← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12393

التفسير والمفسرون

محمد حسين الذهبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآيتين [٥، ٦] من سورة طه: ﴿الرحمان عَلَى العرش استوى * لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثرى﴾ .. نجده يقول: ".. قوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ دخل فى ذلك عوالم السحاب والكهرباء وجميع العالم المسمى "الآثار العلوية" وهو من علوم الطبيعة قديماً وحديثاً، وقوله: ﴿وَمَا تَحْتَ الثرى﴾ يشير لعلمين لم يُعرفا إلا فى زماننا، وهما علم طبقات الأرض، المتقدم مراراً فى هذا التفسير، وعلم الآثار، المتقدم بعضه فى سورة يونس.. فالله هنا يقول: ﴿وَمَا تَحْتَ الثرى﴾ ليحرص المسلمون على دراسة علوم المصريين التى تظهر الآن تحت الثرى". ومثلاً عند قوله تعالى فى الآية [٣٠] من سورة الأنبياء: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا رَتْقاً﴾ ... . الآية، يقول: "ها أنت قد اطلعت على ما أبرزه القرآن قبل مئات السنين، من أن السموات والأرض - أي الشمس والكواكب وما هى فيه من العوالم - كانت ملتحمة ففصلها الله تعالى، وقلنا: إن هذه معجزة، لأن هذا العلم لم يعرفه الناس إلا فى هذه العصور، ألا ترى أن كثيراً من المفسِّرين قالوا: إن الكفار فى ذلك الوقت ليس لديهم هذا العلم. فكان جوابهم على ذلك أنهم أخبروا به فى نفس هذه الآية، فكأن الآية تستدل عليهم بنفس ما نزلت به، وذلك أن هذه الأمور لم تُخلق. وقد أخذ العلماء يُؤوِّلون تأويلات شتَّى لفرط ذكائهم وحرصهم ﵏، وها نحن أُولاء نجد هذه العلوم المكنونة المخزونة قد أبرزها الله على أيدى الفرنجة، كما نطق القرآن هنا، كأنه يقول: سيرى الذين كفروا أن السموات والأرض كانت مرتوقة ففصلنا بينهما، فهو وإن ذكرها بلفظ الماضى فقد قصد منه المستقبل كقوله تعالى: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ .. وهذه معجزة تامة للقرآن، وعجيبة من أعجب ما يسمعه الناس فى هذه الحياة الدنيا".. ومثلاً عند قوله تعالى فى الآية [١٥] من سورة الرحمن: ﴿وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ .. نجده يقول: "والمارج المختلط بعضه ببعض، فيكون اللَّهب الأحمر والأصفر والأخضر مختلطات، وكما أن الإنسان من عناصر مختلفات هكذا الجان من أنواع من اللَّهب مختلطات، ولقد ظهر فى الكشف الحديث أن الضوء مركّب من ألوان سبعة غير ما لم يعلموه. فلفظ المارج يشير إلى تركيب الأضواء من ألوانها السبعة، وإلى أن اللهب مضطرب دائماً، وإنما خُلِق الجن من ذلك المارج المضطرب، إشارة إلى أن نفوس الجان لا تزال فى حاجة إلى التهذيب والتكميل. تأمل فى مقال علماء الأرواح الذين

стр. 702

استحضروها إذ أفادتهم أن الروح الكاملة تكون عند استحضارها ساكنة هادئة، أما الروح الناقصة فإنها تكون قلقة مضطربة". وعند قوله تعالى فى الآية [٣٥] من السورة نفسها: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ .. يقول: "إنه عبَّر هنا بـ ﴿شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ وفيما تقدم بقوله: ﴿مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ ، والشواظ والمارج كلاهما اللَّهب الخالص، فلماذا جعل الجان مخلوقاً من مارج ولم يقل من شواظ؟ فاعلم أن المارج فيه معنى الاضطراب كما تقدم. وقد أنبت ذلك هناك، وهذا الاضطراب يفيد اضطراب الروح كما تقدم فى علم الأرواح، وأيضاً اختلاط الألوان الآن معروف فى التحليل فهو من هذا القبيل.. وهذه الفكرة لم تُعرف قط إلا فى زماننا هذا، فإن تحليل الضوء والعلم بأنه مختلط، والاطلاع على عالم الأرواح الناقصة وأنها مضطربة، لم يكن إلا فى زماننا، وهذا من أعاجيب القرآن التى لا تُدرك إلا بقراءة العلوم، وليس يعقلها الناس بفن البلاغة المعروف، فلا أصحاب المعلقات يدركونها، ولا الذين بعدهم يعلمونها، فهل لمثل امرىء القيس، أو لأبى العلاء، أو المتنبى أن يتناولوا هذه المعانى فى أقوالهم؟ كلا.. فهذه البلاغة لا تخطر ببالهم، وأنَّى لهم علم الروح حتى يخصصوها بلفظ مارج؟ وعند إنزال العذاب يذكرون الشواظ". ومثلاً فى سورة الزلزلة نجده يُفسِّرها تفسيراً لفظياً مختصراً، ثم يذكر ما فيها من لطائف، مستعرضاً ما وقع من حوادث الزلزال فى إيطاليا، وما وصل إليه العلم الحديث من استخراج الفحم والبترول من الأرض، وما كثر فى هذا الزمان من استخراج الدفائن من الأرض، مثل ما كُشِف فى مصر من آثار قدمائها، ثم يقول - بعد ما يفيض فى هذا وغيره: "ألست ترى أن هذه السورة - وإن كانت واردة لأحوال الآخرة - تشير من طرف خفى إلى ما ذكرنا فى الدنيا؟ فالأرض الآن كأنها فى حالة زلزلة، وقد أخرجت أثقالها، كنوزها وموتاها وغيرها، والناس الآن يتساءلون، وها هم أُولاء يُلهمون الاختراع، وها هم أُولاء مقبلون على زمان تنسيق الأعمال بحيث تكون كل أمة فى عمل يناسبها، وكل إنسان فى عمله الخاص به وينتفع به". ومثلاً نجده بعد أن يفرغ من تفسير سورة الكوثر، وسورة الكافرون، وسورة النصر، يذكر لنا بحثاً مستفيضاً عنوانه: "تطبيق عام على سورة الكوثر والنصر وما بينهما" وفيه نجده يتأثر بنزعته التفسيرية العلمية إلى درجة جعلته يُحَمِّل نصوص الشارع من

стр. 703

المعانى الرمزية ما يُستبعد أن يكون مراداً لها. وذلك أنه يقرر أولاً أن هذه السور لم تكن خاصة بزمان النبوة، ولا بفتح مكة ونصر جيشها، لأن هذه الأمة كانت عند نزول هذه السور فى أول عمرها، وسيطول إن شاء الله، وكم سيكون لها من فتوح وانتصارات. ثم قال: "وإذا كان الأمر كما وصفنا ونحن أبناء العرب، وورثة النبى الذى جاء منا ﷺ ، ولغتنا فى مصر، والشام، والعراق، وشمال إفريقيا، هى لغة القرآن فلنبين للناس بعدنا سر هذه السور، فقد كان العلماء قبلنا يكتمونها، خوفاً من أهل زمانهم، ولكنَّا الآن يجب علينا إبرازه وإظهاره، لتأخذ هذه الأمة بعدنا حظها من الحياة، وقسطها من الإصلاح". ثم أخذ يُبيِّن لنا الكوثر، وأوصاف كيزانه، وطيره، وأوصاف مَن سيرد عليه من المسلمين، بما جاء فى الأحاديث عن رسول الله ﷺ .. ثم قال - بعد هذا كله: "اعلم أن هذه الأحاديث وردت لغاية أرقى مما يراها الذين لا يفكرون، كم أُمم جاءت قبلنا وجاء فيهم مصلحون، فماذا فعلوا؟ ألقوا إليهم العلم بهيئة جميلة، وصورة مفرحة، وبهجة وجمال. ولا نزال نرى كل أمة حاضرة كفائتة. جميعهم يصيغون ما يريدون من الجمال، والحكمة، والعلم، ورقى الأُمة بهيئة تسر الجمهور". ثم يقول: "الجاهل يسمع الدُّر والياقوت، وشراباً أحلى من العسل، فيفرح ويعبد الله ليصل إلى هذه اللَّذت التى تقر بها عينه.. والعالم ينظر فيقول: إن هذا القول وراءه حكمة ووراءه علم، لأنى أرى فى خلال القول عجائب. فلماذا يذكر أن الكيزان أو الأباريق أو نحو ذلك عدد نجوم السماء! وأى دخل لنجوم السماء هنا؟ ولماذا عبَّر به"؟.. ثم يقول: "لماذا ذكر أن الذين يردون الحوض عليهم آثار الوضوء؟ ولِمَ؟ ... ولِمَ؟.. الحق أن نبينا محمداً ﷺ يريد أمرين: أمراً واضحاً جلياً يفرح به جميع الناس، وأمراً يختص بالقُوَّاد والعظماء. إن النبوة بأمر الله، والله جعل فى أهل الأرض فلاحين لا يعرفون إلا ظواهر الزرع، وجعل أطباء يستخرجون منافع من الحب والشجر، وحكماء يستخرجون علوماً، وكُلٌ لا يعرف إلا علمه، فالطبيب يشارك الفلاح فى أنه يأكل، ولكنه يمتاز عنه بإدراك المنافع الطبية. هكذا حكماء الأمة الإسلامية يشاركون الجهلاء فى أنهم يفهمون الحوض كما فهموه، ويردونه معهم كما يردونه، ولكن هؤلاء يمتازون بأنهم قُوَّاد الأُمة الذين يقودونها. فماذا يقولون؟ يقولون إن النبى ﷺ يريد معانى أرقى. إن الجنة فيها ما لا عَيْن رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر، فليس الماء الذى هو أحلى من العسل وأبيض من الثلج كل شئ هناك، ثم إن الجنة لا ظمأ فيها، وأى شىء عدد

стр. 704

نجوم السماء؟ ولماذا اختُصَّت النجوم بالعدد والوضوء بالأثر؟ والذى نقوله: إن الحوض يُرمز به للعلم مع بقائه على ظاهره، فلا المسك الإذفر، ولا أنواع الجواهر النفيسة من دُّرٍّ وياقوت، ولا حلاوة العسل الذى فى ذلك الماء، ولا اتساع الحوض إلا أفانين العلم ومناظر بدائعه المختلفة المناهج، العذبة المشارب، السارة للناظرين ... "، ثم يخلص من هذا كله إلى الاستدلال على أن ما ذهب إليه من قبيل الكناية التى هى لفظ أُطلق وأُريد به لازم معناه مع جواز إرادة المعنى الأصلى، ثم يقول - بعد بيان هذه الكناية: ".. هنا يكون النصر ولا يكون إلا بعد أن يتجافى الناس عن أفعال الملحدين والكافرين، وجعل العلوم مرتبطة بالربوبية كما تشير إليه سورة الكافرون. هنا يكون نصر الله والفتح، ويدخل الناس فى هذه العلوم الحقيقية أفواجاً. وعلى حكماء المسلمين الذين بعدنا متى نشروا هذه الآراء العلمية وأمثالها، ورأوا المسلمين تقدَّموا ونصروا العلم على الجهل فى العالَم الإنسانى، وأصبح المسلمون قائمين بما وعدهم ربهم من أنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم رحمة للعالمين، متى رأى العلماء ذلك فيعلموا أن هذا هو النصر فى زماننا، وهو الفتح، وإذن فعلى القائمين بذلك أن يحمدوا ربهم ويستغفروه".. إلخ. هذا هو تفسير الجواهر، وهذه نماذج منه وضعتها أمام القارئ، ليقف على مقدار تسلط هذه النزعة التفسيرية على قلم مؤلفه وقلبه. والكتاب - كما ترى - موسوعة علمية، ضربت فى كل فن من فنون العلم بسهم وافر، مما جعل هذا التفسير يُوصف بما وُصِف به تفسير الفخر الرازى، فقيل عنه: "فيه كل شىء إلا التفسير" بل هو أحق من تفسير الفخر بهذا الوصف وأولى به، وإذا دلَّ الكتاب على شىء، فهو أن المؤلف ﵀ كان كثيراً ما يسبح فى ملكوت السموات والأرض بفكره، ويطوف فى نواح شتَّى من العلم بعقله وقلبه، ليُجلى للناس آيات الله فى الآفاق وفى أنفسهم، ثم ليُظهر لهم بعد هذا كله أن القرآن قد جاء متضمناً لكل ما جاء ويجىء به الإنسان من علوم ونظريات، ولكل ما اشتمل عليه الكون من دلائل وأحداث، تحقيقاً لقول الله تعالى فى كتابه: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] .. ولكن هذا خروج بالقرآن عن قصده، وانحراف به عن هدفه، وقد عرفت رأينا في المسألة فلا نعيده. * * * إنكار بعض العلماء المعاصرين لهذا اللَّون من التفسير: لم يقف العلماء فى هذا العصر موقف الإجماع على قبول هذا اللَّون من التفسير،

стр. 705

بل نراهم مختلفين فى قبوله والقول به، كما كان الشأن بين مَن سبقهم من العلماء الأقدمين.. وإذا كنا قد وجدنا من العلماء المحدَثين مَن انحاز إلى هذه الفكرة فى التفسير وتأثر بها فى مؤلفاته، فإنَّا نجد بجوار هؤلاء أيضاً كثرة من العلماء لم ترض عن هذا اللَّون من التفسير، ولم تستسغ أن تشرح به كتاب الله تعالى، ولم تغمض عينها أو تمسك قلمها عن رد هذه الفكرة على أهلها وتناولهم إياها بالنقد والتفنيد. نجد هذه المعارضة فى كثير من المحاورات والاعتراضات التى وُجِّهَت إلى صاحب الجواهر، وذكرها لنا فى تفسيره. كما نجد بعض أساتذتنا المعاصرين ينعون على مَن يأخذ بهذه الفكرة ويقول بها، ومن بين هؤلاء أستاذنا الشيخ محمود شلتوت. فقد تناول هذا الموضوع بالبحث فى العدد (٤٠٧) ، (٤٠٨) من السنة التاسعة لمجلة الرسالة. - إبريل سنة ١٩٤١ - وفيه يرد على من يذهب إلى هذا اللَّون من التفسير بحجج قوية واضحة. وهذا هو الأستاذ الشيخ أمين الخولى يتناول هذا الموضوع فى كتابه "التفسير: معالم حياته. منهجه اليوم"، وفيه يرد على أنصار هذا المذهب فى التفسير بحجج قوية واضحة، استفدنا منها كثيراً فى تأييد ما اخترنا من المذهبين. وهذا هو المرحوم السيد محمد رشيد رضا. نجده فى مقدمة تفسيره ينعى على مَن تأثروا فى تفسيرهم بنزعاتهم العلمية، فشغلوا تفاسيرهم بمباحث النحو، والفقه، ونكت المعانى، والبيان، والإسرائيليات ... وغير ذلك، ويعد هذا صارفاً يصرف الناس عن القرآن وهَدْيه، ثم ينعى على الفخر الرازى ما أورده فى تفسيره من العلوم الحادثة فى المِلَّة، ويعد هذا صارفاً يصرف الإنسان عن القرآن وهَدْيه، كما يتوجه بمثل هذا اللوم على مَن قلَّد الفخر الرازى فى مسلكه من المعاصرين، وأظنه أراد صاحب الجواهر، وذلك حيث يقول: ".. وقد زاد الفخر الرازى صارفاً آخر عن القرآن، هو ما يورده فى تفسيره من العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها، وقلَّده بعض المعاصرين بإيراد مثل هذا من علوم هذا العصر وفنونه الكثيرة الواسعة، فهو يذكر فيما يسميه تفسير الآية فصولاً طويلة - بمناسبة كلمة مفردة كالسماء والأرض -، من علوم الفلك والنبات والحيوان، تصد قارئها عما أنزل الله لأجله القرآن". وأخيراً.. فهذا هو شيخنا العلامة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغى ﵀ رحمة واسعة - نجده فى تفريظه لكتاب "الإسلام والطب الحديث" لا يرضى عن هذا المسلك فى التفسير، رغم أنه مدح الكتاب وأشاد بمجهود مؤلفه،

стр. 706

وذلك حيث يقول: "لست أريد من هذا - يعنى ثناءه على الكتاب ومؤلفه - أن أقول: إن الكتاب الكريم اشتمل على جميع العلوم جملة وتفصيلاً بالأسلوب التعليمى المعروف، وإنما أريد أن أقول إنه أتى بأُصول عامة لكل ما يهم الإنسان معرفته به، ليبلغ درجة الكمال جسداً وروحاً، وترك الباب مفتوحاً لأهل الذِكر من المشتغلين بالعلوم المختلفة، ليبينوا للناس جزئياتها بقدر ما أُوتوا منها فى الزمان الذى هم عائشون فيه". وفى موضع آخر يقول: "يجب أن لا نجر الآية إلى العلوم كى نُفسِّرها، ولا العلوم إلى الآية، ولكن إن اتفق ظاهر الآية مع حقيقة علمية ثابتة فسرناها بها". ومن هذا كله يتبين أن التفسير العلمى فى العصر الحديث إن كان قد لقى قبولاً ورواجاً عند بعض العلماء، فإنه لم يلق مثل هذا القبول والرواج عند كثير منهم، وقد علمتَ فيما سبق أى الرأيين أقرب إلى الحق وأحرى بالقبول. اللون المذهبى للتفسير فى عصرنا الحاضر لم يبق من الفِرَق المنسوبة إلى الإسلام فى هذا العصر الحديث مَن له كيان، أو شىء من الكيان - حسبما نعلم - إلا أهل السُّنَّة، والإمامية الإثنا عشرية، والإمامية الإسماعيلية، والزيدية، والإباضية من الخوارج، والبهائية من الباطنية ... هذه هى الفرق التى لا تزال فى اعتبارنا قائمة إلى يومنا هذا، محتفظة بتعاليمها وعقائدها التى تسير عليها من أول عهدها ومبدأ ظهورها. وإذا كنا قد وقفنا لكل فِرْقة من هذه الفِرَق فى عصورها السابقة على عمل ظاهر فى تفسير كتاب الله، وشرحه على حسب ما تمليه عقيدة المفسِّر، وما يوحى به إليه، فإنَّا لا نعدم هذا اللَّون المذهبى لتفسير القرآن الكريم فى هذا العصر الحديث، ولكن بمقدار ما بقى من هذه المذاهب قائماً إلى هذا العصر الذى نتكلم عنه، ونتحدث عن ألوان التفسير فيه. نعم.. بقى اللَّون المذهبى لتفسير القرآن الكريم قائماً فى هذا العصر الحديث، بمقدار ما بقى قائماً من المذاهب الإسلامية. فأهل السُّنَّة فسَّروا القرآن، وألَّفوا الكتب فيه بما يتفق وعقيدتهم، كما نرى ذلك واضحاً فيما خلَّفته لنا مدرسة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده من كتب فى التفسير. والإمامية الإثنا عشرية فسَّروا القرآن وألَّفوا الكتب فيه بما يتمشى مع مذهبهم، ويتفق مع أهوائهم ومشاربهم، ومن أحدث كتبهم التى اطلعنا عليها فى التفسير:

стр. 707

كتاب "بيان السعادة فى مقامات العبادة" للشيخ سلطان محمد الخراسانى، من أهل القرن الرابع عشر الهجرى، وقد سبق لنا الكلام عنه مفصَّلاً، وكتاب "آلاء الرحمن فى تفسير القرآن" للشيخ محمد جواد النجفى، المتوفى سنة ١٣٥٢ هـ، وقد سبق الكلام عنه بإيجاز عند الكلام على أهم كتب التفسير عند الإمامية الإثنا عشرية. والإباضية من الخوراج فسَّروا القرآن وألَّفوا فيه الكتب بما يناسب عقيدتهم، ويساير مذهبهم، كما نجد ذلك فى كتاب "هميان الزاد إلى دار المعاد" للشيخ محمد بن يوسف إطفيش، المتوفى سنة ١٣٢٢هـ، وقد مَرَّ الكلام عنه أيضاً. والبهائية من الباطنية نظروا إلى القرآن من خلال عقيدتهم، فأوَّلوا وحرَّفوا، كما نجد ذلك جلياً فى رسائل أبى الفضائل الجرفادقانى، أحد رجال البهائية فى هذا العصر. أما الزيدية ... فهى وإن كانت لا تزال قائمة إلى يومنا هذا، إلا أنَّا لم نقف لها على شىء فى التفسير فى هذا العصر الحديث. وأما المعتزلة ... فنحن وإن كنا لا نسمع عن قيامها فى هذا العصر كفِرقَة لها كيان، ووحدة، ومقوِّمات، إلا إنَّا نرى أثراً كبيراً لتعاليمها فى تفسير القرآن فى العصر الحديث، كما يظهر ذلك جلياً فى تفاسير الإمامية الإثنا عشرية، والإباضية، ومقالات بعض المحدثين من المفسِّرين. كل هذه الفِرَق الموجودة فى هذا العصر، أضفت على التفسير لوناً مذهبياً، يقوم على تأييد العقيدة، وخدمتها على حساب القرآن الكريم، ولا أريد أن أطيل بذكر نماذج من هذا اللَّون التفسيرى، إذ قد سبق لنا الكلام عن هذه الكتب التى ذكرتها، وذكرت لك منها ما يعطيك صورة واضحة عن اللَّون المذهبى فى هذا العصر. * * *

стр. 708

اللَّون الإلحادى للتفسير فى عصرنا الحاضر منى الإسلام من زمن بعيد بأناس يكيدون له، ويعملون على هدمه بكل ما يستطيعون من وسائل الكيد، وطرق الهدم، وكان من أهم الأبواب التى طرقوها ليصلوا منها إلى نواياهم السيئة: تأويلهم للقرآن الكريم على وجوه غير صحيحة، تتنافى مع ما فى القرآن من هداية، وتناقض ما هو عليه من محجة بيضاء، وتهدف إلى ما سوَّلته لهم نفوسهم من نِحَلٍ خاسرة وأهواء!! منى الإسلام بهذا من أيامه الأولى، ومنى بمثل هذا فى أحدث عصوره، فظهر فى هذا العصر أشخاص يتأوَّلون القرآن على غير تأويله، ويلوونه إلى ما يوافق شهواتهم، ويقضى حاجات فى نفوسهم، فأدخلوا فى تفسير القرآن آراء سخيفة، ومزاعم منبوذة، تقبَّلها بعض المخدوعين من العامة وأشباه العامة، ورفضها بكل إباء مَن حفظ الله عليهم دينهم وعقولهم. * * * الباعث على هذا اللَّون من التفسير: اندفع هؤلاء النفر من المؤولة إلى ما ذهبوا إليه من أفهام زائغة فى القرآن بعوامل مختلفة، فمنهم مَن حسب أن التجديد ولو بتحريف كتاب الله سبب لظهوره وشهرته، فأخذ يثور على قدماء المفسِّرين ويرميهم جميعاً بالسفه والغفلة ثم طلع على الناس بجديده فى تفسير كتاب الله ... جديد لا تقره لغة القرآن، ولا يقوم على أصل من الدين. ومنهم مَن تلقَّى من العلم حظاً يسيراً، ونصيباً قليلاً، لا يرقى به إلى مصاف العلماء، ولكنه اغتر بما لديه، فحسب أنه بلغ مبلغ الراسخين فى العلم، ونسى أنه قَلَّ فى علم اللُّغة نصيبه، وخف فى علم الشريعة وزنه، فراح ينظر فى كتاب الله نظرة حُرَّة لا تتقيد بأى أصل من أصول التفسير، ثم أخذ يهذى بأفهام فاسدة، تتنافى مع ما قرره أئمة اللُّغة وأئمة الدين، ولأول نظرة يتضح لمن يطلع عليها أنها لا تستند إلى حُجَّة، ولا تتكئ على دليل. ومنهم من لم يرسم لنفسه نِحْلَة دينية، ولم يسر على عقيدة معروفة، ولكنه لعبت برأسه الغواية، وتسلَّطت على قلبه وعقله أفكار وآراء من نِحَلٍ مختلفة، فانطلق إلى القرآن وهو يحمل فى قلبه ورأسه هذه الأمشاج من الآراء، فأخذ يُؤوِّله بما يتفق معها، تأويلاً لا يقرره العقل ولا يرضاه الدين. هؤلاء جميعاً خاضوا فى القرآن على عماية، فلم يراعوا فى فهمه قوانين البلاغة، ولم يدخلوا إلى تفسيره من باب السُّنَّة الصحيحة، وحسبوا أنهم أرضوا ضمائرهم، وأنصفوا البحث الحر، والرأى الطليق. ولولا أن الله قيَّض لهذا الدين رجالاً يدرسونه ببصائر تنفذ إلى لُبابه، ويدفعهم الإيمان والإخلاص إلى أن يبعدوا عنه هذه الخبائث، التى يُراد أن تُلصق به أو تنزل فى

стр. 709

رحابه.. لولا هذا لأصاب المسلمين من هؤلاء المضللين شر مستطير، ولنتج عن أفكارهم وأهوائهم فتنة فى الأرض وفساد كبير. وأنا إذ أعرض لهذا اللَّون من التفسير، لا أريد أن أذكر أحداً من أصحابه باسمه ولقبه، إذ ربما كان هذا سبباً للفتنة، وباعثاً على العداوة، وكثير منهم أحياء يُرزقون، ويكفى أن أضع يد القارئ على المراجع التى أنقل عنها تفسير هؤلاء القوم، وآراءهم فى القرآن الكريم، وهى مراجع ميسورة لكل من يريد أن يرجع إليها ويطلع عليها. وجدنا من أصحاب هذا اللًَّون من ألوان التفسير، رجلاً يكتب بحثاً طويلاً تحت عنوان: "القرآن والمفسِّرون" وفيه يعرض لنواحى التقصير فى تفسير كافة المفسِّرين لكتاب الله تعالى، ويحمل عليهم حملة شديدة نكراء، ويوجه إليهم جميعاً نقده الساخر، ولومه اللاذع، بدون أن يستثنى منهم مفسِّراً واحداً على كثرتهم، وكثرة المعتدلين منهم. رأيناه يتهم المُفسِّرين جميعاً بأنهم تأثروا فى تفاسيرهم بعقائدهم، فأمالوا آيات القرآن نحو آرائهم، فى تعسف ظاهر، وتكلف غير مقبول. ورأيناه يرميهم جميعاً بأنهم كثيراً ما يكتفون بذكر إسرائيليات ليس لها سند أصلاً، فضلاً عن طمعهم فى تصحيح هذه الأسانيد المكذوبة، ونراه يذكر لهذا الاتهام الأخير مثلاً من أقوالهم فى تفسير قصة أيوب ﵇، ثم يأخذ فى تفنيد ما ذهبوا إليه، وإبطال ما قالوا به، بأدلة كثيرة ذكرها، وبعد هذا كله تناول هو قوله تعالى فى الآيات [٤١-٤٤] من سورة (ص) : ﴿واذكر عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * اركض بِرِجْلِكَ هاذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وذكرى لأُوْلِي الألباب * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ . تناول الكاتب هذه الآيات، فشرحها شرحاً يخالف ما ذهب إليه المفسِّرون جميعاً، مدَّعياً أن ما ذهب إليه هو الذى يساير كل ما ورد من آيات القصص فى القرآن، ومؤكداً أنه هو الذى يتفق مع بلاغة القرآن، وقدسية الأنبياء، فقال: "يجب أن ننظر فى الآية نظرة أُخرى - يعنى خلاف ما عليه المفسِّرون - تساير بها نظائرها من آيات القصص، ونحن إذا التفتنا إلى ما فى هذه الآية من أن أيوب ﵇ قد عَزَى النُصْب والعذاب للشيطان فقال: ﴿مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ كان ذلك مانعاً كل المنع من أن يُراد بالنُصْب والعذاب داء أصاب أيوب، وكان من نتائجه ما ذكره المفسِّرون.. إذ الشيطان لا يملك للإنسان إلا أن ينزغه، ويوسوس إليه، فيلويه عن الخير إلى الشر، وعن العزم فى سبيل الغاية إلى التردد والهزيمة، وإنه ما من نبى ولا رسول إلا وقد نزل به هذا المصاب.. مصاب إعراض الناس واستهوائهم بالدعوة والداعين، وصد

стр. 710

الشيطان لهم عن سبيل الله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] ... الآية، وما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض أممهم عن الاستجابة، ولا كان حزنهم الذى كان يبلغ أحياناً حد الإهلاك للنفس إلا لبطء فى سير الدعوة إلى الله تعالى، انظر قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧] ، وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهاذا الحديث أَسَفاً﴾ [الكهف: ٦] .. ولما كانت الشكوى تُشعر بوهن فى العزيمة، وضعف فى الثقة، وعدم القوة فى السير إلى الغاية، كان جواب تلك الشكاية أن قيل له: ﴿ارْكُض بِرِجْلِكَ﴾ فالمراد بالركض هنا، عقد العزيمة وتأكيدها، واستتمام الثقة وإكمالها، والمضاء بقوة وبغير تردد ولا توان إلى الغاية، فهى كناية من أعذب الكنايات وأروعها، وهى من وادى - شَمِّر عن ساعد الجد. شمِّر عن ساقيك - غير أنها أوفر منها صياغة وترفعاً. إذ من المعروف المشاهَد أن السائر إلى جهة بغير تردد، بل بقوة وعزيمة، ترى لرجليه ضرباً، وتسمع لقدميه على الأرض وقعاً. ولما كان تردد المرء فى غايته، ووهن عزيمته إليها. وضعف ثقته بها، صدأ يغشى الأرواح، ومرضاً يتعب النفوس ويضايق الصدور، كان عقد العزيمة واستكمال الثقة غسلاً للروح من صدئها، وشفاءً للنفس من مرضها، ونفعاً لغلة الصدور، لذلك قال الله لرسوله أيوب: ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ ، والآية كما ترى ليس فيها مرجع لاسم الإشارة إلا الركض المفهوم من قوله: ﴿ارْكُض﴾ المكنى به عن توثيق العزم، والأخذ بالحزم، كما هو مقتضى النظم الكريم، الجارى لقواعد اللُّغة، التى تأبى أن يكون لاسم الإشارة مرجع غير هذا من الماء والعين، كما يقتضيه تفسير المفسرين، إذ ليس فى النظم ما يدل عليهما بأى وجه من وجوه الدلالة. ولما كان أيوب ﵇ باعتباره رسولاً لا بد أن يأتمر فى إخلاص الأنبياء بأمر ربه، بيَّن الله ثمرة جهاده وصبره، ومضاء عزمه، فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾ أى هدينا له أهله فآمنوا به واستجابوا لدعوته، وهدينا له مثلهم من غير أهله، فليس المراد بالهبة ها هبة الخلق والإيجاد، بل هبة الهداية والإرشاد، بدليل تعبيره بالأهل دون التعبير بالذُرِّية والولد، كما فى قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾ [مريم: ٥٣] ، إذ كل ما يهتم له الأنبياء إنما هو أن يهدى الله بهم، لا أن يُولَد لهم. ولم يتحدث القرآن عن هبة يحيى لزكريا، وإسحاق لإبراهيم إلا لأن هبة الإيجاد فيهما قد تضمنت أمرين عظيمين؛ الأول: أنه قد وُلِد لإبراهيم ولزكريا عن كبر وشيخوخة ويأس وقنوط. والثانى: أن الموهوب لكل منهما رسول لا ولد عادى. فموضع المنة فى هذا: كونهما رسولين لا كونهما ولدين". "ثم بيَّن الله بعد ذلك سيرة أيوب التى أمره أن يسير بها فى قومه، وهى اللين فى القول، والرفق فى الدعوة، والعظة بالحسنى، وتلك هى الخطة التى رسمها الله لجميع

стр. 711

أنبيائه، انظر كيف يقول لموسى وهارون: ﴿اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: ٤٣-٤٤] ، ويقول لرسوله الكريم: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، ﴿واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ [الشعراء: ٢١٥] .. وبيَّن الله ذلك فقال: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] ، أى لا ترفع فى وجوه قومك رمحاً ولا عصاً، ولا تُغلظ لهم القول، ولا تخاشنهم فى الطلب، بل لوِّح فى وجوههم بالرياحين والأزهار، ولا تأثم بالغلظة والجفوة، فإنك بخفض الجناح والجدال بالتى هى أحسن تبلغ منهم ما لا تبلغه بالسيف، والعصا، والخشونة، والغلظة.. فانظر إلى ما فى الآية من كناية ما أجملها وأعلاها. وما أخصبها وأرواها، وانظر كم تعطيك على هذا الوجه من فنون البلاغة، وكم تمنحك من جزالة فى الأسلوب، ثم هم - يريد المفسِّرين - بعد ذلك يمسخونها ويشوهونها، فيجعلونها منقطعة عما قبلها، وما بعدها، فتقلق فى مرقدها، وتنبو فى مضجعها، إذ يجعلونها متوقفة فى فهمها على معونة أجنبية من الكلام الذى هى فيه، وذل من أدعى الدواعى لانحطاط الكلام عن المستوى العالى لكلام البَشر، فضلاً عن مستوى الإعجاز الذى يجب أن يكون عليه القرآن الكريم". "هذا ما رأيت أن تؤول به تلك الآيات، استناداً إلى ما جرى عليه قصص القرآن، وتحامياً لما يترتب على ما فسَّر به المفسِّرون تلك الآيات من خدش قدس أيوب ﵇، باعتباره نبياً رسولاً، ومن منافاة ذلك لحكمته السامية، وتفادياً من أن يُحدِّثنا القرآن عن أمر عادى، وهو أن شخصاً مرض ثم دعا ربه فشفاه من مرضه.. ذلك الحديث الذى لا يتحدث به عظيم من الناس فضلاً عن الله تعالى، ولا يُحَدِّث به عن رجل عادى فضلاً عن أيوب الرسول الكريم". هذا هو التفسير الصحيح فى نظر صاحبه، وأحسب أن القارئ الكريم سوف لا يتردد فى الحكم عليه بأنه تفسير منابذ لبلاغة القرآن، ومخالف لظاهره الذى عُرِف منذ عهد الصحابة والتابعين، وأى شىء يقف فى سبيل المعنى الظاهر حتى نعدل عنه إلى مجاز أو كناية فيها تعسف ظاهر وتكلف غير مقبول؟ اللَّهم لا شىء إلا دعوى التجديد، والثورة على القديم، والعمل على هدم آراء العلماء الذين عرف الناس مبلغ خدماتهم للعلم، ودفاعهم عن الدين. ولا أُطيل بذكر ما أُفَنِّد به هذا الرأى الشاذ وما يحمله من دعاوى غير صحيحة على المفسِّرين جميعاً، فقد سبقنى إلى هذا أحد أساتذتى الأجلاء، ولست ببالغ مبلغه من العلم، ولا بآت بأكثر مما أتى به فى الرد على صاحب هذا الرأى. * *

стр. 712

ووجدنا من أصحاب هذا اللَّون رجلاً آخر دفعه حب التجديد المزيف إلى أن يساير روح الإلحاد ويجارى من يتهمون الشريعة الإسلامية بالقسوة فى أحكامها وحدودها. فراح يتأوَّل آيات الحدود بما يوافق هواه وهوى أصحابه، فحمل الأمر فيها على الإباحة.. وجعل الأمر فى ذلك مُفوَّضاً إلى رأى ولى الأمر وحده، وهو وإن كان قد استعمل الأسلوب اللَّولبى فيما أبداه، وطرح الموضوع الذى عالجه فى صورة سؤال ألقاه شخص خالى الذهن ليتعرف وجه الحق فى المسألة، هو وإن كان قد فعل ذلك مفضوح أمره فصدر المقال يكشف لنا عن نية صاحبه، ويفيدنا بكل صراحة أن الكاتب يريد أن يتأوَّل آيات الحدود بحمل الأوامر الواردة فيها على الإباحة، وإليك ما جاء فى هذه المقالة لتقف على حقيقة الأمر، ولتعرف نية الكاتب وما يهدف إليه فى مقاله.. قال هذا الكاتب تحت عنوان "التشريع المصرى وصلته بالفقه الإسلامى": "قرأت فى السياسة الأسبوعية الغرَّاء مقالاً بهذا العنوان، حوى أفكاراً أثارت فى نفسى من الرأى ما كنت أريد أن أُرجئه إلى حين، فإن النفوس لم تتهيأ بعد لفتح باب الاجتهاد، حتى إذا ظهر المجتهد فى هذا العصر برأى جديد، كتلك الآراء التى كان يذهب إليها الأئمة المجتهدون فى عصور الاجتهاد، قابلها الناس بمثل ما كانت تُقابَل به تلك الآراء من الهدوء والسكون، وإن بدا عليها ما بدا من الغرابة والشذوذ، لأن الناس فى تلك العصور كانوا يألفون الاجتهاد وكانوا يألفون شذوذه وخطأه، إلفهم لصوابه وتوفيقه، أما فى هذا العصر، فإن الناس قد بَعُد بهم العهد بالاجتهاد، حتى صار كل جديد يظهر فيه شاذاً فى نظرهم، وإن كان فى الواقع صواباً وما أسرعهم فى ذلك إلى التشنيع والطعن فى الدين، والمحاربة فى الرزق، فلا يجد من يرى شيئاً من ذلك إلا أن يكتمه أو يُظهره بين أخصائه، ممن يأمن شرهم ولا يخاف كيدهم، وتضيع بهذا على الأمة آراء نافعة فى دينها ودنياها، ولكنى سأقدم على ما كنت أريد إخفاءه من ذلك إلى حين، وسأجتهد ما أمكننى فى أن لا أدع لأحد مجالاً فى ذلك التشنيع الذى يقف عقبة فى سبيل كل جديد". ثم أشاد بما كتبه صاحب المقال المشار إليه ثم قال: "ولكن يبقى بعد هذا فى تلك الحدود ذلك الأمر الذى سنثيره فيها، ليُبحث فى هدوء وسكون. فقد نصل فيه إلى تذليل تلك العقبة التى تقوم فى سبيل الأخذ بالتشريع الإسلامى من ناحية تلك الحدود بوجه آخر جديد.. وسيكون هذا بإعادة النظر فى النصوص التى وردت فيها تلك الحدود، لبحثها من جديد بعد هذه الأحداث الطارئة، وسأقتصر فى ذلك - الآن - على ذكر ما ورد فى تلك الحدود من

стр. 713

النصوص القرآنية، وذلك قوله تعالى فى حد السرقة: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ الله والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨-٣٩] ، وقوله تعالى فى حد الزنا: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ [النور: ٢] .. فهْل لنا أن نجتهد فى الأمر الوارد فى حد السرقة وهو قوله تعالى: ﴿فاقطعوا﴾ ، والأمر الوارد فى حد الزنا وهو قوله تعالى: ﴿فاجلدوا﴾ فنجعل كلاً منهما للإباحة لا للوجوب، ويكون الأمر فيهما مثل الأمر فى قوله تعالى: ﴿يابنيءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين﴾ [الأعراف: ٣١] ، فلا يكون قطع يد السارق حداً مفروضاً، لا يجوز العدول عنه فى جميع حالات السرقة، بل يكون القطع فى السرقة هو أقصى عقوبة فيها، ويجوز العدول عنه فى بعض الحالات إلى عقوبات أُخرى رادعة، ويكون شأنه فى ذلك شأن كل المباحات التى تخضع لتصرفات ولى الأمر، وتقبل التأثر بظروف كل زمان ومكان. وهكذا فى حد الزنا سواء أكان رجماً أم جَلْداً، مع مراعاة أن الرجم فى الزنا لا يقول به فقهاء الخوارج، لعدم النص عليه فى القرآن الكريم، وهل لنا أن نذلل بهذا عقبة من العقبات التى تقوم فى سبيل الأخذ بالتشريع الإسلامى، مع أنَّا فى هذه الحالة لا نكون قد أبطلنا نصاً ولا ألغينا حداً، وإنما وسَّعنا الأمر توسيعاً يليق بما امتازت به الشريعة الإسلامية من المرونة والصلاحية لكل زمان ومكان، وبما عُرِف عنها من إيثار التيسير على التعسير. والتخفيف على التشديد". فأنت ترى من هذا المقال مقدار ما وصل إليه الكاتب من الجرأة على كتاب الله، إذ أوَّل آية السرقة وآية الزنا تأويلاً غير مقبول بأى حال من الأحوال، ومَن ينظر إلى آية السرقة وآية الزنا لا يفهم منهما إلا أن الأمر فيهما للوجوب، فليس لأحد أن يعدل عنه مطلقاً، وذلك الأمر فى قوله تعالى: ﴿فاقطعوا﴾ ، وقوله: ﴿فاجلدوا﴾ وارد فى الوجوب القاطع، فإن بناء الأمر بالقطع فى آية السرقة على قوله: ﴿والسارق والسارقة﴾ ، وبناء الأمر بالجلد فى آية الزنا على قوله: ﴿الزانية والزاني﴾ يصرفه عن احتمال الإباحة إلى الوجوب، وهذا لأن تعليق الحكم على شخص، موصوف بوصف يؤذن بأن المقتضى للحكم هو ذلك الوصف الذى قام بالشخص، وإذا كان ذلك الوصف جناية مثل السرقة والزنا ووضع الشارع لهما حكماً فى صيغة الأمر ولم يذكر حكماً غيره، لا يصح أن يُقال: إن هذا الأمر محتمل للإباحة كما احتملها الأمر فى قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ... الآية.

стр. 714

ثم إن قوله تعالى فى آية السرقة: ﴿جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ الله والله﴾ ، وقوله فى آية الزنا، ﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله﴾ ، وقوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ يؤكد أن الأمر فى الآيتين للوجوب لا للإباحة. ثم إن هناك من سُنَّة رسول الله ﷺ القولية والعملية ما يؤكد كون الأمر للوجوب فى الآيتين. فهل يجوز للكاتب بعد هذا كله أن يتهجم على آيات الحود بمعول ذلك التأويل الذى تنكره اللُّغة. ولا تقره السُّنَّة ولا يتفق وحكمة التشريع؟ اللَّهم إن هذا التأويل لا يجوز، ولهذا فإنه لم يصادف غفلة من عقول العلماء وأقلامهم، فقام كثير منهم بالرد على صاحبه، وتفنيد ما ذهب إليه، ولقد تنبه القائمون على أمر الأزهر حينئذ إلى خطر هذا الرأى وما يجره على الدين من بلاء. فجوزى صاحب المقال على ما كان منه جزاءً إن كان بسيطاً فى حد ذاته، فهو يدل على أن أفكار الكاتب لم تلق قبولاً ولم تجد رواجاً فى محيط العلماء. * * ووجدنا غير هذا وذاك مَن تأثر ببعض الآراء الفلسفية فراح ينكر بعض الحقائق الدينية الثابتة، ويتأوَّل ما ورد منها فى القرآن بما يتمشى مع مذاهب الفلاسفة، فأنكر حقيقة الشيطان، وتأوَّل ما جاء من لفظ الشيطان فى قوله تعالى فى الاية [١١٧] من سورة النساء: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً﴾ ، فقال ما نصه: "والمعنى أن هؤلاء لم يجيبوا حين أشركوا بالله داعى العقل أو داعى الفِطْرة، وإنما أجابوا نزعات الشر المنبثة فى العالَم على مقتضى سُنَّة الله من الابتلاء بعوامل الخير وعوامل الشر، فهم بذلك يتبعون قوة خفية أُطلق عليها كلمة "شيطان" جرياً على عادة العرب المألوفة، إذا كانوا يتصورون قوى الشر شياطين تتحدث وتناجى وتغرى وتدفع إلى ما تريد".. ثم قال: "هذا هو الشيطان الذى يُلَبِّى المشرك بإشراكه أمره. ويتخذه ولياً بأمره وينهاه". وفى موضع آخر نجد صاحب هذا الرأى يعود إليه فيؤكده، ولست أدرى ماذا يفعل فى سياق الآية. وفى القرائن التى احتفت بها، والصفات التى انتظمتها مما يؤكد أن المراد هو إبليس، ذلك الكائن الخارجيى المستقل المستتر عن أعين الناس، كما

стр. 715

لا أدرى كيف يفعل بالأحاديث الثابتة عن الرسول ﷺ ، والتى تقرر أن الشيطان حقيقة لها وجود خارجى. * * وأنكر بعضهم وجود عالَم الجن، وتأوَّل ما جاء من ذلك صريحاً فى آيات القرآن الكريم، ففسَّر قوله تعالى فى أول سورة الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن﴾ ... . الآية، بأن الجن قبيلة من العرب. وهذا تأويل ينافى صريح القرآن فى مواضع كثيرة، فضلاً عن أنه لا يقوم على دليل يصححه. * * ووجدنا غير هؤلاء جميعاً رجلاُ نُكِس على رأسه، فطوَّعت له نفسه أن يخوض فى تفسير كتاب الله على ما به من غواية وعماية، وأخيراً طلع على الناس بكتاب مختصر فى تفسير القرآن الكريم، تفسيراً جمع فيه الكثير من وساوسه وأوهامه، ثم سوَّل له الغرور أن يسميه "الهداية والعرفان فى تفسير القرآن بالقرآن". أحدث هذا التفسير ضجة كبرى فى المحيط العلمى، وقام رجال الأزهر وقعدوا من أجله، ثم أُلِّفت لجنة من بعض العلماء لتنظر فى هذا الكتاب، ثم لتحكم عليه بما ترى فيه، ثم رفعت اللّجنة تقريرها لشيخ الأزهر إذ ذاك، وفيه تفنيد لآراء الرجل وحكم عليه بأنه "أفَّاك خرَّاص، اشتهى أن يُعرف فلم ير وسيلة أهون عليه وأوفى بغرضه من الإلحاد فى الدين بتحريف كلام الله عن مواضعه، ليستفز الكثير من الناس إلى الحديث فى شأنه وترديد سيرته". ثم صودر الكتاب واختفى عن أعين الناس ﴿فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض﴾ . قرأت ما جاء فى تقرير اللَّجنة الأزهرية، ولكننى أردت أن أطلع على الكتاب نفسه، فعملت كل ما أستطيع حتى استصدرت تصريحاً من دار الكتب المصرية بالاطلاع على هذا الكتاب الذى مُنِع من التداول بين الناس. * * * حملته على جميع المفسِّرين: جاءنى الكتاب وقرأت فيه، فوجدت مؤلِّفه قد قدَّم له بمقدمة عاب فيها المفسِّرين وكتب التفسير جميعاً فقال: "وقد بلغ الدس والحشو فى التفاسير أنك لا تجد أصلاً من أصول القرآن إلا وتجد بجانبه رواية موضوعة، لهدمه وتبديله، والمفسِّرون قد وضعوا هذا فى كتبهم من حيث لا يشعرون". * * * طريقته فى التفسير: ثم قال بعد ذلك: "فهذا كله - يعنى الدس والحشو فى التفاسير - دعانى إلى

стр. 716

تفسيرى، وأن تكون طريقتى فيه كشف الآية وألفاظها بما ورد فى موضوعها من الآيات والسور فيكون من ذلك العلم بكل مواضع القرآن، ويكون القرآن هو الذى ينطبق عليه ويؤيده من سنن الله فى الكون ونظامه فى الاجتماع، وقد اخترت أن تكون على عدد الآيات فى المصحف لتبقى الهداية بالترتيب الذى اختاره الله، وليمكن الباحث عن معنى الآية أن يلاحظ سياقها فيقرأ ما سبقها وما لحقها من الآيات ليكون على علم تام وهداية واعظة". ولعل القارئ الكريم يلحظ كما ألحظ أن المؤلف يرمى من وراء قوله: " ... ويكون القرآن هو الذى يُفسِّر نفسه كما أخبر الله. ولا يحتاج إلى شىء من الخارج غير الواقع الذى ينطبق عليه ويؤيده من سنن الله فى الكون ونظامه فى الاجتماع". أنه يريد أن يَهدر صلة السُّنَّة بالقرآن الكريم، وينفى أن منزلتها منه منزلة المبيِّن من المبيَّن. والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] . ويظهر لنا أن المؤلف قد ركب رأسه فراح يهدم سُنَّة رسول الله ﷺ ، ولا يعترف بما لها من مكانة فى تفسير القرآن الكريم، فقال مقالته السابقة، كما أنه راح يهدم ما للسُّنَّة من المكانة فى التشريع الإسلامى فقال فى قوله تعالى فى الآية [٦٣] من سورة النور: ﴿فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ : "يفيدك أن المخالفة المحذورة هى التى تكون للإعراض عن أمره، وأما التى تكون للرأى والمصلحة فلا مانع منها بل هى من حكمة الشورى".. فأنت ترى أنه يجيز مخالفة أمر الرسول للمصلحة، وهذا عناد ومكابرة ومخالفة صريحة لقوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] ولغير هذا من الآيات التى وردت فى وجوب طاعته ﵇ وهى كثيرة. ثم أى مصلحة تخالف ما جاء به رسول الله ﷺ ؟ هذا.. ولا أريد أن أطيل بذكر ما جاء فى هذا الكتاب من أباطيل وأضاليل ويكفى أن أذكر طرفاً مما حواه من ذلك ليتبين القارئ أن الرجل "جامد على المحسوسات، جاحد لكثير مما أخبر به القرآن، منكر لأحكام قررها القرآن والسُّنَّة وأجمع عليها الصحابة وأئمة المسلمين من بعدهم". * إنكاره لمعجزات الأنبياء ﵈: وقف هذا الرجل من معجزات الأنبياء ﵈ موقفاً شاذاً غريباً. يقوم على إنكارها وجحدها والذهاب بها - عن طريق التأويل الفاسد - إلى أن تكون من قبيل الممكن الذى يدخل تحت مقدور كل إنسان، رسول أو غير رسول، وهو يُصرِّح بهذا

стр. 717

فى كثير من المواضع، فيقول فى بعض المواضع: "وبعد هذا تعلم أن الله ينادى الناس بأنهم لا ينبغى أن ينتظروا من الرسول آية على صدقه فى دعوته غير ما فى سيرته ورسالته". وفى موضع آخر يقول: "واعلم أن آيات الله فى نصر أنبيائه لا تناقض سُنَّته فى خلقه وكونه". وفى موضع ثالث يقول: "وقد كانت كل آياتهم حججاً وبراهين من سيرتهم ورسالتهم. فلا يمكن أن يأتوا بدليل على صدقهم من غير الدعوة نفسها، فتكون هناك علاقة بين الدعوة ودليلها فتدبر". وفي موضع رابع يقول: "وإن آيتهم على صدق دعوتهم لا تخرج عن حسن سيرتهم، وصلاح رسالتهم، وأنهم لا يأتون بغير المعقول، ولا بما يبدِّل سُنَّته ونظامه فى كونه". على هذا الأساس تناول الرجل آيات المعجزات فخرج بها عن مدلولها الحقيقى الذى أراده الله تعالى. * * موقفه من معجزات عيسى ﵇: فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٤٩] من سورة آل عمران فى شأن عيسى ﵇: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أني أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله وَأُبْرِىءُ الأكمه والأبرص وَأُحْيِ الموتى بِإِذْنِ الله وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ .. نجده يقول ما نصه: ﴿كَهَيْئَةِ الطير﴾ يفيدك التمثيل لإخراج الناس من ثقل الجهل وظلماته إلى خفة العلم ونوره، ﴿الأكمه﴾ من ليس عنده النظر، ﴿الأبرص﴾ المتلون بما يُشوِّه الفطرة، فهل عيسى يُبرئ هذا بمعنى أنه يُكمل التكوين الجسمانى بالأعمال الطيبة؟ أم بمعنى أنه يكل التكوين الروحى والفكرى بالهداية الدينية؟ ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾ يعلمهم التدبير المنزلى". وإذا كان المؤلف قد تردد فى معنى إبراء الأكمه والأبرص هنا بين تكميل التكوين الجسمانى بالأعمال الطيبة، وبين تكميل التكوين الروحى بالهداية الدينية، فإنه ليس تردد الشاك فى أى الأمرين كان. وإنما هو تردد يبدو منه فى صراحة ووضوح ميله إلى أن المراد هو التكوين الروحى لا غير، وإنك لتجده يُصَرِّح فى موضع آخر بأن المراد هو تكميل التكوين الروحى بالهداية الدينية، وذلك عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية

стр. 718

[١١٠] من سورة المائدة: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأكمه والأبرص بِإِذْنِي﴾ : "من هذا تعرف أن عيسى نبى أرسله الله إلى بنى إسرائيل ليشفى نفوسهم، ويحيى موت قلوبهم، فآيته فى دعوته وسيرته وهدايته. عاش ومات كغيره من الأنبياء فى بِشريته، فلم يكن خارقاً فى سُنَّته، ولا ممتازاً بما يدعو إلى أُلوهيته وعبادته". كذلك تجده ينكر أن يكون عيسى ﵇ قد تكلَّم فى المهد وذلك حيث يُؤوِّل قوله تعالى فى الآية [٤٦] من سورة آل عمرران: ﴿وَيُكَلِّمُ الناس فِي المهد وَكَهْلاً﴾ ما نصه: "فى المهد: فى دور التمهيد للحياة وهو دور الصبا، علامة على الجرأة وقوة الاستعداد فى الصغر. وكهلاً: علامة على أنه لا يفل عزمه بالشيخوخة والكبر - ويصح أن يكون المعنى: يكلم الناس الصغير منهم والكبير، علامة على تواضعه ومباشرة دعوته بنفسه". وتأوَّل أيضاً قوله فى الآية [٢٩] من سورة مريم: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً﴾ فقال: "أى كان ذاك النهار ولداً صغيراً فكيف يأمرنا وينهانا ونحن كبار القوم فهذا ابن حرام". ولما رأى أن قوله تعالى قبل ذلك فى الآية [٢٧] : ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ لا يتفق مع تأويله السابق تأوَّله أيضاً فقال: "تحمله على ما يحمل عليه المسافر، ومنه تفهم أنه كان فى سياحة طويلة". * * موقفه من معجزات موسى ﵇: وعندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٦٠] من سورة الأعراف: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ الحجر فانبجست مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ .. قال: "ويصح أن يكون الحجر اسم مكان، واضرب بعصاك الحجر، معناه: اطرقه واذهب إليه، والغرض أن الله هداه إلى محل الماء وعيونه". وعندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٦٣] من سورة الشعراء: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ البحر فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم﴾ قال ما نصه: ﴿البحر﴾ الماء الواسع، ﴿اضرب بِّعَصَاكَ البحر﴾ اطرقه واذهب إليه، ﴿فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم﴾ هذا بيان لحالة البحر، يُصوِّره لك بأنه مناطق بينها طرق ناشفة يابسة، راجع [١٦٠ فى الأعراف] ، ثم راجع [طه فى ٧٧، ٧٨] ولتعرف كيف

стр. 719

اهتدى إلى طريق يبس مرَّ منه، واقرأ استعمال الضرب فى السير فى قصة أيوب فى (سورة ص) . وفى سورة الأعراف عند قوله تعالى فى الآيتين [١٠٧، ١٠٨] : ﴿فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ يقول: "مثال من قوة حُجَّته وظهور برهانه". وعند قوله تعالى فى الآيات [١١٨-١٢٢] من نفس السورة: ﴿فَوَقَعَ الحق وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ... إلى قوله: ﴿رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ .. يقول: "يُصوِّر لنا كيف كشفت حُجَّته تزييف حُجَّتهم حتى سلَّموا له وآمنوا به". * * موقفه من معجزة إبراهيم ﵇: وعندما عرض لقوله تعالى فى الآية [٦٩] من سورة الأنبياء: ﴿قُلْنَا يانار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ﴾ ... . إلخ، نجده ينكر أن يكون إبراهيم ﵇ قد أُلقى فى النار وخرج منها سالماً، وذلك حيث يُؤوِّل الآية بما يخالف الظاهر فيقول: "معناه: نجَّاه من الوقوع فيها - راجع [٦٤ فى المائدة] و [٢٦ فى النحل] ، وترى فى الآية وباقى القصة أن الله نجَّاه بالهجرة وخيَّب تدبيرهم". * * موقفه من معجزات داود ﵇: وعندما عرض لقوله تعالى فى الآية [٧٩] من سورة الأنبياء: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ والطير وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ .. يقول: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ يُعبِّر عما تُظهره الجبال من المعادن التى كان يُسخِّرها داود فى صناعتها الحربية، ﴿والطير﴾ يُطلق على ذى الجناح وكل سريع السير من الخيل والقطارات البخارية والطيَّارات الهوائية". * * موقفه من معجزات سليمان ﵇: وعندما عرض لقوله تعالى فى الآية [٨١] من سورة الأنبياء: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ نجده يقول: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ الآن تجرى بأمر الدول الأوروبية وإشارتها، فى التلغرافات والتليفونات الهوائية ... اقرأ سبأ". وفى سورة النمل عند قوله تعالى فى الآية [١٦] : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ ياأيها الناس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير﴾ .. يقول: ﴿مَنطِقَ الطير﴾ كل من يربى الطير ويؤلِّفه يمكنهم أن يتعلموا منطقه وماذا يريد، ويمكنهم أن يستعملوه فى الرسائل وغيرها". وفى قوله تعالى فى الآية [١٨] من السورة نفسها: ﴿حتى إِذَآ أَتَوْا على وَادِ النمل

стр. 720

قَالَتْ نَمْلَةٌ ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ نجده يقول: ﴿نَمْلَةٌ﴾ قبيلة، ﴿النمل﴾ قبائل الوادى". وفى قوله بعد ذلك فى الآية [٢٠] من السورة أيضاً: ﴿وَتَفَقَّدَ الطير فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد أَمْ كَانَ مِنَ الغآئبين﴾ .. نجده يقول: ﴿الهدهد﴾ اسم طائر فهل يكون من ذوى الجناحين؟ ويكون كلامه كناية عما يحمل من رسائل؟ أم من الخيّالة؟ السوارى؟ أو الطيَّارين الآخرين؟.. راجع الأنبياء". وفى قوله بعد ذلك فى الآيات من [٣٨-٤٢] من السورة نفسها: ﴿قَالَ ياأيها الملأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الجن أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هاذا مِن فَضْلِ رَبِّي ليبلوني أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ * قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أتهتدي أَمْ تَكُونُ مِنَ الذين لاَ يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ .. فى هذه الآيات نراه يقول: ﴿بِعَرْشِهَا﴾ بملكها، يريد أن يضع خطط الحرب ونظام الدخول فى البلاد، فطلب الخريطة التى فيها مملكة سبأ ليهاجمها، ويريها أنه جاد غير هازل، ﴿عِفْرِيتٌ مِّن الجن﴾ أحد القوَّاد، ويظهر أنه لم يفهم أن المسألة علمية جغرافية تحتاج إلى الذى ﴿عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب﴾ من الكتابة والرسم والتخطيط، ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ الغَرض أنه يأتى به حالاً وقد أتى به، ويحتمل أنه رسمه فى الحال أو كان عنده مرسوماً، ولو كان عهد الفوتوغرافيا قديماً لصح أن يكون ذلك الرسم بها، وترى أن سليمان يشكر الله على ما فى المملكة من العلماء العاملين فى كل فن، ونأخذ من القصة أن الله يُعَظِّم شأن العلم ويدعونا إلى التمسك بالأسباب الكونية لتشييد الملك وإقامة الدولة، ﴿وَأُوتِينَا العلم﴾ يؤيد لك أن المسألة علمية، ﴿مُسْلِمِينَ﴾ منقادين لله، يعنى أنهم جمعوا بين العلم والتربية على الخُلُق العظيم، وهذا أحسن حافظ لنظام الملك وعزة الدولة". * * موقفه من معجزة الإسراء: وعندما تعرَّض لقوله تعالى فى أول سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ السميع البصير﴾ .. نجده يقول: ﴿أسرى﴾ الإسراء يُستعمل فى هجرة الأنبياء.. انظر [٧٧ فى طه] و [١٣٨ فى الأعراف] و [٥٢ فى الشعراء] و [٢٣ فى الدخان] و [٨١ فى هود]

стр. 721

و [٦٥ فى الحج] ، ثم تدبر آخر النحل وعلاقته بالإسراء: ﴿المسجد الحرام﴾ الذى له حُرْمة يُحترم بها عند جميع الناس [٢١٧ و ٢١٨ فى البقرة] و [٢٥ فى الحج] ، ﴿المسجد الأقصى﴾ الأبعد، مسجد المدينة وقد بارك الله حوله، فكان للنبى ﷺ هناك ثمرة وقوة، وكان بالإسراء الفتح والنصر فكان ذلك من آيات الله.. انظر [٢٠ يس] و [١٠٨ التوبة] ثم ارجع إلى الإسراء فاقرأ إلى [٦٠، ٩٣] ". * * * إنكاره للملائكة والجن والشياطين: كذلك نجد صاحب هذا الكتاب يُؤوِّل الملائكة، والجن، والشياطين، بما لا يتفق والحقائق الشرعية الثابتة. فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٣٤] من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لأَدَمََ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى واستكبر وَكَانَ مِنَ الكافرين﴾ .. نجده يقول: ﴿الْمَلاَئِكَةِ﴾ رسل النظام وعالم السنن، وسجودهم للإنسان معناه أن الكون مُسخَّر له.. راجع [٢٩ فى البقرة] ، ثم انظر [الملك فى ١٥] ، ﴿إِبْلِيسَ﴾ اسم لكل مستكبر على الحق. ويتبعه لفظ الشيطان والجان، وهو النوع المستعصى على الإنسان تسخيره". وعند قوله تعالى فى الآية [٧١] من سورة الأنعام: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ على أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا الله كالذي استهوته الشياطين فِي الأرض حَيْرَانَ﴾ ... الآية، نجده يقول: ﴿الشياطين﴾ تُطلق على الحيَّات والثعابين، تستهوى مَن يتبعها ليقتلها فيهوى معها وتضله بتعرجها.. راجع [٢٧٥ فى البقرة] ". وعند قوله تعالى فى الآيتين [٢٦، ٢٧] من سورة الحِجْر: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم﴾ .. يقول: "يمثل لك بوصف الإنسان، النوع الهادئ صاحب الطبع الطينى الذى تشكله كما تريد، ﴿والجآن﴾ النوع المتشرد صاحب الطبع النارى، إذا قاربته يؤذيك ويغويك، ولا تستطيع أن تمسكه وتعدله، والنوعان موجودان فى كل أمة، فتدبر السياق من أول السورة، وراجع القصة فى البقرة". وعند قوله تعالى فى الآية [١٧] من سورة النمل: ﴿وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجن والإنس﴾ .. يقول: ﴿الجن﴾ يُطلق على العالَم الخفى والظاهر القوى، وجن كل شىء أوله ومقدمته، وجن الجيش قُوَّاده ورؤساؤه، ﴿والإنس﴾ طائعوه ومرءوسوه.. اقرأ الجن".

стр. 722

وعند قوله تعالى فى الآية [١٥٨] من سورة الصافات: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ .. يقول: "الجِنَّة أو الجن: سادتهم وكبراؤهم". وعند قوله تعالى فى الآيتين [٣٧، ٣٨] من سورة (ص) : ﴿والشياطين كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصفاد﴾ .. نجده يقول: ﴿الشياطين﴾ يطلقون على الصُنَّاع الماهرين والأشقياء المجرمين، ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الأصفاد﴾ مسلوكين فى القيود، ومنها تفهم أن سليمان كان يشغل المسجونين من أصحاب الصناعات للانتفاع بهم". * * * إنكاره لأحكام من الدين لم ينازع فيها أحد من المجتهدين: ولقد سوَّلت للمؤلف نفسه أن يتأول بعض آيات الأحكام على غير ما أراد الله، وعلى مقتضى هواه الذى لا يخضع لقواعد اللُّغة ولا لأصول الشريعة!! * حد السرقة: فمثلاً عند قوله فى الآية [٣٨] من سورة المائدة: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ... الآية، يقول: "واعلم أن لفظ السارق والسارقة يعطى معنى التعود. أى أن السرقة صفة من صفاتهم الملازمة لهم، ويظهر لك من هذا المعنى: أن مَن سرق مرة أو مرتين ولا يستمر فى السرقة ولم يتعود اللصوصية لا يُعاقَب بقطع يده، لأن قطعها فيه تعجيز له، ولا يكون ذلك إلا بعد اليأس من علاجه". * حد الزنا: وعند قوله تعالى فى الآية [٢] من سورة النور: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ... الآية، نجده يقول: ﴿الزانية والزاني﴾ يُطلق هذا الوصف على المرأة والرجل إذا كانا معروفين بالزنا وكان من عادتهما وخُلُقهما، فهما بذلك يستحقان الجَلْد". * تعدد الزوجات: فى الآية [٣] من سورة النساء: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ ... . الآية، نجده يقول: ﴿مِّنَ النسآء﴾ نساء اليتامى الذين فيهم الكلام - هكذا بالأصل - لأن الزواج منهن يمنع الحرج فى أموالهن، ومن هذا تفهم أن تعدد الزوجات لا يجوز إلا للضرورة التى يكون فيها التعدد مع العدل أقل ضرراً على المجتمع من تركه، لتعلم أن التعدد لم

стр. 723

يُشرع إلا فى هذه الآية بذلك الشرط السابق واللاحق ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ﴾ : "فإن خفتم ألا تعدلو". فهو يريد أن يبيح تعدد الزوجات إلا إذا كُنَّ يتامى فى حجره، وأمن من نفسه عدم الجور، ولم يقل أحد بالشرط الأول مطلقاً، ومَن يطلع على سبب النزول يعلم خطأ مَن يشترط هذا الشرط فى التعدد. * التسرِّى: وعند قوله تعالى فى نفس الآية السابقة: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ .. نجده يقول: انظر آية [٢٥ إلى ٢٨ من النساء] . وفى الآية [٢٥] وهى قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ .. يقول: "فيه عناية بالخادمات، وتسهيل لمن يريدون الزواج. ولا يستطيعون النفقات على ذوات البيوتات، انظر [٣٣ فى النور] و [٦٠ فى الكهف] ثم [٣٠، ٣٦، ٤٢، ٦٣ فى يوسف] ، ﴿الْعَنَتَ﴾ : الحَرَج: انظر [٢٢٠ فى البقرة] و [٧ فى الحجرات] و [١٢٨ فى التوبة] و [١١٨ فى آل عمران] . وفى هذه الآية رد على الذين يتخذون مِلْك اليمين من الخادمات والوصيفات للتمتع بهن كالزوجات، بحجة أنهن مشتريات بالمال، أو أسيرات بالحرب، فليس فى الإسلام عرض امرأة يُباح بغير الزواج، مملوكة كانت أو مالكة، فتدبر ذلك فى الآيات". وفى قوله تعالى فى الآيتين [٥، ٦] من سورة المؤمنون: ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ... الآية، يقول: "اقرأ المعارج، والنور، وأوائل البقرة". ثم قال فى المعارج عند قوله تعالى فى الآيتين [٢٩، ٣٠] : ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ما نصه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ من الخدم، فإن لهم ما ليس لغيرهم، فقد يكون فى الإنسان فروج - أى عيوب ونقائص - يسيئه أن يراها الناس فيه، ولكن لا يسيئه أن يراها خدمه". فأنت ترى من هذا أنه يُحَرِّم التسرِّى، ويُفَسِّر الفروج بالعيوب، وهذا بُعْدٌ عن قوانين اللُّغة، ومبادئ الشريعة. * الربا: كذلك نجد المؤلف يميل إلى أن الربا المحرَّم شرعاً هو الفاحش فقط، ولهذا نراه عندما

стр. 724

يعرض لآيات الربا فى سورة البقرة يُفسِّر "الربا" فيقول: "الربا هو الزيادة من الربح فى رأس المال، وهو معروف ومقيَّد بالآية [١٣٠ فى آل عمران] ، فانظرها أولاً" يريد قوله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً﴾ .. ثم يقول بعد ذلك: ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِيَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] ، ﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ، ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] كل ذلك يفيدك أن الكلام فى المعاملة الحاضرة، ويبشر مَن يتوب بأنه لا يُحاسَب على ما كسبه من قبل، ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .. انظر [٣٨ فى الأنفال] " يريد قوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ . ثم قال بعد ذلك عندما عرض لقوله تعالى فى الآية [١٣٠] من سورة آل عمران: ﴿يَآ أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ : ﴿الربا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً﴾ أى الربا الفاحش وبمعنى آخر: الربح الزائد عن حده فى رأس المال. وتُقدِّره كل أُمّة بعُرفها. راجع فى جزائه أواخر البقرة، وقصة اليهود فى أواخر النساء، ثم ارجع إلى [٥ فى النساء و ٤٣] ". * زكاة الزروع: كذلك نجد المؤلف يذهب فى زكاة الزروع مذهباً لم يقل به أحد من المجتهدين فضلاً عن أنه يصادم ما جاء من السُّنَّة الصحيحة فى بيان المقدار الواجب فى زكاة الزروع، وذلك حيث يُفسِّر قوله تعالى فى الآية [١٤١] من سورة الأنعام: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ .. فيقول: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ﴾ يفيد أن فى كل هذا الخارج من الأرض حقاً لا بد من إعطائه، ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ زمن تحصيله، وكما أمر المالكين بإيتاء هذا الحق، أمر الحاكم العام بأَخذه، والعمل على جبايته لبيت المال، وقد ترك التقدير للأُمة بحسب الحال". (أقول: وليس للأُمة دخل فى تقدير مقررات الزكاة بعد أن قدَّرها الرسول ﵊، وقررها على الأُمة) . * مصارف الزكاة: كذلك تخبط المؤلف فى شرحه لبعض مصارف الزكاة، وذلك حيث فسَّر قوله تعالى فى الآية [٦٠] من سورة التوبة: ﴿ ... . وَفِي الرقاب﴾ ، فقال: "فى خلاصها من الاستعباد. وفى هذا الزمان تَجد أكثر المسلمين رقابهم مملوكة للأجانب، فيجب أن يتعاونوا على فك رقابهم، وفي الزكاة حق لهذا التعاون".

стр. 725

* الطلاق: كذلك نجد المؤلف يذهب إلى أن الطلاق لا يقع إلا إذا كان سببه أمراً يخل بنظام العِشْرة، وآتياً من قِبَل المرأة، وذلك حيث يقول فى قوله تعالى فى الآية [١] من سورة الطلاق: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ ما نصه: ﴿بُيُوتِهِنَّ﴾ بيوت الزوجية.. راجع [البقرة من ٢٢٦-٢٤٢] ، و [الأحزاب: ٤٠] ، و [التحريم ٥] ، و [النور ٥-١٠] لتعرف أن الطلاق وإن كان فى يد الرجل لا يقع إلا بسبب يخل بنظام العِشْرة الزوجية". هذا بعض ما جاء فى هذا الكتاب الذى هذى به صاحبه، وفيه غير هذا كثير مما يدل على أن الرجل قد ركب متن الغواية، ومشى يخبط خبط الأعشى فى مهمة متسع من الضلالة!! وحسبى أن أكون قد أطلعت القارئ على بعض ما جاء فى هذا الكتاب، ولست فى حاجة إلى أن أطيل بذكر ما يُبطل هذه الأوهام ويفندها، فإنى لست فى مقام الرد والتفنيد، وإنما أنا فى مقام بيان لون من ألوان التفسير فى هذا العصر، وإذا كان القارئ الكريم يود أن يقف على إبطال هذه المزاعم التى حشا بها المؤلف كتابه، فليرجع إلى قرار اللجنة الأزهرية، التى أُلِّفت للرد على هذا الكتاب، وليرجع إلى ما كتبه شيخنا العلامة الشيخ محمد الخضر حسين فى الجزء الثالث من رسائل الإصلاح، ولا شك أنه سيجد فيما كتب هنا وهناك ما يكفى لأن يذهب بتلك التأويلات أدراج الرياح، وما ينادى بأن صاحب هذه التأويلات قد انحرف عن الهدى، فهو إلى مكان سحيق.. * * *

стр. 726

اللَّون الأدبى الاجتماعى للتفسير فى عصرنا الحاضر يمتاز التفسير فى هذا العصر بأنه يتلون باللَّون الأدبى الاجتماعى، ونعنى بذلك: أن التفسير لم يعد يظهر عليه فى هذا العصر ذلك الطابع الجاف. الذى يصرف الناس عن هداية القرآن الكريم، وإنما ظهر عليه طابع آخر، وتلوَّن بلون يكاد يكون جديداً وطارئاً على التفسير، ذلك هو معالجة النصوص القرآنية معالجة تقوم أولاً وقبل كل شىء على إظهار مواضع الدقة فى التعبير القرآنى، ثم بعد ذلك تُصاغ المعانى التى يهدف القرآن إليها فى أسلوب شَيِّق أخَّاذ، ثم يطبق النص القرآنى على ما فى الكون من سنن الاجتماع، ونُظُم العمران. * مدرسة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وأثرها فى التفسير: وإذا كان هذا اللًَّون الأدبى الاجتماعى يعتبر فى نظرنا عملاً جديداً فى التفسير، وابتكاراً يرجع فضله إلى مُفسِّرى هذا العصر الحديث، فإنَّا نستطيع أن نقول بحق: إن الفضل فى هذا اللَّون التفسيرى يرجع إلى مدرسة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده للتفسير. هذه المدرسة التى قام زعيمها - ورجالها من بعده - بمجهود كبير فى تفسير كتاب الله تعالى، وهداية الناس إلى ما فيه من خير الدنيا وخير الآخرة. نعم.. قامت هذه المدرسة بمجهود كبير فى تفسير كتاب الله تعالى. مجهود نحمد لها الكثير منه، ولا نوافقها على بعض منه قليل. * محاسن هذه المدرسة: فالذى نحمده لهذه المدرسة: أنها نظرت للقرآن نظرة بعيدة عن التأثر بمذهب من المذاهب، فلم يكن منها ما كان من كثير من المفسِّرين من التأثر بالمذهب إلى الدرجة التى تجعل القرآن تابعاً لمذهبه، فيؤوِّل القرآن بما يتفق معه، وإن كان تأويلاً متكلفاً وبعيداً. كما أنها وقفت من الروايات الإسرائيلية موقف الناقد البصير، فلم تُشَوِّه التفسير بما شُوِّهَ به فى كثير من كتب المتقدمين، من الروايات الخرافية المكذوبة، التى أحاطت بجمال القرآن وجلاله، فأساءت إليه وجرَّأت الطاعنين عليه!! كذلك لم تغتر هذه المدرسة بما اغتر به كثير من المفسِّرين من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة التى كان لها أثر سىء فى تفسير القرآن الكريم!! ولقد كان من أثر عدم اغترار هذه المدرسة بالروايات الإسرائيلية، والأحاديث

стр. 727

الموضوعة. أنها لم تخض فى تعيين ما أبهمه القرآن، ولم تجرؤ على الخوض فى الكلام عن الأُمور الغيبية، التى لا تُعرف إلا من جهة النصوص الشرعية الصحيحة، بل قررت مبدأ الإيمان بما جاء من ذلك مجملاً، ومنعت من الخوض فى التفصيلات والجزئيات، وهذا مبدأ سليم، يقف حاجزاً منيعاً دون تسرب شىء من خرافات الغيب المظنون إلى المعقول والعقائد. كذلك نجد هذه المدرسة أبعدت التفسير عن التأثر باصطلاحات العلوم والفنون، التى زُجَّ بها فى التفسير بدون أن يكون فى حاجة إليها، ولم تتناول من ذلك إلا بمقدار الحاجة، وعلى حسب الضرورة فقط. ثم إن هذه المدرسة، نهجت بالتفسير منهجاً أدبياً اجتماعياً، فكشفت عن بلاغة القرآن وإعجازه، وأوضحت معانيه ومراميه، وأظهرت ما فيه من سنن الكون الأعظم ونظم الاجتماع، وعالجت مشاكل الأمة الإسلامية خاصة، ومشاكل الأُمم عامة، بما أرشد إليه القرآن، من هداية وتعاليم، جمعت بين خيرى الدنيا والآخرة، ووفَّقت بين القرآن وما أثبته العلم من نظريات صحيحة، وجلت للناس أن القرآن كتاب الله الخالد، الذى يستطيع أن يساير التطور الزمنى والبَشرى، إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، ودفعت ما ورد من شُبَه على القرآن، وفنَّدت ما أُثير حوله من شكوك وأوهام، بحجج قوية قذفت بها على الباطل فدمغته فإذا هو زاهق.. كل هذا بأسلوب شيق جذاب يستهوى القارئ، ويستولى على قلبه، ويُحَبب إليه النظر فى كتاب الله، ويُرَغبه فى الوقوف على معانيه وأسراره. هذا ما نحمده لهذه المدرسة، ولا نستطيع أن نغمطها عليه، أو نقلل من فضلها فيه؟ * * * عيوب هذه المدرسة: أما ما نأخذه على هذه المدرسة، فهو أنها أعطت لعقلها حرية واسعة، فتأوَّلت بعض الحقائق الشرعية التى جاء بها القرآن الكريم، وعدلت بها عن الحقيقة إلى المجاز أو التمثيل، وليس هناك ما يدعو لذلك إلا مجرد الاستبعاد والاستغراب. استبعاد بالنسبة لقُدرة البَشر القاصرة، واستغراب لا يكون إلا ممن جهل قدرة الله وصلاحيتها لكل ممكن. كما أنها بسبب هذه الحرية العقلية الواسعة جارت المعتزلة فى بعض تعاليمها وعقائدها، وحمَّلت بعض ألفاظ القرآن من المعانى ما لم يكن معهوداً عند العرب فى زمن نزول القرآن وطعنت فى بعض الأحاديث: تارة بالضعف، وتارة بالوضع، مع أنها

стр. 728

أحاديث صحيحة رواها البخارى ومسلم، وهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى بإجماع أهل العلم، كما أنها لم تأخذ بأحاديث الآحاد الصحيحة الثابتة، فى كل ما هو من قبيل العقائد، أو من قبيل السمعيات، مع أن أحاديث الآحاد فى هذا الباب كثيرة لا يُستهان بها. وما يُقال من أن خبر الواحد لا تثبت به عقيدة إجماعاً. فيه نظر من وجوه: الأول: أن دعوى الإجماع باطلة، فإن للعلماء أربعة أقوال فى إفادة خبر الواحد العلم: ١- يفيد الظن مطلقاً. ٢- يفيد العلم بقرينة. ٣- يفيد العلم من غير قرينة باطراد. ٤- يفيد العلم من غير قرينة لا باطراد. الثانى: إذا جرينا على أن خبر الواحد يفيد العلم، أمكن أن تثبت به عقيدة، وإذا جرينا على أنه يفيد الظن، أمكن أن تثبت به العقيدة إذا احتفت به قرائن - على المختار - لإفادته العلم حينئذ، ومن هنا جزم ابن الصلاح وغيره بأن أحاديث الصحيحين التى لم تُنقد عليهما تفيد العلم، فإن الأمة قد تلقتهما بالقبول، وهى معصومة من الخطأ، وظن المعصوم لا يخطىء. الثالث: أنه ليس المراد من العقيدة كل ما يعتقَد، وإلا لتناول ذلك الفروع الفقهية، فإنه لا يسوغ العمل بها إلا بعد اعتقاد صحة الحكم فيها، وإنما المراد بالعقائد أُصولها، وهو ما كان الإخلال بها موجباً للكفر، كالإيمان بالله وباليوم الآخر. وأما الأحاديث الواردة فى الحوادث الماضية، أو المستقبلة، أو المتعلقة بتفاصيل اليوم الآخر وما فيه، فلا يُشترط فيها التواتر، لأن هذه الأمور ليست من قبيل العقائد التى يترتب على عدم تصديقها الكفر والعياذ بالله تعالى، ولكن يُكتَفى فيها بأن تكون من طريق صحيح. * * * أهم رجال هذه المدرسة: هذا.. وإن أهم رجال هذه المدرسة، وهو الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده زعيمها وعميدها، ثم المرحوم السيد محمد رشيد رضا، والمرحوم الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغى. وهما خير مَن أنجبت هذه المدرسة، وخير من ترسَّم خُطا الأستاذ الإمام، وسار على منهجه وطريقته فى التفسير.

стр. 729

ولست أرى القارئ بحاجة إلى أن أترجم لحياة هؤلاء الرجال الثلاثة، فالعهد بهم قريب، وليس يُخشى على مَن لم صلة بالحركة العلمية فى هذا العصر شىء من معالم حياتهم، ويكفى أن أتكلم عن إنتاج كل واحد منهم فى التفسير وعن منهجه الذى سلكه فيه، وسيقف القارئ - إن شاء الله تعالى - على ما قلته عن هذه المدرسة، وما ذكرته لها من أثر محمود فى التفسير، وما ذكرته عنها من أثر يُؤخذ عليها ولا يُحمد لها. * * *

стр. 730

١- الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده * إنتاجه فى التفسير: إذا نحن ذهبنا نستقصى ما أنتجه لنا الأستاذ الإمام من عمل فى التفسير، فإنَّا نجد له تفسيره المشهور لجزء "عم" ذلك التفسير الذى ألَّفه بمشورة من بعض أعضاء الجمعية الخيرية الإسلامية، ليكون مرجعاً لأساتذة مدارس الجمعية فى تفهيم التلاميذ معانى ما يحفظون من سور هذا الجزء، وعاملاً للإصلاح فى أعمالهم وأخلاقهم، ولقد أتم الأستاذ الإمام تفسير هذا الجزء فى سنة ١٣٢١ هـ (إحدى وعشرين وثلاثمائة بعد الألف من الهجرة) ، ببلاد المغرب، وبذل جهده كما يقول: "فى أن تكون العبارة سهلة التناول، خالية من الخلاف وكثرة الوجوه فى الإعراب، بحيث لا يحتاج فى فهمها إلا أن يعرف القارئ كيف يقرأ، أو السامع كيف يسمع، مع حسن النية وسلامة الوجدان". كذلك نجد له تفسيراً مطوَّلاً لسورة "العصر" كان قد ألقاه على هيئة محاضرات، أو دروس على علماء مدينة الجزائر ووجهائها فى سنة ١٣٢١ هـ (سنة ١٩٠٢م) - ويقول الأستاذ الإمام: إنه قرأ تفسير هذه السورة فى سبعة أيام، وكل درس لا يقل عن ساعتين، أو ساعة ونصف. كذلك نجد له بعض بحوث تفسيرية، عالج فيها بعض مشكلات القرآن، ودفع بها بعض ما أُثير حول القرآن من شكوك وإشكالات، كشرحه لقوله تعالى فى الآية [٧٨] من سورة النساء: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هاذه مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هاذه مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله فَمَالِ هاؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ ، وقوله فى الآية [٧٩] من السورة نفسها: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وكفى بالله شَهِيداً﴾ وجمعه بينهما. وتوفيقه بين ما يُظَن فيهما من تناف وتضاد، وهو نسبة أفعال العباد تارة إلى الله تعالى، وتارة إلى العبد. وكشرحه لقوله تعالى فى الآية [٥٢-٥٥] من سورة الحج: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ﴾ .. إلى قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ ، وإبطاله لقصة الغرانيق، وتفنيده لما بُنِىَ عليها من

стр. 731

تفسير يذهب بعصمة النبى ﷺ ، ويرفع الأمان عن الوحى الذى تكفَّل الله بحفظه. وكتفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٧] من سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ تَقُولُ للذي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً﴾ ، ورده لما أُلصق بها من أحاديث باطلة، تُصوِّر النبى ﷺ بصورة الرجل الشهوانى، وإبطاله لكل ما أُثير حول هذه القصة - قصة زيد وزينب - من مطاعن رُمِىَ بها رسول الله ﷺ زوراً وبهتاناً. وكذلك نجد من آثار الأستاذ الإمام فى التفسير، تلك الدورس التى ألقاها فى الأزهر الشريف على تلاميذه ومريديه، وكان ذلك بمشورة تلميذه السيد محمد رشيد رضا، وإقناعه به، كما يقول هو فى مقدمة تفسيره. وقد ابتدأ الأستاذ الإمام بأول القرآن فى غُرَّة المحرَّم سنة ١٣١٧ وانتهى عند تفسير قوله تعالى فى الآية [١٢٦] من سورة النساء: ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً﴾ .. وذلك فى منتصف المحرَّم سنة ١٣٢٣ هـ، إذ توفى ﵀ لثمان خلون من جُمادى الأولى من السنة نفسها. وإذا كان الأستاذ الإمام قد ألقى هذه الدروس فى التفسير على طُلابه ولم يدون شيئاً، فإنّا لا نرى حَرَجاً من جعلها أثراً من آثاره فى التفسير. وذلك لأن تلميذه السيد محمد رشيد رضا كان يكتب فى أثناء إلقاء هذه الدروس مذكرات يودعها ما يراه أهم أقوال الأستاذ الإمام، ثم يحفظ ما كتب ليمده بما يذكره من أقواله وقت الفراغ، ثم قام بعد ذلك بنشر ما كتب فى مجلته "المنار" وكان - كما يقول هو فى مقدمة تفسيره - يُطلع الأستاذ الإمام على ما أعده للطبع، كلما تيسر ذلك بعد جمع حروفه فى المطبعة وقبل طبعه، فكان ربما يُنَقِّح فيه بزيادة قليلة، أو حذف كلمة أو كلمات. قال: "ولا أذكر أنه انتقد شيئاً مما لم يره قبل الطبع، بل كان راضياً بالمكتوب، معجباً به". هذا هو كل ما وصلت إليه من إنتاج الأستاذ الإمام فى التفسير، وهو وإن كان إنتاجاً يُعَد قليلاً بالنسبة لهذه الشخصية البارزة، إلا أنه - والحق يقال - كان له أثر بالغ فى تطور التفسير واتجاهاته، كما سيظهر لك فيما بعد إن شاء الله تعالى. * *

стр. 732

* منهجه فى التفسير: كان الأستاذ الإمام هو الذى قام وحده من بين رجال الأزهر بالدعوة إلى التجديد، والتحرر من قيود التقليد، فاستعمل عقله الحر فى كتاباته وبحوثه، ولم يجر على ما جمد عليه غيره من أفكار المتقدمين، وأقوال السابقين، فكان له من وراء ذلك آراء وأفكار خالف بها مَن سبقه، فأغضبت عليه الكثير من أهل العلم، وجمعت حوله قلوب مريديه والمعجبين به. هذه الحرية العقلية، وهذه الثورة على القديم، كان لهما أثر بالغ فى المنهج الذى نهجه الشيخ لنفسه. وسار عليه فى تفسيره. وذلك أن الأستاذ الإمام اتخذ لنفسه مبدءاً يسير عليه فى تفسير القرآن الكريم، ويخالف به جماعة المفسِّرين المتقدمين. وهو فهم كتاب الله من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم فى حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة، وذلك لأنه كان يرى أن هذا هو المقصد الأعلى للقرآن، وما وراء ذلك من المباحث فهو تابع له، أو وسيلة لتحصيله. يقرر الأستاذ الإمام هذا المبدأ فى التفسير، ثم يتوجه باللَّوم إلى المفسِّرين الذين غفلوا عن الغرض الأول للقرآن. وهو ما فيه من هداية وإرشاد، وراحوا يتوسعون فى نواح أخرى من ضروب المعانى، ووجوه النحو، وخلافات الفقه، وغير ذلك من المقاصد التى يرى الأستاذ الإمام أن الإكثار فى مقصد منها "يخرج بالكثيرين عن المقصود من الكتاب الإلهى، ويذهب بهم فى مذاهب تنسيهم معناه الحقيقى". لهذا نرى الأستاذ الإمام يقسم التفسير إلى قسمين: أحدهما: جاف مبعد عن الله وكتابه، وهو ما يقصد به حل الألفاظ، وإعراب الجمل، وبيان ما ترمى إليه تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية. قال: وهذا لا ينبغى أن يُسمى تفسيراً. وإنما هو ضرب من التمرين فى الفنون، كالنحو، والمعانى، وغيرهما. وثانيهما: ذهاب المفسِّر إلى فهم المراد من القول، وحكمة التشريع فى العقائد والأحكام، على الوجه الذى يجذب الأرواح، ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة فى الكلام، ليتحقق فيه معنى قوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧] ونحوهما من الأوصاف.. قال الأستاذ الإمام: "وهذا هو الغرض الأول الذى أرمى إليه فى قراءة التفسير".

стр. 733

هذا.. وإن الأستاذ الإمام لا يريد من كلامه السابق أن يُهمل الناحية البلاغية أو النحوية مثلاً فى تفسير القرآن، ولكنه يريد أن يأخذ المفسِّر من ذلك بمقدار الضرورة، فيبين المفسر - مثلاً - من وجوه البلاغة، وضروب الإعراب بقدر ما يحتمله المعنى، وعلى الوجه الذى يليق بفصاحة القرآن وبلاغته. وذلك بدون أن يتجاوز مقدار الحاجة. ثم إنَّا نجد الأستاذ الإمام - وقد وضع لنفسه هذه الخطة فى التفسير - يشترط شروطاً لا بد من توفرها عند مَن يريد أن يُفسِّر القرآن تفسيراً يحقق الغرض منه، وقد ذكرناها بجملتها عند كلامنا عن العلوم التى يحتاج إليها المفسِّر. * * * القرآن لا يتبع العقيدة وإنما تؤخذ العقيدة من القرآن: ويرى الأستاذ الإمام: أن القرآن الكريم هو الميزان الذى تُوزن به العقائد لتعرف قيمتها، ويقرر أنه يجب على مَن ينظر فى القرآن أن ينظر إليه كأصل تؤخذ منه العقيدة، ويُستنبط منه الرأى، وينعى على ما كان من أكثر المفسِّرين، من تسلط العقيدة عليهم، ونظرتهم للقرآن من خلالها، حتى تأوَّلوا القرآن بما يشهد لعقائدهم، وتتمشى معها، وفى هذا يقول: "إذا وزنا ما فى أدمغتنا من الاعتقاد بكتاب الله تعالى، من غير أن نُدخلها أولاً فيه، يظهر لنا كوننا مهتدين أو ضالين. وأما إذا أدخلنا ما فى أدمغتنا فى القرآن، وحشرناها فيه أولاً، فلا يمكننا أن نعرف الهداية من الضلال، لاختلاط الموزون بالميزان، فلا يُدرى ما هو الموزون به. "أريد أن يكون القرآن أصلاً تُحمل عليه المذاهب والآراء فى الدين، لا أن تكون المذاهب أصلاً والقرآن هو الذى يُحمل عليها. ويُرجع بالتأويل أو التحريف إليها، كما جرى عليه المخذولون، وتاه فيه الضالون". * * * كيف كان يقرأ الأستاذ الإمام التفسير ويكتبه: تناول الأستاذ الإمام تفسير القرآن الكريم بالتأليف والتدريس، أما ناحية التأليف، فمحدودة ضيقة، كما ظهر لك فيما سبق، وأما ناحية التدريس فكانت أوسع إلى حد ما من ناحية التأليف، فقد ألقى ﵀ دروساً في التفسير بالجامع الأزهر الشريف، مدة ست سنوات، قرأ فيها ما يقرب من خمسة أجزاء من أجزاء القرآن، كما ألمعنا إليه فيما تقدم. كذلك ألقى دروساً فى التفسير بمدينة الجزائر من بلاد المغرب، كما ألقى دروساً فى التفسير أيضاً فى مساجد بيروت.. فى المسجد الكبير، وفى مسجد "الباشورة". وكان من عادة الأستاذ الإمام فى دروسه: أنه يراعى حال مَن يستمعون إليه، فإذا

стр. 734

حضره جماعة من البلداء الخاملى الفكر شرح لهم المعنى بكلمات قليلة، وإذا كان هناك مَن يتنبه لما يقول ويُلقى له بالاً، يفتح الله عليه بكلام كثير. بهذا يُحدِّث الأستاذ الإمام عن نفسه. ويحدثنا تلميذه السيد محمد رشيد رضا عن طريقة الأستاذ الإمام فى دروس التفسير فيقول: "كانت طريقته فى قراءة الدرس على مقربة مما ارتآه فى كتابة التفسير، وهو أن يتوسع فيه فيما أغفله أو قصَّر فيه المفسِّرون، ويختصر فيما برزوا فيه من مباحث الألفاظ، والإعراب، ونكت البلاغة، وفى الروايات التى تدل عليها، ولا تتوقف على فهمها الآيات". وكان الأستاذ الإمام يعتمد فى دروسه وكتابته فى التفسير على عقله الحر وكان - كما يقول عنه بعض الكاتبين - "لا يلتزم فى التفسير كتاباً، وإنما يقرأ فى المصحف، ويلقى ما يفيض الله على قلبه". وكان من دأبه أنه لا يرجع إلى كتاب من كتب التفسير قبل إلقاء دروسه حتى لا يتأثر بفهم غيره، وكل ما كان منه أنه إذا عرض له وجه غريب من الإعراب، أو كلمة غريبة فى اللُّغة رجع إلى بعض كتب التفسير، ليرى ما كُتِب فى ذلك، وقد حدَّث عن نفسه بذلك فقال: "إننى لا أطالع عندما أقرأ، لكننى ربما أتصفح كتاب تفسير إذا كان هناك وجه غريب فى الإعراب، أو كلمة غريبة فى اللُّغة". غير أننا نجد تلميذه السيد محمد رشيد رضا يذكر أن الأستاذ الإمام كان "يتوكأ فى ذلك - يعنى فى دروسه فى التفسير - على عبارة تفسير الجلالين الذى هو أوجز التفاسير، فكان يقرأ عبارته فيقرها، أو ينتقد منها ما يراه منتقداً ثم يتكلم فى الآية أو الآيات المنزَّلة فى معنى واحد بما فتح الله عليه، مما فيه هداية وعبرة". وسواء أقلنا إن الأستاذ الإمام كان يرجع إلى كتب التفسير أم لا يرجع إليها، فإنه كان يُحَكّم عقله فيما يلقى وفيما يكتب، غير ملتفت إلى ما سُبِق به من أقوال فى التفسير، ولا بواقف عند اعتبارات المؤلفين وأفهامهم وقوف مَن يخضع لها، ويُسَلِّم بها، على ما فيها من غث وسمين. نعم.. لم يجمد الأستاذ الإمام على ما فى كتب قدماء المفسِّرين، ولم يلغ عقله أمام عقولهم، بل على العكس من ذلك وجدناه يُنَدِّد بمن يكتفى فى التفسير بالنظر

стр. 735

فى أقوال المتقدمين فيقول: "التفسير عند قومنا اليوم ومن قبل اليوم بقرون، هو عبارة عن الاطلاع على ما قاله بعض العلماء فى كتب التفسير، على ما فى كلامهم من اختلاف يتنزه عنه القرآن: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢] ، وليت أهل العناية بالاطلاع على كتب التفسير يطلبون لأنفسهم معنى تستقر عليه أفهامهم فى العلم بمعانى الكتاب، ثم يبثونه فى الناس ويحملونهم عليه، ولكنهم لم يطلبوا ذلك، وإنما طلبوا صناعة يفاخرون بالتفنن فيها، ويمارون فيها من يباريهم فى طلبها، ولا يخرجون لإظهار البراعة فى تحصيلها عن حد الإكثار من القول، واختراع الوجوه من التأويل والإغراب فى الإبعاد عن مقاصد التنزيل. "إن الله تعالى لا يسألنا يوم القيامة عن أقوال الناس وما فهموه، وإنما يسألنا عن كتابه الذى أنزله لإرشادنا وهدايتنا، وعن سُنَّة نبينا الذى بيَّن لنا ما نُزِّل إلينا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .. "يسألنا هل بلغتكم الرسالة؟ هل تدبرتم ما بُلِّغْتُم؟ هل عقلتم ما عنه نُهيتم وما به أُمرتم؟ وهل عملتم بإرشاد القرآن، واهتديتم بهدَى النبى، واتبعتم سُنَّته؟ عجباً لنا ننتظر هذا السؤال ونحن فى هذا الإعراض عن القرآن وهَديه، فيا للغفلة والغرور". كما وجدناه يُعَرِّف لنا الفهم الصحيح للقرآن فيقول: " ... وأعنى بالفهم ما يكون عن ذوق سليم تصيبه أساليب القرآن بعجائبها، وتملكه مواعظه فتشغله عما بين يديه مما سواه. لا أُريد الفهم المأخوذ بالتسليم الأعمى من الكتب أخذاً جافاً، لم يصحبه ذلك الذوق وما يتبعه من رقة الشعور ولطف الوجدان، اللَّذين هما مدار التعقل والتأثر والفهم والتدبر". ومما يُذكر فى هذا المقام أنه "لما أبدى الأستاذ الإمام رأياً طريفاً فى تفسير بعض الآيات، قال له أحد المجاورين: إن ما قلته لا يوافق عليه الجمل - يعنى بالجمل أحد المؤلفين ممن كتبوا الحواشى على تفسير الجلالين - فقال الأستاذ على الفور: إننى أقرر ما يدل عليه المعنى الجليل، والكلام البليغ، ولا يعنينى أوافق عليه الجمل أو الحمار". كل هذا يدلنا على أن الأستاذ الإمام كان حراً فى تفكيره وفهمه للقرآن، صريحاً فى نقده ونُصحه للتفسير والمفسِّرين، جريئاً فى ثورته على القديم، ودعوته إلى التحرر مما أحاط بالعقول من القيود، وما أوغلت فيه من الركود والجمود. هذا.. وإن الأستاذ الإمام لم يكن كغيره من المفسِّرين الذين كَلفوا بالإسرائيليات

стр. 736

فجعلوا منها شروحاً لمبهمات القرآن، بل وجدناه على العكس من ذلك نفوراً منها، وشروداً من الخوض فيها، لاعتقاده أن الله تعالى لم يكلفنا بالبحث عن الجزئيات والتفصيلات لما جاء به مبهماً فى كتابه، ولو أراد منا ذلك لدلنا عليه فى كتابه أو على لسان نبيه، وهو يُصَرِّح بأن هذا هو "مذهبه فى جميع مبهمات القرآن يقف عند النص القطعى لا يتعداه، ويثبت أن الفائدة لا تتوقف على سواه". وإذا نحن تتبعنا أقواله فى مبهمات القرآن وجدناه محافظاً على هذا المبدأ، لا يعدل عنه ولا يحيد، إلا فى مواضع قليلة نادرة. فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآيتين [١٠، ١١] من سورة الانفطار: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ .. نجده يقول: "ومن الغيب الذى يجب علينا الإيمان به ما أنبأنا به فى كتابه: أن علينا حَفَظَة يكتبون أعمالنا حسنات وسيئات، ولكن ليس علينا أن نبحث عن حقيقة هؤلاء، ومن أى شىء خُلِقوا، وما هو عملهم فى حفظهم وكتابتهم، هل عندهم أوراق وأقلام ومداد كالمعهود عندنا ... وهو يبعد فهمه؟ أو هناك ألواح تُرسم فيها الأعمال؟ وهل الحروف والصور التى تُرسم هى على نحو ما نعهد؟ أو إنما هى أرواح تتجلى لها الأعمال فتبقى فيه بقاء المِداد فى القِرطاس إلى أن يبعث الله الناس؟ كل ذلك لا نُكَلَّف العلم به، وإنما نُكَلَّف الإيمان بصدق الخبر وتفويض الأمر فى معناه إلى الله، والذى يجب علينا اعتقاده من جهة ما يدخل فى عملنا، هو: أن أعمالنا تُحفظ وتُحصى، لا يضيع منها نقير ولا قطمير". ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤] وما بعدها من سورة البروج: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود﴾ ... . إلى آخر القصة يقول: "أما تعيين أصحاب الأُخدود، وأنَّى كانوا؟ ومَن هم أُولئك المؤمنون؟ وأين كان منزلهم من الأرض؟ فقد كثرت فيه الروايات، والأشهر أن المؤمنين كانوا نصارى نجران، عندما كان دينهم دين التوحيد، ليس فيه حدث ولا بدعة، وأن الكافرين كانوا أُمراء اليمن، أو اليهود الذين لا يبعدون عن هؤلاء فى حقيقة الوثنية، غير أن المؤمن لا يحتاج فى الاعتبار وإشعار الموعظة قلبه إلى أن يعرف القوم، والجهة، وخاصة الدين الذى كان عليه أولئك أو هؤلاء، حتى يطير وراء القصص المشحونة بالمبالغات، والأساطير المحشوة بالخرافات، وإنما الذى عليه: هو أن يعرف من القصة ما ذكرناه أولاً، ولو علم الله خيراً فى أكثر من ذلك لتفضَّل علينا به". ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآيتين [٦، ٧] من سورة الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العماد﴾ .. نجده يقول: "وقد يروى المفسِّرون هنا حكايات

стр. 737

فى تصوير إرم ذات العماد، كان يجب أن يُنزَّه عنها كتاب الله، فإذا وقع إليكَ شىء من كتبهم، ونظرتَ فى هذا الموضع منها، فتخط ببصرك ما تجده فى وصف إرم، وإياك أن تنظر فيه". ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآيات [٦-٩] من سورة القارعة: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ .. نجده يقول: " وتقدير الله الأعمال وما تستحقه من الجزاء فى ذلك اليوم، إنما يكون على حسب ما يعلم، لا طريقة ما نعلم، فعلينا أن نفوِّض الأمر فيه إليه سبحانه على الإيمان به، ومن عجيب ما قال بعض المفسِّرين: "إنه ميزان بلسان وكفَّتين كأطباق السموات والأرض، ولا يعلم ماهيته إلا الله" فماذا بقى من ماهيته بعد لسانه وكفَّتيه حتى يُفوَّض العلم فيه إلى الله؟ والكلام فيه جرأة على غيب الله بغير نص صريح متواتر عن المعصوم، ولم يرد فى الكتاب إلا كلمة "ميزان"، وقد عرفت ما يمكننا أن نفهم منها لننتفع بما نعتقد، وما عدا ذلك فعلمه إلى الله سبحانه. وقد قالوا: إن منكر الميزان بالمعنى المعروف لا يكفر، إذا كان القائل به يحدد له لساناً وكفَّتين، مع أن البَشر اخترعوا من الموازين ما هو أتقن من ذلك وأضبط وأوفى ببيان الموزون. أفيأبى الحكيم الخبير إلا استعمال ذلك الميزان الخشن الناقص الذى هدى العلم عقول البَشر إلى ما هو أدق منه؟ أيأبى عالِمُ الغيب والشهادة أن يستعمل فى وزن المعانى والمعقولات إلا ذلك الميزان الذى اخترعه بعض البَشر قبل أن يبلغ بهم العلم ما بلغ بأهل العصر الحاضر وما سيبلغ بأهل العصور المقبلة؟ على أن جميع ما اخترع البَشر وما يخترعون مهما دقَّ ولَطُف، إنما هو معيار الأثقال الجسمانية، والأوزان المحسوسة، وهلا يكون الأليق بالمقام الإلهى أن يكون ميزان المعانى المعقولة لديه أسمى وأعلى من أن يكون على نمط ما يستعمله البَشر، مهما ارتقت المعارف وسمت بهم العلوم؟ وهل يليق بمن يخاف مقام ربه أن يجرؤ على القول بوجوب الاعتقاد بأن الميزان الذى يزن الله به الأعمال يوم القيامة هو الميزان الذى تستعمله القبائل التى لم تزل فى مهد الإنسانية الأُولى؟.. ميزان ضعفاء العقول قصار الأنظار، الذين لا يعرفون قيمة للإيمان بالغيب، ولا لحياء العقل من الله، وإطراقه عن أن ينظر إلى ما تشامخ من غيوب الله تعالى علمه، وتعاظمت قدرته. "عليك أيها المؤمن المطمئن إلى ما يخبر الله به أن توقن أن الله يزن الأعمال، ويميز لكل عمل مقداره. ولا تسل كيف يزن، ولا كيف يُقَدِّر، فهو أعلم بغيبه، والله يعلم وأنتم لا تعلمون". * *

стр. 738

* معالجته للمسائل الاجتماعية: ثم إنّا نجد الأستاذ الإمام لا يكاد يمر بآية من القرآن، يمكنه أن يأخذ منها علاجاً للأمراض الاجتماعية، إلا أفاض فى ذلك بما يُصَوِّر للقارئ خطر العِلَّة الاجتماعية التى يتكلم عنها، ويُرشده إلى وسيلة علاجها والتخلص منها، كل هذا يأخذه الأستاذ الإمام من القرآن الكريم، ثم يُلقى به على أسماع المسلمين وغير المسلمين، رجاء أن يعودوا إلى الصواب، ويثوبوا إلى الرشاد. فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٣] من سورة العصر من التفسير المطوَّل لها: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ .. نجده يقول: "والصبر مَلَكة في النفس يتيسر معها احتمال ما يشق احتماله، والرضا بما يكره فى سبيل الحق. وهو خُلُق يتعلق به بل يتوقف عليه كمال كل خُلُق، وما أُتِىَ الناس من شىء مثل ما أُتوا من فقد الصبر أو ضعفه. كل أُمة ضعف الصبر فى نفوس أفرادها. ضعف فيها كل شىء، وذهبت منها كل قوة، ولنضرب لذلك مثلاً: نقص العلم عند أمة من الأمم كالمسلمين اليوم، إذا دققت النظر وجدت السبب فيه ضعف الصبر، فإن مَن عرف باباً من أبواب العلم، لا يجد فى نفسه صبراً على التوسع فيه، والتعب فى تحقيق مسائله، وينام على فراش من التقليد هَيِّن لَيِّن، لا يكلفه مشقة، ولا يجشمه تعبأ، ويسلى نفسه عن كسله بتعظيم مَن سبقه، ولو كان عنده احترام حقيقى لسَلَفه، لاتخذهم أُسوة له فى عمله، فحذا حذوهم، وسلك مسلكهم، وكلَّف نفسه بعض ما حملوا أنفسهم عليه، واعتقد كما كانوا يعتقدون أنهم ليسوا بمعصومين. "ثم هو إذا تعلَّم لا يجد صبراً على مشقة دعوة الناس إلى علم ما يعلم، وحملهم على عرفان ما يعرف، ولا جلداً على تحصيل الوسائل لنشر ما عنده، بل متى لاقى أول معارضة قبع فى بيته وترك الخلق للخالق كما يقولون. "يجلس الطالب لدرسه سنة أو سنتين، ثم تعرضه مشقة التحصيل، فيترك الدرس أو يتساهل فى فهمه إلى حرفة أخرى يظنها أربح له، فينقطع عن الطلب، ويذهب فى الجهل كل مذهب، وكل هذا من ضعف الصبر. "يبخل البخيل بماله، ويجهد نفسه فى جمعه وكنزه، وتعرض له وجوه البر فيعرض عنها، ولا يُنفق درهماً فى شىء منها، فيؤذى بذلك وطنه ومِلَّته، ويترك الشر والفقر يأكل قومه وأُمته، ولو نظرنا إلى ما قبض يده لوجدناه ضعف الصبر، ولو صبر على محاربة خيال الفقر اللائح فى ذهنه يهدده بالنزول به، لما أُصيب بذلك المرض القاتل له ولأهله. "يُسرف المسرف فى الشهوات، ويتهتك المتهتك فى المنكرات، حتى ينفد المال،

стр. 739

وتسوء الحال، ويستبدل الذل بالعز، والفقر بالغنى، ولا سبب لذلك إلا ضياع صبره فى مقاومة الهوى، وضبط نفسه عن مواقع الردى، ولو صبر فى مجاهدة تلك النزعات لما كان قد خسر ماله، وأفسد حاله.. وهكذا لو أردت أن أعد جميع الرذائل، وأبحث عن عللها الأولى، لوجدتموها تنتهى إلى ضعف الصبر أو فقده. ولو سردتَ جميع الفضائل وطلبتَ ينبوعها الذى تستمد منه حياتها لما وجدتَ لها ينبوعاً سوى الصبر، أفلا يكون جديراً بعد هذا بأن يُخَص بالذكر". ثم يبين بعد ذلك وسائل الدعوة إلى الخير فيقول: " ... يجب على العلماء ومَن يتشبه بهم، أن يتعلموا من وسائل القيام بالواجب ما تدعو إليه الحال، على حسب الأزمان واختلاف أحوال الأُمم، وأول ما يجب عليهم فى ذلك أن يتعلموا التاريخ الصحيح، وعلم تكوين الأُمم، وارتفاعها وانحطاطها، وعلم الأخلاق وأحوال النفس، وعلم الحس والوجدان، ونحو ذلك مما لا بد منه فى معرفة مداخل الباطل إلى القلوب، ومعرفة طرق التوفيق بين العقل والحق، وسُبُل التقريب بين اللَّذة والمنفعة الدنيوية والأُخروية، ووسائل استمالة النفوس عن جانب الشر إلى جانب الخير، فإن لم يحصلوا على ذلك كله فوزر العامة عليهم. ولا تنفعهم دعوى العجز، فإنهم ينفقون من أزمانهم في القيل والقال، والبحث فى الألفاظ والأقوال، ما كان يكفيهم أن يكونوا بحار علم، وأعلام هُدى ورُشد، فليطلبوا العلم من سُبُله التى قام عليها السَلَف الصالح، والله كفيل أن يمدهم بمعونته، أما وقد انقطعوا إلى ما يعجزهم عن القيام بأمره، فلن يقبل الله لهم عذراً، بل فليتربصوا حتى يأتى أمر الله. "لو قضى الزمان بأن يكون من وسائل التمكن من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واشتغال الناس بالحق عن الباطل، وبالطيب عن الخبيث أن يضرب الإنسان فى الأرض ويمسحها بالطول والعرض، وأن يتعلم اللُّغات الأجنبية، ليقف على ما فيها مما ينفعه فيستعمله، وما يخشى ضرره على قومه فيدفعه، لوجب على أهل العلم أن يأخذوا من ذلك بما يستطيعون، ولهم فى سَلَف الأُمة من القرون الأولى إلى نهاية القرن الرابع من الهجرة أحسن أُسوة، وأفضل قدوة، وكل ما يُهوِّنون به على أنفسهم مما يخالف ذلك فإنما هى وساوس شيطان. يشغلهم بها عن النظر فى معانى القرآن، ويحرمهم من التعرض لرحمة الرحمن". ومثلاً عند قوله تعالى فى الآية [١٣] من سورة الانفطار: ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ﴾ .. نراه يوضح معنى البِّر وما يكون به الإنسان من الأبرار، ثم يقول: "فلا يُعَد

стр. 740

الشخص بَرا ولا باراً حتى يكون للناس من كسبه ومن نفسه نصيب فلا يغترَّن أُولئك الكسالى الخاملون، الذين يظنون أنهم يدركون مقام الأبرار بركعات من الخشية خاليات، وبتسبيحات وتكبيرات وتحميدات ملفوظات غير معقولات، وصيحات غير لائقات بأهل المروءة من المؤمنين والمؤمنات، ثم بصوم أيام معدودات، لا يجتنب فيها إيذاء كثير من المخلوقات، مع عدم مبالاة الواحد منهم بشأن الدين قام أم أسقط، ارتفع أو انحط. ومع حرصه وطمعه لما فى أيدى الناس، واعتقاده الاستحقاق لما عندهم، لا لشىء سوى أنهم عاملون فى كسب المال وهو غير عامل، وهم يجرون على سُنَّة الحق وهو مستمسك بسُنَّة الباطل، وهم يتجملون بحلية العمل وهو منها عاطل، فهؤلاء ليسوا من الأبرار، بل يجدر بهم أن يكونوا من الفُجَّار". ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى في أول سورة العاديات: ﴿والعاديات ضَبْحاً * فالموريات قَدْحاً * فالمغيرات صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ [العاديات: ١-٥] .. نجده يقول: "وكان فى هذه الآيات القارعات، وفى تخصيص الخيل بالذكر فى قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٣] ، وفيما ورد فى الأحاديث التى لا تكاد تُحصر ما يحمل كل فرد من رجال المسلمين على أن يكون فى مقدمة فرسان الأرض مهارة فى ركوب الخيل، ويبعث القادرين منهم على قنية الخيل على التنافس فى عقائلها، وأن يكون فن السباق عندهم يسبق بقية الفنون إتقاناً، أفليس من أعجب العجب عندهم أن ترى أُمماً هذا كتابها قد أهملت شأن الخيل والفروسية، إلى أن صار يُشار إلى راكبيها بينهم بالهزء والسخرية، وأخذت كرام الخيل تهجر بلادهم إلى بلاد أُخرى؟ أليس أغرب ما يُستغرب أن أُناساً يزعمون أن هذا الكتاب كتابهم، يكون طُلاب العلوم الدينية منهم أشد الناس رهبة من ركوب الخيل، وأبعدهم عن صفات الرجولية، حتى وقع من أحد أساتذتهم المشار إليهم بالبنان عندما كنت أكلمه فى منافع بعض العلوم وفوائدها فى علم الدين أن قال: "إذا كان كل ما يفيد فى الدين نُعَلِّمه لطلبة العلم، كان علينا إذن أن نعلمهم ركوب الخيل"! يقول ذلك ليفحمنى وتقوم له الحُجَّة علىّ، كأن تعليم ركوب الخيل مما لا يليق ولا ينبغى لطلبة العلم، وهم يقولون إن العلماء ورثة الأنبياء، فهل هذه الأعمال وهذه العقائد تتفق مع الإيمان بهذا الكتاب؟ أنصف ثم احكم". ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٣] من سورة الماعون: ﴿وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين﴾ .. نجده يقرر: أن قوله: ﴿وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين﴾ ، كناية
следующие страницы →