← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12393

التفسير والمفسرون

محمد حسين الذهبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقد حمل هؤلاء معهم إلى هذه البلاد التى رحلوا إليها، ما وعوه من العلم، وما حفظوه عن رسول الله ﷺ ، فجلس إليهم كثير من التابعين يأخذون العلم عنهم، وينقلونه لمن بعدهم، فقامت فى هذه الأمصار المختلفة مدارس علمية، أساتذتها الصحابة، وتلاميذها التابعون. واشتهر بعض هذه المدارس بالتفسير، وتتلمذ فيها كثير من التابعين لمشاهير المفسِّرين من الصحابة، فقامت مدرسة للتفسير بمكة، وأخرى بالمدينة، وثالثة بالعراق، وهذه المدارس الثلاث، هى أشهر مدارس التفسير فى الأمصار فى هذا العهد. قال ابن تيمية: "وأما التفسير فأعلم الناس به أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد، وعطاء بن أبى رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس، كطاووس، وأبى الشعثاء، وسعيد بن جبير، وأمثالهم. وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزَّوا به عن غيرهم، وعلماء أهل المدينة فى التفسير، مثل زيد بن أسلم، الذى أخذ عنه مالك التفسير، وأخذ عنه أيضاً ابنه عبد الرحمن، وعبد الله بن وهب". وأرى أن أتكلم عن كل مدرسة من هذه المدارس الثلاث، وعن أشهر المفسِّرين من التابعين الذين أخذوا التفسير عن أساتذة هذه المدارس من الصحابة، فأقول وبالله التوفيق: أولاً: مدرسة التفسير بمكة * قيامها على ابن عباس: قامت مدرسة التفسير بمكة على عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، فكان يجلس لأصحابه من التابعين، يُفسِّر لهم كتاب الله تعالى، ويوضح لهم ما أشكل من معانيه، وكان تلاميذه يعون عنه ما يقول، ويروون لمن بعدهم ما سمعوه منه. * * * أشهر رجالها: وقد اشتهر من تلاميذ ابن عباس بمكة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة مولى ابن عباس، وطاووس بن كيسان اليمانى، وعطاء بن أبى رباح. وهؤلاء كلهم كانوا من الموالى، وهم يختلفون فى الرواية عن ابن عباس قِلَّة وكثرة، كما اختلف العلاء فى مقدار الثقة بهم والركون إليهم. ونسوق الحديث عن كل واحد منهم، ليتضح لنا مكانته فى التفسير، ومقدار الاعتماد عليه فيه:

стр. 72

١- سعيد بن جبير * ترجمته: هو أبو محمد - أو أبو عبد الله - سعيد بن جبير بن هشام الأسدى الوالبى، مولاهم. كان حبشى الأصل، أسود اللون، أبيض الخصال. سمع جماعة من أئمة الصحابة. وروى عن ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما. * مكانته فى التفسير: كان ﵀ من كبار التابعين ومتقدميهم فى التفسير والحديث والفقه، أخذ القراءة عن ابن عباس عرضاً، وسمع منه التفسير، وأكثر روايته عنه وقد جمع سعيد القراءات الثابتة عن الصحابة وكان يقرأ بها، يدلنا على ذلك ما جاء عن إسماعيل بن عبد الملك أنه قال: "كان سعيد بن جبير يؤمنا فى شهر رمضان فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت، وليلة بقراءة غيره، وهكذا أبداً"، ولا شك أن جمعه لهذه القراءات كان يعطيه القدرة على التوسع فى معرفة معانى القرآن وأسراره، ولكن يظهر لنا أنه كان يتورع من القول فى التفسير برأيه، يدلنا على ذلك ما رواه ابن خلكان: من أن رجلاً سأل سعيداً أن يكتب له تفسير القرآن فغضب وقال: لأن يسقط شقِّى أحب إلىَّ من ذلك. ولقد جمع سعيد علم أصحابه من التابعين، وأَلمَّ بما عندهم من النواحى التى برزوا فيها، فقد قال خصيف: "كان من أعلم التابعين بالطلاق سعيد بن المسيب. وبالحج عطاء، وبالحلال والحرام طاوووس، وبالتفسير أبو الحجاج مجاهد بن جبر، وأجمعهم لذلك كله سعيد بن جبير". لهذا كله نجد أستاذه ابن عباس يثق بعلمه، ويحيل عليه مَن يستفتيه، وكان يقول لأهل الكوفة إذا أتوه ليسألوه عن شئ: أليس فيكم ابن أم الدهماء؟ - يعنى سعيد بن جبير - ويروى عمرو بن ميمون عن أبيه أنه قال: لقد مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه. ويرى بعض العلماء أنه مُقدَّم على مجاهد وطاووس فى العلم، وكان قتادة يرى أنه أعلم التابعين بالتفسير. هذا وقد وَثَّقَ علماء الجرح والتعديل سعيد بن جبير، فقال أبو القاسم الطبرى: هو ثقة، حُجَّة، إمام على المسلمين. وذكره ابن حبان فى الثقات وقال: كان عبداً فاضلاً ورعاً. وهو مُجْمَع عليه من أصحاب الكتب الستة. وقد قُتل فى شعبان سنة ٩٥ هـ (خمس وتسعين من الهجرة) ، وهو ابن تسع

стр. 73

وأربعين سنة، قال أبو الشيخ: قتله الحجاج صبراً. وله مناظرة قبل قتله مع الحجاج، تدل على قوة يقينه، وثبات إيمانه، وثقته بالله، فرضى الله عنه وأرضاه. * * * ٢- مجاهد بن جبر * ترجمته: هو مجاهد بن جبر، المكى، المقرئ، المفسِّر، أبو الحجاج المخزومى، مولى السائب بن أبى السائب. كان أحد الأعلام الأثبات. ولد سنة ٢١ هـ (إحدى وعشرين من الهجرة) فى خلافة عمر بن الخطاب. وكانت وفاته بمكة وهو ساجد، سنة ١٠٤ هـ (أربع ومائة) على الأشهر، وعمره ثلاث وثمانون سنة. * * * مكانته فى التفسير: كان مجاهد ﵀ أقل أصحاب ابن عباس رواية عنه فى التفسير، وكان أوثقهم، لهذا اعتمد على تفسيره الشافعى والبخارى وغيرهما، ونجد البخارى رضى الله عنه فى كتاب التفسير من الجامع الصحيح، ينقل لنا كثيراً من التفسير عن مجاهد، وهذه أكبر شهادة من البخارى على ثقته وعدالته، واعتراف منه بمبلغ فهمه لكتاب الله تعالى، وقد روى الفضل ابن ميمون أنه سمع مجاهداً يقول: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وروى عنه أيضاً أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية، أساله فيم نزلت، وكيف كانت؟ ولا تعارض بين هاتين الروايتين، لأن الإخبار بالقليل لا ينافى الإخبار بالكثير، ولعله عرض القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة لتمام الضبط، ودقة التجويد، وحُسْن الأداء، وعرضه بعد ذلك ثلاث مرات طلباً لتفسيره، ومعرفة ما دق من أسراره، وخفى من معانيه. كما تُشعر بذلك ألفاظ الرواية. وعن ابن أبى مليكة قال: رأيت مجاهداً سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فقال ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله. وروى عبد السلام بن حرب عن مصعب قال: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد، وبالحج عطاء. وقال قتادة: أعلم مَن بقى بالتفسير مجاهد. وقال ابن سعد: كان ثقة، فقيهاً، عالماً، كثير الحديث. وقال ابن حبان: كان فقيهاً، ورعاً، عابداً، متقناً. وأخرج ابن جرير فى تفسيره عن أبى بكر الحنفى قال: سمعت سفيان الثورى يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. وكان ﵀ جيد الحفظ، وقد حدَّث بهذا عن نفسه

стр. 74

فقال: قال لى ابن عمر: وددتُ أن نافعاً يحفظ حفظك. وقال الذهبى فى الميزان، فى آخر ترجمة مجاهد: أجمعت الأُمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به. وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة. كل هذه شهادات من العلماء النُقَّاد تشهد بعلو مكانته فى التفسير. ولكن مع هذا كله، كان بعض العلماء لا يأخذ بتفسيره، فقد روى الذهبى فى ميزانه: أن أبا بكر بن عياش قال: قلت للأعمش: ما بال تفسير مجاهد مخالف؟ أو ما بالهم يَتَّقون تفسير مجاهد؟ - كما هى رواية ابن سعد - قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب. هذا هو كل ما أُخِذ على تفسيره ولكن لم نر أحداً طعن عليه فى صدقه وعدالته. وجملة القوَل فإن مجاهداً ثقة بلا مدافعة، وإن صح أنه كان يسأل أهل الكتاب فما أظن أنه تخطى حدود ما يجوز له من ذلك، لا سيما وهو تلميذ حَبْر الأُمة ابن عباس. الذى شدَد النكير على مَن يأخذ عن أهل الكتاب ويُصَدِّقهم فيما يقولونه مما يدخل تحت حدود النهى الوارد عن رسول الله ﷺ . * * * مجاهد والتفسير العقلى: وكان مجاهد - رضى الله عنه - يعطى عقله حرية واسعة فى فهم بعض نصوص القرآن التى يبدو ظاهرها بعيداً، فإذا ما مَرَّ بنص قرآنى من هذا القبيل، وجدناه ينزله بكل صراحة ووضوح على التشبيه والتمثيل، وتلك الخطة كانت فيما بعد مبدءاً معترفاً به ومقرراً لدى المعتزلة فى تفسير القرآن بالنسبة لمثل هذه النصوص. وإذا نحن رجعنا إلى تفسير ابن جرير وقرأنا بعض ما جاء فيه عن مجاهد نجده يطبق هذا المبدأ عملياً فى مواضع كثيرة. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦٥] من سورة البقرة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ نجده يقولَ - كما يروى عنه ابن جرير -: "مُسِخَت قلوبهم ولم يُمسَخوا قردة، وإنما هو مَثَلٌ ضربه الله لهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً". ولكن نجد ابن جرير لا يرتضى هذا التفسير من مجاهد فيقول معقباً عليه: وهذا القول الذى قاله مجاهد قول لظاهر ما دلَّ عليه كتاب الله مخالف.. ثم يمضى فى تفنيد هذا القول بأدلة واضحة قوية. وكذلك نجد ابن جرير ينقل عن مجاهد أنه فسَّر قوله تعالى فى الآيتين [٢٢، ٢٣] من سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .. بقوله: "تنتظر الثواب

стр. 75

من ربها، لا يراه من خلَقه شئ" وهذا التفسير عن مجاهد كان فيما بعد متكئاً قوياً للمعتزلة فيما ذهبوا إليه فى مسألة رؤية الله تعالى. ولعل مثل هذا المسلك من مجاهد، هو الذى جعل بعض المتورعين الذين كانوا يتحرجون من القول فى القرآن برأيهم يتقون تفسيره، ويلومونه على قوله فى القرآن بمثل هذه الحرية الواسعة فى الرأى، فقد روى عن ابن مجاهد أنه قال: قال رجل لأبى: أنت الذى تفسِّر القرآن برأيك؟ فبكى أبى ثم قال: إنى إذن لجرئ، لقد حملت التفسير عن بضعة عشر رجلاً من أصحاب النبى ﷺ ورضى عنهم. ومهما يكن من شئ، فمجاهد رضى الله عنه إمام فى التفسير غير مدافع، وليس فى إعطائه لنفسه مثل هذه الحرية ما يغض من قيمته. أو يقلل من مكانته. * * * ٣- عِكرمة *ترجمته: هو أبو عبد الله عِكرمة البربرى المدنى مولى ابن عباس (أصله من البربر بالمغرب) روى عن مولاه، وعلىّ بن أبى طالب، وأبى هريرة، وغيرهم. * * * اختلاف العلماء فى توثيقه: وقد اختلف العلماء فى توثيقه، فكان منهم مَن لا يثق به ولا يروى له، وكان منهم من يُوثَقِّه ويروى له. * * *مطاعن مَن لا يُوَثِّقونه: وإنَّا لنجد العلماء الذين لم يثقوا بعكرمة، يصفونه بالجرأة على العلم ويقولون: إنه كان يَدَّعى معرفة كل شئ من القرآن، ويزيدون على ذلك فيتهمونه بالكذب على مولاه ابن عباس، وبعده هذا كله، يتهمونه بأنه كان يرى رأى الخوارج، ويزعم أن مولاه كان كذلك، وقد نقل ابن حجر فى "تهذيب التهذيب" كل هذه التهم ونسبها لقائليها، فمن ذلك: ما رواه شعبة عن عمرو بن مرة قال: سأل رجل ابن المسيب عن آية من القرآن، فقال: لا تسألنى عن القرآن، وسل مَن يزعم أنه لا يخفى عليه منه شئ - يعنى عِكرمة. وحكى إبراهيم بن ميسرة أن طاووساً قال: لو أن مولى ابن عباس اتقى الله وكف من حديثه لشُدَّت إليه المطايا، وروى أبو خلف الجزار عن يحيى البكَّاء قال: سمعت ابن عمر يقول لنافع: اتق الله.. ويحك يا نافع، ولا تكذب علىّ كما كذب

стр. 76

عِكرمة على ابن عباس. ورُوى أن سعيد بن المسيب قال مثل ذلك لمولاه، وروى ابن سعد: أن علىّ بن عبد الله كان يُوِثْقُه على باب الكنيف ويقول: إن هذا يكذب على أبى. ثم بعد ذلك كله يُصوِّرون للناس مبلغ كراهة معاصريه له فيقولون: إنه مات هو وكثير عزة فى يوم واحد، فلم يشهد جنازته أحد، أما كثير فقد شيَّعه خلق كثير.. * * * تفنيد هذه المطاعن ودفاع عِكرمة عن نفسه: هذا الذى تقدَّم هو بعض الروايات التى رواها مَن لا يثق بعدالة عِكرمة، وكلها تهم باطلة لا تقوم على أساس، فعِكرمة مولى ابن عباس، كان يلازمه ويخالطه، فلا يضيره كثرة الرواية عنه لأن هذا أمر طبيعى، ولا يمكن أن يُعَد افتراءً على العلم وافتياتاً على الرواية، لأن كثرة الرواية ليست من المطاعن التى تُوجَّه إلى الراوى وتُذْهِب بعدالته، فهذا أبو هريرة قال الناس عنه فى عصره، أكثرَ أبو هريرة، فبيَّن لهم سبب إكثاره من الرواية عن رسول الله ﷺ ، وهو أنه كان يلازم النبى على ملء بطنه، ولا شئ يشغله كما شغل غيره من الصحابة بالصفق فى الأسواق، فهل ذهبت عدالة أبى هريرة وفقدنا الثقة به لكثرة روايته؟ اللَّهم لا. ثم إن هذا الاتهام لم يخف على عِكرمة، بل كان يبلغه عن متهميه فيود لو أنه ووُجِهَ به ليُفَنِّده، فقد روى حَماد بن زيد عن أيوب أنه قال: قال عِكرمة: رأيت هؤلاء الذين يكذبوننى، يكذبوننى من خلفى، أفلا يُكذبوننى فى وجهى؟ فإذا كذبَّونى فى وجهى فقد والله كَذَّبونى.. ثم نراه يستشهد ببعض أصحابه على صدقه فيما يروى عن مولاه، فعن عثمان بن حكيم قال: كنت جالساً مع أبى أُمامة سهل بن حنيف، إذ جاء عكرمة فقال: يا أبا أمامة، أُذكِّركَ الله، هل سمعت ابن عباس يقول: ما حدَّثكم عكرمة عنى فصدِّقوه فإنه لم يكذب علىَّ؟ فقال أبو أمامة: نعم. هذا هو رد عِكرمة على متهميه بالكذب وتفنيده لما نُسب إليه من الافتراء على مولاه. وأما ما رواه ابن سعد: من أن علىّ بن عبد الله بن عباس كان يُوْثِقه على باب الكنيف ويقول: إن هذا يكذب على أبى، فإنه مردود بما رواه ابن حجر فى تهذيب التهذيب: من أن ابن عباس مات وعِكرمة على الرق، فباعه ولده علىّ بن عبد الله بن عباس، من خالد بن يزيد بن معاوية، بأربعة آلاف دينار، فأتى عِكرمة مولاه علياً فقال له: ما خير لك، بعتَ علم أبيك بأربعة آلاف؟ فاستقاله فأقاله فأعتقه". ثم نجد بعد هذا أن ما روى عن ابن عمر لا يصح، لأنه من رواية يحيى البكَّاء، ويحيى البكَّاء متروك الحديث، ومن المحال أن يُجرَّح العَدْل بكلام المجروح.

стр. 77

وأما ما قيل من أنه توفى هو وكثير الشاعر فى يوم واحد فلم يشهد أحد جنازته، بخلاف كثير فقد شيَّعه الكثير من الناس، فلسنا نعلم نصيب هذا القول من الصحة، ولعل ذلك على فرض صحته - كما يقول ابن حجر - كان بسبب تطلب الأمير له وتغيبه عنه حتى مات. وليس صحيحاً ما قيل من أن هذا يرجع إلى تحقير المولى إزاء تشريف الحر. ويحقق ابن حجر بعد هذا: أن ما نُقل من أنهم شهدوا جنازة كثير وتركوا عكرمة، لم يثبت، لأن ناقله لم يُسَم. وأما ما رُمى به من الميل للخوراج، فافتراء عليه، ولا يكاد يتفق مع سلوكه فى حياته، قال ابن حجر: "فأما البدعة، فإن ثبتت عليه فلا تضر حديثه، لأنه لم يكن داعية، مع أنها لم تثبت عليه". * * * شهادات الموَثِّقين له: ولو أننا تتبعنا أقوال المنصفين، الذين عرفوا حقيقة هذا التابعى الجليل، لوجدناه رجلاً ثبتاً، لا يُتهم فى عدالته، وكل ما قيل فى شأنه من التهم لا يُراد به إلا أن يفقد الناس ثقتهم به وركونهم إليه. وإليك ما قاله بعض علماء الجرح والتعديل لتقف على عدالة الرجل وصدق روايته.. قال المرزوى: قلت لأحمد: يُحتج بحديث عِكرمة؟ فقال. نعم يُحتج به. وقال ابن معين: إذا رأيت إنساناً فى عِكرمة، وفى حماد بن سلمة، فاتهمه على الإسلام. وقال العجلى فيه: مكى تابعى ثقة، برئ مما يرميه به الناس من الحرورية. وقال البخارى: ليس أحد من أصحابنا إلا وهو يحتج بعكِرمة. وقد وَثَّقه النسائى وأخرج له فى كتابه السنن، كما أخرج له البخارى، ومسلم، وأبو داود، وغيرهم، وكان مسلم بن الحجاج من أسوئهم رأياً فيه، ثم عدله بعد ما جَرَّحه. وقال المروزى: أجمع عامة أهل العلم بالحديث على الاحتجاج بحديث عِكرمة، واتفق على ذلك رؤساء أهل الحديث من أهل عصرنا، منهم أحمد بن حنبل، وابن راهويه، ويحيى ابن معين، وأبو ثور، ولقد سألت إسحاق بن راهويه عن الاحتجاج بحديثه فقال: عِكرمة عندنا إمام الدنيا - تَعَجَّبَ من سؤالى إياه! وبعد ... فهل هناك من يُقَدَّم على البخارى ومسلم وجميع مَن ذكرت من علماء الرواية فى باب التعديل والتجريح؟، وإذا كان هؤلاء هم أعلم الناس بالرجال، فهل تقبل تجريح من عداهم ونترك توثيقهم؟

стр. 78

الحق أن عِكرمة تابعى موثوق بعدالته ودينه، وكل ما رُمِىَ به كذب واختلاق!! * * * مبلغه من العلم ومكانته فى التفسير: هذا وإن عِكرمة رضى الله عنه، كان على مبلغ عظيم من العلم، وعلى مكانة عالية من التفسير خاصة، وقد شهد له العلماء بذلك، فقال ابن حبان: كان من علماء زمانه بالفقه والقرآن. وقال: عمرو بن دينار: دفع إلىّ جابر ابن زيد مسائل أسأل عنها عِكرمة وجعل يقول: هذا عِكرمة مولى ابن عباس، هذا البحر فسلوه. وكان الشعبى يقول: ما بقى أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة. وقال حبيب بن أبى ثابت: اجتمع عندى خمسة: طاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعِكرمة، وعطاء، فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير يلقيان على عِكرمة التفسير، فلم يسألاه عن آية إلا فسَّرها لهما، فلما نفد ما عندهما جعل يقول: أُنزلت آية كذا فى كذا، وأُنزلت آية كذا فى كذا. وقال يحيى بن أيوب المصرى: سألنى ابن جريج: هل كتبتم عن عِكرمة؟ فقلت: لا، قال: فاتكم ثلثا العلم. هذا بعض ما قيل فى عكرمة، مما يشهد لمكانته فى العلم عامة، وفى التفسير خاصة، ولا عجب، فإن ملازمته لمولاه ابن عباس، ومبالغه مولاه فى تعليمه إلى درجة أنه ان يضع فى رجله الكبل، ويعلمه القرآن والسنن، جعلته ينهل من معينه الفيَّاض، ويأخذ عنه علمه الغزير، بل نجد أكثر من هذا فيما يرويه ابن حجر فى تهذيب التهذيب، من أن عكرمة بيَّن لابن عباس بعض ما أشكل عليه من القرآن، قال: روى داود بن أبى هند عن عكرمة قال: قرأ ابن عباس هذه الآية: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ [الأعراف: ١٦٤] ..، قال ابن عباس: لم أدر أنجا القوم أم هلكوا؟ قال: فمَا زلت أُبيِّن له حتى عرف أنهم نجوا فكسانى حُلَّة"، وهذا الخبر يدل على مبلغ ثقة ابن عباس بمولاه وتلميذه، وعلى مقدار إعجابه بعلمه، وتقديره لفهمه. وجملة القول: فإن عكرمة أمين فى روايته، مُقدَّم فى علمه، مبرز فى فهمه لكتاب الله ... وكيف لا يكون كذلك وهو وارث علم ابن عباس؟ توفى ﵀ سنة ١٠٤ هـ (أربع ومائة من الهجرة) ، فرضى الله عنه وأرضاه. * * *

стр. 79

٤- طاووس بن كيسان اليمانى * ترجمته ومكانته فى التفسير: هو أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان، اليمانى الحميرى الجندى مولى بحير بن ريسان، وقيل مولى همدان. وروى عن العبادلة الأربعة وغيرهم، ورُوِى عنه أنه قال: جالست خمسين من الصحابة. وكان ﵀ عالماً متقناً، خبيراً بمعانى كتاب الله تعالى، ويرجع ذلك إلى مجالسته لكثير من الصحابة يأخذ عنهم ويروى لهم، ولكن نجده يجلس إلى ابن عباس أكثر من جلوسه لغيره من الصحابة، ويأخذ عنه فى التفسير أكثر مما يأخذ عن غيره منهم، ولهذا عددناه من تلاميذ ابن عباس، وذكرناه فى رجال مدرسته بمكة. ولقد كان طاووس على جانب عظيم من الورع والأمانة، حتى شهد له بذلك أستاذه ابن عباس فقال فيه: إنى لأظن طاووساً من أهل الجنة، وقال فيه عمرو بن دينار: ما رأيت أحداً مثل طاووس. وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة. وقال ابن معين: إنه ثقة. وقال ابن حيان: كان من عُبَّاد أهل اليمن ومن سادات التابعين، وكان مستجاب الدعوة، وحج أربعين حجة. وقال الذهبى: كان طاووس شيخ أهل اليمن، وكان كثير الحج فاتفق موته بمكة سنة ١٠٦ (ست ومائة من الهجرة) . * * * ٥- عطاء بن أبى رباح * ترجمته: هو أبو محمد عطاء بن أبى رباح، المكى القرشى مولاهم، ولد سنة سبع وعشرين (٢٧هـ) ، وتوفى سنة أربع عشرة ومائة من الهجرة (١١٤هـ) على أرجح الأقوال. كان ﵀ أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج، ثم عمى بعد ذلك. روى عن ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وغيرهم. وحدًَّث عن نفسه: أنه أدرك مائتين من الصحابة، وكان ثقة، فقيها، عالماً، كثير الحديث. وانتهت إليه فتوى أهل مكة، وكان ابن عباس يقول لأهل مكة إذا جلسوا إليه: تجتمعون إلىَّ يا أهل مكة وعندكم عطاء؟. وقال فيه أبو حنيفة: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفى. وقال الأوزاعى: مات عطاء يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس. وقال سلمة بن كهيل: ما رأيت أحداً يريد بهذا العلم وجه الله إلا ثلاثة: عطاء، ومجاهد، وطاووس. وقال ابن حبان: كان من سادات التابعين فقهاً، وعلماً، وورعاً، وفضلاً. وهو عند أصحاب الكتب الستة. * * *

стр. 80

مكانته فى التفسير: كل ما تقدم من أقوال العلماء فى عطاء يشهد لمكانته العلمية على وجه العموم ويدل على مبلغ ثقته وصدقه، وليس أدل على ذلك من شهادة أستاذه ابن عباس له بذلك، ونجد شهرة عطاء على غيره من أصحاب ابن عباس، تتجلى فى معرفته بمناسك الحج، ولهذا قال قتادة: كان أعلم التابعين أربعة: كان عطاء بن أبى رباح أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير. وكان عكرِمة أعلمهم بالسير، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام. وإذا نحن تتبعنا الرواة عن ابن عباس نجد أن عطاء بن أبى رباح لم يُكثر من الرواية عنه كما أكثر غيره، ونجد مجاهداً وسعيد بن جبير يسبقانه من ناحية العلم بتفسير كتاب الله، ولكن هذا لا يقلل من قيمته بين علماء التفسير، ولعل إقلاله فى التفسير يرجع إلى تحرجه من القول بالرأى، فقد قال عبد العزيز بن رفيع: سئل عطاء عن مسألة فقال: لا أدرى، فقيل له: ألا تقول فيها برأيك؟ قال: إنى أستحى من الله يُدَانَ فى الأرض برأيى. * * * ثانياً: مدرسة التفسير بالمدينة *قيامها على أُبَىّ بن كعب: كان بالمدينة كثير من الصحابة، أقاموا بها ولم يتحوَّلوا عنها كما تحوَّل كثير منهم إلى غيرها من بلاد المسلمين، فجلسوا لأتباعهم يعلمونهم كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله ﷺ ، فقامت بالمدينة مدرسة للتفسير، تتلمذ فيها كثير من التابعين لمشاهير المفسِّرين من الصحابة. ونستطيع أن نقول: إن قيام هذه المدرسة كان على أُبَى بن كعب، الذي يُعتبر بحق أشهر مَن تتلمذ له مفسِّرو التابعين بالمدينة، وذلك لشهرته أكثر من غيره فى التفسير، وكثرة ما نُقل لنا عنه فى ذلك. * * * أشهر رجالها: وقد وُجِد بالمدينة فى هذا الوقت كثير من التابعين المعروفين بالتفسير، اشتهر من بينهم ثلاثة، هم: زيد بن أسلم، وأبو العالية، ومحمد بن كعب القرظى. وهؤلاء منهم مَن أخذ عن أُبَىّ مباشرة، ومنهم مَن أخذ عنه بالواسطة. وأرى أن أسوق نبذة عن تاريخ كل واحد من هؤلاء الثلاثة، بما يتناسب مع جانبه العلمى فى التفسير فأقول: ١- أبو العالية * ترجمته ومكانته فى التفسير: هو أبو العالية رفيع بن مهران الرياحى مولاهم، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النبى ﷺ بسنتين. روى عن علىّ، وابن مسعود، وابن عباس. وابن عمر، وأُبَىّ

стр. 81

بن كعب، وغيرهم، وهو من ثقات التابعين المشهورين بالتفسير. قال فيه ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وقال اللالكائى: مجمع على ثقته. وقال فيه العجلى: تابعى ثقة. من كبار التابعين. وقد أجمع عليه أصحاب الكتب الستة. وكان يحفظ القرآن ويتقنه، وروى قتادة عنه أنه قال: قرأت القرآن بعد وفاة نبيكم بعشر سنين. وروى معمر عن هشام عن حفصة عنه أنه قال: قرأت القرآن على عهد عمر ثلاث مرات. وقال فيه ابن أبى داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقراءة من أبى العالية. وتُروى عن أُبَىّ بن كعب نسخة كبيرة فى التفسير، يرويها أبو جعفر الرازى، عن الربيع بن أنس، عن أبى العالية، عن أُبَىّ. وقلنا فيما تقدم: إن هذا الإسناد صحيح، وقلنا أيضاً: إن ابن جرير وابن أبى حاتم أخرجا من هذه النسخة كثيراً، كما أخرج منها الحاكم فى مستدركه، والإمام أحمد فى مسنده. وكانت وفاته سنة ٩٠ هـ (تسعين من الهجرة) على أرجح الأقوال فى ذلك. * * * ٢- محمد بن كعب القرظى * ترجمته ومكانته فى التفسير: هو أبو حمزة - أو أبو عبد الله - محمد بن كعب بن سليم بن أسد القرظى المدنى، من حلفاء الأوس. روى عن علىّ، وابن مسعود، وابن عباس، وغيرهم. وروى عن أُبَىّ بن كعب بالواسطة. وقد اشتهر بالثقة، والعدالة، والورع، وكثرة الحديث، وتأويل القرآن. قال ابن سعد: كان ثقة، عالماً، كثير الحديث، ورعاً. وقال العجلى: مدنى وتابعى، ثقة، رجل صالح. عالم بالقرآن. وهو عند أصحاب الكتب الستة. وقال ابن عون: ما رأيت أحداً أعلم بتأويل القرآن من القرظى. وقال ابن حبان: كان من أفاضل أهل المدينة علماً وفقهاً، وكان يقص فى المسجد فسقط عليه وعلى أصحابه سقف فمات هو وجماعة معه تحت الهدم، سنة ١١٨ هـ (ثمانى عشرة ومائة من الهجرة) ، وقيل غير ذلك، وهو ابن ثمان وسبعين سنة. * * * ٣- زيد بن أسلم * ترجمته ومكانته فى التفسير: هو أبو أسامة - أو أبو عبد الله - زيد بن أسلم، العدوى المدنى الفقيه المفسِّر، مولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه. كان من كبار التابعين الذين عُرفوا بالقول فى التفسير والثقة فيما يروونه، قال فيه الإمام أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائى: ثقة.

стр. 82

ويكفينا شهادة هؤلاء الأربعة الأعلام دليلاً قوياً على ثقته وعدالته، كما أنه عند أصحاب الكتب الستة. ولقد كان زيد بن أسلم معروفاً بين معاصريه بغزارة العلم، فكان منهم مَن يجلس إليه، ويأخذ عنه، ويرى أنه ينفعه أكثر من غيره، يدلنا على هذا ما رواه البخارى فى تاريخه أن علىّ بن الحسين كان يجلس إلى زيد بن أسلم ويتخطى مجلس قومه، فقال له نافع بن جبير بن مطعم: تتخطى مجالس قومك إلى عبد عمر بن الخطاب؟ فقال علىّ: إنما يجلس الرجل إلى مَن ينفعه فى دينه. وقد عُرف زيد بأنه كان يُفسِّر القرآن برأيه ولا يتحرج من ذلك، فقد روى حماد بن زيد، عن عبيد الله بن عمر أنه قال فيه: لا أعلم به بأساً، إلا أنه يُفسِّر برأيه القرآن ويُكثر منه، وهذه شهادة من عبيد الله بن عمر أن زيداً ثقة لا يؤخذ عليه شئ إلا أنه كان يُكثر من القول بالرأى، وهذا لا يُعَد مغمزاً من عبيد الله فى ثقته وعدالته، كما لا نستطيع أن نُعِد هذا طعناً منه فى علمه، فلعل عبيد الله كان ممن يتورعون عن القول فى القرآن برأيهم كغيره من الصحابة والتابعين، وكان زيد يرى جواز تفسير القرآن بالرأى فلا يتحرج منه كما لا يتحرج من ذلك كثير من الصحابة والتابعين، ولا نجد فى العلماء مَن نسب زيد بن أسلم إلى مذهب من المذاهب المبتدعة حتى نقول إنه كان يُفسِّر القرآن برأيه مطابقاً لمذهبه البدعى، ولو كان شئ من ذلك لما سكت عبيد الله عن بيانه، ولما حكم عليه حكمه هذا، الذى يدل على ثقته وعدالته، وإن دَلَّ على اختلافهما فى جواز التفسير بالرأى. وأشهر مَن أخذ التفسير عن زيد بن أسلم من علماء المدينة: ابنه عبد الرحمن بن زيد، ومالك بن أنس إمام دار الهجرة. وكانت وفاته سنة ١٣٦ هـ (ست وثلاثين ومائة من الهجرة) وقيل غير ذلك. ثالثاً: مدرسة التفسير بالعراق * قيامها على ابن مسعود: قامت مدرسة التفسير بالعراق على عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، وكان هناك غيره من الصحابة أخذ عنهم أهل العراق التفسير، غير أن عبد الله ابن مسعود كان يعتبر الأستاذ الأول لهذه المدرسة، نظراً لشهرته فى التفسير وكثرة المروى عنه فى ذلك، ولأن عمر رضى الله عنه لما وَلَّى عمار بن ياسر على الكوفة، سيَّر معه عبد الله بن مسعود مُعلِّماً ووزيراً، فكونه مُعلِّم أهل الكوفة بأمر أمير المؤمنين عمر، جعل الكوفيين يجلسون إليه، ويأخذون عنه أكثر مما يأخذون عن غيره من الصحابة.

стр. 83

ويمتاز أهل العراق بأنهم أهل الرأى. وهذه ظاهرة نجدها بكثرة فى مسائل الخلاف، ويقول العلماء: إن ابن مسعود هو الذى وضع الأساس لهذه الطريقة فى الاستدلال، ثم توارثها عنه علماء العراق، ومن الطبيعى أن تؤثر هذه الطريقة فى مدرسة التفسير، فيكثر تفسير بالرأى والاجتهاد، لأن استنباط مسائل الخلاف الشرعية، نتيجة من نتائج إعمال الرأى فى فهم نصوص القرآن والسُّنَّة. * * * أشهر رجالها: وقد عُرِف بالتفسير من أهل العراق كثير من التابعين، اشتهر من بينهم علقمة بن قيس، ومسروق، والأسود بن يزيد، ومُرَّة الهمدانى، وعامر الشعبى، والحسن البصرى، وقتادة بن دعامة السدوسى، ونتكلم عن كل واحد من هؤلاء على الترتيب: ١- علقمة بن قيس * ترجمته ومكانته فى التفسير: هو علقمة بن قيس، بن عبد الله، بن مالك، النخعى الكوفى، ولد فى حياة رسول الله ﷺ . روى عن عمر، وعثمان، وعلىّ، وابن مسعود، وغيرهم. وهو من أشهر رواة عبد الله بن مسعود، وأعرفهم به، وأعلمهم بعلمه. قال عثمان بن سعيد: قلت لابن معين: علقمة أحب إليك أم عبيدة؟ فلم يخير، قال عثمان: كلاهما ثقة، وعلقمة أعلم بعبد الله. وقال أبو المثنى: إذا رأيت علقمة فلا يضرك أن لا ترى عبد الله، أشبه الناس به سَمْناً وهَدْياً. وقال داود بن أبى هند: قلت لشعبة: أخبرنى عن أصحاب عبد الله، قال: كان علقمة أنظر القوم به. وروى عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله: ما أقرأ شيئاً ولا أعلمه إلا علقمة يقرؤه ويعلمه. وقال إبراهيم النخعى: كان أصحاب عبد الله الذين يقرئون الناس ويعلمونهم السُّنَّة ويصدر الناس عن رأيهم ستة: علقمة، والأسود ... وذكر الباقين. وكان ﵀ ثقة مأموناً، على جانب عظيم من الورع والصلاح. قال فيه الإمام أحمد: ثقة من أهل الخير. وهو عند أصحاب الكتب الستة. وقال مرة الهمدانى: كان علقمة من الربانيين، قال أبو نعيم: مات سنة ٦١ هـ (إحدى وستين، أو اثنتين وستين من الهجرة) ، وعمره تسعون سنة. * * * ٢- مسروق * ترجمته ومكانته فى التفسير: هو أبو عائشة، مسروق بن الأجدع بن مالك بن أُمية الهمدانى الكوفى العابد. سأله عمر يوماً عن اسمه فقال له: اسمى مسروق بن الأجدع، فقال عمر: الأجدع شيطان،

стр. 84

أنت مسروق بن عبد الرحمن، روى عن الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأُبَىّ بن كعب، وغيرهم، وكان أعلم أصحاب ابن مسعود، يمتاز بورعه وعلمه وعدالته، وكان شريح القاضى يستشيره فى معضلات المسائل. وقال مالك بن مغول: سمعت أبا السفر غير مرة قال: ما ولدت همدانية مثل مسروق. وقال الشعبى: ما رأيت أطلب للعلم منه. وقال علىّ بن المدينى: ما أقَّدِمُ على مسروق من أصحاب عبد الله أحداً. وهذه الشهادة من ابن المدينى، يبدوَ أنها قائمة على ما امتاز به مسروق من غزارة العلم الذى استفاده من جلوسه لكثير من الصحابة ولابن مسعود على الأخص، الأمر الذى جعله يجمع بين علم هؤلاء جميعاً، ولقد حدَّث مسروق - رضى الله عنه - أنه جالس أصحاب محمد ﷺ فوجدهم كالإخاذ، فالإخاذ يروى الرجل، والإخاذ يروى الرجلين، والإخاذ يروى العشرة، والإخاذ يروى المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم. ثم إن هذا التتلمذ لأصحاب رسول الله ﷺ ولابن مسعود الذى اشتهر بتفسير القرآن، جعل من مسروق إماماً فى التفسير، وعالماً خبيراً بمعانى كتاب الله تعالى. وقد حدَّث مسروق بما يدل على أنه استفاد الكثير من التفسير عن أستاذه ابن مسعود فقال: كان عبد الله - يعنى ابن مسعود - يقرأ علينا السورة ثم يُحدِّثنا فيها ويُفسِّرها عامة النهار. أما ثقته وعدالته، فأمر اعترف به علماء الجرح والتعديل، فقال ابن معين: ثقة، لا يُسئل عن مثله. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة. وذكره ابن حبان فى الثقات، وقد أخرج له الستة. هذا وقد روى شعبة عن أبى إسحاق أنه قال: حج مسروق فلم ينم إلا ساجداً. وكانت وفاته سنة ٦٣ هـ (ثلاث وستين من الهجرة) على الأشهر. * * * ٣- الأسود بن يزيد * ترجمته ومكانته فى التفسير: هو أبو عبد الرحمن، الأسود بن يزيد بن قيس، النخعى، كان من كبار التابعين، ومن رواة عبد الله بن مسعود. روى عن أبى بكر، وعمر، وعلىّ، وحذيفة، وبلال، وغيرهم. وكان ﵀ ثقة، صالحاً، على جانب عظيم من الفهم لكتاب الله تعالى. قال فيه الإمام أحمد: ثقة من أهل الخير. وقال فيه يحيى بن معين: ثقة. وقال ابن سعد: ثقة وله أحاديث صالحة. وهو عند أصحاب الكتب الستة، وقال الحكم: كان الأسود يصوم الدهر، وذهبت إحدى عينيه من الصوم. وذكره إبراهيم النخعى فيمن

стр. 85

كان يُفتى من أصحاب ابن مسعود. وقال ابن حبان فى الثقات: كان فقيهاً زاهداً. توفى بالكوفى سنة ٧٤ هـ (أربع وسبعين، أو خمس وسبعين من الهجرة) على الخلاف فى ذلك. * * * ٤- مُرَّة الهمدانى * ترجمته ومكانته فى التفسير: هو أبو إسماعيل، مُرَّة بن شراحيل الهمدانى، الكوفى، العابد المعروف بمُرَّة الطيب، ومُرَّة الخير. لُقَّبَ بذلك لعبادته، وشدة ورعه، وكثرة صلاحه. روى عن أبى بكر، وعمر، وعلىّ، وابن مسعود، وغيرهم. وروى عنه الشعبى، وغيره من أصحابه. وثَقَّهُ ابن معين، والعجلى. وهو عند أصحاب الكتب الستة. قال فيه الحارث الغنوى: سجد مرة الهمدانى حتى أكل التراب وجهه، وكان يصلى كل يوم ستمائة ركعة، وتوفى سنة ٧٦ هـ (ست وسبعين من الهجرة) . * * * ٥- عامرالشعبى * ترجمته ومكانته فى التفسير: هو أبو عمرو، عامر بن شراحيل الشعبى، الحميرى، الكوفى، التابعى الجليل، قاضى الكوفة. روى عن عمر، وعلىّ، وابن مسعود، ولم يسمع منهم. وروى عن أبى هريرة، وعائشة، وابن عباس، وأبى موسى الأشعرى، وغيرهم. قال الشعبى: أدركت خمسمائة من الصحابة. وقال العجلى: سمع من ثمانية وأربعين من الصحابة. وقال عبد الملك بن عمير: مر ابن عمر على الشعبى وهو يُحَدِّثْ بالمغازى فقال: لقد شهدت القوم، فلهو أحفظ وأعلم بها. وقال مكحول: ما رأيت أفقه منه. وقال ابن عيينة: كان الناس تقول بعد الصحابة: ابن عباس فى زمانه، والشعبى فى زمانه، والثورى فى زمانه. وقال ابن شبرمة: سمعت الشعبى يقول: ما كتبتُ سوداء فى بيضاء، ولا حدَّثنى رجل بحديث إلا حفظته، ولا حدَّثنى رجل بحديث فأحببت أن يعيده علىّ. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وغير واحد: الشعبى ثقة. وقال ابن حبان فى الثقات: كان فقيهاً شاعراً. وهو عند أصحاب الكتب الستة. وقال أبو جعفر الطبرى فى طبقات الفقهاء: كان ذا أدب وفقه وعلم. وحكى ابن أبى خيثمة فى تاريخه عن أبى حصين قال: ما رأيت أعلم من الشعبى، فقال أبو بكر بن عياش: ولا شريح؟ فقال: تريدنى أكذب؟ ما رأيت أعلم من الشعبى. وقال أبو إسحاق الحبال: كان واحد زمانه

стр. 86

فى فنون العلم. وعن سليمان بن أبى مجلز قال: ما رأيت أحداً أفقه من الشعبى، لا سعيد بن المسيب، ولا طاووس، ولا عطاء، ولا الحسن، ولا ابن سيرين. وعن أبى بكر الهذلى قال: قال لى ابن سيرين: الزم الشعبى، فلقد رأيته يُستفتَى والصحابة متوافرون. وقال ابن سيرين: قدمت الكوفة وللشعبى حلقة، وأصحاب رسول الله ﷺ يومئذ كثير. وقال عاصم: ما رأيت أحداً أعلم بحديث أهل الكوفة والبصرة والحجاز من الشعبى. كل هذه الشهادات من العلماء، تدل على مبلغ علم الشعبى وعظيم حظه منه على اختلاف فنونه، فمن حديث، إلى تفسير، إلى فقه، إلى شعر، إلى قوة حفظ، وكثرة أخذ عن الصحابة وعلماء الأمصار المختلفة. وإذا كان الشعبى يُفتِى مع وجود الصحابة ووفرتهم، ويجلس له كثير من أهل العلم يأخذون عنه، فتلك لعمرى أكبر دلالة على عظيم مكانته العلمية، وعلو منزلته بين أتباعه ومعاصريه. وإذا كان الشعبى قد رُزِق حظاً وافراً من العلم، ونال إعجاب معاصريه، فإنه مع ذلك لم يكن جريئاً على كتاب الله حتى يقول فيه برأيه، بل كان يتحرج من ذلك، ويتوقف عن إجابة سائليه إذا لم يكن عنده شئ عن السَلَف، فقد قال ابن عطية: "كان جُلَّة من السلَفَ، كسعيد بن المسيب، وعامر الشعبى، يعظمون تفسير القرآن. ويتوقفون عنه. تورعاً واحتياطاً لأنفسهم، مع إدراكهم وتقدمهم". وأخرج الطبرى عن الشعبى أنه قال: "واللهِ ما من آية إلا سألت عنها ولكنها الرواية عن الله". وأخرج عنه أيضاً أنه قال: "ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن، والروح، والرأى" ومع هذا التوقف فإنَّا نرى الشعبى رجلاً نقَّاداًَ لرجال التفسير فى عصره. وكثيراً ما كان يُصرِّح بالطعن على مَن لا يعجبه مسلكه فى التفسير من معاصريه فقد ذكر أبو حيان: "أن الشعبى كان لا يعجبه تفسير السدى، ويطعن عليه وعلى أبى صالح، لأنه كان يراهما مقصرين فى النظر". وروى ابن جرير: أن الشعبى كان يمر بأبى صالح باذان فيأخذ بأذنه فيعركها ويقول: تُفسِّر القرآن وأنت لا تقرأ القرآن. وروى ابن جرير أيضاً عن صالح بن مسلم قال: مَرَّ الشعبى على السدى وهو يفسِّر فقال: لأن يُضرب على إستك بالطبل خير لك من مجلسك هذا.

стр. 87

هذا وإن الخلاف فى مولد الشعبى وفى وفاته كثير، وأشهر الأقوال فى ذلك أنه ولد فى سنة ٢٠ هـ (عشرين) ، وتوفى سنة ١٠٩ هـ (تسع ومائة من الهجرة) . * * * ٦- الحسن البصرى * ترجمته ومكانته فى التفسير: هو أبو سعيد، الحسن بن أبى الحسن يسار البصرى مولى الأنصار، وأُمه خيرة مولاة أُم سلمة. قال ابن سعد: ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر ونشأ بوادى القرى، وكان فصيحاً ورعاً وزاهداً، لا يُسبق فى وعظه، ولا يُدانَى فى مبلغ تأثيره على قلوب سامعيه. روى عن علىّ، وابن عمر، وأنس، وخلق كثير من الصحابة والتابعين. هذا.. وإن الحسن البصرى ليجمع إلى صلاحه وورعه وبراعته فى الوعظ، غزارة العلم بكتاب الله تعالى، وسُّنَّة رسوله ﷺ ، وأحكام الحلال والحرام، وقد شهد له بالعلم خلق كثير، فقال أنس بن مالك: سلوا الحسن، فإنه حفظ ونسينا. وقال سليمان التيمى: الحسن شيخ أهل البصرة. وقال مطر الوراق: كان جابر بن زيد رجل أهل البصرة، فلما ظهر الحسن جاء رجل كأنما كان فى الآخرة، فهو يخبر عما رأى وعاين. وروى أبو عوانة عن قتادة أنه قال: ما جالست فقيهاً قط إلا رأيت فضل الحسن عليه. وقال بكر المزنى: مَن سرَّه أن ينظر إلى أعلم عالم أدركناه فى زمانه، فلينظر إلى الحسن، فما أدركنا الذى هو أعلم منه. وقال الحجاج بن أرطأة: سألت عطاء بن أبى رباح فقال لى: عليك بذلك - يعنى الحسن - ذلك إمام ضخم يُقتدَى به. وكان إذا ذُكِر عند أبى جعفر الباقر قال: ذلك الذى يشبه كلامه كلام الأنبياء. وقال ابن سعد: كان الحسن جامعاً، عالماً، رفيعاً، فقيهاً، ثقة، مأموناً، عابداً، ناسكاً، كثير العلم فصيحا، جميلاً وسيماً. وقال حماد بن سلمة عن حميد: قرأت القرآن على الحسن ففسَّره على الإثبات - يعنى إثبات القَدَر - وكان يقول: من كذَّب بالقَدَر فقد كفر. وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. توفى رحمه الله تعالى سن ١١٠ هـ (عشر ومائة من الهجرة) وهو ابن ثمان وثمانين سنة. * * * ٧- قتادة * ترجمته ومكانته فى التفسير: هو أبو الخطاب، قتادة بن دعامه السدوسى الأكمه، عربى الأصل. كان يسكن البصرة. روى عن أنس، وأبى الطفيل، وابن سيرين، وعكرمة، وعطاء بن أبى رباح، وغيرهم. وكان قوى الحافظة، واسع الاطلاع فى الشعر العربى، بصيراً بأيام العرب،

стр. 88

عليماً بأنسابهم، متضلعاً فى اللغة العربية، ومن هنا جاءت شهرته فى التفسير. ولقد يشهد لقوة حفظه ما رواه سلام بن مسكين قال: حدثنى عمرو بن عبد الله، قال: قدم قتادة على سعيد بن المسيب فجعل يسأله أياماً وأكثر، فقال له سعيد: أكل ما سألتنى عنه تحفظه؟ قال: نعم، سألتك عن كذا فقلتَ فيه كذا، وسألتك عن كذا فقلتَ فيه كذا، وقال فيه الحسن كذا، حتى رد عليه حديثاً كثيراً، قال: فقال سعيد: ما كنتُ أظن أن الله خلق مثلك. وقد شهد له ابن سيرين بقوة الحافظة أيضاً، فقال: قتادة هو أحفظ الناس. وكان قتادة على مبلغ عظيم من العلم فوق ما اشتُهِر به من معرفته لتفسير كتاب الله. حتى قدَّمه بعضهم على كثير من أقرانه، وجعل بعضهم من النادر تقدم غيره عليه. وقال فيه سعيد بن المسيب: ما أتانى عراقى أحسن من قتادة. وقال معمر للزهرى: قتادة أعلم عندك أم مكحول؟ قال: بل قتادة. وقال أبو حاتم: سمعت أحمد بن حنبل وذُكِر قتادة، فأطنب فى ذكره، فجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير، ووصفه بالحفظ والفقه، وقال: قلَّما تجد مَن تقدَّمه، أما المثل فلعل. وقال معمر: سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] فلم يجبنى، فقلت: سمعت قتادة يقول: مطيقين، فسكت، فقلت له: ما تقول يا أبا عمرو؟ فقال: حسبك قتادة، ولولا كلامه فى القَدَر - وقد قال رسول الله ﷺ : "إذا ذُكِرَ القَدَر فأمسكوا" - ما عدلت به أحداً من أهل دهره". وهذا يدل على أن أبا عمرو كان يثق بعلم قتادة وبتفسيره للقرآن، لولا ما يَنسب إليه من الخوض فى القضاء والقَدَر، وكثيراً ما تحرَّج بعض الرواة من الرواية عنه لذلك، ونجد أصحاب الصحاح يُخَرِّجون له، ويحتجون بروايته، ويكفينا هذا فى تعديله وتوثيقه: قال أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس: الزهرى، ثم قتادة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأموناً حُجَّة فى الحديث، وكان يقول بشئ من القَدَر. وقال ابن حبان فى الثقات: كان من علماء الناس بالقرآن والفقه، ومن حُفَّاظ أهل زمانه. وكانت وفاته سنة ١١٧ هـ (سبع عشرة ومائة من الهجرة) ، وعمره إذ ذاك ست وخمسون سنة على المشهور. * * وبعد ... فهؤلاء هم مشاهير المفسِّرين من التابعين، وغالب أقوالهم فى التفسير تلقوها عن الصحابة، وبعض منها رجعوا فيه إلى أهل الكتاب، وما وراء ذلك فمحض اجتهاد لهم، ولا شك أنهم كانوا على مبلغ عظيم من العلم ودقة الفهم، لقرب

стр. 89

عهدهم من عهد النبوة، واتصال ما بين العهدين بعهد الصحابة، ولعدم فساد سليقتهم العربية، الفساد الذى شاع فيما بعد، حتى بلغ إلى درجة الهجنة والمزيج اللُّغوى. ثم حمل أتباع التابعين هذا التراث العلمى الذى خَلَّفَهُ التابعون، وزادوا عليه بمقدار ما زاد من الغموض وما جَدَّ من اختلاف فى الرأى، وعن هؤلاء أخذ مَن جاء بعدهم ... وهكذا. تناقل الخَلَفُ عِلم السَلَف، وحمل علماء كل جيل علم مَن سبقهم وزادوا عليه، سُّنَّة الله فى تدرج العلوم، تبدأ ضيقة الدائرة، محدودة المسائل، ثم لا تلبث أن تتسع وتتضخم إلى أن تبلغ النهاية وتصل إلى الكمال. * * *

стр. 90

قيمة التفسير المأثور عن التابعين اختلف العلماء فى الرجوع إلى تفسير التابعين والأخذ بأقوالهم إذا لم يُؤثَر فى ذلك شيء عن الرسول ﷺ ، أو عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. فنُقِل عن الإمام أحمد رضى الله عنه روايتان فى ذلك: رواية بالقبول، ورواية بعدم القبول، وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يُؤخذ بتفسير التابعى، واختاره ابن عقيل، وحكى عن شعبة. واستدل أصحاب هذا الرأى على ما ذهبوا إليه: بأن التابعين ليس لهم سماع من الرسول ﷺ ، فلا يمكن الحمل عليه كما قيل فى تفسير الصحابى: إنه محمول على سماعه من النبى ﷺ . وبأنهم لم يشاهدوا القرائن والأحوال التى نزل عليها القرآن، فيجوز عليهم الخطأ فى فهم المراد وظن ما ليس بدليل دليلاً، ومع ذلك فعدالة التابعين غير منصوص عليها كما نُصَّ على عدالة الصحابة. نُقِل عن أبى حنيفة أنه قال: "ما جاء عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة تخيرنا، وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال". وقد ذهب أكثر المفسِّرين: إلى أنه يؤخذ بقول التابعى فى التفسير، لأن التابعين تلقوا غالب تفسيراتهم عن الصحابة، فمجاهد مثلاُ يقول: عرضتُ المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أُوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها. وقتادة يقول: ما فى القرآن آية إلا وقد سمعتُ فيها شيئاً. ولذا حكى أكثر المفسِّرين أقوال التابعين فى كتبهم ونقلوها عنهم مع اعتمادهم لها. والذى تميل إليه النفس: هو أن قول التابعى فى التفسير لا يجب الأخذ به إلا إذا كان مما لا مجال للرأى فيه، فإنه يؤخذ به حينئذ عند عدم الريبة، فإن ارتبنا فيه، بأن كان يأخذ من أهل الكتاب، فلنا أن نترك قوله ولا نعتمد عليه، أما إذا أجمع التابعون على رأى فإنه يجب علينا أن نأخذ به ولا نتعداه إلى غيره. قال ابن تيمية: قال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين ليست حُجَّة، فكيف تكون حُجَّة فى التفسير؟ بمعنى أنها لا تكون حُجَّة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشئ فلا يُرتاب فى كونه حُجَّة فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حُجَّة على بعض ولا على مَن بعدهم، ويُرجع فى ذلك إلى لغة القرآن، أو السُّنَّة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة فى ذلك. * * *

стр. 91

مميزات التفسير فى هذه المرحلة يمتاز التفسير فى هذه المرحلة بالمميزات الآتية: أولاً: دخل فى التفسير كثير من الإسرائيليات والنصرانيات، وذلك كثرة مَن دخل من أهل الكتاب فى الإسلام، وكان لا يزال عالقاً بأذهانهم من الأخبار ما لا يتصل بالأحكام الشرعية، كأخبار بدء الخليقة، وأسرار الوجود، وبدء الكائنات. وكثير من القصص. وكانت النفوس ميَّالة لسماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن من أحداث يهودية أو نصرانية، فتساهل التابعون فزجوا فى التفسير بكثير من الإسرائيليات والنصرانيات بدون تحرٍّ ونقد. وأكثر من رُوى عنه فى ذلك من مسلمى أهل الكتاب: عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. ولا شك أن الرجوع إلى هذه الإسرائيليات فى التفسير أمر مأخوذ على التابعين كما هو مأخوذ على مَن جاء بعدهم. وسنأتى بعرض لهذه الناحية عرضاً موسعاً عند الكلام عن أسباب الضعف فى رواية التفسير المأثور إن شاء الله تعالى. ثانياً: ظل التفسير محتفظاً بطابع التلقى والرواية، إلا أنه لم يكن تلقياً ورواية بالمعنى الشامل كما هو الشأن فى عصر النبى ﷺ وأصحابه، بل كان تلقياً ورواية يغلب عليهما طابع الاختصاص، فأهل كل مصر يعنون - بوجه خاص - بالتلقى والرواية عن إمام مصرهم، فالمكيون عن ابن عباس، والمدنيون عن أُبَىّ، والعراقيون عن ابن مسعود ... وهكذا. ثالثاً: ظهرت فى هذا العصر نواة الخلاف المذهبى، فظهرت بعض تفسيرات تحمل فى طيَّاتها هذه المذاهب، فنجد مثلاً قتادة بن دعامة السدوسى يُنسب إلى الخوض فى القضاء والقَدَر ويتُهم بأنه قدرى، ولا شك أن هذا أثَّرَ على تفسيره، ولهذا كان يتحرج بعض الناس من الرواية عنه. ونجد الحسن البصرى قد فسَّر القرآن على إثبات القَدَر، ويُكَفِّر مَن يُكذِّب به كما ذكرنا ذلك فى ترجمته. رابعاً: كثرة الخلاف بين التابعين فى التفسير عما كان بين الصحابة رضوان الله عليهم، وإن كان اختلافاً قليلاً بالنسبة لما وقع بعد ذلك من متأخرى المفسِّرين. * * *

стр. 92

الخلاف بين السَلَف فى التفسير قلنا إن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - كانوا يفسِّرون القرآن بمقتضى لغتهم العربية، وما يعلمونه من الأسباب التى نزل عليها القرآن، وبما أحاط بنزوله من ظروف وملابسات، وكانوا يرجعون فى فهم ما أشكل عليهم إلى رسول الله ﷺ . وقلنا إن المفسِّرين من التابعين كانوا يجلسون لبعض الصحابة يتلقون عنهم ويروون لهم، فأخذوا عنهم كثيراً من التفسير، وقالوا فيه أيضاً برأيهم واجتهادهم وكانت لغتهم العربية لم تصل إلى درجة الضعف التى وصلت إليها فيما بعد. قلنا هذا فيما سبق. ونزيد عليه أن ما دُوِّن من العلوم الأدبية، والعلوم العقلية، والعلوم الكونية، ومذاهب الخلاف الفقهية والكلامية، لم يكن قد ظهر شئ منها فى عصر الصحابة والتابعين، وإن كان قد وُجِدت النواة التى نمت فيما بعد وتفرَّعت عنها كل هذه الفروع المختلفة. كان هذا هو الشأن على عهد الصحابة والتابعين، فكان طبيعياً أن تضيق دائرة الخلاف فى التفسير فى هاتين المرحلتين من مراحله، ولا تتسع هذا الاتساع العظيم الذى وصلت إليه فيما بعد. كان الخلاف بين الصحابة فى التفسير قليلاً جداً، وكذا بين التابعين وإن كان أكثر منه بين الصحابة، وكان اختلافهم فى الأحكام أكثر من اختلافهم فى التفسير. وإذا نحن تتبعنا ما نُقل لنا من أقوال السَلَف فى التفسير، وجمعنا ما هو مبثوث فى كتب التفسير بالمأثور لخرجنا بادى الرأى بكثير من الأقوال المختلفة فى المسألة الواحدة، فقول لصحابى يخالف قول صحابى آخر، وقول لتابعى يخالف قول تابعى آخر، بل كثيراً ما نجد قولين مختلفين فى المسألة الواحدة، وكلاهما منسوب لقائل واحد، فهل معنى هذا أن الخلاف فى التفسير قد اتسعت دائرته على عهد الصحابة والتابعين، وهل معنى هذا أن الصحابى أو التابعى يناقض نفسه فى المسألة الواحدة؟.. لا، فدائرة الخلاف لم تتسع، ولم يناقض الصحابى أو التابعى نفسه. وذلك لأن غالب ما صح عنهم من الخلاف فى التفسير يرجع إلى اختلاف عبارة مثلاً، أو اختلاف تنوع، لا إلى اختلاف تباين وتضاد كما ظنه بعض الناس فحكاه على أنه أقوال متباينة لا يرجع بعضها إلى بعض. ونستطيع بعد البحث والنظر فى هذه الأقوال التى اختلفت ولم تتباين، أن نُرجع هذا الخلاف إلى عدة أُمور، نذكرها ليتبين لنا أنه لا تنافى ولا تباين بين هذه الأقوال التى تبدو متعارضة عن السَلَف، وهى ما يأتى:

стр. 93

أولاً: أن يُعبِّر كل واحد من المفسِّرين عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى فى المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، وذلك مثل أسماء الله الحسنى، وأسماء رسوله ﷺ ، وأسماء القرآن، فإن أسماء الله كلها على مسمى واحد، فلا يكون دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضاداً لدعائه باسم آخر منها، بل الأمر كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمان أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسمآء الحسنى﴾ [الإسراء: ١١٠] .. وإذا نحن نظرنا إلى كل اسم من أسمائه لوجدناه يدل على ذات الله تعالى وعلى صفة من صفاته تضمنها هذا الاسم فـ "العليم" يدل على الذات والعلم، و "القدير" يدل على الذات والقدرة.. وهكذا. ثم إن كل اسم من هذه الأسماء يدل على الصفة التى فى الاسم الآخر بطريق اللزوم، وكذلك الشأن فى أسماء النبى ﷺ مثل: محمد وأحمد وحامد، وأسماء القرآن مثل: القرآن والفرقان، والهدى، والشفاء، وأمثال ذلك. فإن كان مقصود السائل تعيين المسمى عبَّر عنه بأى اسم كان إذا كان يعرف مسماه. فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ [طه: ١٢٤] .. وإذا قيل: ما ذكره؟ يقال: ذِكْره قرآنه، أو كتابه، أو كلامه، أو هُدَاه، ونحو ذلك. وهذا على القول المشهور من أن المصدر مضاف للفاعل، كما يدل عليه سياق الآية وسباقها. وإن كان مقصود السائل معرفة ما فى الاسم من الصفة المختصة به فلا بد فى ذلك من قدر زائد على تعيين المسمى، مثل أن يسأل عن القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، وقد علم أنه الله ولكن يريد أن يعرف معنى كونه قدوساً. وسلاماً، ومؤمناً، ومهيمناً، ونحو ذلك. والسَلَف كثيراً ما يُعبِّرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه وإن كان فيها من الصفة ما ليس فى الاسم الآخر، كمن يقول: القدوس: هو الله، أو الرحمن، أو الغفور، ومراده أن المسمى واحد، لا أن هذه الصفة هى هذه. ومعلوم أن هذا اختلاف لا يمكن أن يقال إنه اختلاف تباين وتضاد كما ظنه بعض الناس. ومثال ذلك تفسيرهم للصراط المستقيم، فقال بعضهم: هو اتباع القرآن، لقوله ﷺ فى حديث علىّ عند الترمذى: "ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتى الصراط سوران، وفى السورين أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداع يدعو من فوق الصراط، وداع يدعو على رأس الصراط، قال: فالصراط المستقيم هو الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، والداعى على رأس الصراط كتاب الله، والداعى فوق الصراط واعظ الله فى قلب كل مؤمن". ومنه مَن قال: هو اتباع السُّنَّة والجماعة، ومنه مَن قال: هو طريق

стр. 94

العبودية، ومنه مَن قال: هو طاعة الله ورسوله ﷺ ، وقيل غير ذلك فهذه كلها أقوال لا منافاة بينها ولا تباين، بل كلها متفقة فى الحقيقة، لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، وهو طاعة الله ورسوله، وهو طريق العبودية لله، فالذات واحدة، وكلُّ أشار إليها ووصفها بصفة من صفاتها. ثانياً: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود فى عمومه وخصوصه. مثال ذلك ما نقل فى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله﴾ [فاطر: ٣٢] فبعضهم فَسَّر السابق بمن يصلَى فى أول الوقَت، والمقتصد بمن يصَلَى فى أثنائه، والظالم بمن يصلى بعد فواته. وبعضهم فسَّر السابق بمن يؤدى الزكاة المفروضة مع الصدقة، والمقتصد بمن يؤديها وحدها، والظالم بمانع الزكاة، فكل من المفسِّرين ذكر فرداً من أفراد العام على سبيل التمثيل لا الحصر، لتعريف المستمع أن الآية تتناول المذكور، ولتنبيهه به على نظيره، فإن التعريف بالمثال قد يكون أسهل من التعريف بالحد المطابق. والعقل السليم يتفطن للنوع بذكر مثاله. وهذا الاختلاف فى ذكر المثال لا يؤدى إلى التباين والتناقض بين الأقوال، إذ من المعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المُضيِّع للواجبات والمنتهك للحُرُمات، والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرَّمات. والسابق يتناول مَن تقرَّب بالحسنات مع الواجبات. ومن هذا القبيل أن يقول أحدهم: نزلت هذه الآية فى كذا، ويقول الآخر: نزلت فى كذا، كل يذكر غير ما يذكره صاحبه، لأن كلاً منهم يذكر بعض ما يتناوله اللفظ، وهذا لا تنافى فيه ما دام اللفظ يتناول قول كل منهما. أما إذا قال أحدهم: سبب نزول هذه الآية كذا، وقال الآخر: سبب نزول هذه الآية كذا، وكل ذكر غير ما ذكره الآخر، فيمكن أن يقال: إن الآية نزلت عقب تلك الأساب، أو تكون نزلت مرتين: مرة لهذا السبب، ومرة لهذا السبب. ثالثاً: أن يكون اللفظ محتملاً للأمرين أو الأمور، وذلك إما لكونه مشتركاً فى اللغة، كلفظ "قَسوَرَة"، الذى يراد به الرامى ويراد به الأسد، ولفظ "عَسْعَسَ"، الذى يراد به إقبال الليل ويراد به إدباره. وإما لكونه متواطئاً فى الأصل لكن المراد به أحد النوعين، أو أحد الشخصين، كالضمائر فى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فتدلى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى﴾ [النجم: ٨-٩] .. وكلفظ: ﴿والفجر * وَلَيالٍ عَشْرٍ * والشفع والوتر﴾ [الفجر: ١-٣] .. وما ماثل ذلك، فمثل هذا قد يجوز أن يراد به كل المعانى التى قالها السَلَف، وذلك إما لكون الآية نزلت مرتين، فأريد بها هذا تارة وهذا تارة. وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه أو معانيه، وهذا يقول به أكثر الفقهاء من

стр. 95

المالكية، والشافعية، والحنابلة، وكثير من أهل الكلام. وإما لكون اللفظ متواطئاً، فيكون عاماً إذا لم يكن هناك موجب لتخصيصه. رابعاً: أن يُعبِّروا عن المعانى بألفاظ متقاربة لا مترادفة، فإن الترادف قليل فى اللغة، ونادر أو معدوم فى القرآن، وقَلَّ أن يُعبَّر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدى جميع معناه، وإنما يُعبَّر عنه بلفظ فيه تقريب لمعناه، فمثلاً إذا قال قائل: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السمآء مَوْراً﴾ [الطور: ٩] .. المور: الحركة فذلك تقريب للمعنى، لأن المور حركة خفيفة سريعة. كذلك إذا قال: ﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب﴾ [الإسراء: ٤] .. أي أعلمنا، لأن القضاء إليهم فى الآية أخص من الإعلام، فإن فيه إنزالاً وإيحاءً إليهم. فإذا قال أحدهم فى قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ٧٠] إن معنى تبسل: تحبس، وقال الآخر: ترتهن، ونحو ذلك، لم يكن من اختلاف التضاد، لأن هذا تقريب للمعنى كما قلنا. خامساً: أن يكون فى الآية الواحدة قراءتان أو قراءات، فيفسِّر كل منهم على حسب قراءة مخصوصة فيظن ذلك اختلافاً، وليس باختلاف، مثال ذلك: ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وغيره من طرق فى قوله تعالى: ﴿.. لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥] . إن معنى سُكِّرت: سُدَّت، ومن طريق أخرى عنه: أن سُكِّرت بمعنى أُخذت وسُحرت، ثم أخرج عن قتادة أنه قال: مَن قرأ "سُكِّرت" مشددة، فإنما يعنى سُدَّت، ومَن قرأ "سكَرت" مخففة. فإنه يعنى سُحرت. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] أخرج ابن جرير عن الحسن: أنه الذى تهنأ به الإبل، وأخرج من طرق عنه وعن غيره: أنه النحاس المذاب، وليسا بقولين، وإنما الثانى تفسير لقراءة مَن قرأ: "من قطرٍ آن" بتنوين قطر، وهو النحاس المذاب، وآن: شديد الحرارة. وأمثلة هذا النوع كثيرة. وقد خُرِّج على هذا الاختلاف الوارد عن ابن عباس وغيره فى تفسير قوله تعالى. ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦] .. هل هو الجِماع، أو الجس باليد؟ فالأول تفسير لقراءة: "لامستم"، والثانى لقراءة: "لمستم" ولا اختلاف. هذه هى الأوجه بواسطتها نستطيع أن نجمع بين أقوال السَلَف التى تبدو متعارضة. أما ما جاء عنهم من اختلاف فى التفسير ويتعذر الجمع بينه بواحد من الأمور السابقة - وهذا أمر نادر، أو اختلاف مخفف كما يقول ابن تيمية - فطريقنا فيه: أن ننظر فيمن نُقِل عنه الاختلاف، فإن كان عن شخص واحد واختلفت الروايتان صحة وضعفاً، قُدِّم الصحيح وتُرِك ما عداه، وإن استوينا فى الصحة وعرفنا

стр. 96

أن أحد القولين متأخر عن الآخر، قُدِّم المتأخر وتُرِك ما عداه. وإن لم نعرف تقدم أحدهما على الآخر رددنا الأمر إلى ما ثبت فيه السمع. فإن لم نجد سمعاً وكان للاستدلال طريق إلى تقوية أحدهما، رجَّحنا ما قوَّاه الاستدلال وتركنا ما عداه. وإن تعارضت الأدلة فعلينا أن نؤمن بمراد الله تعالى ولا نتهجم على تعيين أحد القولين، ويكون الأمر حينئذ فى منزلة المجمل قبل تفصيله، والمتشابه قبل تبيينه. وإن كان الاختلاف عن شخصين أو أشخاص، واختلفت الروايتان أو الروايات صحة وضعفاً، قُدِّم الصحيح وتُرِك ما عداه. وإن استوت الروايتان أو الروايات فى الصحة، رددنا الأمر إلى ما ثبت فيه السمع. فإن لم نجد سمعاً وكان للاستدلال طريق إلى تقوية أحدهما رجَّحنا ما قوَّاه الاستدلال وتركنا ما عداه. وإن تعارضت الأدلة فعلينا أن نؤمن بمراد الله تعالى، ولا نتهجم على تعيين أحد القولين أو الأقوال. ويكون الأمر حينئذ فى منزلة المجمل قبل تفصيله، والمتشابه قبل تبيينه. ويرى الزركشى: أن الاختلاف إن كان بين الصحابة وتعذر الجمع، قُدِّم قول ابن عباس على قول غيره، وعلَّل ذلك فقال: "لأن النبى ﷺ بَشَّره حيث قال: "اللَّهم عَلِّمه التأويل". * * *

стр. 97

الباب الثالث: المرحلة الثالثة للتفسير.. أو التفسير فى عصور التدوين

стр. 98

تمهيد تمهيد * ابتداء هذه المرحلة: تبدأ المرحلة الثالثة للتفسير من مبدأ ظهور التدوين، وذلك فى أواخر عهد بنى أمية، وأول عهد للعباسين. * الخطوة الأولى للتفسير: وكان التفسير قبل ذلك يُتناقل بطريق الرواية، فالصحابة يروون عن رسول الله ﷺ ، كما يروى بعضهم عن بعض. والتابعون يروون عن الصحابة. كما يروى بعضهم عن بعض، وهذه هى الخطوة الأولى للتفسير. * * * الخطوة الثانية: ثم بعد عصر الصحابة والتابعين، خطا التفسير خطوة ثانية، وذلك حيث ابتدأ التدوين لحديث رسول الله ﷺ ، فكانت أبوابه متنوعة، وكان التفسير باباً من هذه الأبواب التى اشتمل عليها الحديث، فلم يُفرد له تأليف خاص يُفسِّر القرآن سورة سورة، وآية آية، من مبدئه إلى منتهاه، بل وُجد من العلماء مَن طوَّف فى الأمصار المختلفة ليجمع الحديث، فجمع بجوار ذلك ما رُوِى فى الأمصار من تفسير منسوب إلى النبى ﷺ ، أو إلى الصحابة، أو إلى التابعين، ومن هؤلاء: يزيد بن هارون السلمى المتوفى سنة ١١٧هـ، وشعبة بن الحجاج المتوفى سنة ١٦٠هـ، ووكيع بن الجراح المتوفى سنة ١٩٧هـ وسفيان بن عيينة المتوفى سنة ١٩٨هـ، وروح عن عبادة البصرى المتوفى سنة ٢٠٥هـ، وعبد الرزاق بن همام المتوفى سنة ٢١١هـ، وآدم بن أبى إياس المتوفى سنة ٢٢٠هـ، وعبد بن حميد المتوفى سنة ٢٤٩هـ وغيرهم، وهؤلاء جميعاً كانوا من أئمة الحديث، فكان جمعهم للتفسير جمعاً لباب من أبواب الحديث، ولم يكن جمعاً للتفسير على استقلال وانفراد. وجميع ما نقله هؤلاء الأعلام عن أسلافهم من أئمة التفسير نقلوه مسنداً إليهم، غير أن هذه التفاسير لم يصل إلينا شئ منها، ولذا لا نستطيع أن نحكم عليها. * * * الخطوة الثالثة: ثم بعد هذه الخطوة الثانية، خطا التفسير خطوة ثالثة، انفصل بها عن الحديث،

стр. 99

فأصبح علماً قائماً بنفسه، ووضع التفسير لكل آية من القرآن، ورُتَّب ذلك على حسب ترتب المصحف. وتم ذلك على أيدى طائفة من العلماء منهم ابن ماجه المتوفى سنة ٢٧٣هـ، وابن جرير الطبرى المتوفى سنة ٣١٠هـ، وأبو بكر بن المنذر النيسابورى المتوفى سنة ٣١٨هـ، وابن أبى حاتم المتوفى سنة ٣٢٧هـ، وأبو الشيخ بن حبان المتوفى سنة ٣٦٩هـ، والحاكم المتوفى سنة ٤٠٥هـ، وأبو بكر بن مردويه المتوفى سنة ٤١٠هـ، وغيرهم من أئمة هذا الشأن. وكل هذه التفاسير مروية بالإسناد إلى رسول الله ﷺ ، وإلى الصحابة، والتابعين، وتابع التابعين، وليس فيها شئ من التفسير أكثر من التفسير المأثور، اللَّهم إلا ابن جرير الطبرى فإنه ذكر الأقوال ثم وجهَّها، ورجَّح بعضها على بعض، وزاد على ذلك الإعراب إن دعت إليه حاجة، واستبط الأحكام التى يمكن أن تؤخذ من الآيات القرآنية ... وسنأتى بالكلام عن هذا التفسير عند الكلام عن الكتب المؤلَّفة فى التفسير بالمأثور إن شاء الله تعالى. وإذا كان التفسير قد خطا هذه الخطوة الثالثة التى انفصل بها عن الحديث، فليس معنى أن هذه الخطوة محت ما قبلها وألغت العمل به، بل معناه أن التفسير تدرح فى خطواته، فبعد أن كانت الخطوة الأولى للتفسير هي النقل عن طريق التلقى والرواية، كانت الخطوة الثانية له، وهى تدوينه على أنه باب من أبواب الحديث، ثم جاءت بعد ذلك الخطوة الثالثة، وهى تدوينه على استقلال وانفراد، فكل هذه الخطوات، تم إسلام بعضها إلى بعض، بل وظل المحدِّثون بعد هذه الخطوة الثالثة، يسيرون على نمط الخطوة الثانية، من رواية المنقول من التفسير فى باب خاص من أبواب الحديث، مقتصرين فى ذلك على ما ورد عن رسول الله ﷺ ، أو عن الصحابة أو عن التابعين. * * * ليس من السهل معرفة أول من دَوَّن تفسير كل القرآن مرتَّباً: هذا.. ولا نستطيع أن نُعيِّن بالضبط، المفسِّر الأول الذى فسرَّ القرآن آية آية، ودوَّنه على التتابع وحسب ترتيب المصحف. ونجد فى الفهرست لابن النديم (ص ٩٩) أن أبا العباس ثعلب قال: "كان السبب فى إملاء كتاب الفرَّاء فى المعانى أن عمر بن بكير كان من أصحابه، وكان منقطعاً إلى الحسن بن سهل فكتب إلى الفرَّاء: إن الأمير الحسن بن سهل، ربما سألنى عن الشئ بعد الشئ

стр. 100

من القرآن فلا يحضرنى فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لى أصولاً، أو تجعل فى ذلك كتاباً أرجع إليه فعلت، فقال الفرَّاء لأصحابه: اجتمعوا حتى أُملى عليكم كتاباً فى القرآن، وجعل لهم يوماً، فلما حضروا خرج إليهم، وكان فى المسجد رجل يُؤذِّن ويقرأ بالناس فى الصلاة، فالتفت إليه الفرَّاء فقال له: اقرأ بفاتحة الكتاب نفسِّرها، ثم نوفى الكتاب كله، فقرأ الرجل ويفسِّر الفراء، قال أبو العباس: لم يعمل أحد قبل مثله، ولا أحسب أن أحداً يزيد عليه". فهل نستطيع أن نستخلص من ذلك: أن الفرَّاء المتوفى سنة ٢٠٧ هـ، هو أول مَن دَوَّن تفسيراً جامعاً لكل آيات القرآن مرتَّباً على وفقٍ ترتيب المصحف؟ وهل نستطيع أن نقول: إن كل مَن تقدَّم الفرَّاء من المفسِّرين كانوا يقتصرون على تفسير المشكل فقط؟.. لا.. لا نستطيع أن نفهم هذا من عبارة ابن النديم لأنها غير قاطعة فى هذا، كما لا نستطيع أن نميل إليه كما مال إليه الأستاذ أحمد أمين فى كتابه ضحى الإسلام (جـ ٢ ص ١٤١) ، وذلك لأن كتاب "معانى القرآن" للفرَّاء شبيه فى تناوله للآى على ترتيبها فى السور بكتاب "مجاز القرآن" لأبى عبيدة، فإنه يتناول السور على ترتيبها، ويعرض لما فى السورة من آى تحتاج لبيان مجازها - أى المراد منها - فليس للفرَّاء أوَّلية فى هذا، بل تلك على ما يبدو كانت خطة العصر، ثم إن ما نُقِل لنا عن السَلَف يُشعر - وإن كان غير قاطع - بأن استيفاء التفسير لسور القرآن وآياته كان عملاً مبكراً لم يتأخر إلى نهاية القرن الثانى وأوائل الثالث، فمثلاً يقول ابن أبى مليكة: "رأيت مجاهداً يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب. قال: حتى سأله عن التفسير كله". ونجد الحافظ ابن حجر عندما ترجم لعطاء بن دينار الهذلى المصرى فى كتابه "تهذيب التهذيب" يقول: "قال علىّ بن الحسن الهسنجانى، عن أحمد ابن صالح: عطاء بن دينار، من ثقات المصريين، وتفسيره فيما يروى عن سعيد بن جبير صحيفة، وليس له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير، وقال أبو حاتم: صالح الحديث إلا أن التفسير أخذه من الديوان، وكان عبد الملك بن مروان (المتوفى سنة ٨٦ هـ) سأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بهذا التفسير، فوجده عطاء بن دينار فى الديوان فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير". فهذا صريح فى أن سعيد بن جبير رضى الله عنه جمع تفسير القرآن فى كتاب، وأخذه من الكتاب عطاء بن دينار، ومعروف أن سعيد بن جبير قُتِل سنة ٩٤ - أو سنة

стр. 101

٩٥ هجرية - على الخلاف فى ذلك، ولا شك أن تأليفه هذا كان قبل موت عبد الملك بن مروان المتوفى سنة ٨٦ هجرية. وكذلك نجد فى وفيات الأعيان (جـ ٢ ص ٣) : أن عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة، كتب تفسيراً للقرآن عن الحسن البصرى، ومعلوم أن الحسن توفى سنة ١١٦ هجرية. ومرَّ بنا فيما سبق (ص ٨٥) أن ابن جريج المتوفى سنة ١٥٠ هجرية له ثلاثة أجزاء كبار فى التفسير رواها عنه محمد بن ثور، فإذا انضم إلى هذا ما نلاحظه من قوة اتصال القرآن بالحياة الإسلامية، وشدة عناية القوم بأخذ الأحكام وغيرها من آيات القرآن، وحاجاتهم المُلِّحة فى ذلك، نستطيع أن نقول إن الفرَّاء لم يُسبق إلى هذا الاستيفاء والتقصى، بل هو مسبوق بذلك، وإن كنا لا نستطيع أن نُعيِّن مَن سبق إلى هذا العمل على وجه التحقيق، ولو أنه وقع لنا كل ما كتب من التفسير من مبدأ عهد التدوين. لأمكننا أن نُعيِّن المفسِّر الأول الذى دوَّن التفسير على هذا النمط. * * * الخطوة الرابعة: ثم إن التفسير لم يقف عند هذه الخطوة الثالثة بل خطا بعدها خطوة رابعة، لم يتجاوز بها حدود التفسير بالمأثور، وإن كان قد تجاوز روايته بالإسناد، فصنَّف فى التفسير خلق كثير، اختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال المأثورة عن المفسِّرين من أسلافهم دون أن ينسبوها لقائليها، فدخل الوضع فى التفسير والتبس الصحيح بالعليل، وأصبح الناظر فى هذه الكتب يظن أن كل ما فيها صحيح، فنقله كثير من المتأخرين فى تفاسيرهم، ونقلوا ما جاء فى هذه الكتب من إسرائيليات على أنها حقائق ثابتة، وكان ذلك هو مبدأ ظهور خطر الوضع والإسرئليات فى التفسير. وسنعرض لهذا بالبيان والتفصيل فيما بعد إن شاء الله تعالى. ولقد وُجِد من بين هؤلاء المفسِّرين مَن عَنِىَ بجمع شتات الأقوال، فصار كلما سنح لَه قول أورده، وكلما خطر بباله شئ اعتمده، فيأتى مَن بعده وينقل ذلك عنه بدون أن يتحرى الصواب فيما ينقل، ويدون التفاوت منه إلى تحرير ما ورد عن السلَف الصالح ومَن يرجع إليهم فى التفسير، ظناً منه أن كل ما ذكر له أصل ثابت!! وليس أدل على نهم هؤلاء القوم بكثرة النقل من أن بعضهم ذكر فى تفسير قوله تعالى: ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين﴾ [الفاتحة: ٧] عشرة أقوال مع أن تفسيرها باليهود والنصارى، هو الوارد عن رسول الله ﷺ وعن جميع الصحابة والتابعين، حتى قال ابن أبى حاتم: "لا أعلم فى ذلك اختلافاً بين المفسِّرين". * * *

стр. 102

الخطوة الخامسة: ثم خطا التفسير بعد ذلك خطوة خامسة، هى أوسع الخطا وأفسحها، امتدت من العصر العباسى إلى يومنا هذا، فبعد أن كان تدوين التفسير مقصوراً على رواية ما نُقِل عن سَلَف هذه الأمة، تجاوز بهذه الخطوة الواسعة إلى تدوين تفسير اختلط فيه الفهم العقلى بالتفسير النقلى، وكان ذلك على تدرج ملحوظ فى ذلك. * * * * تدرج التفسير العقلى: بدأ ذلك أولاً على هيئة محاولات فهم شخص، وترجيح لبعض الأقوال على بعض، وكان هذا أمراً مقبولاً ما دام يرجع الجانب العقلى منه إلى حدود اللغة ودلالة الكلمات القرآنية. ثم ظلت محاولات هذا الفهم الشخصى تزداد وتتضخم، متأثرة بالمعارف المختلفة، والعلوم المتنوعة، والآراء المتشعبة، والعقائد المتباينة، حتى وُجِد من كتب التفسير ما يجمع أشياء كثيرة، لا تكاد تتصل بالتفسير إلا عن بُعْدٍ عظيم. دُوِّنت علوم اللغة، ودُوِّن النحو الصرف، وتشعبَّت مذاهب الخلاف الفقهى، وأثيرت مسائل الكلام، وظهر التعصب المذهبى قائماً على قدمه وساقه فى العصر العباسى، وقامت الفِرَق الإسلامية بنشر مذاهبها والدعوة إليها، وتُرجمت كتب كثيرة من كتب الفلاسفة، فامتزجت كل هذه العلوم وما يتعلق بها من أبحاث بالتفسير حتى طغت عليه، وغلب الجانب العقلى على الجانب النقلى، وصار أظهر شئ فى هذه الكتب، هو الناحية العقلية، وإن كانت لا تخلو مع ذلك من منقول يتصل بأسباب النزول، أو بغير ذلك على المأثور. وهكذا تدرج التفسير، واتجهت الكتب المؤلَّفة فيه اتجاهات متنوعة، وتحكَّمت الاصطلاحات العلمية، والعقائد المذهبية فى عبارات القرآن الكريم، فظهرت آثار الثقافة الفلسفية والعلمية للمسلمين فى تفسير القرآن، كما ظهرت آثار التصوف واضحة فيه، وكما ظهرت آثار النِحَل والأهواء فيه ظهوراً جلياً.

стр. 103

وإنَّا لنلحظ فى وضوح وجلاء: أن كل مَن برع فى فن من فنون العلم، يكاد يقتصر تفسيره على الفن الذى برع فيه، فالنحوى تراه لا هَمَّ له إلا الإعراب وذكر ما يحتمل فى ذلك من أوجه، وتراه ينقل مسائل النحو وفروعه وخلافياته، وذلك كالزَجَّاج، والواحدى فى "البسيط"، وأبى حيان فى "البحر المحيط".. وصاحب العلوم العقلية، تراه يعنى فى تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة، كما تراه يعنى بذكر شبُههم والرد عليهم، وذلك كالفخر الرازى فى كتابه "مفاتيح الغيب". وصاحب الفقه تراه قد عنى بتقريره الأدلة للفروع الفقهية، والرد على مَن يخالف مذهبه، وذلك كالجصَّاص، والقرطبى.. وصاحب التاريخ، ليس له شغل إلا القصص، وذكر أخبار مَن سَلَف، ما صح منها وما لا يصح، وذلك كالثعلبى والخازن.. وصاحب البدع، ليس له قصد إلا أن يُؤوِّل كلام الله ويُنزله على مذهبه الفاسد، وذلك كالرمانى، والجبائى، والقاضى عبد الجبار، والزمخشرى من المعتزلة، والطبرسى، وملا محسن الكاشى من الإمامية الإثنا عشرية. وأصحاب التصوف قصدوا إلى ناحية الترغيب والترهيب. واستخراج المعانى الإشارية من الآيات القرآنية بما يتفق مع مشاربهم، ويتناسب مع رياضاتهم ومواجيدهم، ومن هؤلاء ابن عربى، وأبو عبد الرحمن السلمى.. وهكذا فسَّر كل صاحب فن أو مذهب بما يتناسب مع فنه أو يشهد لمذهبه، وقد استمرت هذه النزعة العلمية العقلية وراجت فى بعض العصور رواجاً عظيماً، كما راجت فى عصرنا الحاضر تفسيرات يريد أهلها من ورائها أن يُحَمِّلوا آيات القرآن كل العلوم، ما ظهر منها وما لم يظهر، كأن هذا فيما يبدو وجه من وجوه إعجاز القرآن وصلاحيته لأن يتمشى مع الزمن. وفى الحق أن هذا غلو منهم، وإسراف يُخرج القرآن عن مقصده الذى نزل من أجله، ويحيد به عن هدفه الذى يرمى إليه. وسوف نتكلم على ذلك بتوسع عند الكلام عن التفسير العلمى إن شاء الله تعالى. ثم إن هذا الطغيان العقلى العلمى، لم يطغ على التفسير بالمأثور الطغيان الذى يجعله فى عداد ما درس وذهب، بل وُجِد من العلماء فى عصور مختلفة، مَن استطاع أن يقاوم تيار هذا الطغيان، ففسَّر القرآن تفسيراً نقلياً بحتاً، على توسع منهم فى النقل، وعدم تفرقة بين ما صح وما لم يصح، كما فعل السيوطى فى كتابه "الدر المنثور". * * *

стр. 104

التفسير الموضوعى: وكذلك وُجِد مِنَ العلماء مَن ضيَّق دائرة البحث فى التفسير، فتكلَّم عن ناحية واحدة من نَواحيه المتشعبة المتعددة، فابن القيم - مثلاً - أفرد كتاباً من مؤلفاته للكلام عن أقسام القرآن سماه "التبيان فى أقسام القرآن". وأبو عبيدة أفرد كتاباً للكلام عن مجاز القرآن والراغب الأصفهانى أفرد كتاباً فى مفردات القرآن. وأبو جعفر النحاس أفرد كتاباً فى الناسخ والمنسوخ من القرآن. وأبو الحسن الواحدى أفرد كتاباً فى أسباب نزول القرآن. والجصاص أفرد كتاباً فى أحكام القرآن.. وغير هؤلاء كثير من العلماء الذين قصدوا إلى موضوع خاص فى القرآن يجمعون ما تفرَّق منه، ويفردونه بالدرس والبحث. * * * توسع متقدمى المفسَرين قعد بمتأخريهم عن البحث المستقل: ثم إنَّا نجد متقدمى المفسِّرين قد توسَّعوا فى التفسير إلى حد كبير، جعل مَن جاء بعدهم من المفسِّرين لا يلقون عنتاً، ولا يجدون مشقة فى محاولتهم لفهم كتاب الله، وتدوين ما دوَّنوا من كتب فى التفسير، فمنهم مَن أخذ كلام غيره وزاد عليه، ومنهم مَن اختصر، ومنهم مَن علَّق الحواشى وتتبع كلام من سبقه، تارة بالكشف عن المراد، وأخرى بالتفنيد والاعتراض، ومع ذلك فاتجاهات التفسير، وتعدد طرائقه وألوانه. مل تزل على ما كانت عليه، متشعبة متكاثرة. أما فى عصرنا الحاضر، فقد غلب اللون الأدبى الاجتماعى على التفسير، ووُجِدت بعض محاولات علمية، فى كثير منها تكلف ظاهر وغلو كبير، أما اللون المذهبى، فقد بقى منه إلى يومنا هذا بمقدار ما بقى من المذاهب الإسلامية، وسوف نعرض للتفسير فى عصرنا الحاضر بما فيه الكفاية إن شاء الله تعالى. هذا هو شأن التفسير فى مرحلته الثالثة - مرحلة التدوين - وهذه هى خطواته التى تدرج فيها من لدن نشأته إلى عصرنا الحاضر، وتلك هى ألوانه وطرائقه، وأرى من العسير علىّ أن أتمشى بالتفسير مع الزمن، وأن أتكلم عن طرائقه، ومميزاته، واتجاهاته، وألوانه فى كل عصر من العصور التى مرَّت عليه، وذلك راجع إلى أننا لم نقف على كثير مما خلفته تلك العصور من آثار فيه وهى كثرة كاثرة تنوَّعت مقاصدها واختلفت اتجاهاتها. وإننا لندهش عند سماع ما أُلِّف فى التفسير من الكتب التى بلغت حد الكثرة. ونُسِبت لرجال لهم قيمتهم العلمية، ففى القرن الثانى كتب عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة تفسيراً للقرآن عن الحسن البصرى، كما ذكره ابن خلكان فى كتابه "وفيات الأعيان"، ويذكر صاحب كتاب "تبيين كذب المفترى": أن أبا الحسن

стр. 105

الأشعرى كتب كتاباً فى التفسير يسمى "المختزن"، لم يترك آية تعلَّق بها بَدْعى إلا أبطل تعلقه بها، وجعلها حُجَّة لأهل الحق، كما يُنسب إلى الجوينى تفسير كبير يشتمل على عشرة أنواع فى كل آية، ويُنسب للقشيرى أيضاً تفسير كبير. وابن الأنبارى يذكرون أنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيراً من تفاسير القرآن بأسانيدها وأبو هلال العسكرى، له كتاب "المحاسن فى تفسير القرآن"، خمس مجلدات، وغير هذا كثير جداً من الكتب التى أُلِّفت فى تفسير القرآن. وبعد ... فهل يكون فى مقدورى - وقد اندرست معظم كتب التفسير - أن أتكلم عن التفسير وما أُلِّف فيه فى جميع مراحله الزمنية؟ اللهم إن هذا أمر لا أقدر عليه إلا إذا جُمِع بين يدىّ كل ما كُتِب فى التفسير من مبدأ نشأته إلى يومنا هذا، وكان لدىّ من الوقت ما يتسع لدراسته كله، وأنَّى لى بذلك؟ على أننا لو نظرنا إلى مناحى المفسِّرين واتجاهاتهم، لوجدناهم مع اختلاف عصورهم يشتركون فيها، فبينما نجد مِنَ المتقدمين مَنْ دوَّن التفسير بالمأثور خاصة، نجد من المتأخرين مَنْ قَصرَ تفسيره على المأثور أيضاً. وبينما نجد مِنَ المتقدمين مَنْ نحا فى تفسيره الناحية الإشارية نجد مِنَ المتأخرين مَنْ ينحو هذا المنحى بعينه، وبينما نجد مِنَ المتقدمين مَنْ حاول إخضاع القرآن لمذهبه وعقيدته نجد مِنَ المتأخرين مَنْ حاول مثل هذه المحاولة وهكذا نجد كثيراً من كتب التفسير على اختلاف أزمانها تتحد فى مشربها، وتتجه إلى ناحية واحدة من نواحى التفسير المختلفة. لهذا كله، أرى نفسى مضطراً إلى أن أعدل فى هذه المرحلة الثالثة - مرحلة عصور التدوين - عن السير بالتفسير مع الزمن إلى التكلم عنه من ناحية هذه الاتجاهات التى اتجه إليها المفسِّرون فى تفاسيرهم وأتبع ذلك بالكلام عن أشهر الكتب المؤلَّفة فى التفسير، فأتكلم أولاً عن التفسير المأثور وأشهر ما دُوِّنَ فيه، ثم عن التفسير بالرأى الجائز وغير الجائز، وعن أشهر الكتب المؤلَّفة فى ذلك. ويندرج فى هذا الكلام على تفاسير الفِرَق المختلفة، ثم أتكلم بعد ذلك عن التفسير عند الصوفية وأهم كتبهم فيه، ثم عند الفلاسفة، ثم عند الفقهاء كذلك، ثم أتكلم عن التفسير العلمى، ثم أختم بكلمة عامة عن التفسير فى عصرنا الحاضر، وأسأل الله العون والتوفيق. * * *

стр. 106

التفسير بالمأثور * ما هو التفسير المأثور؟ يشمل التفسير المأثور ما جاء فى القرآن نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته، وما نُقل عن الرسول ﷺ ، وما نُقِل عن الصحابة رضوان الله عليهم، وما نُقِل عن التابعين، من كل ما هو بيان وتوضح لمراد الله تعالى من نصوص كتابه الكريم. وإنما أدرجنا فى التفسير المأوثر ما رُوِىَ عن التابعين - وإن كان فيه خلاف: هل هو من قبيل المأثور أو من قبيل الرأى - لأننا وجدنا كتب التفسير المأثور، كتفسير ابن جرير وغيره، لم تقتصر على ما ذِكْر ما رُوِىَ عن النبى ﷺ وما رُوِىَ عن أصحابه، بل ضمت إلى ذلك ما نُقِل عن التابعين فى التفسير. * * * تدرج التفسير المأثور: تدرَّج التفسير المأثور فى دوريه - دور الرواية ودور التدوين - أما فى دور الرواية، فإن رسول الله ﷺ بيَّن لأصحابه ما أشكل عليهم من معانى القرآن، فكان هذا القَدْر من التفسير يتناوله الصحابة بالرواية بعضهم لبعض، ولمن جاء بعدهم من التابعين. ثم وُجِد من الصحابة مَنْ تكلم فى تفسير القرآن بما ثبت لديه عن رسول الله ﷺ ، أو بمحض رأيه واجتهاده، وكان ذلك على قِلَّة يرجع السبب فيها إلى الروعة الدينية التى كانت لهذا العهد، والمستوى العقلى الرفيع لأهله، وتحدد حاجات حياتهم العملية، ثم شعورهم مع هذا بأن التفسير شهادة على الله بأنه عَنِىَ باللفظ كذا. ثم وُجِد من التابعين مَنْ تصدَّى للتفسير، فروى ما تجمَّع لديه من ذلك عن رسولَ الله ﷺ وعن الصحابة، وزاد على ذلك من القول بالرأى والاجتهاد، بمقدار ما زاد من الغموض الذى كان يتزايد كلما بَعُدَ الناس عن عصر النبى ﷺ والصحابة. ثم جاءت الطبقة التى تلى التابعين وروت عنهم ما قالوا، وزادوا عليه بمقدار ما زاد من غموض ... وهكذا ظل التفسير يتضخم طبقة بعد طبقة، وتروى الطبقة التالية ما كان عند الطبقات التى سبقتها، كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق. ثم ابتدأ دورالتدوين - وهو ما يعنينا فى هذا البحث - فكان أول ما دُوِّن من التفسير، هو التفسير المأثور، على تدرج فى التدوين كذلك، فكان رجال الحديث والرواية هم أصحاب الشأن الأول فى هذا. وقد رأينا أصحاب مبادئ العلوم حين

стр. 107

ينسبون - على عادتهم - وضع كل علم لشخص بعينه، يعدون واضع التفسير - بمعنى جامعه لا مُدَوِّنه - الإمام مالك بن أنس الأصبحى، إمام دار الهجرة. وكان التفسير إلى هذا الوقت لم يتخذ له شكلاً منظماً، ولم يُفرد بالتدوين، بل كان يُكتب على أنه باب من أبواب الحديث المختلفة، يجمعون فيه ما رُوِى عن النبى ﷺ وعن الصحابة والتابعين. ثم بعد ذلك انفصل التفسير عن الحديث، وأُفرد بتأليف خاص، فكان أول ما عُرف لنا من ذلك، تلك الصحيفة التى رواها علىّ بن أبى طلحة عن ابن عباس. ثم وُجِد من ذلك جزء أو أجزاء دُوِّنت فى التفسير خاصة، مثل ذلك الجزء المنسوب لأبى رَوق، وتلك الأجزاء الثلاثة التى يرويها محمد بن ثور عن ابن جريج. ثم وُجِدَت من ذلك موسوعات من الكتب المؤلَّفة فى التفسير، جمعت كل ما وقع لأصحابها من التفسير المروى عن النبى ﷺ وأصحابه وتابعيهم، كتفسير ابن جرير الطبرى. ويُلاحَظ أن ابن جرير ومَنْ على شاكلته - وإن نقلوا تفاسيرهم بالإسناد - توسَّعوا فى النقل وأكثروا منه، حتى استفاض وشمل ما ليس موثوقاً به. كما يُلاحَظ أنه كان لا يزال موجوداً إلى ما بعد عصر ابن جرير ومَنْ على شاكلته - ممن أفردوا التفسير بالتأليف - رجال من المحدِّثين بوَّبوا للتفسير باباً ضمن أبواب ما جمعوا من الأحاديث. ثم وُجِد بعد هذا أقوام دوَّنوا التفسير المأثور بدون أن يذكروا أسانيدهم فى ذلك، وأكثروا من نقل الأقوال فى تفاسيرهم بدون تفرقة بين الصحيح والعليل، مما جعل الناظر فى هذه الكتب لا يركن لما جاء فيها، لجواز أن يكون من قبيل الموضوع المختلق، وهو كثير فى التفسير. ثم بعد هذا تغيَّرت موجهات الحياة، فبعد أن كان التدوين فى التفسير لا يتعدى المأثور منه، تعدَّى إلى تدوين التفسير بالرأى على تدرج فيه، كما أشرنا إليه فيما سبق (ص ١٥٦) . * * * اللَّون الشخصى للتفسير المأثور: من المعلوم أن الشخص الذى يُفسِّر نصاً من النصوص، يُلوِّن هذا النص بتفسيره إياه، لأن المتفهم لعبارة من العبارات، هو الذى يحدد معناه ومرماها وفق مستواه الفكرى، وعلى سعة أفقه العقلى، وليس فى استطاعته أن يفهم من النص إلا ما يرمى إليه فكره، ويمتد إليه عقله، وبمقدار هذا يتحكم فى النص ويُحدِّد بيانه، وهذا أصل ملحوظ،

стр. 108

نجد آثاره واضحة فى كتب التفسير على اختلافها، فما من كتاب منها إلا وقد وجدنا آثار شخصية صاحبه وقد طبعت تفسيره بطابع خاص لا يعسر علينا إدراكه. غير أن هذا الطابع الشخصى الذى يُطبع به التفسير، إن ظهر لنا جلياً واضحاً فى كتب التفسير بالرأى، فإنَّا لا نكاد نجده لأول وهلة على هذا النحو من الوضوح والجلاء بالنسبة لكتب التفسير بالمأثور، ولكن نستطيع أن نتبينه إذا ما قدَّرنا أن المتصدى لهذا التفسير النقلى إنما يجمع حول الآية من المرويات ما يشعر أنها متجهة إليه، متعلقة به، فيقصد إلى ما يتبادر لذهنه من معناها، ثم تدفعه الفكرة العامة فيها إلى أن يصل بين الآية وما يروى حولها فى اطمئنان، وبهذا الاطمئنان، يتأثر نفسياً وعقلياً، حينما يقبل مروياً ويعنى به، أو يرفض مروياً حين لا يرتاح إليه. وكذلك راج بين المتقدمين - كما لاحظه ابن خلدون فى مقدمته - ما هم فى شوق إليه وتعلق به، من أسباب المكونات، وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، وتفصيل الأحداث الكبرى فى تاريخ الإنسانية الأولى، نظراً لبداوتهم وأُميِّتهم، وقلَّة المتداول بينهم منه، فكان من وراء ذلك كثرة الإسرائيليات، وليس من شك فى أن هذا صورة عقلية، وطابع شخصى لهذا العصر الأول، كما أنه صورة عقلية، وطابع شخصى لكل مَن يقبل هذه الإسرائيليات، ويُفسِّر بعض آيات القرآن على ضوئها. ثم إننا بعد هذا نلحظ لوناً شخصياً آخر فى التفسير النقلى، ذلك أن الشخص الذى يعرف قيمة الرجال، ويستطيع أن ينقد السند، ويعرف أسباب الضعف فى الرواية، نرى تفسيره يُطبع بهذا الطابع الشخصى الخاص، فيتحرى الصحة فيما يرويه، فلا يدخل فى كتابه مروياً اعتراه الضعف أو تطرق إليه الخلل. أما الشخص الذى لا دراية له بأسباب الضعف فى الرواية، وليس عنده القدرة على نقد الرجال ونقد المروى عنهم فحاطب ليل، يجمع كل ما يُنقل له فى ذلك بدون أن يُفرِّق بين الصحيح وغيره. وبعد ... أفلا ترى أنه حتى فى رواج التفسير النقلى وتداوله تكون شخصية المتعرض للتفسير هى الملوِّنة له، المروِّجة لصنف منه، أظن أن نعم. * * * الضعف فى رواية التفسير المأثور وأسبابه: علمنا مما تقدَّم أن التفسير المأثور يشمل ما كان تفسيراً للقرآن بالقرآن، وما كان تفسيراً للقرآن بالسُّنَّة، وما كان تفسيراً للقرآن بالموقوف على الصحابة أو المروى عن التابعين. أما تفسير القرآن بالقرآن. أو بما ثبت من السُّنَّة الصحيحة، فذلك مما لا خلاف فى قبوله، لأنه لا يتطرق إليه الضعف. ولا يجد الشك إليه سبيلاً.

стр. 109

وأما ما أُضيف إلى النبى ﷺ وهو ضعيف فى سنده أو متنه فذلك مردود غير مقبول، ما دام لم تصح نسبته إلى النبى ﷺ . وأما تفسير القرآن بما يُروى عن الصحابة أو التابعين، فقد تسرَّب إليه الخلل، وتطرَّق إليه الضعف، إلى حد كاد يُفقدنا الثقة بكل ما رُوِى من ذلك، لولا أن قيَّض الله لهذا التراث العظيم مَنْ أزاح عنه هذه الشكوك، فسلمت لنا منه كمية لا يُستهان بها، وإن كان صحيحها وسقيمها لا يزال خليطاً فى كثير من الكتب التى عَنِىَ أصحابها بجمع شتات الأقوال. ولقد كانت كثرة المروى من ذل كثرة جاوزت الحد - وبخاصة عن ابن عباس وعلىّ بن أبى طالب رضى الله عنهما - أكبر عامل فى صرف همة العلماء ولفت أنظارهم إلى البحث والتمحيص، والنقد والتعديل والتجريح، حتى لقد نُقِل عن الإمام الشافعى رضى الله عنه أنه قال: "لم يثبت عن ابن عباس فى التفسير إلا شبيه بمائة حديث". وهذا العدد الذى ذكره الشافعى، لا يكاد يُذكر بجوار ما رُوِى عن ابن عباس من التفسير. وهذا يدل على مبلغ ما دخل من التفسير النقلى من الروايات المكذوبة المصنوعة. * * * أسباب الضعف: ونستطيع أن نُرجِعْ أسباب الضعف فى رواية التفسير المأثور إلى أُمور ثلاثة: أولها: كثرة الوضع فى التفسير. ثانيها: دخول الإسرائيليات فيه. ثالثها: حذف الأسانيد. وأرى أن أعرض لكل سبب من هذه الأسباب الثلاثة المجملة بالإيضاح والتفصيل، حتى يتبيَّن لنا مقدار ما كان لكل منها من الأثر فى فقدان الثقة بكثير من الروايات المأثورة فى التفسير. * * * أولاً: الوضع فى التفسير * نشأة الوضع فى التفسير: نشأ الوضع فى التفسير مع نشأته فى الحديث، لأنهما كانا أول الأمر مزيجاً لا يستقل أحدهما عن الآخر، فكما أننا نجد فى الحديث: الصحيح والحسن والضعيف، وفى رواته مَنْ هو موثوق به، ومَنْ هو مشكوك فيه، ومَنْ عُرِف بالوضع، نجد مثل ذلك فيما رُوِىَ من التفسير، ومَنْ روَى من المفسِّرين. وكان مبدأ ظهور الوضع فى سنة إحدى وأربعين من الهجرة، حين اختلف المسلمون

стр. 110

سياسياً، وتفرَّقوا إلى شيعة وخوارج وجمهور، ووُجِدَ من أهل البدع والأهواء مَنْ روَّجوا لبدعهم، وتعصبَّوا لأهوائهم، ودخل فى الإسلام مَن تبطن الكفر والتحف الإسلام بقصد الكيد له، وتضليل أهله، فوضعوا ما وضعوا من روايات باطلة، ليصلوا بها إلى أغراضهم السيئة، ورغباتهم الخبيثة. * * * أسبابه: ويرجع الوضع فى التفسير إلى أسباب متعددة: منها التعصب المذهبى، فإنَّ ما جَدَّ من افتراق الأُمة إلى شيعة تطرَّفوا فى حب علىّ، وخوارج انصرفوا عنه وناصبوه العداء، وجمهور المسلمين الذين وقفوا بجانب هاتين الطائفتين بدون أن يمسهم شئ من ابتداع التشيع أو الخروج، جعل كل طائفة من هذه الطوائف تحاول بكل جهودها أن تؤيد مذهبها بشئ من القرآن، فنسب الشيعة إلى النبى ﷺ ، وإلى علىّ وغيره من أهل البيت - رضى الله عنهم - أقوالاً كثيرة من التفسير تشهد لمذهبهم. كما وضع الحوارج كثيراً من التفسير الذى يشهد لمذهبهم، ونسبوه إلى النبى ﷺ أو إلى أحد أصحابه، وكان قصد كل فريق من نسبة هذه الموضوعات إلى النبى ﷺ أو إلى أحد أصحابه، الترويج للمروى، والإمعان فى التدليس، فإن نسبة المروى إلى الرسول ﵊ أو إلى أحد الصحابة، تورث المروى ثقة وقبولاً. لا يوجد شئ منهما عندما يُنسب المروى لغير النبى ﵊ أو لغير صحابى. كذلك نجد اللون السياسى فى هذا العصر يترك له أثراً بَيِّناً فى وضع التفسير، ويُلاحَظ أن المروى عن علىّ وابن عباس رضى الله عنهما قد جاوز حد الكثرة، مما يجعلنا نميل إلى القول بأنه قد وُضع عليهما فى التفسير أكثر مما وُضِع على غيرهما، والسبب فى ذلك أنَّ علياً وابن عباس رضى الله عنهما من بيت النبوة، فالوضع عليهما يُكسب الموضوع ثقة وقبولاً، وتقديساً ورواجاً، مما لا يكون لشئ مما يُنسب إلى غيرهما. وفوق هذا فقد كان لعلىّ من الشيعة ما ليس لغيره، فنسبوا إليه من القول فى التفسير ما يظنون أنه يُعلى من قدره، ويرفع من شأنه. وابن عباس كان من نسله الخلفاء العباسيون، فوُجِد من الناس مَنْ تزَّلف إليهم، وتقرَّب بكثرة ما يرويه لهم عن جدهم ابن عباس، مما يدل على أن اللون السياسى كان له أثر ظاهر فى وضع التفسير. كذلك نجد من أسباب الوضع فى التفسير ما قصده أعداء الإسلام الذين اندَّسوا بين أبنائه متظاهرين بالإسلام، من الكيد له ولأهله، فعمدوا إلى الدس والوضع فى التفسير بعد أن عجزوا عن أن ينالوا من هذا الدين عن طريق الحرب والقوة، أو عن طريق البرهان والحُجَّة. * * *
следующие страницы →