Полный текст (774 стр.). Показаны 736–774 · переход к 741.
стр. 736
فجعلوا منها شروحاً لمبهمات القرآن، بل وجدناه على العكس من ذلك نفوراً منها، وشروداً من الخوض فيها، لاعتقاده أن الله تعالى لم يكلفنا بالبحث عن الجزئيات والتفصيلات لما جاء به مبهماً فى كتابه، ولو أراد منا ذلك لدلنا عليه فى كتابه أو على لسان نبيه، وهو يُصَرِّح بأن هذا هو "مذهبه فى جميع مبهمات القرآن يقف عند النص القطعى لا يتعداه، ويثبت أن الفائدة لا تتوقف على سواه".
وإذا نحن تتبعنا أقواله فى مبهمات القرآن وجدناه محافظاً على هذا المبدأ، لا يعدل عنه ولا يحيد، إلا فى مواضع قليلة نادرة.
فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآيتين [١٠، ١١] من سورة الانفطار: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ .. نجده يقول: "ومن الغيب الذى يجب علينا الإيمان به ما أنبأنا به فى كتابه: أن علينا حَفَظَة يكتبون أعمالنا حسنات وسيئات، ولكن ليس علينا أن نبحث عن حقيقة هؤلاء، ومن أى شىء خُلِقوا، وما هو عملهم فى حفظهم وكتابتهم، هل عندهم أوراق وأقلام ومداد كالمعهود عندنا ... وهو يبعد فهمه؟ أو هناك ألواح تُرسم فيها الأعمال؟ وهل الحروف والصور التى تُرسم هى على نحو ما نعهد؟ أو إنما هى أرواح تتجلى لها الأعمال فتبقى فيه بقاء المِداد فى القِرطاس إلى أن يبعث الله الناس؟ كل ذلك لا نُكَلَّف العلم به، وإنما نُكَلَّف الإيمان بصدق الخبر وتفويض الأمر فى معناه إلى الله، والذى يجب علينا اعتقاده من جهة ما يدخل فى عملنا، هو: أن أعمالنا تُحفظ وتُحصى، لا يضيع منها نقير ولا قطمير".
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤] وما بعدها من سورة البروج: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود﴾ ... . إلى آخر القصة يقول: "أما تعيين أصحاب الأُخدود، وأنَّى كانوا؟ ومَن هم أُولئك المؤمنون؟ وأين كان منزلهم من الأرض؟ فقد كثرت فيه الروايات، والأشهر أن المؤمنين كانوا نصارى نجران، عندما كان دينهم دين التوحيد، ليس فيه حدث ولا بدعة، وأن الكافرين كانوا أُمراء اليمن، أو اليهود الذين لا يبعدون عن هؤلاء فى حقيقة الوثنية، غير أن المؤمن لا يحتاج فى الاعتبار وإشعار الموعظة قلبه إلى أن يعرف القوم، والجهة، وخاصة الدين الذى كان عليه أولئك أو هؤلاء، حتى يطير وراء القصص المشحونة بالمبالغات، والأساطير المحشوة بالخرافات، وإنما الذى عليه: هو أن يعرف من القصة ما ذكرناه أولاً، ولو علم الله خيراً فى أكثر من ذلك لتفضَّل علينا به".
ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآيتين [٦، ٧] من سورة الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العماد﴾ .. نجده يقول: "وقد يروى المفسِّرون هنا حكايات
стр. 737
فى تصوير إرم ذات العماد، كان يجب أن يُنزَّه عنها كتاب الله، فإذا وقع إليكَ شىء من كتبهم، ونظرتَ فى هذا الموضع منها، فتخط ببصرك ما تجده فى وصف إرم، وإياك أن تنظر فيه".
ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآيات [٦-٩] من سورة القارعة: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ .. نجده يقول: " وتقدير الله الأعمال وما تستحقه من الجزاء فى ذلك اليوم، إنما يكون على حسب ما يعلم، لا طريقة ما نعلم، فعلينا أن نفوِّض الأمر فيه إليه سبحانه على الإيمان به، ومن عجيب ما قال بعض المفسِّرين: "إنه ميزان بلسان وكفَّتين كأطباق السموات والأرض، ولا يعلم ماهيته إلا الله" فماذا بقى من ماهيته بعد لسانه وكفَّتيه حتى يُفوَّض العلم فيه إلى الله؟ والكلام فيه جرأة على غيب الله بغير نص صريح متواتر عن المعصوم، ولم يرد فى الكتاب إلا كلمة "ميزان"، وقد عرفت ما يمكننا أن نفهم منها لننتفع بما نعتقد، وما عدا ذلك فعلمه إلى الله سبحانه. وقد قالوا: إن منكر الميزان بالمعنى المعروف لا يكفر، إذا كان القائل به يحدد له لساناً وكفَّتين، مع أن البَشر اخترعوا من الموازين ما هو أتقن من ذلك وأضبط وأوفى ببيان الموزون. أفيأبى الحكيم الخبير إلا استعمال ذلك الميزان الخشن الناقص الذى هدى العلم عقول البَشر إلى ما هو أدق منه؟ أيأبى عالِمُ الغيب والشهادة أن يستعمل فى وزن المعانى والمعقولات إلا ذلك الميزان الذى اخترعه بعض البَشر قبل أن يبلغ بهم العلم ما بلغ بأهل العصر الحاضر وما سيبلغ بأهل العصور المقبلة؟ على أن جميع ما اخترع البَشر وما يخترعون مهما دقَّ ولَطُف، إنما هو معيار الأثقال الجسمانية، والأوزان المحسوسة، وهلا يكون الأليق بالمقام الإلهى أن يكون ميزان المعانى المعقولة لديه أسمى وأعلى من أن يكون على نمط ما يستعمله البَشر، مهما ارتقت المعارف وسمت بهم العلوم؟ وهل يليق بمن يخاف مقام ربه أن يجرؤ على القول بوجوب الاعتقاد بأن الميزان الذى يزن الله به الأعمال يوم القيامة هو الميزان الذى تستعمله القبائل التى لم تزل فى مهد الإنسانية الأُولى؟.. ميزان ضعفاء العقول قصار الأنظار، الذين لا يعرفون قيمة للإيمان بالغيب، ولا لحياء العقل من الله، وإطراقه عن أن ينظر إلى ما تشامخ من غيوب الله تعالى علمه، وتعاظمت قدرته.
"عليك أيها المؤمن المطمئن إلى ما يخبر الله به أن توقن أن الله يزن الأعمال، ويميز لكل عمل مقداره. ولا تسل كيف يزن، ولا كيف يُقَدِّر، فهو أعلم بغيبه، والله يعلم وأنتم لا تعلمون".
* *
стр. 738
* معالجته للمسائل الاجتماعية:
ثم إنّا نجد الأستاذ الإمام لا يكاد يمر بآية من القرآن، يمكنه أن يأخذ منها علاجاً للأمراض الاجتماعية، إلا أفاض فى ذلك بما يُصَوِّر للقارئ خطر العِلَّة الاجتماعية التى يتكلم عنها، ويُرشده إلى وسيلة علاجها والتخلص منها، كل هذا يأخذه الأستاذ الإمام من القرآن الكريم، ثم يُلقى به على أسماع المسلمين وغير المسلمين، رجاء أن يعودوا إلى الصواب، ويثوبوا إلى الرشاد.
فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٣] من سورة العصر من التفسير المطوَّل لها: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ .. نجده يقول: "والصبر مَلَكة في النفس يتيسر معها احتمال ما يشق احتماله، والرضا بما يكره فى سبيل الحق. وهو خُلُق يتعلق به بل يتوقف عليه كمال كل خُلُق، وما أُتِىَ الناس من شىء مثل ما أُتوا من فقد الصبر أو ضعفه. كل أُمة ضعف الصبر فى نفوس أفرادها. ضعف فيها كل شىء، وذهبت منها كل قوة، ولنضرب لذلك مثلاً: نقص العلم عند أمة من الأمم كالمسلمين اليوم، إذا دققت النظر وجدت السبب فيه ضعف الصبر، فإن مَن عرف باباً من أبواب العلم، لا يجد فى نفسه صبراً على التوسع فيه، والتعب فى تحقيق مسائله، وينام على فراش من التقليد هَيِّن لَيِّن، لا يكلفه مشقة، ولا يجشمه تعبأ، ويسلى نفسه عن كسله بتعظيم مَن سبقه، ولو كان عنده احترام حقيقى لسَلَفه، لاتخذهم أُسوة له فى عمله، فحذا حذوهم، وسلك مسلكهم، وكلَّف نفسه بعض ما حملوا أنفسهم عليه، واعتقد كما كانوا يعتقدون أنهم ليسوا بمعصومين.
"ثم هو إذا تعلَّم لا يجد صبراً على مشقة دعوة الناس إلى علم ما يعلم، وحملهم على عرفان ما يعرف، ولا جلداً على تحصيل الوسائل لنشر ما عنده، بل متى لاقى أول معارضة قبع فى بيته وترك الخلق للخالق كما يقولون.
"يجلس الطالب لدرسه سنة أو سنتين، ثم تعرضه مشقة التحصيل، فيترك الدرس أو يتساهل فى فهمه إلى حرفة أخرى يظنها أربح له، فينقطع عن الطلب، ويذهب فى الجهل كل مذهب، وكل هذا من ضعف الصبر.
"يبخل البخيل بماله، ويجهد نفسه فى جمعه وكنزه، وتعرض له وجوه البر فيعرض عنها، ولا يُنفق درهماً فى شىء منها، فيؤذى بذلك وطنه ومِلَّته، ويترك الشر والفقر يأكل قومه وأُمته، ولو نظرنا إلى ما قبض يده لوجدناه ضعف الصبر، ولو صبر على محاربة خيال الفقر اللائح فى ذهنه يهدده بالنزول به، لما أُصيب بذلك المرض القاتل له ولأهله.
"يُسرف المسرف فى الشهوات، ويتهتك المتهتك فى المنكرات، حتى ينفد المال،
стр. 739
وتسوء الحال، ويستبدل الذل بالعز، والفقر بالغنى، ولا سبب لذلك إلا ضياع صبره فى مقاومة الهوى، وضبط نفسه عن مواقع الردى، ولو صبر فى مجاهدة تلك النزعات لما كان قد خسر ماله، وأفسد حاله.. وهكذا لو أردت أن أعد جميع الرذائل، وأبحث عن عللها الأولى، لوجدتموها تنتهى إلى ضعف الصبر أو فقده. ولو سردتَ جميع الفضائل وطلبتَ ينبوعها الذى تستمد منه حياتها لما وجدتَ لها ينبوعاً سوى الصبر، أفلا يكون جديراً بعد هذا بأن يُخَص بالذكر".
ثم يبين بعد ذلك وسائل الدعوة إلى الخير فيقول: " ... يجب على العلماء ومَن يتشبه بهم، أن يتعلموا من وسائل القيام بالواجب ما تدعو إليه الحال، على حسب الأزمان واختلاف أحوال الأُمم، وأول ما يجب عليهم فى ذلك أن يتعلموا التاريخ الصحيح، وعلم تكوين الأُمم، وارتفاعها وانحطاطها، وعلم الأخلاق وأحوال النفس، وعلم الحس والوجدان، ونحو ذلك مما لا بد منه فى معرفة مداخل الباطل إلى القلوب، ومعرفة طرق التوفيق بين العقل والحق، وسُبُل التقريب بين اللَّذة والمنفعة الدنيوية والأُخروية، ووسائل استمالة النفوس عن جانب الشر إلى جانب الخير، فإن لم يحصلوا على ذلك كله فوزر العامة عليهم. ولا تنفعهم دعوى العجز، فإنهم ينفقون من أزمانهم في القيل والقال، والبحث فى الألفاظ والأقوال، ما كان يكفيهم أن يكونوا بحار علم، وأعلام هُدى ورُشد، فليطلبوا العلم من سُبُله التى قام عليها السَلَف الصالح، والله كفيل أن يمدهم بمعونته، أما وقد انقطعوا إلى ما يعجزهم عن القيام بأمره، فلن يقبل الله لهم عذراً، بل فليتربصوا حتى يأتى أمر الله.
"لو قضى الزمان بأن يكون من وسائل التمكن من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واشتغال الناس بالحق عن الباطل، وبالطيب عن الخبيث أن يضرب الإنسان فى الأرض ويمسحها بالطول والعرض، وأن يتعلم اللُّغات الأجنبية، ليقف على ما فيها مما ينفعه فيستعمله، وما يخشى ضرره على قومه فيدفعه، لوجب على أهل العلم أن يأخذوا من ذلك بما يستطيعون، ولهم فى سَلَف الأُمة من القرون الأولى إلى نهاية القرن الرابع من الهجرة أحسن أُسوة، وأفضل قدوة، وكل ما يُهوِّنون به على أنفسهم مما يخالف ذلك فإنما هى وساوس شيطان. يشغلهم بها عن النظر فى معانى القرآن، ويحرمهم من التعرض لرحمة الرحمن".
ومثلاً عند قوله تعالى فى الآية [١٣] من سورة الانفطار: ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ﴾ .. نراه يوضح معنى البِّر وما يكون به الإنسان من الأبرار، ثم يقول: "فلا يُعَد
стр. 740
الشخص بَرا ولا باراً حتى يكون للناس من كسبه ومن نفسه نصيب فلا يغترَّن أُولئك الكسالى الخاملون، الذين يظنون أنهم يدركون مقام الأبرار بركعات من الخشية خاليات، وبتسبيحات وتكبيرات وتحميدات ملفوظات غير معقولات، وصيحات غير لائقات بأهل المروءة من المؤمنين والمؤمنات، ثم بصوم أيام معدودات، لا يجتنب فيها إيذاء كثير من المخلوقات، مع عدم مبالاة الواحد منهم بشأن الدين قام أم أسقط، ارتفع أو انحط. ومع حرصه وطمعه لما فى أيدى الناس، واعتقاده الاستحقاق لما عندهم، لا لشىء سوى أنهم عاملون فى كسب المال وهو غير عامل، وهم يجرون على سُنَّة الحق وهو مستمسك بسُنَّة الباطل، وهم يتجملون بحلية العمل وهو منها عاطل، فهؤلاء ليسوا من الأبرار، بل يجدر بهم أن يكونوا من الفُجَّار".
ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى في أول سورة العاديات: ﴿والعاديات ضَبْحاً * فالموريات قَدْحاً * فالمغيرات صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ [العاديات: ١-٥] .. نجده يقول: "وكان فى هذه الآيات القارعات، وفى تخصيص الخيل بالذكر فى قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٣] ، وفيما ورد فى الأحاديث التى لا تكاد تُحصر ما يحمل كل فرد من رجال المسلمين على أن يكون فى مقدمة فرسان الأرض مهارة فى ركوب الخيل، ويبعث القادرين منهم على قنية الخيل على التنافس فى عقائلها، وأن يكون فن السباق عندهم يسبق بقية الفنون إتقاناً، أفليس من أعجب العجب عندهم أن ترى أُمماً هذا كتابها قد أهملت شأن الخيل والفروسية، إلى أن صار يُشار إلى راكبيها بينهم بالهزء والسخرية، وأخذت كرام الخيل تهجر بلادهم إلى بلاد أُخرى؟ أليس أغرب ما يُستغرب أن أُناساً يزعمون أن هذا الكتاب كتابهم، يكون طُلاب العلوم الدينية منهم أشد الناس رهبة من ركوب الخيل، وأبعدهم عن صفات الرجولية، حتى وقع من أحد أساتذتهم المشار إليهم بالبنان عندما كنت أكلمه فى منافع بعض العلوم وفوائدها فى علم الدين أن قال: "إذا كان كل ما يفيد فى الدين نُعَلِّمه لطلبة العلم، كان علينا إذن أن نعلمهم ركوب الخيل"! يقول ذلك ليفحمنى وتقوم له الحُجَّة علىّ، كأن تعليم ركوب الخيل مما لا يليق ولا ينبغى لطلبة العلم، وهم يقولون إن العلماء ورثة الأنبياء، فهل هذه الأعمال وهذه العقائد تتفق مع الإيمان بهذا الكتاب؟ أنصف ثم احكم".
ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٣] من سورة الماعون: ﴿وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين﴾ .. نجده يقرر: أن قوله: ﴿وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين﴾ ، كناية
стр. 741
عن الذى لا يجود بشىء من ماله على الفقير المحتاج إلى القوت الذى لا يستطيع له كسباً".
ثم يقول: "وإنما جاء بالكناية ليفيدك أنه إذا عرضت حاجة المسكين، ولم تجد ما تعطيه، فعليك أن تطلب من الناس أن يعطوه. وفيه حث للمصدِّقين بالدين على إغاثة الفقراء ولو بجمع المال من غيرهم وهى طريقة الجمعيات الخيرية، فأصلها ثابت فى الكتاب بهذه الآية، وبنحو قوله تعالى فى الآيتين [١٧، ١٨] من سورة الفجر: ﴿كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم * وَلاَ تَحَآضُّونَ على طَعَامِ المسكين﴾ ، ونعمت الطريقة هى لإغاثة الفقراء، وسد شىء من حاجات المساكين".
ومن أجل هذه الروح التى تسيطر على الأستاذ الإمام فى تفسيره، نجد الشيخ المراغى ﵀ يقول: "وكانت دروسه يجد علماء الاجتماع فيها تطبيق القرآن على معارفهم".
* *
* تفسيره للقرآن على ضوء العلم الحديث:
كذلك نجد الأستاذ الإمام ﵀ يتناول بعض آيات القرآن فيشرحها شرحاً يقوم على أساس من نظريات العلم الحديث، وغرضه بذلك: أن يوفق بين معانى القرآن التى قد تبدو مستبعَدة فى نظر بعض الناس، وبين ما عندهم من معلومات توشك أن تكون مُسَلَّمة عندهم، أم هى مُسلَّمة بالفعل، وهو - وإن كان يرمى من وراء ذلك إلى غرض نبيل - يخرج أحياناً بمثل هذا الشرح والبيان عن مألوف العرب، وما عُهِد لديهم وقت نزول القرآن.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى أول سورة الإنشقاق: ﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ .. نجده يقول: "انشقاق السماء، مثل انفطارها الذى مَرَّ تفسيره فى سورة ﴿إِذَا السمآء انفطرت﴾ ، وهو فساد تركيبها، واختلال نظامها، عندما يريد الله خراب هذا العالَم الذى نحن فيه، وهو يكون بحادثة من الحوادث التى قد ينجر إليه سير العالَم، كأن يمر كوكب فى سيره بالقُرب من آخر فيتجاذبا فيتصادما فيضطرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام وأى غمام، يظهر فى مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، فتكون السماء قد تشققت بالغمام، واختل نظمها حال ظهوره".
هذا التفسير من الأستاذ الإمام عمل جليل يُشكر عليه، إذ غرضه من ذلك تقريب معانى القرآن وما يُخبر به من عقول الناس، بما هو معهود عندهم ومُسَلَّم لديهم.
стр. 742
ولكن هل لا بد فى فساد الكون من أن يترتب على مثل هذه الظاهرة الكونية؟ وهل يعجز الله عن إفساده وإخلاله بأمر آخر غير ذلك؟ أليس الأولى بنا أن نؤمن بما جاء به القرآن، ولا نخوض فيما وراء ذلك من تفصيلات كما هو مذهب الشيخ؟ أحسب أن الشيخ يضرب ذلك مثلاً، ولا يريده على أنه أمر لا بد منه.
ومثلاً عندما يعرض لتفسير سورة الفيل، بعد أن ذكر ما قيل فى إرسال الطير على أبرهة، وما جاءت به بعض الروايات من أن الذى أصابهم هو داء الجدرى والحصبة يقول: "وقد بيَّنت لنا هذه السورة الكريمة، أن ذلك الجدرى أو تلك الحصبة نشأت من حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش، بواسطة فِرَق عظيمة من الطير مما يرسله الله مع الريح، فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذى يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس، الذى تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات فإذا اتصل بجسده دخل فى مسامه، فأثار فيه تلك القروح التى تنتهى بإفساد الجسم وتساقط لحمه، وإن كثيراً من هذه الطيور الضعيفة يُعَد من أعظم جنود الله فى إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وإن هذا الحيوان الصغير الذى يسمونه الآن بالميكروب لا يخرج عنها، وهو فِرَق وجماعات لا يحصى عددها إلا بارئها، ولا يتوقف ظهور أثر قُدرة الله تعالى فى قهر الطاغين على أن يكون الطير فى ضخامة رؤوس الجبال، ولا على أن يكون من نوع عنقاء مغرب، ولا على أن يكون له ألوان خاصة به، ولا على معرفة مقادير الحجارة وكيفية تأثيرها فلله جند من كل شىء.
وفى كل شىء له آية ... تدل على أنه الواحد"
وهنا أيضاً نجد الأستاذ الإمام قد خالف طريقته فى مبهمات القرآن فراح يخوض فى التفصيلات والجزئيات، ثم جوَّز أن تكون الطير هى ما يُسمى اليوم بالميكروبات، كما جوَّز أن تكون الحجارة هى جراثيم بعض الأمراض، وهذا ما لا نُقره عليه، لأن هذه الجراثيم التى اكتشفها الطب الحديث لم يكن للعرب علم بها وقت نزول القرآن، والعربى إذا سمع لفظ الحجارة فى هذه السورة لا ينصرف ذهنه إلى تلك الجراثيم بحال من الأحوال، وقد جاء القرآن بلغة العرب، وخاطبهم بما يعهدون ويألفون.
وإذا كان الأستاذ الإمام قد أعطى لعقله الحرية الكاملة فى تفسيره للقرآن الكريم، فإنَّا نجده يُغرِق فى هذه الحرية ويتوسع فيها، إلى درجة وصلت به إلى ما يشبه التطرف فى أفكاره، والغلو فى آرائه.
* *
* موقف من حقيقة الملائكة وإبليس: فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآيات [٣٤] وما بعدها من سورة البقرة:
стр. 743
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لأَدَمََ﴾ ... إلى آخر القصة، نجده يقول: "وذهب بعض المفسِّرين مذهباً آخر فى فهم معنى الملائكة، وهو أن مجموع ما ورد فى الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات وخِلْقة حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك، فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة، وهو أن هذا النمو فى النبات لم يكن إلا بروح خاص، نفخه الله فى البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يقال فى الحيوان والإنسان، فكل أمر كلى قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية فى إيجاده، فإنما قوامه بروح إلهى سُمِّى فى لسان الشرع مَلَكاً، ومَن لم يبال فى التسمية بالتوقيف يسم هذه المعانى القوى الطبيعية، إذا كان لا يعرف من عالَم الإمكان إلا ما هو طبيعة، أو قوة يظهر أثرها فى الطبيعة. والأمر الثابت الذى لا نزاع فيه، هو أن فى باطن الخِلْقة أمراً هو مناطها، وبه قوامها ونظامها، لا يمكن العاقل أن ينكره، إن أنكر غير المؤمن بالوحى تسميته مَلَكاً، وزعم أنه لا دليل على وجود الملائكة، أو أنكر بعض المؤمنين بالوحى تسميته قوة طبيعية أو ناموساً طبيعياً، لأن هذه الأسماء لم ترد فى الشرع، فالحقيقة واحدة، والعاقل مَن لا تحجبه الأسماء عن المسميات، وإن كان المؤمن بالغيب يرى للأرواح وجوداً لا يدرك كنهه، والذى لا يؤمن بالغيب يقول لا أعرف الروح، ولكن أعرف قوة لا أفهم حقيقتها، ولا يعلم إلا الله علام يختلف الناس، وكلٌ يقر بوجود شىء غير ما يرى ويحس، ويعترف بأنه لا يفهمه حق الفهم، ولا يصل بعقله إلى إدراك كنهه؟ وماذا على هذا الذى يزعم أنه لا يؤمن بالغيب - وقد اعترف بما غيب عنه - لو قال: أُصدِّق بغيب أعرف أثره، وإن كنت لا أُقدِّر قدره، فيتفق مع المؤمنين بالغيب، ويفهم بذلك ما يرد على لسان صاحب الوحى، ويحظى بما يحظى به المؤمنون؟
"يشعر كل مَن فَكَّر فى نفسه، ووازن بين خواطره عندما يهم بأمر فيه وجه للحق أو للخير، ووجه للباطل أو للشر، بأن فى نفسه تنازعاً كأن الأمر قد عرض فيها على مجلس شورى. فهذا يُورد وذاك يدفع، واحد يقول افعل، وآخر يقول لا تفعل، وآخر يقول لا تفعل، حتى ينتصر أحد الطرفين، ويترجح أحد الخاطرين، فهذا الشىء الذى أُودع فى أنفسنا ونسميه قوة وفكراً، وهى فى الحقيقة معنى لا يدرك كنهه، وروح لا تُكتنه حقيقتها، لا يبعد أن يسميه الله ملَكَاً، أو يسمى أسبابه ملائكة، أو ما شاء من الأسماء، فإن التسمية لا حَجْرَ فيها على الناس، فكيف يُحجر فيها على صاحب الإرادة المطلقة، والسلطان النافذ والعلم الواسع".
ثم قال الأستاذ الإمام بعد ذلك: "فإذا صح الجرى على هذا التفسير، فلا
стр. 744
يُستبعد أن تكون الإشارة فى الآية أن الله تعالى لما خلق الأرض، ودبرها بما شاء من القوى الروحانية التى بها قوامها ونظامها، وجعل كل صنف من القوى مخصوصاً بنوع من أنواع المخلوقات، لا يتعداه ولا يتعدى ما حُدِّد له من الأثر الذى خُصَّ به.؟ خلق بعد ذلك الإنسان، وأعطاه قوة يكون بها مستعداً للتصرف بجميع هذه القوى وتسخيرها فى عمارة الأرض، وعبَّر عن تسخير هذه القُوَى بالسجود الذى يُفيد معنى الخضوع والتسخير، وجعله بهذا الاستعداد الذى لا حد له، والتصرف الذى لم يُعط لغيره، خليفة الله فى أرضه، لأنه أكمل الموجودات فى الأرض، واستثنى من هذه القُوَى قوة واحدة، عبَّر عنها بإبليس، وهى القوى التى لزَّها الله بهذا العالَم لزا، وهى التى تميل بالمستعد للكمال، أو بالكامل إلى النقص، وتعارض مد الوجود لترده إلى العدم، أو تقطع سبيل البقاء، وتعود بالموجود إلى الفناء، أو التى تعارض فى اتباع الحق، وتصد عن عمل الخير، وتنازع الإنسان فى صرف قواه إلى المنافع والمصالح التى تتم بها خلافته، فيصل إلى مراتب الكمال الوجودى التى خُلِق مستعداً للوصول إليها. تلك القوة التى ضللت آثارها قوماً فزعموا أن فى العالَم إلهاً يسمى إله الشر، وما هى بإله، ولكنها محنة إله لا يعلم أسرار حكمته إلا هو".
قال: "ولو أن أنفسنا مالت إلى قبول هذا التأويل، لم تجد فى الدين ما يمنعها من ذلك، والعمدة على اطمئنان القلب، وركون النفس إلى ما أبصرت من الحق".
ثم يعود فى موضع آخر إلى تقرير التمثيل فى القصة فيقول: "وتقرير التمثيل فى القصة على هذا المذهب هكذا: أن إخبار الله الملائكة بجعل الإنسان خليفة فى الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقُوَى هذا العالَم وأوراحه، التى بها قوامه ونظامه، لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها، فيكون به كمال الوجود فى هذه الأرض، وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يُفْسِد فى الأرض لأنه يعمل باختياره، ويُعطَى استعداداً فى العلم والعمل لا حد لهما، هو تصوير لما فى استعداد الإنسان لذلك، وتمهيد لبيان أنه لا ينافى خلافته فى الأرض، وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شىء فى هذه الأرض، وانتفاعه به فى استعمارها، وعرض الأسماء على الملائكة، وسؤالهم عنها، وتنصلهم فى الجواب تصوير لكون الشعور الذى يُصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدوداً لا يتعدى وظيفته، وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقُوَى له، ينتفع فى ترقية
стр. 745
الكون بمعرفة سنن الله تعالى فى ذلك. وإباء إبليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر، وإبطال داعية خواطر السوء، التى هى مثار التنازع والتخاصم والتعدى والإفساد فى الأرض، ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم، أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البَشرى".
والذى ينظر فى هذا التأويل الذى جوَّزه الشيخ، وفى سياق الآية وألفاظها وما فيها من محاورة ومقاولة، لا يسعه إلا أن يرده، وإن حاول قائله أن يروج له بجعله الأوامر التى وردت فى الآية من قبيل الأمر التكوينى، لا الأمر التكليفى.
* *
* موقفه من السحر:
ولقد كان من أثر إعطاء الأستاذ لنفسه الحرية الواسعة فى فهم القرآن الكريم، أنَّا نجده يخالف رأى جمهور أهل السُّنَّة، ويذهب إلى ما ذهب إليه المعتزلة، من أن السحر لا حقيقة له، ولذلك عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤] من سورة الفلق: ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد﴾ .. نجده بعد أن يُفسِّر معنى النفث والعُقَد، يُفَسِّر المراد بالنفَّاثات فى الآية فيقول: "المراد بهم هنا هم النمامون، المقطِّعون لروابط الأُلفة، المُحرقون لها بما يلقون عليها من ضرام نمائمهم، وإنما جاءت العبارة كما فى الآية، لأن الله جَلَّ شأنه أراد أن يشبههم بأولئك السحرة المشعوذين، الذين إذا أرادوا أن يحلوا عقدة المحبة بين المرء وزوجه - مثلاً - فيما يُوهمون به العامة، عقدوا عقدة ثم نفثوا فيها وحَلُّوها، ليكون ذلك حلاً للعقد التى بين الزوجين. والنميمة تشبه أن تكون ضرباً من السحر، لأنها تحوِّل ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة، بوسيلة خفية كاذبة، والنميمة تُضَلِّل وجدان الصديقين، كما يضلل الليل مَن يسير فيه بظلمته، ولهذا ذكرها عقب ذكر الغاسق".
* * *
إنكاره لبعض الأحاديث الصحيحة:
ثم راح الشيخ ﵀ يرد ما جاء من الروايات فى سحر الرسول ﷺ فقال: "وقد رووا هنا أحاديث فى أن النبى ﷺ سحره لبيد بين الأعصم، وأثَّرَ سحره فيه، حتى كان يُخيل له أنه يفعل الشىء وهو لا يفعله، أو يأتى شيئاً وهو لا يأتيه، وأن الله أنبأه بذلك، وأُخْرِجت مواد السحر من بئر، وعُوفِىَ ﷺ مما كان نزل به من ذلك، ونزلت هذه السورة، ولا يخفى أن تأثير السحر فى نفسه ﵇ حتى يصل به الأمر إلى أن يظن أن يفعل شيئاً وهو لا يفعله، ليس من قبيل تأثير الأمراض فى الأبدان، ولا من قبيل عروض السهو والنسيان فى بعض الأمور العادية، بل هو ماس بالعقل، آخذ بالروح، وهو مما يُصَدِّق قول المشركين فيه: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ [الفرقان: ٨] ، وليس المسحور عندهم إلا مَن خولطَ فى عَقله، وخُيِّل له أن
стр. 746
شيئاً يقع وهو لا يقع، فيُخيَّل إليه أنه يُوحَى إليه، ولا يُوحَى إليه، وقد قال كثير من المقلِّدين الذين لا يعقلون ما هى النبوة ولا ما يجب لها: إن الخبر بتأثير السحر فى النفس الشريفة قد صح فيلزم الاعتقاد به، وعدم التصديق به من بِدَع المبتدعين، لأنه ضرب من إنكار السحر، وقد جاء القرآن بصحة السحر، فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح، والحق الصريح فى نظر المقلِّد بدعة - ونعوذ بالله - يحتج بالقرآن على ثبوت السحر، ويعرض عن القرآن فى نفيه السحر عنه ﷺ ، وعَدَّةُ من افتراء المشركين عليه، ويُؤوِّل فى هذه ولا يُؤوِّل فى تلك، مع أن الذى قصده المشركون ظاهر، لأنهم كانوا يقولون: إن الشيطان يلابسه ﵊، وملابسة الشيطان تُعرف بالسحر عندهم، وضرب من ضروبه، وهو بعينه أثر السحر الذى نُسب إلى لبيد، فإنه خولط فى عقله وإدراكه فى زعمهم.
"والذى يجب اعتقاده أن القرآن مقطوع به، وأنه كتاب الله بالتواتر عن المعصوم ﷺ ، فهو الذى يجب الاعتقاد بما يُثبته، وعدم الاعتقاد بما يُنفيه، وقد جاء بنفى السحر عنه ﵇، حيث نسب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه، ووبخهم على زعمهم هذا، فإذن هو ليس بمسحور قطعاً. وأما الحديث - فعلى فرض صحته - هو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها فى باب العقائد، وعصمة النبى من تأثير السحر فى عقله عقيدة من العقائد، لا يؤخذ فى نفيها عنه إلا باليقين، ولا يجوز أن يؤخذ فيها الظن والمظنون، عل أن الحديث الذى يصل إلينا من طريق الآحاد، إنما يحصل الظن عند مَن صح عنده، أما مَن قامت له الأدلة على أنه غير صحيح، فلا تقوم به عليه حُجَّة، وعلى أى حال، فلنا - بل علينا - أن نُفوِّض الأمر فى الحديث. ولا نُحَكِّمه فى عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل، فإنه إذا خولط النبى فى عقله - كما زعموا - جاز عليه أن يظن أنه بَلَّغ شيئاً وهو لم يُبَلِّغه، أو أن شيئاً نزل عليه وهو لم ينزل عليه، والأمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان.. " إلخ.
وهذا الحديث الذى يرده الأستاذ الإمام رواه البخارى وغيره من أصحاب الكتب الصحيحة، وليس من وراء صحته ما يخل بمقام النبوة، فإن السحر الذى أُصيب به ﵊ كان من قبيل الأمراض التى تعرض للبدن بدون أن تؤثر على شئ من العقل، وقد قالوا إن ما فعله لبيد بن الأعصم بالنبى ﷺ من السحر لا يعدو أن يكون نوعاً من أنواع العقد عن النساء، وهو الذى يسمونه "رباطاً" فكان يخيل إليه أن عنده قدرة على إتيان إحدى نسائه، فإذا ما هَمَّ بحاجته عجز عن ذلك. أما السحر
стр. 747
الذى نُفِىَ عنه ﷺ فمراد به الجنون، وهو مخل ولا شك بمقام النبوة، وقد قالوا: ﴿ياأيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] . ثم إن الحديث رواية البخارى وغيره من كتب الصحيح، ولكن الأستاذ الإمام ومَن على طريقته لا يُفَرِّقون بين رواية البخارى وغيره، فلا مانع عندهم من عدم صحة ما يرويه البخارى، كما أنه - لو صح فى نظرهم - فهو لا يعدو أن يكون خبر آحاد لا يثبت به إلا الظن، وهذا فى نظرنا هدم للجانب الأكبر من السُّنَّة التى هى بالنسبة للكتاب فى منزلة المبيِّن من المبيَّن، وقد قالوا: إن البيان يلتحق بالمبيّن، وليس هذا الحديث وحده هو الذى يُضَعِّفه الشيخ، أو يتخلص منه بأنه رواية آحاد، بل هناك كثرة من الأحاديث نالها هذا الحكم القاسى، فمن ذلك أيضاً حديث الشيخين: "كل بنى آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أُمه إلا مريم وابنها".. فإنه قال فيه: "إذا صح الحديث فهو من قبيل التمثيل لا من باب الحقيقة".
فهو لا يثق بصحة الحديث رغم رواية الشيخين له، ثم يتخلص من إرادة الحقيقة - على فرض الصحة، بجعل الحديث من باب التمثيل، وهو ركون إلى مذهب المعتزلة. الذين يرون أن الشيطان لا تَسَلُّط له على الإنسان إلا بالوسوسة والإغواء فقط.
وبعد.. فهذا هو إنتاج الأستاذ الإمام فى التفسير، وهذا هو مسلكه ومنهجه فيه، ولعلِّى أكون قد أرضيت الحقيقة، ولم أتجن على الشيخ، أو أتهمه بما هو منه برئ.
* * *
٢- السيد محمد رشيد رضا
* كيف اتصل الشيخ رشيد بالأستاذ الإمام:
نشأ السيد محمد رشيد رضا فى طرابلس الشام، وفيها تلقى العلم عن شيوخها وعلمائها، وجلس يفيدهم بعلمه، ويرشدهم بنصحه ووعظه، وفى هذه الأثناء وقع فى يده نسخة من جريدة "العروة الوثقى"، التى كان يقوم بإخراجها والكتابة فيها رجل الإصلاح جمال الدين الأفغانى، وتلميذه الشيخ محمد عبده، فقرأ الشيخ رشيد ما فى الجريدة، فأعجب بالرجلين إعجاباً شديداً، ورغب فى الاتصال بالسيد جمال الدين الأفغانى فلم يسعده الحظ، ثم تعلق أمله بالاتصال بخليفته الشيخ محمد عبده، فأسعده الحظ فى هذه المرة، واتصل بالشيخ فى رجب سنة ١٣١٥ هـ وكان أول اقتراح عرضه عليه، أن يكتب تفسيراً للقرآن على نهج ما كان يكتب فى جريدة "العروة الوثقى"، وبعد أخذ ورد بين الشيخين اقتنع الأستاذ الإمام بأن يقرأ دروساً فى التفسير
стр. 748
بالجامع الأزهر، ولم يلبث إلا قليلاً حتى قام بإلقاء دروسه فى التفسير على طُلابه ومريديه.
وكان الشيخ رشيد ﵀ ألزم الناس لهذه الدروس، وأحرصهم على تلقيها وضبطها، فكان يكتب بعض ما يسمع، ثم يزيد عليه بما يذكره من دروس الشيخ بعد ذلك، ثم قام بنشر ما كتب على الناس فى مجلته "المنار"، ولكنه لم يفعل إلا بعد مراجعة أستاذه لما كتب، وتناوله له بالتنقيح والتهذيب.
لهذا كله نستطيع أن نقول إن الشيخ رشيد هو الوارث الأول لعلم الأستاذ الإمام، إذ أنه أخذ عنه فوعى ما أخذ، وألَّف فى حياته وبعد وفاته، فكان لا يحيد عن منهجه أو ينحرف عن أفكاره. وليس غريباً ما يرويه الشيخ رشيد من أن الأستاذ الإمام ﵀ كان يقول: "صاحب المنار ترجمان أفكارى". كما أنه ليس غريباً ما يُحَدِّث به أحد تلاميذ الشيخ رشيد، من أن الأستاذ الإمام وصف الشيخ رشيد بأنه "متحد معه فى العقيدة، والفكر، والرأى، والخُلُق. والعمل".
* *
* إنتاج الشيخ رشيد فى التفسير:
وإذا نحن تتبعنا ما كتبه الشيخ رشيد من تفسير للقرآن الكريم لوجدنا أنه أكثر رجال مدرسة الأستاذ الإمام إنتاجاً فى التفسير، وذلك أنه كتب تفسيره المسمى بتفسير القرآن الحكيم، والمشهور بتفسير المنار.. ابتدأ بأول القرآن وانتهى عند قوله تعالى فى الآية [١٠١] من سورة يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الملك وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحاديث فَاطِرَ السماوات والأرض أَنتَ وَلِيِّي فِي الدنيا والآخرة تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين﴾ .. ثم عالجته المنية قبل أن يتم تفسير القرآن كله.
هذا القدر من التفسير مطبوع فى اثنى عشر مجلداً كباراً، ينتهى المجلد الثانى عشر عند قوله تعالى فى الآية [٥٣] من سورة يوسف: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي﴾ ... الآية.
وقد أكمل الأستاذ بهجت البيطار تفسير سورة يوسف، وطبع تفسير هذه السورة بتمامها فى كتاب مستقل يحمل اسم الشيخ رشيد ﵀.
هذا.. وقد فسَّر الشيخ من القصار: سورة الكوثر، والكافرون، والإخلاص،
стр. 749
والمعوذتين، ولا نعرف له إنتاجاً فى التفسير أكثر من هذا، وهو إنتاج لا بأس به، وفيه تتجلى روح الأستاذ الإمام ممزوجة بروح تلميذه، فالمصادر هى المصادر، والهدف هو الهدف، والمنهج هو المنهج، والأفكار هى الأفكار، ولا فرق بين الرجلين إلا فيما هو قليل نادر.
* *
* مصادره فى التفسير:
أما مصادره فى التفسير فإنه كان يستعين ببعض آيات القرآن على فهم بعض آخر منه، خصوصاً إذا تكررت الآيات فى موضوع واحد، وكان يستعين أيضاً بما صح عنده من بيان رسول الله ﷺ ، وبما جرى عليه سَلَف الأُمة من الصحابة والتابعين، وبأساليب لغة العرب وسنن الله فى خلقه، ومستعيناً بعد ذلك كله بعقله المتحرر من التقليد للمفسِّرين، إلا فيما يقتنع به من أقوالهم، وأقوال شيخه على الأخص، ويُحدِّثنا بعض تلاميذه: "أنه كان لا يراجع ما يكتب فى التفسير إلا بعد أن يكتب فهمه فى الآية، حذراً من تأثر أقوال المفسَّرين على نفسه، وإذا آتاه الله فهماً فى القرآن لم يُسبق إليه، أو لم يطلع عليه إلا بعد كتابته من عنده فإنه يتحدث إلى إخوانه شاكراً، وقد يقصه على أهل بيته مغتبطاً مسروراً".
* *
* هدفه من التفسير:
وأما هدفه فى التفسير فهو عَيْن ما يهدف إليه الأستاذ الإمام، فإذا كان الأستاذ الإمام يُصَرِّح بأن هدفه من التفسير هو "فهم الكاتب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم فى حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة". فإن صاحبنا يُصَرِّح بمثل ذلك فى كثير من مواضع كتابه، فيقول بعد أن يوجه اللَّوم إلى مَن حشروا فى التفسير من قواعد العلوم، ومسائل الفنون، وموضوعات الحديث، وخرافات الإسرائيليات، ما يصرف الناس عن هداية القرآن، يقول: "إن حاجة الناس صارت شديدة إلى تفسير تتوجه العناية الأولى فيه إلى هداية القرآن على الوجه الذى يتفق مع الآيات الكريمة، المنزَّلة فى وصفه. وما أُنزِل لأجله، من الإنذار، والتبشير والهداية، والإصلاح".
يريد أنه سيعمل تفسيره على هذا النمط ليسد حاجة الناس، ويقول فى موضع آخر: "إن قصدنا من التفسير بيان معنى القرآن، وطرق الاهتداء به فى هذا الزمان".
* *
стр. 750
* منهجه فى التفسير:
وأما منهجه فيه فهو عَيْن ما نهجه الأستاذ الإمام، فلا تقيد بأقوال المفسِّرين، ولا تحكم للعقيدة فى نص القرآن، ولا خوض فى إسرائيليات، ولا تعيين لمبهمات، ولا تعلق بأحاديث موضوعة، ولا حشد لمباحث الفنون، ولا رجوع بالنص إلى اصطلاحات العلوم، بل شرح للآيات بأسلوب رائع، وكشف عن المعانى بعبارة سهلة مقبولة، وتوضيح لمشكلات القرآن، ودفاع عنه يرد ما أُثير حوله من شبهات، وبيان لهدايته، ودلالة إلى عظيم إرشاده، وتوقيف على حكم تشريعه، ومعالجة لأمراض المجتمع بناجع دوائه، وبيان لسنن الله فى خليقته.
ولكنَّا نجد الشيخ رشيد ﵀ يحيد عن هذا المنهج بعض الشىء، وذلك بعد وفاة شيخه، واستقلاله بالعمل، ويُحدِّثنا هو بذلك فيقول:
"وإننى لما استقللت بالعمل بعد وفاته، خالفت منهجه - رحمه الله تعالى - بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السُّنَّة الصحيحة، سواء أكان تفسيراً لها، أو فى حكمها، وفى تحقيق بعض المفردات، أو الجمل اللُّغوية، والمسائل الخلافية بين العلماء، وفى الإكثار من شواهد الآيات فى السور المختلفة، وفى بعض الاستطرادات لتحقيق مسائل تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها، بما يثبتهم بهداية دينهم فى هذا العصر، أو يقوى حجتهم على خصومه من الكفار والمبتدعة، أو يحل بعض المشكلات التى أعيا حلها. بما يطمئن به القلب، وتسكن إليه النفس".
ويبدو لنا أن هذا التوسع الذى كان من الشيخ رشيد - خصوصاً فى المسائل الاجتماعية -، لم يدفعه إليه إلا كونه رجلاً "صحفياً" اتصل عن طريق مجلته بالناس على اختلاف منازعهم ومشاربهم، وفيهم المتدين، والملحد. والكافر، فأراد أن يتمشى بكتابته مع الجميع، فيثبت المتدين على دينه، ويرد الملحد عن إلحاده، ويكشف عن محاسن الإسلام، لعل الكافر أن يثوب إلى رشده ويرجع عن كفره.
* *
* آراؤه فى التفسير:
أما آراؤه فى التفسير فهى كآراء شيخه، تقوم على حرية واسعة فى الرأى واعتداد عظيم بالفهم، وثقة قوية بما عنده من العلم، وعدم تقيد ببعض المُسَلَّمات عند العلماء، ولهذا نجد له أفكاراً غريبة فى تفسير القرآن استقل ببعض منها، وقلَّد شيخه فى بعضها الآخر.
* *
стр. 751
* رأيه فى أصحاب الكبائر: فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٢٧٥] من سورة البقرة فى شأن المرابين: ﴿وَمَنْ عَادَ فأولائك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .. نجده يخالف أهل السُّنَّة، ويؤكد أن صاحب الكبيرة التى فى درجه أكل الربا وقتل العمد إذا مات ولم يتب منها يخلد فى النار، ولا يخرج منها أبداً فيقول: "أى: ومَن عاد إلى ما كان يأكل من الربا المحرَّم بعد تحريمه، فأُولئك البُعداء عن الاتعاظ بموعظة ربهم، الذى لا ينهاهم إلا عما يضرهم فى أفرادهم أو جمعهم، هم أهل النار الذين يلازمونها كما يلازم الصاحب صاحبه، فيكونون فيها خالدين.
"وقد أوَّل الخلود المفسِّرون، لتتفق الآية مع المقرر فى العقائد والفقه من كون المعاصى لا توجب الخلود فى النار، فقال أكثرهم: إن المراد: ومَن عاد إلى تحليل الربا واستباحته اعتقاداً، ورده بعضهم بأن الكلام فى أكل الربا، وما ذُكِر عنهم من جعله كالبيع هو بيان لرأيهم قبل التحريم، فهو ليس بمعنى استباحة المحرَّم، فإذا كان الوعيد قاصراً على الاعتقاد بحلِّه لا يكون هناك وعيد على أكله بالفعل.
"والحق أن القرآن فوق ما كتب المتكلمون والفقهاء. يجب إرجاع كل قول فى الدين إليه، ولا يجوز تأويل شىء ليوافق كلام الناس، وما الوعيد بالخلود هنا إلا كالوعيد بالخلود فى آية قتل العمد، وليس هناك شبهة فى اللَّفظ على إرادة الاستحلال. ومن العجيب أن يجعل الرازى الآية هنا حُجَّة على القائلين بخلود مرتكب الكبيرة فى النار، انتصاراً لأصحابه الأشاعرة، وخير من هذا التأويل تأويل بعضهم الخلود بطول المكث، أما عنه فنقول: ما كل ما يسمى إيماناً يعصم صاحبه من الخلود فى النار، الإيمان إيمانان: إيمان لا يعدو التسليم الإجمالى بالدين الذى نشأ فيه المرء أو نُسِبَ إليه، ومجاراة أهله ولو بعدم معارضتهم فيما هم عليه. وإيمان هو عبارة عن معرفة صحيحة بالدين عن يقين بالإيمان، متمكنة فى العقل بالبرهان، مؤثرة فى النفس بمقتضى الإذعان، حاكمة على الإرادة المصرفة للجوارح فى الأعمال، بحيث يكون صاحبها خاضعاً لسلطانها فى كل حال، إلا ما لا يخلو عنه الإسنان من غلبه جهالة أو نسيان. وليس الربا من المعاصى التى تُنسى، أو تغلب النفس عليها خفة الجهالة والطيش كالحدة وثورة الشهوة، أو يقع صاحبها منها فى غمرة النسيان كالغيبة والنظرة، فهذا هو الإيمان الذى يعصم صاحبه بإذن الله من الخلود فى سخط الله، ولكنه لا يجتمع مع الإقدام على كبائر الإثم والفواحش عمداً، إيثاراً لحب المال واللَّذة، عن دين الله وما فيه من الحكم والمصالح. وأما الإيمان الأول: فهو صورى فقط، فلا قيمة له
стр. 752
عند الله تعالى، لأنه تعالى لا ينظر إلى الصور والأقوال، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال، كما ورد فى الحديث، والشواهد على هذا الذى قررناه فى كتاب الله تعالى كثيرة جداً، وهو مذهب السَلَف الصالح، وإن جهله كثير ممن يَدَّعون اتباع السُّنَّة حتى جَرَّأوا الناس على هدم الدين، بناء على أن مدار السعادة على الاعتراف بالدين وإن لم يُعمل به، حتى صار الناس يتبجحون بارتكاب الموبقات، مع الاعتراف بأنها من كبائر ما حُرِّم، كما بلغنا عن بعض كبرائنا أنه قال: إننى لا أنكر أننى آكل الربا ولكننى مسلم أعترف بأنه حرام، وقد فاته أنه يلزمه بهذا القول الاعتراف بأنه من أهل هذا الوعيد، وبأنه
يرضى أن يكون محارباً لله ولرسوله، وظالماً لنفسه وللناس، كما سيأتى فى آية أخرى، فهل يعترف بالملزوم؟ أو ينكر الوعيد المنصوص فيؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض؟ نعوذ بالله من الخذلان".
* *
* تقليده لشيخه فى قصة آدم:
كذلك نجد صاحب المنار يُقلِّد شيخه فى موقفه من قصة آدم وإبليس وما يتعلق بها فيقول:
"وهذا التفصيل مبنى على كون الأمر بالسجود للتكليف، وأنه وقع حوار بين الرب سبحانه وبين إبليس. وأما على القول بأن الأمر للتكوين، وأن القصة بيان لغرائز البَشر والملائكة والشياطين، فالمعنى: أنه تعالى جعل ملائكة الأرض المدبرة بأمر الله وإذنه لأُمورها بالسنن التى عليها مدار نظامها كما قال: ﴿فالمدبرات أَمْراً﴾ [النازعات: ٥] مُسَخَّرة لآدم وذُرِّيته، إذ خلق الله هذا النوع مستعداً للانتفاع بها كلها، بعلمه بسنن الله تعالى فيها، وبعلمه بمقتضى هذه السن كخواص الماء، والهواء، والكهرباء، والنور، والأرض: معادنها، ونباتها، وحيوانها، وإظهاره لحكم الله تعالى وآياته فيها، ومستعداً لاصطفاء الله بعض أفراده، واختصاصهم بوحيه ورسالته، وإقامة مَن اهتدى بهم لدينه وميزان شرعه، وقد أُشير إلى ذلك فى الآية [٣١] من سورة البقرة بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَءَادَمَ الأسمآء كُلَّهَا﴾ ، إلا أنه جعل الشيطان عاتياً متمرداً على الإنسان، بل عدواً له، من حيث إن الإنسان بروحه وسط بين روح الملائكة المفطورين على طاعة الله وإقامة سُنته فى صلاح الخلق، وبين روح الجن الذى يغلب على شرارهم - وهم الشياطين - التمرد والعصيان. وقد أعطى الإنسان إرادة واختياراً من ربه فى ترجيح ما به يصعد إلى أُفق الملائكة، وما به يهبط إلى أُفق الشياطين".
* *
стр. 753
* تذرعه بالمجاز والتشبيه:
كذلك نجد صاحب المنار يصرف بعض ألفاظ القرآن عن ظواهرها، ويعدل بها إلى ناحية المجاز أو التشبيه، وذلك فيما يبدو مستبعداً ومستغرباً لو أُجرى على حقيقته، وهذا المسلك الذى جرى عليه الشيخ رشيد هو مسلك شيخه، ومسلك الزمخشرى وغيره من المعتزلة، الذين اتخذوا التشبيه والتمثيل سبيلاً للفرار من الحقائق التى يُصَرِّح بها القرآن، ولا تعجز عنها قدرة الله، وإن بعدت عن منال البَشر.
فمثلاً نجد صاحب المنار عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٤٧] من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ﴾ ... الآية، نراه يستظهر أن المعنى المراد هنا هو: "آمِنُوا بما نَزَّلنا مصدِّقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم التى توجهتم إليها فى كيد الإسلام، ونردها خاسئة خاسرة إلى الوراء، بإظهار الإسلام ونصره عليكم، وفضيحتكم فيما تأتونه باسم الدين والعلم الذى جاء به الآنبياء، وقد كان لهم عند نزول الآية شىء من المكانة والمعرفة والقوة، فهذا ما نفسِّرها به، على جعل الطمس والرد على الأدبار معنويين".. ثم سرد بعض أقوال المفسِّرين فى هذه الآية، ثم بيَّن أن ما اختاره هو رأى شيخه الذى مال إليه فى دروسه.
* *
* رأيه فى السحر:
ثم إن صاحب المنار لا يرى السحر إلا ضرباً من التمويه والخداع، وليس له حقيقة كما يقول أهل السُّنَّة، وهو يوافق بهذا القول قول شيخه وقول المعتزلة من قبله، ولهذا نراه عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٧] من سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ... نجده يقول: "والآية تدل على أن السحر خداع باطل، وتخييل يرى ما لا حقيقة له فى صورة الحقائق".
هذا.. ولم يستطع الشيخ رشيد أن يرد حديث البخارى فى سحر رسول الله ﷺ كما فعل شيخه، ولكنه تأوَّل الحديث على أنه كان من قبيل العقد عن النساء، وبيَّن أن عذر مَن طعن فى الحديث هو أن هشاماً - راوى الحديث عن أبيه عن عائشة - مطعون فيه من كثير من أئمة الجرح والتعديل.
* *
стр. 754
* رأيه فى الشياطين:
وهو يرى أن شياطين الجن لا تسلط لها على الإنسان إلا بالإغواء فقط، ويقول: "كل ما يدَّعيه بعض الدجَّالين من تسلط الشيطان، أو ملوك الجان على بعض الناس، وقدرتهم على نفعهم وضرهم، فهو كذب وحيل من شياطين الإنس وحدهم".
* *
* رأيه فى الجن:
كما يرى أن الجن لا تُرى للإنسان على أى حال من الأحوال، ويرجح أن مَن ادَّعى رؤية الجن فذلك وهم منه وتخيل، ولا حقيقة له فى الخارج، أو لعله رأى حيواناً غريباً كبعض القردة فظنه أحد أفراد الجن. يقول هذا ثم يعرض فى "الهامش" لذكر حديث أبى هريرة فيمن كان يسرق تمر الصدقة، وإخبار النبى له بأنه شيطان - وهو فى البخارى - ولغيره من الأحاديث التى تدل على أن الإنسان يرى الجنى ويبصره، ثم يقول بعد أن يفرغ من سرده للروايات: "والصواب أنه ليس فى هذه الروايات كلها حديث صحيح".
بل ونجده يزيد على ذلك فيجوِّز أن تكون ميكروبات الأمراض نوعاً من الجن. وذلك حيث يقول عندما تعرَّض لتفسير قوله تعالى فى الآية [٢٧٥] من سورة البقرة: ﴿الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس﴾ ... الآية: " ... والمتكلمون يقولون: إن الجن أجسام حية خفية لا تُرى، وقد قلنا فى المنار غير مرة: إنه يصح أن يُقال إن الأجسام الحية الخفية التى عُرفت فى هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة وتسمى بالميكروبات، يصح أن تكون نوعاً من الجن، وقد ثبت أنها علل لأكثر الأمراض".
* * *
* رأيه فى معجزات النبى ﷺ :
ولقد نجد صاحب المنار يذهب فى معجزات النبى ﷺ مذهباً بعيداً، فيقرر أنه لا معجزة للنبى ﷺ غير القرآن الكريم وينكر بعض معجزاته الكونية، ويتأوَّل ما يشهد لها من آيات، ويجحد صحة ما يقوم بإثباتها من الأحاديث، وما يُسَلِّمه من بعض الآيات الكونية فهو فى نظره إكرام للنبى من ربه، وليس من قبيل المعجزة، أو الحُجَّة على صدق دعوته.
يذهب إلى هذا ويستدل له بمثل قوله تعالى فى الآية [٥٩] من سورة
стр. 755
الإسراء: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون﴾ ... الآية، وبمثل قوله ﵇ من رواية أبى هريرة عند الشيخين وغيرهما: "ما من نبى من الأنبياء إلا أُعطى ما مثله آمن عليه البَشر، وإنما كان الذى أُوتيته وحياً أوحاه الله إلىَّ، فأرجو أن أكون اكثرهم تابعاً يوم القيامة".
ولكن صاحب المنار يستشعر معارضة بعض نصوص القرآن والحديث لما ساقه من أدلة على مُدَّعاه فيقول: "وقد يعارضه - يعنى الحديث السابق - آية انشقاق القمر مع ما ورد فى أحاديث الصحيحين وغيرهما من أن قريشاً سألوا النبى ﷺ آية على نبوته فانشق القمر فكان فِرقتين، ولكن فى الأحاديث الواردة فى انشقاقه عللاً فى متنها وأسانيدها، وإشكالات علمية، وعقلية، وتاريخية، فصَّلناها فى المجلد الثلاثين من المنار، وبيَّنا أن ما تدل عليه الآيات القرآنية المؤيدة بحديث الصحيحين الصريح فى حصر معجزة نبوته ﷺ فى القرآن وكون الآيات المقترحة تقتضى إجابة مقترحيها عذاب الاستئصال، هو الحق الذى لا ينهض لمعارضته شىء".
وإذا كان الشيخ رشيد قد تخلَّص هنا من معارضة الحديث بالطعن فيه، فإنه قد تخلَّص فى موضع آخر من معارضة الآية، حيث فسَّر انشقاق القمر بظهور الحُجَّة"!!
* *
* رأيه فى مسائل من الفقه:
كذلك نجد صاحب المنار يعطى نفسه حرية واسعة فى استنباط الأحكام من القرآن الكريم، مما جعله يخالف جمهور الفقهاء، ويسفههم فيما ذهبوا إليه، وإذا أردتَ مثالاً لذلك فارجع إلى ما كتبه على قوله تعالى فى الآية [١٨٠] من سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت إِن تَرَكَ خَيْراً الوصية لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين﴾ ، فستجد أنه لم يعبأ بما عليه جمهور العلماء من أهل السُّنَّة من أن حكم هذه الآية منسوخ، بصرف النظر عن كون الناسخ آية المواريث أو حديث: "لا وصية لوارث" الذى جنح الشافعى فى الأُم إلى أن متنه متواتر، فراح ﵀ يؤكد بكل ما يملك من حُجَّة: أن حكم الوصية للوالدين والأقربين باق لم يُنسخ، كما راح يُفَنِّد كل دليل تمسَّك به الجمهور. ولا أُطيل بذكر ما قاله فى هذا الموضوع، ويكفى أن أقول لك: إنه أنهى البحث فى هذه المسألة بقوله: "وصفوة القول: أن الآية
стр. 756
غير منسوخة بآية المواريث، لأنها لا تعارضها، بل تؤيدها، ولا دليل على أنها بعدها، ولا بالحديث، لأنه لا يصلح لنسخ الكتاب، فهى محكمة، وحكمها باق، ولك أن تجعله خاصاً بمن لا يرث من الوالدين أو الأقربين كما روى عن بعض الصحابة، وأن تجعله على إطلاقه، ولا تكن من المجازفين الذين يخاطرون بدعوى النسخ فينبذ ما كتبه الله عليه بغير عذر، ولا سيما بعد ما أكده بقوله: ﴿حَقّاً عَلَى المتقين﴾ .
وإن أردت مثالاً آخر فارجع إلى ما ذهب إليه فى آية التيمم من سورة النساء، فسترى أنه يقرر: أن المسافر يجوز له التيمم ولو كان الماء بين يديه ولا عِلَّة تمنعه من استعماله إلا كونه مسافراً، ويخالف بذلك جماعة الفقهاء، ويحمل عليهم حملة شديدة فيما ذهبوا إليه من أن المسافر لا يجوز له التيمم مع وجود الماء، كما ينكر على مَن استشكل الآية من المفسِّرين، ويقول فيما يقول: "سيقول أدعياء العلم من المقلِّدين: نعم، إن الآية واضحة المعنى، كاملة البلاغة على الوجه الذى قررتم، ولكنها تقتضى عليه أن التيمم فى السفر جائز ولو مع وجود الماء. وهذا مخالف للمذاهب المعروفة عندنا، فكيف يعقل أن يخفى معناها هذا على أُولئك الفقهاء المحققين؟ وكيف يعقل أن يخلفوها من غير معارض لظاهر ما أرجعوها إليه؟. ولنا أن نقول لمثل هؤلاء - وإن كان المقلِّد لا يحتاج لأنه لا علم له -: وكيف يعقل أن يكون أبلغ الكلام وأسلمه من التكلف والضعف معضلاً مشكلاً؟ وأى الأمرين أولى بالترجيح؟ الطعن ببلاغة القرآن وبيانه.. لحمله على كلام الفقهاء؟ أو تجويز الخطأ على الفقهاء، لأنهم لم يأخذوا بما دل عليه ظاهر الآية من غير تكلف، وهو الموافق الملتئم مع غيره من رخص السفر التى فيها قصر الصلاة وجمعها، وإباحة الفطر فى رمضان، فهل يُستنكر مع هذا أن يُرَخَّص للمسافر فى ترك الغُسل والوضوء، وهما دون الصلاة والصيام فى نظر الدين".
إلى أن قال: "ألا إن من أعجب العجب، غفلة جماهير الفقهاء عن هذه الرُخصة الصريحة فى عبارة القرآن، التى هى أظهر وأولى من قصر الصلاة وترك الصيام، وأظهر فى رفع الحَرَج والعُسر الثابت بالنص وعليه مدار الأحكام ... ".
ثم قال: "وإذا ثبت أن التيمم رُخصة للمسافر بلا شرط ولا قيد، بطلت كل تلك التشديدات التى توسَّعوا فى بنائها على اشتراط فقد الماء، ومنها ما قالوا من وجوب طلبه فى السفر، وما وضعوه لذلك من الحدود كحد القرب وحد الغوث".
* *
стр. 757
* حملته على بعض المفسِّرين:
هذا.. ولا يفوتنا أن نقول: إن صاحب المنار كان كثير التوسع فيما يتعقب به أحياناً قدماء المفسِّرين، خصوصاً الفخر الرازى منهم، مع قسوة منه عليهم فى الكثير الغالب.
* *
* حملته على البدع والخرافات:
كما أنه كان كثير الاستطراد إلى تتبع بدع المسلمين والكشف عن عوارها والإرشاد إلى علاجها، مع تشدد وتعسف منه فى كثير من الأحيان.
* *
شرحه لمبهمات القرآن بما جاء فى التوراة والإنجيل:
كذلك لا يفوتنا أن نُنَبِّه على أن صاحب المنار كان مع شدة لومه على المفسِّرين الذين يزجون بالإسرائيليات فى تفاسيرهم، ويتخذون منها شروحاً لكتاب الله، يخوض هو أيضاً فيما هو من هذا القبيل ويتخذ منه شروحاً لكتاب الله، وذلك أنه كثيراً ما ينقل عن الكتاب المقدَّس أخباراً وآثاراً يُفسِّر بها بعض مبهمات القرآن، أو يرد بها على أقوال بعض المفسِّرين، وكان الأجدر بهذا المفسِّر الذى يشدد النكير على عشاق الإسرائيليات، أن يكف هو أيضاً عن النقل عن كتب أهل الكتاب، خصوصاً وهو يعترف أنه قد تطرَّق إليها التحريف والتبديل.
* *
* دفاعه عن الإسلام:
وأخيراً فلا يفوتنا أن الرجل قد دافع عن الإسلام والقرآن، وكشف عما أحاط بما من شكوك ومشاكل، وقد استعمل فى ذلك لسانه وقلمه، وضمَّنه مجلته وتفسيره، وتلك مزية للرجل يُحمد عليها. ولا ننسى ما له من أفكار جريئة ومتطرفة.
* * *
стр. 758
٣- الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغى
* الأستاذ المراغى فى مدرسة الشيخ محمد عبده:
لم نعرف من رجال هذه المدرسة رجلاً تأثر بروح الأستاذ الإمام، ونهج على طريقته من التجديد واطراح التقليد، والعمل على تنقية الإسلام من الشوائب التى أُلصقت به، وتنبيه الغافلين عن هَدْيه وإرشاده، مثل الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغى عليه رحمة الله ورضوانه.
تربَّى هذا الرجل فى مدرسة الأستاذ الإمام، وتخرَّج منها وهو يحمل بين جنبيه قلباً مليئاً بالرغبة فى الإصلاح، والثورة على كل ما يقف فى سبيل الإسلام والمسلمين.
هذا القلب الفتى، العامر بما فيه من حب للخير ورغبة فى الإصلاح، دفع بالرجل إلى ميدان الحياة الاجتماعية، وترقَّى به فى مراتب المناصب الدينية، وأخيراً وقف به عند الغاية، فإذا بالرجل شيخاً للأزهر، وإذا بروح الإصلاح والتجديد تتدفق من فوق منبره، وعلى قلوب طُلابه وغير طُلابه، ثم تنساب جارفة إلى نواح من الحياة المختلفة، فتعمل فيها عمل السحر، والحياة والنور.
لم يلازم الشيخ المراغى أستاذه الإمام ملازمة طويلة كما لازمه الشيخ رشيد، ولم يجلس إليه كثيراً مثلما جلس، ولكنه كان على رغم ذلك أعمق أثراً وأكثر تحقيقاً لما تهدف إليه هذه المدرسة من ضروب الإصلاح وصنوف التجديد، والسر فى ذلك - كما يظهر لنا - هو تقلب الشيخ فى مختلف المناصب الدينية الكبيرة، ثم ما كان فيه من جاذبية وقدرة على استجلاب قلوب سامعيه واستمالتها إليه، مما أجلس بين يديه الملك، والأمير، والوزير، والشيخ الكبير، والطالب الصغير، ورجل الشارع.
جلس هؤلاء جميعاً يستمعون إليه ويأخذون عنه، فكان الميدان فسيحاً أمام الشيخ، يلقى فيه بآرائه وأفكاره، فتجد الدعوى قبولاً من مستمعيه، ورواجاً عند مريديه.. ثم لا تلبث أن تنتشر فتعم كل شىء.
وإذا كان كتاب الله هو الدستور الذى شرعه الله تعالى للأُمة الإسلامية، وجعل فيه خيرها وسعادتها فى الدنيا والآخرة، فِلمَ لا يكون هو الباب الذى يصل منه الشيخ إلى ما يرجوه من خير، وما يهدف إليه من إصلاح.
* *
* إنتاجه فى التفسير:
طرق الشيخ هذا الباب، فعقد دروساً دينية فى تفسير القرآن الكريم، استمع إليها الكثير من الناس على اختلاف طبقاتهم، من الملك إلى رجل الشارع كما قلت، وأُذيعت هذه الدروس أيضاً فى كثير من ممالك الأرض، ودول الإسلام، وأخيراً طُبعت هذه الدروس، ووُزِعَّت على الناس ليعم نفعها، ويزداد أثرها.
стр. 759
لم تكن هذه الدروس على شىء من الكثرة، ولم يكن مقدار ما تناولته من آيات القرآن بالمقدار الكبير، الذى كنا نرغب ونطمع فى أن تُزَوَّد به المكتبة الإسلامية.
نعم.. لم تتناول هذه الدروس من آيات القرآن إلا مقداراً قليلاً، وإذا نحن ذهبنا نستقصيه فإنَّا لا نجده أكثر من شرحه لقوله تعالى فى الآية [١٧٧] من سورة البقرة: ﴿لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب﴾ ... إلى قوله: ﴿أولائك الذين صَدَقُواْ وأولائك هُمُ المتقون﴾ .
وشرحه لقوله تعالى فى الآيات [١٣٣-١٣٨] من سورة آل عمران: ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ ... إلى قوله: ﴿هاذا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ .
وشرحه لقوله تعالى فى الآيتين [١٣، ١٤] من سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ ... إلى قوله: ﴿وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ .
وشرحه لقوله تعالى فى الآيات [١٥١-١٥٣] من سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ... إلى قوله: ﴿ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
وشرحه لقوله تعالى فى الآيات [١٨٣-١٨٦] من سورة البقرة: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام﴾ ... . إلى قوله: ﴿وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ .
وشرحه لقوله تعالى فى الآيات [٢٤-٢٩] من سورة الأنفال: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ... إلى قوله: ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ .
وشرحه لسورة الحجرات، وشرحه لسورة الحديد، وشرحه لسورة لقمان.
стр. 760
وشرحه لقوله تعالى فى الآيات [١٦٠-١٦٥] من سورة الأنعام: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ... . إلى آخر السورة.
وشرحه لقوله تعالى فى الآيات ﴿١٩٩-٢٠٦] من سورة الأعراف: ﴿خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف﴾ ... إلى آخر السورة.
وشرحه لقوله تعالى فى الآيات [٣٠-٣٤] من سورة فصلت: ﴿إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا﴾ ... إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ .
وشرحه لأوائل سورة الأعراف إلى قوله فى الآية [٩] : ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأولائك الذين خسروا أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾ .
وشرحه لقوله تعالى فى الآيات [١١٢-١٢٣] من سورة هود: ﴿فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ ... . إلى آخر السورة.
وشرحه لقوله تعالى فى الآيتين [٥٨، ٥٩] من سورة النساء: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ ... إلى قوله: ﴿ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ .
وشرحه لقوله تعالى فى الآية [١٧] من سورة الرعد: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ ... . إلى قوله: ﴿كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ .
وشرحه لقوله تعالى فى الآيات [٨٣-٨٨] من سورة القصص: ﴿تِلْكَ الدار الآخرة نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرض وَلاَ فَسَاداً والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾ ... إلى آخر السورة.
وشرحه لقوله تعالى فى الآيات [١-١٠] من سورة الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ﴾ ... . إلى قوله: ﴿وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ .
وشرحه لقوله تعالى فى الآيات [٦٣-٧٧] من سورة الفرقان أيضاً: ﴿وَعِبَادُ الرحمان الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ ... إلى قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ .
стр. 761
وشرحه لسورة العصر.
وشرحه لسورة الملك.
هذا هو كل ما للأستاذ المراغى ﵀ من إنتاج فى التفسير، وهو على قلَّته عمل كبير وعظيم، بالنظر لما يهدف إليه من إصلاح، وما يحمل فى طيَّاته من توجيه حسن فى التفسير.
وحسب الشيخ أن يكون قد لفت قلوب كثيرة من المسلمين إلى القرآن، بعد أن أعرضوا عن هَدْيه، وضَلُّوا عن إرشاده، وتلك حسنة نرجو له برها وذخرها عن الله.
* *
* منهجه فى التفسير:
يتتبع الإنسان إنتاج الأستاذ الأكبر فى التفسير، ويستقصى ما عرض له من آيات القرآن الكريم، فيلحظ أن الشيخ - رحمه الله تعالى - كان يختار لدروسه من آيات القرآن ما تتجلى فيه دلائل قدرة الله وآيات عظمته، وما تظهر فيه وسائل هداية البَشر، ومواضع العظة والعبرة، كما يلحظ أيضاً أنه وجَّه جانباً كبيراً من عنايته إلى الآيات التى يجمعها وقضايا العلم الحديث صلة القُربى، ليظهر للناس أن القرآن لا يقف فى سبيل العلم، ولا يصادم ما صح من قواعده ونظرياته، وذلك بما يهديه الله إليه من الدقة فى التوفيق بين قضايا القرآن، وقضايا العلم الحديث.. دقة لا يبلغ شأوها، ولا يدرك خطرها إلا مَن شغل نفسه، وكدَّ فهمه فى هذا السبيل.
* *
*مصادره فى التفسير:
وأعتقد أن الشيخ ﵀ كان يستند فى تحضير دروسه على كتاب الله تعالى بجمع ما كان من الآيات فى موضوع واحد. لعل ما أُجمل فى موضع فُسِّر فى موضع آخر، وما أُبهم فى آية بُيِّنَ فى آية أخرى، وكان يستند أيضاً إلى ما صح من بيان الرسول ﷺ ، وبيان السَلَف الصالح من الصحابة والتابعين، ثم على أساليب اللُّغة وسنن الله فى الكون، ثم على ما كتبه قدماء المفسِّرين، ولكنه لم يلغ عقله فى هذا كله، بل كان يضع هذه المصادر كلها أمام نظره، ويعرض ما فيها على قلبه وعقله، فما أعجبه منها أقرَّه، وما لم يطمئن إليه نبذه وأعرض عنه.
لم نسمع عن الأستاذ المراغى ﵀ أنه فسَّر القرآن بدون أن ينظر أولاً فيما كتبه المفسِّرون، ولم يبلغنا عنه أنه ادَّعى لنفسه أنه أتى بما لم يأت به الأوائل فى التفسير، بل على العكس من ذلك وجدناه يعترف بالفضل للأقدمين، ولا ينسى ما
стр. 762
كان لهم من مجهود طيب وأثر محمود، وذلك حيث يقول عن تفسيره: "ما هو إلا ثمرات من غرس أسلافنا الأقدمين، وزهرات من رياضهم".
لم يتحامل الشيخ ﵀ على المفسِّرين كما تحامل غيره، ولم يرم فى وجوههم بالعبارات القاذعة اللاذعة، بل كان عفا فى نقده، نزيهاً فى عبارته، وهذا أدب ما أجمله بالعلماء، وبخاصة مع أسلافنا ومتقدميهم.
* *
* موقفه من مُبهمات القرآن:
هذا ... وإن الأستاذ المراغى ﵀ قد نهج فى تفسيره منهج شيخه، فوجدناه لا يخوض فى مُبهمات القرآن بالتفصيل، ولا يدخل فى جزئيات سكت عنها القرآن، وأعرض عنها الرسول ﷺ ، فلا الروايات الموضوعة أو الضعيفة بكافية عنده حتى يزج بها فى تفسيره، ولا الأخبار الإسرائيلية بمقبولة لديه، حتى يجعل منها شروحاً لما أجمله القرآن وسكت عن تفصيله، فلهذا نراه عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٣٣] من سورة آل عمران: ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ... نجده يقول بعد أن ينتهى من تفسير الآية ما نصه: "والآية تدل بظاهرها على أن الجنَّة مخلوقة الآن، لأن الفعل الماضى يُفْهم هذا. غير أنه من الجائز أن يكون من قبيل قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ ، فلا يدل على خلقها الآن، والبحث فى هذا لا فائدة له، ولا طائل تحته".
ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٨٣] من سورة البقرة: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ ... . الآية، وجدناه يقول: " ... ونحن لا نعلم ما هو الذى فرضه الله على الأُمم السابقة من قبل، أهو شهر رمضان كما قال بعض الناس؟ أم غيره؟ وليس لنا ما يهدينا إلى شىء مُعيَّن من دليل يطمئن إليه القلب. والتشبيه لا يدل على المماثلة فى كل شىء، فنحن نؤمن بأن صوماً فُرِضَ على الأُمم السابقة، لا نعلم مقداره ولا كيفيته. ولا يزال الصوم معروفاً عند الأُمم الأخرى على أوضاع مختلفة".
ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٢] من سورة لقمان: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة أَنِ اشكر للَّهِ﴾ ... . الآية، وجدناه يقول ما نصه: "اختلف الناس فى لقمان هذا هو مَن هو؟ ومن أى الأُمم هو؟ فقيل: إنه من بنى إسرائيل، وقيل: إنه كان عبداً حبشياً. وقيل: إنه أسود من سودان مصر. وقيل: إنه يونانى. ومن الناس مَن
стр. 763
جعله نجاراً، ومنهم مَن جعله راعى غنم، ومنهم مَن قال إنه نبى، ومنهم مَن قال إنه حكيم. وكل هذه أقوال ليس لها سند يعول عليه، وبعد أن وصفه الله بالحكمة فلا يرفع من شأنه أنه كان من أشرف الأُمم، ولا يضع من قدره أنه كان زنجياً مملوكاً".
* *
* عنايته بإظهار أسرار التشريع:
كذلك نجد الأستاذ الأكبر يهتم فى تفسيره اهتماماً كبيراً بإظهار سر التشريع الإسلامى، وحكمة التكليف الإلهى، ليُظهر محاسن الإسلام، ويكشف عن هدايته للناس.
فمثلاً عندما تعرَّض لآيات الصوم فى سورة البقرة، نجده يفيض فى سر الصوم وحكمته فيقول: "الصيام أحد الأركان الخمسة التى بُنِى عليها الإسلام، وهو رياضة بدنية، وتهذيب خُلُقى، وتطهير روحى، وذلك أن الاسترسال فى الشهوات، والانغماس فى اللَّذات حجاب بين الروح وبين الكمالات القدسية والفيض الإلهى، يعوقها عن تلقى الإلهام وعن لذَّة الاتصال، ولذلك يلجأ أرباب المقامات والعارفون إلى الصوم، كلما أحسوا بُعْداً عن الذات الإلهية، وانزعج خاطرهم شوقاً إلى القرب منها.
"وفى الصبر على الحرمان من اللَّذات التى تنازع إليها النفس، وتقتضيها الطبيعة، تربية للإرادة، وتقوية على المضى فى العزم، وعدم نقض العقد والعهد إذا وسوس الشيطان وزيَّن للنفس الخروج عن العهود، لما فيها من المشقات، وفى تقوية الإرادة على هذا النحو إعداد لتلقى التكاليف الإلهية بالقبول والطمأنينة، وتثبيت لمَلَكة المراقبة والخوف من الله، وتقوية لخُلُق الحياة، وفى هذا كل الخير، وبه تتحقق تقوى الله، وتستعد النفس للسخاء، والبذل والتضحية، إذ دعا الداعى، وحان وقت الفصل بين شجعان الرجال وجبنائهم، وبين كرامهم وأنذالهم.
"وليس يخفى أن كل شىء فى هذه الحياة ممكن. الفقر بعد الغنى، والمرض بعد الصحة، والذلة بعد العز، والنزوح عن الأوطان بعد الطمأنينة فيها، وتغلب الأعداء بعد الغلب عليهم وقهرهم ... وما إلى ذلك ما هو بسبيل أن يعرض للإنسان. وعروض هذه الأشياء على نفس مدللة، وجسم مترف، ينام بقدر، ويأكل بقدر، ويمرح فى اللَّذات بين الأهل والعشيرة، قد يصدمه صدمة لا يقوى على احتمالها، أو يسوق إليه الجزع ويورثه اليأس.
لذلك كله اقتضت حكمة الحكيم العليم، أن يجعل من العبادات ما يروض
стр. 764
الأجسام ويهذب الأخلاق، ويطهر الأرواح ويزكيها.. وكان من هذه العبادات الصوم.
"وكما عَنِى الإسلام بتزكية الأرواح وتهذيب الأخلاق، فقد عَنِى بتربية الأجسام، وحرَّم كل ما هو ضار بها، وأباح الطيبات وكل ما هو نافع ومفيد، ذلك أن الإسلام يريد رجلاً عاملاً فى الحياة، مهذب الأخلاق، طاهر الأعراق، قوياً لا يهاب الموت، يدفع عن الدين ويدافع عن الوطن، ويذود عن العشيرة، ويريد رجلاً رحيماً حسن المعاشرة، سلس القياد لأهله، وعشريته، وبنى وطنه، يريد رجلاً لا تلهيه الدنيا عن الاتصال بالخالق وأداء حقوقه ... " إلخ.
* *
* معالجته للمشاكل الاجتماعية:
كذلك نجد الشيخ المراغى ﵀ يعرض لمشاكل المجتمع وأسباب الانحطاط فى دول الإسلام، فيعالج كل ذلك بما يفيضه الله على قلبه وعقله ولسانه، من هداية القرآن وإرشاده.
ولقد كان الأستاذ ﵀ بصيراً بمواطن الداء، وأسباب الشفاء، فكان يهدف فى دروسه إلى علاجها واستئصالها، وكان كثيراً ما يوجه الخطاب إلى أرباب الحل والعقد فى الدولة - وهم غالبية المستمعين له - ويُلفت أنظارهم إلى ما فى أعناقهم من أمانات، وما عليهم من تبعات، ثم يأخذ بيدهم إلى حيث يكون صلاحهم، وصلاح مَن تحت إمرتهم ورعايتهم ... يدفعه فى هذا كله إخلاصه لربه، ولوطنه، ولأُمته.
فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٣] من سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ ... . الآية، نجده يقول: " ... والحكمة فى هذه الشرائع الإلهية: أن الإنسان إذا تُرك إلى مداركه الحسية ونظرياته العقلية، ضلَّ وكره الحياة، وكان أشقى من أنواع الحيوان، وشقاؤه يكون من ناحية العقل نفسه، فقد دلَّت التجارب على أن العقل غير المؤيَد بالشرع الإلهى يذهب مذاهب شتَّى، منها الصواب ومنها الضلال، وهو فيما عدا المحسَّات والماديات ضلاله أكثر من صوابه. وهذه آراء العلماء فى الفلسفة والأخلاق، يشبه بعضها هذيان المحموم، وبعضها لا يُدرَك له محصل على كثرة ما يقولون من مقدمات وبراهين. وهذه مذاهب الاجتماع قديمها وحديثها، لم تسعد الأُمم بها، فلا بد من هداية تصدر عن المعصوم يحملها من عند الله العلى الحكيم. وقد دلَّت التجارب أيضاً على أن الأُمم التى عملت بالهدى كله أو بعضه سعدت بمقدار ذلك الهدى الذى عملت به.
"وأما أنه لولا الدين لما احتمل الإنسان هذه الحياة، فإنها على قصرها مملوءة
стр. 765
بالمصائب والويلات، فمن فقر مدقع، إلى مرض مزمن، ومن فقد الأهل والعشيرة، إلى فقد العزة والجاه، ومن شرف رفيع، إلى ذلة ومهانة.. واحتمال هذا كله إذا لم يكن أمام الإنسان أمل ينتظره، وحياة دائمة فيها سعادة دائمة ليس فى طاقة الإنسان، فالاعتقاد بالآخرة يرفه العيش، ويجعل المؤمن فى سعادة نفسية، ويقويه على احتمال الصعاب، وعلى الصبر على معاشرة الناس، فلا بد من نظام يُعتقد فيه العصمة من الخطأ، ويُهدر معه حكم العقل إذا حصل تعارض بينهما، فإن دائرة العقل محدودة، وهى قاصرة عن إدراك خفايا المستقبل.
"وإذا قيل: إن التدين مُقيِّد للحرية، ومانع من التمتع باللَّذات، فكيف تكون فيه السلوى والعزاء؟ فالجواب: أن الإسلام أباح الطيبات وحرَّم الخبائث، ولم يحظر من اللَّذات إلا ما يضر الإنسان، وليست السعادة فى حرية البهائم، بل فى حرية يسبح بها فيما فيه خيره وسعادته، ويحظر عليه فيها ما فيه ضرره وشقاؤه، وقوام آداب الأُمم وفضائلها، التى قامت عليها صروح المدنية الحقة مستند إلى الدين، وبعض العلماء يحاول تحويلها عن أساس الدين، وبناءها على أساس العقل والعلم، غير أنه لا شبهة فى أن الأُمم التى تروم هذا التحول تقع فى اضطراب وفوضى لا تعلم عاقبتهما، وليس من الميسور أن تُبنى للعامة قواعد الفضيلة على أساس علم الأخلاق، أو أية قاعدة علمية أخرى، ولكن من الميسور دئماً أن تُبنى قواعد الفضيلة على أساس العصمة للدين، فالذى يحاول العلماء: وهم وخيال".
ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٨٥] من سورة البقرة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهدى والفرقان﴾ .. نجده بعد أن يشرح الآية، ويذكر ما فى القرآن من هداية يقول: "هذا هو القرآن الذى سعد به المسلمون بحياة روحية هى المثال الأعلى للنفس الإنسانية، وبحياة جثمانية طاهرة بريئة، وبحياة علمية لا يزال ما بقى من نورها يستمتع به الناس، وهو موضع للعجب، ومثار للإكبار والإجلال.
"سعدوا به حقبة، ثم انحرفوا عنه فعاقبهم الله بما هم فيه من ذل وهوان، حتى أصبحوا يخافون تخطف الناس لهم، وصاروا فى حاجة إلى غيرهم فى كل مرافق الحياة، ووصل بهم الجهل إلى حد أن ظنوا أن كل ما عند غيرهم خير يُجلب، وكل ما عندهم شر يُنبذ، وأنه لا حياة لهم إلا بالقدوة.. القدوة حتى فيما علم غيرهم شره وفساده، وحاولوا نبذه وطرحه، وقد أصبح المسلمون مُثلاً سيئة للإسلام، يحتج بهم عليه والدين منهم برىء.
"الدين يطلب رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم مَن قضى نحبه ومنهم مَن
стр. 766
ينتظر، رجالاً باعوا أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنَّة، رجالاً خلقاء بأن يكونوا خلفاء عن الله فى الأرض، يعلمون سرها، ويُسخِّرونه للخير ودفع الأذى، يدفعون عوادى الزمان بمناكبهم كأنهم بنيان مرصوص، يعرفون للكرامة قدرها، وللعزة موضعها، ويميزون بين الأعداء والأصدقاء، ويعلمون أن متاع الحياة الدنيا قليل، وأن الآخرة خير وأبقى".
وعندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٢٥] من سورة الحديد: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ... . الآية.
وجدناه يقول بعد ما شرح الآية: "ذكر الله - سبحانه - الكتاب والميزان والحديد وقرنها بعضها ببعض، فالكتاب: إشارة إلى الأحكام المقتضية للعدل والإنصاف. والميزان: إشارة إلى سلوك الناس على وفق هذه الأحكام. والحديد: إشارة إلى ما يحملهم على اتباع هذه الأحكام إذا تمردوا، والله سبحانه - وهو العليم الحكيم - لا يضع للخلق من القوانين إلا ما فيه مصلحتهم، وخيار الخلق تكفيهم تلاوة الكتاب وعلمه لاتباع ما فيه، وغيرهم لا بد له من وازع، وهو سلطان الحاكم المشار إليه بالحديد، ولذلك وُجِدت التعاذير فى الإسلام، ووُجِدت الحدود. أما ترك الناس أحراراً من غير وازع. فهو ضار بالمجتمع الإنسانى، وموجب للتراخى فى إقامة العدل واتباع القانون، جُرِّب هذا فى العصور المختلفة، وقامت الشواهد الناطقة فى العصر الحديث عليه. وعُلِم أن الأُمم التى لم تحط أخلاقها بوازع، انحدرت إلى الدرك الأسفل وأضلتها الشهوات وقد كانت دُرَّة "عُمَر" سلكاً قوياً للنظام الإسلامى فلما رُفِعَت ضعف ذلك الرباط".
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦] من سورة لقمان: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ... . الآية، نجده يقول: ".. من الناس فريق مؤمن بالقرآن إجمالاً وبرسالة محمد، ويعظمها ويجلهما فإذا قلت له: لِمَ لا تقطع يد السارق؟ وتحد القاذف؟ ولِمَ لا تُحَكِّم القرآن فى الحياة ونحن مؤمنون به؟ هزَّ كتفيه وابتسم، أو زاد: إنها رجعية لا يحتملها تمدين العصر الحديث!!.. أليس هذا استهزاءً بالآيات. واشتراءً للباطل؟ وضلالاً عن سبيل الله؟
"هناك مُقلِّدين للمذاهب فى العقائد والأحكام، إذا عُرِضت عليهم الآيات الدالة على فساد مذاهبهم، وَلَّوا عنها وإن كانوا لا يسخرون بها، بل يسخرون بمن يعرضها، أليس هذا شراء للباطل وبيعاً للحق بغير علم؟
стр. 767
"هناك مذاهب ابتُدعت فى الدين للضلال والإضلال بسبب السياسة، وفسر مبتدعوها الآيات فى التأويل ليردوها إلى مذاهبهم المبتدعة وجاء أتباعهم فقلدوهم.
"أما المبتدعون فأمرهم واضح.. اشتروا الضلالة بالهُدى.
"وأما الأتباع فكان عليهم أن ينظروا فى الآيات ويتدبروها عملاً بقوله سبحانه: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] ، فهم أيضاً اشتروا الضلالة بالهُدى ولهم بعض العذر".
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦] من سورة الحجرات: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ ... . الآية، نجده يقول: ".. وللتثبت فى الأخبار فضيلة ليست كثيرة عند الناس، وأكثر الناس يقعون فى تصديق الأخبار من حيث لا يشعرون، ولبعض مهرة الكاذبين حيل تخفى على أشد الناس تثبتاً من الأخبار.
"وكثيراً ما يقع عدم التثبت من العظماء الذين يملكون النفع والضرر يجيئهم ذلك من ناحية استبعاد أن يكذب بطانتهم عليهم وهو مدخل للخطر عظيم.
"والذين هم فى أشد الحاجة إلى العمل بهذه الآية هم الذين بيدهم مقاليد الأُمور؟ وبيدهم الضر والنفع. أما الذين لا يملكون ضراً ولا نفعاً فحاجتهم إليها أقل من حاجة هؤلاء.
"والآية - على العموم - أدب عظيم لا بد منه لتكميل النفس، وإعدادها لتعرف الحق والبُعْد عن مواطن الباطل".
* *
* توفيقه بين القرآن والعلم الحديث:
هذا.. وإن الأستاذ المراغى ﵀ كان مع اعتقاده أن القرآن قد أتى بأُصول عامة، لكل ما يهم الإنسان معرفته والعلم به، يكره أن يسلك المفسِّر للقرآن مسلك مَن يجر الآية القرآنية إلى العلوم، أو العلوم إلى الآية، كى يُفسِّرها تفسيراً علمياً يتفق مع نظريات العلم الحديث.
نعم.. كره الشيخ هذا المسلك فى التفسير، وجهر بخطأ أصحابه المولعين به، وكرر هذا فى مواضع كثيرة، فكان مما قاله فى بعض المواضع من دروسه فى التفسير: "وُجِد الخلاف بين المسلمين فى العقائد والأحكام الفقهية. ووُجِد عندهم مرض آخر هو الغرور بالفلسفة وتأويل القرآن ليُرجع إليهم، وتأويله لبعض النظريات العلمية التى لم يقر قرارها، وذلك خطر عظيم على الكتاب، فإن للفلاسفة أوهاماً لا تزيد على هذيان المصاب بالحمى، والنظريات التى لم تستقر لا يصح أن يُرَد إليها كتاب الله".
ولكن الأستاذ المراغى مع هذا كله كان يرى أن يكون مفسِّر كتاب الله على شئ من
стр. 768
العلم ببعض نظريات العلم الحديث، ليستطيع أن يأخذ منها دليلاً على قدرة الله، ويستلهم منها مكان العبرة والعظة.
كان الشيخ يرى هذا، ويعتقد أنه هو المسلك السليم لفهم القرآن الكريم، فجهر به فى أحد دروسه فى التفسير فقال: "ليس من غرض مفسِّر كتاب الله أن يشرح عالَم السموات، ومادته وأبعاده، وأقداره، وأوزانه، لكنه يجب أن يلم بطرف يسير منه، ليدل به على القدرة الإلهية ويشير إليه للعظة والاعتبار".
ثم وجدنا الأستاذ المراغى بعد هذا يشرح قوله تعالى فى الآية [١٠] من سورة لقمان: ﴿خَلَقَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ شرحاً يقوم على هذا المبدأ الذى ارتضاه فقال: ﴿خَلَقَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ السموات مجموع ما نراه فى الفضاء فوقنا من سيّارات، ونجوم وسدائم وهى مرتبة بعضها فوق بعض تطوف دائرة فى الفضاء، كل شىء منها فى مكانه المقدّر له بالناموس الإلهى ونظام الجاذبية، ولا يمكن أن يكون لها عَمَد، والله هو ممسكها ومجريها إلى الأجل المقدَّر لها.. فإذا قيل: إن نظام الجاذبية وهو الناموس الإلهى قائم مقام العَمَد ويُطلق عليه اسم العَمَد جاز أن نقول: إن لها عَمَداً غير منظورة، وإذا لاحظنا أنه لا يوجد شىء مادى تعتمد عليه، وجب أن نقول: إنه لا عَمَد لها، وأقدار الأجرام السماوية وأوزانها أقدار وأوزان لا عهد لأهل الأرض بها، والأرض نفسها إذا قيست بهذه الأجرام ليست إلا هباءة دقيقة فى الفضاء".
ثم قال: "قرر الكتاب الكريم أن الأرض كانت جزءاً من السموات وانفصلت عنها، وقرر الكتاب الكريم أن الله ﴿استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] ، وهذا الذى قرره الكتاب الكريم هو الذى دل عليه العلَم وقد قال العلماء: إن حادثاً كونياً جذب قطعة من الشمس وفصلها عنها، وإن هذه القطعة بعد أن مرت عليها أطواراً تكسرت وصارت قطعاً، كل قطعة منها صارت سيَّاراً من السيَّارات، وهذه السيَّارات طافت حول الشمس وبقيت فى قبضة جذبتها، والأرض واحدة من هذه السيَّارات فهى بنت الشمس، والشمس هى المركز لكل هذه السيَّارات.. فليست الأرض هى مركز العالَم كما ظنه الأقدمون، بل الشمس هى مركز هذه المجموعة، والشمس وتوابعها قوى صغيرة فى العالَم السماوى، وأين هى من الشِعْرَى اليمانية التى قال الله سبحانه فيها: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشعرى﴾ [النجم: ٤٩] ، فهذا النجم قدرته على إشعاع الضوء تساوى قوة الشمس (٢٦) مرة، وقدرته على إشعاع الحرارة مثل قدرته على إشعاع الضوء، فلو فُرض أن الشِّعْرَى اليمانية حلَّت محل الشمس يوماً من الأيام، لانتهت الحياة فجأة، بغليان الأنهار، والمحيطات والقارات الجليدية التى حول القطبين،
стр. 769
وضوء الشِّعْرَى اليمانية يصل إلينا بعد ثمان سنوات، وضوء الشمس يصل إلينا بعد ثمان دقائق، فانظر إلى هذا البُعْد السحيق.
"وليست الشِّعْرَى اليمانية أكبر نجم فى السماء، فهناك بعض النجوم قدرتها تزيد على قدرة الشِّعْرَى أكثر من عشرة آلاف مرة.
"وعظمة السماء ليست فى الشمس وتوابعها، كلا ... إن عظمتها فى مدنها النجومية، فى أقدارها، وأوزانها، وأضوائها، وأبعادها، على اختلاف أنواعها.
"وهناك نجم يسمى "الميرة" أكبر من شمسنا بما يزيد عن ثلاثين مليوناً من المرات، وهناك السدائم، وهى قريبة من الخلق أول الأمر، ثم يقف علم الإنسان، والله تعالى وحده يعلم خلقه: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ . [الكهف: ٥١] .
﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١] : أى خلق الجبال فى الأرض لئلا تميد الأرض وتضطرب، ولبيان هذا يمكن أن نقول باختصار: إن الأرض بعد انفصالها عن الشمس، وعكوفها على الدوران حولها على بُعْدٍ منها، وصلت بعض موادها إلى حالة السيولة بعد أن كانت مواد ملتهبة كالشمس، وتكوَّنت عليها قشرة صلبة بعد تتابع انخفاض الحرارة أحاطت بما فى جوفها من المواد المنصهرة، ثم تتابعت البرودة على القشرة فتجعدت، وحدث من التجعد نتوءات وأغوار، فالجبال الأولى نتوء القشرة الصلبة التى غلَّفت الأرض، وهناك جبال جدَّت عن اشتداد الضغط فى الرواسب التى فى قاع البحر، وجبال نارية جدَّت من خروج الحمم النارية من وسط الأرض وتداخلها فى الطبقات. حتى صارت كأوتاد مغروزة فيها.
"والجبال كلها تتحمل الضغوط الرسوبية على جدرانها، وتوزعها، وتغير اتجاهها، وتكسر حدتها، وتساعد بذلك على بقاء الطبقة المفككة الصالحة للإنبات، والتى يتغذى بواسطتها الحيوان والإنسان، وتحفظها من أن تمور.
"فالجبال أولاً حبست النار فى جوف الأرض، وصيَّرت الأرض بعد ذلك صالحة للحياة، والجبال توزع ضغوط الطبقات، ثم بعد ذلك تكسر حدة العواصف والرياح، فهى حافظة للأرض من الميدان الذى يجىء بأسباب من داخل الأرض، والذى يجىء بسبب العواصف والرياح" ... وهكذا مشى الشيخ إلى آخر الآية.
* *
* حرية الرأى فى تفسيره:
ثم إن الشيخ المراغى ﵀ كان كغيره من رجال هذه المدرسة لا يتقيد بأقوال الأئمة، ولا يقف عند مذهب مخصوص، ولا يقول برأى معين إلا إذا اقتنع به، وإلا فلا عليه أن يتركه إلى ما هو صواب فى نظره.
стр. 770
فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٨٤] من سورة البقرة: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ .. نجده يقول بعد أن يذكر خلاف علماء الفقه فى السفر المبيح للفطر: "وقد روى أحمد ومسلم وأبو داود عن أنس: أن رسول الله ﷺ كان يقصر الصلاة مسيرة ثلاثة أميال. ورُوى عن ابن أبى شيبة بإسناد صحيح أنه كان يقصر فى الميل الواحد، وإذا نظرنا إلى أن نص القرآن مطلق، وأن كل ما رواه فى التخصيص أخبار أحاد، وأنهم لم يتفقوا فى التخصيص، جاز لنا أن نقول: إن السفر مطلقاً مبيح للفطر، وهذا رأى أبى داود وغيره من الأئمة".
ومثلاً عندما تعرّض لقوله تعالى فى الآية [٢٧] من سورة لقمان: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله﴾ ... الآية، نجده بعد أن يبين أن عدد السبعة فى الآية مراد به الكثرة يقول: "وعلى هذا يمكن أن يقال فى أبواب النار، أما الأبواب الثمانية للجنة، فقد أريد بالزيادة فيها على النار أن يدل على أن مسالكها أكثر من مسالك النار، لراحة أهلها، وزيادة العناية بهم.
"وكذلك يقال فى السموات السبع، والأرضين السبع، والعرب تذكر السبعة للكثرة، وتذكر السبعين للكثرة كذلك، ومنه: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] ، ومن المعلوم أن الله لا يغفر لهم فى السبعين، ولا فى السبعة الآلاف، ونظيره: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] يُراد فى سلسلة طويلة هائلة، ولا يُراد التقدير بهذا العدد".
والواقع أن هناك فرقاً بين ما ورد من نحو قوله: ﴿استغفر لَهُمْ﴾ ... إلخ، وقوله: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ ، وبين ما ورد فى عدة أبواب الجنَّة والنار، وعدة السموات والأرض، فإن الأول ذُكِر فى مقام التهويل، فلا يُراد التحديد وإنما يُراد الكثرة، بخلاف الثانى فإنه ليس كذلك.
ومثلاً نجد الأستاذ المراغى فى دروسه الأخيرة عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٥] من سورة الملك: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ﴾ ... الآية، يشرح كون النجوم رجوماً للشياطين بما معناه: "أن ما فى السماء من النجوم دلائل قاطعة على تمام قدرة الله تعالى، فالله زيَّن السماء الدنيا بهذه الكواكب، وجعلها على هيئات مخصوصة ونظام مُحكم، لتكون
стр. 771
حُججاً دامغة، وأدلة قوية على مَن يجحدون قدرة الله وينكرون وجوده". سمعناه يقول ما هذا معناه، ثم يستدل على ما ذهب إليه بأنهم يقولون: "ألقمته حجراً" يعنى أقمت عليه الحُجَّة فلم يحر جواباً، ثم يستشعر الشيخ بعد ذلك أن فى القرآن آيات كثيرة تصادم هذا الفهم، كقوله تعالى فى الآيات [٦-١٠] من سورة الصافات: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِزِينَةٍ الكواكب * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إلى الملإ الأعلى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ * إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ ، وكقوله فى الآيتين [٨-٩] من سورة الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾ .. يستشعر الشيخ مصادمة هذه الآيات لرأيه فيقول ما معناه: "وهناك آيات أخرى فى هذا المقام، تبدو مخالفة لهذا المعنى، ولكن يمكن حملها عليه، وليس فى الوقت متسع لذلك، وسنعرض لها فى موضع غير هذا".
ولست أدرى كيف كان يستطيع الشيخ ﵀ أن يحمل كل الآيات الواردة فى هذا الموضوع على المعنى الذى قاله حملاً صحيحاً، وهى كما ترى صريحة فى أن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء ويسترقون السمع، ثم مُنِعوا من ذلك عند رسالة محمد ﷺ ، فمَن حاول منهم استراق السمع - كما كانوا يفعلون من قبل - رُمِى بشهاب من السماء فحال بينه وبين ما يريد.
وخاتمة المطاف فى هذه الدروس التى ألقاها الأستاذ الأكبر فى التفسير: أنه كان منها - كما قيل - أمران عظيمان لهما خطرهما فى الحياة الدينية: كانت عاملاً قوياً فى توجيه المسلمين ونشئهم الطيب الطاهر إلى الجانب الدينى، ولفت أنظارهم إلى ما فى كتاب الله من تشريع حكيم، وأدب جم كريم، وإشاد قَيِّم مفيد، فحببَتْ إليهم الدين، وزيَّنته فى قلوبهم، وهرعوا إليه يتعرفون حكمه وأحكامه، ويتلمسون بها حياة طيبة ونهضة قوية، أساسها الدين والخُلُق الكريم.
وكانت هذه الدروس أيضاً: منار هدى وإرشاد، يلقى أشعته الوضَّاءة على عقول المشتغلين بتفسير القرآن، فيضىء لهم الطريق الذى ينبغى أن يسلكوه فى فهم كتاب الله، واستخلاص آدابه وأحكامه، خالصة مما جاورها من إسرائيليات وتأويلات أبعدت أهل الدين عن الدين، وشغلتهم فى تفسير القرآن لما لا يَمُت إلى روحه ومعناه،
стр. 772
وكذلك صوَّرت الدين لغير أهله الذين يتحسسون له عيباً صورة لا تتفق وما له من جلال وجمال.
هذا.. وإنَّا لنرجو للشيخ المراغى عند ربه ما كان يرجوه هو لنفسه من وراء مجهوده فى التفسير وهو:
أن يضعه الله سبحانه فى كفَّة الحسنات من ميزان أعماله، وأن يجعله ضياءً ونوراً يسعى بين يديه: ﴿يَوْمَ تَرَى المؤمنين والمؤمنات يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ . [الحديد: ١٢] .
* * *
стр. 773
رجاء واعتذار
وبعد ... فهذا ما يسَّره الله لى وأعاننى عليه، ولَعلِّى أكون وقد طوَّفتُ بالقارئ الكريم فى نواح شتَّى من مناهج التفسير، وأخذتُ بيده إلى حيث أطلعته على ألوان مختلفة منه، من مبدأ نزول القرآن إلى عصرنا هذا، وكشفتُ له عن طرائق القوم فى فهمهم لنصوص كتاب الله، وأريته كيف حاول كل ذى نِحْلة أن يقيم نِحْلته على أساس من القرآن. وكيف تحايل على فهم آياته، وتصرَّف فى تأويل عباراته، كل مَن حاول أن يجعل القرآن شاهداً له، ودليلاً على ما يهدف إليه، من حق تبلج، أو باطل تلجلج ... لَعلِّى بعد هذا كله أكون قد أرضيتُ عُشَّاق التفسير خاصة، وأهل العلم عامة، وحققتُ رغبة طالماً ترددت فى صدورهم، وقضيتُ حاجة كثيراً ما تطلعت لها نفوسهم، واشرأبت إليها أعناقهم.
ولَعلِّى بعد ذلك أن لا أكون قد أسأمت القارئ الكريم، من طول دعتنى إليه ضرورة البحث، ودفعتنى إليه رغبة الأستيفاء والاستقصاء.
واعتقادى - رغم هذا الطول - أن فى هذا البحث تركيزاً كبيراً، واختصاراً كثيراً، إذ أن كل موضوع من موضوعات هذا الكتاب يصلح لأن يكون كتاباً وحده، وكتاباً موسعاً مُسهباً.
وأرجو أن يهىء الله لى رُشداً من أمرى، ومتسعاً من وقتى، لأجعل من هذا الكتاب كتباً متعددة، فيها إسهاب أوسع من هذا الإسهاب، واستيفاء أشمل من هذا الاستيفاء.
وحسبى بهذا العمل الذى يُعتبر باكورة عملى فى التأليف أن أكون قدَّمت إلى المكتبة الإسلامية بحثاً فيه جدة وطرافة، وفيه متعة علمية، ولذَّة روحية، تستهوى القارئ، وتستحوذ على مشاعره وحسه.
حسبى هذا، وحسبى أن أكون قد أرضيتُ رغبتى العلمية، التى لم آل فى إرضائها جهداً، ولم أدخر فى إشباعها وسعاً، فإن رَضِىَ الناس بعد ذلك، فذلك من فضل الله، وإن كانت الأخرى، فذلك هو جَهْدُ المُقِل، وطاقة الناشىء، الذى لا يزال يرقب من وراء الغيب أملاً فسيحاً، وكمالاً صريحاً.
هذا.. ولا يفوتنى أن أعتذر إلى القارئ الكريم عما قد يكون فى هذا الكتاب من أخطاء هينة لا تخفى على فطانته، ولا تدق عن إدراكه، فإنْ مرَّ بها فرجائى إليه أن يتلمس لها عذراً، وأن يصححها مشكوراً، وتلك شيمة الكرام أهل الخُلُق الطاهر والأدب الحميد، وأن لا يكون ممن قال فيهم الشاعر:
стр. 774
فإن رأوا زلَّة طاروا بها فرحاً ... عنى وما وجدوا من صالح دفنوا
والله أسأل أن يجعل عملى هذا خالصاً لوجهه، وأن ينفع به أُناساً أخلصوا قلوبهم لله، وأن ينفعنى به فى دنياى وآخرتى، وأن يحقق لى به ما تصبو إليه نفسى، وتسمو إليه همتى ... والحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.