← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الزنديق، [١] وكذلك أيّام ابنه هرمز الملقّب بالبطل والجريء. وكان عظيم الخلق جريئا. له حكايات عظيمة جدّا، وكوّر مدينة «رامهرمز» وملك سنة. ثم مضت أيّام ابنه بهرام بن هرمز كذلك، وقتل مانى وسلخه. ومضت أيّام ابنه بهرام بن بهرام، ثمّ [أيّام] [٢] ابنه بهرام بن بهرام بن بهرام، ثم [أيّام] [٣] نرسى بن بهرام أخى [٤] بهرام الثالث، ثم أيّام هرمز بن نرسى، وكان فظّا، إلّا أنّه رفق بالرعيّة، وسار بأعدل سيرة فيهم، وحرص على العمارة وانتعاش الضعفاء، ثم هلك وببعض نسائه حبل. فبعض الناس يزعم أنه وصّى بالملك لذلك الحمل في بطن أمّه، وبعضهم زعم أنّ الناس لما شقّ عليهم موت هرمز، سألوا عن نسائه. فلمّا عرفوا [١٣١] أنّ ببعضهنّ حبلا، عقدوا التاج عليه في بطن أمّه، ثم ولد: سابور الملقّب بذي الأكتاف [٥] وهو سابور بن هرمز بن نرسى بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير. فكتب إليه الناس الكتب من الآفاق، ووجّه البرد إلى الأطراف، وقلّد الوزراء والكتّاب، والعمّال، الأعمال التي كانوا يعملونها في ملك أبيه. فممّا حدث في أيّامه: أنّ خبره لمّا فشا وشاع، وعلم أصحاب الأطراف أنّ ملك الفرس صبىّ يدبّر، ولا يدرى ما يكون منه، طمع فيهم وفي مملكتهم الروم، والترك، والعرب. وكانت أدنى بلاد الأعداء إلى فارس بلاد العرب، وكانوا من

стр. 142

أحوج الأمم إلى تناول شيء من المعايش، لسوء حالهم وشظف عيشهم. فسار جمع عظيم منهم في البحر، من ناحية بلاد عبد القيس والبحرين وكاظمة [١] ، حتى أناخوا براشهر [٢] وسواحل أردشير خرّه، وأسياف [٣] فارس، وغلبوا أهلها على [١٣٢] مواشيهم وحروثهم ومعايشهم، وأكثروا الفساد في تلك البلاد، ومكثوا بذلك حينا لا يغزوهم أحد من الفرس لقلّة الهيبة، وانتشار الأمر، وكثرة المدبّرين، ولأنّ الملك طفل، حتى ترعرع سابور، وجعل الوزراء يعرضون عليه أمر الجنود التي في الثغور، ووردت الأخبار بأنّ أكثرهم قد أحلّ. وعظّموا عليه الأمر بعد الأمر. وكان ممّن عرض عليه، أمر الجنود التي في الثغور، ومن كان منهم بإزاء الأعداء، وأنّ الأخبار وردت بإحلال أكثرهم. وهوّلوا عليه الخطب في ذلك. فقال لهم سابور: «لا يكبرنّ عليكم هذا، فانّ الحيلة فيه يسيرة» ، وأمر بالكتاب إلى أولئك الجنود بأنه: - «انتهى إلىّ طول مكثكم في النواحي التي أنتم فيها، وعظم غناءكم عن إخوانكم وأوليائكم، فمن أحبّ منهم الانصراف إلى أهله، فلينصرف مأذونا له في ذلك، ومن أحبّ أن يستكمل الفضل بالصبر في موضعه عرف له ذلك.» وتقدّم إلى من اختار الانصراف، في لزوم أهله وبلاده إلى وقت [١٣٣] الحاجة إليه. فلمّا سمع الوزراء ذلك من قوله ورأيه، استحسنوه وقالوا: «لو كان هذا قد أطال تجربة الأمور وسياسة الجنود، ما زاد رأيه على ما سمعنا منه.» ثم تتابعت آراؤه في تقويم أصحابه وقمع أعدائه، حتى إذا تمّت له ست عشرة سنة، وأطاق حمل السلاح وركوب الخيل، واشتدّ عظمه، جمع إليه رؤساء أصحابه وأجناده،

стр. 143

ثمّ قام فيهم خطيبا. فذكر الله ، وذكر ما أنعم به عليه وعليهم بآبائه، وما أقاموا من إربهم، ونفوا من أعدائهم، وما اختلّ من أمورهم في الأيّام التي مضت من أيّام صباه، وأعلمهم: أنّه يستأنف العمل في الذبّ عن البيضة، وأنّه يقدّر الشخوص [١] إلى بعض الأعداء لمحاربته، وأنّ عدّة من يشخص معه من المقاتلة ألف رجل. فنهض إليه القوم داعين متشكرين، وسألوه أن يقيم بموضعه ويوجّه القواد والجنود ليكفوه ما قدّر من الشخوص فيه. فأبى أن يجيبهم إلى المقام. فسألوه الإزدياد على العدة التي ذكرها، فأبى. ثم انتخب ألف فارس من صناديد [١٣٤] جنده وأبطالهم وأغنيائهم، وتقدّم إليهم في المضىّ لأمره، ونهاهم عن الإبقاء على العرب وعلى من لقوا منهم، ووصّاهم ألّا يعرّجوا [٢] على مال ولا غنيمة ولا يلتفتوا إليه. ثم سار بهم، حتى أوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب وهم غارّون [٣] . فقتل منهم أبرح القتل، وأسر أعنف الأسر، وهرب بقيّتهم. ثم قطع البحر في أصحابه فورد الخطّ [٤] ، واستبرى بلاد البحرين. فجعل يقتل أهلها ولا يقبل فداء ولا يعرّج على غنيمة. ثم مضى على وجهه، فورد هجر [٥] وبها ناس من تميم وبكر بن وائل وعبد القيس. فسفك فيهم من الدماء سفكا سالت كسيل المطر، حتى كان الهارب منهم يرى أن لن ينجيه غار ولا جبل ولا بحر ولا جزيرة. ثم عطف إلى بلاد عبد القيس، فأباد أهلها إلّا من هرب منهم. فلحق بالرمال، ثم أتى اليمامة [٦] ،

стр. 144

فقتل بها مثل تلك المقتلة. ولم يمرّ بماء من مياه العرب إلّا عوّره [١] ولا جبّ من جبابهم إلّا طمّه. ثمّ أتى قرب المدينة، فقتل من وجد هنالك من العرب وأسر. ثمّ عطف نحو [١٣٥] بلاد بكر وتغلب وفيما بين مملكة فارس ومناظر الروم بأرض الشام. فقتل من وجد بها من العرب وسبى وطمّ مياههم. ثمّ أسكن قوما من بنى تغلب ومن سكن منهم البحرين، دارين [٢] والخطّ، ومن كان من عبد القيس وطوائف تميم، هجر، ومن كان من بكر بن وائل، كرمان،- وهم الذين يدعون بكر إياد- ومن كان منهم من بنى حنظلة، بالرميلة من بلاد الأهواز. وبنى بالسواد مدينة بزرج سابور [٣] ، وبنى الأنبار، وبنى السوس والكرخ. وغزا بعد ذلك أرض الروم، فسبى سبيا كثيرا. وبنى بخراسان نيسابور. ثمّ هادن قسطنطين [٤] ملك الروم الذي بنى قسطنطينيّة [٥] ، وهو أوّل من تنصّر من ملوك الروم. ذكر حيلة لقسطنطين كان قسطنطين لمّا ملك الروم كبرت سنّه، وساء خلقه، وظهر به وضح. فأرادت الروم خلعه، وكاشفته وقالت:

стр. 145

- «اعتزل الملك، فإنّ لك من المال ما لا تفقد معه شيئا ممّا أنت فيه من نعمتك.» فشاور نصحاءه [١٣٦] فقالوا له: - «لا طاقة لك بالقوم، فقد اجتمعت كلمتهم على خلعك.» قال: «بما الحيلة؟» قالوا: «تحتال بالدين- وكانت النصرانية قد ظهرت وهي خفيّة- وذلك بأن تستأذن في زيارة بيت المقدس، وتستمهلهم مدّة ما تعود. فإذا حصلت بها دخلت في هذا الدين النصراني تحمل الناس عليه، فانّهم يفترقون فرقتين، فتقاتل بمن أطاعك من عصاك، وما قاتل قوم على دين قط إلّا غلبوا.» ففعل قسطنطين ذلك، فظفر بالروم. فأحرق كتبهم وحكمتهم، وبنى البيع، وحمل الناس على النصرانية، ونقلهم من الرومية وكانت دار مملكتهم، وبنى قسطنطينية ولم يزل الملك محروسا بالنصرانية، وغلب على الشام، إلى أن ظهر الإسلام. ثم ملك من الروم لليانوس [١] وكان يدين بملة اليونانية القديمة [٢] التي كانت قبل النصرانية. فلمّا ملك، أظهر ملّته، وأعادها كهيئتها، وأمر بهدم البيع، وجمع جموعا من الروم والخزر ومن كان في مملكته من العرب. [١٣٧] عاقبة سرف سابور في القتل فكان من عاقبة ذلك السرف الذي أقدم عليه سابور من قتل العرب: أن اجتمع

стр. 146

في عسكر لليانوس من العرب مائة وسبعون ألف مقاتل. فوجّههم مع بطريق [١] له في مقدمته. وأقدموا على فارس حنقين موتورين. وذلك أنّ سابور لم يقتصر على الانتقام ممّن أذنب وتجاوز حدّه، حتى قتل البريء، وسفك من الدماء ما لا يحصى. فلما انتهى إلى سابور كثرة من مع لليانوس من الجنود، وشدّة بصائرهم، وحنق العرب، وعدد الروم والخزر، هاله ذلك، ووجّه عيونا تأتيه بأخبارهم، ومبلغ عددهم، وشجاعتهم، وعدّتهم. فاختلفت عليه أقاويل العيون في ما أتوه من الأخبار عن لليانوس وجنده. فتنكّر سابور، وسار في ثقاته ليعاين عسكرهم. تخلّصه بحسن الاتّفاق فكان مما جنى فيه على نفسه وتخلّص منه بحسن الاتفاق: أنّه لمّا قرب من عسكر البطريق الذي كان على المقدمة وكان اسمه [١٣٨] يوسانوس [٢] ومعه العرب والخزر، وجّه قوما ليتجسّسوا الأخبار ويأتوه بحقائقها. فنذرت [٣] بهم الروم، فأخذوهم ودفعوهم إلى يوسانوس. فأقرّ من جملتهم رجل واحد، وأخبر بالقصة على وجهها وبمكان سابور، وسأله أن يوجّه معه جندا فيدفع إليهم سابور. فأرسل يوسانوس رجلا من بطانته إلى سابور يعلمه [٤] ما ألقى إليه من أمره وينذره. وإنّما فعل ذلك لميله إلى النصرانية التي قصدها لليانوس. فارتحل سابور من الموضع الذي كان فيه وصار إلى عسكره. ثم زحف لليانوس بمسألة العرب إيّاه، فقاتل سابور وفضّ جمعه، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وهرب سابور في من

стр. 147

بقي من جنده، واحتوى لليانوس على مدينة طيسبون محلّة سابور، وظفر ببيوت أمواله وخزائنه فيها. ثم اجتمع إلى سابور من آفاق بلاده جنوده، وحارب لليانوس، واستنقذ منه طيسبون، واختلفت الرّسل بينه وبين لليانوس. سوء تحفّظ لليانوس فكان من سوء تحفّظ لليانوس في تلك الحال واسترساله: [١٣٩] أن كان يوما جالسا في حجرة من فسطاطه، والرسل تختلف بينه وبين سابور، فجاءه سهم غرب فأصاب مقتله من فؤاده، فسقط ومات، وأسقط [١] في روع جنده وهالهم ما نزل به، ويئسوا من التقصّى في بلاد فارس، فصاروا نشرا لا ملك عليهم. فطلبوا إلى يوسانوس أن يتولّى الملك لهم ليملّكوه عليهم. فأبى ذلك، وألحّوا عليه، فأعلمهم أنّه على ملّة النصرانية، وأنّه لا يلي قوما هم له مخالفون في دينه. فأخبرتهم الروم أنّهم على ملّته، وأنّهم كتموها مخافة لليانوس. فأجابهم حينئذ، فلمّا ملّكوه [٢] أظهروا النصرانية. ثم إنّ سابور لما علم بهلاك لليانوس، أرسل إلى قوّاد جنوده الروم يقول: - «إنّ الله قد أمكننا منكم، وأدالنا عليكم، ونرجو أن تهلكوا ببلادنا جوعا من غير أن نهزّ لقتالكم سيفا، أو نشرع له رمحا، فسرّحوا إلينا رئيسا إن كنتم رأستموه عليكم.» فعزم يوسانوس على إتيان سابور لما كان بينه وبينه، لما أنذره ومن عليه. فلم يتابعه أحد [١٤٠] من قوّاد جنده. فاستبدّ برأيه، وجاء إلى سابور في ثمانين رجلا من أشراف من كان في عسكره وجنده، وعليه تاجه. فبلغ سابور مجيئه إليه، فتلقّاه، وتساجدا، فعانقه سابور شكرا لما كان منه في أمره، وطعم عنده

стр. 148

يومئذ ونعم. وإنّ سابور أرسل إلى قوّاد جند الروم وذوى الرئاسة فيهم يعلمهم: أنّهم لو ملّكوا غير يوسانوس، لجرى هلاكهم في بلاد فارس، ولكن تمليكهم إيّاه ينجيهم من سطوته. ثم قوّى أمر يوسانوس بكلّ جهد، وقال له عند منصرفه: - «إنّ الروم قد شنّوا الغارة على بلادنا، وقتلوا بشرا كثيرا، وقطّعوا بأرض السواد من الشجر والنخل ما كان بها، وخرّبوا عمرانها، فإمّا أن تدفعوا إلينا قيمة ما أفسدوا وخرّبوا، وإمّا أن تعوّضونا من ذلك نصيبين وحيّزها.» فأجاب يوسانوس وأشراف جنده سابور إلى ما سأل من العوض، ودفعوا إليه نصيبين. فبلغ ذلك أهلها، فجلوا عنها إلى مدن للروم، خوفا على أنفسهم من ملك مخالف ملّتهم. فبلغ ذلك سابور، فنقل اثنى عشر ألف [١٤١] أهل بيت من أهل إصطخر وإصبهان وكور أخر، من بلاده إلى نصيبين، فأسكنهم إيّاها. وانصرف يوسانوس إلى الروم وملكها يسيرا ثم هلك. وضرى سابور على قتل العرب، ونزع أكتاف رؤسائهم زمانا طويلا، فسمّته العرب «ذا الأكتاف» . ثم إنّه استصلح العرب وأسكن من بعض تغلب وعبد القيس وبكر، كرمان وتوّج [١] والأهواز. وبنى مدينة نيسابور ومدائن أخر بالسند وسجستان [٢] ، ونقل طبيبا من الهند، فأسكنه السوس، فورث طبّه أهل السوس. وهلك سابور بعد اثنتين وسبعين سنة من ملكه. أردشير بن هرمز [٣] وقام بالملك بعد سابور، أخوه أردشير بن هرمز بن نرسى بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك. فلمّا استقرّ به الملك ظهر منه شرّ، وقتل

стр. 149

[من] [١] ذوى الرئاسة والعظماء خلقا كثيرا، فخلعه الناس بعد أربع سنين من ملكه، وملّكوا: سابور بن سابور ذى الأكتاف فاستبشرت الرعية به وبرجوع ملك أبيه إليه. فأحسن السيرة ورفق بالرعية، إلى أن سقط عليه فسطاط كان ضرب عليه، فمات وملّك بعده [١٤٢] أخوه: بهرام بن سابور ذى الأكتاف وكان يلقّب بكرمان شاه، لأن سابور ولّاه «كرمان» ، فمضت أيّامه محمودة، وكان جميل السياسة محبّبا [٢] . ثم قام بالملك: يزدجرد المعروف بالأثيم ابن بهرام بن سابور ذى الأكتاف [٣] ومن الفرس من يقول: هو أخو بهرام وهو يزدجرد بن سابور ذى الأكتاف. وكان فظّا غليظا ذا عيوب كثيرة، وكان من أشدّ عيوبه وضعه ذكاء ذهن وحسن أدب كانا فيه، غير موضعهما. وذلك أنّه كان كثير الرؤية في الضارّ [٤] من الأمور، واستعمل علمه الذي أوتيه، في الدهاء والختل، واستخفّ بكلّ علم كان عند الناس، واحتقر آدابهم واستطال بما عنده، وكان من ذلك معجبا، غلقا، سيئ الخلق، ردىء الطعمة [٥] ، حتى بلغ من شدة غلقه وحدّته أن يستعظم صغير الزلّات ولا يرضى في عقوبتها إلّا بما لا يستطاع أن يبلغ مثلها. ثم لم يقدر أحد من بطانته- وإن كان لطيف المنزلة منه- أن يشفع لمن ابتلى به، وإن كان ذنب

стр. 150

المبتلى [١٤٣] به يسيرا. ولم يكن يأتمن أحدا على شيء من الأشياء. ولم يكن يكافئ على حسن البلاء. وكان يعتدّ بالخسيس من العرف إذا أولاه ويستجزل ذلك. فإن جسر على كلامه أحد في أمر قال له: - «ما قدر جعالتك [١] في هذا الأمر الذي كلّمتنا فيه، وما الذي بذل لك؟» وما أشبه ذلك. فلقى الناس منه عنتا. فلما اشتدّت بليّته، وكثر إهانته للعظماء، وحمل على الضعفاء، وأكثر من سفك الدماء، اجتمعوا وتضرّعوا إلى ربّهم في تعجيل إنقاذهم منه. فتزعم الفرس: أنه كان مطّلعا من قصره ذات يوم إذ رأى فرسا عائرا [٢] لم ير مثله قطّ في الخيل، حسن صورة وتمام خلق، حتى وقف على بابه، فتعجّب الناس منه، لأنه كان متجاوز الأمر [٣] . فأمر يزدجرد أن يسرج ويلجم ويدخل عليه. فحاول ساسته وأصحاب مراكبه إلجامه وإسراجه، فلم يمكّن أحدا منهم من نفسه. فخرج بنفسه إلى الموضع الذي فيه الفرس، فألجمه بيده وأسرجه ولّينه [٤] فلم يتحرّك، فلمّا استدار به [١٤٤] ورفع ذنبه ليثفره [٥] ، رمحه الفرس على فؤاده رمحة هلك منها مكانه، ثم لم يعاين ذلك الفرس. فأكثرت الفرس في حديثه وظنّت الظنون. وكان أحسنهم مذهبا من قال: «إنما استجاب الله دعاءنا» . ثم ملك بعد يزدجرد الأثيم ابنه: بهرام جور [٦] وكان أسلمه يزدجرد إلى المنذر بن النعمان ليربّيه في ظهر الحيرة، لصحّة

стр. 151

التربة والهواء، وليتعلّم هناك الفروسية. وتكفّله النعمان وعظّم يزدجرد المنذر بن النعمان وشرّفه، وملّكه على العرب، وسار به المنذر، فربّاه، واستدعى له الحواضن من الفرس والعرب، ثم أحضره المؤدّبين، وحرص بهرام على الأدب. فتحكى عنه حكايات من النجابة في صغره، فمنها أنّه قال للمنذر بن النعمان وهو ابن خمس سنين: - «أحضرنى مؤدّبين ليعلّمونى الكتابة والفقه والرمى والفروسية.» فقال له المنذر: «إنّك بعد صغير السنّ، ولم يأن لك ذلك بعد.» فقال له بهرام: «أما تعلم أيّها الرجل، أنّى من ولد الملوك، وأنّ الملك [١٤٥] صائر إلىّ، وأولى ما كلّف به الملوك وطلبوه، صالح العلم، لأنّه زين لهم وركن، وبه يفوقون؟ أما تعلم أنّ كلّ ما يتقدّم في طلبه ينال وقته، وما لا يتقدّم فيه، بل يطلب في وقته، ينال في غير وقته، وما يفرّط فيه وفي طلبه، يفوت فلا ينال؟ عجّل علىّ بما سألتك!» فوجّه المنذر ساعة سمع مقالة بهرام، إلى باب الملك من أتاه برهط من المعلّمين والفقهاء ومعلّمى الرمى والفروسية، وجمع له حكماء الروم وفارس ومحدّثى العرب، فألزمهم إيّاه، ووقف أوقاتا لكل قوم منهم. فتفرّغ بهرام لتعلّم كل ما سأل أن يعلّم، واستمع من أهل الحكمة، ووعى ما سمع، وثقف كل ما علّم بأيسر سعى، وبلغ أربع عشرة سنة وقد فاق معلّميه، واستفاد كل ما أفيد وحفظ وفاق. ثمّ حرص على انتخاب الأفراس العربيّة وركوبها وإحضارها والرمى عليها، فبرع في ذلك. وتحكى الفرس عنه حكايات عظيمة جدّا [١] . ثمّ أعلم المنذر أنّه على الإلمام بأبيه، فشخص، [١٤٦] وكان أبوه لا يحفل بولد له، فاتّخذ بهرام للخدمة، ولقى بهرام من ذلك عنتا. واتفق أن ورد على يزدجرد

стр. 152

وفد من قيصر- وفيهم أخو قيصر- في طلب الصلح والهدنة، فسأله بهرام أن يكلّم يزدجرد في الإذن له في الانصراف إلى المنذر. فأذن له أبوه وانصرف إلى بلاد العرب وقد عرّض بأبيه ورأى قلّة نفاق [١] أدبه عليه، ولقى شدّة وهوانا. فأقبل على التنعم والتلذّذ، إلى أن هلك أبوه يزدجرد وبهرام غائب. فتعاقد قوم من العظماء ألّا يملّكوا أحدا من نسل يزدجرد، وأظهروا: أنّ ولد يزدجرد لا يحتملون الملك، وليس فيهم نجيب غير بهرام، وبهرام لم يتأدّب بأدب الفرس، وإنّما أدبه أدب العرب، وأخلاقه أخلاقهم، لنشئه في ما بينهم وبين أظهرهم، واجتمعت كلمة العامّة معهم على صرف الملك عن بهرام إلى رجل من عترة أردشير بن بابك يقال له: كسرى فملّكوه، وانتهى هلاك يزدجرد وما كان من تمليكهم كسرى إلى بهرام. [١٤٧] فدعا بالمنذر وبالنعمان ابنه وناس من علية العرب. فذكّرهم إحسان والده إليهم وإنعامه عليهم مع فظاظته وشدّته على الفرس، وأخبرهم بموت والده وما كان من الفرس من تمليك غيره، ومنّاهم من نفسه ووعدهم بما أنسوا به. فقال المنذر: - «لا يهولنّك ذلك حتى ألطف للحيلة.» ثمّ إنّ المنذر جهّز عشرة آلاف من فرسان العرب مع ابنه إلى طيسبون وبهأردشير [٢] مدينتي الملك، وأمره أن يعسكر قريبا منهما، وأن يغير على ما والاهما، وإن تحرّك أحد لقتاله قاتله. وأذن له في الأسر والسبي، ونهاه عن لقتل.

стр. 153

فسار النعمان حتى نزل قريبا من المدينتين، ووجّه طلائعه إليهما واستعظم قتال الفرس. فاجتمع رأى العظماء وأهل البيوتات على إنفاذ حواى [١] على تأدية رسالة- وحواى هذا صاحب رسائل يزدجرد- إلى المنذر ويستكفونه أمر النعمان ابنه، ويخوّفونه من عقبى جنايته عليه. فلمّا ورد حواى على المنذر قال له: «الق الملك بهرام.» [١٤٨] ووجّه معه من يوصله إليه. فلمّا دخل عليه راعه منظر بهرام وما رأى من وسامته. فكلّمه بهرام ووعده ومنّاه وردّه إلى المنذر، ورسم له أن يجيب عمّا كتب إليه. فقال المنذر لحواى: «قد تدبّرت ما جئتني به، وقرأت الكتاب ولست صاحب النعمان، وإنّما صاحبه الملك بهرام، وهو الذي وجّهه إلى ناحيتكم، ورسم له ما هو لا محالة متمثّلة، لأنّ الملك صار له بعد أبيه، ولا حظّ لغيره فيه.» فلمّا سمع حواى مقالته، وتذكّر ما عاين من بهاء بهرام وروائه [٢] وحسن كلامه، علم أنّ جميع من يشاور في صرف الملك عنه مخصوم [٣] محجوج. فقال للمنذر: - «إنى لست محيرا [٤] جوابا، ولكن سر- إن رأيت- إلى محلّة الملوك فيجتمع إليك من بها من العظماء وأهل البيوتات، وأت في الأمر ما يجمل، فانّهم لن يخالفوك في شيء مما تشير به.» فردّ المنذر حواى، واستعدّ وسار بعده بيوم مع بهرام في ثلاثين ألف رجل من فرسان العرب [١٤٩] وذوى البأس والنجدة منهم إلى مدينتي الملك. فلمّا

стр. 154

وردهما، جمع الناس وجلس بهرام على منبر من ذهب مكلّل بالجوهر، وجلس المنذر عن يمينه، وتكلّم عظماء الفرس، وفرشوا [١] للمنذر بكلامهم فظاظة يزدجرد كانت [٢] وسوء سيرته [٣] ، وأنّه أخرب الأرض وأكثر القتل ظلما حتى قلّ الناس. وذكروا أمورا فظيعة، وذكروا أنّهم إنّما تعاقدوا على صرف الملك عن ولد يزدجرد لذلك. وسألوا المنذر ألّا يجبرهم في أمر الملك على ما يكرهونه. فقال المنذر لبهرام: - «أنت أولى بإجابة القوم.» فقال بهرام: - «إنى لست أكذّبكم في شيء مما نسبتم إلى يزدجرد لما استقرّ عندي من ذلك. ولقد كنت منكرا سوء هديه متنكّبا طريقته، ولم أزل أسأل الله أن يفضى بالملك إلىّ فأصلح كلّ ما أفسد، وأرأب ما صدع، وسأعيد الأمور بمشيئة الله إلى أتمّ ما كانت عليه في وقت من الأوقات انتظاما، وأعمر البلاد، وأرفّه الرعيّة، [١٥٠] وأوسع لهم، وأوطّئ جانبي [٤] ، وأدرّ أرزاق الجنود وأهل الطاعة، وأسدّ الثغور، وأنفى أهل الفساد. فإن أتت لملكى سنة ولم أف لكم بهذه الأمور التي عددت عليكم، تبرّأت من الملك طائعا، وأشهد الله بذلك وملائكته وموبذان موبذ.» فسمع أكثر الناس ورضوا، وتكلّمت طائفة كان رأيها مع كسرى. فقال بهرام: - «فإنّى على ما ضمنته لكم، واستيجابى [٥] للملك، وأنّه حقّ لى. قد رضيت

стр. 155

أن يوضع التاج والزينة بين أسدين مشبلين، فمن تناوله فهو الملك.» بهرام يتناول التاج والزينة من بين أسدين مشبلين فلمّا سمع القوم هذه المقالة، مع ما وعد من نفسه، سكنوا، وأظهروا الاستبشار والرضاية، وقالوا: - «إنّا إن تمّمنا صرف الملك عن بهرام، لم نأمن هلاك الفرس على يده بمن يرى رأيه ولكثرة من استجاش من العرب. وقد عرض علينا ما لم يدعه إليه أحد، لولا ثقته ببطشه وجرأته. فإن يكن على ما وصف به نفسه، فليس الرأى إلّا تسليم الملك إليه والسمع والطاعة، [١٥١] وإن يهلك ضعفا وعجزا فنحن برءاء منه، آمنون لشرّه وغائلته.» فتفرّقوا على هذا الرأى، وجلس بهرام من الغد في مثل مجلسه بالأمس، وحضر من كان يحادّه فقال: - «إمّا أن تجيبوني عمّا تكلّمت به أمس، وإمّا أن تسكتوا باخعين لى بالطاعة.» فقال القوم: «قد رضينا بحكمك، وأن يوضع التاج والزينة بين الأسدين كما ذكرت بحيث رسمت، وتنازعاهما أنت وكسرى.» فأتى بالتاج والزينة، وتولّى موبذان موبذ الذي كان يعقد التاج على رأس كلّ ملك يملك، فوضعهما ناحية، وجاء إصبهبذ مع ثقات القوم بأسدين ضاريين مجوّعين مشبلين. فوقف أحدهما عن جانب الموضع الذي وضع فيه التاج والزينة، والآخر بحذائه، وأرخى وثاقهما. ثم قال بهرام لكسرى: - «دونك التاج والزينة!» فقال كسرى: - «أنت أولى بالبدء منّى، لأنّك تطلب الملك بوراثة، وأنا فيه دخيل.»

стр. 156

ولم يكره بهرام قوله لثقته بنفسه، وحمل جرزا وتوجّه نحو التاج والزينة. فقال له موبذان موبذ: - «استماتتك في هذا الأمر الذي تقدم عليه [١٥٢] هو تطوع منك، لا عن رأيى، ولا عن رأى أحد من الفرس، ونحن برءاء إلى الله من إتلافك نفسك.» فقال بهرام: - «نعم أنتم برءاء، ولا وزر عليكم.» ثم أسرع نحو الأسدين. فلمّا رأى موبذان موبذ جدّه، هتف به وقال: - «بح بذنوبك وتب منها، ثمّ أقدم إن كنت لا محالة مقدما.» فباح بهرام بما سلف من ذنوبه، ثم مشى نحو الأسدين، فبذر أحدهما، فلمّا دنا من بهرام، وثب وثبة، فإذا هو على ظهر الأسد، وعصر جنبي الأسد بفخذيه حتى أثخنه [١] ، فجعل يضرب على رأسه بالجرز، ثم قرب من الأسد الآخر. فلمّا تمكّن منه قبض على أذنيه وعركهما [٢] بكلتي يديه، ولم يزل يضرب رأسه برأس الأسد الذي كان ركب ظهره، حتى دمغهما، ثمّ قتلهما ضربا على رأسهما بالجرز، وذلك كلّه بمشهد من جميع من حضر ذلك الموضع وبمرأى من كسرى. فتناول بهرام التاج والزينة، وكان كسرى أوّل من هتف به وقال: - «عمّرك الله بهرام، الذي يسمع له من حوله ويطيع، ورزقه الله ملك [١٥٣] أقاليم الأرض السبعة.» ثم هتف الناس وجميع من حضر ذلك المجلس، وقالوا: - «أذعنّا للملك بهرام ورضينا به ملكا.» وكثر الدعاء والضجيج. ولقى الرؤساء المنذر بعد ذلك وسألوه أن يكلّم بهرام في التغمّد لاساءتهم

стр. 157

والصفح عنهم. فسأله المنذر وأسعفه الملك. ثم جلس بهرام- وهو ابن عشرين سنة- سبعة أيّام متوالية للجند والرعيّة، يعدهم الخير من نفسه ويحضهم على تقوى الله وطاعته، وغبر زمانا يحسن السيرة ويعمر البلاد ويدرّ الأرزاق. ثم آثر اللهو على ذلك، وكثرت خلواته بأصحاب الملاهي والجواري، حتى كثرت ملامة رعيّته إيّاه على ذلك، وطمع من حوله من الملوك في استباحة بلاده والغلبة على بلاده. خاقان يغزو بهرام وكان أوّل من سبق إلى مكاثرته ومغالبته خاقان ملك الترك. فإنّه غزاه في مائتين وخمسين ألفا من الأتراك. فبلغ الفرس إقبال خاقان في هذا الجمع العظيم فهالهم وتعاظمهم، ودخل إليه من عظمائهم قوم من أهل الرأى [١٥٤] فقالوا: - «أيّها الملك، قد أزفك [١] من بائقة [٢] هذا العدوّ ما يشغلك عمّا أنت فيه من اللهو والتلذّذ، فتأهّب له، كي لا يلحقك منه أمر يلزمك فيه مسبّة وعار.» فكان بهرام لثقته بنفسه ورأيه، يجيب القوم: بأن الله ربّنا قوى ونحن أولياؤه، ثم يقبل على المثابرة واللزوم لما فيه من اللهو والصيد. حيلة بهرام جور على خاقان [٣] إلى أن أظهر ذات يوم التجهّز إلى آذربيجان لينسك في بيت نارها ويتوجّه منها إلى أرمينية ويطلب الصيد في آجامها، ويلهو في مسيره، في سبعة رهط من العلماء وأهل البيوتات وثلاثمائة رجل من رابطته، ذوى بأس ونجدة. واستخلف أخا له يقال له: «نرسى» ، على ما كان يدبّر من ملكه. فلم يشكّ الناس حين بلغهم

стр. 158

مسير بهرام في من سار بهم، واستخلافه أخاه على ما استخلف، في أنّ ذلك هرب من عدوّه، وإسلام لملكه. وتوامروا [١] في إنفاذ وفد إلى خاقان، والإقرار له [١٥٥] بالخراج، ومخافة منه، لاستباحة بلادهم، واصطلامه [٢] مقاتلتهم ووجوههم، إن هم لم يفعلوا ذلك ويبادروا إليه. فبلغ خاقان الذي أجمع عليه الفرس من الانقياد والخضوع. فأمنهم وتودّع وترك كثيرا من الجدّ والاستعداد، وآثر جنده أيضا ذلك. وأتى بهرام عين له من جهة خاقان، فأخبره بحاله، وحال جنده وفتورهم عن الجدّ الذي كانوا عليه. فسار بهرام في العدّة الذين كانوا معه، فبيّت خاقان وقتله بيده، وانهزم من سلم من القتل منهم، وخلّفوا عسكرهم وأثقالهم. فأمعن بهرام في طلبهم يقتلهم، ويحوى الغنائم ويسبى الذرارىّ، وانصرف هو وجنده سالمين، وظفر بتاج خاقان وإكليله، وبخع له أهل البلاد المتاخمة لما غلب عليه، بالطاعة. وسألوه أن يحدّ لهم حدّا بينه وبينهم فلا يتعدّوه. ثم بعث قائدا له إلى ما وراء النهر، فأثخنهم وأقروا له بالعبوديّة وأداء الجزية. وانصرف بهرام بالغنائم العظيمة والتاج والإكليل [١٥٦] وما فيهما من الياقوت الأحمر وسائر الجواهر فنحلها [٣] بيت النار بآذربيجان. ورفع الخراج عن الناس ثلاث سنين، وقسم في الفقراء مالا عظيما، وفي البيوتات وأهل الأحساب عشرين ألف ألف [٠٠٠ بن ٠٠٠ بن ٢٠] درهم. وكتب كتبا إلى الآفاق يذكر فيها أنّ الخبر كان ورد عليه بورود خاقان بلاده وأنه مجّد الله وتوكّل عليه، وسار في سبعة رهط من أهل البيوتات، وثلاثمائة فارس من نخبة رابطته على طريق آذربيجان، وجبل القبق [٤] ، حتى نفذ إلى براري خوارزم ومفاوزها، وأبلاه الله أحسن بلاء، وذكر في الكتاب ما وضعه عن

стр. 159

الناس من الخراج، وهذا الكتاب كان بليغا، والفرس يحفظونه. ويقال: إنّ بهرام ترك من حقّ بيت المال من الخراج سبعين ألف ألف [٠٠٠ بن ٠٠٠ بن ٧٠] درهم بقسط تلك السنة، وكان هذا مقدار ما بقي منه، ثمّ [أمر بترك] [١] الخراج ثلاث سنين أخر. قصده الهند والروم والسند والسودان ثم إنّ بهرام لما انصرف من غزوه خاقان مظفّرا قصد الهند، فيحكى له حكايات عظيمة وأمور كبار تولّاها، وغلب عليها، وزوّجه [١٥٧] ملك الهند ابنته ونحله الديبل [٢] ومكران وما يليها، فضمّها بهرام إلى أرض الفرس، وحمل خراجها إلى بهرام. ثم أغزى بهرام «مهرنرسى» إلى بلاد الروم في أربعين ألف مقاتل، وأمره أن يقصد عظيمها ويناظره في أمر الإتاوة وغيرها. فتوجّه مهرنرسى في تلك العدّة، ودخل قسطنطينية، ومقامه مشهور هناك، فهادنه ملك الروم، وانصرف بجميع ما أراد بهرام- وكان مهرنرسى هذا من ولد بهمن بن اسفندياذ بن بشتاسف، وربما خفّف اسمه، فقيل: «نرسى» - وبلغ مبلغا، وكلّ ذلك بهيبة بهرام وما تمكّن له في قلوب الملوك وأهل الأطراف والجند من جودة الرأى وحسن التدبير والشجاعة ونفاذ العزيمة، وقلّة الاتّكال على غيره. وذكر أنّ بهرام بعد فراغه من أمر خاقان وأمر ملوك الروم والسند، مضى إلى بلاد السودان [٣] من ناحية اليمن، فأوقع بهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وسبى منهم خلقا، وانصرف إلى مملكته.

стр. 160

ارتطام بهرام في سبخة وهلك بعد ذلك في «ماه» [١] وذلك أنه توجّه إليها للصيد [١٥٨] فشدّ على عير وأمعن في طلبه فارتطم في ماء في سبخة [٢] وغرق هناك. فسارت والدته إلى ذلك الموضع بأموال عظيمة، فأقامت قريبة منها، وأمرت بإنفاق تلك الأموال على من يخرجه. فنقلوا طينا عظيما وحمأة كثيرة، وجمعوا منه إكاما عظاما، ولم يقدروا على جثة بهرام. وكان ملكه ثلاثا وعشرين سنة. ثم ملك بعده: يزدجرد بن بهرام جور فكان يسير بسيرة أبيه ولم يزل قامعا لعدوّه رؤوفا برعيّته وجنوده. وكان له ابنان: أحدهما يسمّى هرمز، والآخر فيروز. فغلب هرمز على الملك بعد أبيه يزدجرد، وهرب فيروز منه ولحق ببلاد الهياطلة [٣] ، وأخبر ملكها بقصّته وقصّة أخيه هرمز، وأنّه أولى بالملك منه، وسأله أن يمدّه بجيش يقاتل بهم أخاه. فأبى عليه ملك الهياطلة وقال: - «سأعلم علمه، ثم أمدّك إن كنت صادقا.» فلما عرف ملك الهياطلة أنّ هرمز ملك ظلوم غشوم، قال: - «إن الجور لا يرضاه الله، ولا يصلح عليه الملك، ولا تقوم به سياسة، ولا

стр. 161

يحترف [١] [١٥٩] الناس في ملك الملك الجائر إلّا بالجور، وفي هذا هلاك الناس وخراب الأرض.» فأمدّ فيروز، ودفع إليه الطالقان [٢] . فأقبل فيروز من عنده بجيش طخارستان [٣] وطوائف خراسان [٤] ، وسار إلى أخيه هرمز بن يزدجرد وهو بالرىّ، وكانت أمّهما واحدة، وكانت بالمدائن تدبّر ما يليها من الملك، فظفر فيروز بأخيه، فحبسه وأظهر العدل وحسن السيرة، وكان يتديّن، إلّا أنّه كان محارفا [٥] مشؤوما على رعيته، وقحط الناس في زمانه سبع سنين، فأحسن فيها إلى الناس، وقسم ما في بيوت الأموال وكفّ عن الجباية، وساسهم أحسن سياسة. ويقال: إنّ الأنهار غارت في مدّة هذه السبع السنين، وكذلك القنىّ والعيون، وقحلت [٦] الأشجار والغياض [٧] ، وتماوتت الوحوش والطيور، وجاعت الأنعام والدوابّ، حتى كانت لا تطيق أن تحمل حمولة، وعمّ أهل البلاد الجهد [٨] والمجاعة. حسن سياسة من فيروز فبلغ من حسن سياسة فيروز لذلك الأمر [١٦٠] أن كتب إلى جميع أهل رعيّته: أنّه لا خراج عليكم ولا جزية ولا سخرة، وأنّه قد ملّكهم أنفسهم وأمرهم

стр. 162

بالسعي فيما يقوتهم [١] ويصلحهم. ثم كتب إليهم في إخراج الهوى [٢] والطعام والمطامير [٣] لكلّ من كان يملك شيئا من ذلك مما يقوت [٤] الناس، والتآسى فيه، وترك الاستيثار به، وأن يكون حال أهل الفقر والغنى وأهل الشرف والضعة في التآسى واحدة، وأخبرهم أنّه إن بلغه أن إنسيّا مات جوعا، عاقب أهل تلك المدينة أو القرية أو الموضع الذي يموت فيه ذلك الإنسى، ونكّل بهم أشدّ النكال. ويقال: إنّه لم يهلك في تلك اللزبة [٥] والمجاعة أحد من رعيّته إلّا رجل من رستاق كورة أردشير خرّة. ثم إنّ فيروز لما حييت بلاده، وأغاثه الله بالمطر، وعادت المياه، وصلحت الأشجار، واستوسق [٦] له الملك، أثخن [٧] في الأعداء وقهرهم، وبنى مدنا: إحداها بالرىّ، والأخرى بين جرجان وصول، [٨] والأخرى بناحية آذربيجان. ثم سار بجنوده نحو خراسان مريدا حرب أخشنواز [٩] [١٦١] ملك الهياطلة، لأشياء كانت في نفسه، ولأنّ هؤلاء القوم كانوا يأتون الذكران ويرتكبون الفواحش، فتأوّل بها وسار إليهم. فلما بلغ أخشنواز خبره اشتدّ منه رعبه وعلم أن لا طاقة له به. حيلة تمت لملك الهياطلة على فيروز فكان مما تمّ له على فيروز من الحيلة حتى قهره وقتله وقتل عامّة من كان

стр. 163

معه: أنّ رجلا من أصحاب أخشنواز، لما علم أنّ ملكه قد بعل [١] ، وأنه قد أشرف على الهلاك هو وأهل بلاده، تنصّح إليه وقال: - «إنّى رجل كبير السنّ قريب الأجل، وقد فديت الملك وأهل مملكته بنفسي [٢] فاقطع يدىّ ورجلىّ وأظهر في جسمي وجنبي آثار السياط والعقوبات، وألقنى في طريق فيروز، وأحسن إلى ولدي وعيالي بعدي، فإنّى أكفيك أمر فيروز.» ففعل ذلك أخشنواز بذلك الرجل، وألقاه في طريق فيروز. فلمّا مرّ به أنكر حاله ورأى شيئا فظيعا. فسأله عن أمره، فأخبره: أنّ أخشنواز فعل به ذلك، لأنّه قال له: «لا قوام لك بالملك فيروز وجنوده» ، وأشار عليه بالانقياد [١٦٢] له والعبودة. فرقّ له فيروز، ورحمه، وأمر بحمله معه، فأعلمه على وجه النصح، أو في ما زعم، أنه يدلّه على طريق قريب مختصر لم يدخل أحد منه قطّ إلى أخشنواز على طريق المفازة، وسأله [٣] أن يشتفى له منه. فاغترّ فيروز بذلك منه وأخذ الأقطع [٤] بالقوم في الطريق الذي ذكره له، فلم يزل يقطع بهم مفازة [٥] بعد مفازة. فلما شكوا عطشا أعلمهم أنّهم قد قربوا من الماء ومن قطع المفازة، حتى بلغ بهم موضعا علم أنهم لا يقدرون فيه على تقدّم ولا تأخر، بيّن لهم أمره. فقال أصحاب فيروز لفيروز: - «قد كنّا حذّرناك، أيّها الملك، فلم تحذر، فأمّا الآن فلا بدّ من المضىّ قدما، فإنّه لا سبيل إلى الرجوع، فلعلّك توافى القوم على الحالات كلّها.» فمضوا لوجوههم وقتل العطش أكثرهم، وصار فيروز بمن نجا معه إلى

стр. 164

عدوّهم. فلمّا أشرفوا عليهم- وهم بأسوأ حال من الضرّ والضعف- دعوا أخشنواز إلى الصلح، على أن يخلّى سبيلهم حتّى ينصرفوا إلى بلادهم، على أن يجعل له فيروز عهد [١٦٣] الله وميثاقه ألّا يغزوهم ولا يروم أرضهم ولا يبعث إليه جندا يقاتلونهم، ويجعل بين المملكتين حدّا لا يجوزه. فرضي أخشنواز بذلك، وكتب له كتابا مختوما وأشهد له على نفسه شهودا، ثمّ خلّى سبيله وانصرف. فلما صار إلى مملكته حمله الأنف على معاودة أخشنواز. عاقبة غدره فكان من عاقبة غدره: أنّه غزاه بعد أن نهاه وزراؤه وخاصّته عن ذلك، لما فيه من نقض العهد، فلم يقبل منهم وأبى إلّا ركوب رأيه. وكان في من نهاه عن ذلك رجل يخصّه ويجتبى رأيه يقال له: مربوذ [١] . فلمّا رأى لجاجته، كتب ما دار بينهما في صحيفة، وسأله الختم عليها. ومضى فيروز لوجهه نحو بلاد أخشنواز. فلمّا بلغ فيروز منارة كان بناها بهرام جور في ما بين تخوم [٢] بلاد خراسان وبلاد الترك- لئلّا يجوزها الترك إلى خراسان، لميثاق كان بين الترك والفرس على ترك الفريقين التعدّى لها، وكان فيروز عاهد [١٦٤] أخشنواز أن لا يجاوزها إلى بلاد الهياطلة- أمر فيروز فصمد [٣] فيها خمسون فيلا وثلاثمائة رجل، فجرّت أمامه جرّا واتّبعها، وزعم أنّه يريد بذلك الوفاء، وترك مجاوزة ما عاهد عليه. فلمّا بلغ أخشنواز ذلك من فعل فيروز، أرسل إليه يقول له: - «إنّ الله لا يخادع ولا يماكر، فانته عمّا انتهى عنه أسلافك، ولا تقدم على ما لم يقدموا عليه» .

стр. 165

فلم يحفل فيروز لقوله، ولم يكترث برسالته، وجعل يستطعم محاربة أخشنواز ويدعوه إليها، وجعل أخشنواز يمتنع من محاربته ويتكرّهها، لأنّ جلّ محاربة الترك إنّما هو بالخداع والمكر والمكائد. ثم إنّ أخشنواز أمر فحفر [١] خلف عسكره خندق عرضه [٢] عشرة أذرع وعمقه عشرون ذراعا، وغمّى بخشب ضعاف، وألقى عليه التراب، ثم ارتحل في جنده ومضى غير بعيد. فبلغ فيروز رحلة أخشنواز بجنده من معسكره، فلم يشكّ أنّ ذلك هزيمة منهم وأنّه قد انكشف [٣] وهرب. فأمر بضرب الطبول، وركب في جنده في [١٦٥] طلب أخشنواز وأصحابه وأغذّوا [٤] السير. وكان مسلكهم على ذلك الخندق. فلمّا بلغوه اقتحموه على عماية، فتردّى فيها فيروز وعامّة جنده، وهلكوا من آخرهم [٥] . وعطف أخشنواز إلى عسكر فيروز واحتوى على كلّ شيء فيه، وأسر موبذان موبذ، وصارت فيروز دخت بنت فيروز في من صار في يده من نساء فيروز. ثم قام بالملك بعد فيروز بن يزدجرد، ابنه: بلاش بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور [٦] وكان حسن السيرة، حريصا على العمارة. وبلغ من حسن نظره أنّه كان لا يبلغه أنّ بيتا خرب وجلا أهله عنه، إلّا عاقب صاحب القرية التي فيها ذلك البيت، على تركه إنعاشهم وسدّ فاقتهم، حتى لا يضطروا إلى الجلاء عن أوطانهم.

стр. 166

ثم ملك قباذ بن فيروز أخو بلاش [١] وكان صار إلى خاقان يستنصره على أخيه بلاش ويذكر أنّه أحقّ بالملك منه. فبقى هناك أربع سنين، ثمّ جهّزه خاقان. فلمّا عاد وبلغ نيسابور [١٦٦] بلغه موت أخيه بلاش [٢] . وكان في وقت اجتيازه تزوّج ابنة رجل من الأساورة متنكّرا، وواقعها، فحملت بأنوشروان [٣] . ولما عاد في هذا الوقت الذي ذكرناه، سأل عن الجارية، فأتى بها وبابنه أنوشروان. فتبرّك به وبها. ولما بلغ حدود فارس والأهواز بنى مدينة أرجان [٤] ، وبنى حلوان، وبنى قباذ خرّة [٥] ، وعدة مدن أخر. من آرائه الجيّدة فكان من آرائه الجيّدة وعزائمه النافذة، قبضه على خاله «سوخرا [٦] » . وكان سبب ذلك أنّ فيروز لما جرى عليه ما جرى من الهياطلة كان سوخرا يخلفه على مدينة الملك بالمدائن. فجمع جموعا كثيرة من الفرس، وقصد أخشنواز ملك الهياطلة وحاربه وانتقم منه وتحكّم عليه. وكان وقع في يده دفاتر الديوان الذي صحب فيروز. فتقاضى بجميع ما كان في خزائنه وخزائن قوّاده وأهله، وطلب الوجوه من الأسارى الذين بقوا في يد أخشنواز. ولم يزل يحارب أخشنواز ويكيده ويبلغ منه [١٦٧] ما يتحكّم به عليه، حتى استنقذ من يده عامّة الفرس، وأكثر ما احتوى عليه من خزائن فيروز.

стр. 167

فكان له أثر حسن عند الفرس وعند ابني فيروز، أعنى: بلاش وقباذ. فعظّموه ورفعوا منزلته إلى حيث ليس بينه وبين الملك إلّا مرتبة واحدة. فتولّى سياسة الأمر بحنكة وتجربة، واستوى على الأمر، ومال إليه الناس واستخفّوا بقباذ، وتهاونوا به. فلم يحتمل قباذ ذلك، وكتب إلى سابور الرازي [١]- الذي يقال للبيت الذي هو منه مهران، وكان اصبهبذ البلاد- في القدوم عليه في من قبله من الجند، فقدم بهم سابور، فواضعه قتال خاله سوخرا، وأمره فيه بأمره، على لطف وكتمان شديد خفىّ. فغدا سابور على قباذ، فوجد عنده سوخرا جالسا. فمشى نحو قباذ مجاوزا له، وتغفّل سوخرا. فلم يأبه سوخرا لإرب سابور، حتى ألقى وهقا كان معه في عنقه، ثم اجتذبه، فأخرجه، وأوثقه، واستودعه السجن. فحينئذ ضربت الفرس المثل بأن قالوا: - «نقصت ريح سوخرا، وهبّت ريح مهران» . ثم قتل قباذ سوخرا. فكان هذا رأيا تمّ على سكون، ولم يضطرب فيه أمر. [١٦٨] سوء تدبير قباذ عند ظهور مزدك وزوال ملكه وكان ممّا أساء فيه التدبير والرأى حتّى اجتمعت كلمة موبذان موبذ وجماعة الفرس على حبسه وإزالة ملكه عنه. أنّه اتّبع رجلا يقال له «مزدك» ، مع أصحاب له يقال لهم: «العدليّة» . قالوا: «إنّ الله جعل الأرزاق في الأرض مبسوطة ليقسمها عباده بينهم بالتآسى، ولكن الناس تظالموا.»

стр. 168

وزعموا: أنّهم يأخذون للفقراء من الأغنياء ويردّون من المكثرين على المقلّين، وأنّه من كان عنده فضل في المال والقوت، أو النساء والأمتعة، فليس هو أولى به من غيره. فافترص السفلة ذلك واغتنموه، وكانفوا مزدك وأصحابه حتى قوى أمرهم. فكانوا يدخلون على الرجل في داره، فيغلبونه على ماله ونسائه، فلا يستطيعون الامتناع منهم. وقوّاهم قبول الملك رأيهم، ودخوله معهم. فلم يلبثوا إلّا قليلا حتى صار الرجل لا يعرف أباه، ولا الأب ولده، ولا يملك أحد شيئا ممّا يتّسع به. وصيّروا قباذ في مكان لا يصل إليه غيرهم فيه. فأجمعت الفرس- حين رأوا فساد الملك- على تمليك أخيه جاماسف بن فيروز. وقد حكى أيضا: أنّ المزدكيّة [١٦٩] هم الذين أجلسوا جاماسف ليكون الملك من قبلهم لا منّة لغيرهم عليهم، إلّا أنّ الحكاية الأولى أشبه بالحقّ. ذكر حيلة تمّت لأخت قباذ حتّى أخرجته من الحبس ثم إنّ أختا لقباذ أتت الحبس الذي كان فيه قباذ. فحاولت الدخول إليه، فمنعها الموكّل الذي كان ثقة عليه، وطمع أن يفضحها بذلك السبب وألقى طمعه فيها. فأخبرته أنّها غير مخالفة له في شيء مما يهواه منها. فأذن لها حتّى دخلت السجن وأقامت عند قباذ يوما. ثم أمرت فلفّ قباذ في بساط، وحمل على عاتق غلام قوىّ ضابط كان معه في الحبس. فلمّا مرّ الغلام بوالي الحبس، سأله عمّا يحمله. فأفحم، فاضطرب. فلحقته أخت قباذ فأخبرته أنّه فراش كانت افرشته في عراكها [١] ، وأنّها إنّما خرجت لتتطهر وتنصرف. فصدّقها ولم يمس البساط، ولم يدن منه استقذارا له على مذهبهم، وخلّى عن الغلام الحامل لقباذ. فمضى به،

стр. 169

وخرجت في أثره، وهرب قباذ، فلحق بأرض [١٧٠] الهياطلة، ليستمدّ ملكها فيحارب من يخالفه. فيقال: إنّه نزل في مسيره ب «أبرشهر [١] » على رجل من عظمائها. فتزوّج ابنة له معصرا [٢] ، وإنّها أمّ كسرى أنوشروان وإنّ نكاحه لأم أنوشروان في سفره هذا. ثمّ إنّ قباذ رجع من سفره هذا بابنه أنوشروان. وغلب أخاه جاماسف بعد أن ملك اخوه ستّ سنين. ثم غزا الروم وافتتح آمد [٣] وبنى مدنا منها: أرجان وغيرها، وملّك ابنه كسرى أنوشروان وأعطاه خاتمه. وهلك قباذ وكان ملكه بسنى ملك [٤] أخيه ثلاثا وأربعين سنة. سبب هلاك قباذ وكان سبب هلاكه سوء رأيه، وفساد عقيدته، وضعف ملكه. وذلك أنّه لمّا التقى الحارث بن عمرو بن حجر الكندي والنعمان بن المنذر بن إمرئ القيس، قتله، وأفلت المنذر بن النعمان الأكبر، وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كان يملك النعمان. فبعث قباذ بن فيروز ملك فارس إلى الحارث بن عمرو الكندي أنّه: - «قد كان بيننا وبين الملك الذي كان قبلك عهد وإنّى أحبّ لقاءك» . [١٧١] وكان قباذ زنديقا يظهر الخير، ويكره سفك الدماء، ويدارى أعداءه في ما يكره من سفك الدماء، وكثرت الأهواء في زمانه واستضعفه الناس. فخرج إليه الحارث بن عمرو في عدد وعدّة، حتى التقيا بقنطرة الفيّوم. فأمر

стр. 170

قباذ بطبق من تمر، فنزع نواه، وأمر بطبق آخر، فجعل فيه تمر بنواه. ثم وضعا بين أيديهما، وجعل الذي فيه النوى بين يدي الحارث بن عمرو، والذي لا نوى فيه بين يدي الملك قباذ. فكان الحارث يأكل التمر ويلقى النوى، والملك يأكل التمر ولا يحتاج إلى إلقاء النوى. فقال الحارث: «ما لك لا تأكل كما آكل؟» فقال الحارث: «إنّما يأكل النوى إبلنا وغنمنا.» وعلم أنّ قباذ يهزأ به. ثم افترقا على الصلح وعلى أن لا يتجاوز الحارث وأصحابه الفرات. إلّا أنّ الحارث استضعفه وطمع فيه، فأمر أصحابه أن يعبروا الفرات ويغيروا على قرى السواد. فأتى قباذ الصريخ وهو بالمدائن، فقال: - «هذا من تحت كنف ملكهم» . ثم أرسل إلى الحارث بن عمرو: أنّ لصوصا من العرب قد أغاروا على السواد [١٧٢] وأنه يحبّ لقاءه. فلقيه، فقال قباذ كالعاتب: - «لقد صنعت صنيعا ما صنعه أحد قبلك.» فطمع الحارث في لين كلامه فقال: - «ما علمت ولا شعرت، ولا أستطيع ضبط لصوص العرب، وما كلّ العرب تحت طاعتي، وما أتمكّن منهم إلّا بالمال والجنود.» فقال له قباذ: «فما الذي تريد؟» قال: «أريد أن تطعمني من السواد ما أتّخذ به سلاحا [١] .» فأمر له بما يلي جانب الغرب من أسفل الفرات وهي ستّة طساسيج.

стр. 171

فأرسل الحارث بن عمرو الكندي إلى تبّع وهو باليمن: - «إنّى قد طمعت في ملك الأعاجم، وقد أخذت منه ستّة طساسيج، فأجمع الجنود وأقبل، فانّه ليس دون ملكهم شيء، لأنّ الملك عليهم لا يأكل اللحم، ولا يستحلّ هراقة الدماء، وله دين يمنعه من ضبط الملك، فبادر بعدّتك وجندك.» فجمع تبّع الجنود، وسار حتى نزل الحيرة، وقرب من الفرات، فآذاه البقّ، فأمر الحارث بن عمرو أن يشقّ له نهرا إلى النجف، ففعل وهو نهر الحيرة، فنزل عليه، ووجّه ابن أخيه [١] شمرا ذا الجناح [١٧٣] إلى قباذ. فقاتله، فهزمه شمر، حتى لحق بالرىّ، ثم أدركه بها فقتله. ذكر ما تمّ لتبّع وابن أخيه شمر وابنه حسّان بعد احتوائهم على مملكة الفرس ثمّ إنّ تبّعا أمضى شمرا ذا الجناح إلى خراسان، ووجّه ابنه حسّان إلى السغد [٢] وقال: - «أيّكما سبق إلى الصين فهو عليها.» وكان كلّ واحد منهما في جيش عظيم يقال: إنهما كانا ستمائة ألف وأربعين ألفا. وبعث ابن أخيه الآخر واسمه: «يعفر» إلى الروم. فأمّا يعفر فإنّه سار حتى أتى قسطنطينية. فأعطوه الطاعة والإتاوة. ثم مضى إلى روميّة فحاصرها. ثم أصابهم جوع، ووقع فيهم طاعون فرقّوا [٣] . وعلم الروم بذلك، فوثبوا عليهم فلم يفلت منهم أحد. وأمّا شمر ذو الجناح فانّه سار حتّى انتهى إلى سمرقند، فحصرها، فلم يظفر

стр. 172

منها بشيء. فلمّا رأى ذلك، أطاف [١] بالحرس حتى أخذ رجلا من أهلها، فاستمال بقلبه، ثم سأله عن المدينة وملكها. فقال: «أمّا ملكها فأحمق الناس ليس له همّ إلّا الشرب والأكل والجماع، ولكن له بنت [١٧٤] هي التي تقضى أمر الناس.» فمنّاه ووعده حتى طابت نفسه. ثم بعث معه هديّة إليها وقال: - «أخبرها أنّى إنّما جئت من أرض العرب للذي بلغني من عقلها، لتنكحنى نفسها، فأصيب منها غلاما يملك العرب والعجم، وأنّى لم أجئ التماس المال، وأنّ معى من المال أربعة آلاف تابوت ذهبا وفضّة هاهنا، وأنا أدفعها إليها وأمضى إلى الصين، فإن كانت لى الأرض، كانت امرأتى، وإن هلكت كان المال لها.» فلمّا انتهت رسالته إليها قالت: - «قد أجبته، فليبعث بالمال.» فأرسل إليها بأربعة آلاف تابوت، وفي كلّ تابوت رجلان. وكان لسمرقند أربعة أبواب، على كلّ باب منها أربعة آلاف رجل. وجعل شمر العلامة بينه وبينهم أن يضرب لهم بالجلجل. وتقدّم في ذلك إلى رسله الذين وجّه معهم. فلمّا صاروا في المدينة ضرب لهم بالجلجل. فخرجوا، فأخذوا بالأبواب ونهد [٢] شمر في الناس فدخل المدينة، وقتل أهلها وحوى ما فيها [٣] . ثم سار إلى الصين. فلقى زحوف الترك [١٧٥] فهزمهم، وانتهى إلى الصين. فوجد حسّان [بن] [٤] تبّع قد كان سبقه إليها ثلاث سنين. فأقاما بها- في بعض الروايات- حتى ماتا، وكان مقامهما إحدى وعشرين سنة. وفي بعض الروايات- وهو المجمع عليه-: أنّ شمرا وحسّانا انصرفا في الطريق التي كانا أخذا فيه،

стр. 173

حتّى قدما على تبّع بما حازا من الأموال بالصين وصنوف الجوهر والطيب والسبي، ثم انصرفوا جميعا إلى بلادهم. وذلك أنّه كانت همّة ملوك العرب الغزو والغنيمة ولم يطمعوا في الملك الثابت. وكان أحدهم إذا ملأ يده من الغنائم وأرضى جنده وظفروا بما في نفوسهم، انكفأوا إلى بلادهم. وكانت وفاة تبع باليمن ولم يخرج أحد من ملوك اليمن بعده غازيا إلى شيء من البلاد. وكان ملكه مائة وإحدى وعشرين سنة. وأمّا في الرواية الأخرى: فإنّه أقام تبّع وواطأ ابن أخيه شمرا وابنه حسّانا أن يملكا الصين، ويحملا إليه الغنائم، ونصب بينه وبينهم المنار. فكان إذا حدث [١٧٦] حدث أوقدوا النار، فأتى الخبر في ليلة. وكان جعل آية ما بينه وبينهم [أنه] [١] : - «إن أنا أوقدت نارين من عندي فهو هلاك يعفر، وإن أوقدت ثلاثا فهو هلاك تبّع. وإن كانت من عندهم نار فهو هلاك حسّان، وإن كانت نارين فهو هلاكهما» . فمكثوا بذلك. ثم إنه أوقد نارين فكان هلاك يعفر، ثم أوقد ثلاثا فكان هلاك تبّع. وقد ذكر بعض الرواة: أنّ الذي سار إلى المشرق من التبابعة، تبّع الآخر وهو: تبّع تبان أسعد أبو بكر بن مليكيكرب بن زيد بن عمرو ذى الأذعار وهو أبو حسّان. وقام بالملك بعد قباذ ابنه كسرى أنوشروان فاستقبل الأمر بجدّ وسياسة وحزم. وكان جيّد الرأى، كثير النظر، صائب التدبير، طويل الفكر ثم الاستشارة. فجدّد سيرة أردشير، ونظر في عهده [٢] ، وأخذ

стр. 174

نفسه به، وأدّب به رعيته وبطانته، وبحث عن سياسات الأمم، واستصلح لنفسه منها ما رضيه، ونظر في تدابير [١] أسلافه المستحسنة [١٧٧] فاقتدى بها. وكان أوّل ما بدأ به أن أبطل ملّة زرداشت الثاني الذي كان من أهل فسّا، وكان ممّن دعا إليها مزدك بن فامارد [٢] ، وكان ممّا آمن به الناس- لما زيّنه لهم وحثّهم عليه- التآسى في أموالهم وأهاليهم. وذكر أنّ ذلك من البرّ الذي يرضاه الله ويثيب عليه أحسن الثواب، وأنّه لو لم يكن الذي أمرهم به من الدين، لكان مكرمة في الفعال ورضى في التفاوض. فحضّ السفلة بذلك على الأشراف واختلط أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء، وسهّل سبيل الظلمة إلى الظلم، والعهّار [٣] إلى قضاء نهمتهم وإلى الوصول إلى الكرائم. فشمل الناس بلاء عظيم. فلما أبطل الملك أنوشروان ملّة هذين، وقتل عليه بشرا كثيرا، وسفك من الدماء ما لا يحصى كثرة ممن لا ينتهى، وقتل قوما من المانوية وثبت ملة المجوسية القديمة، كتب [٤] في ذلك كتبا بليغة إلى أصحاب الولايات والاصبهبذين، وقوّى الملك بعد ضعفه بإدامة النظر، وهجر الملاذ وترك اللهو إلّا في أوقات، [١٧٨] حتى نظّم أموره وقوّى جنوده بالأسلحة والكراع، وعمر البلاد، وحفظ الأموال، وفرّق منها ما لا يسع حفظه من الأرزاق والصلات

стр. 175

الموضوعة مواضعها، وسدّ الثغور، وردّ كثيرا من الأطراف التي غلب عليها الأمم بعلل وأسباب شتّى، منها: السّند، والرّخج [١] ، وزابلستان، وطخارستان [٢] ، ودروستان [٣] وغيرها. وقتل أمّة يقال لها: البافرز [٤] واستبقى منهم من فرّقهم واستعبدهم واستعان بهم في حروبه. وأسرت له أمّة يقال لهم: صول، وقدم بهم عليه، فقتلهم واستبقى ثمانين رجلا من كماتهم، وعمل أعمالا عظيمة منها: بنيانه الحصون والآطام [٥] والمعاقل لأهل بلاده، يكون حرزا لهم يلجأون إليها من عدوّ إن دهمهم. من ثمرة أعماله فكان من ثمرة هذه الأعمال: أنّ خاقان- واسمه سنحوا [٦]- كان في ذلك الوقت أمنع الترك وأشجعهم. وهو الذي قاتل «ورز [٧] » ملك الهياطلة، غير هائب كثرة الهياطلة ومنعتهم، وبأسهم. [١٧٩] فقتل ورز [٨] وعامّة جنده، وغنم أموالهم واحتوى على بلادهم إلّا ما كان كسرى غلب عليه منها. وأقبل في جموعه من أمم استمالهم، وهم: أبجر، وبنجر، وبلنجر. وبلغت عدّة الجميع مائة ألف وعشرة آلاف مقاتل أنجاد. فأرسل إلى كسرى يتوعّده ويطلب منه أموالا، وأنّه إن لم يجعل بالبعثة إليه ما سأله، وطئ بلاده وناجزه [٩] . فلم يحفل كسرى به ولم يجبه إلى ما سأل، لتحصينه

стр. 176

نواحيه لا سيما ناحية صول التي أقبل منها خاقان، ولمناعة السبل والفجاج، ولمعرفته بمقدرته على ضبط ثغر أرمينية. فأقدم خاقان على ناحية صول من نواحي جرجان، فرأى من الحصون والرجال الذين أعدّهم كسرى ما لا حيلة له فيه، فانصرف خائبا. فأما تدبيره للمزدكية وردّه المظالم وما دبّر في أمر النساء المغلوبات على أنفسهن وتدابيره الأخرى فإنّه ضرب أعناق رؤسائهم، وقسم أموالهم في أهل الحاجة، وقتل جماعة كثيرة ممن كان دخل على الناس في أموالهم وأهاليهم ممن عرف، [١٨٠] وردّ الأموال إلى أربابها، وأمر بكل مولود اختلف فيه، أن يلحق بمن هو في سيما ذلك منهم إذا لم يعرف أبوه، وأن يعطى نصيبا من مال الرجل الذي يسند إليه، إن قبله الرجل، وبكلّ امرأة غلبت على نفسها أن يؤخذ الغالب لها حتى يغرم لها مهرها ويرضى أهلها، ثم تخيّر المرأة بين الاقامة عليه وبين تزويج غيره، إلّا أن يكون لها زوج أوّل فتردّ إليه. وأمر بكل من كان أضرّ برجل في ماله، أو ركب أحدا بمظلمة أن يؤخذ منه الحقّ ثم يعاقب الظالم بعد ذلك بقدر جرمه. أمر بعيال ذوى الأحساب الذين مات قيّمهم فكتبوا له، فأنكح بناتهم الأكفاء، وجعل جهازهم من بيت المال، وأنكح بنيهم من بيوتات الأشراف، وأغناهم وأمرهم بملازمة بابه ليستعان بهم في أعماله. وخير نساء والده أن يقمن مع نسائه فيواسين ويصيّرن [١] في الإجراء أمثالهن، أو تبتغى لهن أكفاؤهن من البعولة. وأمر بكرى الأنهار وحفر القنىّ [١٨١] وإسلاف [أصحاب] [٢] العمارات وتقويتهم. وأمر بإعادة كلّ جسر أو

стр. 177

قنطرة خرّبت أن تردّ إلى أحسن ما كانت عليه. وأمر بتسهيل سبل الناس، وبنى في الطرق القصور والحصون، وتخيّر الحكام والعمّال وتقدّم [١] إلى من ولّى منهم أبلغ التقدّم، وتقدّم بكتب سير أردشير ووصاياه، فاقتدى بها وحمل الناس عليها [٢] . فتوح أنوشروان فلما انتظمت له هذه الأمور واستوسق ملكه ووثق بجنده وقوّته، سار نحو أنطاكية فافتتحها وأمر أن تصوّر له المدينة على ذرعها وطرقها وعدّة منازلها، وأن يبنى على صورتها له مدينة إلى جانب المدائن، فبنيت المدينة المعروفة بالروميّة. ثم حمل أهل أنطاكية حتى أسكنهم إيّاها. فلمّا دخلوا باب المدينة مضى أهل كلّ بيت منهم إلى ما يشبه منازلهم التي كانوا فيها بأنطاكية. ثم قصد لمدينة هرقل فافتتحها، ثم الاسكندرية، وأذعن له قيصر، وحمل إليه الفدية. ثم انصرف من الروم وأخذ نحو الخزر، فأدرك فيهم تبله [٣] ، وما كانوا وتروه به [١٨٢] في رعيّته، ثم نحو عدن، فسكر [٤] هناك ناحية من البحر بين [٥] جبلين بالصخور وعمد الحديد. ثم سار إلى الهياطلة مطالبا لهم بدم فيروز، بعد أن صاهر خاقان واستعان به. فأتاهم، فقتل ملكهم، واستأصل أهل بيته، وتجاوز بلخ وما وراءها، وأنزل جنوده فرغانة [٦] . ثم انصرف إلى المدائن، وبعث قوما إلى الحبشة في جند من الديلم. فقتلوا مسروقا الحبشي باليمن. وأقام مظفّرا منصورا

стр. 178

يهابه جميع أمرائهم، ويحضر بابه وفود الترك والصين والخزر ونظرائهم. وكان مكرما للعلماء. وقد كان غزا برجان [١] . ثم رجع فبنى الباب [٢] والأبواب. وفي زمانه ولد عبد الله أبو النبي- ﷺ . والنبي أيضا- ﵇ وملك ثماني [٣] وأربعين سنة. أمّا عبد الله بن عبد المطلب فانّه ولد لأربع وعشرين سنة من ملكه. وبعث إلى المنذر بن النعمان- وأمّه ماء السماء امرأة من اليمن [٤]- فملّكه الحيرة وما كان يليه آل الحارث بن عمرو، وردّ الأمر إلى نصابه. تدابير أنوشروان لاستغزار الأموال وتثميرها ومن أحسن ما دبّره أنوشروان في استغزار الأموال وتثميرها [١٨٣] أنّه بعد فراغه من الثغور وملوك الأطراف، وتوظيفه الوظائف على أقاصى الملوك من الترك والخزر والهند وغيرهم، وبيعه مدن الشام ومصر والروم على ملك الروم بأموال عظيمة، وإلزامه جزية يحملها في كلّ سنة على ألّا يغزو بلاده، نظر في الخراج وأبواب المال التي كان يستأديها الملوك قبله من بلاده. فإذا رسوم الناس كانت جارية على الثلث من الارتفاع خراجا، ومن بعض الكور الربع، ومن بعضها الخمس، ومن بعضها السدس، على حسب شربها [٥] وعمارتها، ومن جزية الجماجم [٦] شيئا معلوما. وكان الملك قباذ بن فيروز تقدّم- في آخر ملكه- بمسح الأرض سهلها

стр. 179

وجبلها، ليصحّ الخراج عليها، فمسحت. غير أنّ قباذ هلك قبل أن يستحكم له أمر تلك المساحة. فلمّا ملك أنوشروان أمر باستتمامها وإحصاء النخل والزيتون وغير ذلك، والجماجم. ثم أمر الكتّاب فأخرجوا جمل ذلك غير مفصّلة، وأذن للناس إذنا عامّا، وأمر كاتب خراجه أن يقرأ [١٨٤] عليهم الجمل المستخرجة من أصناف الغلّات وعدد النخل والزيتون والجماجم. فقرأ ذلك عليهم. ثم قال لهم كسرى: - «إنّا رأينا أن نضع على ما أحصى من جربان هذه المساحة ومن النخل والزيتون والجماجم وضائع، ونأمر بإنجامها [١] في السنة في ثلاثة أنجم. ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال ما لو أتانا عن ثغر من الثغور، أو طرف من الأطراف، فتق أو شيء نكرهه واحتجنا إلى تداركه أو حسمه ببذلنا فيه مالا، كانت الأموال عندنا معدّة موجودة، ولم نرد استيناف اجتبائها على تلك الحال. فما ترون في ما رأينا من ذلك وأجمعنا عليه؟» فلم يشر عليه أحد منهم بمشورة ولم ينبس بكلمة. فكرر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات. فقام رجل من عرضهم وقال لكسرى: - «أتضع أيّها الملك- عمّرك الله خالدا- من هذا الخراج على الفاني من كرم يموت، وزرع يهيج [٢] ، ونهر يغيض، وعين أو قناة ينقطع ماؤها؟» فقال له كسرى: «يا ذا الكفلة المشؤوم! من أىّ طبقات الناس أنت؟» قال: «أنا رجل من الكتّاب.» [١٨٥] فقال كسرى: «اضربوه بالدوىّ [٣] حتى يموت.» فضربوه بها الكتّاب خاصّة تبرّيا منه إلى كسرى من رأيه وما جاء منه حتّى

стр. 180

قتلوه. وقال الناس: - «نحن راضون أيّها الملك بما أنت ملزمنا من خراج.» وإنّ كسرى اختار رجالا من أهل الرأى والنصيحة. فأمرهم بالنظر في أصناف ما ارتفع إليه من المساحة وعدد النخل والزيتون ورؤوس الجزية، ووضع الوضائع على ذلك بقدر ما يرون أنّ فيه صلاح الرعية ورفاغة [١] معايشهم، ورفع ذلك إليه. فتكلّم كل امرئ منهم بمبلغ رأيه في ذلك وفي قدر الوضائع، وأداروا الأمر بينهم، فاجتمعت كلمتهم على وضع الخراج على ما يعصم الناس والبهائم وهو: الحنطة، والشعير، والأرز، والكرم، والرطاب [٢] ، والنخل، والزيتون. وكان الذي وضعوا على كل جريب أرض من مزارع الحنطة والشعير درهما، وعلى كل جريب كرم ثمانية دراهم، وعلى كلّ جريب أرض رطاب سبعة دراهم، وعلى كلّ [١٨٦] أربع نخلات فارسية درهما، وعلى كلّ ست نخلات دقل [٣] مثل ذلك، وعلى كلّ ستّة أصول زيتون مثل ذلك. ولم يضعوا إلّا على كلّ نخل في حديقة، أو مجتمع غير شاذّ [٤] ، وتركوا ما سوى ذلك من الغلّات السبع.
следующие страницы →