← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12393

التفسير والمفسرون

محمد حسين الذهبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

٥٦٨ هـ (ثمانى وستين وخمسمائة) وبقى بها نحواً من ثلاثين عاماً، تلقى فيها العلم على كثير من الشيوخ حتى ظهر نجمه، وعلا ذكره، وفى سنة ٥٩٨ هـ (ثمان وتسعين وخمسمائة) نزح إلى المشرق وطوَّف فى كثير من البلاد، فدخل الشام، ومصر، والموصل، وآسيا الصغرى، ومكة، وأخيراً ألقى عصاه واستقر به النوى فى دمشق، وتوفى بها فى سننة ٦٣٨ هـ (ثمان وثلاثين وستمائة) ، ودُفِنَ بها، فرحمه الله رحمة واسعة. * * ابن عربى بين أعدائه ومريديه كان ابن عربى شيخ المتصوفة فى وقته، وكان له أتباع ومريدون، يعجبون به إلى حد كبير، حتى لقبوه فيما بينهم بالشيخ الأكبر، والعارف بالله.. كما كان له أعداء ينقمون عليه، ويرمونه بالكفر والزندقة، وذلك لما كان يدين به من القول بوحدة الوجود، ولما كان يصدر عنه من المقالات الموهمة، التى تحمل فى ظاهرها كل معانى الكفر والزندقة، فمن المعجبين بابن عربى: قاضى القضاة مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازى الفيروزآبادى صاحب القاموس، وقد كتب كتاباً يدافع فيه عنه، رداً على رضى الدين به الخياط الذى كتب عن عقيدة ابن عربى ورماه بالكفر. وكمال الدين الزملكانى، من أكابر مشايخ الشام، والشيخ صلاح الدين الصفدى، والحافظ السيوطى، الذى ألَّف فى الدفاع عنه كتاباً سماه "تنبيه الغبى على تنزيه ابن عربى"، وسراج الدين البلقينى، وتقى الدين بن السبكى، وغيرهم. ومن الناقمين عليه: ابن الخياط السابق ذكره، والحافظ الذهبى، وابن تيمية عدو الصوفية على الإطلاق، ولقد بلغ من عداوة بعض الناس لابن عربى أنهم حاولوا اغتياله بمصر، ولكن الله سلَّمه وأنجاه. * * مكانته العلمية لم تقتصر براعة ابن عربى على التصوف، بل برع مع ذلك فى كثير من العلوم، فكان عارفاً بالآثار والسنن. أخذ الحديث عن جمع من علمائه، وكان شاعراً وأديباً، ولذلك كان يكتب الإنشاء لبعض ملوك الغرب. وقد بلغ مبلغ الاجتهاد والاستنباط، وتأسيس القواعد والمقاصد التى لا يحيط بها إلا مَن طالعها، ووقف على حقيقتها. ويقال إنه كان من أنصار مواطنه ابن حزم ومذهبه الظاهرى، ولكنه مع ذلك أبطل التقليد. * * مذهب ابن عربى فى وحدة الوجود أما مذهبه فى وحدة الوجود فهو: أنه يرى أن الوجود حقيقة واحدة. ويعد التعدد

стр. 632

والكثرة أمراً قضت به الحواس الظاهرة "وقد أداه قوله بوحدة الوجود إلى قوله بوحدة الأديان، لا فرق بين سماويها وغير سماويها، إذ الكل يعبدون الإله الواحد المتجلى فى صورهم، وصور جميع المعبودات، والغاية الحقيقية من عبادة العبد لربه: هو التحقق من وحدته الذاتية معه. وإنما الباطل من العبادة: أن يُقصر العبد ربه على مجلى واحد دون غيره، ويسميه إلهاً". "وبالجملة، فمنزلة ابن عربى العلمية كبيرة، ولا أدل على ذلك من مؤلفاته الكثيرة التى تدل على سعة باعه، وتبحره فى العلوم الظاهرة والباطنة، وقد بلغ ما بقى منها إلى اليوم مائة وخمسون كتاباً، ويظهر أن هذا العدد ليس إلا نصف ما ألَّفه ابن عربى فى الواقع". وأهم هذه المؤلفات "الفتوحات المكية" الذى ذاع صيته. وكلف به كثير من الرجال، ثم "فصوص الحكم"، وله ديوان فى الأشعار الصوفية، وكتاب "الأخلاق"، وكتاب "مجموع الرسائل الإلهية"، وغير ذلك من مؤلفاته الكثيرة. غير أن هذه المؤلفات يوجد فى تضاعيفها كثير من الكلمات المشكلة، التى سببت خوص الناس فى عقيدته، ورميهم إياه بالكفر والزندقة، ولكن أتباعه ومريديه ومَن أعجب به من العلماء لم يأخذوا هذه الألفاظ على ظواهرها بل قالوا: إن ما أوهمته تلك الظواهر ليس هو المراد، وإنما المراد أُمور اصطلح عليها متأخروا أهل الطريق غيرة عليها. حتى لا يدَّعيها الكذَّابون. وقد قال السيوطى فى كتابه "تنبيه الغبى على تنزيه ابن عربى": "والقول الفصل فى ابن عربى: اعتقاد ولايته، وتحريم النظر فى كتبه، فقد نُقِل عنه هو أنه قال: نحن قوم يحرم النظر فى كتبنا. قال السيوطى: وذلك لأن الصوفية تواضعوا على ألفاظ اصطلحوا عليها. وأرادوا بها معانى غير المعانى المتعارفة، فمَن حمل ألفاظهم على معانيها المتعارفة بين أهل العلم الظاهر كفر. نص على ذلك الغزالى فى بعض كتبه وقال: إنه شبيه بالمتشابه من القرآن والسُّنَّة، مَن حمله على ظاهره كفر". ومما استدلوا به على أن ابن عربى لا يريد الظاهر الموهم من كلامه: ما يروونه عنه من أنه أنشد بعض إخوانه هذا البيت وهو من نظمه: يا من يرانى ولا أراه ... كم ذا أراه ولا يرانى فاعترض عليه السامع وقال: كيف تقول إنه لا يراك، وأنت تعلم أنه يراك؟ فقال مرتجلاً:

стр. 633

يامن يرانى مجرماً ... ولا أراه آخذاً كم ذا أراه منعماً ... ولا يرانى لائذاً قالوا: فهذا يدل على أن كلام الشيخ لا يُراد به ظاهره، وإنما له محامل تليق به. ومن العلماء مَن يُنزِّه ابن عربى عن هذه العبارات الموهمة ويقول: إن ما جاء من ذلك فهو مدسوس عليه، ويروون فى ذلك أن الشعرانى الذى اختصر الفتوحات قال: "وقد توقفتُ حال الاختصار فى مواضع كثيرة منه، لم يظهر لى موافقتها لما عليه أهل السُّنَّة والجماعة. فحذفتها من هذا المختصر. وربما سهوت فتبعت ما فى الكتاب، كما وقع للبيضاوى مع الزمخشرى، ثم لم أزل كذلك أظن أن المواضع التى حُذفت ثابتة عن الشيخ محيى الدين، حتى قدم علينا الأخ العالِم الشريف شمس الدين السيد محمد بن السيد أبى الطيب المدنى المتوفى سنة ٩٥٥ هـ (خمسة وخمسون وتسعمائة من الهجرة) ، فذاكرته فى ذلك، فأخرج إلىّ نسخة من الفتوحات التى قابلها على النسخة التى عليها خط للشيخ محيى الدين نفسه بقونية، فلم أر فيها شيئاً مما توقفت فيه وحذفته، فعلمت أن النسخ التى فى مصر الآن كلها كتبت من النسخة التى دسوا على الشيخ فيها ما يخالف عقائد أهل السُّنَّة والجماعة، كما وقع له ذلك فى كتاب الفصوص وغيره". ومهما يكن من شىء، فابن عربى مُعقَّد فى أفكاره، موهم فى ألفاظه وتعابيره، مشكل فى أكثر ما يقول. ومع كل هذا فلا أتهمه فى عقيدته، لجهلى باصطلاحات القوم ورموزهم. وكلمه الإنصاف فيه - كما أعتقد - قول الحافظ الذهبى عنه: "وله توسع فى الكلام، وذكاء، وقوة خاطر، وحافظة وتدقيق فى التصوف، وتآليفه جمَّة فى العرفان، ولولا شطحه فى الكلام لم يكن به بأس". * * مذهب ابن عربى فى تفسير القرآن الكريم يقوم مذهب ابن عربى فى التفسير غالباً على نظرية وحدة الوجود التى يدين بها، وعلى الفيوضات والوجدانيات التى تنهل عليه من سحائب الغيب الإلهى، وتنقذف فى قلبه من ناحية الإشراق الربانى. أما من الناحية الأولى: ناحية التأثر بمذهب وحدة الوجود. فإنَّا نراه فى كثير من الأحيان يتعسف فى التأويل، ليجعل الآية تتمشى مع هذه النظرية. وهذا - فيما أعتقد - منهج كله شر فى التفسير، فهو يبدل فيما أراد الله من آياته، ويقسرها على

стр. 634

أن تتضمن مذهبه، وتكون أسانيد له، وهذا ليس من شأن المفسِّر المنصف، الذى يبحث فى القرآن بحثاً مجرداً عن الهوى والعقيدة. وأما من الناحية الثانية: ناحية الفيض الإلهى، فهو واسع الباع فيها، وقد مرَّت بك مقالته فى التفسير الإشارى، ورأيتَ كيف ادَّعى أن كل ما يجرى على لسان أهل الحقيقة من المعانى الإشارية فى القرآن هو فى الحقيقة تفسير وشرح لمراد الله، وإنما عبَّر عنها بالإشارة. تقيَّة من أهل الظاهر، ورأيتَ كيف ادَّعى أن أهل الله - وهم الصوفية - أحق الناس بشرح كتابه، لأنهم يتلقون علومهم عن الله، فهم يقولون فى القرآن على بصيرة، أما أهل الظاهر فيقولون بالظن والتخمين. ثم هو لا يرى فرقاً بين القرآن نفسه، وبين تفسير أهل الله له، من ناحية أن كلا منهما حق ثابت، وصدق لا يعتريه شك، فإذا كان القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه من عند الله، فكذلك أقوال أهل الحقيقة فى التفسير، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، لأنها منزَّلة على قلوبهم من عند الله. يقرر ابن عربى كل هذه المبادئ، ويُصرِّح بها فى فتوحاته، وأنا لا زلت واقفاً عند رأيى الذى قررته آنفاً، وهو: أن دعوى الفيض والإلهام لا يصح أن تكون أصلاً يُحكم به على كتاب الله تعالى. هذا.. وإن ابن عربى لم نظفر له بكتاب فى التفسير، ولكن نجد صاحب كشف الظنون يقول: إنه "صنَّف تفسيراً كبيراً على طريقة أهل التصوف فى مجلدات. قيل إنه فى ستين سِفْراً، وهو إلى سورة الكهف، وله تفسير صغير فى ثمانية أسفار على طريقة المفسِّرين"، وإذا كنا لم نظفر بهذين الكتابين، فإنَّا قد ظفرنا بما فيه بعض الكفاية عنهما، وهو تفسيره لبعض الآيات التى وجدناها متفرقة فى غضون مؤلفاته، كالفصوص، والفتوحات. إليك بعضاً منها لتكون على بصيرة، ولتطمئن إلى حكمى على الرجل فى شرحه لكتاب الله تعالى: نماذج من التفسير الصوفى النظرى له فى سورة نوح عند قوله تعالى فى الآية [٢٥] : ﴿مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ الله أَنصَاراً﴾ .. يقول: ﴿مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ﴾ فهى التى خطت بهم فغرقوا فى بحار العلم بالله وهو الحيرة، ﴿فَأُدْخِلُواْ نَاراً﴾ فى عين الماء، ﴿فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ الله أَنصَاراً﴾ فكان الله عين أنصارهم فهلكوا فيه إلى الأبد". وعند قوله تعالى فى الآيتين [٢٧، ٢٨] من سورة نوح أيضاً: ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً * رَّبِّ اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً

стр. 635

وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَاراً﴾ يقول ما نصه: ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ﴾ أى تدعهم وتتركهم، ﴿يُضِلُّواْ عِبَادَكَ﴾ أي يحيروهم فيخرجوهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرَار الربوبية، فينظروا أنفسهم أرباباً، بعدما كانوا عبيداً، فهم العبيد الأرباب، ﴿وَلاَ يلدوا﴾ أي لا ينتجوا ولا يظهروا، ﴿إِلاَّ فَاجِراً﴾ أى مظهراً ما سُتِر، ﴿كَفَّاراً﴾ أى ساتراً ما ظهر بعد ظهوره، فيظهرون ما سُتِر فيهم، ثم يسترونه بعد ظهوره، فيحار الناظر، ولا يعرف قدر الفاجر فى فجوره، ولا الكافر في كفره، والشخص واحد، ﴿رَّبِّ اغفر لِي﴾ أي استرنى واستر من أجلى، فيُجهَل مقامى وقدرى، كما جُهِل قَدركَ - ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]- ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ كنت نتيجة عنهما، وهما العقل والطبيعة، ﴿وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ أى قلبى، ﴿مُؤْمِناً﴾ أى مصدِّقاً بما يكون فيه من الإخبارات الإلهية، وهو ما حدَّثت به أنفسهم، ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ من العقول، ﴿والمؤمنات﴾ من النفوس، ﴿وَلاَ تَزِدِ الظالمين﴾ من الظلمات أهل الغيب المكتنفين خلف الحُجُب الظلمانية، ﴿إِلاَّ تَبَاراً﴾ أى هلاكاً، فلا يعرفون نفوسهم وشهودهم وجه الحق دونهم". وفى سورة النساء عند قوله تعالى فى الاية [٨] : ﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ .. يقول "لأنه لا ينطق إلا عن الله، بل لا ينطق إلا بالله، بل لا ينطق إلا الله منه فإنه صورتُه". * * نماذج من التفسير الإشارى له فى سورة الأعراف عند قوله تعالى فى الآيتين [٥٧، ٥٨] : ﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ المآء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثمرات كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ والذي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كذلك نُصَرِّفُ الآيات لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ .. نراه يذكر: أنه لما أدركته الفطرة التى لا بد منها لكل داخل فى الطريق، وتحكَّمت فيه، رأى الحق سبحانه، فتلا عليه هاتين الآيتين، قال: فعلمت أنى المراد بهذه الآية، وقلت: ينبه بما تلاه علينا على التوفيق الأول الذى هدانا الله به على يد عيسى وموسى ومحمد سلام الله عليهم جميعهم، فإن رجوعنا إلى هذا الطريق، كان بمبشرة على يد عيسى، وموسى، ومحمد ﵈، ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ وهى العناية بنا، ﴿حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً﴾ وهو ترادف التوفيق، ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ وهو أنا، ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ - وهو ما ظهر علينا من أنوار القبول،

стр. 636

والعمل الصالح، والتعشق به. ثم مثَّل فقال: ﴿كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يشير بذلك إلى خبر ورد عن النبى ﷺ فى البعث - أعنى حشر الأجسام - من أن الله يجعل السماء تُمطر مثل مَنِّى الرجال.. (الحديث) . قال: ﴿والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ وليس سوى الموافقة والسمع والطاعة لطهارة المحل، ﴿والذي خَبُثَ﴾ وهو الذى غلبت عليه نفسه والطبع، وهو معتنى به فى نفس الأمر، ﴿لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً﴾ مثل قوله: "إن لله عباداً يُقادرون إلى الجِنَّة بالسلاسل"، وقوله فى الآية [١٥] من سورة الرعد: ﴿وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ فقلنا: طوعاً لا إلهنا". وفى سورة الحج عند قوله تعالى فى الآيتين [٣٢، ٣٣] : ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق﴾ .. نجده يُفسِّر: ﴿شَعَائِرَ الله﴾ فيقول: ﴿شَعَائِرَ الله﴾ أعلامه، وأعلامه الدلالة الموصلة إليه، ويُفسِّر قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق﴾ .. فيقول: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق﴾ وهو بيت الإيمان عند أهل الإشارات، وليس إلا قلب المؤمن الذى وسع عظمة الله وجلاله". وفى سورة لقمان عند قوله تعالى فى الآية [١٦] : ﴿يابني إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ ... . الآية، نجده يُفسِّر قوله تعالى: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ .. فيقول: "أى عند ذى قلب قاس لا شفقة له على خلق الله. قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] ، * * نماذج من التفسير الظاهر لابن عربى فى سورة الأنعام عند قوله تعالى فى الآية [١٥٣] : ﴿وَأَنَّ هاذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .. يقول: ﴿وَأَنَّ هاذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ فأضافه إليه، ولم يقل: صراط الله، ووصفه بالاستقامة.. ثم قال: ﴿فاتبعوه﴾ الضمير يعود على صراطه، ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل﴾ يعنى شرائع من تقدَّمه ومناهجهم من حيث ما هى شرائع لهم، إلا إن وجد حكم فيها في شرعى فاتبعوه من حيث ما هو شرع لنا لا من حيث ما كان شرعاً لهم، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ يعنى تلك الشرائع، ﴿عَن سَبِيلِهِ﴾ أى عن طريقه الذى جاء به محمد ﷺ ، ولم يقل عن سبيله الله، لأن الكل سبيل الله، إذ كان الله غايتها، ﴿ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أى تتخذون تلك السبيل وقاية تحول بينكم وبين المشى على غيره".

стр. 637

وهذا تفسير مقبول، لجريانه على مقتضى الظاهر من الآية، ولكن نجد صاحبنا أحياناً يشطح فى فهمه لظاهر الآيات شطحات لا نستطيع أن نسلمها له على ظاهرها، وإنما أقول "على ظاهرها" لأنه ربما كان يعنى من وراء هذا الظاهر معنى لا غبار عليه، أراده هو، وجهلته أنا، فمن ذلك أنه يقول: "اعلم - وفقك الله - أن الله أخبر عن نبيه ورسوله ﵇ فى كتابه أنه قال: ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ﴾ فما ثَمَّ إلا مَن هو مستقيم على الحقيقة على صراط الرب، لأنه ما ثَمَّ إلا مَن الحقُّ آخذ بناصيته، ولا يمكن إزالة ناصيته من يد سيده وهو على صراط مستقيم، ونكَّرَ لفظ "دابة" فعمَّ، فأين المعوج حتى نعدل عنه؟ فهذا جبر، وهذه استقامة، فالله يوفقنا فى إنزال كل حكمة فى موضعها". هذه بعض النماذج من تفسير ابن عربى. ومنها تستطيع أن تحكم على فهمه لمعانى القرآن، كما تستطيع أن تقارن بينها وبين ما فى تأويلات القاشانى، المنسوبة لابن عربى، لتقف على مقدار التشابه بين التفسيرين، وتأثر كل منهما بعقيدته فى وحده الوجود. وبعد.. فهذا هو تفسير الصوفية، وهؤلاء هم أهم مفسريه، وهذه هى أهم الكتب المؤلَّفة فيه، ولعلى أكون قد أوفيتُ البحث حقه، وألممتُ بالموضوع من جميع نواحيه. * * *

стр. 638

تفسير الفلاسفة كيف وُجِدت الصلة بين التفسير والفلسفة ؟ فى إبَّان شوكة المِلَّة الإسلامية تُرجِمَت كتب الفلسفة من اللُّغات المختلفة إلى اللُغة العربية، ويرجع الفضل الأكبر فى هذا العمل إلى العباسيين وحدهم، إذ أنهم نظموا الترجمة الإسلامية وشجعوها. بدأ المنصور هذه الحركة المباركة، وتعهدها أبناؤه وأحفاده من بعده، وبلغ بها المأمون - خاصة - القمة، وأضحت بغداد كعبة علمية يحج إليها الطُلاب من كل مكان. ولكى يحقق العباسيون غايتهم استخدموا طائفة من الفُرس والهنود والصابئة والمسيحيين، الذين كانوا على اتصال وثيق بالدراسات القديمة، فنقلوا إلى اللُّغة العربية كتب فلاسفة اليونان، والهند، والفُرس، وغيرهم، ثم أُذيعت هذه الكتب بين المسلمين، فقرأوها قراءة النَهِم المتعطش لهذا النوع من العلم الذى لم يكن لهم به عهد من قبل. قرأ بعض المسلمين هذه الكتب الفلسفية، فلم يرقهم أكثر ما فيها من نظريات وأبحاث، لأنهم وجدوها تتعارض مع الدين، ولا تتفق معه بحال من الأحوال، فكرَّسوا حياتهم للرد عليها، وتنفير الناس منها، وكان على رأس هؤلاء: الغزالى، والفخر الرازى، الذى تعرَّض فى تفسيره لنظريات الفلاسفة التى تبدو فى نظره متعارضة مع الدين، ومع القرآن على الأخص، فردَّها وأبطلها بمقدار ما أسعفته الحُجَّة، وانقاد له الدليل. وقرأ بعض المسلمين هذه الكتب فأعجبوا بها إلى حد كبير، رغم ما فيها من نظريات تبدو متعارضة مع نصوص الشرع القويم، وتعاليمه التى لا يلحقها الشك، ولا تحوم حولها الشبهة.. نعم أعجبوا بها رغم هذا، لأنهم وجدوا أن فى مقدورهم أن يوافقوا بين الحكمة والعقيدة، أو بين الفلسفة والدين، وان يبينوا للناس أن الوحى لا يناقض العقل فى شىء، وأن العقيدة إذا استنارت بضوء الحكمة تمكنت من النفوس، وثبتت أمام الخصوم.. رأوا أن هذا فى مقدورهم، فبذلوا كل ما يستطيعون من حلول ليصلوا الفلسفة بالدين، ويؤاخوا بينهما، حتى يصبح الدين فلسفة، والفلسفة ديناً، وفعلاً وصل فلاسفة المسلمين إلى هذا التوفيق، ولكنه توفيق إن أرضى بعض المسلمين فقد أغضب الكثير منهم، ذلك لأنهم لم يصلوا فى توفيقهم إلا إلى حلول وسطى، صوَّروا فيها التعاليم الدينية تصويراً يبعد كثيراً عن الصور الثابتة المأثورة، ومثل هذه

стр. 639

الحلول لا تصلح للتوفيق بين جانبين متقابلين وطرفين متنافرين، ولذلك لم يجد الغزالى ومَن لَفَّ لفه صعوبة فى الرد على هؤلاء الفلاسفة الموفقين، وإبطال محاولاتهم، التى ظنوا أنهم أرضوا بها رجال الدين الواقفين عند حدوده وتعاليمه. ** كيف كان التوفيق بين الدين والفلسفة ثم إن الفلاسفة الموفقين بين الدين والفلسفة، كانت لهم طريقتان يسيرون عليهما فى توفيقهم. أما الطريقة الأولى: فهى طريقة التأويل للنصوص الدينية والحقائق الشرعية، بما يتفق مع الآراء الفلسفية، ومعنى هذا إخضاع تلك النصوص والحقائق إلى هذه الآراء حتى تسايرهم وتتمشى معها. وأما الطريقة الثانية: فهى شرح النصوص الدينية والحقائق الشرعية بالآراء والنظريات الفلسفية، ومعنى هذا أن تطغى الفلسفة على الدين وتتحكم فى نصوصه، وهذه الطريقة أخطر من الأولى، وأكثر شراً منها على الدين. * * الأثر الفلسفى فى تفسير القرآن الكريم مما تقدم يتضح لك أن علماء المسلمين لم يكونوا جميعاً على مبدأ واحد بالنسبة للآراء الفلسفية، بل وُجِد منهم مَن وقف منها موقف الرفض وعدم القبول، كما وُجِد منهم مَن وقف موقف الدفاع عنها والقبول لها، وكان من هؤلاء وهؤلاء أثر ظاهر فى تفسير القرآن الكريم. أما الفريق المعاند للفلسفة.. فإنه لما فسِّر القرآن اصطدام بهذه النظريات الفلسفية، فرأى من واجبه كمفسِّر أن يعرض لهذه النظريات ويمزجها بالتفسير. إما على طريق الدفاع عنها وبيان أنها لا تتعارض مع نصوص القرآن، وذلك بالنسبة للنظريات الصحيحة عنده والمسلَّمة لديه، وإما على طريق الرد عليها، وبيان أنها لا يمكن أن تساير نصوص القرآن، وذلك بالنسبة للنظريات التى لا يُسلِّمها ولا يقول بها. وهو فى الحالة الأولى يشرح القرآن على ما يوافق هذه النظريات التى لا يراها متعارضة مع الدين، وفى الحالة الثانية لا يمشى على ضوء النظريات الفلسفية فى تفسيره، بل يُفسِّر النصوص على ضوء الدين والعقل وحدهما، دون أن يكون للرأى الفلسفى دخل فى شرح النص القرآنى وبيان معناه، وممن فعل هذا فى تفسيره الإمام فخر الدين الرازى، ودونك التفسير فسترى فيه ما ذكرته. وأما الفريق المسالم للفلسفة، المصدِّق بكل ما فيها من نظريات وآراء، فإنه لما فسَّر بالقرآن سلك طريقاً كله شر وضلال، إذ أنه وضع الآراء الفلسفية أمام عينيه، ثم نظر من

стр. 640

خلالها إلى القرآن. فشرح نصوصه على حسب ما تمليه عليه نزعته الفلسفية المجرَّدة من كل شىء إلا من التعصب الفلسفى.. وأخيراً وجدنا أنفسنا أمام شروح لبعض آيات القرآن، هى فى الحقيقة شروح لبعض النظريات الفلسفية، قُصِدَ بها تدعيم الفلسفة وخدمتها على حساب القرآن الكريم، الذى هو أصل الدين ومنبع تعاليمه. * * من تفسير الفارابى فمن هذه الروح التى طغت عليها الفلسفة، ما تجده للفارابى المتوفى سنة ٣٣٩ هـ (تسع وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة) فى كتابه "فصوص الحكم"، من تفسيره لبعض الآيات والحقائق التى جاء بها القرآن. تفسيراً فلسفياً بحتاً، فمن ذلك أنه يُفسِّر الأوَّلية والآخرية الواردة فى قوله تعالى فى الآية [٣] من سورة الحديد: ﴿هُوَ الأول والآخر﴾ تفسيراً أفلوطونياً مبنياً على القول بِقدَم العالَم فيقول: إنه " الأول من جهة أنه منه ويصدر عنه كل موجود لغيره، وهو أول من جهة أنه بالوجود لغاية قُربه منه، أول من جهة أنَّ كان زمانى يُنسب إليه بكون، فقد وُجِدَ زمان لم يوجد معه ذلك الشىء، ووُجِدَ إذ وُجِدَ معه لا فيه. هو أول، لأنه إذا اعتبر كل شىء كان فيه أولا أثره، وثانياً قبوله لا بالزمان. هو الآخر، لأن الأشياء إذا لوحظت ونُسِبَتْ إليه أسبابها ومباديها وقف عنده المنسوب، فهو آخر لأنه الغاية الحقيقية فى كل طلب، فالغاية مثل السعادة فى قولك: لِمَ شربت الماء؟ فتقول: لتغيير المزاج، فيقال: ولِمَ أردت أن يتغير المزاج؟ فتقول: للصحة، فيقال: لِمَ طلبت الصحة؟ فتقول: للسعادة والخير، ثم لا يورد عليه سؤال يجب أن يُجاب عنه، لأن السعادة والخير تُطلب لذاته لا لغيره.. فهو المعشوق الأولى، فلذلك هو آخر كل غاية، أول فى الفكرة آخر فى الحصول، هو آخر من جهة أن كل زمان يتأخر عنه، ولا يوجد زمان متأخر عن الحق.. ". ويشرح الظاهر والباطن الوارد فى قوله تعالى فى الآية [٣] من سورة الحديد أيضاً ﴿.. والظاهر والباطن﴾ .. فيقول: "لا وجود أكمل من وجوده، فلا خفاء فيه من نقص الوجود، فهو فى ذاته ظاهر، ولشدة ظهوره باطن، وبه يظهر كل ظاهر كالشمس تُظهر كل خفى وتستبطن لا عن خفاء". كما يشرح هذه الجملة مرة أخرى فيقول: "هو باطن لأنه شديد الظهور، غلب ظهوره على الإدراك فخفى، وهو ظاهر من حيث أن الآثار تُنسب إلى صفاته، وتجب عن ذاته فتصدق بها".

стр. 641

ويُفسِّر الوحى بقوله: "والوحى لوح من مراد المَلَك للروح الإنسانية بلا واسطة، وذلك هو الكلام الحقيقى، فإن الكلام إنما يُراد به تصوير ما يتضمنه باطن المخاطِب فى باطن المخاطَب ليصير مثله، فإذا عجز المخاطِب عن مس باطن المخاطَب بباطنه مس الخاتم الشمع فيجعله مثل نفسه، اتخذ فيما بين الباطنين سفيراً من الظاهرين، فتكلم بالصوت أو كتب أو أشار. وإذا كان المخاطَب لا حجاب بينه وبين الروح اطلع عليه اطلاع الشمس على الماء الصافى فانتقش منه، لكن المنتقش فى الروح من شأنه أن يسيح إلى الحسن الباطن إذا كان قوياً، فينطبع فى القوة المذكورة فيُشاهَد، فيكون الموحى إليه يتصل بالمَلَك باطنه، ويتلقى وحيه الكلى بباطنه". كما يشرح الملائكة بأنها "صورة علمية، جواهرها علوم إبداعية قائمة بذواتها، لتحظ الأمر الأعلى فينطبع فى هويتها ما تلحظ، وهى مطلقة، لكن الروح القدسية تخاطبها فى اليقظة، والروح البَشرية تعاشرها فى النوم". * * من تفسير إخوان الصفا ومن الشروح الفلسفية للقرآن أيضاً ما نجده فى رسائل إخوان الصفا، الذين لا زلنا نجهل الكثير عن تاريخ نشأتهم وتكوينهم، والذين كانوا يمتون فى أغلب الظن بصلة إلى الباطنية الإسماعيلية. فمن ذلك أنهم يشرحون الجنَّة والنار، بما يُفهم منه أن الجنَّة هى عالَم الأفلاك، وأن النار هى عالَم ما تحت فلك القمر، وهو عالَم الدنيا، ففى حديثهم عن تجرد النفس واشتياقها إلى عالَم الأفلاك، يقررون أنه لا يمكن الصعود إلى ما هناك بهذا الجسد الثقيل الكثيف، ويقولون: "إن النفس إذا فارقت هذه الجنَّة، ولم يعقها شىء من سوء أفعالها، أو فساد آرائها، وتراكم جهالاتها أو رداءة أخلاقها، فهى هناك فى عالَم الفلك فى أقل من طرفة عين بلا زمان، لأن كونها حيث همتها أو محبوبها كما تكون نفس العاشق حيث معشوقه، فإذا كان عشقها هو الكون مع هذا الجسد، ومعشوقها هو الملذات المحسوسة المموهة الجرمانية، وشهواتها هذه الزينات الجسمانية، فهى لا تبرح من ههنا ولا تشتاق الصعود إلى عالَم الأفلاك، ولا تُفتح لها أبواب السماء ولا تدل الجنَّة مع زمرة الملائكة، بل تبقى تحت فلك القمر، سائحة فى قعر هذه الأجسام المستحيلة المتضادة، تارة من الكون إلى الفساد، وتارة من الفساد إلى الكون: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب﴾ فى الآية [٥٦] من سورة النساء، ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾ - الآية [٢٣] من سورة النبأ - ما دامت السموات والأرض، لا يذوقون فيها برد عالَم الأرواح الذى هو الروح والريحان، ولا يجدون لذة

стр. 642

شراب الجنان المذكور فى القرآن: ﴿ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قالوا إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين﴾ - الآية [٥٠] من سورة الأعراف - الظالمين لأنفسهم.. ويروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الجنَّة فى السماء، والنار فى الأرض". ومن ذلك أنهم يُفسِّرون الملائكة بأنها كواكب الأفلاك فيقولون: "إن كواكب الفلك هم ملائكة الله وملوك سمواته.. خلقهم الله تعالى لعمارة عالمه، وتدبير خلائقه، وسياسة بريته، وهم خلفاء الله فى أفلاكه، كما أن ملوك الأرض هم خلفاء الله فى أرضه". كذلك يرى إخوان الصفا "أن نفس المؤمن بعد مفارقة جسدها تصعد إلى ملكوت السماء وتدخل فى زمرة الملائكة، وتحيا بروح القدس، وتسبح فى فضاء الأفلاك. فى فسحة السموات، فرحة، مسرورة، منعمة، متلذذة، مكرَّمة، مغتبطة"، ويقولون إن ذلك هو معنى قول الله فى الآية العاشرة من سورة فاطر: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ﴾ . كذلك يشرح إخوان الصفا الشياطين شرحاً فلسفياً بحتاً لا يتفق مع ما جاء به الدين فيقولون: "إن الله أشار إلى النفوس ووساوسها بقوله - فى الآية [١١٢] من سورة الأنعام: ﴿شَيَاطِينَ الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً﴾ فشياطين الجن هى النفوس المفارقة الشريرة التى قد استجنت عن إدراك الحواس. وشياطين الإنس هى النفوس المتجسدة المستأنسة بالأجساد". ثم يقولون: "أمثال هذه النفوس التى ذكرناها - يعنون النفوس الخبيثة - هى شياطين بالقوة، فإذا فارقت أجسادها كانت شياطين بالفعل". كما يفهمون أن تسمية الله الشهداء فى قوله فى الآية [٦٩] من سورة النساء: ﴿فأولائك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وَحَسُنَ أولائك رَفِيقاً﴾ بهذا الاسم إنما هو لشهادتهم تلك الأمور الروحانية المفارقة للهيولى، ويعنون بها جنَّة الدنيا ونعيمها. ثم إن إخوان الصفا يعتقدون أن القرآن ما هو إلا رموز للحقائق البعيدة عن أذهان

стр. 643

العامة، ويقولون: إن النبى ﷺ يُخبر خواص أُمته بما جاء به واعتقده بالتصريح فى السر والعلن، غير مرموز ولا مكتوم، ثم يشير إليها، ويرمز عنها عند العوام بالألفاظ المشتركة، والمعانى المحتملة للتأويل بما يعقلها الجمهور، وتقبلها نفوسهم وغير خاف أن هذا هو عين مذهب الباطنية القائل بأن ظواهر القرآن غير مرادة. هذه بعض شروح الفلاسفة من المسلمين لآيات القرآن الكريم، وهى كما ترى شروح تقوم على نظريات فلسفية بحتة، لا يمكن أن يتحملها النص القرآنى بحال من الأحوال. هذا.. ولم نسمع أن فيلسوفاً من هؤلاء الفلاسفة الذين تحكَّمت الفلسفة فى عقولهم، ألَّف لنا تفسيراً كاملاً للقرآن الكريم، وكل ما وجدناه لهم فى ذلك لا يعدو بعض أفهام قرآنية متفرَّقة فى كتبهم التى ألَّفوها فى الفلسفة. وأكثر مَن وجدنا له أثراً فى التفسير من هؤلاء الفلاسفة هو الرئيس أبو علىّ ابن سينا، إذ قد عُثِر له على تفسير قوله تعالى فى الآية [٣٥] من سورة النور: ﴿الله نُورُ السماوات﴾ ... الآية وعلى تفسير سورة الإخلاص، والمعوذتين وبعض آيات أخرى، ولهذا سأعتبر ابن سينا الشخصية الأولى التى كان لها أكبر أثر فى التفسير الفلسفى، فأذكر نُبْذة عن حياته، ثم أعرض لمسلكه فى التفسير فأقول: ترجمة ابن سينا هو الرئيس أبو علىّ الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علىّ بن سينا. كان أبوه من أهل بلخ، ثم انتقل إلى بخارى، وفى قرية من قراها وُلِد له أبو علىّ ابن سينا سنة ٣٧٠ هـ (سبعين وثلاثمائة من الهجرة) . ثم انتقل مع أهله إلى بخارى، ثم طوّف أبو علىّ بعد ذلك فى البلاد، واشتغل بالعلوم، وحصَّل كثيراً من الفنون. حفظ القرآن وله من العمر عشر سنين، وأتقن الأدب، وحفظ أشياء من أُصول الدين، والحساب والجبر، ثم تعلَّم المنطق على أبى عبد الله الناتلى، وفاقه، ثم اشتغل بالعلوم الطبيعية والإلهية، ثم رغب فى علم الطب فقرأ الكتب المؤلَّفة فيه، حتى أصبح بارعاً لا يعدله أحد فيه. كل هذا ولم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، ثم لم تأت عليه سن الثامنة عشرة إلا وقد فرغ من تحصيل العلوم التى عاناها، مما يدل على ذكائه الخارق وذهنه الثاقب. أما تصانيفه فكثيرة، تقارب المائة مصنَّف، ومن أهمها: كتاب الشفاء فى الحكمة،

стр. 644

والنجاة، والإشارات، والقانون، وغير ذلك من كتبه القيمة، التى انتفع الناس بها كثيراً. ولقد جمع أبو علىّ ابن سينا إلى شهرته العلمية شهرة أخرى سياسية، إذ أنه كان يتقلد مع والده الأعمال للسلطان، ولما اضطربت أُمور الدولة أُخرج أبو علىّ من بخارى، وطوَّف ببلاد كثيرة حتى وصل إلى همدان، وهناك تقلَّد الوزارة لشمس الدولة. ثم ثار الجند عليه، وأغاروا على داره، ونهبوها، وقبضوا عليه، وسألوا شمس الدولة قتله فامتنع، ثم أُطلق فتوارى، ثم أعاده شمس الدولة وزيراً بعد ذلك، ولما مات شمس الدولة توجَّه إلى أصبهان، ثم أدركه مرض شديد مات على أثره، وكانت وفاته بهمدان سنة ٤٢٨ هـ (ثمان وعشرين وأربعمائة من الهجرة) ، ودفن بها، فرحمه الله. * * مسلك ابن سينا فى التفسير ابن سينا كمسلم يدين بالقرآن، وفيلسوف محب للفلسفة حريص على سلامة ما فيها من آراء، كان حريصاً كل الحرص على أن يوفق بين الدين والفلسفة، حتى يُرضى ناحيته الدينية والفلسفية. وكان طبيعياً - والقرآن هو الدعامة الأولى من دعائم الإسلام - أن يوفق ابن سينا بين نصوص القرآن والنظريات الفلسفية التى تبدو معارضة لها، وفعلاً قام بهذه العملية التى كانت - فيما أعتقد - شراً على الدين، وإبطالاً لحقائق القرآن الصريحة الثابتة. نظر ابن سينا إلى القرآن، ونظر إلى الفلسفة، فحكَّم النظريات الفلسفية فى النصوص القرآنية، فشرحها شرحاً فلسفياً بحتاً، وكانت طريقته التى يسلكها فى شرحه غالباً هى شرح الحقائق الدينية بالآراء الفلسفية، وذلك لأنه كان يعتقد أن القرآن ما هو إلا رموز رمز بها النبى ﷺ لحقائق تدق على أفهام العامة، عجزت أفهامهم عن إدراكها، فرمز إليها النبى بما يمكنهم أن يدركوه، وأخفى عنهم ما يعجز عن إدراكه عامة الناس إلا الخواص منهم، وهو يقول: "إن المشترط على النبى أن يكون كلامه رمزاً، وألفاظه إيماءً، وكما يذكر أفلاطون فى كتاب النواميس: إنَّ مَن لم يقف على معانى رموز الرسل لم ينل الملكوت الإلهى، وكذلك أجِلَّة فلاسفة يونان وأنبياؤهم كانوا يستعملون فى كتبهم الرموز والإشارات، التى حشوا فيها أسرارهم، كفيثاغورس وسقراط وأفلاطون.. وما كان يمكن النبى محمداً ﷺ أن يوقف على العلم أعرابياً جافياً، ولا سيما البَشر كلهم، إذ كان مبعوثاً إليهم كلهم". وعلى هذا الأساس نظر ابن سينا إلى نصوص القرآن كرموز لا يعرف حقيقتها إلا

стр. 645

الخواص أمثاله، ففسَّرها تفسيراً حكَّم فيه ما لديه من نظريات فلسفية، فكان فى عمله هذا فاشلاً، وبعيداً عن حقيقة الدين، وروح القرآن الكريم. وإليك بعض ما قاله ابن سينا فى بعض نصوص القرآن الكريم، لتقف على مقدار تهافته، وبُعْده عن حقائق القرآن الثابتة: عرض ابن سينا لشرح قوله تعالى فى الآية [١٧] من سورة الحاقة: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ .. ففسَّر العرش بأنه الفلك التاسع الذى هو فلك الأفلاك، وفسَّر الملائكة الثمانية التى تحمل العرش بأنها الأفلاك الثمانية التى تحت الفلك التاسع. وإليك عبارته بنصها: قال: "وأما ما بلَّغ النبى ﷺ عن ربه من قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ "فنقول: إن الكلام المستفيض فى استواء الله تعالى على العرش من أوضاعه: أن العرش نهاية الموجودات المبدعة الجسمانية، وتدَّعى المشبهة من المتشرعين أن الله تعالى على العرش لا على سبيل حلول. هذا، وأما فى كلام الفلسفى فإنهم جعلوا نهاية الموجودات الجسمانية الفلك التاسع الذى هو فلك الأفلاك، ويذكرون أن الله تعالى هناك، وعليه لا على حلول، كما بيَّن أرسطو فى آخر كتاب سماع الكيان. والحكماء المتشرعون أجمعوا على أن المعنَّى بالعرش هو هذا الجُرْم. هذا.. وقد قالوا: إن الفلك يتحرك بالنفس، لأن الحركات إما ذاتية وإما غير ذاتية. والذاتية إما طبيعية، وإما نفسية، ثم بيَّنوا أن نفسها هو الناطق الكامل الفعَّال، ثم بيَّنوا أن الأفلاك لا تفنى ولا تتغير أبد الدهر، وقد ذاع فى الشرعيان أن الملائكة أحياء قطعاً، لا يموتون كالإنسان الذى يموت، فإذا قيل إن الأفلاك أحياء ناطقة لا تموت، والحى الناطق الغير الميت يسمى مَلَكاً، فالأفلاك تُسمى ملائكة. فإذا تقدم هذه المقدمات وضح أن العرش محمول على ثمانية، ووضح تفسير المفسِّرين أنها ثمانية أفلاك. والحمل يقال على وجهين: حمل بَشرى، وهو أولى باسم الحمل كالحجر المحمول على ظهر الإنسان، وحمل طبيعى كقولنا: الماء محمول على الأرض، والنار على الهواء. والمعنى هنا الحمل الطبيعى لا الأول. وقوله: يومئذ، والساعة، والقيامة، فالمراد بها ما ذكره الشارع: أن مَن مات قامت قيامته. ولما كان تحقيق النفس الإنسانية عند المفارقة آكد جعل الوعد والوعيد، وأشباههما إلى ذلك الوقت". كذلك نجد ابن سينا يُفسِّر الجنَّة والنار والصراط تفسيراً فلسفياً بعيداً عن المأثور الثابت الصحيح، فيقسم العوالم إلى ثلاثة أقسام: عالَم حِسِّى، وعالَم خيالى وهمى، وعالَم عقلى، والعالَم العقلى عنده هو الجنَّة، والعالَم الخيالى هو النار، والعالَم الحِسِّى

стр. 646

هو عالَم القبور. أما الصراط فيقول فى شرحه: "اعلم أن العقل يحتاج فى تصور أكثر الكليات إلى استقراء الجزئيات، فلا محالة أنها تحتاج إلى الحس الظاهر، فتعلم أنه يأخذ من الحس الظاهر إلى الخيال إلى الوهم، وهذا هو من الجحيم طريق وصراط دقيق صعب حتى يبلغ ذاته العقل، فهو إذن يرى كيف الحد صراطاً وطريقاً فى عالَم الجحيم، فإن جاوزه بلغ عالَم العقل، فإن وقف فيه وتخيل الوهم عقلاً، وما يشير إليه حقاً، فقد وقف على الجحيم، وسكن فى جهنم، وهلك وخسر خسراناً مبيناً". كذلك يُفسِّر ابن سينا قوله تعالى فى الآية [٣٠] من سورة المدثر: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ تفسيراً فلسفياً بعيداً عن هدف القرآن، فيقرر أن النفس الحيوانية هى الباقية الدائمة فى جهنم، وهى منقسمة إلى قسمين: إدراكية، وعملية. والعملية: شوقية، وغضبية، والعلمية: هى تصورات الخيال المحسوسات بالحواس الظاهرة، وتلك المحسوسات ستة عشر، والقوة الوهمية الحاكمة على تلك الصور حكماً غير واجب واحدة - ذاتيان، وستة عشر، وواحدة تسعة عشر.. ثم يقول: "وأما قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً﴾ [المدثر: ٣١] ؛ فمن العادة فى الشريعة تسمية القوى اللطيفة الغير المحسوسة ملائكة". كما يُفسِّر أبواب الجنَّة الثمانية، وأبواب النار السبعة تفسيراً فلسفياً صرفاً، فيقول: "وأما ما بلَّغ النبى محمد عن ربه أن للنار سبعة أبواب، وللجنة ثمانية أبواب، فإذ قد عُلِم أن الأشياء المدركَة إما مُدركة للجزئيات كالحواس الظاهرة وهى خمسة، وإدراكها الصور مع المواد، أو مُدركَة متصورة بغير مواد كخزانة الحواس المسماة بالخيال، وقوة حاكمة عليها حكماً غير واجب وهو الوهم، وقوة حاكمة واجباً وهو العقل، فذلك ثمانية. فإذا اجتمعت الثمانية جملة أدت إلى السعادة السرمدية، والدخول فى الجنَّة وإن حصل سبعة منها لا تتسم إلا بالثامن أدت إلى الشقاوة السرمدية. والمستعمل فى اللُّغات أن الشىء المؤدى إلى الشىء يسمى باباً، فالسبعة المؤدية إلى النار سميت أبواباً لها، والثمانية المؤدية إلى الجنة سميت أبواباً لها". ويُفسِّر ابن سينا قوله تعالى فى الآية [٣٥] من سورة النور: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ

стр. 647

تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ على نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾ .. فيقول: "النور اسم مشترك لمعنيين: ذاتى ومستعار، والذاتى هو كمال المشف من حيث هو مشف كما ذكرها أرسطاطاليس، والمستعار على وجهين: إما الخير، وإما السبب الموصل إلى الخير، والمعنّى ههنا هو القسم المستعار بكلى فى قسميه ... أعنى أن الله تعالى خير بذاته وهو سبب لكل خير، كذلك الحكم فى الذاتى وغير الذاتى. وقوله: ﴿السماوات والأرض﴾ عبارة عن الكل. وقوله: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ فهو عبارة عن العقل الهيولانى والنفس الناطقة، لأن المشكاة متقاربة الجدران جيدة التهئ للاستضاءة، لأن كل ما يقارب الجدران كان الانعكاس فيه أشد، والضوء أكثر. وكما أن العقل بالفعل مشبه بالنور، كذلك قابله مشبه يقابله وهو المشف، وأفضل المشفات الهواء، وأفضل الأهوية هو المشكاة، فالمرموز بالمشكاة هو العقل الهيولانى الذى نسبته إلى العقل المستفاد كنسبة المشكاة إلى النور، والمصباح هو عبارة عن العقل المستفاد بالفعل، لأن النور كما هو كمال للمشف كما حدّ به الفلاسفة ومُخرِج له من القوة إلى الفعل، ونسبة العقل المستفاد إلى العقل الهيولانى كنسبة المصباح إلى المشكاة. وقوله: ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾ لما كان بين العقل الهيولانى والمستفاد مرتبة أخرى وموضع آخر نسبته كنسبة الذى بين المشف والمصباح، فهو الذى لا يصل فى العيان المصباح إلى المشف إلا بتوسط وهو المسرجة، ويخرج من المسارج الزجاجة لأنها من المشفات القوابل للضوء. ثم قال بعد ذلك: ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ليجعلها الزجاج الصافى المشف، لا الزجاج الذى لا يستشف، فليس شىء من المتلونات يستشف، ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ يعنى به القوة الفكرية التى هى موضوعة ومادة للأفعال العقلية، كما أن الدهن موضوع ومادة للسراج.. " وهكذا استمر ابن سينا فى شرح هذه الآية فارجع إليه إن شئت، وسترى أن شرحه هذا مزيج من فكرتى أفلاطون وأرسطو حيث جمع فيه بين ما يُعرف لأفلاطون من التعبير بـ "الخير" و "الكل"، وما يُعرف لأرسطو من أقسام العقل. ويقول فى تفسير قوله تعالى فى الآية [٤] من سورة الفلق: ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد﴾ : "قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد﴾ إشارة إلى القوة النباتية: فإن النباتية موكلة بتدبير البدن ونشوه ونموه، والبدن عقد حصلت من عقد بين العناصر الأربعة المختلفة المتنازعة إلى الانفكاك، لكنها من شدة انفعال بعضها عن بعض صارت بدناً حيوانياً. والنفاثات فيها هى القوى النباتية، فإن النفث سبب لأن يصير

стр. 648

جوهر الشىء زائداً فى المقدار من جميع جهاته أى الطول والعرض والعمق. وهذه القوى هى التى تؤثر فى زيادة الجسم المغتذى والنامى من جميع الجهات المذكورة" ... إلخ. ويُفسِّر قوله تعالى فى الآية [٥] من سورة الفلق أيضاً: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ .. فيقول: "عنى به النزاع الحاصل بين البدن وقواه كلها، وبين النفس". وفى سورة الناس يُفسِّر قوله تعالى فى الآية [٤] : ﴿مِن شَرِّ الوسواس الخناس﴾ .. فيقول: "هذه القوة التى توقع الوسوسة هى القوة المتخيلة بحسب صيرورتها مستعملة للنفس الحيوانية، ثم إن حركتها تكون بالعكس، فإن النفس وجهها إلى المبادىء المفارقة، فالقوة المتخيلة إذا جذبتها إلى الاشتغال بالمادة وعلائقها فتلك القوة تخنس - أى تتحرك - بالعكس وتجذب النفس الإنسانية إلى العكس، فلهذا سمى خَنَّاساً". ويُفسِّر قوله تعالى فى الآية [٦] من سورة الناس أيضاً: ﴿مِنَ الجنة والناس﴾ .. فيقول: "الجن هو الاستتار، والإنس هو الاستئناس، فالأُمور المستترة هى الحواس الباطنة، والمستأنسة هى الحواس الظاهرة". * * رأينا فى تفسير الفلاسفة هذا هو بعض ما قاله ابن سينا فى شرحه لبعض نصوص القرآن الكريم، وهو كما ترى عَيْن ما يذهب إليه الباطنية فى تأويلاتهم للآيات القرآنية، ولا أحسب أن مسلماً مهما كان محباً للفلسفة والفلاسفة يقر ابن سينا وأمثاله على دعوى أن الحقائق القرآنية رموز وإشارات لحقائق أُخرى، دقَّت عن أفهام العامة، وخفيت على عقولهم القاصرة، فرمز إليها النبى بآيات القرآن الكريم. هذا.. ولعل القارىء الكريم يلحظ معى أن الإمامية الإثنا عشرية والباطنية الإسماعيلية، ومتطرفى الصوفية، ورجال الفلسفة الإسلامية، كلهم يسيرون على نمط واحد هدَّام لمقاصد القرآن ومراميه، ذلك هو ما يُعبِّرون عنه بالرمز، أو الإشارة، أو الباطن. ويظهر لنا أنها عدوى سرت إلى المسلمين من قدماء الفلاسفة، ثم تلقتها هذه الفِرَق بصدر رحب، وتقبلتها بقبول حسن، لأنهم رأوا فيها عوناً كبيراً على ترويج بدعهم، ونشر ضلالاتهم بين المسلمين!! * * *

стр. 649

تفسير الفقهاء كلمة إجمالية عن تطور التفسير الفقهى ١- التفسير الفقهى من عهد النبوة إلى مبدأ قيام المذاهب الفقهية: نزل القرآن الكريم مشتملاً على آيات تتضمن الأحكام الفقهية التى تتعلق بمصالح العباد فى دنياهم وأُخراهم، وكان المسلمون على عهد رسول الله ﷺ يفهمون ما تحمله هذه الآيات من الأحكام الفقهية بمقتضى سليقتهم العربية، وما أشكل عليهم من ذلك رجعوا فيه إلى رسول الله ﷺ . ولما توفى رسول الله ﷺ جدَّت للصحابة من بعده حوادث تتطلب من المسلمين أن يحكموا عليها حكماً شرعياً صحيحاً، فكان أول شىء يفزعون إليه لاستنباط هذه الأحكام الشرعية هو القرآن الكريم، ينظرون فى آياته، ويعرضونها على عقولهم وقلوبهم، فإن أمكن لهم أن يُنزلوها على الحوادث التى جدَّت فبها ونعمت، وإلا لجأوا إلى سُنَّة رسول الله ﷺ ، فإن لم يجدوا فيها حكماً اجتهدوا وأعملوا رأيهم على ضوء القواعد الكلية للكتاب والسُّنَّة، ثم خرجوا بحكم فيما يحتاجون إلى الحكم عليه. غير أن الصحابة فى نظرهم لآيات الأحكام كانوا يتفقون أحياناً على الحكم المستنبَط، وأحياناً يختلفون فى فهم الآية، فتختلف أحكامهم فى المسألة التى يبحثون عن حكمها، كالخلاف الذى وقع بين عمر بن الخطاب وعلىّ ابن أبى طالب فى عِدَّة الحامل المتوفى عنها زوجها، فعمر رضى الله عنه حكم بأن عِدَّتها وضع الحمل، وعلىّ حكم بأن عِدَّتها أبعد الأجلين: وضع الحمل، ومضى أربعة أشهر وعشرة أيام. وسبب هذا الخلاف تعارض نصَّين عامين فى القرآن، فإن الله سبحانه جعل عِدَّة المطلَّقة الحامل وضع الحمل، وجعل عِدَّة الوفاة أربعة أشهر وعشراً من غير تفصيل. فذهب علىّ رضى الله عنه إلى العمل بالآيتين معاً، وأن كل آية منهما مخصصة لعموم الأخرى، وذهب عمر رضى الله عنه إلى أن آية الطلاق مخصصة لآية الوفاة، وقد تأيّد رأى عمر رضى الله عنه بما ورد أن سبيعة بنت الحارث الأسلمية مات عنها زوجها، فوضعت الحمل بعد خمسة وعشرين يوماً من موته، فأحلَّها رسول الله ﷺ للأزواج. وكالخلاف الذى وقع بين ابن عباس وزيد بن ثابت فى تقسيم ميراث مَن مات عن زوج وأبوين، فابن عباس رضى الله عنه أفتى بأن للزوج النصف، وللأم الثلث، وللأب

стр. 650

الباقى تعصيباً، وتمسكاً بظاهر قوله تعالى فى الآية [١١] من سورة النساء: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثلث﴾ ، وزيد بن ثابت رضى الله عنه ومعه بقية الصحابة أفتوا بأن للزوجة ثلث الباقى بعد فرض الزوج، نظراً لأن الأب والأُم ذكر وأُنثى ورثا بجهة واحدة، فللذكر مثل حظ الأُنثيين. مثل هذا الخلاف كان يقع مع الصحابة رضى الله عنهم حسبما يفهمه كل منهم فى النص القرآنى، وما يحيط به من أدلة خارجية، ومع هذا الاختلاف فقد كان كل واحد من المختلفين يطلب الحق وحده، فإن ظهر له أنه من جانب مَن خالفه رجع إلى رأيه وأخذ به. * * التفسير الفقهى فى مبدأ قيام المذاهب الفقهية ظل الأمر على هذا إلى عهد ظهور أئمة المذاهب - الأربعة وغيرها - وفيه جدَّت حوادث كثيرة للمسلمين لم يسبق لمن تقدمهم حكم عليها، لأنها لم تكن على عهدهم، فأخذ كل إمام ينظر إلى هذه الحوادث تحت ضوء القرآن والسُّنَّة، وغيرهما من مصادر التشريع، ثم يحكم عليها بالحكم الذى ينقدح فى ذهنه، ويعتقد أنه هو الحق الذى يقوم على الأدلة والبراهين، وكانوا يتفقون فيما يحكمون به أحياناً، وأحياناً يختلفون حسبما يتجه لكل منهم من الأدلة. غير أنهم مع كثرة اختلافهم فى الأحكام لم تظهر منهم بادرة للتعصب للمذهب، بل كانوا جميعاً ينشدون الحق ويطلبون الحكم الصحيح، وليس بعزيز على الواحد منهم أن يرجع إلى رأى مخالفه إن ظهر له أن الحق فى جانبه، فهذا هو الشافعى رضى الله عنه كان يقول. إذا صح الحديث فهو رأيى، وكان يقول: الناس عيال فى الفقه على أبى حنيفة، وكان يقول لأحمد بن حنبل وهو تلميذة فى الفقه: إذا صح الحديث عندك فأعلمنى به، وكان يقول: إذا ذُكِر الحديث فمالك النجم الثاقب ... إلى غير ذلك مما يدل على انتشار روح التقدير والحب بين أُولئك الفقهاء، وهذه هى سُنَّة أسلافهم من الصحابة والتابعين. * * التفسير الفقهى بعد ظهور التقليد والتعصب المذهبى ثم خَلَفَ من بعد هؤلاء الأئمة خَلْفٌ سرت فيهم روح التقليد لهؤلاء الأئمة.. التقليد الذى يقوم على التعصب المذهبى، ولا يعرف التسامح، ولا يطلب الحق لذاته ولا ينشده تحت ضوء البحث الحر، والنقد البرئ. ولقد بلغ الأمر ببعض هؤلاء المقلِّدة إلى أن نظروا إلى أقوال أئمتهم كما ينظرون إلى نص الشارع، فوقفوا جهدهم العلمى على نُصْرة مذهب إمامهم وترويجه، وبذلوا كل

стр. 651

ما فى وسعهم لإبطال مذهب المخالف وتفنيده، وكان من أثر ذلك أن نظر هذا البعض إلى آيات الأحكام فأوَّلها حسبما يشهد لمذهبه إن أمكنه التأويل، وإلا فلا أقل من أن يؤوّلها تأويلاً يجعلها به لا تصلح أن تكون فى جانب مخالفيه، وأحياناً يلجأ إلى القول بالنسخ أو التخصيص، وذلك إن سُدَّت عليه كل مسالك التأويل، فهذا عبد الله الكرخى المتوفى سنة ٣٤٠ هـ، وهو أحد المتعصبين لمذهب أبى حنيفة يقول: "كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤوَل أو منسوخ". ومع هذا الغلو فى التعصب المذهبى، فإننا لم نعدم من المقلِّدين مَن وقف موقف الإنصاف من الأئمة، فنظر فى أقوالهم نظرة الباحث الحر الذى يساير الدليل حتى يصل به إلى الحق أيا كان قائله. وكان لهؤلاء وهؤلاء - أعنى المعصبين وغير المتعصبين - أثر ظاهر فى التفسير الفقهى، فالمتعصبون ينظرون إلى الآيات من خلال مذهبهم فيُنزلونها عليه، وغير المتعصبين ينظرون إليها نظرة خالية من الهوى المذهبى، فيُنزلونها على حسب ما يظهر لهم، وينقدح فى ذهنهم. * * * تنوع التفسير الفقهى تبعاً لتنوع الفرق الإسلامية وإذا نحن تتبعنا التفسير الفقهى فى جميع مراحله، وجدناه يسير بعيداً عن الأهواء والأغراض من مبدأ نزول القرآن إلى وقت قيام المذاهب المختلفة، ثم بعد ذلك يسير تبعاً للمذاهب، ويتنوع بتنوعها، فلأهل السُّنَّة تفسير فقهى متنوع بدأ نظيفاً من التعصب، ثم لم يلبث أن تلوث به كما أسلفنا، وللظاهرية تفسير فقهى يقوم على الوقوف عند ظواهر القرآن دون أن يحيد عنها، وللخوارج تفسير فقهى يخصهم، وللشيعة تفسير فقهى يخالفون به مَن عداهم.. وكل فريق من هؤلاء يجتهد فى تأويل النصوص القرآنية حتى تشهد له أو لا تعارضه على الأقل.. مما أدى ببعضهم إلى التعسف فى التأويل، والخروج بالألفاظ القرآنية عن معانيها ومدلولاتها. * * الإنتاج التفسيرى للفقهاء هذا وإنَّا إذا ذهبنا لنبحث عن مؤلفات فى التفسير الفقهى، فإنَّا لا نكاد نعثر على شىء من ذلك قبل عصر التدوين. اللَّهم إلا متفرقات تؤثر عن فقهاء الصحابة والتابعين، يرويها عنهم أصحاب الكتب المختلفة، أما بعد عصر التدوين فقد ألَّف كثير من العلماء على اختلاف مذاهبهم فى التفسير الفقهى ... * فمن الحنفية: ألَّف أبو بكر الرازى المعروف بالجصَّاص والمتوفى سنة ٣٧٠ هـ (سبعين وثلاثمائة من الهجرة) : "أحكام القرآن"، وهو مطبوع فى ثلاث مجلدات كبار، ومتداول بين أهل العلم. وألَّف أحمد بن سعيد المدعو بـ "ملاجيون" من علماء القرن الحادى عشر الهجرى: "التفسيرات الأحمدية فى بيان الآيات الشرعية"، وهو مطبوع بالهند فى مجلد كبير، ومنه نسخة فى مكتبة الأزهر، وأُخرى فى مكتبة الجامعة المصرية "جامعة القاهرة". * ومن الشافعية: ألَّف أبو الحسن الطبرى المعروف بالكيا الهراسى المتوفى سنة ٥٠٤ هـ. (أربع وخمسمائة من الهجرى) : كتابه "أحكام القرآن"، وهو مخطوط فى مجلد كبير، وموجود فى دار الكتب المصرية، وفى المكتبة الأزهرية. وألَّف شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يوسف بن محمد الحلبى، المعروف بالسمين، والمتوفى سنة ٧٥٦ هـ (ست وخمسين وسبعمائة من الهجرى) : كتابه "القول الوجيز فى أحكام الكتاب العزيز" ويوجد منه فى مكتبة الأزهر الجزء الأول، وهو ينتهى عند قوله تعالى فى الآية [١٩٤] من سورة البقرة: ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ﴾ ... الآية، وهو مخطوط بخط المؤلف. وألَّف علىّ بن عبد الله محمود الشنفكى من علماء القرن التاسع الهجرى: كتابه "أحكام الكتاب المبين"، وتوجد منه نسخة فى المكتبة الأزهرية، مخطوطة بخط المؤلف، فى مجلد متوسط الحجم. وألَّف جلال الدين السيوطى، المتوفى سنة ٩١١ هـ (إحدى عشرة وتسعمائة من الهجرى) : كتابه "الإكليل فى استنباط التنزيل"، وهو موجود فى المكتبة الأزهرية، ومخطوط فى مجلد متوسط الحجم. * ومن المالكية: ألَّف أبو بكر بن العربى المتوفى سنة ٥٤٣ هـ (ثلاث وأربعين وخمسمائة من الهجرى) : كتابه "أحكام القرآن"، وهو مطبوع فى مجلدين كبيرين، ومتداول بين أهل العلم.

стр. 652

وألَّف أبو عبد الله القرطبى المتوفى سنة ٦٧١ هـ (إحدى وسبعين وستمائة من الهجرة) : كتابه "الجامع لأحكام القرآن" وهو مخطوط بدار الكتب المصرية، وقد قامت بطبعه دار الكتب فتم منه إلى الآن أربعة عشر جزءاً ينتهى الجزء الرابع عشر آخر سورة "فاطر" وما بقى منه على أُهبة الطبع.

стр. 653

* ومن الزيدية: ألَّف حسين بن أحمد النجرى، من أهل القرن الثامن الهجرى: كتابه "شرح الخمسمائة آية" ولم يصل إلى أيدينا هذا التفسير. وألَّف شمس الدين بن يوسف بن أحمد من علماء القرن التاسع الهجرى: "الثمرات اليانعة والأحكام الواضحة القاطعة" ومنه نسخة فى دار الكتب المصرية، مخطوطة فى ثلاث مجلدات، ويوجد بالمكتبة الأزهرية الجزء الثانى منه فى مجلد واحد مخطوط. وألَّف محمد بن الحسين بن القاسم من علماء القرن الحادى عشر الهجرى: كتابه "منتهى المرام، شرح آيات الأحكام" ولم نقف على هذا التفسير. * ومن الإمامية الإثنا عشرية: ألَّف مقداد السيورى، من أهل القرن الثامن الهجرى: كتابه "كنز الفرقان فى فقه القرآن" ومنه نسخة بدار الكتب المصرية، مطبوعة فى مجلد صغير على هامش تفسير الحسن العسكرى. وهناك كتب أُخرى فى تفسير آيات الأحكام ذكرها صاحب كشف الظنون، لا نطيل بذكرها، كما لا نطيل بالكلام عن كل ما وصل إلينا من الكتب، ويكفى أن نعرض لأهمها وهو ما يأتى: ١- أحكام القرآن - للجصَّاص (الحنفى) * ترجمة المؤلف: هو أبو بكر، أحمد بن علىّ الرازى، المشهور بالجصَّاص. وُلِد رحمه الله تعالى ببغداد سنة ٣٠٥ هـ (خمس وثلاثمائة من الهجرة) . كان إمام الحنفية فى وقته، وإليه انتهت رياسة الأصحاب. أخذ عن أبى سهل الزجَّاج، وعن أبى الحسن الكرخى، وعن غيرهما من فقهاء عصره. واستقر التدريس له ببغداد، وانتهت الرحلة إليه، وكان على طريق الكرخى فى الزهد، وبه انتفع، وعليه تخرَّج، وبلغ من زهده أنه خُوطِبَ فى أن يلى القضاء فامتنع، وأُعيد عليه الخطاب فلم يقبل. أما مصنفاته فكثيرة. أهمها كتاب "أحكام القرآن" وهو ما نحن بصدده الآن، وشرح مختصر الكرخى، وشرح مختصر الطحاوى، وشرح الجامع الكبير للإمام محمد ابن الحسن الشيبانى، وكتاب أُصول الفقه، وآخر فى أدب القضاء، وعلى الجملة فقد كان الجصَّاص من خيرة العلماء الأعلام، وإليه يرجع كثير من الفضل فى تدعيم مذهب الحنفية على البراهين والأدلة.

стр. 654

هذا وقد ذكره المنصور بالله فى طبقات المعتزلة، وسيأتيك فى تفسيره ما يؤيد هذا القول. أما وفاته فكانت سنة ٣٧٠ هـ (سبعين وثلاثمائة من الهجرى) ، فرحمه الله ورضى عنه. * * * التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه: يُعَد هذا التفسير من أهم كتب التفسير الفقهى خصوصاً عند الحنفية، لأنه يقوم على تركيز مذهبهم والترويج له، والدفاع عنه. وهو يعرض لسور القرآن كلها ولكنه لا يتكلم إلا عن الآيات التى لها تعلق بالأحكام فقط، وهو - وإن كان يسير على ترتيب سور القرآن - مبوب كتبويب الفقه، وكل باب من أبوابه معنون بعنوان تندرج فيه المسائل التى يتعرَّض لها المؤلف فى هذا الباب. * * * استطراده لمسائل فقهية بعيدة عن فقه القرآن: هذا.. وإن المؤلف ﵀ لا يقتصر فى تفسيره على ذكر الأحكام التى يمكن أن تُستنبط من الآيات - بل نراه يستطرد إلى كثير من مسائل الفقه والخلافيات بين الأئمة، مع ذكره للأدلة بتوسع كبير، مما جعل كتابه أشبه ما يكون بكتب الفقه المقارن، وكثيراً ما يكون هذا الاستطراد إلى مسائل فقهية لا صلة لها بالآية إلا عن بُعْد. فمثلاً نجده عندما عرض لقوله تعالى فى الآية [٢٥] من سورة البقرة: ﴿وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ يستطرد لمذهب الحنفية فى أن من قال لعبيده: مَن بشَّرنى بولادة فلانة فهو حر، فبشَّره جماعة واحداً بعد واحد أن الأول يُعتق دون غيره. ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٢٦] من سورة يوسف: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ ... الآية، نجده يستطرد لخلاف الفقهاء فى مُدَّعى الُّقُطة إذا ذكر علامتها، وخلافهم فى اللقيط إذا ادَّعاه رجلان ووصف أحدهما علامة فى جسده، وخلافهم فى متاع البيت إذا ادَّعاه الزوج لنفسه وادَّعته الزوجة لنفسها، وخلافهم فى مصراع الباب إذا ادَّعاه رب الدار والمستأجر.. وغير ذلك من مسائل الخلاف التى لا تتصل بالآية إلا عن بُعْدٍ. * * * تعصبه لمذهب الحنفية: ثم إن المؤلف ﵀ وعفا عنه- متعصب لمذهب الحنفية إلى حد كبير، مما جعله فى هذا الكتاب يتعسف فى تأويل بعض الآيات حتى يجعلها فى جانبه،

стр. 655

أو يجعلها غير صالحة للاستشهاد بها من جانب مخالفيه، والذى يقرأ الكتاب يلمس روح التعصب فيه فى كثير من المواقف. فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٨٧] من سورة البقرة: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل﴾ .. نجده يحاول بتعسف ظاهر أن يجعل الآية دالة على أن من دخل فى صوم التطوع لزم إتمامه. ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٢٣٢] من سورة البقرة: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ ... الآية، نجده يحاول أن يستدل بالآية من عدة وجوه على أن للمرأة أن تعقد على نفسها بغير الولى وبدون إذنه. ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٢] من سورة النساء: ﴿وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب﴾ ... الآية، وقوله فى الآية [٦] منها: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ... الآية، نجده يحاول أن يأخذ من مجموع الآيتين دليلاً لمذهب أبى حنيفة القائل بوجوب دفع المال لليتيم إذا بلغ خمساً وعشرين سنة، وإن لم يؤنس منه الرشد. * * * حملة الجصَّاص على مخالفيه: ثم إن الجصَّاص مع تعصبه لمذهبه وتعسفه فى التأويل، ليس عف اللسان مع الإمام الشافعى رضى الله عنه ولا مع غيره من الأئمة، وكثيراً ما نراه يرمى الشافعى وغيره من مخالفى الحنفية بعبارات شديدة، لا تليق من مثل الجصَّاص فى مثل الشافعى وغيره من الأئمة ﵏. فمثلاً عندما عرض لآية المحرَّمات من النساء فى سورة النساء نجده يعرض للخلاف الذى بين الحنفية والشافعية فى حكم من زنى بامرأة، هل يحل له التزوج ببنتها أو لا؟ ثم ذكر مناظرة طويلة جرت بين الشافعى وغيره فى هذه المسألة، ويناقش الشافعى فيما يرد به على مناظره، ويرميه بعبارات شنيعة لاذعة كقوله: "فقد بان أن ما قاله الشافعى وما سلَّمه له السائل كلام فارغ لا معنى تحته فى حكم ما سُئِل عنه". وقوله: "ما ظننت أن أحداً ممن ينتدب لمناظرة خصم يبلغ به الإفلاس من الحجاج أن يلجأ إلى مثل هذا، مع سخافة عقل السائل وغباوته".

стр. 656

وقوله حين لم يرقه أحد أجوبة الشافعى على سؤال مناظره: "ولو كُلِّم بذلك المبتدئون من أحداث أصحابنا لما خفى عليهم عوار هذا الحجاج، وضعف السائل والمسئول فيه". ومثلاً عند ذكره لمذهب الشافعى فى الترتيب بين أعضاء الوضوء نجده يقول: "وهذا القول مما خرج به الشافعى عن إجماع السَلَف والفقهاء" كأن الشافعى فى نظر الجصَّاص ممن لا يُعتد برأيه، حتى ينعقد الإجماع بدونه. * * * * تأثر الجصَّاص بمذهب المعتزلة: كذلك نجد الجصَّاص يميل إلى عقيدة المعتزلة، ويتأثر بها فى تفسيره، فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٠٢] من سورة البقرة: ﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ... الآية، نجده يذكر حقيقة السحر ويقول إنه: "متى أُطلق فهو اسم لكل أمر هو باطل لا حقيقة له ولا ثبات"، كما ينكر حديث البخارى فى سحر رسول الله ﷺ ، ويقر أنه من وضع الملاحدة. ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٠٣] من سورة الأنعام: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ ... الآية، نجده يقول: "معناه لا تراه الأبصار. وهذا تمدح بنفى رؤية الأبصار كقوله تعالى - فى الآية [٢٥٥] من سورة البقرة: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ - وما تمدّح الله بنفيه عن نفسه فإن إثبات ضده ذم ونقص، فغير جائز إثبات نقيضه بحال.. فلما تمدَّح بنفى رؤية البصر عنه لم يجز إثبات ضده ونقيضه بحال، إذ كان فيه إثبات صفة نقص، ولا يجوز أن يكون مخصوصاً بقوله تعالى فى الآيتين [٢٢، ٢٣] من سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ؛ لأن النظر محتمل لمعان: منها انتظار الثواب، كما روى عن جماعة من السَلَف، فلما كان ذلك محتملاً للتأويل لم يجز الاعتراض به على ما لا يساغ للتأويل فيه. والأخبار المروية فى الرؤية إنما المراد بها العلم لو صحَّت، وهو علم الضرورة الذى لا تشوبه شبهة، ولا تعرض فيه الشكوك، لأن الرؤية بمعنى العلم مشهورة فى اللُّغة". * * * حملة الجصَّاص على معاوية رضى الله عنه: كما أننا نلاحظ على الجصَّاص أنه تبدو منه البغضاء لمعاوية رضى الله عنه، ويتأثر بذلك فى تفسيره. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيات [٣٩ - ٤١] من سورة الحج: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ... إلى قوله: ﴿الذين إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض أَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة وَأَمَرُواْ بالمعروف وَنَهَوْاْ عَنِ المنكر وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور﴾ .. يقول: ".. وهذه صفة الخلفاء الراشدين، الذين مكنهم الله فى الأرض وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلىّ رضى الله عنهم. وفيه الدلالة الواضحة على صحة إمامتهم، لإخبار الله تعالى بأنهم إذا مُكِّنوا فى الأرض قاموا بفروض الله عليهم، وقد مُكِّنوا فى الأرض فوجب أن يكونوا أئمة قائمين بأوامر الله منتهين عن زواجره ونواهيه، ولا يدخل معاوية فى هؤلاء، لأن الله إنما وصف بذلك المهاجرين الذين أُخرجوا

стр. 657

من ديارهم، وليس معاوية من المهاجرين، بل هو من الطُلَقاء". ومثلاً فى سورة النور عند قوله تعالى فى الآية [٥٥] : ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض﴾ ... الآية، يقول: "وفيه الدلالة على صحة إمامة الخلفاء الأربعةَ أيضاً، لأن الله استخلفهم فى الأرض وَمَكَّن لهم كما جاء الوعد، ولا يدخل فيهم معاوية، لأنه لم يكن مؤمناً فى ذلك الوقت". وفى سورة الحجرات عند قوله تعالى فى الآية [٩] : ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ ... الآية، نجده يجعل علياً رضى الله عنه هو المحق فى قَتَاله، أما معاوية ومَن معه فهم الفئة الباغية. كذلك كل مَن خرج على علىّ". وما كان أولى بصاحبنا أن يترك هذا التحامل على معاوية الصحابى، ويفوِّض أمره إلى الله، ولا يلوى مثل هذه الآيات إلى ميوله وهواه. هذا.. والكتاب مطبوع فى ثلاثة مجلدات كبار، ومتداول بين أهل العلم. * * * ٢- أحكام القرآن - لكيا الهراسى (الشافعى) * ترجمة المؤلف: مؤلف هذا التفسير هو عماد الدين، أبو الحسن علىّ بن محمد بن علىّ الطبرى، المعروف بالكيا الهراسى، الفقيه الشافعى، المولود سنة ٤٥٠ هـ (خمسين وأربعمائة من الهجرة) . أصله من خراسان، ثم رحل عنها إلى نيسابور، وتفقه على إمام الحرمين الجوينى مدة حتى برع، ثم خرج من نيسابور إلى بيهق ودرس بها مدة، ثم خرج إلى العراق، وتولى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد إلى أن توفى سنة ٥٠٤ هـ (أربع

стр. 658

وخمسمائة من الهجرة) . وكان ﵀ فصيح العبارة، حلو الكلام، محدِّثاً، يستعمل الأحاديث فى مناظراته ومجالسه، فرضى الله عنه وأرضاه. * * * التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه - أهمية هذا التفسير، ومبلغ تعصب صاحبه لمذهب الشافعى: يعتبر هذا التفسير من أهم المؤلفات فى التفسير الفقهى عند الشافعية، وذلك لأن مؤلفه شافعى لا يقل فى تعصبه لمذهبه عن الجصَّاص بالنسبة لمذهب الحنفية، مما جعله يُفسِّر آيات الأحكام على وفق قواعد مذهبه الشافعى، ويحاول أن يجعلها غير صالحة لأن تكون فى جانب مخالفيه. وليس أدل على روح التعصب عند المؤلف من مقدمة تفسيره التى يقرر فيها: "إن مذهب الشافعى رضى الله عنه أسَدُّ المذاهب وأقومها، وأرشدها وأحكمها، وإن نظر الشافعى فى أكثر آرائه ومعظم أبحاثه يترقى عن حد الظن والتخمين، إلى درجة الحق واليقين، والسبب فى ذلك أنه - يعنى الشافعى - بنى مذهبه على كتاب الله تعالى الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأنه أتيح له درك غوامض معانيه، والغوص على تيار بحره لاستخراج ما فيه، وأن الله تعالى فتح له من أبوابه، ويسَّر عليه من أسبابه، ورفع له من حجابه ما لم يسهل لمن سواه، ولم يتأت لمن عَدَاه". يقرر صاحبنا هذا، وأنا لا أنكره عليه، ولا أغض من مقام الشافعى ﵀، ولكننى أقول: إن تقديم الكتاب بمثل هذا الكلام ناطق بأن الرجل متعصب لمذهبه، وشاهد عليه بأنه سوف يسلك فى تفسيره مسلك الدفاع عن قواعد الشافعى، وفروع مذهبه، وإن أدَّاه ذلك إلى التعسف فى التأويل. وإذا لم يكفك هذا دليلاً على تعصب الرجل فدونك الكتاب، لتقف بعد القراءة فيه على مبلغ تعصب صاحبه وتعسفه. * * *تأدبه مع الأئمة وحملته على الجصَّاص: غير أن الهراسى - والحق يقال - كان عَفّ اللسان والقلم مع أئمة المذاهب الأخرى، ومع كل مَن يتعرض للرد عليه من المخالفين، فلم يخض فيهم كما خاض الجصَّاص فى الشافعى وغيره، وكل ما لاحظناه عليه من ذلك هو أنه وقف من الجصَّاص موقفاً كان فيه شديد المراس، قوى الجدال، قاسى العبارة، إذ أنه عرض لأهم مواضع الخلاف التى ذكرها الجصَّاص فى تفسيره وعاب فيها مذهب الشافعى، ففنَّد كل شُبهة أوردها، ودفع كل ما وجهه إلى مذهب الشافعى، بحجج قوية يسلم له الكثير منها، كما أنه

стр. 659

اقتص للشافعى من الجصَّاص، فرماه بالعبارات الساخرة، والألفاظ المقذعة "والجزاء من جنس العمل". فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٣] من سورة النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ... . الآية، نجده يرد على الجصَّاص ما استدل به لمذهبه القائل بأن الزنا بامرأة يُحَرِّم على الزانى أُصول المرأة وفروعها، ويُفنِّد ما رد به الجصَّاص على الشافعى فى هذه المسألة، ثم يقول فى شأن الجصَّاص: "إنه لم يفهم معنى كلام الشافعى رضى الله عنه، ولم يميز بين محل ومحل، ولكل مقام مقال، ولتفهم معانى كتاب الله رجال، وليس هو منهم". كما يقول: "وقد ذكر الشافعى مناظرة بينه وبين مسترشد طلب الحق فى هذه المسألة، فأوردها الرازى متعجباً منها، ومنبهاً على ضعف كلام الشافعى فيها، ولا شىء أدل على جهل الرازى وقِلَّة معرفته بمعانى الكلام من سياقه لهذه المناظرة، واعتراضاته عليها". ويقول بعد قليل: "ولم يعلم هذا الجاهل معنى كلام الشافعى رضى الله عنه فاعترض علي بما قاله، وعجب الناس من ذلك، فقال: فى هذه المناظرة أعجوبة لمن تأمل. فكان كما قال القائل: وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم" كما يقول فى موضع آخر: "وكيف يتصدى للتصنيف فى الدين من هذا مبلغ علمه، ومقدار فهمه، فيرسل الكلام من غير أن يتحقق ما يقول.. ثم يعترض للطعن فيمن لو عُمِّرَ عمر نوح ما اهتدى إلى مبادىء نظره فى الحقائق، فنسأل الله تعالى التوفيق، ونعوذ به من عمى البصيرة واتباع الهوى". هذا.. وإن المؤلف ﵀ ليبين لنا فى مقدمة تفسيره الحامل له على تأليفه، ومنهجه الذى سلكه، وتقديره لكتابه فيقول: "ولما رأيت الأمر كذلك - يريد رجحان مذهب الشافعى على غيره - أردتُ أن أُصَنِّف كتاباً فى أحكام القرآن، أشرح ما ابتدعه الشافعى رضى الله عنه من أخذ الدلائل فى غوامض المسائل، وضممتُ إليه ما نسجته على منواله، واحتذيتُ فيه على مثاله، على قدر طاقتى وجهدى، ومبلغ وسعى وجَدِّى.. ولا يعرف قدر هذا الكتاب، وما فيه من العجب العجاب، ولباب الألباب، إلا مَن وفر حظه من علوم المعقول والمنقول، وتبحَّر فى الفروع والأُصول، ثم انكب على مطالعة هذه الفصول، بمسكة صحيحة، وقريحة همة غير قريحة".

стр. 660

ثم إن المؤلف يتعرض لآيات الأحكام فقط، مع استيفاء ما فى جميع السور. والكتاب مخطوط فى مجلد كبير، وموجود فى دار الكتب المصرية، وفى المكتبة الأزهرية. * * * ٣- أحكام القرآن - لابن العربى (المالكى) * ترجمة المؤلف: هو القاضى أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد المعافرى، الأندلسى، الإشبيلى، الإمام، العلامة، المتبحر، ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحُفَّاظها.. كان أبوه من فقهاء إشبيلية ورؤسائها. وُلِد أبو بكر سنة ٤٦٨ هـ (ثمان وستين وأربعمائة من الهجرة) ، وتأدب ببلده، وقرأت القراءات، ثم رحل إلى مصر، والشام، وبغداد، ومكة. وكان يأخذ عن علماء كل بلد يرحل إليه حتى أتقن الفقه، والأُصول، وقيد الحديث، واتسع فى الرواية، وأتقن مسائل الخلاف والكلام، وتبحَّر فى التفسير، وبرع فى الأدب والشعر.. وأخيراً عاد إلى بلده إشبيلية بعلم كثير، لم يأت به أحد قبله، ممن كانت له رحلة إلى المشرق. وعلى الجملة.. فقد كان ﵀ من أهل التفنن فى العلوم، والاستبحار فيها، والجمع لها، متقدماً فى المعارف كلها، متكلماً فى أنواعها، نافذاً فى جمعها، حريصاً على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن فى تمييز الصواب منها، ويجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق، مع حُسن المعاشرة، وكثرة الاحتمال، وكرم النفس، وحُسن العهد، وثبات الود. سكن بلده وشُووِرَ فيه، وسُمِع، ودَرَّس الفقه والأصول، وجلس للوعظ والتفسير، ورُحِل إليه للسماع. قال القاضى عياض - وهو ممن أخذوا عنه -: "استقضى ببلده فنفع الله به أهلها لصرامته، وشدة نفوذ أحكامه، وكانت له فى الظالمين سَورة مرهوبة، وتؤثر عنه فى قضائه أحكام غريبة، ثم صُرِف عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثه". هذا.. وقد ألّف ﵀ تصانيف كثيرة مفيدة، منها "أحكام القرآن"، وهو ما نحن بصدده الآن، وكتاب المسالك فى شرح موطأ مالك، وكتاب القبس على شرح موطأ مالك بن أنس، وعارضة الأحوذى على كتاب الترمذى، والقواصم والعواصم، والمحصول فى أُصول الفقه، وكتاب الناسخ والمنسوخ، وتخليص التلخيص، وكتاب القانون فى تفسير القرآن العزيز، وكتاب أنوار الفجر فى تفسير القرآن. قيل: إنه ألّفه فى عشرين سنة، ويقع فى ثمانين ألف ورقة، وذكر بعضهم أنه رأى هذا التفسير وعَدَّ

стр. 661

أسفاره فوجد عدتها ثمانين مجلداً، وبالجملة فقد خلَّف ﵀ كتباً كثيرة، انتفع الناس بها بعد وفاته، كما نفع هو بعلمه مَن جلس إليه فى حياته. هذا ... وقد كانت وفاته ﵀ سنة ٥٤٣ هـ[ثلاث وأربعين وخمسمائة من الهجرة) منصرفه من مراكش، وحُمِل ميتاً إلى مدينة فاس ودُفِن بها. فرضى الله عنه وأرضاه. * * * التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه: يتعرض هذا الكتاب لسور القرآن كلها، ولكنه لا يتعرض إلا لما فيها من آيات الأحكام فقط، وطريقته فى ذلك أن يذكر السورة ثم يذكر عدد ما فيها من آيات الأحكام، ثم يأخذ فى شرحها آية آية.. قائلاً: الآية الأولى وفيها خمس مسائل (مثلاً) ، الآية الثانية وفيها سبع مسائل (مثلاً) ... . وهكذا، حتى يفرغ من آيات الأحكام الموجودة فى السورة. * * * تفسير ابن العربى بين انصافه واعتسافه: هذا ... وإن الكتاب يعتبر مرجعاً مهماً للتفسير الفقهى عند المالكية، وذلك لأن مؤلفه مالكى تأثر بمذهبه، فظهرت عليه فى تفسيره روح التعصب له، والدفاع عنه، غير أنه لم يشتط فى تعصبه إلى الدرجة التى يتغاضى فيها عن كل زَلَّة علمية تصدر من مجتهد مالكى، ولم يبلغ به التعسف إلى الحد الذى يجعله يفند كلام مخالفه إذا كان وجيهاً ومقبولاً، والذى يتصفح هذا التفسير يلمس منه روح الإنصاف لمخالفيه أحياناً، ما يلمس منه روح التعصب المذهبى التى تستولى على صاحبها فتجعله أحياناً كثيرة يرمى مخالفه وإن كان إماماً له قيمته ومركزه بالكلمات المقذعة اللاذعة، تارة بالتصريح، وتارة بالتلويح. ويظهر لنا أن الرجل كان يستعمل عقله الحر، مع تسلط روح التعصب عليه، فأحياناً يتغلب العقل على التعصب، فيصدر حكمه عادلاً لا تكدره شائبة التعصب، وأحياناً - وهو الغالب - تتغلب العصبية المذهبية على العقل، فيصدر حكمه مشوباً بالتعسف، بعيداً عن الإنصاف. * * * طرف من إنصافه: وإذا أردتَ أن أضع يدك على شىء من إنصاف الرجل واستعماله لعقله، فانظر إليه عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٨٧] من سورة البقرة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ﴾ ... الآية، حيث يقول: "المسألة السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المساجد﴾ : الاعتكاف فى اللُّغة هو اللبث، وهو غير مقدَّر عند الشافعى، وأقله لحظة، ولا حد لأكثره. وقال مالك وأبو حنيفة: هو

стр. 662

مقدَّر بيوم وليلة، لأن الصوم عندهما من شرطه. قال علماؤنا: لأن الله تعالى خاطب الصائمين. وهذا لا يلزم فى الوجهين: أما اشتراط الصوم فيه بخطابه تعالى لمن صام فلا يلزم بظاهره ولا باطنه، لأنها حال واقعة لا مشترطة، وأما تقديره بيوم وليلة لأن الصوم من شرطه فضعيف، فإن العبادة لا تكون مقدَّرة بشرطها، ألا ترى أن الطهارة شرط فى الصلاة، وتنقضى الصلاة، وتبقى الطهارة.. "؟. فأنت ترى أن المؤلف ﵀ لم يرقه هذا الاستدلال الذى أظهر بطلانه، وهذا دليل على أنه يستعمل عقله الحر أحياناً، فلا يسكت على الزَلَّة العلمية فيما يعتقد، وإن كان فيها ترويج لمذهبه. وانظر إليه عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٦] من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة﴾ ... الآية، حيث يقول: "المسألة السابعة والعشرون فى قوله تعالى: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ ، ثم يذكر أن العلماء اختلفوا فى مسح الرأس على أحد عشر قولاً، ثم يأخذ فى بيانها واحداً واحداً، ثم يقول: "ولكل قول من هذه الأقوال مطلع من القرآن والسُّنَّة"، ثم يذكر لنا مطلع كل قول، ثم يقول بعد أن يفرغ من هذا كله: "وليس يخفى على أحد عند اطلاعه على هذه الأقوال والأنحاء والمطلعات أن القوم لم يخرج اجتهادهم عن سبيل الدلالات فى مقصود الشريعة، ولا جاوز طرفيها إلى الإفراط، فإن للشريعة طرفين، أحدهما طرف التخفيف فى التكليف، والآخر طرف الاحتياط فى العبادات، فمَن احتاط استوفى الكل، ومَن خفف أخذ بالبعض.. ". فأنت ترى أنه يُصَوِّب كل ما قيل فى مسح الرأس. وانظر إليه فى الآية السابقة حيث يقول: "المسألة السادسة والأربعون: نزع علماؤنا بهذه الآية إلى أن إزالة النجاسة غير واجبة، لأنه قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة﴾ ، تقديره - كما سبق - "وأنتم محدثون"، ﴿فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ ، فلم يذكر الاستنجاء وذكر الوضوء، ولو كان واجباً لكان أول مبدوء به.. وهى رواية أشهب عن مالك. وقال ابن وهب: لا تجزئ الصلاة بها لا ذاكراً ولا ناسياً.. والصحيح رواية ابن وهب، ولا حُجَّة فى ظاهر القرآن، لأن الله إنما بيَّن فى آية الوضوء صفة الوضوء خاصة، وللصلاة شروط: من استبقال الكعبة، وستر العورة، وإزالة النجاسة ... وبيان كل شرط منها فى موضعه". فأنت ترى أنه لا يميل إلى رواية أشهب عن مالك، ولا يرى فى ظاهر الآية ما يشهد له. * * * طرف من تعصبه لمذهبه: وإن أردتَ أن أضع يدك على شىء من تعصب ابن العربى، فانظر إليه عندما تعرَّض

стр. 663

لقوله تعالى فى الآية [٨٦] من سورة النساء: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ﴾ ... . الآية، حيث يقول: "المسألة السابعة: إذا كان الرد فرضاً بلا خلاف، فقد استدل علماؤنا على أن هذه الآية دليل على وجوب الثواب فى الهبة للعين، وكما يلزمه أن يرد مثل التحية يلزمه أن يرد مثل الهبة، وقال الشافعى: ليس فى هبة الأجنبى ثواب.. وهذا فاسد، لأن المرء ما أَعطى إلا ليعطى، وهذا هو الأصل فيها، وإنَّا لا نعمل عملاً لمولانا إلا ليعطينا، فكيف بعضنا لبعض"؟ * * * حملته على مخالفى مذهبه: وإن أردتَ أن تقف على مبلغ قسوته على أئمة المذاهب الأخرى وأتباعهم، فانظر إليه عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٢٢٩] من سورة البقرة: ﴿الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ ... . الآية، حيث يقول: "المسألة الرابعة عشرة: هذا يدل على أن الخُلْع طلاق، خلافاً لقول الشافعى فى القديم إنه فسخ. وفائدة الخلاف أنه إن كان فسخاً لم يُعَد طلقة. قال الشافعى: لأن الله تعالى ذكر الطلاق مرتين وذكر الخُلْع بعده، وذكر الثالث بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ . وهذا غير صحيح، لأنه لو كان كل مذكور فى معرض هذه الآيات لا يُعَد طلاقاً لوقوع الزيادة على الثلاث لما كان قوله تعالى ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ﴾ طلاقاً، لأنه يزيد به على الثلاث، ولا يفهم هذا إلا غبى أو متغاب ... . إلخ". وانظر إليه عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٤٣] من سورة النساء: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً﴾ ... الآية، حيث يقول: "المسألة الثامنة والعشرون: قوله تعالى: "ماءً".. قال أبو حنيفة: هذا نفى فى نكرة وهو يعم لغة، فيكون مفيداً جواز الوضوء بالماء المتغير وغير المتغير لانطلاق اسم الماء عليه.. قلنا: استنوق الجمل إلى أن يستدل أصحاب أبى حنيفة باللُّغات، ويقولون على ألسنة العرب وهم ينبذونها فى أكثر المسائل بالعراء. واعلموا أن النفى فى النكرة يعم كما قلتم، ولكن فى الجنس، فهو عام فى كل ما كان من سماء، أو بئر، أو عين، أو نهر، أو بحر عذب أو ملح، فأما غير الجنس فهو المتغير فلا يدخل فيه، كما لم يدخل فيه ماء الباقلاء ... ". ونجده فى موضع من كتابه يرمى أبا حنيفة بأنه كثيراً ما يترك الظواهر والنصوص

стр. 664

للأقيسة، ويقول عنه فى موضع آخر إنه: "سكن دار الضرب فكثر عنده المدلس، ولو سكن المعدن كما قيَّض الله لمالك، لما صدر عنه إلا إبريز الدين وإكسير المِلَّة، كما صدر عن مالك". وانظر إليه عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٦] من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ﴾ ... . الآية، حيث يقول فى تعريض ساخر: "المسألة الحادية عشرة، قوله : ﴿فاغسلوا﴾ ، وظن الشافعى - وهو عند أصحابه معد بن عدنان فى الفصاحة بله أبى حنيفة وسواه - أن الغسل صب الماء على المغسول من غير عرك، وقد بيَّنا فساد ذلك فى مسائل الخلاف. وفى سورة النساء، وحققنا أن الغسل مس اليد مع إمرار الماء، أو ما فى معنى اليد". وانظر إليه عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٣] من سورة النساء: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ .. حيث يقول: "المسألة الثانية عشرة، قوله تعالى: ﴿ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ اختلف الناس فى تأويله على ثلاثة أقوال: الأول: أن لا يكثر عيالكم، قاله الشافعى. الثانى: أن لا تضلوا، قاله مجاهد. الثالث: أن لا تميلوا، قاله ابن عباس والناس.. قلنا: أعجب أصحاب الشافعى بكلامه هذا، وقالوا هو حُجَّة، لمنزلة الشافعى فى اللُّغة، وشهرته فى العربية، والاعتراف له بالفصاحة، حتى قال الجوينى: هو أفصح مَن نطق بالضاد، مع غوصه على المعانى ومعرفته بالأصول.. واعتقدوا أن معنى الآية: فانكحوا واحدة إن خفتم أن يكثر عيالكم، فذلك أقرب إلى أن تنتفى عنكم كثرة العيال.. قال ابن العربى: "كل ما قاله الشافعى، أو قيل عنه، أو وُصف به، فهو كله جزء من مالك ونغبة من بحره، ومالك أوعى سمعاً، وأثقب فهماً، وأفصح لساناً، وأبرع بياناً، وأبدع وصفاً، ويدلك على ذلك مقابلة قول بقول فى كل مسألة وفصل". ثم تكلم بعد ذلك عن معنى لفظ "عال" فى اللُّغة. ثم قال: "والفعل فى كثرة العيال رباعى لا مدخل له فى الآية، فقد ذهبت الفصاحة، ولم تنفع الضاد المنطوق بها على الاختصاص". وانظر إليه عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٢٥] من سورة النساء: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات﴾ ... . الآية، حيث يقول: "المسألة الخامسة: قال أبو بكر الرازى إمام الحنفية فى كتاب أحكام القرآن: ليس نكاح الأَمَة ضرورة، لأن الضرورة ما يُخاف منه تلف النفس، أو تلف عضو، وليس فى مسألتنا

стр. 665

شىء من ذلك. قلنا: هذا كلام جاهل بمنهاج الشرع، أو متهكم لا يبالى بموارد القول. نحن لم نقل إنه حكم نيط بالضرورة، إنما قلنا: إنه حكم علق بالرخصة المقرونة بالحاجة، ولكل واحد منهما حكم يختص به. وحالة يعتبر فيها. ومَن لم يُفرِّق بين الضرورة والحاجة التى تكون معها الرُخصة، فلا يُعنى بالكلام معه، فإنه معاند أو جاهل، وتقرير ذلك إتعاب للنفس عند مَن لا ينتفع به". فأنت ترى من هذه الأمثلة كلها. أن الرجل ليس عَفّ اللسان مع الأئمة، ولا مع أتباعهم، وهذه ظاهرة من ظواهر التعصب المذهبى، الذى يقود صاحبه إلى ما لا يليق به، ويدفعه إلى الخروج عن حد اللطافة والكياسة. * * * احتكامه إلى اللُّغة: ثم إن المؤلف ﵀ كثيراً ما يحتكم إلى اللُّغة فى استنباط المعانى من الآيات، وفى الكتاب من ذلك أمثلة كثيرة يمكن الرجوع إليها بسهولة. * * * كراهته للإسرائيليات: كما أنه شديد النفرة من الخوض فى الإسرائيليات، ولذلك عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٦٧] من سورة البقرة: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ ... الآية، نجده يقول: "المسألة الثانية: فى الحديث عن بنى إسرائيل: كثر استرسال العلماء فى الحديث عنهم فى كل طريق، وقد ثبت عن النبى ﷺ أن قال: "حَدِّثوا عن بنى إسرائيل ولا حَرَج" ومعنى هذا الخبر: الحديث عنهم بما يُخبرون به عن أنفسهم وقصصهم، لا بما يُخبرون به عن غيرهم، لأن أخبارهم عن غيرهم مفتقرة إلى العدالة، وللثبوت إلى منتهى الخبر، وما يُخبرون به عن أنفسهم، فيكون من باب إقرار المرء على نفسه أو قومه، فهو أعلم بذلك، وإذا أخبروا عن شرع لم يلزمه قبوله، ففى رواية مالك عن عمر رضى الله عنه أنه قال: رآنى رسول الله ﷺ وأنا أمسك مصحفاً قد تشرَّمت حواشيه، قال: ما هذا؟ قلت: جزء من التوارة، فغضب وقال: "واللهِ لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعى". * * * نفرته من الأحاديث الضعيفة: كذلك نجد ابن العربى شديد النفرة من الأحاديث الضعيفة، وهو يُحذِّر منها فى

стр. 666

تفسيره هذا، فيقول لأصحابه بعد أن بيَّن ضعف الحديث القائل بأن رسول الله ﷺ توضأ مرة وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به"، وتوضأ مرتين مرتين، وقال: "مَن توضأ مرتين مرتين أتاه الله أجره مرتين"، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: "هذا وضوئى ووضوء الأنبياء من قبلى، ووضوء أبى إبراهيم"، يقول لهم بعد ما بيَّن ضعف هذا الحديث: "وقد ألقيتُ إليكم وصيتى فى كل ورقة ومجلس، أن لا تشتغلوا من الأحاديث بما لا يصح سنده ... ". هذا والكتاب مطبوع فى مجلدين كبيرين، ومتداول بين أهل العلم. * * * ٤- الجامع لأحكام القرآن - لأبى عبد الله القرطبى (المالكى) * ترجمة المؤلف: مؤلف هذا التفسير: هو الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبى بكر ابن فرْح - بإسكان الراء والحاء المهملة - الأنصارى، الخزرجى، الأندلسى، القرطبى المفسِّر. كان ﵀ من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين، الزاهدين فى الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أُمور الآخرة، وبلغ من زهده أن أطرح التكلف، وصار يمشى بثوب واحد وعلى رأسه طاقية، وكانت أوقاته كلها معمورة بالتوجه إلى الله وعبادته تارة، وبالتصنيف تارة أخرى، حتى أخرج للناس كتباً انتفعوا بها. ومن مصنفاته: كتابه فى التفسير المسمى بـ "الجامع لأحكام القرآن"، وهو ما نحن بصدده، وشرح أسماء الله الحُسنى، وكتاب التذكار فى أفضل الأذكار، وكتاب التذكرة بأمور الآخرة، وكتاب شرح التقصى، وكتاب قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذلك السؤال بالكتب والشفاعة. قال ابن فرحون: لم أقف على تأليف أحسن منه فى بابه وله كتب غير ذلك كثيرة ومفيدة. سمع من الشيخ أبى العباس بن عمر القرطبى، مؤلف "المفهم فى شرح صحيح مسلم" بعضَ هذا الشرح، وحدَّث عن أبى علىّ الحسن بن محمد البكرى، وغيرهما. وكان مستقراً بمنية ابن خصيب، وتُوفى ودُفن بها فى شوَّال سنة ٦٧١ هـ (إحدى وسبعين وستمائة من الهجرة) ، فرحمه الله رحمة واسعة. * * * التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه: وصف العلامة ابن فرحون هذا التفسير فقال: "هو من أجَلِّ التفاسير وأعظمها

стр. 667

نفعاً، أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن واستنباط الأدلة، وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ"، وذكر المؤلف ﵀ فى مقدمة هذا التفسير السبب الذى حمله على تأليفه، والطريق الذى رسمه لنفسه ليسير عليه فيه، وشروطه التى اشترطها على نفسه فى كتابه فقال: "وبعد.. فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجمع علوم الشرع الذى استقل بالسُّنَّة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمرى، وأستفرغ فه منتى، بأن أكتب فيه تعليقاً وجيزاً يتضمن نكتاً من التفسير، واللُّغات، والإِعراب، والقراءات، والرد على أهل الزيغ والضلالات، وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام ونزول الآيات، جامعاً بين معانيها، ومبيناً ما أشكل منها بأقاويل السَلَف ومَن تبعهم من الخَلَف.. وشرطى فى هذا الكتاب: إضافة الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها، فإنه يقال: من بركة العلم أن يُضاف الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها، فإنه يقال: من بركة العلم أن يُضاف القول إلى قائله، وكثيراً ما يجئ الحديث فى كتاب الفقه والتفسير مبهماً، لا يعرف من أخرجه إلا مَن اطلع على كتب الحديث، فيبقى مَن لا خبرة له بذلك حائراً لا يعرف الصحيح من السقيم، ومعرفة ذلك علم جسيم. فلا يُقبل منه الاحتجاج به ولا الاستدلال حتى يضيفه إلى مَن خرَّجه من الأئمة الأعلام، والثقات المشاهير من علماء الإسلام، ونحن نشير إلى جُمَل من ذلك فى هذا الكتاب، والله الموفق للصواب. وأضرب عن كثير من قصص المفسِّرين، وأخبار المؤرخين، إلا ما لا بد منه، وما لا غنى عنه للتبيين، واعتضت من ذلك تبيين آي الأحكام، بمسائل تُفسِّر عن معناها، وتُرشد الطالب إلى مقتضاها، فضمنت كل آية تتضمن حكماً أو حكمين فما زاد مسائل أُبيِّن فيها ما تحتوى عليه من أسباب النزول، والتفسير، والغريب، والحكم. فإن لم تتضمن حكماً ذكرتُ ما فيها من التفسير والتأويل ... وهكذا إلى آخر الكتاب، وسميته بـ "الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السُّنَّة وأحكام الفرقان ... ". والذى يقرأ فى هذا التفسير يجد أن القرطبى ﵀ قد وفَّى بما شرط على نفسه فى هذا التفسير، فهو يعرض لذكر أسباب النزول، والقراءات، والإعراب، ويبين الغريب من ألفاظ القرآن، ويحتكم كثيراً إلى اللُّغة، ويُكثر من الاستشهاد بأشعار العرب، ويرد على المعتزلة، والقدرية، والروافض، والفلاسفة، وغلاة المتصوفة، ولم

стр. 668

يسقط القصص بالمرة، كما تفيده عبارة ابن فرحون، بل أضرب عن كثير منها، كما ذكر فى مقدمة تفسيره، ولهذا نلاحظ عليه أنه يروى أحياناً ما جاء من غرائب القصص الإسرائيلى. هذا.. وإن المؤلف ﵀ ينقل عن السَلَف كثيراً مما أُثِر عنهم فى التفسير والأحكام، مع نسبة كل قول إلى قائله وفاءً بشرطه، كما ينقل عمن تقدمه فى التفسير، خصوصاً مَن أَلَّف منهم فى كتب الأحكام، مع تعقيبه على ما ينقل منها. وممن ينقل عنهم كثيراً: ابن جرير الطبرى، وابن عطية، وابن العربى، والكيا الهراسى، وأبو بكر الجصَّاص. وأما من ناحية الأحكام، فإنَّا نلاحظ عليه أنه يفيض فى ذكر مسائل الخلاف ما تعلق منها بالآيات عن قُرْب، وما تعلق بها عن بُعْد، مع بيان أدلة كل قول. * * * إنصاف القرطبى وعدم تعصبه: وخير ما فى الرجل أنه لا يتعصب لمذهبه المالكى، بل يمشى مع الدليل حتى يصل إلى ما يرى أنه الصواب أياً كان قائله. فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٤٣] من سورة البقرة: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة واركعوا مَعَ الراكعين﴾ .. نجده عند المسألة السادسة عشرة من مسائل هذه الآية يعرض لإمامة الصغير، ويذكر أقوال مَن يجيزها ومَن يمنعها، ويذكر أن من المانعين لها جملة: مالكاً، والثورى، وأصحاب الرأى، ولكنَّا نجده يخالف إمامه لما ظهر له من الدليل على جوازها، وذلك حين يقول: "قلت: إمامة الصغير جائزة إذا كان قارئاً، ثبت فى صحيح البخارى عن عمرو بن سلمة قال: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الناس فنسألهم ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله.. أوحى إليه كذا.. أوحى إليه كذا، فكنت أحفظ هذا الكلام، فكأنما يقر فى صدرى، وكانت العرب تلوم بإسلامها فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبى صادق، فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبى قومى بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم واللهِ من عند نبى الله حقاً.. قال: "صلوا صلاة كذا فى حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً"، فنظروا فلم يكن أحد أكثر منى قرآناً، لما كنت أتلقى من الركبان. فقدَّمونى بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت على بُردة إذا سجدتُ تقلَّصت عنى، فقالت امرأة من الحى: ألا تغطون عنا إست قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لى قميصاً، فما فرحتُ بشىء فرحى بذلك القميص".

стр. 669

ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٧٣] من سورة البقرة: ﴿فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ .. نراه يعقد المسألة الثانية والثلاثين من مسائل هذه الآية فى اختلاف العلماء فيمن اقترن بضرورته معصية، فيذكر أن مالكاً حظر ذلك عليه. وكذا الشافعى فى أحد قوليه، وننقل عن ابن العربى أنه قال: "عجباً ممن أبيح له ذلك مع التمادى على المعصية، وما أطن أحداً يقوله، فإن قاله فهو مخطىء قطعاً"، ثم يعقب القرطبى على هذا كله فيقول: "قلت: الصحيح خلاف هذا. فإن إتلاف المرء نفسه فى سفر المعصية أشد معصية مما هو فيه، قال الله تعالى فى الآية [٢٩] من سورة النساء: ﴿وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وهذا عام ولعله يتوب فى ثانى الحال. فمتحو التوبة عنه ما كان". ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٨٥] من سورة البقرة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن﴾ ... . الآية، نجده يعقد المسألة السابعة عشرة من المسائل التى تتعلق بهذه الآية فى اختلاف العلماء فى حكم صلاة عيد الفطر فى اليوم الثانى، فيذكر عن ابن عبد البر أنه لا خلاف عن مالك وأصحابه أنه لا تُصَلَّى صلاة العيد فى غير يوم العيد، ويذكر عنه أيضاً أنه قال: "لو قُضِيَت صلاة العيد بعد خروج وقتها لأشبهت الفرائض، وقد أجمعوا فى سائر السنن أنها لا تُقضى، فهذه مثلها"، ثم يُعَقِّب القرطبى على هذا فيقول: "قلت: والقول بالخروج - يعنى لصلاة العيد فى اليوم الثانى - إن شاء الله أصح، للسُّنَّة الثابتة فى ذلك، ولا يمتنع أن يستثنى الشارع من السُنَن ما شاء، فيأمر بقضائه بعد خروج وقته، وقد روى الترمذى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن لم يُصَلِّ ركعتى الفجر فليُصَلِّهما بعد ما تطلع الشمس" قلت: وقد قال علماؤنا: مَن ضاق عليه الوقت، وصَلَّى الصبح، وترك ركعتى الفجر، فإنه يصليهما بعد طلوع الشمس إن شاء، وقيل: لا يصلهما حينئذ، ثم إذا قلنا يصليهما.. فهل ما يفعله قضاء؟ أو ركعتان ينوب له ثوابهما عن ثواب ركعتى الفجر؟ قال الشيخ أبو بكر: وهذا الجارى على أصل المذهب، وذِكْر القضاء تجوُّز. قلت: ولا يبعد أن يكون حكم صلاة الفطر فى اليوم الثانى على هذا الأصل، لا سيما مع كونها مرة واحدة فى السنة، مع ما ثبت من السُّنَّة. ثم روى عن النسائى بسنده: "أن قوماً رأوا الهلال فأتوا النبى ﷺ فأمرهم أن يفطروا بعد ما ارتفع النهار، وأن يخرجوا إلى العيد من الغد. وفى رواية: ويخرجوا لمُصَلاهم من الغد". ومثلاً نجده عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٨٧] من سورة البقرة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ﴾ ... . الآية، نجده فى المسألة الثانية عشرة من مسائل هذه

стр. 670

الآية يذكر خلاف العلماء فى حكم مَن أكل فى نهار رمضان ناسياً.. فيذكر عن مالك أنه يفطر وعليه القضاء، ولكنه لا يرضى ذلك الحكم فيقول: "وعند غير مالك ليس بمفطر كل مَن أكل ناسياً لصومه. قلت: وهو الصحيح، وبه قال الجمهور إن مَن أكل أو شرب ناسياً فلا قضاء عليه، وإن صومه تام، لحديث أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أكل الصائم ناسياً، أو شرب ناسياً فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه، ولا قضاء عليه.. ". ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٢٣٦] من سورة البقرة: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ مَتَاعاً بالمعروف حَقّاً عَلَى المحسنين﴾ ، نجده يذكر فى المسألة السادسة من مسائل هذه الآية اختلاف العلماء فى حكم المتعة، فيذكر مَن يقول بوجوبها، ويذكر مَن يقول بندبها، ويعد فى ضمن القائلين بالندب مالكاً ﵀، ثم يقول: "تمسك أهل القول الأول بمقتضى الأمر، وتمسك أهل القول الثانى بقوله تعالى: ﴿حَقّاً عَلَى المحسنين﴾ ، و ﴿عَلَى المتقين﴾ ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين. والقول الأول أولى، لأن عمومات الأمر بالامتناع فى قوله: ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ ، وإضافة الإمتاع إليهم بـ "لام التمليك" فى قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ أظهر فى الوجوب منه فى الندب. وقوله: ﴿عَلَى المتقين﴾ تأكيد لإيجابها، لأن كل واحد يجب عليه أن يتقى الله فى الإشراك به ومعاصيه، وقد قال تعالى فى القرآن فى الآية [٢] من سورة البقرة: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ . * * * موقفه من حملات ابن العربى على مخالفيه: كذلك نجد القرطبى ﵀ كثيراً ما يدفعه الإنصاف إلى أن يقف موقف الدفاع عمن يهاجمهم ابن العربى من المخالفين، مع توجيه اللَّوم إليه أحياناً، على ما يصدر منه من عبارات قاسية فى حق علماء المسلمين، الذاهبين إلى ما لم يذهب إليه. فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٣] من سورة النساء: ﴿ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ .. نراه يروى عن الشافعى أنه فسَّرها على معنى: الا تكثر عيالكم، ثم يقول: "قال الثعلبى: وما قال هذا غيره وإنما يقال: أعال يعيل إذا كثر عياله، وزعم ابن العربى: أن عال على سبعة معان لا ثامن لها، يقال عال: مال، الثانى: زاد، الثالث: جار.
следующие страницы →