← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12393

التفسير والمفسرون

محمد حسين الذهبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

تفسيره هذا، فيقول لأصحابه بعد أن بيَّن ضعف الحديث القائل بأن رسول الله ﷺ توضأ مرة وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به"، وتوضأ مرتين مرتين، وقال: "مَن توضأ مرتين مرتين أتاه الله أجره مرتين"، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: "هذا وضوئى ووضوء الأنبياء من قبلى، ووضوء أبى إبراهيم"، يقول لهم بعد ما بيَّن ضعف هذا الحديث: "وقد ألقيتُ إليكم وصيتى فى كل ورقة ومجلس، أن لا تشتغلوا من الأحاديث بما لا يصح سنده ... ". هذا والكتاب مطبوع فى مجلدين كبيرين، ومتداول بين أهل العلم. * * * ٤- الجامع لأحكام القرآن - لأبى عبد الله القرطبى (المالكى) * ترجمة المؤلف: مؤلف هذا التفسير: هو الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبى بكر ابن فرْح - بإسكان الراء والحاء المهملة - الأنصارى، الخزرجى، الأندلسى، القرطبى المفسِّر. كان ﵀ من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين، الزاهدين فى الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أُمور الآخرة، وبلغ من زهده أن أطرح التكلف، وصار يمشى بثوب واحد وعلى رأسه طاقية، وكانت أوقاته كلها معمورة بالتوجه إلى الله وعبادته تارة، وبالتصنيف تارة أخرى، حتى أخرج للناس كتباً انتفعوا بها. ومن مصنفاته: كتابه فى التفسير المسمى بـ "الجامع لأحكام القرآن"، وهو ما نحن بصدده، وشرح أسماء الله الحُسنى، وكتاب التذكار فى أفضل الأذكار، وكتاب التذكرة بأمور الآخرة، وكتاب شرح التقصى، وكتاب قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذلك السؤال بالكتب والشفاعة. قال ابن فرحون: لم أقف على تأليف أحسن منه فى بابه وله كتب غير ذلك كثيرة ومفيدة. سمع من الشيخ أبى العباس بن عمر القرطبى، مؤلف "المفهم فى شرح صحيح مسلم" بعضَ هذا الشرح، وحدَّث عن أبى علىّ الحسن بن محمد البكرى، وغيرهما. وكان مستقراً بمنية ابن خصيب، وتُوفى ودُفن بها فى شوَّال سنة ٦٧١ هـ (إحدى وسبعين وستمائة من الهجرة) ، فرحمه الله رحمة واسعة. * * * التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه: وصف العلامة ابن فرحون هذا التفسير فقال: "هو من أجَلِّ التفاسير وأعظمها

стр. 667

نفعاً، أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن واستنباط الأدلة، وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ"، وذكر المؤلف ﵀ فى مقدمة هذا التفسير السبب الذى حمله على تأليفه، والطريق الذى رسمه لنفسه ليسير عليه فيه، وشروطه التى اشترطها على نفسه فى كتابه فقال: "وبعد.. فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجمع علوم الشرع الذى استقل بالسُّنَّة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمرى، وأستفرغ فه منتى، بأن أكتب فيه تعليقاً وجيزاً يتضمن نكتاً من التفسير، واللُّغات، والإِعراب، والقراءات، والرد على أهل الزيغ والضلالات، وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام ونزول الآيات، جامعاً بين معانيها، ومبيناً ما أشكل منها بأقاويل السَلَف ومَن تبعهم من الخَلَف.. وشرطى فى هذا الكتاب: إضافة الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها، فإنه يقال: من بركة العلم أن يُضاف الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها، فإنه يقال: من بركة العلم أن يُضاف القول إلى قائله، وكثيراً ما يجئ الحديث فى كتاب الفقه والتفسير مبهماً، لا يعرف من أخرجه إلا مَن اطلع على كتب الحديث، فيبقى مَن لا خبرة له بذلك حائراً لا يعرف الصحيح من السقيم، ومعرفة ذلك علم جسيم. فلا يُقبل منه الاحتجاج به ولا الاستدلال حتى يضيفه إلى مَن خرَّجه من الأئمة الأعلام، والثقات المشاهير من علماء الإسلام، ونحن نشير إلى جُمَل من ذلك فى هذا الكتاب، والله الموفق للصواب. وأضرب عن كثير من قصص المفسِّرين، وأخبار المؤرخين، إلا ما لا بد منه، وما لا غنى عنه للتبيين، واعتضت من ذلك تبيين آي الأحكام، بمسائل تُفسِّر عن معناها، وتُرشد الطالب إلى مقتضاها، فضمنت كل آية تتضمن حكماً أو حكمين فما زاد مسائل أُبيِّن فيها ما تحتوى عليه من أسباب النزول، والتفسير، والغريب، والحكم. فإن لم تتضمن حكماً ذكرتُ ما فيها من التفسير والتأويل ... وهكذا إلى آخر الكتاب، وسميته بـ "الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السُّنَّة وأحكام الفرقان ... ". والذى يقرأ فى هذا التفسير يجد أن القرطبى ﵀ قد وفَّى بما شرط على نفسه فى هذا التفسير، فهو يعرض لذكر أسباب النزول، والقراءات، والإعراب، ويبين الغريب من ألفاظ القرآن، ويحتكم كثيراً إلى اللُّغة، ويُكثر من الاستشهاد بأشعار العرب، ويرد على المعتزلة، والقدرية، والروافض، والفلاسفة، وغلاة المتصوفة، ولم

стр. 668

يسقط القصص بالمرة، كما تفيده عبارة ابن فرحون، بل أضرب عن كثير منها، كما ذكر فى مقدمة تفسيره، ولهذا نلاحظ عليه أنه يروى أحياناً ما جاء من غرائب القصص الإسرائيلى. هذا.. وإن المؤلف ﵀ ينقل عن السَلَف كثيراً مما أُثِر عنهم فى التفسير والأحكام، مع نسبة كل قول إلى قائله وفاءً بشرطه، كما ينقل عمن تقدمه فى التفسير، خصوصاً مَن أَلَّف منهم فى كتب الأحكام، مع تعقيبه على ما ينقل منها. وممن ينقل عنهم كثيراً: ابن جرير الطبرى، وابن عطية، وابن العربى، والكيا الهراسى، وأبو بكر الجصَّاص. وأما من ناحية الأحكام، فإنَّا نلاحظ عليه أنه يفيض فى ذكر مسائل الخلاف ما تعلق منها بالآيات عن قُرْب، وما تعلق بها عن بُعْد، مع بيان أدلة كل قول. * * * إنصاف القرطبى وعدم تعصبه: وخير ما فى الرجل أنه لا يتعصب لمذهبه المالكى، بل يمشى مع الدليل حتى يصل إلى ما يرى أنه الصواب أياً كان قائله. فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٤٣] من سورة البقرة: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة واركعوا مَعَ الراكعين﴾ .. نجده عند المسألة السادسة عشرة من مسائل هذه الآية يعرض لإمامة الصغير، ويذكر أقوال مَن يجيزها ومَن يمنعها، ويذكر أن من المانعين لها جملة: مالكاً، والثورى، وأصحاب الرأى، ولكنَّا نجده يخالف إمامه لما ظهر له من الدليل على جوازها، وذلك حين يقول: "قلت: إمامة الصغير جائزة إذا كان قارئاً، ثبت فى صحيح البخارى عن عمرو بن سلمة قال: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الناس فنسألهم ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله.. أوحى إليه كذا.. أوحى إليه كذا، فكنت أحفظ هذا الكلام، فكأنما يقر فى صدرى، وكانت العرب تلوم بإسلامها فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبى صادق، فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبى قومى بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم واللهِ من عند نبى الله حقاً.. قال: "صلوا صلاة كذا فى حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً"، فنظروا فلم يكن أحد أكثر منى قرآناً، لما كنت أتلقى من الركبان. فقدَّمونى بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت على بُردة إذا سجدتُ تقلَّصت عنى، فقالت امرأة من الحى: ألا تغطون عنا إست قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لى قميصاً، فما فرحتُ بشىء فرحى بذلك القميص".

стр. 669

ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٧٣] من سورة البقرة: ﴿فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ .. نراه يعقد المسألة الثانية والثلاثين من مسائل هذه الآية فى اختلاف العلماء فيمن اقترن بضرورته معصية، فيذكر أن مالكاً حظر ذلك عليه. وكذا الشافعى فى أحد قوليه، وننقل عن ابن العربى أنه قال: "عجباً ممن أبيح له ذلك مع التمادى على المعصية، وما أطن أحداً يقوله، فإن قاله فهو مخطىء قطعاً"، ثم يعقب القرطبى على هذا كله فيقول: "قلت: الصحيح خلاف هذا. فإن إتلاف المرء نفسه فى سفر المعصية أشد معصية مما هو فيه، قال الله تعالى فى الآية [٢٩] من سورة النساء: ﴿وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وهذا عام ولعله يتوب فى ثانى الحال. فمتحو التوبة عنه ما كان". ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٨٥] من سورة البقرة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن﴾ ... . الآية، نجده يعقد المسألة السابعة عشرة من المسائل التى تتعلق بهذه الآية فى اختلاف العلماء فى حكم صلاة عيد الفطر فى اليوم الثانى، فيذكر عن ابن عبد البر أنه لا خلاف عن مالك وأصحابه أنه لا تُصَلَّى صلاة العيد فى غير يوم العيد، ويذكر عنه أيضاً أنه قال: "لو قُضِيَت صلاة العيد بعد خروج وقتها لأشبهت الفرائض، وقد أجمعوا فى سائر السنن أنها لا تُقضى، فهذه مثلها"، ثم يُعَقِّب القرطبى على هذا فيقول: "قلت: والقول بالخروج - يعنى لصلاة العيد فى اليوم الثانى - إن شاء الله أصح، للسُّنَّة الثابتة فى ذلك، ولا يمتنع أن يستثنى الشارع من السُنَن ما شاء، فيأمر بقضائه بعد خروج وقته، وقد روى الترمذى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن لم يُصَلِّ ركعتى الفجر فليُصَلِّهما بعد ما تطلع الشمس" قلت: وقد قال علماؤنا: مَن ضاق عليه الوقت، وصَلَّى الصبح، وترك ركعتى الفجر، فإنه يصليهما بعد طلوع الشمس إن شاء، وقيل: لا يصلهما حينئذ، ثم إذا قلنا يصليهما.. فهل ما يفعله قضاء؟ أو ركعتان ينوب له ثوابهما عن ثواب ركعتى الفجر؟ قال الشيخ أبو بكر: وهذا الجارى على أصل المذهب، وذِكْر القضاء تجوُّز. قلت: ولا يبعد أن يكون حكم صلاة الفطر فى اليوم الثانى على هذا الأصل، لا سيما مع كونها مرة واحدة فى السنة، مع ما ثبت من السُّنَّة. ثم روى عن النسائى بسنده: "أن قوماً رأوا الهلال فأتوا النبى ﷺ فأمرهم أن يفطروا بعد ما ارتفع النهار، وأن يخرجوا إلى العيد من الغد. وفى رواية: ويخرجوا لمُصَلاهم من الغد". ومثلاً نجده عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٨٧] من سورة البقرة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ﴾ ... . الآية، نجده فى المسألة الثانية عشرة من مسائل هذه

стр. 670

الآية يذكر خلاف العلماء فى حكم مَن أكل فى نهار رمضان ناسياً.. فيذكر عن مالك أنه يفطر وعليه القضاء، ولكنه لا يرضى ذلك الحكم فيقول: "وعند غير مالك ليس بمفطر كل مَن أكل ناسياً لصومه. قلت: وهو الصحيح، وبه قال الجمهور إن مَن أكل أو شرب ناسياً فلا قضاء عليه، وإن صومه تام، لحديث أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أكل الصائم ناسياً، أو شرب ناسياً فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه، ولا قضاء عليه.. ". ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٢٣٦] من سورة البقرة: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ مَتَاعاً بالمعروف حَقّاً عَلَى المحسنين﴾ ، نجده يذكر فى المسألة السادسة من مسائل هذه الآية اختلاف العلماء فى حكم المتعة، فيذكر مَن يقول بوجوبها، ويذكر مَن يقول بندبها، ويعد فى ضمن القائلين بالندب مالكاً ﵀، ثم يقول: "تمسك أهل القول الأول بمقتضى الأمر، وتمسك أهل القول الثانى بقوله تعالى: ﴿حَقّاً عَلَى المحسنين﴾ ، و ﴿عَلَى المتقين﴾ ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين. والقول الأول أولى، لأن عمومات الأمر بالامتناع فى قوله: ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ ، وإضافة الإمتاع إليهم بـ "لام التمليك" فى قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ أظهر فى الوجوب منه فى الندب. وقوله: ﴿عَلَى المتقين﴾ تأكيد لإيجابها، لأن كل واحد يجب عليه أن يتقى الله فى الإشراك به ومعاصيه، وقد قال تعالى فى القرآن فى الآية [٢] من سورة البقرة: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ . * * * موقفه من حملات ابن العربى على مخالفيه: كذلك نجد القرطبى ﵀ كثيراً ما يدفعه الإنصاف إلى أن يقف موقف الدفاع عمن يهاجمهم ابن العربى من المخالفين، مع توجيه اللَّوم إليه أحياناً، على ما يصدر منه من عبارات قاسية فى حق علماء المسلمين، الذاهبين إلى ما لم يذهب إليه. فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٣] من سورة النساء: ﴿ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ .. نراه يروى عن الشافعى أنه فسَّرها على معنى: الا تكثر عيالكم، ثم يقول: "قال الثعلبى: وما قال هذا غيره وإنما يقال: أعال يعيل إذا كثر عياله، وزعم ابن العربى: أن عال على سبعة معان لا ثامن لها، يقال عال: مال، الثانى: زاد، الثالث: جار.

стр. 671

الرابع: افتقر. الخامس: أثقل.. حكاه ابن دريد. قالت الخنساء: "ويكفى العشيرة ما عالها". السادس: عال: قام بمؤنة العيال، ومنه قوله ﵇: "وابدأ بمن تعول". السابع: عال: غلب، ومنه: عيل صبره أى غلب، ويقال: أعال الرجل: كثر عياله. وأما "عال" بمعنى كثر عياله فلا يصح، قلت: أما قول الثعلبى: "ما قاله غيره" فقد أسنده الدارقطنى فى سُنَنه عن زيد بن أسلم، وهو قول جابر بن زيد.. فهذان إمامان من علماء المسلمين وأئمتهم قد سبقا الشافعى إليه. وأما ما ذكره ابن العربى من الحصر وعدم الصحة فلا يصح. وقد ذكرنا: عال الأمر: اشتد وتفاقم.. حكاه الجوهرى. وقال الهروى فى غريبه: "وقال أبو بكر: يقال: عال الرجل فى الأرض يعيل فيها: إذا ضرب فيها. وقال الأحمر: يقال: عالنى الشىء يعيلنى عَيْلاً ومعيلاً: إذا أعجزك، وأما "عال": كثر عياله، فذكره الكسائى وأبو عمرو الدورى وابن الأعرابى. قال الكسائى أبو الحسن علىّ ابن حمزة: العرب تقول عال يعول وأعال يعيل أى كثر عياله. وقال أبو حاتم: كان الشافعى أعلم بلغة العرب منا.. ولعله لغة. قال الثعلبى المفسِّر: قال أستاذنا أبو القاسم ابن حبيب: سألت أبا عمرو الدورى عن هذا - وكان إماماً فى اللُّغة غير مدافع - فقال: هى لغة حِمْيَر وأنشد: وإن الموت يأخذ كل حى ... بلا شك وإن أمشى وعالا يعنى: وإن كثر ماشيته وعياله. وقال أبو عمرو بن العلاء: لقد كثرت وجوه العرب حتى خشيتُ أن آخذ على لاحن لحناً. وقرأ طلحة بن مصرف: "ألا تعيلوا"، وهي حُجَّة الشافعى رضى الله عنه. وقدح الزجَّاج وغيره فى تأويل "عال" من العيال بأن قال: إن الله تعالى قد أباح كثرة السرارى وفى ذلك تكثير العيال. فكيف يكون أقرب إلى ألا تكثر العيال؟ وهذا القدح غير صحيح، لأن السرارى إنما هى مال يُتصرف فيه بالبيع، وإنما القادح: الحرائر ذوات الحقوق الواجبة. وحكى ابن الأعرابى: أن العرب تقول: عال الرجل إذا كثر عياله". ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٦٧] من سورة النحل: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ ... نراه يعيب على ابن العربى تشنيعه على مَن يقول من الحنفية وغيرهم بحل النبيذ، وجعله إياهم مثل أغبياء الكفار فيقول: "وهذا تشنيع شنيع، حتى يلحق فيه العلماء الأخيار فى قصور الفهم بالكفار". وعلى الجملة.. فإن القرطبى ﵀ فى تفسيره هذا حُرٌ فى بحثه، نزيهٌ فى نقده، عفٌ فى مناقشته وجدله، مُلِمٌ بالتفسير من جميع نواحيه، بارع فى كل فن استطرد إليه وتكلَّم فيه.

стр. 672

أما الكتاب فقد كان الناس محرومين منه إلى زمن قريب، ثم أراد الله له الذيوع بين أُولى العلم فقامت دار الكتب المصرية بطبعه، فتم منه إلى الآن أربعة عشر جزءاً تنتهى بآخر سورة فاطر، وعسى أن يُعَجِّل الله بإتمام ما بقى منه، حتى يتم به النفع، إنه سميع مجيب. * * * ٥- كنز العرفان فى فقه القرآن لمقداد السيورى (من الإمامية الإثنا عشرية) * ترجمة المؤلف: مؤلف هذا التفسير، هو مقداد بن عبد الله بن محمد بن الحسن بن محمد السيورى أحد علماء الإمامية الإثنا عشرية، والمعروف بينهم بالعلم والفضل، والتحقيق والتدقيق، وله مؤلفات كثيرة، منها: تفسيره هذا، ومنها التنقيح الرائع فى شرح مختصر الشرائع، وشرح مبادئ الأصول ... وغير ذلك، وكان فى أواخر القرن الثامن وأوائل القرن التاسع الهجرى. * * * التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه: يتعرَّض هذا التفسير لآيات الأحكام فقط، وهو لا يتمشى مع القرآن سورة سورة على حسب ترتيب المصحف ذاكراً ما فى كل سورة من آيات الأحكام كما فعل الجصَّاص وابن العربى مثلاً، بل طريقته فى تفسيره: أنه يعقد فيه أبواباً كأبواب الفقه، ويدرج فى كل باب منها الآيات التى تدخل تحت موضوع واحد، فمثلاً يقول: باب الطهارة، ثم يذكر ما ورد فى الطهارة من الآيات القرآنية، شارحاً كل آية منها على حدة، مبيناً ما فيها من الأحكام على حسب ما يذهب إليه الإمامية الإثنا عشرية فى فروعهم، مع تعرضه للمذاهب الأخرى، ورده على مَن يخالف ما يذهب إليه الإمامية الإثنا عشرية. هذا.. وإن طريقته التى يسلكها فى تدعيم مذهبه وترويجه، وإبطال مذهب مخالفيه، لا تخرج عن أمرين اثنين: أولهما: الدليل العقلى. ثانيهما: دعوى أن ما ذكره هو ما ذهب إليه أهل البيت. أما الدليل العقلى، فيندر أن يسلم له كمستند يستند إليه فى صحة ما يشذ به..

стр. 673

وأما دعوى أن ما ذكره هو ما ذهب إليه أهل البيت، فتلك دعوى كثيراً ما تكون كاذبة، يلجأ إليها الشيعة عندما يعوزهم الدليل، وتخونهم الحُجَّة، وإليك بعض ما جاء فى هذا التفسير لتقف على مقدار شذوذ صاحبه: فمثلاً عند قوله تعالى فى الآية [٤٣] من سورة النساء: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ .. يقول: ﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ : أي فتعمدوا واقصدوا، ﴿صَعِيداً طَيِّباً﴾ : أى شيئاً من وجه الأرض - كقوله: ﴿صَعِيداً زَلَقاً﴾ - ﴿طَيِّباً﴾ : أى طاهراً، ولذلك قال أصحابنا: لو ضرب المتيمم يده على حجر صلب ومسح: أجزأه، وبه قالت الحنفية. وقالت الشافعية: لا بد أن يعلق باليد شىء، لقوله: ﴿فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وفيه نظر، لجواز كون "من" هنا ابتدائية. والوجه: المراد بعضه، وهو الجبهة عند أكثر أصحابنا، إما لكون الباء للتبعيض، أو للنصوص عن أهل البيت ﵈. فمسح الجبهة إلى طرف أنفه الأعلى، وكذا المراد باليدين: ظهر اليد من الزند إلى أطراف الأصابع". ويقول عندما تعرَّض لآية التيمم فى سورة المائدة: "وتجب ضربة واحدة للوضوء واثنتان للغسل"، ثم يرد على الحنفية والشافعية القائلين بأن التيمم ضربتان: واحدة للوجه وأخرى لليدين، وأن المراد بالوجه كله، وباليدين إلى المرفقين.. يرد عليهم فيقول: "وروايات أهل البيت تدفع ذلك". وعندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٢٣٠] من سورة البقرة: ﴿فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ .. يقول: "مدلول الآية أنه إذا طلَّقها الزوج عقيب الطلقتين تنكح زوجاً غير ذلك المُطلِّق، وهذا الحكم عند أصحابنا مخصوص بما عدا طلاق العِدَّة، فإن ذلك يحرم فى التاسعة أبداً - وطلاق العِدَّة هو أن يُطلِّق المدخول بها على الشرائط ثم يراجعها فى العِدَّة، ثم يُطلِّقها مرة ثانية ويفعل كما فعل أولاً، ثم يُطلِّقها ثالثة، فإذا فعل ذلك ثلاثة أدوار حرمت عليه عندهم أبداً". وهكذا يسير المؤلف بهذا الشذوذ فى كثير من الأحكام، وبهذا التعسف والتخبط فى فهم نصوص القرآن، والذى يقرأ الكتاب يرى الكثير من ذلك، ويعجب من محاولاته الفاشلة فى استنباط ما يشذ به من الآيات التى تجبهه، ولا يمكن أن تتمشى مع مذهبه بحال من الأحوال. هذا.. وإن الكتاب مطبوع على هامش تفسير الحسن العسكرى، وموجود بدار الكتب. * * *

стр. 674

٦- الثمرات اليانعة والأحكام الواضحة القاطعة ليوسف الثلائى (الزيدى) * ترجمة المؤلف: مؤلف هذا التفسير هو شمس الدين يوسف بن أحمد بن محمد بن أحمد ابن عثمان الثلائى، الزيدى الفقيه، أحد أصحاب الإمام المهدى، وأحد أساطين العلم وجبال التحقيق عند أصحابه. ارتحل الناس إليه من الأقطار إلى "ثلا"، وكان إذا قرأ امتلأ الجامع بالطلبة، وباقيهم بكتبهم فى الطاقات من خارج المسجد. أخذ عن الفقيه حسن النحوى، وله تصانيف، منها: الزهور والرياض، و "الثمرات اليانعة"، وهو أجَلّ مصنف عند الزيدية، وهو ما نحن بصدده الآن، توفى ﵀ بـ "ثلا" فى شهر جمادى الآخرة سنة ٨٣٢ هـ (اثنتين وثلاثين وثمانمائة من الهجرة) . * * * التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه: يقع هذا التفسير فى ثلاثة أجزاء كبار، ومنه نسخة خطية كاملة بدار الكتب المصرية، ويوجد بالمكتبة الأزهرية الجزء الثانى فقط، وهو مخطوط فى مجلد كبير، يبدأ من قوله تعالى فى الآية [٤] من سورة المائدة: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ﴾ ... . الآية، وينتهى عند قوله تعالى فى الآية [٣٦] من سورة النور: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه﴾ . قرأت فى هذا التفسير فوجدت المؤلف يقتصر على آيات الأحكام، متمشياً مع ترتيب المصحف فى سورة وآياته. يذكر الآية أولاً، ثم يذكر ما ورد فى سبب نزولها إن كان لها سبب، ثم يقول: ولهذه الآية ثمرات هى أحكام شرعية: الأولى: كذا، والثانية: كذا ... إلى أن ينتهى من كل ما يتعلق بالآية من الأحكام. * * * اعتماد المؤلف على الروايات التى لا تصح: ويُلاحَظ على هذا التفسير أن مؤلفه لا يتحرى الصحة فيما ينقله من الأحاديث. وما يذكره من ذلك يمر عليه مراً سابرياً بدون أن يعقب عليه بكلمة واحدة تُشعر بضعف الحديث أو وضعه، فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ .. نراه يذكر الروايات الواردة فى سبب نزول هذه الآية، ويذكر ضمن ما يذكر: أنها نزلت فى علىّ بن أبى طالب لمَّا تصدَّق بخاتمه فى الصلاة وهو راكع.. وقد علمنا أن هذه رواية موضوعة لا أساس لها من الصحة، ولكن

стр. 675

المؤلف يذكرها، ثم يأخذ فى تفريع الأحكام على هذه القصة المكذوبة، كأنها عنده من الثابت الصحيح. * * * تقديره لكشاف الزمخشرى: كذلك يُلاحَظ على المؤلف فى تفسيره هذا أنه كثير النقل عن الكشاف للزمخشرى، مما يدل على أنه معجب به وبتفسيره إلى حد كبير، ولعل ذلك ناشىء عما بين الرجلين من صلة التمذهب بمذهب الاعتزال. * * * مسلكه فى أحكام القرآن: أما مسلك المؤلف فى أحكام القرآن، فإنه يسرد أقوال السَلَف والخَلَف فى المسألة، فيعرض لما ورد عن الصحابة والتابعين، ويعرض لمذهب الشافعية، والحنفية، والمالكية، والظاهرية، والإمامية ... . وغيرهم من فقهاء المذاهب، ذاكراً لكل مذهب دليله ومستنده فى الغالب. كما يذكر بعناية خاصة مذهب الزيدية واختلاف علمائهم فى المسألة التى يعرض لها، مع الإفاضة فى بيان أدلتهم التى استندوا إليها، والرد على مَن يخالفهم فيما يذهبون إليه.. كل هذا بدون أن نلحظ على الرجل شيئاً من القدح فى مخالفيه، كما يفعل غيره ممن سبق الكلام عنهم. وإليك بعض ما جاء فى هذا التفسير لتقف على مقدار دفاع المؤلف عن مذهبه، وعمله على تأييده بالبراهين والأدلة: ** رأيه فى نكاح الكتابيات: فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٥] من سورة المائدة: ﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات﴾ ... . إلى قوله: ﴿والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ... . الآية، نراه يعرض لأقوال العلماء فى حكم نكاح الكتابيات فيقول: "ظاهر الآية جواز نكاح الكتابية، وهذا مذهب أكثر الفقهاء والمفسِّرين، ورواية عن زيد بن علىّ، والصادق، والباقر، واختاره الإمام يحيى بن حمزة وقال: إنه إجماع الصدر الأول من الصحابة، وإن عثمان قد نكح نائلة بنت الفرافصة وهى نصرانية، فلما توفى عثمان خطبها معاوية، فقالت: وما يعجبك منى؟ قال: ثنياتك، فقلعتهما وأمرت بهما إليه، ونكح طلحة نصرانية، ونكح حذيفة يهودية. وقال القاسم، والهادى، والناصر، ومحمد بن عبد الله، وعامة القاسمية، وهو مروى عن ابن عمر: إنه لا يجوز لمسلم نكاح كافرة، كتابية كانت أو غيرها، واحتجوا بقوله تعالى فى سورة البقرة: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] .. قالوا هذا فى المشركات لا فى الكتابيات. قلنا: اسم المشرك ينطلق على أهل الكتاب، بدليل قوله تعالى - بعد ذكر اليهود والنصارى فى قوله: ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله﴾ ... .

стр. 676

إلى قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] . وعن ابن عمر: لا أعلم شركاً أعظم من قول النصارى إن ربها عيسى. وعن عطاء: قد كثَّر الله المسلمات، وإنما رُخِّص لهم يومئذ. قالوا: إنه تعالى عطف أحدهما على الآخر فدل أنهما غيران حيث قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ [البينة: ١] .. قلنا: هذا كقوله تعالى: ﴿الوصية لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين﴾ [البقرة: ١٨٠] .. قالوا: الآية مُصرِّحة بالجواز فى قوله تعالى: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ [المائدة: ٥] .. قلنا: قوله تعالى فى سورة الممتحنة: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠] ، وقوله تعالى فى سورة النور: ﴿الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ والخبيثون لِلْخَبِيثَاتِ والطيبات لِلطَّيِّبِينَ والطيبون لِلْطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] ، وقوله تعالى فى سورة النساء: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ [النساء: ٢٥] .. فشرط الإيمان فى هذا يقتضى التحريم، فتتأول هذه الآية بأنه أراد المحصنات من أهل الكتاب الذين قد أسلموا، لأنهم كانوا يتكرهون ذلك، فسماهم باسم ما كانوا عليه. وقد ورد مثل هذا فى كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أولائك يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] ، وقوله تعالى ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله﴾ [آل عمران: ١٩٩]- قالوا: سبب النزول وفعل الصحابة يدل على الجواز، وإنَّا نجمع بين الآيات الكريمة فنقول: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ [البقرة: ٢٢١] عام ونخصه بقوله تعالى: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] .. أو نقول: أراد بالمشركات الوثنيات، وبالمحصنات من الذين أُوتوا الكتاب ما أفاده الظاهر. أو يكون قوله تعالى: ﴿والمحصنات﴾ ناسخاً لتحريم الكتابيات بقوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ .. قلنا: نقل ما ذكرتم بما روى أن كعب بن مالك أراد أن يتزوج بيهودية أو نصرانية فسأل النبى صلى الله عليه وآله عن ذلك فقال: "إنها لا تحصن ماءك". ويُروى أنه نهاه عن ذلك. وبأنَّا نتتأوّل قوله تعالى: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ ، فنجمع ونقول: وتخصيص المشركات بالمحصنات من الذين أُوتوا الكتاب متراخ، والبيان لا يجوز أن يتراخى.. قالوا: روى جابر بن عبد الله عن النبى ﵇ أنه قال: "أُحِلَّ لنا ذبائح أهل الكتاب وأُحِلَّ لنا نساؤهم، وحُرِّم عليهم أن يتزوجوا نساءنا"، قال فى الشفاء: قال علماؤنا: هذا حديث ضعيف النقل. قالوا: قوله ﷺ وآله فى المجوس: "سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب" ... . الخبر، فأفاد جواز

стр. 677

ذبائحهم، ونكاح نسائهم، قلنا: الجواز منسوخ بأدلة التحريم. ثم إنَّا نُقَوِّى أدلتنا بالقياس، فنقول: كافرة فاشبهت الحربية، أو لمَّا حرمت الموارثة حرمت المناكحة، أو لما حرَّم نكاح الكافر للمسلمة حرَّم العكس. قالوا: لا حكم للاعتبار مع الأدلة". * * ** رأيه فى المسح على الخُفَّين: ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٦] من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة﴾ ... . الآية، نراه يعرض لمسألة المسح على الخُفَّين فيقول: "إن المسح على الخُفَّين والجوربين لا يجوز، وهو مروى عن علىّ ﵇، وابن عباس، وعمَّار بن ياسر، وأبى هريرة، وعائشة. وقال عامة الفقهاء: إنه يجوز المسح عليهما. حجتنا هذه الآية، وهى قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فأمرت بتطهير الرجلين، والماسح على الخُفَّين لا يكون مُطهِّراً لهما، وكذلك الأخبار التى دلت على الغسل للقدمين. فأما ما رُوِىَ أنه صلى الله عليه وآله مسح على الخفين وأمر به، فهذه الأخبار كانت بمكة وبعد هجرته صلى الله عليه وآله، ثم نزلت سورة المائدة بعد ذلك فكانت ناسخة، ويدل على هذا ما رواه زيد بن علىّ عن آبائه ﵈ عن علىّ ﵇ قال: لما كان فى ولاية عمر جاء سعد بن أبى وقاص فقال: يا أمير المؤمنين؛ ما لقيتُ من عمَّار، قال: وما ذاك؟ قال: خرجتُ وأنا أريدك ومعى الناس، فأمرتُ منادياً فنادى بالصلاة، ثم دعوتُ بطهور فتطَّهرت ومسحت على خُفِّى، وتقدَّمت أُصلى، فاعتزلنى عمَّار، فلا هو اقتدى بى ولا هو تركنى، فجعل ينادى من خلفى: ياسعد؛ أصلاة من غير وضوء؟ فقال عمر: يا عمّار؛ أخرج مما جئتَ به، فقال: نعم.. كان المسح قبل المائدة، قال عمر: يا أبا الحسن؛ ما تقول؟ قال: أقول إن المسح كان من رسول الله ﵌ فى بيت عائشة، والمائدة نزلت فى بيتها، فأرسل عمر إلى عائشة فقالت: كان المسح قبل المائدة، فقل لعمر: والله لأن يُقطع قدماى بعقبهما أحبُّ إلىّ من أن أمسح عليهما، فقال عمر: لا تأخذ بقول امرأة، ثم قال: أنشد الله امرءاً شهد المسح من رسول الله لما قام، فقام ثمانية عشر رجلاً كلهم رأى رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح وعليه جُبَّة شامية ضيقة الكمين، فأخرج يده من تحتها ثم مسح على خُفَّيه، فقال عمر: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: سلهم؛ أقبل المائدة أم بعدها؟ فسألهم، فقالوا: ما ندرى، فقال علىّ ﵇: أنشد الله امرءاً مسلماً علم أن المسح قبل المائدة لما قام، فقام اثنان وعشرون رجلاً، فتفرَّق القوم وهؤلاء يقولون: لا نترك ما رأينا.

стр. 678

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: والله ما مسح رسول الله بعد المائدة، ولأن أمسح على ظهر عير بالفلاة أحبُّ إلىّ من أن أمسح على الخُفَّين. وعن علىّ ﵇، سبق الكتاب الخُفَّين - قيل معناه: قطع - وعن أبى هريرة: ما أُبالى على خُفَّى مسحتُ أو على ظهر حمار. فثبت للنسخ بما ذكر. وأما قول جرير: رأيت رسول الله يمسح، وكان إسلامه بعد المائدة فروايته لا تُقبل مع إنكار أمير المؤمنين، لأنه لحق بمعاوية فكان ذلك قدحاً. هذا كلام أهل المذهب والمسألة إجماعية من أهل البيت ﵈". وهكذا نجد المؤلف ﵀ يناقش مخالفيه من أصحاب المذاهب الأخرى مناقشة حادة، وإن دلَّت على شىء فهو قوة ذهن الرجل، وسعة اطلاعه. هذا.. ولا يكاد القارئ لهذا التفسير يجد فيه خلافاً كثيراَ للمذاهب الفقهية الأخرى، كما هو الشأن فى كتب التفسير الفقهى للإمامية الإثنا عشرية، وهذا راجع إلى تقارب وجهات النظر بين الزيدية وأهل السُّنَّة فى أصول الفقه وفروعه. * * *

стр. 679

التفسير العلمى معنى التفسير العلمى نريد بالتفسير العلمى: التفسير الذى يُحَكِّم الاصطلاحات العلمية فى عبارات القرآن، ويجتهد فى استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية منها. * * التوسع فى هذا النوع من التفسير وكثرة القائلين به وقد وقع هذا النوع من التفسير، واتسع القول فى احتواء القرآن كل العلوم ما كان منها وما يكون، فالقرآن فى نظر أصحاب هذه الطريقة يشمل - إلى جانب العلوم الدينية الاعتقادية والعملية - سائر علوم الدنيا على اختلاف أنواعها، وتعدد ألوانها. * * الإمام الغزالى والتفسير العلمى ويظهر لنا - على حسب ما قرأنا - أن الإمام الغزالى كان - إلى عهده - أكثر من استوفى بيان هذا القول فى تفسير القرآن، وأهم مَن أيده وعمل على ترويجه فى الأوساط العلمية الإسلامية، على رغم ما قرر فيها من قواعد فهم عبارات القرآن. وبين أيدينا كتاب "الإحياء" للغزالى نتصفحه فنجده يعقد الباب الرابع من أبواب آداب تلاوة القرآن، فى فهم القرآن وتفسيره بالرأى من غير نقل. وفيه ينقل عن بعض العلماء "أن القرآن يحوى سبعة وسبعين ألف علم ومائتى علم، إذ كل كلمة علم، ثم يتضاعف ذلك أربعة أضعاف، إذ لكل كلمة ظاهر وباطن، وحد ومطلع"، ثم يروى عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: "مَن أراد علم الأوَّلين والآخرين فليتدبر القرآن"، ثم يقول بعد ذلك كله: "وبالجملة فالعلوم كلها داخلة فى أفعال الله وصفاته، وفى القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته، وهذه العلوم لا نهاية لها، وفى القرآن إشارة إلى مجامعها"، ثم يزيد على ذلك فيقول: "بل كل ما أشكل فهمه على النُظَّار، واختلف فيه الخلائق فى النظريات، والمعقولات، فى القرآن إليه رمز ودلالات عليه، يختص أهل الفهم بدركها". ثم إننا نتصفح كتابه "جواهر القرآن" الذى ألَّفه بعد الإحياء كما يظهر لنا من مقدمته، فنجده يزيد هذا الذى قرره فى الإحياء بياناً وتفصيلاً، فيعقد الفصل الرابع منه لكيفية انشعاب العلوم الدينية كلها وما يتصل بها من القرآن عن تقسيمات وتفصيلات تولاها لا نطيل بذكرها، ويكفى أن نقول: إنه قسم علوم القرآن إلى قسمين:

стр. 680

الأول: علم الصدف والقشر، وجعل من مشتملاته: علم اللُّغة. وعلم النحو: وعلم القراءات، وعلم مخارج الحروف. وعلم التفسير الظاهر. والثانى: علم اللُّباب. وجعل من مشتملاته: علم قصص الأوَّلين، وعلم الكلام، وعلم الفقه، وعلم أُصول الفقه، والعلم بالله واليوم الآخر، والعلم بالصراط المستقيم، وطريق السلوك. ثم يعقد الفصل الخامس منه لكيفية انشعاب سائر العلوم من القرآن، فيذكر علم الطب والنجوم، وهيئة العالَم، وهيئة بدن الحيوان، وتشريح أعضائه، وعلم السحر، وعلم الطلسمات ... وغير ذلك، ثم يقول: "ووراء ما عددته علوم أُخرى، يُعلم تراجمها ولا يخلو العالَم عمن يعرفها، ولا حاجة إلى ذكرها بل أقول: ظهر لنا بالبصيرة الواضحة التى لا يُتمارى فيها أن فى الإمكان والقوة أصنافاً من العلوم بعد لم تخرج من الوجود، وإن كان فى قوة الآدمى الوصول إليها، وعلوم كانت قد خرجت من الوجود واندرست الآن، فلن يوجد فى هذه الأعصار على بسيط الأرض مَن يعرفها، وعلوم أُخر ليس فى قوة البشر أصلاً إدراكها والإحاطة بها، ويحظى بها بعض الملائكة المقرَّبين، فإن الإمكان فى حق الآدمى محدود، والإمكان فى حق المَلَك محدود إلى غاية من النقصان، وإنما الله سبحانه هو الذى لا يتناهى العلم فى حقه". ثم يقول بعد ذلك: "ثم هذه العلوم ما عددنا وما لم نعددها، ليست أوائلها خارجة من القرآن، فإن جميعها مغترفة من بحر واحد من بحار معرفة الله تعالى، وهو بحر الأفعال، وقد ذكرنا أنه بحر لا ساحل له، وأن البحر لو كان مِدَاداً لكلماته لنَفِدَ البحر قبل أن تنفد، فمن أفعال الله تعالى وهو بحر الأفعال - مثلاً - الشفاء والمرض كما قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] ، وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلا مَن عرف الطب بكماله، إذ لا معنى للطب إلا معرفة المرض بكماله وعلاماته، ومعرفة الشفاء وأسبابه، ومن أفعاله تقدير معرفة الشمس والقمر ومنازلهما بُحسْبان، وقد قال الله تعالى: ﴿الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] ، وقال: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب﴾ [يونس: ٥] ، وقال: ﴿وَخَسَفَ القمر * وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾ [القيامة: ٨-٩] ، وقال: ﴿يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل﴾ [الحج: ٦١، لقمان: ٢٩] وقال: ﴿والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم﴾ [يس: ٣٨] .. ولا يعرف حقيقة سير الشمس والقمر بحسبان وخسوفهما، وولوج الليل فى النهار، وكيفية تكور أحدهما

стр. 681

على الآخر إلا من عرف هيئات تركيب السموات والأرض، وهو علم برأسه، ولا يعرف كمال معنى قوله: ﴿ياأيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم * الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * في أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦-٨] إلا مَن عرف تشريح الأعضاء من الإنسان ظاهراً وباطناً، وعددها وأنواعها، وحكمتها ومنافعها، وقد أشار فى القرآن فى مواضع إليها، وهى من علوم الأوَّلين والآخرين، وفى القرآن مجامع علم الأوَّلين والآخرين. وكذلك لا يعرف معنى قوله: ﴿سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: ٢٩، وسورة ص: ٧٢] ما لم يعلم التسوية، والنفخ، والروح، ووراءها علوم غامضة يغفل عن طلبها أكثر الخلق، وربما لا يفهمونها إن سمعوها من العالِم بها، ولو ذهبت أُفَصِّل ما تدل عليه آيات القرآن من تفاصيل الأفعال لطال، ولا يمكن الإشارة إلا إلى مجامعها.. فتفكر فى القرآن، والتمس غرائبه لتصادف فيه مجامع علم الأوَّلين والآخرين". * * الجلال السيوطى والتفسير العلمى كذلك نجد العلامة جلال الدين السيوطى ينحو منحى الغزالى فى القول بالتفسير العلمى، ويقرر ذلك بوضوح وتوسع فى كتابه "الإتقان" فى النوع الخامس والستين منه، كما يقرر ذلك أيضاً بمثل هذا الوضوح والتوسع فى كتابه "الإكليل فى استنباط التنزيل" ونجده يسوق من الآيات والأحاديث والآثار ما يستدل به على أن القرآن مشتمل على كل العلوم. فمن الآيات: قوله تعالى فى الآية [٣٨] من سورة الأنعام: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ﴾ ، وقوله فى الآية [٨٩] من سورة النحل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ . ومن الأحاديث: ما أخرجه الترمذى وغيره: أن رسول الله ﷺ قال: "ستكون فتن"، قيل: وما المخرج منها؟ قال: "كتاب الله.. فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما يعدكم، وحكم ما بينكم". وما أخرجه أبو الشيخ عن أبى هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لو أغفل شيئاً لأغفل الذّرَّة والخردلة والبعوضة". ومن الآثار: ما أخرجه سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه قال: "مَن أراد العلم فعليه بالقرآن، فإن فيه خبر الأوَّلين والآخرين". وما أخرجه ابن أبى حاتم عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: "أَنْزلَ فى القرآن كل علم، وبَيَّنَ لنا فيه كل شىء، لكن علمنا يقصر عما بَيَّنَ لنا فى القرآن".

стр. 682

ثم نجده بعد أن يسوق هذه الأدلة وغيرها يذكر لنا عن بعض العلماء أنه استنبط أن عمر النبى ﷺ ثلاث وستون سنة من قوله تعالى فى الآية [١١] من سورة المنافقون: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ الله نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ﴾ ، فإنها رأس ثلاث وستين سورة، وعقَّبها بـ "التغابن" ليُظهر التغابن فى فقده". * * أبو الفضل المرسى والتفسير العلمى ثم ذكر عن أبى الفضل المرسى أنه قال فى تفسيره: "جمع القرآن علوم الأوَّلين والآخرين، بحيث لم يحط بها علماً حقيقة إلا المتكلم به، ثم رسول الله ﷺ ، خلا ما استأثر به ، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم، مثل الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس حتى قال: لو ضاع لى عقال بعير لوجدته فى كتاب الله تعالى، ثم ورث عنهم التابعون بإحسان، ثم تقاصرت الهمم، وفترت العزائم، وتضاءل أهل العلم وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه، فنوَّعوا علومه، وقامت كل طائفة بفن من فنونه، فاعتنى قوم بضبط لغاته، وتحرير كلماته، ومعرفة مخارج حروفه، وعددها، وعدد كلماته، وآياته، وسوره، وأحزابه، وأنصافه، وأرباعه، وعدد سجداته، والتعليم عند كل عشر آيات ... إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة، والآيات المتماثلة، من غير تعرض لمعانيه، ولا تدبر لما أُودع فيه، فسُمُّوا القُرَّاء. واعتنى النحاة بالمعرب منه والمبنى من الأسماء والأفعال، والحروف العاملة، وغيرها، وأوسعوا الكلام فى الأسماء وتوابعها، وضروب الأفعال. واللازم، والمتعدى، ورسوم خط الكلمات، وجميع ما يتعلق به، حتى إن بعضهم أعرب مشكله، وبعضهم أعربه كلمة كلمة. واعتنى المفسِّرون بألفاظه، فوجدوا منه لفظاً يدل على معنى واحد، ولفظاً يدل على معنيين، ولفظاً يدل على أكثر، فأجروا الأول على حكمه، وأوضحوا معنى الخفى منه، وخاضوا فى ترجيح أحد محتملات ذى المعنيين والمعانى، وأعمل كل منهم فكره، وقال بما اقتضاه نظره. واعتنى الأُصوليون بما فيه من الأدلة القطعية، والشواهد الأصلية والنظرية، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ ... إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، فاستنبطوا منها أدلة على وحدانية الله، ووجوده، وبقائه، وقِدَمه، وقُدرته، وعلمه، وتنزيهه عما لا يليق به، وسموا هذا العلم بأُصول الدين. وتأملت طائفة منهم معانى خطابه، فرأت منها ما يقتضى العموم، ومنها ما يقتضى

стр. 683

الخصوص، إلى غير ذلك، فاستنبطوا منه أحكام اللُّغة من الحقيقة والمجاز، وتكلموا فى التخصيص، والإضمار، والنص، والظاهر، والمُجمَل، والمُحْكَم، والمتشابه، والأمر، والنهى، والنسخ ... إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة، واستصحاب الحال، والاستقراء، وسموا هذا الفن أصول الفقه. وأحكمت طائفة صحيح النظر، وصادق الفكر فيما فيه من الحلال والحرام، وسائر الأحكام، فأسسوا أُصوله، وفرَّعوا فروعه، وبسطوا القول فى ذلك بسطاً حسناً، وسموه بعلم الفروع، وبالفقه أيضاً. وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السابقة، والأُمم الخالية، ونقلوا أخبارهم، ودوَّنوا آثارهم ووقائعهم، حتى ذكروا بدء الدنيا، وأول الأشياء، وسموا ذلك بالتاريخ. وتنبَّه آخرون لما فيه من الحِكَم، والأمثال، والمواعظ التى تقلقل قلوب الرجال، وتكاد تدكدك الجبال، فاستنبطوا مما فيه من الوعد، والوعيد، والتحذير، والتبشير، وذكر الموت، والمعاد، والنشر، والحشر، والحساب، والعقاب، والجنَّة، والنار، فصولاً من المواعظ، وأُصولاً من الزواجر، فسُمُّوا بذلك الخطباء والوُعَّاظ. واستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير، مثل ما ورد فى قصة يوسف فى البقرات السمان، وفى منامى صاحبى السجن، وفى رؤياه الشمس والقمر والنجوم ساجدة، وسَمُّوه تعبير الرؤيا، واستنبطوا تأويل كل رؤيا من الكتاب، فإن عَزَّ عليهم إخراجها منه فمن السُّنَّة التى هى شارحة للكتاب، فإن عَزَّ فمن الحِكَم والأمثال، ثم نظروا إلى اصطلاح العوام فى مخاطباتهم وعُرف عاداتهم، الذى أشار إليه القرآن بقوله: ﴿وَأْمُرْ بالمعروف﴾ [لقمان: ١٧] .. وأخذ قوم مما فى آية المواريث من ذكر السهام وأربابها وغير ذلك، علم الفرائض، واستنبطوا منها من ذكر النِصْف، والثُّلُث، والرُّبُع، والسُّدُس، والثُّمُن، حساب الفرائض، ومسائل العدل، واستخرجوا منه أحكام الوصايا. ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالات على الحِكَم الباهرة، فى الليل، والنهار، والشمس، والقمر، ومنازله، والبروج، وغير ذلك فاستخرجوا منه علم المواقيت. ونظر الكُتَّاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللَّفظ، وبديع النظم، وحُسن السياق، والمبادىء، والمقاطع، والمخالص، والتلوين فى الخطاب، والإطناب، والإيجاز، وغير ذلك واستنبطوا منه المعانى، والبيان، والبديع. ونظر فيه أرباب الإشارات، وأصحاب الحقيقة، فلاح لهم من ألفاظه معانٍ ودقائق، جعلوا لها أعلاماً اصطلحوا عليها، مثل: الفناء، والبقاء، والحضور. والخوف، والهيبة، والأُنس، والوحشة، والقبض، والبسط، وما أشبه ذلك. هذه الفنون أخذتها المِلَّة الإسلامية منه، وقد أحتوى على علوم أُخَر من علوم

стр. 684

الأوائل مثل: الطّب، والجدل، والهيئة، والهندسة، والجبر، والمقابلة، والنجامة، وغير ذلك من العلوم. أما الطب: فمداره على نظام الصحة واستحكام القوة، وذلك إنما يكون باعتدال المزاج بتفاعل الكيفيات المتضادة، وقد جمع ذلك فى آية واحدة وهى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ ، [الفرقان: ٦٧] وعرفنا فيه بما يفيد نظام الصحة بعد اختلاله، وحدوث الشفاء للبدن بعد اعتلاله فى قوله تعالى: ﴿شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] .. ثم زاد على طب الأجسام بطب القلوب، وشفاء الصدور. وأما الهيئة: ففى تضاعيف سوره من الآيات التى ذكر فيها ملكوت السموات والأرض، وما بث فى العالم العلوى والسفلى من المخلوقات. وأما الهندسة: ففى قوله تعالى: ﴿انطلقوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ * لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللهب﴾ [المرسلات: ٣٠-٣١] .. فإن فيه قاعدة هندسية، وهو أن الشكل المثلث لا ظل له. وأما الجدل: فقد حوت آياته من البراهين، والمقدمات، والنتائج، والقول بالموجب، والمعارضة، وغير ذلك شيئاً كثيراً، ومناظرة إبراهيم نمرود، ومحاجته قومه أصل فى ذلك عظيم. وأما الجبر والمقابلة فقد قيل: إن أوائل السور فيها ذكر مدد وأعوام وأيام التواريخ لأُمم سالفة. وإن فيها بقاء هذه الأمة، وتاريخ مدة أيام الدنيا، وما مضى وما بقى، مضروب بعضها فى بعض. وأما النجامة: ففى قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] ، فقد فسَّره بذلك ابن عباس. وفيه أُصول الصنائع وأسماء الآلات التى تدعو الضرورة إليه، كالخياطة فى قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ [الأعراف: ٢٢، طه: ١٢١] ، والحدادة: ﴿آتُونِي زُبَرَ الحديد﴾ [الكهف: ٩٦] والبناء فى آيات، والنجارة: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧] ، والغزل: ﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ [النحل: ٩٢] ، والنسج: ﴿كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً﴾ [العنكبوت: ٤١] ، والفلاحة: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ وما بعدها] ... الآيات، والصيد فى آيات، والغوص: ﴿والشياطين كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص: ٣٧] ، ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً﴾ [النحل: ١٤] ، والصياغة: ﴿واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨] ، والزجاجة: ﴿المصباح فِي

стр. 685

زُجَاجَةٍ﴾ ، ﴿مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ﴾ [النمل: ٤٤] ، والفخارة: ﴿فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين﴾ [القصص: ٣٨] ، والملاحة: ﴿أَمَّا السفينة﴾ [الكهف: ٧٩] ... . الآية، والكتابة ﴿عَلَّمَ بالقلم﴾ [العلق: ٤] وفى آيات أُخَر. والخَبْز: ﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً﴾ [يوسف: ٣٦] ، والطبخ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] ، والقصارة: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] ، ﴿قَالَ الحواريون﴾ [آل عمران: ٥٢، المائدة: ١١٢، الصف: ١٤] وهم القصَّارون، والجزارة: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، والبيع والشراء فى آيات، والصبغ: ﴿صِبْغَةَ الله﴾ [البقرة: ١٣٨] ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ ، [فاطر: ٢٧] والحجارة: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً﴾ [الشعراء: ١٤٩] ، والكيالة والوزن فى آيات كثيرة، والرمى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] . وفيه من أسماء الآلات وضروب المأكولات، والمشروبات، والمنكوحات، وجميع ما وقع ويقع فى الكائنات ما يحقق معنى قوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] .. قال السيوطى: انتهى كلام المرسى ملخصاً مع زيادات. ثم بعد روايته لهذه المقالة الطويلة، نجده يذكر عن أبى بكر بن العربى أنه قال فى كتابه "قانون التأويل": "علوم القرآن خمسين علماً، وأربعمائة علم، وسبعة آلاف علم، وسبعون ألف علم، على عدد كلم القرآن مضروبة فى أربعة، إذ لكل كلمة ظهر وبطن، وحد ومطلع، وهذا مطلق دون اعتبار التركيب وما بينها من روابط، وهذا ما لا يُحصى، وما لا يعمله إلا الله". وأخيراً عقَّب السيوطى على هذه النقول وغيرها فقال: "وأنا أقول: قد اشتمل كتاب الله العزيز على كل شىء، أما أنواع فليس منها باب ولا مسألة هى أصلاً إلا وفى القرآن ما يدل عليها، وفيه عجائب المخلوقات، وملكوت السموات والأرض، وما فى الأفق الأعلى وما تحت الثرى و.. و ... إلى غير ذلك مما يحتاج شرحه إلى مجلدات". ومن هذا يتبين لك كيف ظهرت آثار الثقافات العلمية للمسلمين فى تفسير القرآن الكريم، وكيف حاول هؤلاء العلماء المتقدمون أن يجعلوا القرآن منبع العلوم كلها، ما جَدَّ وما يَجِدّ إلى يوم القيامة. ولو أنَّا تتبعنا سلسلة البحوث التفسيرية للقرآن الكريم، لوجدنا أن هذه النزعة - نزعة التفسير العلمى - تمتد من عهد النهضة العلمية العباسية إلى يومنا هذا، ولوجدنا أنها كانت فى أول الأمر عبارة عن محاولات، يُقصد منها التوفيق بين القرآن،

стр. 686

وما جَدَّ من العلوم، ثم وُجِدت الفكرة مركَّزة وصريحة على لسان الغزالى، وابن العربى، والمرسى، والسيوطى، ولوجدنا أيضاً أن هذه الفكرة قد طُبِّقت علمياً، وظهرت فى مثل محاولات الفخر الرازى، ضمن تفسيره للقرآن. ثم وُجِدت بعد ذلك كتب مستقلة فى استخراج العلوم من القرآن، وتتبع الآيات الخاصة بمختلف العلوم، وراجت هذه الفكرة فى العصر المتأخر رواجاً كبيراً بين جماعة من أهل العلم، ونتج عن ذلك مؤلفات كثيرة تعالج هذا الموضوع، كما أُلِّفت بعض التفاسير التى تسير على ضوء هذه الفكرة. ونرى أن نؤجل البحث عن التفسير العلمى فى هذه المرحلة الأخيرة إلى خاتم الرسالة، حيث نعرض لألوان التفسير فى العصر الحديث إن شاء الله تعالى. * * * إنكار التفسير العلمى إذا كانت فكرة التفسير العلمى قد راجت عند بعض المتقدمين، وازدادت رواجاً عند بعض المتأخرين، فإنها لم تلق رواجاً عند بعض العلماء الأقدمين، كما أنها لم تلق رواجاً عند بعض المتأخرينم منهم أيضاً. * * إنكار الشاطبى للتفسير العلمى ويظهر لنا على حسب ما قرأنا أن زعيم المعارضة لهذه الفكرة فى العصور المتقدمة هو الفقيه الأصولى: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبى، الأندلسى، المتوفى سننة ٧٩٠ هـ (تسعين وسبعمائة من الهجرة) ، وذلك أنَّا نجده فى كتابه "الموافقات" يعقد بحثاً خاصاً لمقاصد الشارع، وينوِّع هذه المقاصد إلى أنواع تولى شرحها وبيانها، والذى يهمنا هنا النوع الثانى منها وهو "بيان قصد الشارع فى وضع الشريعة للأفهام" وفى المسألة الثالثة من مسائل هذا النوع نجده يقرر أن "هذه الشريعة المباركة أُمِّية، لأن أهلها كذلك فهو أجرى على اعبتار المصالح".. ثم دلَّل على ذلك بأُمور ثلاثة لا نطيل بذكرها، ثم عقَّب بفصل ذكر فيه: "إن العرب كان لها اعتناء بعلوم ذكرها الناس، وكان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق، واتصاف بمحاسن الشيم، فصححت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت عليه، وأبطلت ما هو باطل، وبيَّنت منافع ما ينفع من ذلك، ومضار ما يضر منه"، ثم ذكر من العلوم الصحيحة التى كان للعرب اعتناء بها: علم النجوم وما يختص به من الاهتداء فى البر والبحر، واختلاف الأزمان باختلاف سيرها، وما يتعلق بهذا المعنى. ثم قال: "وهو معنى مقرر فى أثناء القرآن

стр. 687

فى مواضع كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ النجوم لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البر والبحر﴾ [الأنعام: ٩٧] ، وقوله: ﴿وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] ، وقوله: ﴿والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم * لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٩-٤٠] ، وقوله: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب﴾ [يونس: ٥] ، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا الليل والنهار آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ الليل وَجَعَلْنَآ آيَةَ النهار مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] ... الآية، وقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥] ، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج﴾ [البقرة: ١٨٩] ... وما أشبه ذلك من الآيات. وذكر علم الأنواء، وأوقات نزول الأمطار، وإنشاء السحاب، وهبوب الرياح المثيرة لها، وعرض لما ورد فى ذلك من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِىءُ السحاب الثقال * وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد: ١٢-١٣] ... الاية، وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون﴾ [الواقعة: ٦٨-٦٩] ، وقوله: ﴿والله الذي أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: ٩] ... وغير ذلك من الآيات. وذكر علم التاريخ وأخبار الأُمم الماضية، وفى القرآن من ذلك ما هو كثير ... قال تعالى: ﴿ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الغيب نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] ... الاية، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هاذا﴾ [هود: ٤٩] . وذكر علم الطب، وبيَّن أنه كان فى العرب منه شىء مبنى على تجارب الأُميين، لا على قواعد الأقدمين. قال: "وعلى ذلك المساق جاء فى الشريعة لكن على وجه جامع، شاف، قليل يطلع منه على كثير، فقال تعالى: ﴿وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا﴾ [الأعراف: ٣١] . وذكر التفنن فى علم فنون البلاغة، والخوض فى وجوه الفصاحة، والتصرف فى أساليب الكلام.. قال: "وهو أعظم منتحلاتهم، فجاءهم بما أعجزهم من القرآن، قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هاذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: ٨٨] .. وذكر ضرب الأمثال، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هاذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨] .

стр. 688

وذكر من العلوم التى عنى بها العرب وأكثرها باطل أو جميعها: علم العيافة، والزجر، والكهانة، وخط الرمل، والضرب بالحصى، والطَيْرة، قال: "فأبطلت الشريعة من ذلك الباطل، ونهت عنه كالكهانة، والزجر، وخط الرمل. وأقرت الفأل لا من جهة تَطلُّب الغيب، فإن الكهانة والزجر كذلك، وأكثر هذه الأمور تَخرُّص على علم الغيب من غير دليل، فجاء النبى ﷺ بجهة من تعرف علم الغيب مما هو حق محض، وهو الوحى والإلهام، وبقى للناس من ذلك بعد موته ﵇ جزء من النبوة وهو الرؤيا الصالحة، وأنموذج من غيره لبعض الخاصة وهو الإلهام والفراسة". ثم بعد هذا البيان الذى أوضح فيه الشاطبى أن الشريعة فى تصحيح ما صححت وإبطال ما أبطلت قد عرضت من ذلك إلى ما تعرفه العرب من العلوم، ولم تخرج عما ألفوه، نراه يزيد هذا البيان إسهاباً وإيضاحاً، ويتوجه باللَّوم إلى مَن أضافوا للقرآن كل علوم الأوَّلين والآخرين، مفنداً هذا الزعم، الذى اعتقد أن قائليه قد تجاوزوا به الحد فى دعواهم على القرآن. وذلك حيث يقول فى المسألة الرابعة من مسائل النوع الثانى من المقاصد - أعنى مقاصد وضع الشريعة للإفهام - "ما تقرر من أُمِّية الشريعة وأنها جارية على مذاهب أهلها - وهم العرب - ينبنى عليه قواعد: منها: أن كثيراً من الناس تجاوزوا فى الدعوى على القرآن الحد، فأضافوا إليه لك علم يُذكر للمتقدمين والمتأخرين من علوم الطبعيات والتعاليم كالهندسة وغيرها من الرياضيات، والمنطق وعلم الحروف، وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها، وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح". ثم يصحح الشاطبى رأيه هذا ويحتج له بما عُرِف عن السَلَف من نظرهم فى القرآن فيقول: " ... إن السَلَف الصالح - من الصحابة والتابعين ومن يليهم - كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أُودع فيه، ولم تبلغنا أنه تكلم أحد منهم فى شىء من هذا المدَّعى سوى ما تقدم، وما ثبت فيه من أحكام التكاليف، وأحكام الآخرة، وما يلى ذلك، ولو كان لهم فى ذلك خوض ونظر لبلغنا منه ما يدلنا على أصل المسألة، إلا أن ذلك لم يكن فدل على أنه غير موجود عندهم، وذلك دليل على أن القرآن لم يُقصد فيه تقرير لشىء مما زعموا. نعم تضمن علوماً من جنس علوم العرب أو ما ينبنى على معهودها مما يتعجب منه أُولوا الألباب، ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة، دون الاهتداء بأعلامه، والاستنارة بنوره، وأما أن فيه ما ليس من ذلك فلا". ثم أخذ الشاطبى بعد هذا فى ذكر ما استند إليه أرباب التفسير العلمى من الأدلة فقال: "وربما استدلوا على دعواهم بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَاناً لِّكُلِّ

стр. 689

شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ، وقوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ... ونحو ذلك، وبفواتح السور - وهى مما لم يُعهد عند العرب - وبما نُقِل عن الناس فيها، وربما حكى من ذلك عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه وغيره أشياء" ثم أخذ الشاطبى ﵀ يفند هذه الأدلة فقال: "فأما الآيات: فالمراد بها عند المفسِّرين ما يتعلق بحال التكليف والتعبد، أو المراد بالكتاب فى قوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ﴾ : اللَّوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها ما يقتضى تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية. وأما فواتح السور.. فقد تكلم الناس فيها بما يقتضى أن للعرب بها عهداً، كعدد الجُمَّل الذى تَعرَّفوه من أهل الكتاب، حسبما ذكره أصحاب السير، أو هى من المتشابهات التى لا يعلم تأويلها إلى الله تعالى، وغير ذلك. وأما تفسيرها بما لا عهد به فلا يكون ولم يدعه أحد ممن تقدم، فلا دليل فيها على ما ادعوا، وما يُنقل عن علىّ أو غيره فى هذا لا يثبت، فليس بجائز أن يُضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصح أن يُنكر منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار فى الاستعانة على فهمه على كل ما يُضاف علمه إلى العرب خاصة، فبه يوصل إلى علم ما أُودع من الأحكام الشرعية، فمَن طلبه بغير ما هو أداة له ضَلَّ عن فهمه، وتَقوَّل على الله ورسوله فيه، والله أعلم، وبه التوفيق". هذه هى الخلاصة الشاملة لمقالة الشاطبى فى هذا الموضوع، وذلك هو رأيه فى التفسير العلمى الذى شغف به بعض العلماء المتقدمين والمتأخرين، وأحسب أنى - وقد وضعت بين يدى القارىء مقالة كل فريق وما يستند إليه من أدلة - قد أنرتُ له الطريق، وأوضحتُ له السبيل، ليختار لنفسه ما يحلو، بعد أن يحكم على أحدهما بأنه خير مقالة وأحسن دليلاً. * * اختيارنا فى هذا الموضوع أما أنا فاعتقادى أن الحق مع الشاطبى ﵀، لأن الأدلة التى ساقها لتصحيح مُدَّعاه أدلة قوية، لا يعتريها الضعف، ولا يتطرق إليها الخلل، ولأن ما أجاب به على أدلة مخالفيه أجوبة سديدة دامغة لا تثبت أمامها حججهم، ولا يبقى معها مُدَّعاهم. وهناك أُمور أُخرى يتقوى بها اعتقادنا أن الحق فى جانب الشاطبى ومَن لَفَّ لفه، فمن ذلك ما يأتى: أولا - الناحية اللُّغوية: وذلك أن الألفاظ اللُّغوية لم تقف عند معنى واحد من لدن استعمالها إلى اليوم،

стр. 690

بل تدرجت حياة الألفاظ وتدرجت دلالاتها، فكان لكثير من الألفاظ دلالات مختلفة، ونحن وإن كنا لا نعرف شيئاً عن تحديد هذا التدرج وتاريخ ظهور المعانى المختلفة للكلمة الواحدة، نستطيع أن نقطع بأن بعض المعانى للكلمة الواحدة حادث باصطلاح أرباب العلوم والفنون، فهناك معان لُغوية، وهناك معان شرعية، وهناك معان عُرْفية، وهذه المعانى كلها تقوم بلفظ واحد، بعضها عرفته العرب وقت نزول القرآن، وبعضها لا علم للعرب به وقت نزول القرآن، نظراً لحدوثه وطروه على اللَّفظ، فهل يعقل بعد ذلك أن نتوسع هذا التوسع العجيب فى فهم ألفاظ القرآن، وجعلها تدل على معان جدَّت باصطلاح حادث، ولم تُعرف للعرب الذين نزل القرآن عليهم؟ وهل يعقل أن الله تعالى إنما أراد بهذه الألفاظ القرآنية هذه المعانى التى حدثت بعد نزول القرآن بأجيال، فى الوقت الذى نزلت فيه هذه الألفاظ من عند الله، وتُليت أول ما تُليت على مَن كان حول النبى ﷺ ؟. أعتقد أن هذا أمر لا يعقله إلا مَن سفه نفسه، وأنكر عقله. * ثانياً - الناحية البلاغية: عُرِّفت البلاغة بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ومعلوم أن القرآن فى أعلى درجات البلاغة، فإذا نحن ذهبنا مذهب أرباب التفسير العلمى وقلنا بأن القرآن متضمن لكل العلوم، وألفاظه متحملة لهذه المعانى المستحدّثة، لأوقعنا أنفسنا فى ورطة لا خلاص لنا منها إلا بما يخدش بلاغة القرآن، أو يذهب بفطانة العرب، وذلك لأن مَن خوطبوا بالقرآن فى وقت نزوله أن كانوا يجهلون هذه المعانى وكان الله يريدها من خطابه إياهم لزم على ذلك أن يكون القرآن غير بليغ، لأنه لم يراع حال المخاطب وهذا سلب لأهم خصائص القرآن الكريم. وإن كانوا يعرفون هذه المعانى فلِمَ لَمْ تظهر نهضة العرب العلمية من لدن نزول القرآن الذى حوى علوم الأوَّلين والآخرين؟ ولِمَ لَمْ تقم نهضتهم على هذه الآيات الشارحة لمختلف العلوم وسائر الفنون؟.. وهذا أيضاً سلب لأهم خصائص العرب ومميزاتهم. * ثالثاً: الناحية الاعتقادية: القرآن الكريم باق ما تعاقب الملوان، ونظامه نافع لكل عصر وزمان، فهو يتحدث إلى عقول الناس جميعاً من لدن نزوله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو يساير حياتهم فى كل ما يمرون به من مراحل الزمن، وهذا كله بحكم كونه كتاب الشريعة العامة الشاملة، وقانون الدين الذى جعله الله خاتم شرائع السموات إلى أهل الأرض. هذا ما يجب على كل مسلم أن يعتقده ويدين به، حتى يسلم له دينه، ولا يرتاب

стр. 691

فيه، فإذا نحن ذهبنا مذهب مَن يُحمِّل القرآن كل شىء، وجعلناه مصدراً لجوامع الطب، وضوابط الفلك، ونظريات الهندسة، وقوانين الكيمياء، وما إلى ذلك من العلوم المختلفة، لكُنا بذلك قد أوقعنا الشك فى عقائد المسلمين نحو القرآن الكريم، وذلك لأن قواعد العلوم وما تقوم عليه من نظريات، لا قرار لها ولا بقاء، فرُبَّ نظرية علمية قال بها عالِمٌ اليوم، ثم رجع عنها بعد زمن قليل أو كثير، لأنه ظهر له خطؤها. وأمام سمعنا وبصرنا من المثل ما يشهد بأن كثيراً من جوامع العلم لا يضبطها اليوم أحد إلا تغير ضبطه لها بعد ذلك، وكم بين نظريات العلم قديمة وحديثة من تناف وتضاد، فهل يعقل أن يكون القرآن محتملاً لجميع هذه النظريات والقواعد العلمية على ما بينها من التنافى والتضاد؟ وإذا كان هذا معقولاً، فهل يعقل أن يُصدِّق مسلم بالقرآن بعد هذا، ويكون على يقين بأنه كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟؟ الحق أن القرآن لا يعنى بهذا اللَّون من حياة الناس، ولا يتعهده بالشرح ولا يتولاه بالبيان، حتى يكون مصدرهم الذى يرجعون إليه فى تعرف حياتهم العلمية الدنيوية. ويبدو لنا أن أنصار هذه الفكرة - فكرة التفسير العلمى - لم يقولوا بها، ولم يعملوا على تأييدها إلا بعد أن نظروا إليها كوجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم. وبيان صلاحيته للحياة، وتمشيه معها على اختلاف أحوالها وتطور أزمانها. ولكن "ما هكذا يا سعد تورد الإبل" فإن إعجاز القرآن غنى عن أن يُسلك فى بيانه هذا المسلك المتكلف، الذى قد يُذهب بالإعجاز، وهناك من ألوان الإعجاز غير هذا ما يشهد للقرآن بأنه كتاب الله المنزَّل على محمد ﷺ . وإذا كان أرباب هذا المسلك فى التفسير يستندون إلى ما تناولته بعض آيات القرآن من حقائق الكون ومشاهده، ودعوة الله لهم بالنظر فى كتاب الكون وآياته التى بثًَّها فى الآفاق وفى أنفسهم، إذا كانوا يستندون إلى مثل هذا فى دعواهم أن القرآن قد جمع علوم الأوَّلين والآخرين، فهم مخطئون ولا شك، وذلك لأن تناول القرآن لحقائق الكون ومشاهده، ودعوته إلى النظر فى ملكوت السموات والأرض وفى أنفسهم، لا يُراد منه إلا رياضة وجدانات الناس، وتوجيه عامتهم وخاصتهم إلى مكان العظة والعبرة، ولفتهم إلى آيات قدرة الله ودلائل وحدانيته، من جهة ما لهذه الآيات والمشاهد من روعة فى النفس وجلال فى القلب، لا من جهة ما لها من دقائق النظريات وضوابط القوانين، فليس القرآن كتاب فلسفة أو طب أو هندسة. وليعلم أصحاب هذه الفكرة أن القرآن غنى عن أن يعتز بمثل هذا التكلف، الذى

стр. 692

يوشك أن يخرج به عن هدفه الإنسانى الاجتماعى، فى إصلاح الحياة، ورياضة النفس، والرجوع بها إلى الله تعالى. وليعلم أصحاب هذه الفكرة أيضاً، أن من الخير لهم ولكتابهم أن لا ينحوا بالقرآن هذا المنحى فى تفسيرهم، رغبة منهم فى إظهار إعجاز القرآن وصلاحيته للتمشبى مع التطور الزمنى، وحسبهم أن لا يكون فى القرآن نص صريح يصادم حقيقة علمية ثابتة، وحسب القرآن أنه يمكن التوفيق بينه وبين ما جَدَّ ويَجِدّ من نظريات وقوانين علمية، تقوم على أساس من الحق، وتستند إلى أصل من الصحة. * * *

стр. 693

الخاتمة.. كلمة عامة عن التفسير وألوانه فى العصر الحديث التفسير بين ماضيه وحاضره لم يترك الأوائل للأواخر كبير جهد فى تفسير كتاب الله، والكشف عن معانيه ومراميه، إذ أنهم نظروا إلى القرآن باعتباره دستورهم الذى جمع لهم بين سعادة الدنيا والآخرة، فتناولوه من أول نزوله بدراستهم التفسيرية التحليلية، دراسة سارت مع الزمن على تدرج ملحوظ، وتلون بألوان مختلفة مرَّت بك كلها. أو مرَّ بك على التحقيق ما وصلنا إليه فى دراستنا وقراءتنا الواسعة المستفيضة. والذى يقرأ كتب التفسير على اختلاف ألوانها، لا يدخله شك فى أن كل ما يتعلق بالتفسير من الدراسات المختلفة قد وفاه هؤلاء المفسِّرون الأقدمون حقه من البحث والتحقيق، فالناحية اللُّغوية، والناحية البلاغية، والناحية الأدبية، والناحية النحوية، والناحية الفقهية، والناحية المذهبية، والناحية الكونية الفلسفية. كل هذه النواحى وغيرها تناولها المفسِّرون الأُوَل بتوسع ظاهر ملموس، لم يترك لمن جاء بعدهم - إلى ما قبل عصرنا بقيل - من عمل جديد، أو أثر مبتكر يقومون به فى تفاسيرهم التى ألَّفوها، اللَّهم إلا عملاً ضئيلاً لا يعدو أن يكون جمعاً لأقوال لمتقدمين، أو شرحاً لغامضها، أو نقداً وتفنيداً لما يعتوره الضعف منها، أو ترجيحاً لرأى على رأى، مما جعل التفسير يقف وقفة طويلة مليئة بالركود، خالية من التجديد والابتكار. * * مميزات التفسير فى العصر الحديث ولقد ظل الأمر على هذا، وبقى التفسير واقفاً عند هذه المرحلة - مرحلة الركود والجمود - لا يتعداها، ولا يحاول التخلص منها. حتى جاء عصر النهضة العلمية الحديثة، فاتجهت أنظار العلماء الذين لهم عناية بدراسة التفسير إلى أن يتحرروا من قيد هذا الركود، ويتخلصوا من نطاق هذا الجمود، فنظروا فى كتاب الله نظرة - وإن كان لها اعتماد كبير على ما دوَّنه الأوائل فى التفسير - أثَّرت فى الاتجاه التفسيرى للقرآن تأثيراً لا يسعنا إنكاره، ذلك هو العمل على التخلص من كل هذه الاستطرادات العلمية، التى حُشِرت فى التفسير حشراً ومُزِجت به على غير ضرورة لازمة، والعمل على تنقية التفسير من القصص الإسرائيلى الذى كاد يذهب بجمال القرآن وجلاله، وتمحيص ما جاء فيه من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة على رسول الله ﷺ ، أو على أصحابه عليهم رضوان الله تعالى، وإلباس التفسير ثواباً أدبياً اجتماعياً،

стр. 694

يُظهر روعة القرآن، ويكشف عن مراميه الدقيقة وأهدافه السامية، والتوفيق بجد بالغ وجهد ظاهر بين القرآن وما جَدَّ من نظريات علمية صحيحة، على تفاوت بين الموفقين فى الغلو والاعتدال، وكان ذلك من أجل أن يعرف المسلمون وغير المسلمين أن القرآن هو الكتاب الخالد، الذى يتمشى مع الزمن فى جميع أطواره ومراحله ... وهناك غير هذه الآثار آثار أخرى ظهرت فى الاتجاه التفسيرى فى هذا العصر الحديث، نشأت عن عوامل مختلفة، أهمها: التوسع العلمى، والتأثر بالمذهب والعقيدة، والإلحاد الذى قام على حرية الرأى الفاسد. * * ألوان التفسير فى العصر الحديث وعلى ضوء ما تقدّم، نستطيع أن نُجمل ألوان التفسير فى العصر الحديث فى الألوان الأربعة الآتية وهى أهمها: أولاً: اللّون العلمى. ثانياً: اللَّون المذهبى. ثالثاً: اللَّون الإلحادى. رابعاً: اللَّون الأدبى الاجتماعى. وسأتكلم عن هذه الألوان الأربعة للتفسير فى العصر الحديث، على حسب ترتيبها، وبمقدار ما استفدت من قراءتى فى كتب التفسير وما يتصل به من مؤلفات جَدَّت فى هذا العصر، والله ولى التوفيق. اللَّون العلمى للتفسير فى عصرنا الحاضر

стр. 695

الجواهر فى تفسير القرآن الكريم (للشيخ طنطاوى جوهرى) * الدوافع التى حملت المؤلف على كتابة هذا التفسير: خُلِق الفيلسوف الإسلامى المرحوم الشيخ طنطاوى جوهرى - كما يقول هو عن نفسه -: "مغرماً بالعجائب الكونية معجباً بالبدائع الطبيعية، مشوقاً إلى ما فى السماء من جمال، وما فى الأرض من بهاء وكمال"، ثم كان منه - كما يقول - أنه لما تأمل الأُمة الإسلامية وتعاليمها الدينية، ألفى أكثر العقلاء وبعض أجِلَّة العلماء عن تلك المعانى معرضين، وعن التفرج عليها ساهين لاهين، فقليل منهم مَن فَكَّر فى خلق العوالِم وما أُودع فيها من الغرائب، فدفعه ذلك إلى أن ألَّف كتباً كثيرة مزج فيها الآيات القرآنية بالعجائب الكونية، وجعل آيات الوحى مطابقة لعجائب الصنع، وحكم الخلق، وكان من أهْم هذه الكتب كتاب "نظام العالَم والأمم" و "جواهر العلوم" و "التاج المرصع" و "جمال العالَم" و "النظام والإسلام" و "الأُمة وحياتها" ولكنه وجد أن هذه الكتب - رغم كثرتها، وانتشارها، وترجمتها إلى اللُّغات الأجنبية - لم تشف غليله، فتوجَّه إلى ذى العِزَّة والجلال، أن يُوفقه إلى أن يُفسِّر القرآن تفسيراً ينطوى على كل ما وصل إليه البشر من علوم، فاستجاب الله دعاءه، وتم له ما أراد. * * * متى وكيف شرع المؤلف فى كتابة هذا التفسير؟ ابتدأ المؤلف هذا التفسير أيام أن كان مدرساً بمدرسة دار العلوم، فكان يلقى تفسير بعض آيات على طلبتها. وبعضها كان يكتب فى مجلة الملاجىء العباسية، ثم وإلى سيره فى التفسير حتى أخرج لنا هذه الموسوعة الكبيرة. * * *غرض المؤلف من تفسيره: ولقد أمل المؤلف ﵀ من وراء هذا التفسير - كما يقول - "أن يشرح الله به قلوباً، ويهدى به أُمماً، وتنقشع به الغشاوة عن أعين عامة المسلمين، فيفهموا العلوم الكونية"، وقال: "وإنى لعلى رجاء أن يؤيد الله هذه الأُمة بهذا الدين، وينسج على منوال هذا التفسير المسلمون، وليُقرَأنّ فى مشارق الأرض ومغاربها مقروناً بالقبول، وليولعن بالعجائب السماوية والبدائع الأرضية الشبان الموحِّدون، وليرفعن الله مدنيتهم إلى العلا، وليكونن داعياً حثيثاً إلى درس العوالم العلوية والسفلية،

стр. 696

وليقومن من هذه الأمة مَن يفوقون الفرنجة فى الزراعة، والطب، والمعادن، والحساب، والهندسة، والفلك، وغيرها من العلوم والصناعات". * * * مسلك المؤلف فى تفسيره: ولقد وضع المؤلف فى تفسيره هذا ما يحتاجه المسلم من الأحكام، والأخلاق، وعجائب الكون، وأثبت فيه غرائب العلوم وعجائب الخلق، مما يَشوِّق المسلمين والمسلمات - كما يقول - إلى الوقوف على حقائق معانى الآيات البيِّنات فى الحيوان والنبات، والأرض والسموات. هذا.. وإن المؤلف ﵀ ليقرر فى تفسيره أن فى القرآن من آيات العلوم ما يربو على سبعمائة وخمسين آية، فى حين أن علم الفقه لا تزيد آياته الصريحة على مائة وخمسين آية، كما يقرر " أن الإسلام جاء لأُمم كثيرة، وأن سور القرآن متممات لأُمور أظهرها العلم الحديث". وكثيراً ما نجد المؤلف ﵀ فى تفسيره يهيب بالمسلمين أن يتأملوا فى آيات القرآن التى ترشد إلى علوم الكون، ويحثهم على العمل بما فيها، ويندد بمن يُغفل هذه الآيات على كثرتها، وينعى على مَن أغفلها من السابقين الأوَّلين، ووقف عند آيات الأحكام وغيرها مما يتعلق بأُمور العقيدة. نجد المؤلف يكرر هذه النغمة فى كثير من مواضع الكتاب فيقول فى موضع منه: "يا أمة الإسلام؛ آيات معدودات فى الفرائض اجتذبت فرعاً من علم الرياضيات، فما بالكم أيها الناس بسبعمائة آية فيها عجائب الدنيا كلها.. هذا زمان العلوم، وهذا زمان ظهور نور الإسلام، هذا زمان رقيه، يا ليت شعرى.. لماذا لا نعمل فى آيات العلوم الكونية ما فعله آباؤنا فى آيات الميراث؟ ولكنى أقول: الحمد لله ... الحمد لله، إنك تقرأ فى هذا التفسير خلاصات من العلوم، ودراستها أفضل من دراسة علم الفرائض، لأنه فرض كفاية، فأما هذه فإنها للازدياد فى معرفة الله وهى فرض عَيْن على كل قادر ... إن هذه العلوم التى أدخلناها فى تفسير القرآن، هى التى أغفلها الجهلاء المغرورون من صغار الفقهاء فى الإسلام، فهذا زمان الانقلاب، وظهور الحقائق، والله يهدى مَن يشاء إلى صراط مستقيم". ويقول فى موضع آخر: "إن نظام التعليم الإسلامى لا بد من ارتقائه، فعلوم البلاغة ليست هى نهاية علوم القرآن، بل هى علوم لفظه، وما نكتبه اليوم علوم معناه، وانطباقها على العلوم التى أظهرها الله فى الأرض، ولعل هذا الزمان سيظهر فيه آثار من

стр. 697

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ، فإن البيان المذكور فى سورة القيامة فُسِّر بمعنى أننا نبينه بلسانك فتقرأه كما أقرأك جبريل، وبمعنى أنِه إذا أشكل شىء من معانيه فنحن نبينه لك، وعلينا بيان ما فيه من الأحكام والعجائب ولا جَرَم أن ما يتجدد اليوم من العلوم مما ذُكِر فى هذا التفسير وما لم يُذكر، من البيان الذى أكد الله أنه يُظهره لأُمة الإسلام، فالحمد لله الذى وفق فى هذا التفسير لبعض العرفان تصديقاً لما ذكر الله من أن عليه البيان". ويقول فى موضع آخر: "لماذا ألَّف علماء الإسلام عشرات الأُلوف من الكتب الإسلامية فى علم الفقه ... وعلم الفقه ليس له فى القرآن إلا آيات قلائل لا تصل مائة وخمسين آية؟ فلماذا كثر التأليف فى علم الفقه، وقَلَّ جداً فى علوم الكائنات التى لا تخلو منها سورة؟ بل هى تبلغ سبعمائة وخمسين آية صريحة، وهناك آيات أخرى دلالتها تقرب من الصراحة. فهل يجوز فى عقل أو شرع أن يبرع المسلمون فى علم آياته قليلة. ويجهلوا علماً آياته كثيرة جداً؟ إن آباءنا برعوا فى الفقه، فلنبرع نحن الآن فى علم الكائنات.. لنقم به لترقى الأُمة". * * * لم يلق تفسير الجواهر قبولاً لدى كثير من المثقفين: هذه المقالات - وغيرها كثير فى تفسير الجواهر - نجد أغلبها قد صدر من المؤلف فى مقام الرد على مَن كان يوجه إليه اللَّوم والاعتراض على ما كان منه من تحميل القرآن الكريم علوماً ونظريات مستحدَثة لا عهد للعرب بها، ولا صلة للقرآن بشىء منها. ويظهر لمن يتصفح هذا التفسير أن المؤلف ﵀ لاقى الكثير من لوم العلماء على مسلكه الذى سلكه فى تفسيره، مما يدل على أن هذه النزعة التفسيرية لم تلق قبولاً لدى كثير من المثقفين. * * * مصادرة المملكة السعودية لتفسير الجواهر: ولعل هذا المنزع فى تفسير القرآن الكريم هو السر الذى من أجله صادرت المملكة العربية السعودية هذا الكتاب، ولم تسمح بدخوله إلى بلادها، كما يجد القارئ ذلك فى نص الكتاب المرسل من المؤلف إلى الملك عبد العزيز آل سعود، ملك نجد والحجاز (ص ٢٣٨ من الجزء الخامس والعشرين) . * * * طريقة المؤلف فى هذا التفسير: هذا وإنى - بعد أن قرأت الكثير من هذا التفسير - أستطيع أن أعطيك صورة

стр. 698

واضحة عن منهج المؤلف وطريقته التى سلكها فيه، وذلك أن المؤلف ﵀ يفسر الآيات القرآنية تفسيراً لفظياً مختصراً، لا يكاد يخرج عما فى كتب التفسير المألوفة لنا والمتداولة بين أيدينا، ولكنه سرعان ما يخلص من هذا التفسير الذى يسميه لفظياً، ويدخل فى أبحاث علمية مستفيضة يسميها هو "لطائف" أو "جواهر".. هذه الأبحاث عبارة عن مجموعة كبيرة من أفكار علماء الشرق والغرب فى العصر الحديث، أتى بها المؤلف، ليبين للمسلمين ولغير المسلمين أن القرآن الكريم قد سبق إلى هذه الأبحاث ونبَّه على تلك العلوم قبل أن يصل إليها هؤلاء العلماء بقرون متطاولة. ثم إننا نجد المؤلف ﵀ يضع لنا فى تفسيره هذا كثيراً من صور النباتات، والحيوانات، ومناظر الطبيعة، وتجارب العلوم، بقصد أن يوضح للقارئ ما يقول توضيحاً يجعل الحقيقة أمامه كالأمر المشاهَد المحسوس. كذلك نجد المؤلف ﵀ يستشهد أحياناً على ما يقول بما جاء فى الإنجيل، واعتماده فيما ينقل على إنجيل "برنابا" لأنه - كما يرى - أصح الأناجيل، بل هو الإنجيل الوحيد الذى لم تصل إليه يد التحريف والتبديل كما قيل. وكثيراً ما نرى المؤلف ﵀ يشرح بعض الحقائق الدينية بما جاء عن أفلاطون فى جمهوريته، أو بما جاء عن إخوان الصفا فى رسائلهم، وهو حين ينقهلا يُبدى لنا رضاه عنها، وتصديقه بها، مع أنها تخالف الثابت عن رسول الله ﷺ . كما أنه يستخرج كثيراً من علوم القرآن بواسطة حساب الجُمَّل الذى لا نُصدَّق أنه يوصل إلى حقيقة ثابتة، وإنما هى عدوى تسربت من اليهود إلى المسلمين، فتسلَّطت على عقول الكثير منهم. هذا.. وإنَّا لنجد المؤلف ﵀ يُفسِّر آيات القرآن تفسيراً علمياً يقوم على نظريات حديثة، وعلوم جديدة، لم يكن للعرب عهد بها من قبل، ولست أرى هذا المسلك فى التفسير إلا ضرباً من التكلف، إن لم يذهب بغرض القرآن، فلا أقل من أن يُذهب بجلاله وجماله. وإليك بعض ما جاء فى هذا التفسير: * نماذج من هذا التفسير: فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٦١] من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ﴾ ...

стр. 699

الآية، نجده يقول: "الفوائد الطيبة فى هذه الآية" ثم يأخذ فى بيان ما أثبته الطب الحديث من نظريات طبية، ويذكر مناهج أطباء أوروبا فى الطب، ثم يقول: "أَوَ ليست هذه المناهج هى التى نحا نحوها القرآن؟ أَوَ ليس قوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ﴾ رمزاً لذلك؟ كأنه يقول: العيشة البدوية على المن والسلوى ... وهما الطعامان الخفيفان اللذان لا مرض يتبعهما، مع الهواء النقى والحياة الحرة، أفضل من حياة شقية فى المدن بأكل التوابل، واللحم، والإكثار من ألوان الطعام، مع الذلة، وجور الحكام، والجبن، وطمع الجيران من الممالك، فتختطفكم فى حين غفلة وأنتم لا تشعرون. بمثل هذا تُفسِّر هذه الآيات. بمثل هذا فليفهم المسلمون كتاب الله". ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآيات [٦٧] وما بعدها من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ ... . الآيات إلى آخر القصة، نجده يعقد بحثاً فى عجائب القرآن وغرائبه، فيذكر ما انطوت عليه هذه الآيات من عجائب، ويذكر - فيما يذكر - علم تحضير الأرواح فيقول: ".. وأما علم تحضير الأرواح فإنه من هذه الآية استخراجه، إن هذه الآية تُتلى، والمسلمون يؤمنون بها، حتى ظهر علم الأرواح بأمريكا أولاً، ثم بسائر أوروبا ثانياً".. ثم ذكر نُبذة طويلة عن مبدأ ظهور هذا العلم، وكيف كان انتشاره بين الأمم، وفائدة هذا العلم، ثم قال أخيراً: "ولما كانت السورة التى نحن بصددها قد جاء فيها حياة للعزير بعد موته، وكذلك حماره، ومسألة الطير وإبراهيم الخليل، ومسألة الذين خرجوا من ديارهم فراراً من الطاعون، فماتوا ثم أحياهم.. وعلم الله أننا نعجز عن ذلك، جعل قبل ذكر تلك الثلاثة فى السورة ما يرمز إلى استحضار الأرواح فى مسألة البقرة، كأنه يقول: إذا قرأتم ما جاء عن بنى إسرائيل فى إحياء الموتى فى هذه السورة عند أواخرها. فلا تيأسوا من ذلك، فإنى قد بدأت بذكر استحضار الأرواح، فاستحضروها بطرقها المعروفة، واسألوا أهل الذِكر إن كنتم لا تعلمون، ولكن ليكن المُحَضِّر ذا قلب نفى خالص على قدم الأنبياء والمرسلين، كالعزير، وإبراهيم، وموسى، فهؤلاء لعلو نفوسهم أريتهم بالمعاينة، وأنا أمرت نبيكم أن يقتدى بهم فقلت: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقتده﴾ . [الأنعام: ٩٠] . ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى أول سورة آل عمران: ﴿آلم﴾ نجده يعقد بحثاً طويلاً عنوانه: "الأسرار الكيميائية، فى الحروف الهجائية، للأمم الإسلامية، فى أوائل السور القرآنية" وفيه يقول: "انظر رعاك الله - تأمل - يقول الله: ﴿ألم﴾ ، ﴿طس﴾ ، ﴿حم﴾ .. وهكذا يقول لنا: أيها الناس؛ إن الحروف الهجائية، إليها تحلل

стр. 700

الكلمات اللُّغوية، فما من لغة فى الأرض إلا وأرجعها أهلها إلى حروفها الأصلية، سواء أكانت اللُّغة العربية أم اللُّغات الأعجمية، شرقية وغربية، فلا صرف، ولا إملاء، ولا اشتقاق إلا بتحليل الكلمات إلى حروفها، ولا سبيل لتعليم لغة وفهمها إلا بتحليلها، وهذا هو القانون المسنون فى سائر العلوم والفنون. ولا جرَمَ أن العلوم قسمان: لُغوية وغير لُغوية، فالعلوم اللُّغوية مقدمة فى التعليم، لأنها وسيلة إلى معرفة الحقائق العلمية من رياضية وطبيعية وإلهية، فإذا كانت العلوم التى هى آلة لغيرها لا تُعرف حقائقها إلا بتحليلها إلى أصولها، فكيف إذن تكون العلوم المقصودة لنتائجها المادية والمعنوية؟ فهى أولى بالتحليل وأجدر بإرجاعها إلى أُصولها الأوَّلية التى لا تعرف الحساب إلا بمعرفة بسائط الأعداد، ولا الهندسة إلا بعد علم البسائط والمقدمات، ولا علوم الكيمياء إلا بمعرفة العناصر وتحليل المركبات إليها، فرجع الأمر إلى تحليل العلوم". ومثلاً نراه يعرض لقوله تعالى فى الآية [٢٤] من سورة النور: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .. وقوله فى الآيات [٢٠ - ٢٢] من سورة فُصِّلت: ﴿حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ ولاكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . وقوله فى الآية [٦٥] من سورة يس: ﴿اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ . ثم يقول: "أو ليس الاستدلال بآثار الأقدام، وآثار أصابع الأيدى فى أيامنا حاضرة، هو نفس الذى صرَّح به القرآن، وإذا كان الله يعلم ما فى المواطن بل هو القائل للإنسان: ﴿كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء: ١٤] ، والقائل: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] ، أفلا يكون ذكر الأيدى والأرجل والجلود وشهادتها يوم القيامة ليلفت عقولنا إلى أن من الدلائل ما ليس بالبيِّنات المشهورة عند المسلمين؟ وأن هناك ما هو أفضل منها؟ ... وهى التى يحكم بها الله فاحكموا بها. ويكون ذلك القول لينبهنا ويفهمنا أن الأيدى فيها أسرار، وفى الأرجل أسرار، وفى النفوس أسرار: فالأيدى لا تشتبه، والأرجل لا تشتبه، فاحكموا على الجانين والسارقين بآثارهم.. أوَ ليس فى الحق أن أقول: إن هذا من معجزات القرآن وغرائبه؟ وإلا فلماذا هذه المسائل التى ظهرت فى هذا العصر تظهر فى القرآن بنصها وفصها".

стр. 701

ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآيتين [٥، ٦] من سورة طه: ﴿الرحمان عَلَى العرش استوى * لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثرى﴾ .. نجده يقول: ".. قوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ دخل فى ذلك عوالم السحاب والكهرباء وجميع العالم المسمى "الآثار العلوية" وهو من علوم الطبيعة قديماً وحديثاً، وقوله: ﴿وَمَا تَحْتَ الثرى﴾ يشير لعلمين لم يُعرفا إلا فى زماننا، وهما علم طبقات الأرض، المتقدم مراراً فى هذا التفسير، وعلم الآثار، المتقدم بعضه فى سورة يونس.. فالله هنا يقول: ﴿وَمَا تَحْتَ الثرى﴾ ليحرص المسلمون على دراسة علوم المصريين التى تظهر الآن تحت الثرى". ومثلاً عند قوله تعالى فى الآية [٣٠] من سورة الأنبياء: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا رَتْقاً﴾ ... . الآية، يقول: "ها أنت قد اطلعت على ما أبرزه القرآن قبل مئات السنين، من أن السموات والأرض - أي الشمس والكواكب وما هى فيه من العوالم - كانت ملتحمة ففصلها الله تعالى، وقلنا: إن هذه معجزة، لأن هذا العلم لم يعرفه الناس إلا فى هذه العصور، ألا ترى أن كثيراً من المفسِّرين قالوا: إن الكفار فى ذلك الوقت ليس لديهم هذا العلم. فكان جوابهم على ذلك أنهم أخبروا به فى نفس هذه الآية، فكأن الآية تستدل عليهم بنفس ما نزلت به، وذلك أن هذه الأمور لم تُخلق. وقد أخذ العلماء يُؤوِّلون تأويلات شتَّى لفرط ذكائهم وحرصهم ﵏، وها نحن أُولاء نجد هذه العلوم المكنونة المخزونة قد أبرزها الله على أيدى الفرنجة، كما نطق القرآن هنا، كأنه يقول: سيرى الذين كفروا أن السموات والأرض كانت مرتوقة ففصلنا بينهما، فهو وإن ذكرها بلفظ الماضى فقد قصد منه المستقبل كقوله تعالى: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ .. وهذه معجزة تامة للقرآن، وعجيبة من أعجب ما يسمعه الناس فى هذه الحياة الدنيا".. ومثلاً عند قوله تعالى فى الآية [١٥] من سورة الرحمن: ﴿وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ .. نجده يقول: "والمارج المختلط بعضه ببعض، فيكون اللَّهب الأحمر والأصفر والأخضر مختلطات، وكما أن الإنسان من عناصر مختلفات هكذا الجان من أنواع من اللَّهب مختلطات، ولقد ظهر فى الكشف الحديث أن الضوء مركّب من ألوان سبعة غير ما لم يعلموه. فلفظ المارج يشير إلى تركيب الأضواء من ألوانها السبعة، وإلى أن اللهب مضطرب دائماً، وإنما خُلِق الجن من ذلك المارج المضطرب، إشارة إلى أن نفوس الجان لا تزال فى حاجة إلى التهذيب والتكميل. تأمل فى مقال علماء الأرواح الذين

стр. 702

استحضروها إذ أفادتهم أن الروح الكاملة تكون عند استحضارها ساكنة هادئة، أما الروح الناقصة فإنها تكون قلقة مضطربة". وعند قوله تعالى فى الآية [٣٥] من السورة نفسها: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ .. يقول: "إنه عبَّر هنا بـ ﴿شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ وفيما تقدم بقوله: ﴿مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ ، والشواظ والمارج كلاهما اللَّهب الخالص، فلماذا جعل الجان مخلوقاً من مارج ولم يقل من شواظ؟ فاعلم أن المارج فيه معنى الاضطراب كما تقدم. وقد أنبت ذلك هناك، وهذا الاضطراب يفيد اضطراب الروح كما تقدم فى علم الأرواح، وأيضاً اختلاط الألوان الآن معروف فى التحليل فهو من هذا القبيل.. وهذه الفكرة لم تُعرف قط إلا فى زماننا هذا، فإن تحليل الضوء والعلم بأنه مختلط، والاطلاع على عالم الأرواح الناقصة وأنها مضطربة، لم يكن إلا فى زماننا، وهذا من أعاجيب القرآن التى لا تُدرك إلا بقراءة العلوم، وليس يعقلها الناس بفن البلاغة المعروف، فلا أصحاب المعلقات يدركونها، ولا الذين بعدهم يعلمونها، فهل لمثل امرىء القيس، أو لأبى العلاء، أو المتنبى أن يتناولوا هذه المعانى فى أقوالهم؟ كلا.. فهذه البلاغة لا تخطر ببالهم، وأنَّى لهم علم الروح حتى يخصصوها بلفظ مارج؟ وعند إنزال العذاب يذكرون الشواظ". ومثلاً فى سورة الزلزلة نجده يُفسِّرها تفسيراً لفظياً مختصراً، ثم يذكر ما فيها من لطائف، مستعرضاً ما وقع من حوادث الزلزال فى إيطاليا، وما وصل إليه العلم الحديث من استخراج الفحم والبترول من الأرض، وما كثر فى هذا الزمان من استخراج الدفائن من الأرض، مثل ما كُشِف فى مصر من آثار قدمائها، ثم يقول - بعد ما يفيض فى هذا وغيره: "ألست ترى أن هذه السورة - وإن كانت واردة لأحوال الآخرة - تشير من طرف خفى إلى ما ذكرنا فى الدنيا؟ فالأرض الآن كأنها فى حالة زلزلة، وقد أخرجت أثقالها، كنوزها وموتاها وغيرها، والناس الآن يتساءلون، وها هم أُولاء يُلهمون الاختراع، وها هم أُولاء مقبلون على زمان تنسيق الأعمال بحيث تكون كل أمة فى عمل يناسبها، وكل إنسان فى عمله الخاص به وينتفع به". ومثلاً نجده بعد أن يفرغ من تفسير سورة الكوثر، وسورة الكافرون، وسورة النصر، يذكر لنا بحثاً مستفيضاً عنوانه: "تطبيق عام على سورة الكوثر والنصر وما بينهما" وفيه نجده يتأثر بنزعته التفسيرية العلمية إلى درجة جعلته يُحَمِّل نصوص الشارع من

стр. 703

المعانى الرمزية ما يُستبعد أن يكون مراداً لها. وذلك أنه يقرر أولاً أن هذه السور لم تكن خاصة بزمان النبوة، ولا بفتح مكة ونصر جيشها، لأن هذه الأمة كانت عند نزول هذه السور فى أول عمرها، وسيطول إن شاء الله، وكم سيكون لها من فتوح وانتصارات. ثم قال: "وإذا كان الأمر كما وصفنا ونحن أبناء العرب، وورثة النبى الذى جاء منا ﷺ ، ولغتنا فى مصر، والشام، والعراق، وشمال إفريقيا، هى لغة القرآن فلنبين للناس بعدنا سر هذه السور، فقد كان العلماء قبلنا يكتمونها، خوفاً من أهل زمانهم، ولكنَّا الآن يجب علينا إبرازه وإظهاره، لتأخذ هذه الأمة بعدنا حظها من الحياة، وقسطها من الإصلاح". ثم أخذ يُبيِّن لنا الكوثر، وأوصاف كيزانه، وطيره، وأوصاف مَن سيرد عليه من المسلمين، بما جاء فى الأحاديث عن رسول الله ﷺ .. ثم قال - بعد هذا كله: "اعلم أن هذه الأحاديث وردت لغاية أرقى مما يراها الذين لا يفكرون، كم أُمم جاءت قبلنا وجاء فيهم مصلحون، فماذا فعلوا؟ ألقوا إليهم العلم بهيئة جميلة، وصورة مفرحة، وبهجة وجمال. ولا نزال نرى كل أمة حاضرة كفائتة. جميعهم يصيغون ما يريدون من الجمال، والحكمة، والعلم، ورقى الأُمة بهيئة تسر الجمهور". ثم يقول: "الجاهل يسمع الدُّر والياقوت، وشراباً أحلى من العسل، فيفرح ويعبد الله ليصل إلى هذه اللَّذت التى تقر بها عينه.. والعالم ينظر فيقول: إن هذا القول وراءه حكمة ووراءه علم، لأنى أرى فى خلال القول عجائب. فلماذا يذكر أن الكيزان أو الأباريق أو نحو ذلك عدد نجوم السماء! وأى دخل لنجوم السماء هنا؟ ولماذا عبَّر به"؟.. ثم يقول: "لماذا ذكر أن الذين يردون الحوض عليهم آثار الوضوء؟ ولِمَ؟ ... ولِمَ؟.. الحق أن نبينا محمداً ﷺ يريد أمرين: أمراً واضحاً جلياً يفرح به جميع الناس، وأمراً يختص بالقُوَّاد والعظماء. إن النبوة بأمر الله، والله جعل فى أهل الأرض فلاحين لا يعرفون إلا ظواهر الزرع، وجعل أطباء يستخرجون منافع من الحب والشجر، وحكماء يستخرجون علوماً، وكُلٌ لا يعرف إلا علمه، فالطبيب يشارك الفلاح فى أنه يأكل، ولكنه يمتاز عنه بإدراك المنافع الطبية. هكذا حكماء الأمة الإسلامية يشاركون الجهلاء فى أنهم يفهمون الحوض كما فهموه، ويردونه معهم كما يردونه، ولكن هؤلاء يمتازون بأنهم قُوَّاد الأُمة الذين يقودونها. فماذا يقولون؟ يقولون إن النبى ﷺ يريد معانى أرقى. إن الجنة فيها ما لا عَيْن رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر، فليس الماء الذى هو أحلى من العسل وأبيض من الثلج كل شئ هناك، ثم إن الجنة لا ظمأ فيها، وأى شىء عدد

стр. 704

نجوم السماء؟ ولماذا اختُصَّت النجوم بالعدد والوضوء بالأثر؟ والذى نقوله: إن الحوض يُرمز به للعلم مع بقائه على ظاهره، فلا المسك الإذفر، ولا أنواع الجواهر النفيسة من دُّرٍّ وياقوت، ولا حلاوة العسل الذى فى ذلك الماء، ولا اتساع الحوض إلا أفانين العلم ومناظر بدائعه المختلفة المناهج، العذبة المشارب، السارة للناظرين ... "، ثم يخلص من هذا كله إلى الاستدلال على أن ما ذهب إليه من قبيل الكناية التى هى لفظ أُطلق وأُريد به لازم معناه مع جواز إرادة المعنى الأصلى، ثم يقول - بعد بيان هذه الكناية: ".. هنا يكون النصر ولا يكون إلا بعد أن يتجافى الناس عن أفعال الملحدين والكافرين، وجعل العلوم مرتبطة بالربوبية كما تشير إليه سورة الكافرون. هنا يكون نصر الله والفتح، ويدخل الناس فى هذه العلوم الحقيقية أفواجاً. وعلى حكماء المسلمين الذين بعدنا متى نشروا هذه الآراء العلمية وأمثالها، ورأوا المسلمين تقدَّموا ونصروا العلم على الجهل فى العالَم الإنسانى، وأصبح المسلمون قائمين بما وعدهم ربهم من أنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم رحمة للعالمين، متى رأى العلماء ذلك فيعلموا أن هذا هو النصر فى زماننا، وهو الفتح، وإذن فعلى القائمين بذلك أن يحمدوا ربهم ويستغفروه".. إلخ. هذا هو تفسير الجواهر، وهذه نماذج منه وضعتها أمام القارئ، ليقف على مقدار تسلط هذه النزعة التفسيرية على قلم مؤلفه وقلبه. والكتاب - كما ترى - موسوعة علمية، ضربت فى كل فن من فنون العلم بسهم وافر، مما جعل هذا التفسير يُوصف بما وُصِف به تفسير الفخر الرازى، فقيل عنه: "فيه كل شىء إلا التفسير" بل هو أحق من تفسير الفخر بهذا الوصف وأولى به، وإذا دلَّ الكتاب على شىء، فهو أن المؤلف ﵀ كان كثيراً ما يسبح فى ملكوت السموات والأرض بفكره، ويطوف فى نواح شتَّى من العلم بعقله وقلبه، ليُجلى للناس آيات الله فى الآفاق وفى أنفسهم، ثم ليُظهر لهم بعد هذا كله أن القرآن قد جاء متضمناً لكل ما جاء ويجىء به الإنسان من علوم ونظريات، ولكل ما اشتمل عليه الكون من دلائل وأحداث، تحقيقاً لقول الله تعالى فى كتابه: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] .. ولكن هذا خروج بالقرآن عن قصده، وانحراف به عن هدفه، وقد عرفت رأينا في المسألة فلا نعيده. * * * إنكار بعض العلماء المعاصرين لهذا اللَّون من التفسير: لم يقف العلماء فى هذا العصر موقف الإجماع على قبول هذا اللَّون من التفسير،

стр. 705

بل نراهم مختلفين فى قبوله والقول به، كما كان الشأن بين مَن سبقهم من العلماء الأقدمين.. وإذا كنا قد وجدنا من العلماء المحدَثين مَن انحاز إلى هذه الفكرة فى التفسير وتأثر بها فى مؤلفاته، فإنَّا نجد بجوار هؤلاء أيضاً كثرة من العلماء لم ترض عن هذا اللَّون من التفسير، ولم تستسغ أن تشرح به كتاب الله تعالى، ولم تغمض عينها أو تمسك قلمها عن رد هذه الفكرة على أهلها وتناولهم إياها بالنقد والتفنيد. نجد هذه المعارضة فى كثير من المحاورات والاعتراضات التى وُجِّهَت إلى صاحب الجواهر، وذكرها لنا فى تفسيره. كما نجد بعض أساتذتنا المعاصرين ينعون على مَن يأخذ بهذه الفكرة ويقول بها، ومن بين هؤلاء أستاذنا الشيخ محمود شلتوت. فقد تناول هذا الموضوع بالبحث فى العدد (٤٠٧) ، (٤٠٨) من السنة التاسعة لمجلة الرسالة. - إبريل سنة ١٩٤١ - وفيه يرد على من يذهب إلى هذا اللَّون من التفسير بحجج قوية واضحة. وهذا هو الأستاذ الشيخ أمين الخولى يتناول هذا الموضوع فى كتابه "التفسير: معالم حياته. منهجه اليوم"، وفيه يرد على أنصار هذا المذهب فى التفسير بحجج قوية واضحة، استفدنا منها كثيراً فى تأييد ما اخترنا من المذهبين. وهذا هو المرحوم السيد محمد رشيد رضا. نجده فى مقدمة تفسيره ينعى على مَن تأثروا فى تفسيرهم بنزعاتهم العلمية، فشغلوا تفاسيرهم بمباحث النحو، والفقه، ونكت المعانى، والبيان، والإسرائيليات ... وغير ذلك، ويعد هذا صارفاً يصرف الناس عن القرآن وهَدْيه، ثم ينعى على الفخر الرازى ما أورده فى تفسيره من العلوم الحادثة فى المِلَّة، ويعد هذا صارفاً يصرف الإنسان عن القرآن وهَدْيه، كما يتوجه بمثل هذا اللوم على مَن قلَّد الفخر الرازى فى مسلكه من المعاصرين، وأظنه أراد صاحب الجواهر، وذلك حيث يقول: ".. وقد زاد الفخر الرازى صارفاً آخر عن القرآن، هو ما يورده فى تفسيره من العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها، وقلَّده بعض المعاصرين بإيراد مثل هذا من علوم هذا العصر وفنونه الكثيرة الواسعة، فهو يذكر فيما يسميه تفسير الآية فصولاً طويلة - بمناسبة كلمة مفردة كالسماء والأرض -، من علوم الفلك والنبات والحيوان، تصد قارئها عما أنزل الله لأجله القرآن". وأخيراً.. فهذا هو شيخنا العلامة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغى ﵀ رحمة واسعة - نجده فى تفريظه لكتاب "الإسلام والطب الحديث" لا يرضى عن هذا المسلك فى التفسير، رغم أنه مدح الكتاب وأشاد بمجهود مؤلفه،
следующие страницы →