Полный текст (774 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
التفسير بالمأثور
* ما هو التفسير المأثور؟
يشمل التفسير المأثور ما جاء فى القرآن نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته، وما نُقل عن الرسول ﷺ ، وما نُقِل عن الصحابة رضوان الله عليهم، وما نُقِل عن التابعين، من كل ما هو بيان وتوضح لمراد الله تعالى من نصوص كتابه الكريم.
وإنما أدرجنا فى التفسير المأوثر ما رُوِىَ عن التابعين - وإن كان فيه خلاف: هل هو من قبيل المأثور أو من قبيل الرأى - لأننا وجدنا كتب التفسير المأثور، كتفسير ابن جرير وغيره، لم تقتصر على ما ذِكْر ما رُوِىَ عن النبى ﷺ وما رُوِىَ عن أصحابه، بل ضمت إلى ذلك ما نُقِل عن التابعين فى التفسير.
* *
* تدرج التفسير المأثور:
تدرَّج التفسير المأثور فى دوريه - دور الرواية ودور التدوين - أما فى دور الرواية، فإن رسول الله ﷺ بيَّن لأصحابه ما أشكل عليهم من معانى القرآن، فكان هذا القَدْر من التفسير يتناوله الصحابة بالرواية بعضهم لبعض، ولمن جاء بعدهم من التابعين.
ثم وُجِد من الصحابة مَنْ تكلم فى تفسير القرآن بما ثبت لديه عن رسول الله ﷺ ، أو بمحض رأيه واجتهاده، وكان ذلك على قِلَّة يرجع السبب فيها إلى الروعة الدينية التى كانت لهذا العهد، والمستوى العقلى الرفيع لأهله، وتحدد حاجات حياتهم العملية، ثم شعورهم مع هذا بأن التفسير شهادة على الله بأنه عَنِىَ باللفظ كذا.
ثم وُجِد من التابعين مَنْ تصدَّى للتفسير، فروى ما تجمَّع لديه من ذلك عن رسولَ الله ﷺ وعن الصحابة، وزاد على ذلك من القول بالرأى والاجتهاد، بمقدار ما زاد من الغموض الذى كان يتزايد كلما بَعُدَ الناس عن عصر النبى ﷺ والصحابة.
ثم جاءت الطبقة التى تلى التابعين وروت عنهم ما قالوا، وزادوا عليه بمقدار ما زاد من غموض ... وهكذا ظل التفسير يتضخم طبقة بعد طبقة، وتروى الطبقة التالية ما كان عند الطبقات التى سبقتها، كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق.
ثم ابتدأ دورالتدوين - وهو ما يعنينا فى هذا البحث - فكان أول ما دُوِّن من التفسير، هو التفسير المأثور، على تدرج فى التدوين كذلك، فكان رجال الحديث والرواية هم أصحاب الشأن الأول فى هذا. وقد رأينا أصحاب مبادئ العلوم حين
стр. 107
ينسبون - على عادتهم - وضع كل علم لشخص بعينه، يعدون واضع التفسير - بمعنى جامعه لا مُدَوِّنه - الإمام مالك بن أنس الأصبحى، إمام دار الهجرة.
وكان التفسير إلى هذا الوقت لم يتخذ له شكلاً منظماً، ولم يُفرد بالتدوين، بل كان يُكتب على أنه باب من أبواب الحديث المختلفة، يجمعون فيه ما رُوِى عن النبى ﷺ وعن الصحابة والتابعين.
ثم بعد ذلك انفصل التفسير عن الحديث، وأُفرد بتأليف خاص، فكان أول ما عُرف لنا من ذلك، تلك الصحيفة التى رواها علىّ بن أبى طلحة عن ابن عباس.
ثم وُجِد من ذلك جزء أو أجزاء دُوِّنت فى التفسير خاصة، مثل ذلك الجزء المنسوب لأبى رَوق، وتلك الأجزاء الثلاثة التى يرويها محمد بن ثور عن ابن جريج.
ثم وُجِدَت من ذلك موسوعات من الكتب المؤلَّفة فى التفسير، جمعت كل ما وقع لأصحابها من التفسير المروى عن النبى ﷺ وأصحابه وتابعيهم، كتفسير ابن جرير الطبرى. ويُلاحَظ أن ابن جرير ومَنْ على شاكلته - وإن نقلوا تفاسيرهم بالإسناد - توسَّعوا فى النقل وأكثروا منه، حتى استفاض وشمل ما ليس موثوقاً به. كما يُلاحَظ أنه كان لا يزال موجوداً إلى ما بعد عصر ابن جرير ومَنْ على شاكلته - ممن أفردوا التفسير بالتأليف - رجال من المحدِّثين بوَّبوا للتفسير باباً ضمن أبواب ما جمعوا من الأحاديث.
ثم وُجِد بعد هذا أقوام دوَّنوا التفسير المأثور بدون أن يذكروا أسانيدهم فى ذلك، وأكثروا من نقل الأقوال فى تفاسيرهم بدون تفرقة بين الصحيح والعليل، مما جعل الناظر فى هذه الكتب لا يركن لما جاء فيها، لجواز أن يكون من قبيل الموضوع المختلق، وهو كثير فى التفسير.
ثم بعد هذا تغيَّرت موجهات الحياة، فبعد أن كان التدوين فى التفسير لا يتعدى المأثور منه، تعدَّى إلى تدوين التفسير بالرأى على تدرج فيه، كما أشرنا إليه فيما سبق (ص ١٥٦) .
* *
* اللَّون الشخصى للتفسير المأثور:
من المعلوم أن الشخص الذى يُفسِّر نصاً من النصوص، يُلوِّن هذا النص بتفسيره إياه، لأن المتفهم لعبارة من العبارات، هو الذى يحدد معناه ومرماها وفق مستواه الفكرى، وعلى سعة أفقه العقلى، وليس فى استطاعته أن يفهم من النص إلا ما يرمى إليه فكره، ويمتد إليه عقله، وبمقدار هذا يتحكم فى النص ويُحدِّد بيانه، وهذا أصل ملحوظ،
стр. 108
نجد آثاره واضحة فى كتب التفسير على اختلافها، فما من كتاب منها إلا وقد وجدنا آثار شخصية صاحبه وقد طبعت تفسيره بطابع خاص لا يعسر علينا إدراكه.
غير أن هذا الطابع الشخصى الذى يُطبع به التفسير، إن ظهر لنا جلياً واضحاً فى كتب التفسير بالرأى، فإنَّا لا نكاد نجده لأول وهلة على هذا النحو من الوضوح والجلاء بالنسبة لكتب التفسير بالمأثور، ولكن نستطيع أن نتبينه إذا ما قدَّرنا أن المتصدى لهذا التفسير النقلى إنما يجمع حول الآية من المرويات ما يشعر أنها متجهة إليه، متعلقة به، فيقصد إلى ما يتبادر لذهنه من معناها، ثم تدفعه الفكرة العامة فيها إلى أن يصل بين الآية وما يروى حولها فى اطمئنان، وبهذا الاطمئنان، يتأثر نفسياً وعقلياً، حينما يقبل مروياً ويعنى به، أو يرفض مروياً حين لا يرتاح إليه.
وكذلك راج بين المتقدمين - كما لاحظه ابن خلدون فى مقدمته - ما هم فى شوق إليه وتعلق به، من أسباب المكونات، وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، وتفصيل الأحداث الكبرى فى تاريخ الإنسانية الأولى، نظراً لبداوتهم وأُميِّتهم، وقلَّة المتداول بينهم منه، فكان من وراء ذلك كثرة الإسرائيليات، وليس من شك فى أن هذا صورة عقلية، وطابع شخصى لهذا العصر الأول، كما أنه صورة عقلية، وطابع شخصى لكل مَن يقبل هذه الإسرائيليات، ويُفسِّر بعض آيات القرآن على ضوئها.
ثم إننا بعد هذا نلحظ لوناً شخصياً آخر فى التفسير النقلى، ذلك أن الشخص الذى يعرف قيمة الرجال، ويستطيع أن ينقد السند، ويعرف أسباب الضعف فى الرواية، نرى تفسيره يُطبع بهذا الطابع الشخصى الخاص، فيتحرى الصحة فيما يرويه، فلا يدخل فى كتابه مروياً اعتراه الضعف أو تطرق إليه الخلل. أما الشخص الذى لا دراية له بأسباب الضعف فى الرواية، وليس عنده القدرة على نقد الرجال ونقد المروى عنهم فحاطب ليل، يجمع كل ما يُنقل له فى ذلك بدون أن يُفرِّق بين الصحيح وغيره.
وبعد ... أفلا ترى أنه حتى فى رواج التفسير النقلى وتداوله تكون شخصية المتعرض للتفسير هى الملوِّنة له، المروِّجة لصنف منه، أظن أن نعم.
* *
* الضعف فى رواية التفسير المأثور وأسبابه:
علمنا مما تقدَّم أن التفسير المأثور يشمل ما كان تفسيراً للقرآن بالقرآن، وما كان تفسيراً للقرآن بالسُّنَّة، وما كان تفسيراً للقرآن بالموقوف على الصحابة أو المروى عن التابعين. أما تفسير القرآن بالقرآن. أو بما ثبت من السُّنَّة الصحيحة، فذلك مما لا خلاف فى قبوله، لأنه لا يتطرق إليه الضعف. ولا يجد الشك إليه سبيلاً.
стр. 109
وأما ما أُضيف إلى النبى ﷺ وهو ضعيف فى سنده أو متنه فذلك مردود غير مقبول، ما دام لم تصح نسبته إلى النبى ﷺ .
وأما تفسير القرآن بما يُروى عن الصحابة أو التابعين، فقد تسرَّب إليه الخلل، وتطرَّق إليه الضعف، إلى حد كاد يُفقدنا الثقة بكل ما رُوِى من ذلك، لولا أن قيَّض الله لهذا التراث العظيم مَنْ أزاح عنه هذه الشكوك، فسلمت لنا منه كمية لا يُستهان بها، وإن كان صحيحها وسقيمها لا يزال خليطاً فى كثير من الكتب التى عَنِىَ أصحابها بجمع شتات الأقوال.
ولقد كانت كثرة المروى من ذل كثرة جاوزت الحد - وبخاصة عن ابن عباس وعلىّ بن أبى طالب رضى الله عنهما - أكبر عامل فى صرف همة العلماء ولفت أنظارهم إلى البحث والتمحيص، والنقد والتعديل والتجريح، حتى لقد نُقِل عن الإمام الشافعى رضى الله عنه أنه قال: "لم يثبت عن ابن عباس فى التفسير إلا شبيه بمائة حديث". وهذا العدد الذى ذكره الشافعى، لا يكاد يُذكر بجوار ما رُوِى عن ابن عباس من التفسير. وهذا يدل على مبلغ ما دخل من التفسير النقلى من الروايات المكذوبة المصنوعة.
* *
* أسباب الضعف:
ونستطيع أن نُرجِعْ أسباب الضعف فى رواية التفسير المأثور إلى أُمور ثلاثة:
أولها: كثرة الوضع فى التفسير.
ثانيها: دخول الإسرائيليات فيه.
ثالثها: حذف الأسانيد.
وأرى أن أعرض لكل سبب من هذه الأسباب الثلاثة المجملة بالإيضاح والتفصيل، حتى يتبيَّن لنا مقدار ما كان لكل منها من الأثر فى فقدان الثقة بكثير من الروايات المأثورة فى التفسير.
* * *
أولاً: الوضع فى التفسير
* نشأة الوضع فى التفسير:
نشأ الوضع فى التفسير مع نشأته فى الحديث، لأنهما كانا أول الأمر مزيجاً لا يستقل أحدهما عن الآخر، فكما أننا نجد فى الحديث: الصحيح والحسن والضعيف، وفى رواته مَنْ هو موثوق به، ومَنْ هو مشكوك فيه، ومَنْ عُرِف بالوضع، نجد مثل ذلك فيما رُوِىَ من التفسير، ومَنْ روَى من المفسِّرين.
وكان مبدأ ظهور الوضع فى سنة إحدى وأربعين من الهجرة، حين اختلف المسلمون
стр. 110
سياسياً، وتفرَّقوا إلى شيعة وخوارج وجمهور، ووُجِدَ من أهل البدع والأهواء مَنْ روَّجوا لبدعهم، وتعصبَّوا لأهوائهم، ودخل فى الإسلام مَن تبطن الكفر والتحف الإسلام بقصد الكيد له، وتضليل أهله، فوضعوا ما وضعوا من روايات باطلة، ليصلوا بها إلى أغراضهم السيئة، ورغباتهم الخبيثة.
* *
* أسبابه:
ويرجع الوضع فى التفسير إلى أسباب متعددة: منها التعصب المذهبى، فإنَّ ما جَدَّ من افتراق الأُمة إلى شيعة تطرَّفوا فى حب علىّ، وخوارج انصرفوا عنه وناصبوه العداء، وجمهور المسلمين الذين وقفوا بجانب هاتين الطائفتين بدون أن يمسهم شئ من ابتداع التشيع أو الخروج، جعل كل طائفة من هذه الطوائف تحاول بكل جهودها أن تؤيد مذهبها بشئ من القرآن، فنسب الشيعة إلى النبى ﷺ ، وإلى علىّ وغيره من أهل البيت - رضى الله عنهم - أقوالاً كثيرة من التفسير تشهد لمذهبهم. كما وضع الحوارج كثيراً من التفسير الذى يشهد لمذهبهم، ونسبوه إلى النبى ﷺ أو إلى أحد أصحابه، وكان قصد كل فريق من نسبة هذه الموضوعات إلى النبى ﷺ أو إلى أحد أصحابه، الترويج للمروى، والإمعان فى التدليس، فإن نسبة المروى إلى الرسول ﵊ أو إلى أحد الصحابة، تورث المروى ثقة وقبولاً. لا يوجد شئ منهما عندما يُنسب المروى لغير النبى ﵊ أو لغير صحابى.
كذلك نجد اللون السياسى فى هذا العصر يترك له أثراً بَيِّناً فى وضع التفسير، ويُلاحَظ أن المروى عن علىّ وابن عباس رضى الله عنهما قد جاوز حد الكثرة، مما يجعلنا نميل إلى القول بأنه قد وُضع عليهما فى التفسير أكثر مما وُضِع على غيرهما، والسبب فى ذلك أنَّ علياً وابن عباس رضى الله عنهما من بيت النبوة، فالوضع عليهما يُكسب الموضوع ثقة وقبولاً، وتقديساً ورواجاً، مما لا يكون لشئ مما يُنسب إلى غيرهما. وفوق هذا فقد كان لعلىّ من الشيعة ما ليس لغيره، فنسبوا إليه من القول فى التفسير ما يظنون أنه يُعلى من قدره، ويرفع من شأنه. وابن عباس كان من نسله الخلفاء العباسيون، فوُجِد من الناس مَنْ تزَّلف إليهم، وتقرَّب بكثرة ما يرويه لهم عن جدهم ابن عباس، مما يدل على أن اللون السياسى كان له أثر ظاهر فى وضع التفسير.
كذلك نجد من أسباب الوضع فى التفسير ما قصده أعداء الإسلام الذين اندَّسوا بين أبنائه متظاهرين بالإسلام، من الكيد له ولأهله، فعمدوا إلى الدس والوضع فى التفسير بعد أن عجزوا عن أن ينالوا من هذا الدين عن طريق الحرب والقوة، أو عن طريق البرهان والحُجَّة.
* *
*
стр. 111
أثر الوضع فى التفسير:
وكان من وراء هذه الكثرة التى دخلت فى التفسير ودُسَّت عليه، أن ضاع كثير من هذا التراث العظيم الذى خلَّفه لنا أعلام المفسِّرين من السَلَف، لأن ما أحاط به من شكوك، أفقدنا الثقة به، وجعلنا نرد كل رواية تطرَّق إليها شئ من الضعف، وربما كانت صحيحة فى ذاتها.
كما أن اختلاط الصحيح من هذه الروايات بالسقيم منها، جعل بعض مَنْ ينظر فيها وليس عنده القدرة على التمييز بين الصحيح والعليل، ينظر إلى جميع ما رُوِىَ بعين واحدة، فيحكم على الجميع بالصحة، وربما وَجَد من ذلك روايتين متناقضتين عن مفسِّر واحد فيتهمه بالتناقض فى قوله، ويتهم المسلمين بقبول هذه الروايات المتناقضة المتضاربة.
يقول الأستاذ "جولدزيهر" فى كتابه "المذاهب الإسلامية فى تفسير القرآن" (٧٨-٨٢) - ما نصه: "وإنما لمما يلفت النظر فى هذا المحيط، هذه الظاهرة الغريبة، وهى أن التعاليم المنسوبة إلى ابن عباس تحمل طابع التصديق بشكل متساو، وهى فى نفسها تظهر فى تضاد شديد بينها وبين بعضها، مما لا يقبل التوسط أو التوفيق".
ثم يسوق بعد ذلك مثالاً لهذا التضاد، فيذكر ما قام حول تعيين الذبيح من خلاف أسنده مثيروه إلى أقوال مأثورة عن السلَفَ، ويذكر فى ضمن كلامه: "أن كل فريق يعتمد فى رأيه على إسناد متصل بابن عباس يدعم به رأيه، فالإسحاقيون عن عِكرمة، والإسماعيليون عن الشعبى أو مجاهد، كل أُولئك سمعوا ذلك عن ابن عباس، وكل ادَّعى بأن هذا هو رأيه فى هذه المسألة.. "
ثم يقول بعد كلام ساقه فى هذا الموضوع: "ويمكن أن يُرى من ذلك إلى أى حد يكون مقدار صحة الرأى المستند إلى ابن عباس، وإلى أى حد يمكن الاعتراف به. وما نعتبره بالنسبة له وللآراء المأثورة عنه، يمكن أن يُعتبر إلى أقصى حد بالنسبة للتفسير المأثور، فالأقوال المتناقضة يمكن أن ترجع دائماً إلى قائل واحد، معتمدة فى الوقت نفسه على أسانيد مرضية موثوق بها ... "
ثم يقول بعد كلام ساقه عن الإسناد وما قع فيه من اللعب والخداع: "ومن الملاحظات التى أبديناها، يمكن أن نخلص بهذه النتيجة: وهى أنه لا يوجد بالنسبة لتفسير مأثور للقرآن ما نستطيع أن نسميه وحده تامة أو كياناً قائماً، فإنه قد تُروى عن الصحابة فى تفسير الموضوع الواحد آراء متخالفة وفى أغلب الأحيان يناقض بعضها بعضاً من جهة، ومن جهة أخرى فقد تُنسب للصحابى الواحد فى معنى الكلمة الواحدة أو الجملة كلها آراء مختلفة، وبناء على ذلك، يُعتبر التفسير الذي يخالف بعضه بعضاً، والمناقض بعضه بعضاً، مساوياً للتفسير بالعلم".
стр. 112
هذا ما حكم به الأستاذ "جولدزيهر" على التفسير بالمأثور فى كتابه، وكل ما قاله فى هذا الموضوع لا يعدو أن يكون محاولات فاشلة يريد من ورائها أن يُظهر أن ابن عباس خاصة، ومن تكلم فى التفسير من الصحابة عامة، بمظهر الشخص الذى يناقض نفسه فى الكلمة الواحدة أو الموضوع الواحد. كما يرمى من وراء ذلك أن يصرف نظر المسلمين عن هذه الثروة الضخمة التى خلَّفها لهم السَلَف الصالح فى التفسير، زعماً أن هذا التناقض الموجود بين الروايات، نتيجة لاختلاف وجهات النظر من شخص واحد أو أشخاص، وتفسير هذا شأنه نحن فى حِلٍّ من التزامه، لأنهم قالوا بعقولهم، ونحن مشتركون معهم فى هذا القَدْر.
ونحن لا ننكر أن هناك اختلافاً بين السَلَف فى التفسير، كما لا ننكر أنَّ هناك اختلافاً بين قولين أو أقوال لشخص واحد منهم، ولكن هذا الاختلاف قلنا عنه فيما سبق مفصَّلاً: إن معظمه يرجع إلى اختلاف عبارة وتنوع، لا اختلاف تناقض وتضاد، فما كان من هذا القبيل، فالجمع بينه سهل ميسور، وما لم يمكن فيه الجمع، فالمتأخر من القولين عن الشخص الواحد مقدَّم إن استويا فى الصحة عنه، وإلا فالصحيح المقدَّم.
أما إذا تعارضت أقوال جماعة من الصحابة وتعذَّر الجمع أو الترجيح، فيُقدَّم ابن عباس على غيره، لأن النبى ﷺ بشَّره بذلك حيث قال: "اللَّهم علِّمه التأويل" وقد رجح الشافعى قول زيد فى الفرائض لحديث: " أفرضكم زيد".
وأما ما ساقه على سبيل المثال من اختلاف الرواية عن ابن عباس فى تعيين الذبيح، فقد رجعتُ إلى ابن جرير فى تفسيره، فوجدته قد ذكر عن ابن عباس هاتين الروايتين المختلفتين، وساق كل رواية منها بأسانيد تتصل إلى ابن عباس، بعضها يرفعه إلى الرسول ﷺ ، وبعضها موقوف عليه.
وابن جرير - كما نعلم - لم يلتزم الصحة فى كل ما يرويه، ولو أننا عرضنا هاتين الروايتين على قواعد المحدَثين فى نقد الرواية والترجيح، لتبين لنا بكل وضوح وجلاء، أن الرواية القائلة بأن الذبيح هو إسماعيل، أصح من غيرها وأرجح مما يخالفها، لأنها مؤيَّدة بأدلة كثيرة يطول ذكرها، وأيضاً فإن الرواية التى يذكرها ابن جرير عن ابن عباس مرفوعة إلى رسول الله ﷺ ومقيدة أن الذبيح هو إسحاق، فى سندها الحسن بن دينار عن علىّ بن زيد، والحسن بن دينار متروك، وعلىّ بن زيد منكر الحديث، كما ذكره الحافظ ابن كثير فى تفسيره.
стр. 113
أما باقى الروايات الموقوفة على ابن عباس، والتى تفيد أن الذبيح هو إسحاق، فهى - وإن كانت صحيحة الأسانيد - محمولة على أن ما تضمنته من أن الذبيح هو إسحاق، كان رأى ابن عباس فى أول الأمر، لأنه سمع ذلك من بعض الصحابة الذين كانوا يحدِّثون فى مثل هذا بما سمعوه من كعب وغيره من مسلمى اليهود، ثم علم بعد: أن ذلك قول اليهود فرجع عنه وصرَّح بنقيضه، كما قال ابن جرير: "حدَّثنى يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنى عمر بن قيس، عن عطاء بن أبى رباح، عن عبد الله بن عباس أنه قال: المفدَّى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود"، وهذا الأثر صحيح عن ابن عباس، إسناده على شرط الصحيح، وهو كما ترى صريح فى تكذيب اليهود فيما زعموه، وهو يقضى على كل أثر بخلافه، وبهذا الطريق تنتظم الآثار الواردة عن ابن عباس فى هذا الباب. قال ابن كثير فى تفسيره (جـ ٤ ص ١٧) بعد ما ساق الروايات فى أن الذبيح هو إسحاق: "وهذه الأقوال - والله أعلم - كلها مأخوذة عن كعب الأحبار، فإنه لما أسلم فى الدولة العمرية جعل يُحدِّث عمر رضى الله عنه عن كتبه قديماً، فربما استمع له عمر رضى الله عنه، فترخَّص الناس فى استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده عنه، غثها وسمينها، وليس لهذه الأُمَّة - والله أعلم - حاجة إلى حرف واحد مما عنده".
وأما ما رمى إليه من جعل التفسير المأثور مساوياً للتفسير بالعلم، وادعاؤه أنه لا يوجد له وحدة تامة أو كيان قائم، فهذا شطط منه فى الرأى، ولا يكاد يسلم له هذا المدَّعى، لأن المأثور الذى صح عن النبى ﷺ له مكانته وقيمته، ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى﴾ [النجم: ٤] .. وأما ما صح عن الصحابة فغالبه مما تلقوه عن الرسول ﷺ ، وقليل منه قالوه عن نظر منهم واجتهاد وحتى هذا القليل - عند مَنْ لا يرى أن له حكم المرفوع - له أيضاً قيمته ومكانته، ولا يجوز العدول عنه إذا صح إلى غيره، لأنهم أدرى بذلك، لما شاهدوه من القرائن والأحوال التى اختُصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح.
وبعد.. فهل يعُدَ التفسير المأثور مساوياً للتفسير بالعلم؟ اللَّهم إن هذا لا يقوله منصف.
* *
* قيمة التفسير الموضوع:
ثم إن هذا التفسير الموضوع، لو نظرنا إليه من ناحيته الذاتية بصرف النظر عن ناحيته الإسنادية، لوجدنا أنه لا يخلو من قيمته العلمية، لأنه مهما كثر الوضع فى التفسير فإن الوضع ينصب على الرواية نفسها، أما التفسير فى حد ذاته فليس دائماً
стр. 114
أمراً خيالياً بعيداً عن الآية، وإنما هو - فى كثير من الأحيان - نتيجة اجتهاد علمى له قيمته، فمثلاً مَنْ يضع فى التفسير شيئاً وينسبه إلى علىّ أو إلى ابن عباس، لا يضعه على أنه مجرد قول يلقيه على عواهنه، وإنما هو رأى له، واجتهاد منه فى تفسير الآية، بناه على تفكيره الشخصى، وكثيراً ما يكون صحيحاً، غاية الأمر أنه أراد لرأيه رواجاً وقبولاً، فنسبه إلى مَنْ نُسِب إليه من الصحابة. ثم إن هذا التفسير المنسوب إلى علىّ أو ابن عباس لم يفقد شيئاً من قيمته العلمية غالباً، وإنما الشئ الذى لا قيمة له فيه هو نسبته إلى علىّ أو ابن عباس.
فالموضوع من التفسير - والحق يقال - لم يكن مجرد خيال أو وهم خُلِق خلقاً، بل له أساس ما، يهم الناظر فى التفسير درسه وبحثه، وله قيمته الذاتية وإن لم يكن له قيمته الإسنادية.
* * *
стр. 115
ثانياً: الإسرائيليات
* تمهيد - فى بيان المراد بالإسرائيليات ومدى الصلة بينها وبين القرآن:
لفظ الإسرائيليات وإن كان يدل بظاهره على اللون اليهودى للتفسير، وما كان للثقافة اليهودية من أثر ظاهر فيه، إلا أنَّا نريد به ما هو أوسع من ذلك وأشمل، فنريد به ما يعم اللون اليهودى واللون النصرانى للتفسير، وما تأثر به التفسير من الثقافتين اليهودية والنصرانية.
وإنما أطلقنا على جميع ذلك لفظ "الإسرائيليات"، من باب التغليب للجانب اليهودى على الجانب النصرانى، فإن الجانب اليهودى هو الذى اشتهر أمره فكثر النقل عنه، وذلك لكثرة أهله، وظهور أمرهم، وشدة اختلاطهم بالمسلمين من مبدأ ظهور الإسلام إلى أن بسط رواقه على كثير من بلاد العالَم ودخل الناس فى دين الله أفواجاً.
كان لليهود ثقافة دينية، وكان للنصارى ثقافة دينية كذلك، وكلتا الثقافتين كان لها أثر فى التفسير إلى حد ما.
أما اليهود، فإن ثقافتهم تعتمد أول ما تعتمد على التوراة التى أشار إليها القرآن بقوله: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] ودلَّ على بعض ما جاء فيها من أحكام بقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ..
وكثيراً ما يستعمل المسلمون واليهود أنفسهم لفظ "التوراة" ويطلقونه على كل الكتب المقدَّسة عند اليهود فيشمل الزبور وغيره. وتسمى التوراة بما اشتملت عليه من الأسفار الموسوية وغيرها: العهد القديم.
وكان لليهود بجانب التوراة سنن ونصائح وشروح لم تؤخذ عن موسى بطريق الكتابة، وإنما تحمَّلوها ونقلوها بطريق المشافهة، ثم نمت على مرور الزمن وتعاقب الأجيال، ثم دُوِّنت وعُرِفت باسم التلمود، ووُجِد بجوار ذلك كثير من الأدب اليهودى، والقصص، والتاريخ، والتشريع، والأساطير.
وأما النصارى فكانت ثقافتهم تعتمد - فى الغالب الأهم - على الإنجيل، وقد أشار القرآن إلى أنه من كتب السماء التى نزلت على الرسل فقال: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنجيل﴾ [الحديد: ٢٧] وغير هذا كثير من آيات القرآن التى تشهد له بذلك.
стр. 116
والأناجيل المعتبرة عند النصارى يُطلق عليها وعلى ما انضم إليها من رسائل الرسل، اسم: العهد الجديد. والكتاب المقدّس لدى النصارى يشمل: التوراة والإنجيل ويُطلق عليه: العهد القديم والعهد الجديد.
وكان طبيعياً أن يُشرح الإنجيل بشروح مختلفة، كانت فيما بعد منبعاً من منابع الثقافة النصرانية، كما وُجِدَ بجوار ذلك ما زاده النصارى من القصص، والأخبار، والتعاليم، التى زعموا أنهم تلقوها عن عيسى ﵇، وهذا كله كان من ينابيع هذه الثقافة النصرانية.
إذن ... فقد كانت التوراة المصدر الأول لثقافة اليهودية الدينية، كما كان الإنجيل المصدر الأهم لثقافة النصارى الدينية.
وإذا نحن أجلنا النظر فى التوراة والإنجيل نجد أنهما قد اشتملا على كثير مما اشتمل عليه القرآن الكريم، وبخاصة ما كان له تعلق بقصص الأنبياء ﵈، وذلك على اختلاف فى الإجمال والتفصيل، فالقرآن إذا عرض لقصة من قصص الأنبياء - مثلاً - فإنه ينحو فيها ناحية يخالف بها منحى التوراة والإنجيل، فتراه يقتصر على مواضع العظة، ولا يتعرض لتفصيل جزئيات المسائل، فلا يذكر تاريخ الوقائع، ولا أسماء البلدان التى حصلت فيها، كما أنه لا يذكر فى الغالب أسماء الأشخاص الذين جرت على أيديهم بعض الحوادث. ويدخل فى تفاصيل الجزئيات، بل يتخيَّر من ذلك ما يمس جوهر الموضوع، وما يتعلق بموضع العبرة.
وإذا نحن تتبعنا هذه الموضوعات التى اتفق فى ذكرها القرآن والتوراة، أو القرآن والإنجيل، ثم أخذنا موضوعاً منها، وقارنا بين ما جاء فى الكتابين وجدنا اختلاف المسلك ظاهراً جلياً.
فمثلاً قصة آدم ﵇، ورد ذكرها فى التوراة، كما وردت فى القرآن فى مواضع كثيرة، أطولها ما ورد فى سورة البقرة، وما ورد فى سورة الأعراف. وبالنظر فى هذه الآيات من السورتين، نجد أن القرآن لم يتعرض لمكان الجنة، ولا لنوع الشجرة التى نُهِىَ آدم وزوجه عن الأكل منها، ولا بيَّن الحيوان الذى تقمصه الشيطان فدخل الجنة ليزل آدم وزوجه. كما لم يتعرَّض للبقعة التى هبط إليها آدم وزوجه وأقام بها بعد خروجهما من الجنة ... إلى آخر ما يتعلق بهذه القصة من تفصيل وتوضيح.
ولكن نظرة واحدة يجيلها الإنسان فى التوراة يجد بعدها أنها قد تعرَّضت لكل ذلك وأكثر منه. فأبانت أن الجنة فى عدن شرقاً، وأن الشجرة التى نُهيا عنها كانت فى وسط الجنة، وأنها شجرة الحياة، وأنها شجرة معرفة الخير والشر، وأن الذى خاطب حواء هو الحيَّة، وذكرت ما انتقم الله به من الحيَّة التى تقمصها إبليس، بأن جعلها تسعى
стр. 117
على بطنها وتأكل التراب، وانتقم من حواء بتعبها هى ونسلها فى حبلها ... إلى آخر ما ذُكر فيها مما يتعلق بهذه القصة.
ومثلاً نجد القرآن الكريم قد اشتمل على موضوعات وردت فى الإنجيل، فمن ذلك قصة عيسى ومريم، ومعجزات عيسى ﵇، كل ذلك جاء به القرآن فى أسلوب موجز، يقتصر على موضع العظة، ومكان العبرة، فلم يتعرَّض القرآن لنسب عيسى مفصَّلاً، ولا لكيفية ولادته، ولا للمكان الذى وُلِدَ فيه، ولا لذكر الشخص الذى قُذِفت به مريم، كما لم يتعرض لنوع الطعام الذى نزلت به مائدة السماء، ولا لحوادث جزئية من إبراء عيسى للأكمه والأبرص وإحياء الموتى..
مع أننا لو نظرنا فى الإنجيل لوجدناه قد تعرَّض لنسب عيسى، ولكيفية ولادة مريم له، ولذكر الشخص الذى قُذِفت به مريم، ولنوع الطعام الذى نزلت به مائدة السماء ولحوادث جزئية من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، ولكثير من مثل هذا التفصيل الموسَّع الذى أعرض عنه القرآن فلم يذكره لنا.
وبعد ... فهل يجد المسلمون هذا الإيجاز فى كتابهم، ويجدون بجانب ذلك تفصيلاً لهذا الإيجاز فى كتب الديانات الأخرى، ثم لا يقتبسون منها بقدر ما يرون أنه شارح لهذا الإيجاز وموضِّح لما فيه من غموض؟.. هذا ما نريد أن نعرض له فى هذا البحث، ليتبين لنا كيف دخلت الإسرائيليات فى التفسير، وكيف تطوَّر هذا الدخول، وإلى أى حد تأثر التفسير بالتعاليم اليهودية والنصرانية.
* *
* مبدأ دخول الإسرائيليات فى التفسير وتطوره:
نستطيع أن نقول: إن دخول الإسرائيات فى التفسير، أمر يرجع إلى عهد الصحابة رضى الله عنهم، وذلك نظراً لاتفاق القرآن مع التوراة والإنجيل فى ذكر بعض المسائل كما تقدَّم، مع فارق واحد، هو الإيجاز فى القرآن، والبسط والإطناب فى التوراة والإنجيل. وسبق لنا القول بأن الرجوع إلى أهل الكتاب، كان مصدراً من مصادر التفسير عند الصحابة، فكان الصحابى إذا مَرَّ على قصة من قصص القرآن يجد من نفسه ميلاً إلى أن يسأل عن بعض ما طواه القرآن منها ولم يتعرض له، فلا يجد مَن يجيبه على سؤاله سوى هؤلاء النفر الذين دخلوا فى الإسلام، وحملوا إلى أهله ما معهم من ثقافة دينية، فألقوا إليهم ما ألقوا من الأخبار والقصص الدينى.
غير أن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - لم يسألوا أهل الكتاب عن كل
стр. 118
شئ، ولم يقبلوا منهم كل شئ، بل كانوا يسألون عن أشياء لا تعدو أن تكون توضيحاً للقصة وبياناً لما أجمله القرآن منها، مع توقفهم فيما يُلقى إليهم، فلا يحكمون عليه بصدق أو بكذب ما دام يحتمل كلا الأمرين، امتثالاً لقول الرسول ﷺ : "لا تُصَدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [المائدة: ٥٩] .. الآية.
كما أنهم لم يسألوهم عن شئ مما يتعلق بالعقيدة أو يتصل بالأحكام، اللهم إلا إذا كان على جهة الاستشهاد والتقوية لما جاء به القرآن. كذلك كانوا لا يعدلون عما ثبت عن الرسول ﷺ من ذلك إلى سؤال أهل الكتاب، لأنه إذا ثبت الشئ عن الرسول ﷺ فليس لهم أن يعدلوا عنه إلى غيره، كما كانوا لا يسألون عن الأشياء التى يُشبه أن يكون السؤال عنها نوعاً من اللهو والعبث، كالسؤال عن لون كلب أهل الكهف، والبعض الذى ضُرِب به القتيل من البقرة، ومقدار سفينة نوح، ونوع خشبها، واسم الغلام الذى قتله الخضر.. وغير ذلك، ولهذا قال الدهلوى بعد أن بيّن أن السؤال عن مثل هذا تكلف ما لا يعنى: "وكانت الصحابة رضى الله عنهم يعدون مثل ذلك قبيحاً من قبيل تضييع الأوقات".
كذلك كان الصحابة لا يُصَدِّقون اليهود فيما يخالف الشريعة أو يتنافى مع العقيدة. بل بلغ بهم الأمر أنهم كانوا إذا سألوا أهل الكتاب عن شئ فأجابوا عنه خطأ، رَدُّوا عليهم خطأهم. وبيَّنوا لهم وجه الصواب فيه، فمن ذلك ما رواه البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياهوأشار بيده يقللها".
فقد اختلف السَلَف فى تعيين هذه الساعة، وهل هى باقية أو رُفِعَت؟ وإذا كانت باقية، فهل هى فى جمعة واحدة من السنة أو فى كل جمعة منها؟ فنجد أبا هريرة رضى الله عنه يسأل كعب الأحبار عن ذلك، فيجيبه كعب: بأنها فى جمعة واحدة من السنة، فيرد عليه أبو هريرة قوله هذا ويبيِّن له: أنها فى كل جمعة، فيرجع كعب إلى التوراة، فيرى الصواب مع أبى هريرة فيرجع إليه.
كما نجد أبا هريرة أيضاً يسأل عبد الله بن سلام عن تحديد هذه الساعة ويقول له: أخبرنى ولا تضن علىّ، فيجيبه عبد الله بن سلام بأنها آخر ساعة فى يوم الجمعة، فيرد
стр. 119
عليه أبو هريرة بقوله: كيف تكون آخر ساعة فى يوم الجمعة وقد قال رسول الله ﷺ : "لا يصادفها عبد مسلم وهو يُصَلِّى" وتلك الساعة لا يُصلَّى فيها؟ فيجيبه عبد الله بن سلام بقوله: ألم يقل رسول الله ﷺ : "مَن جلس مجلساً ينتظر الصلاة فهو فى صلاة حتى يُصلِّى"؟ ... الحديث.
فمثل هذه المراجعة التى كانت بين أبى هريرة وكعب تارة، وبينه وبين ابن سلام تارة أخرى، تدلنا على أن الصحابة كانوا لا يقبلون كل ما يقال لهم، بل كانوا يتحرون الصواب ما استطاعوا، ويردُّون على أهل الكتاب أقوالهم إن كانت لا توافق وجه الصواب.
ومهما يكن من شئ فإن الصحابة - رضى الله عنهم - لم يخرجوا عن دائرة الجواز التى حدَّها لهم رسول الله ﷺ وعما فهموه من الإباحة فى قوله ﵇: "بلِّغوا عنى ولو آية، وحَدِّثوا عن بنى إسرائيل ولا حَرَج، ومَن كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار".
كما أنهم لم يخالفوا قول رسول الله ﷺ : "لا تُصدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أُنزل إلينا ... الآية" ولا تعارض بين هذين الحديثين، لأن الأول أباح لهم أن يُحَدِّثوا عما وقع لبنى إسرائيل من الأعاجيب، لما فيها من العبرة والعظة، وهذا بشرط أن يعلموا أنه ليس مكذوباً، لأن الرسول ﷺ لا يعقل أن يبيح لهم رواية المكذوب.
قال الحافظ ابن حجر فى الفتح عند شرحه لهذا الحديث: "وقال الشافعى: من المعلوم أن النبى ﷺ لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى: حَدِّثوا عن بنى إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوِّزونه فلا حَرَج عليكم فى التحدث به عنهم. وهو نظير قوله: "إذا حدَّثكم أهل الكتاب فلا تُصَدِّقوهم ولا تُكَذِّبوهم"، ولم يرد الإذن ولا المنع من التحدث بما يقطع بصدقه".
وأما الحديث الثانى، فُيراد منه التوقف فيما يُحدِّث به أهل الكتاب، مما يكون محتملاً للصدق والكذب، لأنه ربما كان صدقاً فيُكَذِّبونه، أو كذباً فيُصَدِّقونه، فيقعون بذلك فى الحَرَج، أما ما خالف شرعنا فنحن فى حِلٍّ من تكذيبه، وأما وافقه فنحن فى حِلٍّ من تصديقه.
стр. 120
قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث: "لا تُصدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكَذِّبوهم": "أي: إذا كان ما يخبرونكم به محتملاً، لئلا يكون فى نفس الأمر صدقاً فتكذِّبوه، أو كذباً فتصدِّقوه، فتقعوا فى الحَرَج، ولم يرد النهى عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه. نبَّه على ذلك الشافعى ﵀" ...
ثم قال: "وعلى هذا نحمل ما جاء عن السَلَف من ذلك".
وأما ما أخرجه الإمام أحمد، وابن أبى شيبة، والبزار، من حديث جابر ابن عبد الله: "أن عمر بن الخطاب أتى النبى ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه فغضب فقال: "أمتهوكون فيها يا بن الخطاب؟ والذى نفسى بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية. لا تسألوهم عن شئ فيخبروكم بحق فَتُكَذِّبوا به، أو بباطل فَتُصَدِّقوا به، والذى نفسى بيده، لو أنَّ موسى ﷺ كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعنى" فلا يعارض ما قلناه من الجواز، لأن النهى الوارد هنا كان فى مبدأ الإسلام وقبل استقرار الأحكام. والإباحة بعد أن عُرِفت الأحكام واستقرَّت، وذهب خوف الاختلاط.. قال الحافظ ابن حجر فى الفتح: "وكأن النهى وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية، والقواعد الدينية خشية الفتنة، فلما زال المحذور وقع الإذن فى ذلك، لما فى سماع الأخبار التى كانت فى زمانهم من الاعتبار".
ويمكن أن ندفع ما يُتوهم من التعارض بما نقله ابن بطال عن المهلب أنه قال: "هذا النهى إنما هو فى سؤالهم عما لا نص فيه، لأن شرعنا مكتف بنفسه، فإذا لم يوجد فيه نص ففى النظر والاستدلال غنىً عن سؤالهم، ولا يدخل فى النهى سؤالهم عن الأخبار المصدِّقة لشرعنا، والأخبار عن الأمم السالفة".
ومن هذا كله يتبين لنا: أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث الثلاثة، كما يتبين لنا المقدار الذى أباحه الشارع من الرواية عن أهل الكتاب.
ولسنا بعد ما فهمناه من هذه الأحاديث، وما عرفناه من حرص الصحابة، على امتثال ما أمرهم به الرسول ﷺ ، نستطيع أن نقر الأستاذ "جولدزيهر" والأستاذ أحمد أمين على هذا الاتهام الذى وجَّهاه إلى ابن عباس خاصة، وإلى الصحابة عامة، من رجوعهم إلى أهل الكتاب فى كل شئ، وقبولهم لما نهى الرسول عن أخذه من أهل الكتاب، وقد ذكرنا كلامهما ورددنا عليه عند الكلام عن ابن عباس، كما ذكرنا الأثر الذى
стр. 121
أخرجه البخارى عن ابن عباس، وفيه يُشدِّد - رضى الله عنه - النكير على مَن يأخذون من أهل الكتاب ويُصدِّقونهم فى كل شئ، فهل يُعقل بعد هذا، وبعد ما عرفناه من عدالة الصحابة وحرصهم على امتثال أوامر الله ورسوله، ومراجعة أبى هريرة لكعب الأحبار وعبد الله بن سلام، أن نعترف بتهاون الصحابة ومخالفتهم لتعاليم رسول الله ﷺ !! اللهم إنَّا لا نقر ذلك ولا نرضاه.
وأما ما ذكره الأستاذ "جولدزيهر": من أن ابن عباس كان يرجع لرجل يسمى أبا الجلد غيلان بن فروة الأزدى فى تفسير القرآن، فعلى فرض صحة ذلك. فإنّا لا نكاد نُصدِّق أن ابن عباس كان يرجع إليه فى كل شئ، بل كان يرجع إليه فيسأله عن أشياء لا تعدو دائرة الجواز، وليس من شك فى ذلك بعد ما عرفتَ من شدة نكير ابن عباس على مَن كان يرجع لأهل الكتاب ويأخذ عنهم.
وأما ما اعتمد عليه هذا المستشرق فى دعواه هذه، من أن الطبرى عند تفسيره للفظ "البرق" فى قوله تعالى فى الآية (١٢) من سورة الرعد: ﴿هُوَ الذي يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ .. نسب إلى ابن عباس أنه قال: إنَّ أبا الجلد يقول: إن معناه المطر فهو اعتماد لا يكاد ينهض بهذه الدعوى، لأن ما رواه ابن جرير رواه عن المثنى، قال: حدَّثنا حجاج، قال: حدَّثنا حماد، قال: أخبرنا موسى بن سالم أبو جهضم مولى ابن عباس قال: كتب ابن عباس إلى أبى الجلد يسأله عن البرق فقال: البرق: الماء" وهذا إسناد منقطع، لأن موسى بن سالم أبا جهضم لم يدرك ابن عباس، ولم يكن مولى له، وإنما كان مولى العباسيين، وروى عن أبى جعفر الباقر الذى كان بعد ابن عباس بمدة طويلة ولعل ما قاله ابن جرير من أنه مولى ابن عباس سهو منه، أو لعله خطأ وقع أثناء الطبع.
ثم إنَّ سؤال ابن عباس عن معنى البرق، ليس سؤالاً عن أمر يتعلق بالعقيدة أو الأحكام، وإنما هو سؤال يرجع إلى تعرف بعض ظواهر الكون الطبيعية، وليس فى هذا ما يجر إلى مخالفة الرسول ﷺ فى نهيه عن سؤال أهل الكتاب. على أن الحديث ليس فيه ما يدل على أن ابن عباس صدَّق أبا الجلد فيما قال، وكل ما فيه: أنه حكى قوله فى البرق.
وأما ما نُسِب لعبد الله بن عمرو بن العاص من أنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب اليهود فكان يُحدِّث منهما، فليس على إطلاقه، بل كان يُحَدِّث منهما فى
стр. 122
حدود ما فهمه من الإذن فى قوله ﵇: "حَدِّثوا عن بنى إسرائيل ولا حَرَج" كما نص على ذلك ابن تيمية.
هذا هو مبلغ رجوع الصحابة إلى أهل الكتاب وأخذهم عنهم. أما التابعون فقد توسَّعوا فى الأخذ عن أهل الكتاب، فكثرت على عهدهم الروايات الإسرائيلية فى التفسير، ويرجع ذلك لكثرة مَن دخل مِنْ أهل الكتاب فى الإسلام، وميل نفوس القوم لسماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن من أحداث يهودية أو نصرانية، فظهرت فى هذا العهد جماعة من المفسِّرين أرادوا أن يسدُّوا هذه الثغرات القائمة فى التفسير بما هو موجود عند اليهود والنصارى، فحشوا التفسير بكثير من القصص المتناقض، ومن هؤلاء: مقاتل بن سليمان (المتوفى سنة ١٥ هـ) الذى نسبه أبو حاتم إلى أنه استقى علومه بالقرآن من اليهود والنصارى وجعلها موافقة لما فى كتبهم، بل ونجد بعض المفسِّرين فى هذا العصر - عصر التابعين - يصل بهم الأمر إلى أن يصلوا بين القرآن وما يتعلق بالإسلام فى مستقبله، فيشرحوا القرآن بما يشبه التكهن عن المستقبل، والتنبؤ بما يطويه الغيب، فهذا مقاتل بن سليمان، كان يرى أن قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القيامة أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذلك فِي الكتاب مَسْطُوراً﴾ [الإسراء: ٥٨] . يرجع إلى فتح القسطنطينية، وتدمير الأندلس وغيرها من البلاد، فقد جاء عنه أنه قال: وجدتُ فى كتاب الضحاك بن مزاحم فى تفسيرها: "أما مكة فتخربها الحبشة، وتهلك المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالترك، والجبال بالصواعق والرواجف، وأما خراسان فهلاكها ضروب ... ثم ذكر بلداً بلداً. وروى عن وهب بن منبه: أن الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية، وأرمينية آمنة حتى تخرب مصر، ومصر آمنتة حتى تخرب الكوفة، ولا تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة، فإذا كانت الملحمة الكبرى، فتُحِت قسطنطينية على يد رجل من بنى هاشم، وخراب الأندلس من قِبَل الزنج، وخراب إفريقية من قِبَل الأندلس، وخراب مصر من انقطاع النيل واختلاف الجيوش فيها، وخراب العراق من الجوع. وخراب الكوفة من قِبَل عدو يحصرهم ويمنعهم من الشراب من الفرات، وخراب البصرة من قِبَل الغراق (الغرق) ، وخراب الأيلة من عدو يحصرهم براً وبحراً، وخراب الرى من الديلم، وخراب خراسان من
قِبَل التبت، وخراب التبت من قِبَل الصين، وخراب الهند واليمن من قِبَل الجراد والسلطان، وخراب مكة من قِبَل الحبشة، وخراب المدينة من قِبَل الجوع".
ثم جاء بعد عصر التابعين مَن عظم شغفه بالإسرائيليات، وأفرط فى الأخذ منها إلى
стр. 123
درجة جعلتهم لا يردُّون قولاً. ولا يحجمون عن أن يلصقوا بالقرآن كل ما يُروَى لهم وإن كان لا يتصوره العقل!!. واستمر هذا الشغف بالإسرائيليات، والولع بنقل هذه الأخبار التى أصبح الكثير منها نوعاً من الخرافة إلى أن جاء دور التدوين للتفسير، فَوُجِد من المفسِّرين مَنْ حشوا كتبهم بهذا القصص الإسرائيلى، الذى كاد يصد الناس عن النظر فيها والركون إليها.
* *
* مقالة ابن خلدون فى الإسرائيليات:
ونرى بعد هذا أن نذكر عبارة ابن خلدون فى مقدمته، ليتبين لنا أسباب الاستكثار من هذه المرويات الإسرائيلية، وكيف تسرَّبت إلى المسلمين، فإنه خير مَنْ كتب فى هذا الموضوع، وإليك نص عبارته:
قال ﵀: " ... وقد جمع المتقدمون فى ذلك - يعنى التفسير النقلى - وأوعوا إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين، والمقبول والمردود. والسبب فى ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم. وإنما غلبت عليهم البداوة والأُميَّة، وإذا تشوقوا إلى معرفة شىء مما تتشوق إليه النفوس البَشرية فى أسباب المكونات، وبدء الخليقة، وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومَنْ تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من "حِمير" الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التى يحتاطون لها، مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم، وأمثال ذلك وهؤلاء مثل: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم، وفى أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم، وليست مما يُرجع إلى الأحكام فيتُحرَّى فيها الصحة التى يجب بها العمل، وتساهل المفسِّرون فى مثل ذلك، وملأوا الكتب بهذه المنقولات، وأصلها - كما قلنا - عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلا أنهم بَعُد صيتهم، وعظمت أقدارهم، لما كانوا عليه من المقامات فى الدين والمِلَّة، فتلقيت بالقبول من يومئذ ... "
ومن هذا يتضح لنا أن ابن خلدون أرجع الأمر إلى اعتبارات اجتماعية وأخرى دينية، فعد من الاعتبارات الاجتماعية غلبة البداوة والأُميِّة على العرب وتشوقهم لمعرفة ما تتشوَّق إليه النفوس البَشرية، من أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، وهم إنما يسألون فى ذلك أهل الكتاب قبلهم.
стр. 124
وعدَّ من الاعتبارات الدينية التى سوَّغت لهم تلقى المرويات فى تساهل وعدم تحر للصحة "أن مثل هذه المنقولات ليست مما يرجع إلى الأحكام فيُتحرَّى فيها الصحة التى يجب بها العمل".
وسواء أكانت هذه هى كل الأسباب أم كانت هناك أسباب أخرى، فإن كثيراً من كتب التفسير قد اتسع لما قيل من ذلك وأكثر، حتى أصبح ما فيها مزيجاً متنوعاً من مخلفات الأديان المختلفة، والمذاهب المتباينة.
* *
* أثر الإسرائليات فى التفسير:
ولقد كان لهذه الإسرائيليات التى أخذها المفسِّرون عن أهل الكتاب وشرحوا بها كتاب الله تعالى أثر سئ فى التفسير، ذلك لأن الأمر لم يقف على ما كان عليه فى عهد الصحابة، بل زادوا على ذلك فرووا كل ما قيل لهم إن صدقاً وإن كذباً، بل ودخل هذا النوع من التفسير كثير من القصص الخيالى المخترَع، مما جعل الناظر فى كتب التفسير التى هذا شأنها يكاد لا يقبل شيئاً مما جاء فيها، لاعتقاده أنَّ الكل من واد واحد. وفى الحق أنَّ المكثرين من هذه الإسرائيليات وضعوا الشوك فى طريق المشتغلين بالتفسير، وذهبوا بكثير من الأخبار الصحيحة بجانب ما رووه من قصص مكذوب وأخبار لا تصح، كما أن نسبة هذه الإسرائيليات التى لا يكاد يصح شئ منها إلى بعض من آمن مِنْ أهل الكتاب، جعلت بعض الناس ينظر إليهم بعين الاتهام والريبة. وسوفَ نعرض لهذا فيما بعد، ونرد عليه إن شاء الله تعالى.
* *
* قيمة ما يُروى من الإسرائيليات:
تنقسم الأخبار الإسرائيلية إلى أقسام ثلاثة، وهى ما يأتى:
القسم الأول: ما يُعلم صحته بأن نُقِل عن النبى ﷺ نقلاً صحيحاً، وذلك كتعيين اسم صاحب موسى ﵇ بأنه الخضر، فقد جاء هذا الاسم صريحاً على لسان رسول الله ﷺ كما عند البخارى أو كان له شاهد من الشرع يؤيده. وهذا القسم صحيح مقبول.
القسم الثانى: ما يُعلم كذبه بأن يناقض ما عرفناه من شرعنا، أو كان لا يتفق مع العقل، وهذا القسم لا يصح قبوله ولا روايته.
القسم الثالث: ما هو مسكوت عنه، لا هو من قبيل الأول، ولا هو من قبيل الثانى، وهذا القسم نتوقف فيه، فلا نؤمن به ولا نُكذِّبه، وتجوز حكايته، لما تقدَّم من قوله ﷺ : "لا تُصَدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أُنِزلَ إلينا ... " الآية.
стр. 125
وهذا القسم غالبه مما ليس فيه فائدة تعود إلى أمر دينى، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب فى مثل هذا اختلافاً كثيراً، ويأتى عن المفسِّرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون فى مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعصا موسى من أى الشجر كانت، وأسماء الطيور التى أحياها الله لإبراهيم، وتعيين بعض البقرة الذى ضُرِب به قتيل بنى إسرائيل، ونوع الشجرة التى كلِّم الله منها موسى.. إلى غير ذلك مما أبهمه الله فى القرآن ولا فائدة فى تعيينه تعود على المكلَّفين فى ديناهم أو دينهم.
ثم إذا جاء شى من هذا القبيل - أعنى ما سكت عنه الشرع ولم يكن فيه ما يؤيده أو يفنده - عن أحد من الصحابة بطريق صحيح، فإن كان قد جزم به فهو كالقسم الأول، يُقبل ولا يُرد، لأنه لا يعقل أن يكون قد أخذه عن أهل الكتاب بعد ما علم من نهى رسول الله ﷺ عن تصديقهم. وإن كان لم يجزم به فالنفس أسكن إلى قبوله، لأن احتمال أن يكون الصحابى قد سمعه من النبى ﷺ ، أو ممن سمعه منه، أقوى من احتمال السماع من أهل الكتاب، ولا سيما بعد ما تقرر من أن أخذ الصحابة عن أهل الكتاب كان قليلاً بالنسبة لغيرهم من التابعين ومَن يليهم.
أما إن جاء شئ من هذا عن بعض التابعين، فهو مما يُتوقف فيه ولا يُحكم عليه بصدق ولا يكذب، وذلك لقوة احتمال السماع من أهل الكتاب، لما عُرفوا به من كثرة الأخذ عنهم، وبُعْد احتمال كونه مما سُمع من رسول الله ﷺ ، وهذا إذا لم يتفق أهل الرواية من علماء التفسير على ذلك، أما إن اتفقوا عليه. فإنه يكون أبعد من أن يكون مسموعاً من أهل الكتاب، وحينئذ تسكن النفس إلى قبوله والأخذ به. والله أعلم.
* *
* موقف المفسِّر إزاء هذه الإسرائيليات:
علمنا أن كثرة النقل عن أهل الكتاب بدون تفرقة بين الصحيح والعليل دسيسة دخلت فى ديننا واستفحل خطرها، كما علمنا أن قوله ﷺ : "لا تُصَدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكَذِّبوهم" قاعدة مقرَّرة لا يصح العدول عنها بأى حال من الأحوال، وبعد هذا وذاك نقول: إنه يجب على المفسِّر أن يكون يقظاً إلى أبعد حدود اليقظة، ناقداً إلى نهاية ما يصل إليه النقاد من دقة وروية حتى يستطيع أن يستخلص من هذا الهشيم المركوم من الإسرائيليات ما يناسب روح القرآن، ويتفق مع العقل والنقل، كما يجب عليه أن لا يرتكب النقل عن أهل الكتاب إذا كان فى سُّنَّة نبينا ﷺ بيان لمجمل القرآن، فمثلاً حيث وجد لقوله
стр. 126
تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤] مجمل فى السُّنَّة النبوية الصحيحة وهو قصة ترك "إن شاء الله" والمؤاخذة عليه فلا يرتكب قصة صخر المارد.
كذلك يجب على المفسِّر أن يلحظ أن الضرورى يتقدَّر بقدر الحاجة، فلا يذكر فى تفسيره شيئاً من ذلك إلا بقدر ما يقتضيه بيان الإجمال، ليحصل التصديق بشهادة القرآن فيكف اللسان عن الزيادة.
نعم ... إذا اختلف المتقدمون فى شئ من هذا القبيل وكثرت أقوالهم ونقولهم، فلا مانع من نقل المفسِّر لهذه الأقوال جميعاً، على أن ينبه على الصحيح منها، ويبطُل الباطل، وليس
стр. 127
له أن يحكى الخلاف ويُطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال، لأن مثل هذا العمل يُعَد ناقصاً لا فائدة فيه ما دام قد خلط الصحيح بالعليل، ووضع أمام القارئ من الأقوال المختلفة ما يسبب له الحيرة والاضطراب.
على أن من الخير للمفسِّر أن يعرض كل الإعراض عن هذه الإسرائيليات وأن يمسك عما لا طائل تحته مما يُعَد صارفاً عن القرآن، وشاغلاً عن التدبير فى حكمه وأحكامه، وبدهى أن هذا أحكم وأسلم.
هذا.. وقد يشير إلى ما قلناه من جواز نقل الخلاف من المتقدمين على شريطة استيفاء الأقوال وتزييف الزائف منها وتصحيح الصحيح، وأن من الخير أن يمسك الإنسان عن الخوض فيما لا طائل تحته، ما جاء فى الآية [٢٢] من سورة الكهف من قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بالغيب وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً﴾ .. فقد اشتملت هذه الآية الكريمة - كما يقول ابن تيمية - على الأدب فى هذا المقام، وتعليم ما ينبغى فى مثل هذا، فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال ضَعَّفِ القولين الأوَّلين، وسكت عن الثالث، فدلَّ على صحته، إذ لو كان باطلاً لرده كما ردَّهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عِدَّتهم لا طائل تحته، فيقال فى مثل هذا: ﴿قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم﴾ .. فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه، فَلَهذا قال: ﴿فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾ .. أى لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلى رجم الغيب".
* *
* أقطاب الروايات الإسرائيلية:
يتصفح الإنسان كتب التفسير بالمأثور، فلا يلبث أن يلحظ أن غالب ما يرى فيها من إسرائيليات، يكاد يدور على أربعة أشخاص، هم: عبد الله ابن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبِّه، وعبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج.. وهؤلاء الأربعة اختلفت أنظار الناسِ فى الحكم عليهم والثقة بهم، فمنهم من ارتفع بهم عن حد التهمة، ومنهم مَن رماهم بالكذب وعدم التثبت فى الرواية ولهذا أرى أن أعرض لكل فرد منهم، لأكشف عن قيمته فى باب الرواية، وبخاصة ما يرجع من ذلك إلى ناحية التفسير، لنرى أى الفريقين أصدق فى حكمه، وأدق فى نقده.
١- عبد الله بن سلام
* ترجمته:
هو أبو يوسف، عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلى الأنصارى، حليف بن عوف من
стр. 128
الخرزج، وهو من ولد يوسف بن يعقوب ﵉. أسلم عند قدوم النبى ﷺ المدينة. ويحدثنا البخارى عن قصة إسلامه فيقول فى ضمن حديث ساقه فى باب الهجرة: " ... فلما جاء نبى الله ﷺ ، جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئتَ بحق، وقد علمت اليهود أنى سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عنى قبل أن يعلموا أنى قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أنى قد أسلمتُ قالوا فىَّ ما ليس فىّ، فأرسل نبى الله ﷺ ، فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ : "يا معشر اليهود؛ ويلكم، اتقوا الله، فواللهِ الذى لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أنى رسول الله حقاً، وأنى جئتكم بحق فأسلموا"، قالوا: ما نعلمه، قالوا للنبى ﷺ ، قالها ثلاث مرات، قال: "فأى رجل فيكم عبد الله بن سلام"؟ قالوا: ذلك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: "أفرأيتم إن أسلم"؟ قالوا: حاشا لله، ما كان ليسلم، قال: "أفرأيتم إن أسلم"؟ قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: " أفرأيتم إن أسلم"؟ قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: "يابن سلام.. اخرج عليهم"، فخرج، فقال: يا معشر اليهود؛ اتقوا الله، فواللهِ الذى لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله ﷺ ".
قيل: وكان اسمه الحصين، فسماه النبى ﷺ : "عبد الله"، وشهد له بالجنة. ونجد البخارى رضى الله عن - عند الكلام عن مناقب الأنصار - يُفرد لعبد الله بن سلام باباً مستقلاً فى مناقبه، فروى فيما روى من ذلك بإسناده إلى سعد بن أبى وقاص أنه قال: ما سمعتُ النبى ﷺ يقول لأحد يمشى على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وقال: فيه نزلت هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بني إِسْرَائِيلَ﴾ [الأحقاف: ١٠] ... الآية.
ومما يُذكر عنه ﵀: أنه وقف خطيباً فى المتألبين على عثمان رضى الله عنه يدافع عنه، ويُخذِّل الثائرين، فقد روى عبد الملك بن عمير عن ابن أخى عبد الله بن سلام، قال: لما أريد قتل عثمان رضى الله عنه، جاء عبد الله بن سلام، فقال له عثمان: ما جاءبك؟ قال: جئتُ فى نصرك، قال: أخرج إلى الناس فاطردهم عنى، فإنك خارج خير لى منك داخل، فخرج عبد الله إلى الناس فقال: يا أيها الناس؛ إنه كان اسمى فى الجاهلية فلاناً، فسمانى رسول الله ﷺ : عبد الله، ونزلت فىَّ آيات من كتاب الله ، نزل فىَّ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بني إِسْرَائِيلَ على مِثْلِهِ فَآمَنَ واستكبرتم﴾ .. ونزل فى: ﴿قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾ [الرعد: ٤٣] .. إن لله سيفاً مغموداً، وإن الملائكة قد جاورتكم فى بلدكم هذا الذى نزل فيه رسول الله ﷺ ، فاللهَ اللهَ فى هذا الرجل أن تقتلوه، فوالله لئن قتلتموه لتطردن جيرانكم من الملائكة وليُسلَنَّ سيف الله المغمود فيكم فلا يُغمد إلى يوم القيامة. قالوا: اقتلوا اليهودى.. وقتلوا عثمان"..
стр. 129
روى عن النبى ﷺ ، وروى عنه ابناه: يوسف ومحمد، وعوف بن مالك، وأبو هريرة، وأبو بردة بن أبى موسى، وعطاء بن يسار، وغيرهم. وشهد مع عمر رضى الله عنه فتح بيت المقدس والجابية. ومات بالمدينة سنة ٤٣ هـ (ثلاث وأربعين من الهجرة) ، وقيل غير ذلك. وقد عَدَّه بعضهم فى البدريين، أما ابن سعد فذكره فى الطبقة الثالثة ممن شهد الخندق وما بعدها.
* *
* مبلغه من العلم والعدالة:
أما مبلغه من العلم، فيكفى ما جاء فى الحديث البخارى السابق من إخباره عن نفسه: أنه أعلم اليهود وابن أعلمهم، وإقرار اليهود بين يدى رسول الله ﷺ بذلك. والحق أنه اشتهر بين الصحابة بالعلم، حتى لقد روى أنه لَّما حضر معاذ بن جبل الموت قيل له: يا أبا عبد الرحمن أوصنا، فقال: أجلسونى ... قال: إن العلم والإيمان عند أربعة رهط: عند عويمر أبى الدرداء، وعند سلمان الفارسى، وعند عبد الله بن مسعود، وعند عبد الله ابن سلام الذى كان يهودياً فأسلم، فإنى سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنه عاشر عشرة فى الجنة".
وليس عجيباً أن يكون عبد الله بن سلام فى هذه المكانة العالية من العلم بعد أن اجتمع لديه علم التوراة وعلم القرآن، وبعد أن امتزجت فيه الثقافتان اليهودية والإسلامية، ولقد نقل عنه المسلمون كثيراً مما يدل على علمه بالتوراة وما حولها، ونجد ابن جرير الطبرى ينسب إليه فى تاريخه كثيراً من الأقوال فى المسائل التاريخية الدينية، كما نجده يتجمع حول اسمه كثير من المسائل الإسرائيلية، يرويها كثير من المفسِّرين فى كتبهم.
ونحن أمام ما يُروَى عنه من ذلك لا نُزيِّف كل ما قيل، ولا نقبل كل ما قيل، بل علينا أن نعرض كل ما يُروَى عنه على مقياس الصحة المعتبر فى باب الرواية، فما صح قبلناه، وما لم يصح رفضناه.
هذا.. وإنَّا لا نستطيع أن نتهم الرجل فى علمه، ولا فى ثقته وعدالته، بعد ما علمتَ أنه من خيار الصحابة وأعلمهم، وبعد ما جاء من آيات القرآن، وبعد أن اعتمده البخارى وغيره من أهل الحديث، كما أننا لم نجد من أصحاب الكتب التى بين أيدينا مَن طعن عليه فى علمه، أو نسب إليه من التهم مثل ما نسب إلى كعب الأحبار ووهب بن منبِّه.
* * *
٢- كعب الأحبار
* ترجمته:
هو أبو إسحاق، كعب بن ماتع الحميرى، المعروف بكعب الأحبار، من آل ذى رعين، وقيل: من ذى الكلاع، وأصله من يهود اليمن، ويقال: إنه أدرك الجاهلية وأسلم فى خلافة أبى بكر، وقيل: فى خلافة عمر، وقيل: إنه أسلم فى عهد النبى ﷺ وتأخرت هجرته، وقال ابن حجر فى الفتح: إن إسلامه فى خلافة عمر أشهر، وبعد إسلامه انتقل إلى المدينة، وغزا
стр. 130
الروم فى خلافة عمر، ثم تحوَّل فى خلافة عثمان إلى الشام فسكنها إلى أن مات بحمص سنة ٣٢ هـ (اثنتين وثلاثين من الهجرة) على أرجح الأقوال فى ذلك. وذكره ابن سعد فى الطبقة الأولى من تابعى أهل الشام وقال: كان على دين يهود فأسلم وقدم المدينة، ثم خرج إلى الشام فسكن حمص حتى تُوفى بها سنة اثنتين وثلاثين فى خلافة عثمان، وقد بلغ مائة وأربعين سنة. وقال أبو مسهر: والذى حدَّثنى به غير واحد: أنه كان مسكنه اليمن، فقدم على أبى بكر، ثم أتى الشام فمات به. روى عن رسول الله ﷺ مرسلاً، وعن عمر، وصهيب، وعائشة، وروى عنه معاوية، وأبو هريرة، وابن عباس، وعطاء بن أبى رباح وغيرهم.
* *
* مبلغه من العلم:
كان كعب بن ماتع على مبلغ عظيم من العلم، ولهذا كان يقال له: "كعب الحَبْر" و "وكعب الأحبار"، ولقد نُقل عنه فى التفسير وغيره ما يدل على علمه الواسع بالثقافة اليهودية والثقافة الإسلامية، ولم يؤثر عنه أنه ألَّفَ كما ألَّف وهب بن منبِّه، بل كانت تعاليمه كلها - على ما يظهر لنا وما وصل إلينا - شفوية تناقلها عنه أصحابه ومَن أخذوا عنه. وقد جاء فى الطبقات الكبرى حكاية عن رجل دخل المسجد فإذا عامر بن عبد الله بن قيس جالس إلى كتب وبينها سِفْر من أسفار التوراة وكعب يقرأ، وهذا يدلنا على أن كعباً كان لا يزال بعد إسلامه يرجع إلى التوراة والتعاليم الإسرائيلية. وقال ابن سعد: قالوا: ذكر أبو الدرداء كعباً فقال: إن عند ابن الحميرى لعلماً كثيراً. وروى معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير أنه قال: قال معاوية: ألا إنَّ أبا الدرداء أحد الحكماء، ألا إنَّ عمرو بن العاص أحد الحكماء، ألا إنَّ كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عنده علم كالثمار وإن كنا المفرطين. وفى تاريخ محمد بن عثمان بن أبى شيبة، من طريق ابن أبى ذئب، أن عبد الله ابن الزبير قال: ما أصبت فى سلطانى شيئاً إلا قد أخبرنى به كعب قبل أن يقع.
* *
* ثقته وعدالته:
أما ثقته وعدالته فهذا أمر نقول به، ولا نستطيع أن نطعن عليه كما طعن بعض الناس، فابن عباس على جلاله قدره، وأبو هريرة على مبلغ علمه، وغيرهما من الصحابة كانوا يأخذون عنه ويروون له، ونرى الإمام مسلماً يُخرِّج له فى صحيحه، فقد وقعت الرواية عنه فى مواضع من صحيحه فى أواخر كتاب الإيمان، كما نرى أبا داود والترمذى والنسائى يُخرِّجون له، وهذا دليل على أن كعباً كان ثقة عند هؤلاء جميعاً، وتلك شهادة كافية لرد كل تهمة تلصق بهذا الحَبْر الجليل.
*
стр. 131
اتهام الأستاذ أحمد أمين لكعب:
ولكننا نجد الأستاذ أحمد أمين ﵀ يحاول أن يغض من ثقة كعب وعدالته، بل ودينه، فنراه يوجه إليه من التهم ما نعيذ كعباً من أن يلحقه شئ منها، وذلك حيث يقول: "وقد لاحظ بعض الباحثين، أن بعض الثقات كابن قتيبة والنووى لا يروى عنه أبداً، وابن جرير الطبرى يروى عنه قليلاً، ولكن غيرهم كالثعلبى، والكسائى ينقل عنه كثيراً فى قصص الأنبياء، كقصة يوسف، والوليد بن الريَّان وأشباه ذلك، ويروى ابن جرير أنه جاء إلى عمر بن الخطاب قبل مقتله بثلاثة أيام وقاله له: اعهد فإنك ميت فى ثلاثة أيام، قال: وما يدريك؟ قال: أجده فى كتاب الله .. فى التوراة قال عمر: إنك لتجد عمر بن الخطاب فى التوراة! : قال: اللَّهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك وأنه قد فنى أجلك".
ثم قال الأستاذ أحمد أمين: "وهذه القصة إن صحَّت دلَّت على وقوف كعب على مكيدة قتل عمر، ثم وضعها هو فى هذه الصيغة الإسرائيلية، كما تدلنا على مقدار اختلافه فيما ينقل".
ثم قال: "وعلى الجملة فقد دخل على المسلمين من هؤلاء وأمثالهم - يريد كعباً ووهباً وغيرهما من أهل الكتاب - فى عقيدتهم وعلمهم كثير كان له فيهم أثر غير صالح".
*
* تفنيد هذا الاتهام:
ونحن مع الأستاذ فى قوله: "وهذه القصة، إن صحَّت دلَّت على وقوف كعب على مكيدة قتل عمر، ثم وضعها هو فى هذه الصيغة الإسرائيلية" ولكن لسنا نعتقد صحة هذه القصة، ورواية ابن جرير لها لا تدل على صحتها، لأن ابن جرير - كما هو معروف عنه - لم يلتزم الصحة فى كل ما يرويه، والذى ينظر فى تفسيره يجد فيه مما لا يصح شيئاً كثيراً، كما أن ما يرويه فى تاريخه لا يعدو أن يكون من قبيل الأخبار التى تحتمل الصدق والكذب، ولم يقل أحد بأن كل ما يُذكر فى كتب التاريخ ثابت صحيح.
ثم إنَّ ما يُعرف عن كعب الأحبار من دينه، وخُلُقه، وأمانته، وتوثيق أكثر أصحاب الصحاح له، يجعلنا نحكم بأنَّ هذه القصة موضوعة عليه، ونحن ننزه كعباً عن أن يكون على علم بمكيدة قتل عمر وما دُبِّرَ من أمرها، ثم لا يذكر لعمر مَن يُدبِّر له القتل ويكيد له، كما ننزهه عن أن يكون كذَّاباً وضَّاعاً، يحتال على تأكيد ما يُخبَر به بنسبته إلى التوراة وصوغه فى قالب إسرائيلى.
وأما قوله: "وعلى الجملة فقد دخل على المسلمين من هؤلاء وأمثالهم فى عقيدتهم
стр. 132
وعلمهم كثير كان له فيهم أثر غير صالح" فإن أراد أن يُرجع ذنب هذا الأثر السئ إلى كعب وأضزابه فنحن لا نوافقه عليه، لأن ما يرويه كعب وغيره من أهل الكتاب لم يسندوه إلى رسول الله ﷺ ، ولم يكذبوا فيه على أحد من المسلمين، وإنما كانوا يروونه على أنه من الإسرائيليات الموجودة فى كتبهم، ولسنا مُكلَّفين بتصديق شئ من ذلك، ولا مُطالَبين بالإيمان به، بعد ما قال رسول الله ﷺ : "لا تُصَدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكَذِّبوهم".
وإذا كانت هذه الإسرائيليات المروية عن كعب وغيره، قد أثَّرَت فى عقيدة المسلمين وعلمهم أثراً غير صالح، فليس ذنب هذا راجعاً إلى كعب وأضرابه، لأنهم رووه على أنه مما فى كتبهم، ولم يشرحوا به القرآن - اللَّهم إلا ما يتفق من هذا مع القرآن ويشهد له - ثم جاء مَنْ بعدهم فحاولوا أن يشرحوا القرآن بهذه الإسرائيليات فربطوا بينها وبينه على ما بينهما من بُعد شاسع، بل وزادوا على ذلك ما نسجوه من قصص خرافية، نسبوها لهؤلاء الأعلام، ترويجاً لها وتمويهاً على العامة.
فالذنب إذن ذنب المتأخرين الذين ربطوا هذه الإسرائيليات بالقرآن وشرحوه على ضوئها، واخترعوا من الأساطير ما نسبوه زوراً وبهتاناً إلى هؤلاء الأعلام وهم منه براء.
* *
* اتهام الشيخ رشد رضا الكعب:
كذلك نجد السيد محمد رشيد رضا ﵀ فى مقدمة تفسيره بعد أن ذكر كلاماً لابن تيمية فى شأن ما يُروَى من الإسرائيليات عن كعب ووهب يقول ما نصه: "فأنت ترى أن هذا الإمام المحقق - يريد ابن تيمية - جزم بالوقف عن تصديق جميع ما عُرِف أنه من رواة الإسرائيليات. وهذا فى غير ما يقوم الدليل على بطلانه فى نفسه، وصرَّح فى هذا المقام بروايات كعب الأحبار ووهب بن منبِّه، مع أن قدماء رجال الجرح والتعديل اغتروا بهما وعدَّلوهما، فكيف لو تبين له ما تبين لنا من كذب كعب ووهب وعزوهما إلى التوراة وغيرها من كتب الرسل ما ليس فيها شئ منه ولا حوَّمت حوله".
*
* تفنيد هذا الاتهام:
ونحن لا ننكر ما ذهب إليه ابن تيمية فى مقدمة أصول التفسير التى اعتمد عليها الشيخ فيما نقل عنه، ولكن ننكر على الشيخ فهمه لعبارة ابن تيمية، وذلك أنه ادَّعى أن ابن تيمية جزم بالوقف عن تصديق جميع ما عُرِف أنه من رواة الإسرائيليات، وهذا فى غير ما يقوم الدليل على بطلانه فى نفسه - يعنى أنه لا يُتوقف فيه بل يُرفض رفضاً باتاً.
وعبارة ابن تيمية التى ذكرها الشيخ لا تفيد ذلك الذى قاله وإنما تفيد أنَّ ما جاء
стр. 133
عن رواة الإسرائيليات يُتوقف فيه إذا كان مما هو مسكوت عنه فى شرعنا ولم يقم دليل على بطلانه، أما ما روى عنه موافقاً لما جاء فى شرعنا فهذا صحيح مقبول بدون توقف، كما نص عليه ابن تيمية (فى ص ٢٦، ٢٧) من مقدمة فى أصول التفسير، وهو عين ما عناه بعبارته الموجودة (فى ص ١٣، ١٤) وهى التى اعتمد عليها السيد محمد رشيد فى طعنه على كعب وغيره.
كما أننا لا نقر الشيخ على هذا الاتهام البليغ لكعب ووهب، ولا على رميهما بالكذب، ولا على ادعاء عزوهما إلى التوراة وغيرها ما ليس فيها، كما أنَّا لا نقره على اتهامه لعلماء الجرح والتعديل الذين طهَّروا لنا السُّنَّة، وأزاحوا عنها ما لصق بها من الموضوعات، وبيَّنوا لنا الصحيح والعليل منها والعدل والمجروح من رواتها، حيث رماهم بالغفلة والاغترار، وهم أهل هذا الفن الذى لا يصلح له إلا قليل من الناس، ولا ندرى ما هذا الكذب الذى تبيَّن له من كعب ووهب وخفى على ابن تيمية وهو مَن نعلم علماً ومعرفة. وليت الشيخ ﵀ بيَّن لنا ما يستند إليه فى دعواه، ولا أظن إلا أنه استند إلى ما جاء عن معاوية رضى الله عنه عند البخارى فى شأن كعب، وهذا نصه كما فى صحيح البخارى:
قال أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهرى: أخبرنى حميد بن عبد الرحمن: أنه سمع معاوية يُحدِّث رهطاً من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار، فقال: "إن كان من أصدق هؤلاء المحدِّثين الذين يحدِّثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلوا عليه الكذب".
نعم أظن أن الشيخ ﵀ اتهم كعباً وأضرابه بالكذب استناداً لهذا الأثر المروى عن معاوية، والذى رجَّح لدىَّ هذا الظن ما قاله الشيخ بعد كلامه السابق بقليل: "وقد عُلِم أن بعض الصحابة رووا عن أهل الكتاب حتى عن كعب الأحبار الذى روى البخارى عن معاوية أنه قال: إن كنا لنبلوا عليه الكذب.. ومنهم أبو هريرة وابن عباس".
وأرى أن الشيخ قد فَنَّد قول نفسه بنفسه حيث أثبت - كما هو الواقع - أن أبا هريرة وابن عباس وغيرهما من الصحابة أخذوا عن كعب، وهل يُعقل أن صحابياً يأخذ علمه عن كذَّاب وضَّاع، بعد ما عُرِف عن الصحابة من العدالة والتثبت فى تحمل الأخبار، خصوصاً ابن عباس الذى كان يتشدد فى الرواية ويتأكد من صحة ما يُروَى له؟
نعم.. إن حديث البخارى الذى رواه عن معاوية، يُشعر لأول وهلة بنسبة
стр. 134
الكذب إلى كعب، ولكن لو رجعنا إلى شرَّاح الحديث لوجدناهم جميعاً يشرحونه بما يُبعد هذه الوصمة الشنيعة عن كعب الأحبار، وإليك بعض ما قيل فى ذلك:
قال ابن حجر فى الفتح عند قوله: "وإن كنا لنبلوا عليه الكذب" - أى يقع بعض ما يخبرنا عنه بخلاف ما يخبرنا به، فال ابن التين: وهذا نحو قول ابن عباس فى حق كعب المذكور: بَدَّل مَن قبله فوقع فى الكذب، قال: والمراد بالمحدِّثين - فى قوله: إن كان من أصدق هؤلاء المحدِّثين الذين يُحدِّثون عن أهل الكتاب - أنداد كعب ممن كان من أهل الكتاب وأسلم فكان يُحدِّث عنهم، وكذا مَن نظر فى كتبهم فحدَّث عما فيها، قال: ولعلهم كانوا مثل كعب، إلا أن كعباً كان أشد منهم بصيرة، وأعرف بما يتوقاه.
وقال ابن حبان فى كتاب الثقات: أراد معاوية أنه يخطئ أحياناً فيما يُخبر به، ولم يرد أنه كان كذَّاباً. وقال غيره: الضمير فى قوله: "لنبلوا عليه" للكتاب لا لكعب، وإنما يقع فى كتابهم الكذب لكونهم بَدَّلوه وحَرَّفوه. وقال عياض: يصح عوده على الكتاب، ويصح عوده على كعب وعلى حديثه وإن لم يقصد الكذب ويتعمده، إذ لا يُشترط فى مسمى الكذب التعمد، بل هو الإخبار عن الشئ بخلاف ما هو عليه، وليس فيه تجريح لكعب بالكذب. وقال ابن الجوزى: المعنى أن بعض الذى يُخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذباً، لا أنه يتعمد الكذب، وإلا فقد كان كعب من أخيار الأحبار".
هذه هى الأقوال التى سردها لنا الحافظ ابن حجر، ونحن نميل إلى القول بأن كعباً كان يروى ما يرويه على أنه صحيح لم يُبدَّل ولم يُحرَّف، فهو لم يتعمد كذباً ولا يُنسب إلى كذب، وإن كان ما يرويه كذباً فى حد ذاته، خفى عليه كما خفى على غيره. ولهذا التحريف والتبديل نهى رسول الله ﷺ عن تصديق أهل الكتاب وعن تكذيبهم فيما يروونه من ذلك، لأنه ربما كان صدقاً فيُكذِّبونه أو كذباً فيُصدِّقونه فى الحَرَج.
ثم إن معاوية الذى قال هذا القول، روينا عنه فيما سبق أنه قال: "ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء إن كان عنده علم كالثمار وإن كنا المفرطين"، فمعاوية قد شهد لكعب بالعلم وغزارته، وحكم على نفسه بأنه فرَّط فى علم كعب، فهل يُعقل أن معاوية يشهد هذه الشهادة لرجل كذَّاب؟، وهل يُعقل أنه يتحسر ويتندم على ما فاته من علم رجل يُدلِّس فى كتب الله ويُحرِّف فى وحى السماء؟.. اللَّهم إنى
стр. 135
لا أعقل ذلك، ولا أقول إلا أنَّ كعباً عالِم له مكانته، وثقة له قيمته، وعدل له منزلته وشهرته..
* * *
٣- وهب بن مُنَبِّه
* ترجمته:
هو أبو عبد الله، وهب بن منبَّه بن سيج بن ذى كناز، اليمانى الصنعانى، صاحب القصص، من خيار علماء التابعين. قال عبد الله ابن أحمد بن حنبل عن أبيه: كان من أبناء فارس، وأصل والده "منبِّه" من خراسان من أهل هراة، أخرجه كسرى منها إلى اليمن فأسلم فى عهد النبى ﷺ ، وكان وهب بن منبِّه يختلف إلى هراة ويتفقد أمرها، وقيل: إنه تولى قضاء صنعاء. قال إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن الهروى: ولد سنة ٣٤ هـ (أربع وثلاثين) فى خلافة عثمان، وقال ابن سعد وجماعة: مات سنة ١١٠ هـ (عشر ومائة) ، وقيل غير ذلك.
روى عن أبى هريرة، وأبى سعيد الخدرى، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وجابر، وأنس، وغيرهم، وروى عنه ابناه: عبد الله وعبد الرحمن، وعمر بن دينار، وغيرهم. وأخرج له البخارى، ومسلم، والنسائى، والترمذى، وأبو داود.
* *
* مبلغه من العلم والعدالة:
كان وهب بن منبِّه واسع العلم، كثير الاطلاع على الكتب القديمة، محيطاً بأخبار كثيرة وقصص يتعلق بأخبار الأُوَل ومبدأ العالم، ومما يؤثر عنه أنه ألَّف كتاباً فى المغازى، ويحدِّثنا ابن خلكان: أنه رأى لوهب بن منبِّه تصنيفاً ترجمه بذكر الملوك المتوَّجة من حِميَر، وأخبارهم، وقصصهم، وقبورهم وأشعارهم، فى مجلد واحد، قال: وهو من الكتب المفيدة.
وقال أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق عن أبيه: حج عامة الفقهاء سنة مائة فحج وهب، فلما صلوا العشاء أتاه نفر فيهم عطاء والحسن، وهم يريدون أن يتذاكروا القَدَر، قال: فأمعن فى باب الحمد، فما زال فيه حتى طلع الفجر، فافترقوا ولم يسألوه عن شئ، قال أحمد: وكان يُتهم بشئ من القَدَر ثم رجع، وقال حماد بن سلمة عن أبى سنان: سمعت وهب بن منبِّه يقول: كنت أقول بالقَدَر حتى قرأت بضعة وسبعين كتاباً من كتب الأنبياء فى كلها: "مَن جعل إلى نفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر" فتركت قولى. وقال الجوزجانى: كان وهب كتب كتاباً فى القَدَر ثم حدث أنه ندم عليه.
فأنت ترى من بين هذه الأخبار أن وهباً كان على ناحية عظيمة من المعرفة بالكتب
стр. 136
الإلهية القديمة، كما ترى أنه لم يثبت على رأيه وعقيدته فى القَدَر، بل تركها بعد ما تبين له الحق، وندم على ما كان منه بعد أن ظهر له الصواب، وبعد رجوعه عن رأيه لا يصح أن نطعن عليه من هذه الناحية، ولقد كان وهب يرى من نفسه أنه قد جمع علم ابن سلام وعلم كعب، ويحدِّث هو بذلك عن نفسه فيقول: يقولون: عبد الله بن سلام أعلم أهل زمانه، وكعب أعلم أهل زمانه، أفرأيتَ من جمع علمهما؟ - يريد نفسه.
* *
* مطاعن بعض الناس عليه:
ومع تلك المنزلة العالية التى كان عليها وهب، طعن عليه بعض الناس كما طعن على كعب، ورموه بالكذب والتدليس وإفساد عقول بعض المسلمين وعقائدهم، وقد سمعتَ مقالة السيد محمد رشيد رضا فيه وفى كعب، وسمعتَ الرد عليه، كما سمعتَ مقالة الأستاذ أحمد أمين وما تعقبناه به.
* *
* رأينا فيه وشهادات الموثِّقين له:
وأنا وإن كنت لا أنكر أن صاحبنا أكثرَ من الإسرائيليات، وقصَّ كثيراً من القصص إلا أنى لا أتهمه بشئ من الكذب، ولا أنسب إليه إفساد العقول والعقائد، ولا أُحَمله تبعة ذلك، لأن القوم هم الذين أفسدوا بإدخالهم فى التفسير ما لا صلة له به، وبالوضع عليه وعلى غيره ترويجاً للموضوع كما سبق.
ولو أنَّا رجعنا إلى ما قاله العلماء النُقَّاد فى شأن وهب لتبين لنا أنه رجل منزَّه عما رُمِى به، مبرأ من كل ما يخدش عدالته وصدقه. قال الذهبى: كان ثقة صادقاً، كثير النقل من كتب الإسرائيليات. وقال العجلى: ثقة تابعى، كان على قضاء صنعاء، وقال ابن حجر: وهب بن منبِّه الصنعانى من التابعين، وثَّقة الجمهور، وشذَّ الفلاس فقال: كان ضعيفاً، وكان شبهته فى ذلك أنه كان يُتهم بالقول فى القَدَر. وقال أبو زرعة والنسائى: ثقة. وذكره ابن حبان فى الثقات. والبخارى نفسه يعتمد عليه ويُوثَقه، ونرى له فى البخارى حديثاً واحداً عن أخيه همام عن أبى هريرة فى كتابة الحديث، وتابعه عليه معمر عن همام، ولهمام هذا عن أبى هريرة نسخة مشهورة أكثرها فى الصحاح، رواها عنه معمر ويحدِّثنا مثنى بن الصباح. أن وهباً لبث عشرين سنة لم يجعل بين العشاء والصبح وضوءاً.. وغير هذا كثير مما شهد لعدالة الرجل وحسن إيمانه..
ونحن أمام توثيق الجمهور له، واعتماد البخارى وغيره لحديثه، وما ثبت عنه من الورع والصلاح، لا نقول إلا أنه رجل مظلوم من متهميه، ومظلوم هو وكعب من
стр. 137
أولئك الذين استغلوا شهرة الرجلين ومنزلتهما العلمية، فنسبوا إليهما ما لا يصح عنهما، وشوَّهوا سمعتهما، وعرَّضوهما للنقد اللاذع والطعن المرير!!
* * *
٤- عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج
* ترجمته:
هو أبو خالد - أو أبو الوليد - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الأموى مولاهم - أصله رومى نصرانى. كان من علماء مكة ومحدِّثيهم، وهو مِن أول مَنْ صنَّف الكتب بالحجاز، وهو قطب الإسرائيليات فى عهد التابعين، ولو أنَّا رجعنا إلى تفسير ابن جرير الطبرى، وتتعبنا الآيات التى وردت فى النصارى، لوجدنا كثيراً مما يرويه ابن جرير فى تفسير هذه الآيات يدور على عبد الملك، الذى يُعَبِّر عنه دائماً بـ "ابن جريج".
روى عن أبيه، وعطاء بن أبى رباح، وزيد بن أسلم، والزهرى، وغيرهم. وروى عنه ابناه: عبد العزيز ومحمد، والأوزاعى، والليث، ويحيى بن سعيد الأنصارى، وحماد بن زيد، وغيرهم. قال أبو سعد: ولد سنة ٨٠ هـ (ثمانين) ، وأما وفاته فمختلف فيها، فمنهم مَن قال: سنة ١٥٠ هـ (خمسين ومائة) ، ومنهم مَن قال: سنة ١٥٩ هـ (تسع وخمسين ومائة) ، وقيل غير ذلك.
* *
*مبلغه من العلم والعدالة:
ابن جريج - كما قيل - هو أول مَن صنَّف الكتب بالحجاز، ويعدونه من طبقة مالك بن أنس وغيره ممن جمعوا الحديث ودَوَّنوه. قال عبد الله ابن أحمد بن حنبل: قلت لأبى: مَنْ أول مَنْ صنَّف الكتب؟ قال: ابن جريج وابن أبى عروبة. وقال ابن عيينة: سمعت أخى عبد الرزاق بن همام عن ابن جريج يقول: ما دوَّن العلم تدوينى أحد. وقد عُرف عن ابن جريج أنه كان رحَّالة فى طلب العلم، فقد وُلِدَ بمكة ثم طوَّف فى كثير من البلاد، فرحل إلى البصرة واليمن وبغداد. ويقول ابن خلدون فى "العبر": إنه لم يطلب العلم إلا فى الكهولة، ولو سمع فى عنفوان شبابه لحمل عن غير واحد من الصحابة، فإنه قال: كنت أتتبع الأشعار العربية والأنساب فقيل لى: لو لزمتَ عطاء؟ فلزمته ثمانية عشر عاماً".
وقد رويت عن ابن جريج أجزاء كثيرة فى التفسير عن ابن عباس، منها الصحيح، ومنها ما ليس بصحيح، وذلك لأنه لم يقصد الصحة فيما جمع، بل روى ما ذُكِرَ فى كل آية من الصحيح والسقيم.
أما منزلته من ناحية العدالة، فإنه لم يظفر بإجماع العلماء على توثيقه وتثبته فيما يرويه، وإنما اختلفت أنظارهم فيه، فمنهم مَن وثَّقه، ومنهم مَن ضعَّفه. قال فيه
стр. 138
العجلى: مكى ثقة. وقال سليمان بن النضر بن مخلد بن يزيد: ما رأيت أصدق لهجة من ابن جريج. وعن يحيى بن سعيد قال: كنا نسمى كتب ابن جريج كتب الأمانة، وإن لم يحدثك بها ابن جريج من كتابه لم يُنتفع به. وقال ابن معين: ثقة فى كل ما رُوِى عنه من الكتاب. وعن يحيى ابن سعيد قال: كان ابن جريج صدوقاً فإذا قال: "حدَّثنى"، فهو سماع. وإذا قال: "أخبرنى" فهو قراءة، وإذا قال: "قال"، فهو شبه الريح. وقال الدراقطنى: تجنب تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس، لا يُدَلِّس إلا فيما سمعه من مجروح. وذكره ابن حبان فى الثقات وقال: كان من فقهاء أهل الحجاز وقرَّائهم ومتقنيهم وكان يُدَلِّس. وقال عنه الذهبنى فى ميزان الاعتدال: أحد الأعلام الثقات يُدَلِّس، وهو فى نفسه مجمع على ثقته مع كونه قد تزوج نحواً من تسعين امرأة نكاح متعة، وكان يرى الرُخصة فى ذلك، وكان فقيه أهل مكة فى زمانه. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبى: بعض هذه الأحاديث التى كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالى من أين يأخذها، يعنى قوله: أُخْبِرت وحُدِثت عن فلان. وذكر الخزرجى فى "خلاصته" أنه مجمع عليه من أصحاب الكتب الستة. ولكن نرى الأستاذ أحمد أمين ينقل فى "ضحى الإسلام": أن البخارى لم يوثِّقه وقال: إنه لا يُتابَع فى حديثه، ولسنا ندرى من أين استقى صاحب "ضحى الإسلام" هذا الكلام الذى عزاه إلى البخارى رضى الله عنه.
هذه هى نظرة العلماء إليه وحكمهم عليه، ونرى أن كثيراً منهم يحكم عليه بالتدليس وعدم الثقة ببعض مروياته، ومع هذا فقد قال فيه الإمام أحمد: إنه من أوعية العلم، ونحن معه فى ذلك، ولكنه وعاء لعلم امتزج صحيحه بعليله، ولا نظن إلا أن الإمام أحمد يعنى ذلك، بدليل ما تقدم عنه من قوله: "بعض هذه الأحاديث التى كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، وكان ابن جريج لا يبالى من أين أخذها".
وكان الإمام مالك رضى الله عنه يرى فيه أنه لا يبالى من أين يأخذ، فقد روى عنه أنه قال: كان ابن جريج حاطب ليل.
وأخيراً فعلى المفسِّر أن يكون على حذر فيما رُوِى عن ابن جريج فى التفسير حتى لا يروى ضعيفاً، أو يعتمد على سقيم.
وبعد ... فهؤلاء هم أقطاب الإسرائيليات، وعليهم يدور كثير مما هو مبثوث فى كتب التفسير، وسواء أكان كل ما يُنسب إليهم صح عنهم أم وُضِعَ عليهم، فقد علمتَ قيمة كل واحد منهم، وعلمتَ قيمة ما يُروَى من هذه الإسرائيليات وما يجوز روايته وما لا يجوز ... وهذا هو جهد المُقِّل وغاية ما وصلتُ إليه فى هذا الموضوع الذى التوى، ثم التوى، حتى صار أعقد من ذَنَبِ الضَّب.
* * *
стр. 139
ثالثاً: حذف الإسناد
حذف الإسناد هو السبب الثالث والأخير الذى يرجع إليه ضعف التفسير المأثور، وسبق أن أشرنا إلى مبدأ اختصار الأسانيد، ونعود إليه فنقول:
إنَّ الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - كانوا يتحرون الصحة فيما يتحملون، وكان الواحد منهم لا يروى حديثاً إلا وهو متثبت مما يقول، ولكن لم يُعرف عن الصحابة أهم كانوا يسألون عن الإسناد، لما عُرفوا به جميعاً من العدالة والأمانة. وإذا كان الأمر قد وصل ببعضهم إلى أنه كان لا يقبل الحديث إلا بعد أن تثبت عنده صحته بالشهادة أو اليمين كما دلَّت على ذلك الآثار الكثيرة، فإن الغرض من ذلك هو زيادة التأكد والتثبت، لا عدم الثقة بمن يروون عنه منهم، فقد روى أن عمر قال لأُبَىِّ بن كعب - وقد روى له حديثاً - لتأتيننى على ما تقول ببيِّنة، فخرج فإذا ناس من الأنصار فذكر لهم، قالوا: قد سمعنا هذا من رسول الله ﷺ ، فقال عمر: أما إنى لم أتهمك، ولكن أحببت أن أتثبت".
ثم جاء عصر التابعين، وفيه ظهر الوضع وفشا الكذب، فكانوا لا يقبلون حديثاً إلا إذا جاء بسنده، وتثبتت لهم عدالة رواته، أما إن حُذِف السند، أو ذُكِر وكان فى رواته مَنْ لا يُوثق بحديثه، فإنهم كانوا لا يقبلون الحديث الذى هذا شأنه، فقد روى الإمام مسلم فى مقدمة صحيحه عن ابن سيرين أنه قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم".
ظل الأمر فى عهد التابعين على هذا، فكان ما يروونه من التفسير المأثور عن النبى ﷺ أو عن الصحابة، لا يروونه إلا بإسناده، ثم جاء بعد عصر التابعين مَن جمَّعَ التفسير، ودَوَّن ما تجمَّع لديه من ذلك، فأُلِّفت تفاسير تجمع أقوال النبى ﷺ فى التفسير، وأقوال الصحابة والتابعين، مع ذكر الأسانيد، كتفسير سفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وغيرهما ممن تقدَّم ذكرهم.
ثم جاء بعد هؤلاء أقوام ألَّفوا فى التفسير، فاختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال غير معزوَّة لقائليها، ولم يتحروا الصحة فيما يروون، فدخل من هنا الدخيل، والتبس الصحيح بالعليل.
ثم صار كل مَنْ يسنح له قول يورده، ومَنْ يخطر بباله شئ يعتمده، ثم ينقل ذلك عنه مَنْ يجئ بعده، ظاناً أنَّ له أصلاً، غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السَلَف.
стр. 140
وفى الحق أن هذا السبب يكاد يكون أخطر الأسباب جميعاً، لأن حذف الأسانيد جعل مَنْ ينظر فى هذه الكتب يظن صحة كل ما جاء فيها، وجعل كثيراً من المفسِّرين ينقلون عنها ما فيها من الإسرائيليات والقصص المخترع على أنه صحيح كله، مع أن فيها ما يخالف النقل ولا يتفق مع العقل.
وإذا كان للوضع خطره، وللإسرائيليات خطرها، فإن هذا الخطر كان من الممكن تلافيه لو ذُكِرت لنا هذه الأقوال بأسانيدها، ولكن حذفها - وللأسف - عمَّى علينا كل شئ، وليت هؤلاء الذين حذفوا الأسانيد وعنوا بجمع شتات الأقوال فعلوا كما فعل ابن جرير من رواية كل قول بإسناده، فهو وإن كان له يتحر الصحة فيما يرويه، إلا أن عذره فى ذلك، أنه ذكر لنا السند مع كل رواية يرويها، وكانوا يرون أنهم متى ذكروا السند فقد خرجوا عن العهدة، فإن أحوال الرجال كانت معروفة فى العهد الأول، وبذلك تعرف قيمة ما يروونه من ضعف وصحة.
وبعد ... فهذه هى الأسباب الثلاثة التى يرجع إليها ضعف التفسير المأثور، وكل واحد منهما له خطره وأثره فى التفسير، وقد أدرك المسلمون أخيراً هذا الخطر، وقدَّروا ما كان لهذه الأسباب من أثر، فتداعى علماؤهم وأشياخهم إلى تجريد كتب التفسير من هذه الإسرائيليات، وتطهيرها من كل ما دخل عليها، ولكن لم نجد منهم مَنْ نشط لهذا العمل، وإنَّا لنرجو آملين، أن يهيئ الله للمسلمين من بين علمائنا وأشياخنا مَنْ ينقد لهم هذه المجموعة المركومة من التفسير النقلىَ، على هدى قواعد القوم فى نقد الرواية متناً وسنداً، ليستبعد منها هذا الكثير الذى لا يستحق البقاء، وليستريح الناظرون فى الكتاب الكريم من الوقوف أمام شئ لا أساس له إذا ما حاولوا تفهم آية منه.
وليستُ أظن أن هذا العمل الشاق المضنى يستطيع أن يقوم به فرد وحده، بل لا بد له من جماعة كبيرة، تتفرغ له، ويتسع أمامها الزمن، وتتوفر لديها جميع المصادر والمراجع التى تتعلق بالموضوع وتتصل به.
ذلك ما نرجوه ونأمله، ونسأل الله تعالى أن يحقق الرجاء ويصدق الأمل..
* * *
стр. 141
أشهر ما دُوِّنَ من كتب التفسير المأثور وخصائص هذه الكتب
لا نريد أن نستقصى هنا جميع الكتب المدوَّنة فى التفسير المأثور، لأن هذا أمر لا يتيسر لنا، نظراً لعدم وقوع كثير منها فى أيدينا. ولو تيسر لنا لوقفت عند عزمى هذا: وهو أنى لا أتعرض لكل كتاب أُلِّفَ فى هذا النوع من التفسير، بل أتكلم عما اشتهر وكثر تداوله فحسب، لأنى لو ذهبت أتكلم عن جميع ما دُوِّن من هذه الكتب، كتاباً كتاباً، لطال علىَّ الأمر، والرسول ﷺ يقول: "إن المُنْبَتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى".
لهذا رأيت أن أتكلم عن ثمانية كتب منها، هى أهمها وأشهرها وأكثرها تداولاً، وسبيلى فى هذا: أن أعرض أولاً لنبذة مختصرة عن المؤلف، ثم أُبيِّن خصائص كل كتاب وطريقة مؤلفه فيه، وهذه الكتب التى وقع عليها اختيارى هى ما يأتى:
١ - جامع البيان فى تفسير القرآن: لابن جرير الطبرى
٢ - بحر العلوم: لأبى الليث السمرقندى
٣ - الكشف والبيان عن تفسير القرآن: لأبى إسحاق الثعلبى
٤ - معالم التنزيل: لأبى محمد الحسين البغوى
٥ - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز: لابن عطية الأندلسى.
٦ - تفسير القرآن العظيم: لأبى الفداء الحافظ ابن كثير
٧ - الجواهر الحسان فى تفسير القرآن: لعبد الرحمن الثعالبى
٨ - الدر المنثور فى التفسير المأثور: لجلال الدين السيوطى
وسنتكلم عن كل واحد منها بحسب هذا الترتيب فنقول وبالله التوفيق:
١- جامع البيان فى تفسير القرآن (للطبرى)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير، هو أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير ابن غالب الطبرى، الإمام الجليل، المجتهد المطلق، صاحب التصانيف المشهورة، وهو من أهل آمل طبرستان، وُلِدَ بها سنة ٢٢٤ هـ (أربع وعشرين ومائتين من الهجرة) ، ورحل من بلده فى طلب العلم وهو ابن اثنتى عشرة سنة، سنة ٢٣٦ هـ (ست وثلاثين ومائتين) ، وطوَّف فى الأقاليم، فسُمِعَ بمصر والشام والعراق، ثم ألقى عصاه واستقر ببغداد، وبقى بها إلى أن مات سنة ٣١٠ هـ (عشر وثلاثمائة من الهجرة) .
* *
* مبلغه من العلم والعدالة:
كان ابن جرير أحد الأئمة الأعلام، يُحكم بقوله، ويُرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظاَ لكتاب
стр. 142
الله، بصيراً بالقرآن، عارفاً بالمعانى، فقيهاً فى أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم مِنَ المخالفين فى الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفاً بأيام الناس وأخبارهم، هذا هو ابن جرير فى نظر الخطيب البغدادى وهى شهادة عالِم خبير بأحوال الرجال. وذُكِرَ أن أبا العباس بن سريج كان يقول: محمد بن جرير فقيه عالِم. وهذه الشهادة جد صادقة، فإن الرجل برع فى علوم كثيرة، منها: علم القراءات، والتفسير، والحديث، والفقه. والتاريخ وقد صَنَّف فى علوم كثيرة وأبدع التأليف وأجاد فيما صنَّف، فمن مصنفاته: كتاب التفسير الذى نحن بصدده. وكتاب التاريخ المعروف بتاريخ الأمم والملوك، وهو من أُمهات المراجع، وكتاب القراءات، والعدد والتنزيل، وكتاب اختلاف العلماء، وتاريخ الرجال من الصحابة والتابعين، وكتاب أحكام شرائع الإسلام، ألَّفه على ما أدَّاه إليه اجتهاده، وكتاب التبصر فى أصول الدين ... وغير هذا كثير من تصانيفه التى تدل على سعة علمه وغزارة فضله.
ولكن هذه الكتب قد اختفى معظمها من زمن بعيد، ولم يحظ منها بالبقاء إلى يومنا هذا وبالشهرة الواسعة، سوى كتاب التفسير، وكتاب التاريخ.
وقد اعتُبِر الطبرى أباً للتفسير. كما اعتُبِر أباً للتاريخ الإسلامى، وذلك بالنظر لما فى هذين الكتابين من الناحية العلمية العالية. ويقول ابن خلكان: إنه كان من الأئمة المجتهدين، لم يقلدا أحداً، ونُقِل أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازى ذكره فى طبقات الفقهاء فى جملة المجتهدين. قالوا: وله مذهب معروف، وأصحاب ينتحلون مذهبه يقال لهم "الجريرية"، ولكن هذا المذهب الذى أسسه - على ما يظهر - بعد بحث طويل، ووجد له أتباعاً من الناس، لم يستطع البقاء إلى يومنا هذا كغيره من مذاهب المسلمين، ويظهر أن ابن جرير كان قبل أن يبلغ هذه الدرجة من الاجتهاد متُمذهباً بمذهب الشافعى، يدلنا على ذلك ما جاء فى الطبقات الكبرى لابن السبكى، من أن ابن جرير قال: أظهرتُ فقه الشافعى، وأفتيتُ به ببغداد عشر سنين، وتلقاه منى ابن بشار الأحول، أستاذ أبى العباس بن سريج. وقال السيوطى فى طبقات المفسِّرين: وكان أولاً شافعياً ثم انفرد بمذهب مستقل، وأقاويل واختيارات، وله أتباع مقلِّدون، وله فى الأصول والفروع كتب كثيرة.
وذكره صاحب لسان الميزان فقال: "ثقة، صادق، فيه تشيع يسير، وموالاة لا تضر ... " ثم قال: أقذع أحمد بن على السليمانى الحافظ فقال: كان يضع للروافض، وهذا رجم بالظن الكاذب، بل ابن جرير من كبار أئمة الإسلام المعتمدين، وما ندَّعى
стр. 143
عصمته من الخطأ، ولا يحل لنا أن نؤذيه بالباطل والهوى، فإن كلام العلماء بعضهم فى بعض ينبغى أن يُتأتَّى فيه، ولا سيما فى مثل إمام كبير، ولعل السليمانى أراد الآتى - يريد محمد ابن جرير بن رستم الطبرى الرافضى - قال: ولو حلفتُ أن السليمانى ما أراد إلا الآتى لبررت، والسليمانى حافظ متقن، كان يدرى ما يخرج من رأسه، فلا أعتقد أنه يطعن فى مثل هذا الإمام بهذا الباطل".
هذا هو ابن جرير، وهذه هى نظرات العلماء إليه، وذلك هو حكمهم عليه، ومن كل ذلك تتبين لنا قيمته ومكانته.
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
يعتبر تفسير ابن جرير من أقوم التفاسير وأشهرها، كما يعتبر المرجع الأول عند المفسِّرين الذين عنوا بالتفسير النقلى، وإن كان فى الوقت نفسه يُعتبر مرجعاً غير قليل الأهمية من مراجع التفسير العقلى، نظراً لما فيه من الاستنباط، وتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، ترجيحاً يعتمد على النظر العقلى، والبحث الحر الدقيق.
ويقع تفسير ابن جرير فى ثلاثين جزءاً من الحجم الكبير، وقد كان هذا الكتاب من عهد قريب يكاد يُعتبر مفقوداً لا وجود له، ثم قدَّر الله له الظهور والتداول، فكانت مفاجأة سارة للأوساط العلمية فى الشرق والغرب أن وُجِدَت فى حيازة أمير "حائل" الأمير حمود ابن الأمير عبد الرشيد من أمراء نجد نسخة مخطوطة كاملة من هذا الكتاب، طُبِع عليها الكتاب من زمن قريب، فأصبحت فى يدنا دائرة معارف غنية فى التفسير المأثور.
ولو أننا تتبعنا ما قاله العلماء فى تفسير ابن جرير، لوجدنا أن الباحثين فى الشرق والغرب قد أجمعوا الحكم على عظيم قيمته، واتفقوا على أنه مرجع لا غِنَى عنه لطالب التفسير، فقد قال السيوطى رضى الله عنه: "وكتابه - يعنى تفسير محمد بن جرير - أجَّل التفاسير وأعظمها، فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب، والاستنباط، فهو يفوق بذلك على تفاسير الأقدمين". وقال النووى: "أجمعت الأُمة على أنه لم يُصنَّف مثل تفسير الطبرى" وقال أبو حامد الإسفرايينى: "لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل على كتاب تفسير محمد بن
стр. 144
جرير لم يكن ذلك كثيراً"، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما التفاسير التى فى أيدى الناس، فأصحها تفسير ابن جرير الطبرى، فإنه يذكر مقالات السَلَف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين، كمقاتل بن بكير والكلبى".
ويذكر صاحب لسان الميزان: أن ابن خزيمة استعار تفسير ابن جرير من ابن خالويه فرده بعد سنين ثم قال: "نظرتُ فيه من أوله إلى آخره فما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير" فابن خزيمة ما شهد هذه الشهادة إلا بعد أن اطلع على ما فى هذا التفسير من علم واسع غزير.
وهذا قد كتب "نولدكه" فى سنة ١٨٦٠ بعد اطلاعه على بعض فقرات من هذا الكتاب: "لو كان بيدنا هذا الكتاب لاستغنينا به عن كل التفاسير المتأخرة، ومع الأسف فقد كان يظهر أنه مفقود تماماً، وكان مثل تاريخه الكبير مرجعاً لا يغيض معينه أخذ عنه المتأخرون معارفهم".
ويظهر مما بأيدينا من المراجع، أن هذا التفسير كان أوسع مما هو عليه اليوم، اختصر مؤلفه إلى هذا القدر الذى هو عليه الآن، كما أن كتابه فى التاريخ ظفر بمثل هذا البسط والاختصار، فابن السبكى يذكر فى طبقاته الكبرى: "أن أبا جعفر قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟، فقال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا ربما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره فى نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟، قالوا: كم قدره؟، فذكر نحواً مما ذكره فى التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنَّا لله، ماتت الهمم.. فاختصره فى نحو ما اختصر التفسير".
وهذا ونستطيع أن نقول إن تفسير ابن جرير هو التفسير الذى له الأوَّلية بين كتب التفسير، أوَّلية زمنية، وأوَّلية من ناحية الفن والصناعة.
أما أوَّليته الزمنية، فلأنه أقدم كتاب فى التفسير وصل إلينا، وما سبقه من
стр. 145
المحاولات التفسيرية ذهبت بمرور الزمن، ولم يصل إلينا شئ منها، اللَّهم إلا ما وصل إلينا منها فى ثنايا ذلك الكتاب الخالد الذى نحن بصدده.
وأما أوَّليته من ناحية الفن والصناعة، فذلك أمر يرجع إلى ما يمتاز به الكتاب من الطريقة البديعة التى سلكها فيه مؤلفه، حتى أخرجه للناس كتاباً له قيمته ومكانته.
ونريد أن نعطى هنا مثالاً لطريقة ابن جرير فى تفسيره، بعد أن أخذنا فكرة عامة عن الكتاب، حتى يتبين للقارئ أن الكتاب واحد فى بابه، سبق به مؤلفه غيره من المفسِّرين، فكان عمدة المتأخرين، ومرجعاً مهماً من مراجع المفسِّرين، على اختلاف مذاهبهم، وتعدد طرائقهم، فنقول:
* طريقة ابن جرير فى تفسيره:
تتجلَّى طريقة ابن جرير فى تفسيره بكل وضوح إذا نحن قرأنا فيه وقطعنا فى القراءة شوطاً بعيداً، فأول ما نشاهده، أنه إذا أراد أن يفسِّر الآية من القرآن يقول: "القول فى تأويل قوله تعالى كذا وكذا" ثم يفسِّر الآية ويستشهد على ما قاله بما يرويه بسنده إلى الصحابة أو التابعين من التفسير المأثور عنهم فى هذه الآية، وإذا كان فى الآية قولان أو أكثر، فإنه يعرض لكل ما قيل فيها، ويستشهد على كل قول بما يرويه فى ذلك عن الصحابة أو التابعين.
ثم هو لا يقتصر على مجرد الرواية، بل نجده يتعرض لتوجيه الأقوال، ويرجح بعضها على بعض، كما نجده يتعرض لناحية الإعراب إن دعت الحال إلى ذلك، كما أنه يستنبط الأحكام التى يمكن أن تؤخذ من الآية، مع توجيه الأدلة وترجيح ما يختار.
* إنكاره على مَن يفسِّر بمجرد الرأى:
ثم هو يخاصم بقوة أصحاب الرأى المستقلين فى التفكير، ولا يزال يُشدِّد فى ضرورة الرجوع إلى العلم الراجع إلى الصحابة أو التابعين، والمنقول عنهم نقلاً صحيحاً مستفيضاً، ويرى أن ذلك وحده هو علامة التفسير الصحيح، فمثلاً عندما تكلَّم عن قوله تعالى فى الآية [٤٩] من سورة يوسف: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ الناس وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ .. نجده يذكر ما ورد فى تفسيرها عن السَلَف مع توجيهه للأقوال وتعرّضه للقراءات بقدر ما يحتاج إليه تفسير الآية، ثم يعرج بعد ذلك على مَنْ يفسِّر القرآن برأيه، وبدون اعتماد منه على شئ إلا على مجرد اللغة، فيفند قوله، ويبطل رأيه، فيقل ما نصه: " ... وكان بعض مَن لا علم له بأقوال السَلَف من أهل التأويل، ممن يُفسِّر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ .. إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه مِنَ العصر، والعصر التى بمعنى المنجاة، من قول أبى زبيد الطائى:
следующие страницы →