← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

جموعه، وغنمه جذيمة وانصرف موفورا. فملكت من بعده ابنته : الزبّاء [١] واسمها نائلة. وكان جنودها بقايا من العماليق، والعاربة الأولى، وقبائل من قضاعة. فلمّا استحكم حكمها، أجمعت على غزو جذيمة الأبرش تطلب بثأر أبيها. واستشارت أهل الرأى، فأشير عليها بالعدول عن الحرب إلى المكر، وأعلموها [٢] أنّها امرأة، والحرب سجال [٣] بين الرجال، وأنّها لو قد هزمت كان البوار، وأعلموها من غبّ [٤] مباشرة مثلها للحرب، ما كرهته. وأشارت عليها أختها «زنيبة [٥] » وكانت ذات دهاء وإرب- أن تأتى الأمر من جهة الخدع والمكر، وأن تكتب إلى جذيمة [٨٦] تدعوه إلى نفسها وملكها. فقبلت ذلك وكتبت إليه: أنها لم تجد ملك النساء إلّا إلى قبح في السماع، وضعف في السلطان وقلّة ضبط للمملكة، وأنّها لم تجد لملكها موضعا، ولا لنفسها كفؤا «غيرك. فهلمّ إلىّ، واجمع ملكي إلى ملكك، وصل بلادي ببلادك، وتولّ تدبيري كلّه وأمرى، لتموت الضغائن والأحقاد، وتزول عن قلوب الناس ما خامرها من العداوات.» فلما انتهى كتاب الزباء إلى جذيمة، وقدم عليه رسلها بمخاطبات شبيهة بهذا المعنى، استخفّه [٦] ما دعته إليه، ورغب فيما أطمعته فيه، وجمع أهل الرأى من أصحابه، فاستشارهم. فأجمع رأيهم على أن يسير إليها، ويستولى على ملكها. وكان فيهم رجل يقال له :

стр. 107

قصير بن سعد [١] وكان سعد هذا تزوّج أمة تخدم لجذيمة [٢] ، فولدت له قصيرا، وكان حازما، أريبا، أثيرا عند جذيمة. فخالفهم في ما [٨٧] أشاروا به عليه، وقال: - «رأى فاتر [٣] وغدر [٤] حاضر.» - فذهب مثلا. فنازعوه الرأى، فقال لجذيمة: - «أكتب إليها: فلتقبل إليك إن كانت صادقة. فإن لم تفعل. لم تسر إليها ممكّنا [إيّاها] [٥] من نفسك وقد وترتها، وقتلت أباها.» فلم يوافق جذيمة ما أشار به عليه قصير، وقال جذيمة: - «أنت امرؤ رأيك في الكنّ [٦] ، لا في الضحّ [٧] » - فذهبت مثلا. دعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عدىّ، فاستشاره، فشجّعه على المسير، وقال: - «هناك نمارة [٨] قومي، ولو قد رأوك [٩] ، صاروا معك.» فأطاعه وعصى قصيرا. فقال قصير: - «لا يطاع لقصير أمر.» وفي ذلك يقول الشعراء ما حذفناه طلب الإيجاز. واستخلف جذيمة عمرو بن عدىّ على ملكه وسلطانه. وسار في وجوه

стр. 108

أصحابه، فأخذ على الفرات من الجانب الغربىّ. فلمّا نزل رحبة [١] مالك بن طوق- وكان تدعى في ذلك الزمان «الفرضة» - دعا قصيرا، فقال: - ما الرأى؟» فقال: «ببقّة [٢] تركت الرأى.» - فذهبت مثلا. [٨٨] واستقبلته رسل الزبّاء بالهدايا والألطاف، فقال: - «يا قصير كيف ترى؟» قال: - «خطر يسير في خطب كبير- فذهبت مثلا- وستلقاك الخيل، فإن سارت أمامك فإن المرأة صادقة، وإن أخذت جنبتيك، فالقوم غادرون، فاركب العصا، فإنّى مسايرك عليها.» وكانت العصا فرسا لجذيمة لا تجارى، فلقيته الخيول والكتائب، فحالت بينه وبين العصا، فركبها قصير مولّيا على متنها، فقال: - «ويل أمّه حزما على ظهر العصا.» - فذهبت مثلا. ونجا قصير، وأدخل على الزبّاء. فلما رأته كشفت له عن إسبها [٣] ، فإذا هو مضفور. فقالت: - «يا جذيمة! أدأب عروس ترى؟» - فذهبت مثلا. فقال: «بلغ المدى، وجفّ الثرى، وأمر غدر أرى.» - فذهبت مثلا. فتمّت حيلتها على جذيمة، حتّى قتلته بأن قطعت راهشيه [٤] ، في خبر طويل، وأمثال محفوظة. فهلك جذيمة، وخرج قصير حتى قدم على عمرو بن عدىّ

стр. 109

[٨٩] وهو بالحيرة. فقال له قصير: «أداثر [١] ، أم ثائر؟» فقال:- «بل ثائر سائر.» - فذهبت مثلا. ذكر حيلة لقصير على الزبّاء تمّت له عليها كانت الزبّاء قد سألت الكهنة والمنجّمين عن أمرها وملكها، فقالوا: - «نرى هلاكك بسبب غلام مهين غير أمين.» ووصفوا قصيرا وعمرو بن عدىّ، وقالوا: - «لن تموتي إلّا بيده، ولكنّ حتفك بيدك، ومن قبله ما يكون.» فحذرت عمرا، واتّخذت نفقا من مجلسها الذي كانت تجلس فيه، إلى حصن لها داخل مدينتها، وقالت: إن فجئنى أمر دخلت النفق إلى حصني. ثمّ دعت مصوّرا حاذقا فجهّزته، وقالت: - «سر حتّى تقدم على عمرو بن عدىّ متنكّرا فتخلو بحشمه وتخالطهم بما عندك من التصوير، ثمّ أثبت [٢] عمرو بن عدىّ معرفة، فصوّره جالسا، وقائما، وراكبا، ومتفضّلا [٣] ، ومتسلّحا بهيئته، ولبسته، وثيابه، ولونه. فإذا أحكمت ذلك، فأقبل إلىّ.» فانطلق المصوّر، حتّى قدم على عمرو بن عدىّ [٩٠] وبلغ جميع ما وصّته به، ثمّ رجع إليها بما وجّهته له من الصور. فعرفت عمرا على جميع هيئاته، وحذرته. ثمّ إنّ قصيرا قال لعمرو: «إجدع أنفى، واضرب ظهري، ودعني وإيّاها.» فقال عمرو: «وما أنا بفاعل، ولا أنت بمستحقّ منّى لذلك.» فقال قصير: «خلّ عنّى إذا وخلاك ذمّ.» فذهبت مثلا.

стр. 110

فقال له عمرو: «فأنت أبصر.» فجدع قصير أنف نفسه، وأثّر بظهره، وقيلت فيه الأشعار. وخرج قصير كأنّه هارب، وأظهر أنّ عمرا فعل به ذلك، وأنّه يزعم أنّه مكر بخاله جذيمة، وغرّه من الزبّاء. فسار قصير حتّى قدم على الزبّاء. فقيل لها: «إنّ قصيرا بالباب.» فأمرت به، فأدخل عليها، فإذا أنفه قد جدع وظهره قد ضرب. فقالت: «ما الذي أرى بك يا قصير؟» قال: «زعم عمرو أنّى غررت خاله، وزيّنت له المسير إليك، وغششته، ومالأتك [١] عليه، ففعل بى ما ترين، فأقبلت إليك، وعرفت أنّى لا أكون مع أحد هو أثقل [٩١] عليه منك.» فأكرمته، وأصابت عنده حزما ورأيا وتجربة ومعرفة بأمور الملوك. فلمّا علم أنّها قد وثقت به، واسترسلت إليه، قال لها: - «إنّ لى بالعراق أموالا كثيرة، وبها طرائف وثياب وعطر، فابعثني إلى العراق لأحمل مالي، وأحمل إليك من بزوزها، وطرائف ثيابها، وصنوف ما يكون بها من الأمتعة، والطيب، والتجارات، فتصيبين ما لا غناء للملوك عنه، مع أرباح عظيمة، فإنّه لا طرائف كطرائف العراق.» فلم يزل بها يزيّن لها ذلك، حتّى سرّحته، ودفعت إليه أموالا، وجهّزت معه عيرا، وقالت: - «انطلق إلى العراق، فبع بها ما جهّزناك به، وابتع لنا طرائف ما يكون بها.» فسار قصير، وأتى الحيرة متنكّرا، فدخل على عمرو، وأخبره بالخبر، وقال: - «جهّزنى بالبزّ والطرف من الأمتعة، لعلّ الله يمكّن من الزبّاء، فتصيب ثأرك،

стр. 111

وتقتل عدوّك.» فأعطاه حاجته، وجهّزه بصنوف الثياب وغيرها. فرجع بذلك كلّه إلى الزبّاء [٩٢] فعرضه عليها. فأعجبها ما رأت، وازدادت به ثقة، وإليه طمأنينة، ثمّ جهّزته بأكثر ممّا كانت جهّزته به. فسار حتّى قدم العراق، ولقى عمرو بن عدىّ، وحمل من عنده ما ظنّ أنّه موافق للزبّاء، ولم يترك جهدا ولا حيلة في طرفة ولا متاع قدر عليه إلّا حمله إليها. ثمّ عاد الثالثة إلى العراق. فقال لعمرو: - «اجمع إلىّ ثقات قومك وأصحابك وجندك، وهيّئ لى الغرائر [١] والمسوح [٢] .» وحمل كلّ رجلين في غرارتين، وجعل معقد رؤوس الغرائر من باطنها، وقال: - «إذا دخلنا مدينة الزبّاء، أقمتك على باب نفقها، وخرجت الرجال من الغرائر، فصاحوا بأهل المدينة، فمن قاتلهم قتلوه، وإذا أقبلت الزبّاء تريد النفق، حلّلتها بالسيف.» ففعل عمرو بن عدى جميع ذلك. فلمّا قرب من المدينة، تقدّم قصير إليها، وبشّرها، وأعلمها كثرة ما حمل إليها من الثياب، وسألها أن تخرج فتنظر إلى قطرات تلك الإبل، وما عليها من الأحمال. وكان قصير يكمن النهار ويسير بالليل. فخرجت الزبّاء فأبصرت [٩٣] الإبل. فلمّا توسّطت الإبل المدينة أنيخت، ودلّ قصير عمرا على باب النفق، وخرجت الرجال من الغرائر، وصاحوا بأهل المدينة، ووضعوا فيهم السلاح. وقام عمرو بن عدىّ بباب النفق، وأقبلت الزبّاء مبادرة تريد النفق لتدخله. فأبصرت عمرا قائما، فعرفته بالصورة التي صوّرها المصوّر، فمصّت خاتمها وكان فيه سمّ، وقالت:

стр. 112

- «بيدي، لا بيدك يا عمرو!» فحلّلها بالسيف، فقتلها وأصاب ما أصاب، وانكفأ [١] سالما. عمرو بن عدىّ وصار الملك بعد جذيمة لعمرو بن عدىّ بن نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن عمرو بن نمارة بن لخم، وهو أول من اتّخذ الحيرة منزلا من ملوك العرب، وإليه تنسب ملوك آل نصر، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة، لا يدين لملوك الطوائف، ولا يدينون له، حتّى قدم أردشير بن بابك في أهل فارس، فكان من أمرهم ما كان. [٢] ولم يكن لملوك اليمن نظام قبل آل نصر، وإنّما كان الرئيس يكون ملكا على مخلافه [٣] ومحجره [٤] ، ولا يتجاوزه، [٩٤] فإن نبغ منهم نابغ مثل تبّع وغيره، فتجاوز ذلك، فإنّما هو عن غير نظام ولا ملك موطّد [له] [٥] ولا لآبائه، ولا لأبنائه، ولكن كالذي يكون من بعض من تشرّد، فيغير عند الغرّة، فإذا قصده الطلب، لم يكن له ثبات. فكذلك كان أمر ملوك اليمن كان الواحد منهم بعد الواحد، في قديم الدهر، يخرج من مخلافه ومحجره أيّاما، فيصيب ما مرّ به، ثمّ يتشمّر عند الطلب [٦] راجعا إلى موضعه من غير أن يدين له أحد من غير أهل مخلافه ومحجره بالطاعة، أو يؤدّى إليه خرجا إلّا ما يصيب على جهة الغارة، حتى كان عمرو بن عدىّ، إبن أخت جذيمة، فإنّه اتّصل له ولعقبه ولأسبابه الملك على من كان بنواحي العراق، وبادية الحجاز، باستعمال ملوك فارس إيّاهم

стр. 113

واستكفائهم أمر من وليهم من العرب. طسم وجديس وممّن أساء السيرة فاصطلم [١] ، طسم وجديس [٢] ، وكانوا في أيّام ملوك الطوائف. فأما طسم فكان الملك [٩٥] فيهم، وكانوا ساكني اليمامة، وهي إذ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها وأكثرها خيرا، لهم فيها صنوف الثمار، ومعجبات الحدائق والقصور الشامخة. وكان ملكهم ظلوما غشوما راكبا هواه. فكان مما لقوا من ظلمه: أنه أمر ألّا تهدى بكر من جديس إلى زوجها حتى تدخل عليه فيفترعها [٣] . فغبر على ذلك دهرا، حتى أنف منهم رجل يقال له: الأسود بن عفار [٤] . فقال لرؤساء قومه: - «قد ترون ما نحن فيه من العار والذلّ، الذي ينبغي للكلاب أن تعافه، وتمتعض منه، فأطيعونى، فإنّى أدعوكم إلى عزّ الدهر ونفى الذلّ.» قالوا: «وما ذاك؟» فأخذ عهودهم إلى أن وثق ثم قال: - «إنّى صانع للملك طعاما، فإذا حضر نهضنا إليهم بأسيافنا، فانفردت به فقتلته، وأجهز كلّ رجل منكم على جليسه.» فأجابوه إلى ذلك، واجتمع رأيهم عليه. فاتّخذ طعاما وأمر قومه، فانتضوا سيوفهم ودفنوها في الرمل، وقال: - «إذا أتاكم [٩٦] القوم يرفلون في حللهم فخذوا سيوفكم ثم شدّوا عليهم قبل

стр. 114

أن يأخذوا مجالسهم، ثم اقتلوا الرؤساء، فإنّكم إذا قتلتموهم لم تكن السفلة شيئا.» وحضر الملك، فقتل وقتل الرؤساء، ثم شدّوا على البقيّة، فأفنوهم. حدّة بصر اليمامة فهرب رجل من طسم يقال له: رياح بن مرّة، حتى أتى حسان بن تبّع، فاستغاث به. فخرج حسّان بن تبّع في حمير، فلمّا كان من اليمامة على ثلاث، قال له رياح: - «أبيت اللعن، إنّ لى أختا متزوّجة في جديس يقال لها: اليمامة، ليس على وجه الأرض أبصر منها. إنها لتبصر الراكب من مسيرة ثلاث، وإنى أخاف أن تنذر القوم، فمر أصحابك، فليقطع كلّ رجل منهم شجرة فيجعلها أمامه.» ففعلوا ذلك، فأبصرتهم، فقالت لجديس: - «لقد سارت حمير.» فكذّبوها وقالوا: - «ما الذي ترين؟» قالت: «أرى رجلا في شجر معه كتف يتعرّقها [١] أو نعل يخصفها.» فلم يستمعوا منها، واستهانوا، فكان كما قالت. وصبّحهم حسّان فأبادهم [٩٧] وأخرب بلادهم، وهدّم قصورهم وحصونهم. وأتى حسّان باليمامة ففقأ [٢] عينها، وقالت العرب في ذلك الأشعار، وهي معروفة.

стр. 115

الساسانيّة [١] ومن عاصرهم أردشير بن بابك ثمّ لمّا استولى أردشير بن بابك [٢] على الأرمانيّين (وهم ملوك العراق وأنباط السواد، وكان كلّ واحد منهم يقاتل صاحبه، فاستولى أردشير عليهما، وقتل الأردوان- ويسمّى «شاهنشاه» ) ، كره كثير من تنوخ أن يقيموا في مملكته، فخرجوا، فلحقوا بالشام، وانضمّوا إلى من كان هناك، وكان ناس من العرب يحدثون الأحداث لو تضيق بهم المعيشة، فيخرجون إلى ريف العراق وينزلون الحيرة على ثلاثة أثلاث: الثلث [الأوّل [٣]] : «تنوخ» ، وهم [٤] من كان يسكن المظالّ وبيوت الشعر والوبر في غربىّ الفرات فيما بين الحيرة والأنبار وما فوقها. والثلث الثاني: «العبّاد» ، وهم الذين سكنوا الحيرة وابتنوا بها. والثلث الثالث: «الأخلاف» ، وهم الذين لحقوا بأهل الحيرة ونزلوا فيهم ممن لم تكن من تنوخ الوبر [٩٨] ولا من العبّاد الذين دانوا لأردشير. وكانت الحيرة والأنبار جميعا بنيتا في زمن بختنصّر، فخربت الحيرة لما تحول أهلها عند هلاك بختنصّر إلى الأنبار، وعمرت الأنبار خمسمائة وخمسين سنة إلى أن عمرت الحيرة في زمن عمرو بن عدىّ باتّخاذه إيّاها منزلا، فعمرت الحيرة خمسمائة وبضعا وثلاثين سنة، إلى أن

стр. 116

وضعت الكوفة، ونزلها المسلمون. ودبّر أردشير أمر الفرس والعرب، وردّ نظام الملك، وكان حازما أريبا كثير الاستشارة طويل الفكر، معتمدا في تدبيره على رجل فاضل من الفرس يعرف ب «تنسر» ، وكان هربذا. فلم يزل يدبّر أمره ويجتمع معه على سياسة الملك، إلى أن أطاعه من جاوره من ملوك الطوائف، وعرفوا فضله، ودخلوا تحت رايته رهبة ورغبة، وحارب من امتنع منهم عليه. وله مكايد وحروب يطول الكتاب بذكرها. فمن أحسن ما حفظ له عهده إلى الملوك بعده، وهذه نسخته: [٩٩] عهد أردشير - «باسم ولىّ الرحمة. [١] من ملك الملوك أردشير بن [٢] بابك، إلى من يخلفه [٣] بعقبه من ملوك فارس، السلام والعافية. أمّا بعد [٤] ، فإنّ صيغ [٥] الملوك على غير صيغ [٦] الرعية، فالملك يطبعه [٧] العزّ والأمن والسرور والقدرة، على طباع الأنفة والجرأة والعيث [٨] والبطر. ثم كلّما ازداد في العمر تنفّسا وفي الملك سلامة، زاده [٩] في هذه الطبائع الأربع [١٠] ، حتّى يسلمه [١١] إلى سكر السلطان الذي هو أشدّ من سكر الشراب، فينسى النكبات والعثرات [١٢] والغير

стр. 117

والدوائر وفحش تسلّط الأيام، ولؤم غلبة الدهر، فيرسل يده ولسانه بالفعل والقول. وقد قال الأوّلون منّا: عند حسن الظنّ بالأيّام تحدث الغير. وقد كان من الملوك من يذكّره عزّه الذلّ، وأمنه الخوف، وسروره الكآبة، وبطره [السوقة] [١] ، [وقدرته المعجزة] [٢] ، ولا حزم إلّا في جميعها. - «اعلموا أنّ الذي أنتم [١٠٠] لاقون بعدي، هو الذي لقيني [٣] من الأمور، وهي بعدي واردة عليكم [بمثل الذي وردت به علىّ] [٤] ، فيأتيكم السرور والأذى في الملك من حيث أتيانى، وأن منكم من سيركب الملك صعبا فيمنى من شماسه [٥] وجماحه وخبطه واعتراضه بمثل الذي منيت به. [٦] ومنكم من سيرث الملك عن الكفاة المذلّلين له مركبه، وسيجرى على لسانه ويلقى فيه قلبه [٧] أن قد فرع [٨] له، وكفى، واكتفى وفرغ للسعي في العبث والملاهي [٩] ، وأنّ من قبله من الملوك إلى التوطيد له أجروا، وفي التمكين له سعوا، وأن قد خصّ بما حرموا، وأعطى ما منعوا، فيكثر أن يقول مسرّا ومعلنا: خصّوا بالعمل وخصصت بالدعة، وقدّموا

стр. 118

قبلي إلى الغرر، وخلّفت في الثقة. وهذا الباب من الأبواب التي تكسر سكور [١] الفساد، ويهاج بها قربات [٢] البلاء، ويغنى البصير اللطيف ما ينتهك من الأمور في ذلك [٣] . فإنّا قد رأينا الملك الرشيد السعيد المنصور المكفىّ المظفر [١٠١] الحازم في الفرصة، البصير بالعورة، اللطيف [للشبهة] [٤] المبسوط له في العلم والعمر، يجتهد فلا يعدو [٥] صلاح ملكه حياته [٦] ، إلّا أن يتشبّه به متشبّه. ورأينا الملك القصير عمره، القريبة مدّته، إذا كان سعيه بإرسال اللسان بما قال، واليد بما عملت، بغير تدبير [٧] يدرك، أفسد جميع ما قدّم له من الصلاح قبله، ويخلّف المملكة خرابا على من بعده [٨] . - «وقد علمت أنكم ستبلون [٩] مع الملك بالأزواج والأولاد والقرناء والوزراء والأخدان والأنصار والأصحاب والأعوان والمتنصّحين والمتقربين والمضحكين والمزيّنين [١٠] : كلّ هؤلاء- إلّا قليلا- أن يأخذ لنفسه أحبّ إليه من أن يعطى منها، وإنّما عمله لسوق يومه وحياة غده. فنصيحته الملوك [١١] فضل نصيحته لنفسه، وغاية الصلاح عنده صلاح نفسه، وغاية الفساد عنده فسادها.

стр. 119

يجعل نفسه هي العامّة، والعامّة [١] هي الخاصّة: فإن [٢] خصّ بنعمة دون الناس فهي عنده نعمة عامّة، وإذا عمّ [١٠٢] الناس بالنصر على العدوّ، والعدل في البيضة، والأمن على الحريم، والحفظ للأطراف، والرأفة من الملك، والاستقامة من الملك، ولم يخصص من ذلك بما يرضيه، سمّى تلك النعمة نعمة خاصّة. ثم أكثر شكيّة [٣] الدهر، ومذمّة الأمور. يقيم للسلطان سوق المودّة ما أقام له سوق الأرباح، ولا يعلم ذلك الوزير والقرين أنّ في التماس الربح على السلطان فساد جميع الأمور [٤] ، وقد قال الأوّلون منّا: رشاد الوالي خير للرعيّة من خصب الزمان [٥] . - «واعلموا أنّ الملك والدين أخوان توأمان. لا قوام لأحدهما إلّا بصاحبه، لأنّ الدين أسّ الملك وعماده، [٦] وصار الملك بعد حارس الدين، فلا بدّ للملك من أسّه، ولا بدّ للدين من حارسه، فإنّ [٧] ما لا حارس له ضائع، وإنّ ما [٨] لا أسّ له مهدوم. وإنّ رأس ما أخاف عليكم مبادرة السفلة إيّاكم إلى دراسة الدين [وتلاوته والتفقّه فيه، فتحملكم الثقة بقوّة السلطان] [٩] على التهاون بهم [١٠] ، فتحدث في الدين رئاسات مستسرّات في من قد وترتم [١١] وجفوتم [١٠٣]

стр. 120

وحرمتم وأخفتم وصغّرتم من سفلة [١] الناس والرعيّة وحشو العامّة، ولم يجتمع [٢] رئيس في الدين مسرّ، ورئيس في الملك معلن، في مملكة واحدة قطّ، إلّا انتزع الرئيس في الدين ما في يد الرئيس في الملك، لأنّ الدين أسّ والملك عماد، وصاحب الأسّ أولى بجمع [٣] البنيان من صاحب العماد. - «وقد مضى قبلنا ملوك كان الملك منهم يتعهد الجملة بالتفسير [٤] والجماعات بالتفصيل [٥] ، والفراغ بالأشغال، كتعهّده جسده بقصّ فضول الشعر والظفر وغسل الدرن والغمر [٦] ومداواة ما ظهر من الأدواء وما بطن. وقد كان من أولئك الملوك من صحّة ملكه أحبّ إليه من صحّة جسده، وكان بما يخلّفه من الذكر [الجميل [٧]] المحمود، أفرح وأبهج منه بما يسمعه بأذنه في حياته. فتتابعت تلك الأملاك بذلك كأنهم ملك واحد، وكأنّ أرواحهم روح واحدة، يمكّن أوّلهم لآخرهم، ويصدّق آخرهم أوّلهم بجميع أنباء أسلافهم، ومواريث آرائهم [٨] ، وصياغات عقولهم، عند الباقي منهم بعدهم، فكأنّهم جلوس [١٠٤] معه، يحدّثونه، ويشاورونه [٩] ، حتى كان على رأس دارا بن دارا ما كان، وغلبة [١٠] الإسكندر على ما غلب [١١] من ملكنا. فكان إفساده أمرنا، وتفريقه جماعتنا، وتخريبه عمران مملكتنا، أبلغ له في ما أراد من سفك دمائنا. فلمّا أذن الله في

стр. 121

جمع مملكتنا ودولة أحسابنا، كان من ابتعاثه [١] إيّانا ما كان، وبالاعتبار [٢] تتّقى الغير، ومن يخلفنا أوجد للاعتبار، منّا، لما استدبروا من أعاجيب ما أتى علينا. - «واعلموا أنّ سلطانكم إنّما هو على أجساد الرعيّة، وأنّه لا سلطان للملوك على القلوب. واعلموا أنكم إن غلبتم الناس على ذات [٣] أيديهم، فلن تغلبوهم على عقولهم. واعلموا أنّ العاقل [المحروم] [٤] سالّ عليكم لسانه، وهو أقطع سيفيه، وإنّ أشدّ ما يضربكم [٥] به من لسانه، ما صرف الحيلة فيه إلى الدين: فكأنّ بالدين يحتجّ وللدين- فيما يظهر- يغضب، فيكون للدين بكاؤه، وإليه دعاؤه، و [٦] هو أوجد للتابعين والمصدّقين والمناصحين والمؤازرين [١٠٥] منكم. لأنّ بغضة الناس هي موكّلة بالملوك، ومحبّتهم ورحمتهم موكلّة بالضعفاء المغلوبين. وقد كان من قبلنا من الملوك يحتالون لعقول من يحذرون، بتخريبها، فانّ العاقل لا تنفعه [جودة] [٧] نحيزته [٨] إذا صيّر عقله خرابا [مواتا] [٩] ، وكانوا يحتالون للطاعنين بالدين على الملوك، فيسمّونهم المبتدعين. فيكون الدين هو الذي يقتلهم ويريح الملوك منهم. ولا ينبغي للملك أن يعترف للعبّاد والنسّاك [والمتبتّلين] [١٠] أن يكونوا أولى بالدين، ولا أحدب [١١] عليه، ولا أغضب له منه. ولا ينبغي للملك أن يدع

стр. 122

النسّاك بغير الأمر والنهى لهم في نسكهم [ودينهم] [١] فإنّ خروج النساك وغير النسّاك من الأمر والنهى عيب على الملوك وعيب على المملكة. وثلمة يتسنّمها الناس بنيّة [٢] الضرر للملك ولمن بعده. - «واعلموا أنّ مصير الوالي إلى [٣] غير أخدانه، وتقريبه غير وزرائه، فتح لأبواب [الأنباء] [٤] المحجوب [٥] عنه علمها. وقد قيل: إذا استوحش الوالي ممّن لم [١٠٦] يوطّن [٦] نفسه عليه، أطبقت عليه ظلم الجهالة [٧] ، وقيل: أخوف ما تكون العامّة آمن ما يكون الوزراء. - «اعلموا أنّ دولتكم تؤتى من مكانين: أحدهما غلبة بعض الأمم المخالفة لكم، والآخر فساد أدبكم [٨] . ولن يزال حريمكم من الأمم محروسا، ودينكم من غلبة الأديان محفوظا، ما عظّمت فيكم الولاة، وليس تعظيمهم بترك كلامهم، ولا إجلالهم بالتنحّى عنهم، ولا المحبّة لهم بالمحبّة لكل ما يحبّون. ولكن تعظيمهم تعظيم أديانهم وعقولهم، وإجلالهم إجلال منزلتهم من الله، ومحبّتهم محبّة إصابتهم، وحكاية الصواب عنهم.

стр. 123

- «واعلموا أنه لا سبيل إلى أن يعظّم الوالي إلّا بالإصابة في السياسة، ورأس إصابة السياسة أن يفتح الوالي لمن قبله من الرعية بابين: أحدهما باب رقّة ورحمة [ورأفة وتضرّع وبذل وتحنّن وإلطاف ومواساة ومؤانسة] [١] وبشر وتهلل [وعفو] [٢] وانبساط وانشراح، والآخر: باب غلظة وخشية [٣] وتعنّت [١٠٧] وتسدّد وإمساك ومباعدة وإقصاء ومخالفة ومنع وقطوب [٤] وانقباض [وتضييق وعقوبة] [٥] ومحقرة إلى أن يبلغ القتل. واعلموا انّى لم أسمّ [هذين البابين] [٦] باب رفق وباب عنف، ولكنّى [سمّيتهما] [٧] جميعا «بابى رفق» ، لأنّ [٨] فتح باب المكروه مع باب السرور هو أو شك لغلقه [٩] ، حتّى لا يبتلى به أحد. و [١٠] في الرعيّة من الأهواء الغالبة للرأى والفجور المستثقل للدين والسفلة الحنقة على الوجوه بالنفاسة والحسد، ما لا بدّ معه أن يقرن بباب الرأفة باب الغلظة، وبباب الاستبقاء باب القتل، وقد يفسد الوالي بعض الرعيّة من حرصه على صلاحها، ويغلظ [١١] عليها من رقّته لها [١٢] ، ويقتل [١٣] فيها من حرصه على حياتها. - «واعلموا أنّ قتالكم الأعداء من الأمم قبل قتالكم الأدب من أنفس رعيّتكم، ليس بحفظ، ولكنّه إضاعة. وكيف يجاهد العدوّ

стр. 124

بقلوب مختلفة، وأيد متعادية. وقد علمتم أنّ الذي بنى عليه الناس، [١٠٨] وجبلت عليه الطباع [١] ، حبّ الحياة وبغض الموت، [وأنّ الحرب تباعد من الحياة وتدنى من الموت] [٢] ، فلا دفع ولا منع [٣] ولا صبر ولا محاماة مع هذا، إلّا بأحد وجهين: إمّا بنيّة، والنيّة ما لن يقدر على الوالي عند الناس بعد النيّة التي تكون في أوّل الدولة، وإمّا بحسن الأدب وإصابة السياسة. «واعلموا أنّ بدء ذهاب الدول [٤] من قبل إهمال الرعية بغير أشغال معروفة، ولا أعمال معلومة. فإذا فشى الفراغ [في الناس] [٥] ، تولّد منه النظر في الأمور، والفكر في الأصول. فإذا نظروا في ذلك، نظروا فيه بطبائع مختلفة، فتختلف بهم المذاهب، ويتولّد من اختلاف مذاهبهم، تعاديهم وتضاغنهم وتطاعنهم [٦] ، وهم في ذلك مجتمعون- في اختلافهم- على بغض الملوك، لأنّ كل صنف منهم إنما يجرى إلى فجيعة الملك بملكه، ولكنهم لا يجدون سلّما إلى ذلك [٧] أوثق من الدين، ولا أكثر أتباعا، ولا أعزّ امتناعا، ولا أشدّ على الناس صبرا [٨] . ثم يتولّد من تعاديهم [١٠٩] أنّ الملك لا يستطيع جمعهم على هوى واحد، فإذا انفرد ببعضهم، فهو عدوّ بقيّتهم، ثم تتولّد من عداوتهم [للملك] [٩] كثرتهم، فإنّ من شأن العامّة الاجتماع على استثقال الولاة والنفاسة [١٠] عليهم. لأنّ في

стр. 125

الرعيّة المحروم، والمضروب، والمقام عليه وفيه وفي حميمه الحدود، والداخل عليه بعزّ الملك الذلّ في نفسه وخاصّته. فكلّ هؤلاء يجرى إلى متابعة أعداء الملك. ثمّ يتولّد من كثرتهم أن يجبن الملك عن الإقدام عليهم، فإنّ إقدام الملك على جميع الرعيّة تغرير [١] بملكه ونفسه، ويتولّد من جبن الولاة عن تأديب العامة تضييع الثغور التي فيها الأمم من ذوى الدين والبأس، لأنّ الملك إن سدّ الثغور بخاصّته المناصحين له، وخلت [٢] به العامّة الحاسدة المعادية [٣] ، لم يعد بذلك تدريبهم في الحرب، وتقويتهم في السلاح، وتعليمهم المكيدة مع البغضة، فهم عند ذلك أقوى عدو [وأضرّه، وأحنقه] [٤] ، وأحضره، وأخلقه بالظفر، ولا بدّ من استطراد [١١٠] هذا كله إذا ضيّع أوّله. - «فمن ألفى منكم الرعيّة بعدي وهي على حال أقسامها الأربعة التي هي: أصحاب الدين، والحرب، والتدبير، والخدمة- من ذلك: الأساورة صنف، والعبّاد والنسّاك وسدنة النيران صنف، والكتّاب والمنجّمون والأطبّاء صنف، والزرّاع والمهّان والتجار صنف- فلا يكوننّ بإصلاح جسده أشدّ اهتماما منه بإحياء تلك الحال، وتفتيش ما يحدث فيها من الدخلات [٥] ، ولا يكوننّ لانتقاله عن الملك بأجزع منه من انتقال صنف من هذه الأصناف إلى غير مرتبته. لأنّ تنقّل الناس عن مراتبهم سريع في نقل الملك عن ملكه: إمّا إلى

стр. 126

خلع، وإمّا إلى فتك. فلا يكوننّ من شيء من الأشياء أوحش بتّة [١] من رأس صار ذنبا، أو ذنب صار رأسا، أو يد مشغولة أحدثت فراغا، أو كريم ضرير، أو لئيم مرح. فانّه يتولّد من تنقّل الناس عن حالاتهم، أن يلتمس كلّ امرئ منهم أشياء فوق مرتبته. [١١١] فإذا انتقل أو شك أن يرى أشياء أرفع مما انتقل إليه، فيغبط وينافس. وقد علمتم أنّ من الرعيّة أقواما هم أقرب الناس من الملوك حالا. وفي تنقّل الناس عن حالاتهم مطمعة للذين يلون الملوك في الملك، ومطمعة للذين دون الذين يلون الملوك في تلك الحال، وهذا لقاح بوار الملك. - «ومن ألفى منكم الرعيّة وقد أضيع [٢] أوّل أمرها، فألفاها في اختلاف من الدين، واختلاف [٣] من المراتب، وضياع من العامّة، وكانت به على المكاثرة قوّة، فليكاثر [٤] بقوّته ضعفهم، وليبادر بالأخذ بأكظامهم قبل أن يبادروا بالأخذ بكظمه [٥] ، ولا يقولنّ: أخاف العسف [٦] . فإنّما يخاف العسف من يخاف جريرة العسف على نفسه، فأمّا إذا كان العسف لبعض الرعيّة صلاحا لبقيّتها، وراحة له ولمن بقي معه من الرعيّة، من النغل [٧] والدغل والفساد، فلا يكوننّ إلى شيء بأسرع منه إلى [١١٢] ذلك، فإنّه ليس نفسه ولا أهل موافقته يعسف، ولكنّما [٨] يعسف عدوّه. - «ومن ألفى منكم الرعيّة في حال فسادها، ولم ير بنفسه عليها

стр. 127

قوّة في [إ] صلاحها [١] ، فلا يكوننّ لقميص قمل [٢] بأسرع خلعا منه لما لبس من ذلك الملك، وليأته البوار- إذا أتاه- وهو غير مذكور بشؤم، ولا منوّه به في دنياه [٣] ، ولا مهتوك به ستر ما في يديه. - «واعلموا أنّ فيكم من يستريح إلى اللهو والدعة، ثم يديم من ذلك ما يورثه خلقا وعادة. فيكون ذلك لقاح جدّ لا لهو فيه، وتعب لا خفض [٤] فيه [٥] ، مع الهجنة في الرأى والفضيحة في الذكر. وقد قال الأولون منّا: لهو رعيّة الصدق بتقريظ الملوك، ولهو ملوك الصدق بالتودّد إلى الرعيّة. - «واعلموا أنّ من شاء منكم ألّا يسير بسيرة إلّا [٦] قرّظت له فعل، ومن شاء منكم بعث العيون على نفسه فأذكاها، فلم تكن الناس بعيب نفوسهم بأعلم منه بعيبه. - «ثم إنه ليس منكم [١١٣] ملك إلّا كثير الذكر لمن يلي الأمر بعده، ومن فساد الرعيّة [٧] نشر أمور ولاة العهود، فإنّ في ذلك من الفساد أنّ أوّله دخول عداوة ممضّة [٨] بين الملك، وولى عهده، وليس يتعادى متعاديان بأشدّ من أن يسعى كلّ واحد منهما في قطع سؤل [٩] صاحبه. وهكذا الملك، وولى عهده: لا يسرّ الأرفع أن يعطى الأوضع سؤله في فنائه. ولا يسرّ هذا الأوضع أن يعطى الآخر سؤله في البقاء، ومتى يكن فرح أحدهما في الراحة من صاحبه،

стр. 128

تدخل كل واحد منهما وحشة من صاحبه في طعامه وشرابه، ومتى تداينا [١] بالتهمة، يتّخذ كلّ واحد منهما [أحبّاء وأخدانا وأهلا، ثم يدخل كلّ واحد منهما] [٢] وغر [٣] على أحبّاء صاحبه. ثم تنساق الأمور إلى هلاك أحدهما لما لا بدّ منه من الفناء، فتفضى الأمور إلى الآخر وهو حنق على جيل من الناس، يرى أنه موتور إن لم يحرمهم ويضعهم، وينزل بهم التي كانوا يريدون إنزالها به لو ولوا. فإذا وضع بعض الرعية وأسخط بعضا على هذه الجهة، [١١٤] تولّد من ذلك ضغن وسخط من الرعيّة، ثم ترامى ذلك إلى بعض ما أحذر عليكم بعدي. ولكن ليختر الوالي منكم لله، ثم للرعيّة، ثم لنفسه، وليّا للعهد من بعده، ثمّ ليكتب اسمه في أربع صحائف، فيختمها بخاتمه، فيضعها عند أربعة نفر [٤] من خيار أهل المملكة. ثم لا يكوننّ [٥] منه في سرّ ولا في علانية أمر يستدلّ به على ولىّ ذلك العهد، لا في إدناء وتقريب يعرف به، ولا في إقصاء وتنكّب يستراب له، وليتّق ذلك في اللحظة والكلمة. فإذا هلك، جمعت تلك الكتب التي عند الرهط الأربعة، إلى النسخة التي عند الملك، ففضضن جميعا، ثم نوّه بالذي وضع اسمه في جميعهن. فيلقى الملك- إذا لقيه- بحداثة عهده بحال السوقة [٦] ، فلبس ذلك الملك- إذا لبسه- ببصر السوقة، وسمعها، ورأيها. فإنّ في سكر السلطان الذي

стр. 129

سيناله [١] ، ما يكتفى به له [٢] من سكر ولاية العهد مع سكر الملك. فيصمّ ويعمى قبل لقاء الملك لصمم الملوك وعماهم، ثم يلقى الملك، فيزيده صمما وعمى مع ما يلقى في ولاية [١١٥] العهد من بطر السلطان، وحيلة العتاة، وبغى الكذّابين و [ترقية] [٣] النمّامين وتحميل الوشاة بينه وبين من فوقه. - «ثم اعلموا أنّه ليس للملك [أن يبخل، لأنه لا يخاف الفقر، وليس له] [٤] أن يكذب، لأنه لا يقدر أحد على استكراهه، وليس له أن يغضب، لأنّ الغضب والعداوة لقاح الشرّ والندامة، وليس له أن يلعب ولا يعبث، لأنّ العبث واللعب من عمل الفرّاغ، وليس له أن يفرغ، لأنّ الفراغ من أمر السّوق، وليس له أن يحسد إلّا ملوك الأمم على حسن التدبير، وليس له أن يخاف، لأنّ الخوف من المعور [٥] ، وليس له أن يتسلّط، إذ هو معور [٦] . - «واعلموا أنّ زين الملوك، في استقامة الحال: أن لا تختلف منه ساعات العمل والمباشرة، وساعات الفراغ والدعة، وساعات الركوب والنزهة، فإنّ اختلافها منه خفّة، وليس للملك أن يخفّ. - «اعلموا أنّكم لن تقدروا على ختم أفواه الناس من الطعن والإزراء عليكم، ولا قدرة بكم [٧] على أن تجعلوا القبيح حسنا [١١٦] .

стр. 130

- «واعلموا أنّ لباس الملك ومطعمه مقارب للباس السوقة ومطعمهم، وبالحرىّ أن يكون فرحهما بما نالا من ذلك واحدا. وليس فضل الملك على السوقة إلّا بقدرته على اقتناء المحامد واستفادة المكارم. فإنّ الملك إذا شاء أحسن، وليس السوقة كذلك. - «واعلموا أنّه يحقّ على الملك منكم أن يكون ألطف ما يكون نظرا، أعظم ما يكون خطرا، وألّا يذهب حسن أثره في الرعيّة خوفه لها، وألّا يستغنى بتدبير اليوم عن تدبير غد، وأن يكون حذره للملاقين أشدّ من حذره للمباعدين، وأن يتّقى بطانة السوء أشدّ من اتّقائه عامّة السوء، ولا يطمعنّ ملك في إصلاح العامّة إذا لم يبدأ بتقويم الخاصّة. - «واعلموا أنّ لكل ملك بطانة، وأنّ لكل رجل من بطانته بطانة، ثم لكلّ امرئ من بطانة البطانة بطانة، حتى يجتمع في ذلك [جميع] [١] أهل المملكة! فإذا أقام الملك بطانته على حال الصواب، أقام كل امرئ منهم بطانته [١١٧] على مثل ذلك حتى يجتمع على الصلاح عامّة الرعيّة. - «اعلموا أنّ الملك منكم قد تهون عليه العيوب، لأنّه لا يستقبل بها إن [٢] عملها حتى يرى أنّ الناس يتكاتمونها بينهم كمكاتمتهم إيّاه تلك العيوب. وهذا من الأبواب الداعية إلى طاعة الهوى، وطاعة الهوى داعية إلى غلبته، فإذا غلب الهوى اشتدّ علاجه من السوقة المغلوب [٣] فضلا عن الملك الغالب. - «اتّقوا بابا واحدا طالما أمنته فضرّنى، وحذرته فنفعني: احذروا

стр. 131

إفشاء السرّ عند الصغار من أهليكم وخدمكم، فانّه لا يصغر أحد منهم [عن] [١] حمل ذلك السرّ كاملا! لا يقول منه شيئا حتى يضعه حيث تكرهون، إمّا سقطا وإما غشّا [٢] ، والسقط أكثر ذلك. اجعلوا حديثكم لأهل المراتب، وحباءكم [٣] لأهل الجهاد، وبشركم لأهل الدين، وسرّكم عند من يلزمه خير ذلك وشرّه وزينه وشينه. [١١٨] «واعلموا أنّ صحة الظنون مفاتيح اليقين، وأنكم ستستيقنون من بعض رعيّتكم بخير وشرّ، وستظنّون ببعضهم خيرا وشرّا، فمن استيقنتم منه بالخير والشرّ، فليستيقن منكم بهما، ومن ظننتموهما به [٤] ، فليظنّهما بكم في أمره، فعند ذلك يبدو من المحسن إحسانه، فيخالف الظنّ فيغتبط [٥] ، ومن المسيء إساءته، فيصدق الظنّ به فيندم. «واعلموا أنّ للشيطان في ساعات من الدهر طمعا في السلطان عليكم، منها: ساعات الغضب والحرص والزهو، فلا تكونوا له في شيء من ساعات الدهر أشدّ قتالا منكم عندهنّ حتّى يتقشّعن. وكان يقال: اتّق مقارنة الحريص الغادر، فإنّه إن رءاك في القرب، رأى منك أخبث حالاتك، وإن رءاك في الفضول، لم يدعك وفضولك. أسعدوا [٦] الرأى على الهوى، فإنّ ذلك تمليك للرأى. واعلموا أنّ

стр. 132

من شأن الرأى الاستخذاء [١] للهوى، إذا جرى الهوى على عادته. وقد عرفنا [١١٩] رجالا كان الرجل منهم يؤنس من قوّة طباعه، ونبالة رأيه ما تريه نفسه أنّه على إزاحة الهوى عنه، وإن جرى على عادته، ومعاودته الرأى، وإن طال به عهده قادر، لثقة يجدها بقوّة الرأى. فإذا تمكّن الهوى منه، فسخ عزم رأيه، حتى يسمّيه كثير من الناس ناقصا في العقل. فأمّا البصراء فيستبينون من عقله عند غلبة الهوى عليه ما يستبان من الأرض الطيّبة الموات. - «واعلموا أنّ في الرعية صنفا من الناس هم بإساءة الوالي أفرح منهم بإحسانه، وإن كان الوالي لم يترهم، وكان الزمان لم ينكبهم، وذلك لاستطراف حادثات الأخبار، فإنّ استطراف الأخبار معروف من أخلاق حشو الناس. ثمّ لا طرفة عندهم فيما اشتهر، فجمعوا في ذلك سرور كلّ عدو لهم ولعامّتهم مع ما وتروا به أنفسهم وولاتهم. فلا دواء لأولئك إلّا بالأشغال. وفي الرعية صنف وتروا [٢] الناس [١٢٠] كلّهم وهم الذين قووا على جفوة الولاة، ومن قوى على جفوتهم فهو غير سادّ ثغرا ولا مناصح [٣] إماما، ومن غشّ الإمام فقد غشّ العامّة وإن ظنّ أنه للعامة مناصح، وكان يقال: لم ينصح عملا من غشّ عامله. - «وفي الرعيّة صنف تركوا إتيان الملوك من قبل أبوابهم وأتوهم من قبل وزرائهم. فليعلم الملك منكم أنّ من أتاه من قبل بابه فقد آثره بنصيحته [٤] إن كانت عنده، ومن أتاه من قبل وزرائه فهو موثر للوزير على الملك في جميع ما يقول ويفعل.

стр. 133

- «وفي الرعيّة صنف دعوا إلى أنفسهم الجاه، بالإباء والردّ له، ووجدوا ذلك عند المغفّلين نافقا [١] ، وربّما قرّب الملك الرجل من أولئك لغير نبل في رأى، ولا إجزاء [٢] في العمل، ولكن الإباء والردّ أغرياه به [٣] . - «وفي الرعيّة صنف أظهروا التواضع، واستشعروا الكبر. فالرجل منهم يعظ الملوك زاريا عليهم بالموعظة، يجد ذلك أسهل طريقي طعنه عليهم [١٢١] ويسمّى هو ذلك- وكثير ممن معه- تحرّيا [٤] للدين. فإن أراد الملك هو انهم لم يعرف لهم ذنبا يهانون عليه [٥] ، وإن أراد إكرامهم فهي منزلة حبوا بها أنفسهم على رغم الملوك، وإن أراد إسكاتهم كان السماع في ذلك أنّه استثقل ما عندهم من حفظ الدين، وإن أمروا بالكلام قالوا [ما يفسد ولا يصلح] [٦] . فأولئك أعداء الدول وآفات الملوك. فالرأى للملوك تقريبهم من الدنيا، فإنّهم إليها أجروا [٧] ، وفيها [٨] عملوا، ولها سعوا، وإيّاها أرادوا. فإذا تلوّثوا [٩] فيها بدت فضائحهم، وإلّا فإنّ فيما يحدثون ما يجعل للملوك سلّما إلى سفك دمائهم. وكان بعض الملوك يقول: القتل أقلّ للقتل. - «وفي الرعيّة صنف أتوا الملوك من قبل النصائح لهم، والتمسوا صلاح منازلهم بإفساد منازل الناس. فأولئك أعداء الناس وأعداء

стр. 134

الملوك، ومن عادى الملوك وجميع الرعيّة، فقد عادى نفسه. - «واعلموا أنّ الدهر [١٢٢] حاملكم على طبقات، منهنّ: حال السخاء حتى تدنو من السرف، ومنهن: حال التقتير [١] حتى تقرب من البخل، ومنهنّ: حال الأناة، حتى تصير إلى البلادة، ومنهنّ: حال المناهزة للفرصة حتى تدنو من الخفّة، ومنهنّ حال الطلّاقة في اللسان حتى تدنو من الهذر، ومنهنّ: حال الأخذ بحكم الصمت حتى تدنو من العىّ، فالملك منكم جدير أن يبلغ من كلّ طبقة في محاسنها حدّها، فإذا وقف على الحدود التي ما وراءها سرف، ألجم نفسه عمّا وراءها. - «واعلموا أنّ الملك منكم ستعرض له شهوات في غير ساعاتها. والملك إذا قدّر ساعة العمل، وساعة الفراغ، وساعة المطعم، وساعة المشرب، وساعة الفضيلة [٢] ، وساعة اللهو، كان جديرا ألّا يعرف منه [٣] الاستقدام بالأمور، ولا الاستيخار عن ساعاتها. فإنّ اختلاف ذلك يورث مضرّتين: إحداهما السخف، وهي أشدّ الأمرين، [١٢٣] والأخرى نقص الجسد، بنقص أقواته وحركاته. - «واعلموا أنّ من ملوككم من سيقول: لى الفضل على من كان قبلي من آبائي وعمومتي ومن ورثت عنه هذا الأمر، لبعض الإحسان يكون منه. فإذا قال ذلك، سوعد [٤] عليه بالمتابعة [٥] له.

стр. 135

فليعلم ذلك الملك والمتابعون [١] : إنما [٢] وضعوا أيديهم وألسنتهم في قصب [٣] آبائه من الملوك وهم لا يشعرون. ولبالحرىّ أن يشعر بعض المتابعين له فيغمّض [٤] على ما لا يحزنه من ذلك. - «واعلموا أنّ ابن الملك وأخاه وعمّه [٥] وابن عمّه كلّهم يقول: كدت أن أكون ملكا، وبالحرىّ ألّا أموت حتى أكون ملكا، فإذا قال ذلك، قال ما لا يسرّ الملك. فإن كتمه، فالداء في كلّ مكتوم، وإن أظهره كلم [٦] في قلب الملك كلما [٧] يكون لقاحا للتباين والتعادي. وستجدون [٨] القائل ذلك من المتابعين والمحتملين [٩] والمتمنّين، ما تمنّى لنفسه ما يريده [١٠] ، إلّا [١١] [١٢٤] ما اشتاق إليه شوقا. فإذا تمكّن في صدره الأمل، لم يرج النيل له، إلّا في اضطراب من الحبل [١٢] ، وزعزعة تدخل على الملك وأهل المملكة. فإذا تمنّى ذلك فقد جعل الفساد سلّما إلى الصلاح، ولم يكن الفساد سلّما إلى صلاح قطّ. وقد رسمت لكم في ذلك مثالا لا مخرج لكم منه إلّا به. اجعلوا أولاد الملك من بنات عمومتهم. ثمّ لا يصلح من أولاد بنات الأعمام، إلّا كامل غير سخيف العقل، ولا عازب الرأى، ولا ناقص الجوارح، ولا معيوب عليه في الدين. فإنّكم إذا فعلتم ذلك، قلّ طلّاب الملك، وإذا قلّ طلّابه استراح كلّ امرئ على جديلته، وعرف

стр. 136

حاله [١] ، وغضّ بصره، ورضى بمعيشته واستطاب زمانه. - «واعلموا أنّه سيقول قائل من عرض [٢] رعيّتكم، أو من ذوى قرابتكم: ما لأحد علىّ فضل و [٣] لو كان لى ملك..، فإذا قال ذلك فإنّه قد تمنّى الملك [١٢٥] [٤] وهو لا يشعر، ويوشك أن يتمنّاه بعد ذلك وهو يشعر. فلا يرى ذلك من رأيه خطلا [٥] ، ولا من فعله زللا، وإنّما يستخرج ذلك فراغ القلب واللسان ممّا يكلّف أهل الدين والكتّاب والحسّاب، أو فراغ اليد ممّا يكلّف الأساورة، أو فراغ البدن مما يكلّف التجّار، والمهنة، والخدم. واعلموا أنّ الملك ورعيّته جميعا يحقّ عليهم ألّا يكون للفراغ عندهم موضع، فإنّ التضييع في فراغ الملك، وفساد المملكة في فراغ الرعيّة. - «واعلموا أنّا على فضل قوّتنا، وإجابة الأمور إيّانا، وحدّة دولتنا، وشدة بأس أنصارنا، وحسن نيّة وزرائنا، لم نستطع إحكام تفتيش الناس، حتى بلغنا من الرعيّة مكروهها، ومن أنفسنا مجهودها. - «واعلموا أنّه لا بدّ من سخط سيحدث منكم على بعض أعوانكم المعروفين بالنصيحة لكم، ولا بدّ من رضى سيحدث لكم من بعض أعدائكم المعروفين بالغشّ لكم، فلا تحدثوا، عند ما يكون من ذلك، انقباضا عن المعروف [١٢٦] بالنصيحة، ولا استرسالا إلى

стр. 137

المعروف بالغشّ. - «قد خلّفت لكم رأيى، إذ لم أستطع تخليف بدني، وقد حبوتكم بما حبوت به نفسي وقضيت حقّكم فيما آسيتكم به من رأى. فاقضوا حقّى بالتشفيع لى في صلاح أنفسكم والتمسك بعهدي إليكم. فإنّى قد عهدت إليكم عهدي، وفيه صلاح جميع ملوككم وعامّتكم وخاصّتكم. ولن تضيعوا ما احتفظتم بما رسمت لكم ما لم تصنعوا [١] غيره. فإذا تمسّكتم به، كان علامة في بقائكم ما بقي الدهر. - «ولولا اليقين بالبوار النازل على رأس الألف من السنين [٢] ، لظننت أنّى قد خلّفت فيكم ما إن تمسّكتم به، كان علامة في بقائكم الدهر. ولكن القضاء إذا جاءت أيّامه، أطعتم أهواءكم، واستثقلتم ولاتكم، وأمنتم وتنقّلتم عن مراتبكم وعصيتم خياركم [وأطعتم شراركم] [٣] ، وكان أصغر ما تخطئون فيه سلّما إلى أكبر منه حتى تفتقوا ما رتقنا، [وتوهوا ما وثّقنا] [٤] ، وتضيعوا ما حفظنا. والحقّ [٥] علينا وعليكم [١٢٧] ألّا نكون [٦] للبوار أغراضا، وفي الشؤم أعلاما. فإنّ الدهر إذا أتى بالذي تنتظرون، اكتفى بوحدته [٧] . ونحن ندعو الله لكم بنماء المنزلة، وبقاء الدولة، دعوة لا يفنيها فناء قائلها حتّى المنقلب [٨] ، ونسأل الله الذي عجّل بنا وخلّفكم، أن يرعاكم رعاية يرعى بها ما تحت أيديكم [وأن يرفعكم رفعة يضع بها من

стр. 138

عاداكم] [١] ، ويكرمكم كرامة يهين بها من ناوأكم. ونستودعكم الله وديعة يكفيكم بها الدهر الذي يسلّمكم إلى [٢] زياله [٣] وغيره [وعثراته] [٤] وعداوته، والسلام على أهل الموافقة ممّن يأتى عليه العهد [٥] من الأمم الكائنة بعدي [٦] .» ثم انتهى الملك إلى سابور بن أردشير [٧] فمن وجوه المكائد الغريبة [٨] ما تمّ على رجل من الجرامقة [٩] يقال له: الساطرون، وهو الذي تسمّيه العرب: الضيزن، وكان ينزل بجبال تكريت بين دجلة والفرات في مدينة يقال لها: الحضر [١٠] . وزعم هشام بن الكلبي أنّه من العرب من قضاعة، وأنّه ملك أرض الجزيرة، وكان معه من قبائل قضاعة [١٢٨] ما لا يحصى، وبلغ ملكه الشام. ثم إنه تطرّف [١١] بعض السواد في غيبة لسابور إلى ناحية خراسان. فلمّا قدم من غيبته، شخص إليه حتى أناخ على حصنه، وتحصّن الضيزن، كما قال الأعشى ميمون بن قيس، سنتين، لا يقدر سابور على الوصول إليه، وهو قوله: ألم تر للحضر إذ أهله ... بنعمى، وهل خالد من نعم

стр. 139

أقام به شاهبور الجنو ... د [١] حولين يضرب فيه القدم [٢] وكان للضيزن هذا ابنة يقال لها: النضيرة، عركت [٣] فأخرجت إلى ربض المدينة- وكذلك كان يفعل بالنساء إذا عركن- وكانت من أجمل نساء زمانها، وكان سابور أيضا من أجمل رجال زمانه. فاطّلعت عليه يوما، فرأته، فعشقته، وأرسلت إليه: - «ما تجعل لى، إن دللتك على ما تهدم به سور هذه المدينة، وتقتل أبى؟» قال: - «حكمك، وأرفعك على نسائي، وأخصّك بنفسي دونهن» . فاحتالت للحرس حتى سقتهم الخمر وصرعتهم، وأظهرت علامة ذلك لسابور. فنصب للسور حتى [تسوّر] [٤] وفتحها عنوة [١٢٩] ، وقتل الحرس والضيزن، وأباد قضاعة الذين كانوا مع الضيزن، فلم يبق منهم باق يعرف إلى اليوم، وأخرب سابور المدينة، وفي ذلك يقول عمرو بن إله: ألم يحزنك والأنباء تنمى ... بما لاقت سراة بنى العبيد ومصرع ضيزن وبنى أبيه ... وأحلاس الكتائب من تزيد [٥] أتاهم بالفيول مجلّلات ... وبالأبطال سابور الجنود فهدّم من أواسى الحصن صخرا ... كأنّ ثفاله زبر الحديد

стр. 140

واحتمل سابور النضيرة بنت الضيزن، فأعرس بها بعين التمر. فذكر أنّها لم تنم، وتضوّرت [١] ليلتها من خشونة فرشها وهي من حرير محشوّة بالقزّ. فالتمس ما كان يؤذيها. فإذا ورقة آس، ملتزقة بعكنة [٢] من عكنها قد أثّرت فيها من لين بشرتها. فقال لها سابور: «ويحك! بأىّ شيء كان يغذوك أبوك؟» فقالت: «بالزبد، والمخّ، وشهد الأبكار من النحل، وصفو الخمر.» قال: «وأبيك لأنا أحدث عهدا بك، وأوتر [٣] لك من أبيك، الذي غذّاك بما تذكرين.» فأمر رجلا، فركب فرسا جموحا، ثم عصب غدائرها بذنبه، ثم استركضها، فقطّعها قطعا. [١٣٠] وقد أكثر الشعراء في ذكر الضيزن هذا، وإيّاه عنى عدىّ بن زيد بقوله: وأخو الحضر [٤] ، إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه، والخابور شاده مرمرا، وجلّله كل ... سا، فللطّير في ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه، فبابه مهجور [٥] توالى ستة ملوك ومضت أيّام سابور، وهي ثلاثون سنة، حميدة. وفي أيّامه ظهر مانى

стр. 141

الزنديق، [١] وكذلك أيّام ابنه هرمز الملقّب بالبطل والجريء. وكان عظيم الخلق جريئا. له حكايات عظيمة جدّا، وكوّر مدينة «رامهرمز» وملك سنة. ثم مضت أيّام ابنه بهرام بن هرمز كذلك، وقتل مانى وسلخه. ومضت أيّام ابنه بهرام بن بهرام، ثمّ [أيّام] [٢] ابنه بهرام بن بهرام بن بهرام، ثم [أيّام] [٣] نرسى بن بهرام أخى [٤] بهرام الثالث، ثم أيّام هرمز بن نرسى، وكان فظّا، إلّا أنّه رفق بالرعيّة، وسار بأعدل سيرة فيهم، وحرص على العمارة وانتعاش الضعفاء، ثم هلك وببعض نسائه حبل. فبعض الناس يزعم أنه وصّى بالملك لذلك الحمل في بطن أمّه، وبعضهم زعم أنّ الناس لما شقّ عليهم موت هرمز، سألوا عن نسائه. فلمّا عرفوا [١٣١] أنّ ببعضهنّ حبلا، عقدوا التاج عليه في بطن أمّه، ثم ولد: سابور الملقّب بذي الأكتاف [٥] وهو سابور بن هرمز بن نرسى بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير. فكتب إليه الناس الكتب من الآفاق، ووجّه البرد إلى الأطراف، وقلّد الوزراء والكتّاب، والعمّال، الأعمال التي كانوا يعملونها في ملك أبيه. فممّا حدث في أيّامه: أنّ خبره لمّا فشا وشاع، وعلم أصحاب الأطراف أنّ ملك الفرس صبىّ يدبّر، ولا يدرى ما يكون منه، طمع فيهم وفي مملكتهم الروم، والترك، والعرب. وكانت أدنى بلاد الأعداء إلى فارس بلاد العرب، وكانوا من

стр. 142

أحوج الأمم إلى تناول شيء من المعايش، لسوء حالهم وشظف عيشهم. فسار جمع عظيم منهم في البحر، من ناحية بلاد عبد القيس والبحرين وكاظمة [١] ، حتى أناخوا براشهر [٢] وسواحل أردشير خرّه، وأسياف [٣] فارس، وغلبوا أهلها على [١٣٢] مواشيهم وحروثهم ومعايشهم، وأكثروا الفساد في تلك البلاد، ومكثوا بذلك حينا لا يغزوهم أحد من الفرس لقلّة الهيبة، وانتشار الأمر، وكثرة المدبّرين، ولأنّ الملك طفل، حتى ترعرع سابور، وجعل الوزراء يعرضون عليه أمر الجنود التي في الثغور، ووردت الأخبار بأنّ أكثرهم قد أحلّ. وعظّموا عليه الأمر بعد الأمر. وكان ممّن عرض عليه، أمر الجنود التي في الثغور، ومن كان منهم بإزاء الأعداء، وأنّ الأخبار وردت بإحلال أكثرهم. وهوّلوا عليه الخطب في ذلك. فقال لهم سابور: «لا يكبرنّ عليكم هذا، فانّ الحيلة فيه يسيرة» ، وأمر بالكتاب إلى أولئك الجنود بأنه: - «انتهى إلىّ طول مكثكم في النواحي التي أنتم فيها، وعظم غناءكم عن إخوانكم وأوليائكم، فمن أحبّ منهم الانصراف إلى أهله، فلينصرف مأذونا له في ذلك، ومن أحبّ أن يستكمل الفضل بالصبر في موضعه عرف له ذلك.» وتقدّم إلى من اختار الانصراف، في لزوم أهله وبلاده إلى وقت [١٣٣] الحاجة إليه. فلمّا سمع الوزراء ذلك من قوله ورأيه، استحسنوه وقالوا: «لو كان هذا قد أطال تجربة الأمور وسياسة الجنود، ما زاد رأيه على ما سمعنا منه.» ثم تتابعت آراؤه في تقويم أصحابه وقمع أعدائه، حتى إذا تمّت له ست عشرة سنة، وأطاق حمل السلاح وركوب الخيل، واشتدّ عظمه، جمع إليه رؤساء أصحابه وأجناده،

стр. 143

ثمّ قام فيهم خطيبا. فذكر الله ، وذكر ما أنعم به عليه وعليهم بآبائه، وما أقاموا من إربهم، ونفوا من أعدائهم، وما اختلّ من أمورهم في الأيّام التي مضت من أيّام صباه، وأعلمهم: أنّه يستأنف العمل في الذبّ عن البيضة، وأنّه يقدّر الشخوص [١] إلى بعض الأعداء لمحاربته، وأنّ عدّة من يشخص معه من المقاتلة ألف رجل. فنهض إليه القوم داعين متشكرين، وسألوه أن يقيم بموضعه ويوجّه القواد والجنود ليكفوه ما قدّر من الشخوص فيه. فأبى أن يجيبهم إلى المقام. فسألوه الإزدياد على العدة التي ذكرها، فأبى. ثم انتخب ألف فارس من صناديد [١٣٤] جنده وأبطالهم وأغنيائهم، وتقدّم إليهم في المضىّ لأمره، ونهاهم عن الإبقاء على العرب وعلى من لقوا منهم، ووصّاهم ألّا يعرّجوا [٢] على مال ولا غنيمة ولا يلتفتوا إليه. ثم سار بهم، حتى أوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب وهم غارّون [٣] . فقتل منهم أبرح القتل، وأسر أعنف الأسر، وهرب بقيّتهم. ثم قطع البحر في أصحابه فورد الخطّ [٤] ، واستبرى بلاد البحرين. فجعل يقتل أهلها ولا يقبل فداء ولا يعرّج على غنيمة. ثم مضى على وجهه، فورد هجر [٥] وبها ناس من تميم وبكر بن وائل وعبد القيس. فسفك فيهم من الدماء سفكا سالت كسيل المطر، حتى كان الهارب منهم يرى أن لن ينجيه غار ولا جبل ولا بحر ولا جزيرة. ثم عطف إلى بلاد عبد القيس، فأباد أهلها إلّا من هرب منهم. فلحق بالرمال، ثم أتى اليمامة [٦] ،

стр. 144

فقتل بها مثل تلك المقتلة. ولم يمرّ بماء من مياه العرب إلّا عوّره [١] ولا جبّ من جبابهم إلّا طمّه. ثمّ أتى قرب المدينة، فقتل من وجد هنالك من العرب وأسر. ثمّ عطف نحو [١٣٥] بلاد بكر وتغلب وفيما بين مملكة فارس ومناظر الروم بأرض الشام. فقتل من وجد بها من العرب وسبى وطمّ مياههم. ثمّ أسكن قوما من بنى تغلب ومن سكن منهم البحرين، دارين [٢] والخطّ، ومن كان من عبد القيس وطوائف تميم، هجر، ومن كان من بكر بن وائل، كرمان،- وهم الذين يدعون بكر إياد- ومن كان منهم من بنى حنظلة، بالرميلة من بلاد الأهواز. وبنى بالسواد مدينة بزرج سابور [٣] ، وبنى الأنبار، وبنى السوس والكرخ. وغزا بعد ذلك أرض الروم، فسبى سبيا كثيرا. وبنى بخراسان نيسابور. ثمّ هادن قسطنطين [٤] ملك الروم الذي بنى قسطنطينيّة [٥] ، وهو أوّل من تنصّر من ملوك الروم. ذكر حيلة لقسطنطين كان قسطنطين لمّا ملك الروم كبرت سنّه، وساء خلقه، وظهر به وضح. فأرادت الروم خلعه، وكاشفته وقالت:

стр. 145

- «اعتزل الملك، فإنّ لك من المال ما لا تفقد معه شيئا ممّا أنت فيه من نعمتك.» فشاور نصحاءه [١٣٦] فقالوا له: - «لا طاقة لك بالقوم، فقد اجتمعت كلمتهم على خلعك.» قال: «بما الحيلة؟» قالوا: «تحتال بالدين- وكانت النصرانية قد ظهرت وهي خفيّة- وذلك بأن تستأذن في زيارة بيت المقدس، وتستمهلهم مدّة ما تعود. فإذا حصلت بها دخلت في هذا الدين النصراني تحمل الناس عليه، فانّهم يفترقون فرقتين، فتقاتل بمن أطاعك من عصاك، وما قاتل قوم على دين قط إلّا غلبوا.» ففعل قسطنطين ذلك، فظفر بالروم. فأحرق كتبهم وحكمتهم، وبنى البيع، وحمل الناس على النصرانية، ونقلهم من الرومية وكانت دار مملكتهم، وبنى قسطنطينية ولم يزل الملك محروسا بالنصرانية، وغلب على الشام، إلى أن ظهر الإسلام. ثم ملك من الروم لليانوس [١] وكان يدين بملة اليونانية القديمة [٢] التي كانت قبل النصرانية. فلمّا ملك، أظهر ملّته، وأعادها كهيئتها، وأمر بهدم البيع، وجمع جموعا من الروم والخزر ومن كان في مملكته من العرب. [١٣٧] عاقبة سرف سابور في القتل فكان من عاقبة ذلك السرف الذي أقدم عليه سابور من قتل العرب: أن اجتمع
следующие страницы →