّفه، وذلك راجع إلى رداءة خطه، وضياع بعض أوراقه، وتآكل بعضها.
وما وجدناه من تفسير "داعى العمل ليوم الأمل". لم يكن أكثر حظاً من تفسير هود بن محكم.
وأما "تيسير التفسير".. فهو فى الحقيقة خلاصة لما تضمنه "هميان الزاد" فلم يكن الكلام عنه بمعطينا فكرة جديدة عن التفسير عند الإباضية أو عند مُفسِّره على الأقل.
* * *
следующие страницы →