← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

ذكر السبب فى ذلك وكان سبب ذلك أنّ الفضل بن يحيى خطب بنت خاقان الخزر، فحملت إليه، فماتت ببرذعة. وكان على أرمينية يومئذ سعيد بن سلم بن قتيبة فرجع من كان معها من الطراخنة إلى أبيها فأخبروه أنّ ابنته قتلت غيلة، فحنق لذلك وعمل ما عمل. فولّى الرشيد أرمينية يزيد بن مزيد مع آذربيجان، وضمّ إليه قوّاد الجند ووجّهه، وأنزل خزيمة بن خازم نصيبين ردءا لأهل أرمينية. وقيل أيضا: أنّ سبب دخول الخزر أرمينية فى زمن هارون كان أنّ سعيد بن سلم ضرب عنق [٥٥٩] المنجّم السلمىّ بفاس، فدخل ابنه بلاد الخزر فاستجاشهم، فدخلوا أرمينية من الثلمة، فانهزم سعيد، ونكحوا المسلمات وأقاموا سبعين يوما، فلمّا صار يزيد بن مزيد إلى أرمينية، خرج الخزر وسدّت الثلمة. استقدام الرشيد علىّ بن عيسى من خراسان وفيها استقدم الرشيد علىّ بن عيسى بن هامان من خراسان وكان سبب ذلك أنّه أبلغ عنه أمور عظام. وقيل: إنّه أجمع على الخلاف، فاستخلف علىّ بن عيسى ابنه يحيى ووافى حضرة الرشيد بأموال عظيمة، فردّه الرشيد إلى خراسان من قبل ابنه المأمون لحرب أبى الخصيب، فرجع. [١] ودخلت سنة أربع وثمانين ومائة ولم يجر فيها ما يكتب.

стр. 1577

وكذلك سنة خمس وثمانين ومائة ودخلت سنة ستّ وثمانين ومائة حوادث عدّة وفيها خرج علىّ بن عيسى بن ماهان من مرو لحرب أبى الخصيب إلى نسّا، [١] فقتله بها وسبى نساء وذراريّه، واستقامت خراسان. وحجّ هارون الرشيد وأخرج معه ابنيه محمّدا الأمين، وعبد الله المأمون، وليّى عهده. فبدأ بالمدينة [٥٦٠] وأعطى أهلها ثلاثة أعطية، كانوا يقدمون [٢] إليه فيعطيهم عطاء، ثمّ إلى محمّد فيعطيهم عطاء ثانيا، ثمّ إلى المأمون فيعطيهم عطاء ثالثا. ثمّ صار إلى مكّة، فأعطى أهلها عطاء. فبلغ ذلك ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار. وكان الرشيد عقد لابنه محمّد بن زبيدة وسمّاه الأمين وضمّ إليه الشام والعراق فى سنة خمس وسبعين، ثمّ بايع لعبد الله المأمون بالرّقة فى سنة ثلاث وثمانين ومائة، وولّاه من حدّ همذان إلى آخر المشرق. وكان القاسم بن الرشيد فى حجر عبد الملك بن صالح، فلمّا بايع الرشيد لمحمّد وعبد الله، كتب إليه عبد الملك بن صالح يسأله فى أبيات شعر أن يجعل القاسم ثالثا فى ولاية العهد، فبايع له وسمّاه المؤتمن، وولّاه الجزيرة والثغور والعواصم. ولمّا قسم الأرض بين أولاده الثلاثة قال بعض الناس: قد أحكم أمر الملك،

стр. 1578

وقال بعضهم: بل ألقى بأسهم بينهم وسيختلفون، فقال بعضهم: رأى الملك الرّشيد أضلّ رأى [١] ... بقسمته الخلافة والبلادا [٥٦١] أراد به ليقطع عن بنيه ... خلافهم ويبتذلوا الودادا فقد غرس العداوة غير آل ... وأورث شمل ألفتهم بدادا فويل للرّعيّة عن قليل ... لقد أهدى لها الكرب الشدادا ستجرى من دمائهم بحور ... زواخر لا يرون لها نفادا ولمّا قضى هارون الرشيد مناسكه، تقدّم إلى الفقهاء والقضاة وأهل العلم أن يجهدوا آراءهم فى كتابين، أحدهما على محمّد الأمين يشترط عليه الوفاء لعبد الله المأمون بما إليه من الأعمال وما صيّر له من الضياع والجواهر والأموال، والآخر نسخة البيعة التي أخذها على الخاصّة والعامّة والشروط على محمّد وعبد الله من الأحكام والسياسات، وأشهد أهل بيته ووزراءه وقوّاده ومواليه وكتّابه ومن كان فى الكعبة معه، وكان جميع ذلك فى البيت الحرام. ثمّ رأى أن يعلّق الكتاب فى الكعبة، فلمّا رفع ليعلّق، سقط، فقال الناس: «هذا أمر سريع الانتقاض لا يتمّ.» ونسخة [٥٦٢] هذين الكتابين فيهما طول وهي موجودة فى كتب التواريخ وغيرها فلم أشتغل بنسخهما، وكتب كتبا بذلك إلى سائر العمّال فى الأمصار. [٢]

стр. 1579

ودخلت سنة سبع وثمانين ومائة وفيها قتل الرشيد جعفر بن يحيى، وأوقع بالبرامكة ذكر السبب فى ذلك كانت أسباب تغيّره لهم كثيرة. فمن ذلك أنّ الرشيد سلّم يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن إلى جعفر، فحبسه عنده ثمّ دعا به ليلة، فسأله عن شيء من أمره. فأجابه إلى أن قال: - «اتّق الله فى أمرى ولا تتعرّض أن يكون خصمك غدا محمّد، صلّى الله عليه، فو الله ما أحدثت حدثا، ولا آويت محدثا.» فرق له وقال: - «اذهب حيث شئت من بلاد الله.» فقال: - «كيف أذهب ولا آمن أن أؤخذ فأردّ إليك أو إلى غيرك؟» فوجّه معه من يؤدّيه إلى مأمنه، وبلغ الخبر الرشيد من عيون كانت له عليه، فدعاه ودعا بالغداء، فأكلا وجعل يلقّمه ويحادثه [٥٦٣] إلى أن كان آخر ما دار بينهما أن قال: - «ما فعل يحيى بن عبد الله؟» قال: - «بحاله يا أمير المؤمنين فى الحبس والضيق والأكبال الثقيلة.» قال: «بحياتى؟» فأحجم جعفر، وكان من أرّق الناس ذهنا وأصحّهم فكرا. فهجس فى نفسه أنّه قد علم بما جرى فى أمره. فقال: - «لا وحياتك يا سيّدى، ولكن أطلقته لمّا علمت أنّه لا حياة به ولا مكروه عنده.»

стр. 1580

قال: «نعمّا فعلت ما عدوت ما كان فى نفسي.» فلمّا خرج أتبعه بصره حتّى كاد يتوارى عن عينه وقال: - «قتلني الله إن لم أقتلك.» ومن أسباب ذلك أنّ الرشيد قلب [١] جارية ارتضى عقلها وأدبها، وكانت حسنة الغناء، جزلة الشعر، مليحة الكتابة، بارعة الجمال، فلمّا رأى كمالها استام صاحبها فيها واستام بها مائة ألف دينار وقال: - «يا أمير المؤمنين، علىّ يمين بعتقها ألّا أنقصها [٢] من ذلك شيئا.» فتقدّم بإطلاق ذلك لمولاها. فقال جعفر لأبيه وأخيه: - «إنّ هذا إن أقدم على مثل هذه الأشياء أفنى بيوت الأموال. وقد رأيت أن أتقدّم بحمل قيمة هذه الدنانير دراهم فتوضع فى طريقه مبدّدة فإنّه الآن لا يعلم ما قيمة ما أطلق، وإذا رآها حلّت فى عينه ولعلّه أن ينصرف عن هذا الرأى.» [٥٦٤] ففعل ذلك وأمر بالمال ووضع فى ممرّ له، فلمّا نظر إليه الرشيد قال: - «من أين هذا الحمل؟» قال له الخازن: - «إنّه ليس بحمل، ولكنّه أخرج من الخزانة وهو ثمن الجارية وقد أحلّ

стр. 1581

مكانه ببيت المال.» فأمر بعض خدمه أن يرفعه عنده وأودعه بيتا وسمّاه بيت مال العروس، وبحث عن الأموال، فوجد البرامكة قد استهلكوها فتغيّر لهم حتّى أوقع بهم. وكان أيضا من أسباب ذلك ما تحدّث به إبراهيم بن المهدىّ قال: أتيت جعفر بن يحيى [١] يوما فقال: - «أما تعجب من منصور بن زياد؟» قلت: «فى ماذا؟» قال: «سألته: هل ترى فى دارى عيبا؟ قال: نعم، ليس فيها لبنة ولا صنوبرة.» قال إبراهيم: فقلت: - «الذي يعيبها عندي أنّك أنفقت عليها عشرين ألف ألف، وهي شيء لا آمنه عليك غدا عند أمير المؤمنين.» قال: «هو يعلم أنّه قد وصلني بأضعاف ذلك سوى ما عرّضنى له.» قال: قلت: - «إنّ العدوّ إنّما يأتيه فى هذا من جهة أن يقول: يا أمير المؤمنين، إذا أنفق على دار عشرين ألف ألف فأين نفقاته. وأين صلاته، وأين النوائب التي تنوبه، وما ظنّك يا أمير المؤمنين بما وراء ذلك وهذه [٥٦٥] جملة [٢] سريعة إلى

стр. 1582

القلب والتوقّف على الحاصل منها صعب.» فقال جعفر: «إن سمع منّى.» قلت: «إنّ لأمير المؤمنين نعما على قوم قد كفروها بالستر لها أو بإظهار القليل من كثيرها وأنا رجل نظرت إلى نعمته عندي فوضعتها فى رأس جبل ثمّ قلت للناس: تعالوا فانظروا.» قلت: «نعم إنّ ناظرك قلت.» وكان من أسباب ذلك أيضا أنّ الرشيد كان لا يصبر على الجدّ ويحبّ الأنس. وكان قد أنس بجعفر وكان لا يصبر عن أخته العبّاسه بنت المهدىّ، وكان يحضرهما إذا جلس للشرب، وذلك بعد أن أعلم جعفرا قلّة صبره عنه وعنها، وقال لجعفر: - «أزوّجكها ليحلّ لك النظر إليها إذا أحضرتها مجلسي.» وتقدّم إليه [١] إلّا يمسّها ولا يكون منه شيء ممّا يكون من الرجل إلى زوجته، فزوّجها منه على ذلك، فكان يحضرهما مجلسه إذا جلس للشرب، ثمّ يقوم عن مجلسه ويخلّيهما فيثملان من الشراب وهما شابّان، فيقوم إليها جعفر فيجامعها، حتّى حملت منه وولدت ولدا ذكرا، فخافت على نفسها من الرشيد إن علم بذلك، فوجّهت بالولد مع حواضن [٥٦٦] من مماليكها إلى مكّة فلم يزل الأمر مستترا عن هارون إلى أن وقع بين عبّاسة وبين بعض جواريها شرّ، فأنهت أمرها وأمر الصبىّ [إلى الرشيد] [٢] وأخبرته بمكانه ومع من هو من

стр. 1583

جواريها وما معه من الحلي الذي زينّته به أمّه. فأمسك هارون حتّى حجّ هذه الحجّة التي ذكرناها فأرسل إلى الموضع الذي كانت الجارية أخبرته به، واستدعاه ومن معه من الحواضن، فلمّا أحضروا سأل اللواتي مع الصبىّ، فأخبرنه بمثل القصّة التي أخبرته به الرافعة على عبّاسة فأراد قتل الصبى، ثمّ تحوّب [١] من ذلك. وكان جعفر يتّخذ للرشيد طعاما كلما حجّ بعسفان، فلمّا كان فى هذه السنة اتّخذ الطعام على الرسم، واستزار الرشيد، فاعتلّ عليه ولم يحضر طعامه. ولم يزل معه حتّى جرى عليه ما جرى، وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله. وقد كان الرشيد قبل إقدامه بالقتل على جعفر بن يحيى وحبسه ليحيى وأولاده تنكّر لهم حتّى عرف ذلك أكثر من يليه، وعرفه البرامكة أيضا. فمن ذلك ما ذكر بختيشوع بن جبريل [٥٦٧] عن أبيه أنّه قال: إنّى لقاعد يوما فى مجلس الرشيد إذ طلع يحيى بن خالد، وكان فيما مضى يدخل بلا إذن، فلمّا دخل فصار بالقرب من الرشيد وسلّم، ردّ عليه ردّا ضعيفا. فعلم يحيى أنّ أمرهم قد تغيّر، ثمّ أقبل علىّ الرشيد، فقال: - «يا جبريل، أيدخل عليك وأنت فى منزلك أحد بلا أذنك؟» فقلت: «لا والله، ولا يطمع فى ذلك.» قال: «فما بالنا، يدخل إلينا بلا إذن.» فقام يحيى فقال:

стр. 1584

- «يا أمير المؤمنين، قدّمنى الله قبلك، والله ما ابتدأت ذلك الساعة وما هو إلّا شيء كان خصّنى به أمير المؤمنين ورفع به ذكرى حتّى إنّى كنت لأدخل وهو فى فراشه مجرّدا حينا وحينا فى بعض إزاره، وما علمت أنّ أمير المؤمنين كره ما كان يحبّ، وإذ قد علمت فإنّى أكون فى الطبقة الثانية من أهل الإذن، أو الثالثة، إن أمرنى سيّدى بذلك.» فاستحيى، وكان من أرّق الخلفاء وجها وعيناه فى الأرض ما يرفع طرفه إليه، ثمّ قال: - «ما أردت ما تكره، ولكنّ الناس يقولون.» قال جبريل: فظننت أنّه لم يسنح له جواب يرتضيه. فأجاب بهذا القول، ثمّ أمسك عنه وخرج [٥٦٨] يحيى. ومن ذلك أنّ الرشيد رأى يحيى بن خالد يوما وقد دخل الدار، فقام الغلمان له، فقال الرشيد لمسرور الخادم: - «مر [١] الغلمان إلّا يقوموا ليحيى إذا دخل الدار.» فلمّا دخل بعد ذلك، لم يقم له أحد، فاربدّ لونه فكان الغلمان والحجّاب بعد إذا رأوه أعرضوا عنه. وكان ربّما استسقى الشربة من الماء أو غيره، فلا يسقونه، وبالحرىّ إن سقوه أن يكون ذاك بعد أن يدعو بها مرارا.

стр. 1585

ومن ذلك [١] ما تحدّث به إبراهيم بن المهدىّ وكان مختصّا به لأنّ جعفرا هو الذي قدّمه وقرّبه من الرشيد، وكان صاحبه وولىّ نعمته. قال إبراهيم: قال لى جعفر يوما: - «إنّى قد استربت بأمر هذا الرجل- يعنى الرشيد- وقد ظننت أنّ ذلك شيء سبق إلى نفسي منه، فأردت أن أعتبر ذلك بغيري، فكنت أنت، فارمق ذلك فى يومك هذا وأعلمني ما ترى منه.» قال: ففعلت ذلك فى يومى، فلمّا نهض الرشيد من مجلسه كنت أوّل أصحابه نهض عنه حتّى صرت إلى شجر فى طريقي، فدخلتها ومن معى، فأمرتهم بإطفاء الشمع، وأقبل الندماء يمرّون بى واحدا [٥٦٩] واحدا فأراهم ولا يرونني، حتّى إذا لم يبق منهم أحد إذا أنا بجعفر قد طلع، فلمّا حاذى الشجر قال: - «اخرج يا حبيبي.» فخرجت، فقال: - «ما عندك؟» فقلت: «حتّى تعلمني كيف علمت أنّى هاهنا.» قال: «عرفت عنايتك بى وبما أعنى به، وإنّك لم تكن لتنصرف أو تعلمني ما رأيت منه، وعلمت أنّك تكره أن ترى واقفا فى هذا الوقت وليس فى طريقك موضع أستر منه فقضيت بأنّك فيه.» قلت: «نعم.» قال [٢] : «فهات ما عندك.»

стр. 1586

قلت: «رأيت الرجل يهزل إذا جددت، ويجدّ إذا هزلت.» قال: «كذا هو، فانصرف يا حبيبي.» فانصرفت. ذكر الخبر عن مقتله لمّا انصرف الرشيد من مكّة فوافى الحيرة فى المحرّم سنة سبع وثمانين، أقام فى قصر عون العبادىّ أيّاما، ثمّ شخص فى السفن حتّى نزل العمر [١] الذي بناحية الأنبار، فلمّا كانت ليلة السبت لانسلاخ المحرّم أرسل مسرورا الخادم فى جماعة من خواصّه وقال: - «اذهب فأتنى بجعفر وانظر ألّا يحسّ حتّى تقيّده [٥٧٠] أولا ثمّ تأتينى برأسه.» قال مسرور: فأتيته وعنده أبو زكّار الأعمى المغنّى وهو فى لهوه ويغنّيه أبو زكّار: فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادى [٢] قال: فقلت له: - «يا با الفضل، الذي جئت له من ذلك قد والله طرقك فأجب أمير المؤمنين.» قال: فرفع يديه، ثمّ وقع على رجلىّ فقبّلهما وقال:

стр. 1587

- «حتّى أدخل فأوصى.» قلت: - «أمّا الدخول فلا سبيل إليه، ولكن أوص بما شئت.» فتقدّم فى وصيّته بما أراد، وأعتق مماليكه. ثمّ أتتنى رسل أمير المؤمنين يستحثّنى به. قال: فمضيت به إليه فأعلمته فقال لى وهو فى فراشه: - «ائتني برأسه.» قال: فمضيت به إليه. فلمّا عرف أنّه مقتول، قال: - «الله الله يا با هاشم، والله ما أمرك بما أمرك به إلّا وهو سكران فدافع بالأمر حتّى أصبح، فإنّه سيندم ويؤاخذك بى.» فقلت: «لا أجسر على ذلك.» قال: «فوامره فىّ ثانية.» فعدت لأوامره، فلمّا سمع حسّى قال: - «يا ماصّ بظر أمّه، ائتني برأس جعفر.» فعدت إلى جعفر، فقال: - «عاوده ثالثة.» فعدت [٥٧١] فحذفنى بعمود ثمّ قال: - «نفيت من المهدىّ، لئن لم تأتنى برأسه لأرسلنّ إليك من يأتينى برأسك أولا.» قال: فخرجت، فأتيته برأسه. الإحاطة بيحيى بن خالد وسائر البرامكة وأمر الرشيد فى تلك الليلة بتوجيه من أحاط بيحيى بن خالد وجميع ولده ومواليه ومن كان منه بسبيل، فلم يفلت منهم أحد، وأخذ ما وجد لهم من مال

стр. 1588

وضياع ومتاع وغير ذلك، ومنع أهل العسكر أن يخرج منهم خارج إلى مدينة السلام أو إلى غيرها. ووجّه من ليلته قوما إلى الرقّه فى قبض أموالهم. وكتب إلى جميع البلدان وإلى العمّال بها فى قبض أموالهم وأخذ وكلائهم. فتحدّث السندىّ بن شاهك قال: إنّى لجالس يوما فإذا أنا بخادم قد قدم على البريد ودفع إلىّ كتابا صغيرا ففضضته فإذا كتاب الرشيد بخطّه فيه: - «بسم الله الرحمن الرحيم، يا سندىّ، إذا نظرت فى كتابي فإن كنت قاعدا فقم، وإن كنت قائما فلا تقعد حتّى تصير إلىّ.» قال السندىّ: فدعوت بدوابّى ومضيت وكان الرشيد بالعمر، فحدّثنى العبّاس بن الفضل بن الربيع قال: جلس الرشيد فى الزوّ بالفرات [٥٧٢] ينتظرك حتّى ارتفعت غبرة، فقال لى: - «يا عبّاسىّ، ينبغي أن يكون هذا السندىّ وأصحابه.» فقلت: «ما أشبهه أن يكون يا أمير المؤمنين.» قال: «فطلعت.» فقال السندىّ: فنزلت ووقفت، فأرسل إلىّ الرشيد: - «ادن.» فصرت إليه، ووقفت ساعة بين يديه، فقال لمن كان عنده من الخدم: - «قوموا.» فقاموا، فلم يبق إلّا العبّاس بن الفضل وأنا. فمكث ساعة ثمّ قال للعبّاس: - «اخرج ومر برفع التخاتج [١] المطروحة على الزوّ.» ففعل ذلك. فقال لى: - «ادن منّى.»

стр. 1589

فدنوت منه، فقال: - «تدرى فيم أرسلت إليك؟» قلت: «لا والله يا أمير المؤمنين.» قال: «فى أمر لو علم به زرّ قميصي رميت به فى الفرات، يا سندىّ، من أوثق قوّادى عندي؟» قلت: «هرثمة [١] .» قال: «صدقت، فمن أوثق خدمي عندي؟» قلت: «مسرور الخادم الكبير.» قال: «صدقت، امض من ساعتك هذه، وجدّ فى سيرك حتّى توافى مدينة السلام، فاجمع ثقات أصحابك وأرباعك، ومرهم أن يكونوا على أهبة، فإذا انقطعت الرجل [٢] فصر إلى دور البرامكة فوكّل بكلّ باب من أبوابهم صاحب ربع ومره أن يمنع من يدخل [٥٧٣] ويخرج إلّا باب محمّد بن خالد حتّى يأتيك رأيى.» قال: ولم يكن قد حرّك البرامكة فى ذلك الوقت. قال السندىّ: فجئت أركض حتّى أتيت مدينة السلام، فجمعت أصحابى وفعلت ما أمرنى به، فلم ألبث أن قدم علىّ هرثمة بن أعين ومعه جعفر بن يحيى على بغل أكّاف [٣] مضروب العنق، وإذا كتاب أمير المؤمنين يأمرنى أن أشطره باثنين وأن أصلبه على ثلاثة [٤] جسور. ففعلت ذلك ولم يزل مصلوبا حتّى أراد الرشيد الخروج إلى خراسان، فمضيت فنظرت إليه، فلمّا مرّبه الرشيد التفت إلىّ

стр. 1590

فقال: - «ينبغي أن تحرق هذا- يعنى جعفرا.» فلمّا مضى الرشيد أحرقه. فمن غريب ما سمع من أمره إنّ بعض الكتّاب قال: كنت أنظر فى ديوان النفقات وما يخرج من الخزائن، فانتهيت يوما إلى ورقة، فيها: «وفى هذا اليوم أخرج إلى الأمير أبى الفضل جعفر بن يحيى أدام الله كرامته ما أمر أمير المؤمنين، بإخراجه إليه من الورق كذا، ومن العين كذا، ومن الفرش كذا، ومن الكسوة والطيب كذا، حتّى بلغ ما مقداره ثلاثون ألف ألف درهم.» [٥٧٤] ثمّ تصفّحت الأوراق، فانتهيت إلى ورقة فيها: - «وفى هذا اليوم أخرج فى ثمن البواري والنفط الذي أحرق به جعفر بن يحيى أربعة دراهم ونصف وربع.» وقال سلّام: لمّا دخلت على يحيى فى ذلك الوقت وقد هتكت الستور وجمع المتاع قال لى: - «يا با سلمة، هكذا تقوم القيامة.» قال سلّام: فحدّثت بذلك الرشيد بعد ما انصرفت إليه، فأطرق وبقي مفكّرا. ووجدت فى بعض الكتب [١] : أنّ البرامكة قصدت عبد الله بن مالك الخزاعي بالعداوة، وكان الرشيد حسن الرأى فيه، وكانوا يغرونه [٢] به حتّى قالوا:

стр. 1591

- «لا بدّ من نكبته.» فقال: «ما كنت لأنكبه ولكنّى أبعده عنكم.» فقالوا: «ينفى؟» قال: «لا، ولكنّى أوّليه ولاية دون قدره عندي وأخرجه إليها.» فرضوا بذلك، وكتبوا له على حرّان والرها فقط، وأمروه عن الخليفة بالخروج، قال عبد الله: فودّعتهم واحدا واحدا حتّى إذا صرت إلى جعفر لأودّعه قال: - «ما على الأرض عربىّ أنبل منك يا با العبّاس، يغضب عليك الخليفة فيولّيك.» قلت: «فما ذنبي حتّى غضب، وأىّ شيء جزاء ذنبي الذي ترضى أن يعمل بى؟» فاستشاط [٥٧٥] من قولي ثمّ قال: - «ينبغي أن يضرب وسطك وتصلب نصفا فى جانب ونصفا فى جانب آخر.» فنهضت من عنده مغضبا، وأقبلت أتردد فى أمرى، إلّا أنّى لم أجد بدّا من الخروج، فقطعت طريقي بالهمّ والغمّ لأنّى كنت لا آمنهم مع غيبتي علىّ بالسعاية بى. فبينا أنا عشية على باب الدار التي كنت نزلتها، جالسا على كرسىّ، إذ أقبل إلىّ مولى لى، فقال لى سرّا: - «قد قتل جعفر بن يحيى البرمكىّ.» فتوهّمت أنّه قد دسّه إلىّ جعفر ليجد علىّ حجّة بكلام ينكبنى بها، فبطحته وضربته ثلاثمائة مقرعة، وحبسته بليلة طويلة على سطح دارى. فلمّا كان فى السحر، إذا صوت حلق الحديد، فارتعت ونزلت عن السطح وقلت فى نفسي: إن هجم علىّ صاحب البريد فهي نكبة عظيمة وإن ترجّل واستأذن ففرح. فلمّا

стр. 1592

بصر بى صاحب البريد، ترجّل فطابت نفسي، ودفع إلىّ كتابا من الرشيد يخبرني فيه بقتله البرامكة وقبضه عليهم، ويأمرنى بالشخوص إليه. فشخصت، فلمّا وصلت عاملني من الإنعام والإكرام ما زاد على أمنيّتى. وخرجت، فأتيت الجسر، فوجدت جعفرا قد ضرب وسطه، نصفه من جانب [٥٧٦] والنصف الآخر من جانب آخر [١] ، فأكثرت حمد الله وعجبت من الصنع اللطيف ورجوع الكيد عليه. قال أيّوب بن هارون بن سليمان: كنت أميل إلى يحيى وأنزل معه، فكنت معه تلك العشيّة، فلمّا كان فى السحر وافانا خبر مقتل جعفر وزوال أمرهم، قال: فكتبت إلى يحيى أعزّيه، فكتب إلىّ: - «أنا بقضاء الله راض، وبالخيار منه عالم، ولا يؤاخذ الله العباد إلّا بذنوبهم وما ربّك بظلّام للعبيد.» وأكثرت الشعراء فى مراثيهم وأطالت. وفى هذه السنة غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح وحبسه ذكر السبب فى ذلك كان لعبد الملك بن صالح ابن يقال له عبد الرحمن من رجال البأس [٢] له لسان على فأفأة فيه وكان كاتبه قمامة يصادقه فجرت بينهما وبين أبيه

стр. 1593

وحشة، فواطأ الكاتب قمامة، فسعيا به إلى الرشيد وقالا له: - «إنّه يطلب الخلافة ويطمع فيها.» فذكر أنّه دخل على الرشيد فقال له: - «أكفرا للنعمة وجحودا لجليل [٥٧٧] المنّة والتكرمة؟» فقال: «يا أمير المؤمنين، لقد بؤت إذا بالندم، وتعرّضت لاستحلال النقم، وما ذاك إلّا بغى حاسد نافسني فيك مودّة القرابة وتقديم الولاية. إنّك يا أمير المؤمنين خليفة رسول الله صلّى الله عليه، فى أمّته، وأمينه على عترته [١] لك عليها فرض الطاعة وأداء النصيحة، ولها عليك العدل فى حكمها والتثبّت فى حادثها والغفران لذنوبها.» فقال له الرشيد: - «أتضع لى من لسانك وترفع لى من جناحك؟ هذا كاتبك قمامة يخبر عنك بغلّك وفساد نيّتك، فاسمع كلامه.» فقال عبد الملك: - «أعطاك ما ليس فى عقده، ولعلّه لا يقدر أن يعضهنى ولا يبهتني بما لا يعرفه منّى» فأحضر قمامة، فقال له الرشيد: - «تكلّم غير هائب ولا خائف.» قال: «نعم يا أمير المؤمنين، إنّه عازم على الغدر بك والخلاف عليك.» فقال عبد الملك: - «أهو كذلك يا قمامة؟» قال قمامة: «نعم، لقد أردت ختل [٢] أمير المؤمنين.»

стр. 1594

فقال عبد الملك: - «كيف لا يكذب علىّ من خلفي وهو يبهتني فى وجهى؟» فقال له الرشيد: - «وهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني بعتوّك [٥٧٨] وفساد نيّتك ولو أردت أن أحتجّ عليك بحجّة لم أجد أعدل من هذين لك فبم تدفعهما عنك؟» فقال عبد الملك: - «هو مأمور أو عاقّ مجبور. فإن كان مأمورا فمعذور، وإن كان عاقّا ففاجر كفور. أخبر الله بعداوته وحذّر منه بقوله: إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوّا لكم فاحذروهم. [١] » قال: فنهض الرشيد وهو يقول: - «أمّا أمرك فقد وضح، ولكنّى لا أعجل حتّى أعلم الذي يرضى الله فيك، فإنّه الحكم بيني وبينك.» فقال عبد الملك: - «رضيت بالله حكما وبأمير المؤمنين حاكما، فإنّى أعلم أنّه يؤثر كتاب الله على هواه وأمر الله على رضاه.» فلمّا كان بعد ذلك جلس مجلسا آخر، فسلّم لمّا دخل فلم يردد عليه، فقال عبد الملك: - «ليس هذا يوما أحتجّ فيه، ولا أجاذب منازعا وخصما.» قال: «ولم؟» قال: «لأنّ أوّله جرى على غير السنّة، فأنا أخاف آخره.» قال: «وما ذاك؟»

стр. 1595

قال: «لم تردّ علىّ السلام، أنصف نصفة العوامّ. [١] » قال: «السلام عليكم اقتداء بالسنّة وإيثارا للعدل واستعمالا للتحيّة.» ثمّ التفت نحو سليمان بن أبى جعفر فقال وهو يخاطب بكلامه عبد الملك: [٥٧٩] أريد حباءه ويريد قتلى ... عذيرك من خليلك من مراد [٢] ثمّ قال: «أمّا والله لكأنّى أنظر إلى شؤبوبها وقد همع، وعارضها وقد لمع، وكأنّى بالوعيد قد أورى نارا تستطع، فأقلع عن براجم بلا معاصم، ورؤوس بلا غلاصم، فمهلا مهلا فبي سهل لكم الوعر، وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أثناء أزمّتها، ونذار لكم نذار قبل حلول داهية خبوط باليد، لبوط بالرّجل.» فقال عبد الملك: - «اتّق الله يا أمير المؤمنين فيما ولّاك، وفى رعيّته التي استرعاك، ولا تجعل الكفر مكان الشكر، ولا العقاب موضع الثواب، فقد نخلت لك النصيحة، ومحضت لك الطاعة، وسددت أواخى ملكك بأثقل من ركني يلملم، وتركت عدوّك مشغولا بنفسه. فالله الله فى ذى رحمك أن تقطعه بعد أن بللته بظنّ أفصح الكتاب لى بغضه [٣] أو ببغى باغ ينهس [٤] اللحم، ويالغ الدمّ فقد والله سهّلت لك

стр. 1596

الوعور، وذلّلت لك الأمور، وجمعت على طاعتك القلوب فى الصدور. فكم من ليل تمام فيك كابدته [٥] ، ومقام ضيّق لك قمته، كنت فيه كما [٥٨٠] قال أخو بنى جعفر بن كلاب: ومقام ضيّق فرّجته ... بلساني وبيانى وجدل لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامي وزحل [٦] ما ذكره زيد بن على بن الحسين العلوي فى الرشيد وحبسه ابن صالح وذكر زيد بن علىّ بن الحسين العلوىّ قال: لمّا حبس الرشيد عبد الملك بن صالح، دخل عليه عبد الله بن مالك وهو يومئذ على شرطه قال: - «أفى أذن أنا فأتكلّم؟» قال: «تكلّم.» قال: «لا والله العظيم الرحمن الرحيم يا أمير المؤمنين، ما علمت عبد الملك إلّا ناصحا فعلام حبسته؟» قال: «ويحك، أوحشنى حتّى لم آمنه أن يضرّب بين ابنىّ هذين- يعنى الأمين والمأمون، فإن كنت ترى أن نطلقه من الحبس، أطلقناه.» قال: «أمّا إذا حبسته يا أمير المؤمنين فإنّى لست أرى فى قرب المدّة أن تطلقه. ولكن تحبسه محبسا كريما يشبه محبس مثلك.»

стр. 1597

قال: «فإنّى أفعل.» قال: فدعا الرشيد الفضل بن الربيع، فقال: - «امض إلى عبد الملك بن صالح إلى محبسه وقل له: انظر ما تحتاج إليه فى محبسك. فآمر به أن يقام لك.» فذكر ما يحتاج إليه فأقيم له. كلام بين الرشيد وابن صالح وقال [٥٨١] الرشيد يوما لعبد الملك بن صالح فى بعض ما كلّمه: - «ما أنت لصالح.» قال: «فلمن أنا؟» قال: «لمروان الجعدىّ.» قال: «ما أبالى أىّ الفحلين غلب علىّ.» ولم يزل محبوسا حتّى توفّى الرشيد فأطلقه محمّد وعقد له على الشام. فكان مقيما بالرقّه وجعل لمحمّد عهد الله وميثاقه لئن قتل وهو حىّ لا يعطى المأمون طاعة أبدا. فمات قبل محمّد، فدفن فى دار من دور الإمارة. فلمّا صار الأمر إلى المأمون أرسل إلى ابن له: - «حوّل أباك من دارى.» فنبش وحوّل. استعلام الرشيد يحيى بن خالد فى عبد الملك بن صالح وكان الرشيد بعث فى بعض أيّامه إلى يحيى بن خالد: - «أنّ عبد الملك بن صالح أراد الخروج علىّ ومنازعتي فى الملك، وقد صحّ عندي ذلك، فأعلمنى ما عندك فيه، فإنّك إن صدقتني أعدتك إلى حالك.» فقال:

стр. 1598

- «والله يا أمير المؤمنين، ما اطّلعت من عبد الملك على شيء من هذا، ولو اطّلعت عليه لكنت صاحبه دونك لأنّ ملك كان ملكي، وسلطانك كان سلطاني والخير والشرّ كان فيه علىّ، فكيف يجوز لعبد الملك أن يطمع فى ذلك منّى، وهل كنت إذا فعلت ذلك به يفعل بى أكثر من فعلك بى أعيذك [٥٨٢] بالله أن تظنّ بى هذا الظنّ. ولكنّه كان رجلا محتملا يسرّنى أن يكون فى أهلك مثله فولّيته لما أحمدت من مهذبه، وملت إليه لأدبه واحتماله.» قال: فلمّا أتاه الرسول بهذا، أعاده إليه، فقال: - «إن أنت لم تقرّ عليه قتلت الفضل ابنك.» فقال له: «أنت مسلّط علينا فافعل ما أردت على أنّه إن كان من هذا الأمر شيء فالذنب فيه لى، فما يدخل الفضل فى هذا.» فقال الرسول للفضل: - «قم، فإنّه لا بدّ لى من إنفاذ أمر أمير المؤمنين فيك.» فلم يشكّ أنّه قاتله، فودّع أباه وقال: - «ألست راضيا؟» قال: «بلى، فرضي الله عنك.» ففرّق بينهما ثلاثة أيّام فلمّا لم يجد عنده فى ذلك شيئا، جمعهما كما كانا. وكان يأتيهم منه أغلظ رسائل لما كان أعداؤهم يقرفونهم به. أسئلة وأجوبة بين الرشيد وعبد الملك بن صالح وكان عبد الملك حاضر الجواب، جيّد الرويّة، وهو الذي قال للرشيد وقد مرّ به بمنبج [١] مستقر عبد الملك. فسأله:

стр. 1599

- «أهذا منزلك؟» قال: «هو لك يا أمير المؤمنين ولى بك.» قال: «كيف هو؟» قال: «دون بناء أهلى، وفوق منازل منبج.» قال: «كيف ليلها.» قال: «سحر كلّه.» انتقاض الصلح بين المسلمين والروم وفى هذه السنة انتقض الصلح بين المسلمين وبين الروم [٥٨٣] لأنّ ملك الروم الذي كان صالح المسلمين على الجزية وحمل مال للصلح قتل وملك الروم نقفور. وكان نقفور هذا من أولاد جفنة من غسّان، فلمّا ملك واستوسقت له الأمور، كتب إلى الرشيد: - «من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب [١] أمّا بعد، فإنّ الملك الذي كان قبلي كان يحمل إليك من أمواله ما كنت حقيقا بحمل أمثاله إليه، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أمواله وافتد نفسك بما تقع به المصادرة لك وإلّا فالسيف بيننا وبينك.» فلمّا قرأ الرشيد الكتاب، استفزّه الغضب حتّى لم يمكن أحدا [٢] أن ينظر إليه دون أن يخاطبه، وتفرّق جلساؤه خوفا من زيادة قول يكون منهم، واستعجم

стр. 1600

الرأى على الوزير أن يشير عليه أو يتركه برأيه. فدعا هارون بدواة وكتب على ظهر الكتاب: - «بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام.» ثمّ شخص من يومه وسار حتّى أناخ بباب هرقلة، ففتح وغنم واصطفى وأفاد [٥٨٤] واصطلم وخرّب وأحرق. فطلب نقفور الموادعة على خراج يؤدّيه كل سنة فأجابه إلى ذلك. فلمّا رجع من غزوته وصار بالرقّة نقض نقفور العهد وخان الميثاق، وكان البرد شديدا، فيئس نقفور من رجعته إليه، وجاء الخبر بارتداده عمّا أخذ عليه، فما تهيّأ لأحد إخباره بذلك إشفاقا عليه وعلى أنفسهم من الكرّة فى مثل تلك الأيّام، فاحتيل له بشاعر فقال: نقض الّذى أعطيته نقفور ... وعليه دائرة البوار تدور فى أبيات كثيرة. فلمّا فرغ من إنشاده، قال: - «أو قد فعل نقفور؟» وعلم أنّ الوزراء قد احتالوا له فى ذلك. فكّر راجعا فى أشدّ محنة وأعظم كلفة حتّى أناخ بفنائه فلم يبرح حتّى رضى وبلغ ما أراد. قتل عثمان بن نمهيك وفى هذه السنة قتل إبراهيم بن عثمان بن نهيك.

стр. 1601

ذكر السبب فى ذلك كان إبراهيم بن عثمان كثيرا ما يذكر جعفر بن يحيى والبرامكة، فيبكي جزعا عليهم وحبّا لهم [١] إلى أن خرج من حدّ البكاء ودخل فى باب طالبي الثأر والإحن [٢] ، فكان إذا خلا [٥٨٥] بجواريه وشرب وقوى عليه النبيذ قال: - «يا غلام سيفي ذو المنيّة.» فيجيئه غلامه بالسيف، ثمّ يقول: - «وا جعفراه، وا سيّداه، والله لأقتلنّ قاتلك ولأثأرنّ برمك.» فلمّا كثر هذا من فعله جاء ابنه عثمان إلى الفضل بن الربيع، فأخبره بقوله. فدخل الفضل، فأخبر الرشيد فقال: - «هاته.» [٣] فدخل، فقال: - «ما الذي قال الفضل عنك؟» فأخبره بقول أبيه وفعله.» فقال له الرشيد: - «فهل سمع هذا أحد معك؟» قال: «نعم، خادمه نوال.» فدعا خادمه سرّا، فسأله، فقال: - «قد قال غير مرّه.» فقال الرشيد: - «ما يحلّ لى أن أقتل وليّا من أوليائى بقول غلام وخصىّ لعلّهما تواطئا

стр. 1602

على ذلك بمنافسة الابن على المرتبة، ومعاداة الخادم، وملله طول الصحبة.» فترك ذاك أيّاما، ثمّ أراد أن يمتحن إبراهيم بن عثمان بمحنة تزيل الشكّ عن قلبه، والخاطر عن وهمه. فدعا الفضل بن الربيع فقال: - «إنّى أريد محنة إبراهيم بن عثمان فيما رفع ابنه عليه، فإذا رفع الطعام فادع بالشراب وقل له: أحبّ أمير المؤمنين أن ينادمك إذ كنت منه بالمحلّ [٥٨٦] الذي أنت به، فإذا شرب، فانصرف وخلّنى وإيّاه.» ففعل ذلك الفضل بن الربيع، وقعد إبراهيم للشرب، ثمّ وثب حين وثب الفضل للقيام، فقال له الرشيد: - «مكانك يا إبراهيم.» فقعد، فلمّا طابت نفسه، أومأ الرشيد إلى الغلمان، فتنحّوا عنه، ثمّ قال: - «يا إبراهيم، كيف أنت وموضع السرّ منك؟» قال: «يا سيّدى، إنّما أنا أدون عبيدك وأطوع خدمك.» قال: «إنّ فى نفسي أمرا من الأمور أريد أن أودعكه، وقد ضاق صدري به وأسهرت [١] له ليلى.» قال: «يا سيّدى، إذا لا يرجع عنّى إليك أبدا، أخفيه عن جيبي ونفسي.» قال: «ويحك، إنّى قد ندمت على قتل جعفر بن يحيى ندامة ما أحسن أن أصفها، فوددت أنّى خرجت من ملكي وأنّه كان بقي لى، [٢] فما وجدت طعم النوم منذ فارقته ولا لذّة العيش منذ قتلته.» قال: فلمّا سمعها إبراهيم أسبل دموعه وأذرى عبرته ولم يملك نفسه وقال: - «رحم الله أبا الفضل وتجاوز عنه، والله يا سيّدى، لقد أخطأت فى قتله و

стр. 1603

أوطئت العشوة فى أمره ولن يوجد فى الدنيا مثله، وقد كان منقطع القرين زينا فى الناس أجمعين.» فقال الرشيد: - «قم عليك لعنة الله يا بن الفاجرة. [٥٨٧] فقام ما يعقل ما يطأ، فانصرف إلى أمّه وقال: - «يا أمّ، ذهبت والله نفسي.» قالت: «كلّا إن شاء الله، وما ذاك يا بنىّ؟» قال: «إنّ الرشيد امتحنني محنة. والله ولو كانت لى ألف نفس لم أنج بواحدة منها.» فما كان بين هذا وبين أن أدخل عليه فضرب بالسيف إلّا ليال وقتله. [١] ثمّ دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة ولم يجر فيها ما يثبت. ودخلت سنة تسع وثمانين ومائة. شخوص الرشيد إلى الري وسببه وفى هذه السنة شخص الرشيد إلى الرىّ، وكان سبب ذلك أنّ الرشيد كان استشار يحيى فى تولية علىّ بن عيسى بن ماهان، فأشار عليه ألّا يفعل، فإنّه غشوم، فخالفه الرشيد وولّاه إيّاها. فلمّا شخص علىّ بن عيسى إليها، ظلم الناس وعسف عليهم وجمع مالا جليلا، ووجّه إلى هارون منها هدايا لم ير

стр. 1604

مثلها قطّ من الخيل والرقيق والثياب والمسك والأموال. فقعد هارون بالشماسيّة على دكّان مرتفع حين وصل إليه ما بعث به علىّ إليه، وأحضرت تلك الهدايا فعرضت عليه فعظمت فى عينه وجلّ قدرها عنده وإلى جانبه يحيى بن خالد، فقال له: - «يا با علىّ، [٥٨٨] هذا الذي كنت تشير علينا إلّا نولّيه هذا الثغر، فقد خالفناك فيه، فكان فى خلافك البركة- وهو كالمازح معه وكان إذ ذاك على مرتبته الجليلة وموضعه اللطيف- فقد ترى الآن ما صحّ من رأينا فيه وفال [١] من رأيك.» فقال يحيى: - «يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداءك أنا وإن كنت أحبّ أن أصيب فى رأيى وأوّفق فى مشورتي، فأنا أحبّ مع ذلك أن يكون رأى أمير المؤمنين أعلى، وفراسته أثقب، وعلمه أكثر من علمي، ومعرفته فوق معرفتي، وما أحسن هذا وأكثره إن لم يكن وراءه ما يكره أمير المؤمنين، وما أسأل الله أن يعيذه من سوء عاقبته وتباع مكروهه.» قال: «وما ذاك؟» قال: «ذاك أنّى أحسب هذه الهدايا ما اجتمعت له حتّى ظلم فيها الأشراف وأخذ أكثرها ظلما وتعدّيا، ولو أمرنى أمير المؤمنين لأتيته بأضعافها الساعة من بعض تجّار الكرخ.» قال: «وكيف ذاك؟» قال: «قد ساومنا عونا على السفط الذي جاءنا به من الجوهر، فأعطيناه به سبعة آلاف ألف فأبى أن يبيعه. فابعث إليه الساعة بحاجبى، فأمر أن يردّه إلينا

стр. 1605

لنعيد فيه نظرنا فإذا جاء به جحدناه وربحنا سبعة آلاف [٥٨٩] ألف، ثمّ نفعل هذا بتاجرين من كبار التّجار، وعلى أنّ هذا أسلم عاقبة وأستر أمرا من فعل علىّ بن عيسى فى هذه الهدايا بأصحابها، فأجمع لأمير المؤمنين فى ثلاث ساعات أكثر من قيمة هذه الهدايا بأهون سعى وأيسر أمر وأجمل جباية كما جمع علىّ فى ثلاث سنين.» فوقرّت فى نفس الرشيد، وأمسك عن ذكر علىّ بن عيسى، فلمّا عاث علىّ بن عيسى بخراسان ووتر أشرافها فأخذ أموالهم واستخفّ برجالهم، خفّت رجال من كبرائها إلى الرشيد، وكتبت جماعة من كورها إلى أصحابها وقراباتها ببغداد، تشكو سوء سيرته وخبث طعمته ورداءة مذهبه وتسأل أمير المؤمنين أن يبدلها به من أحبّ من كفاته وأنصاره وأبناء دولته وقوّاده. فدعا يحيى بن خالد، وشاوره فى أمر علىّ بن عيسى وفى صرفه وقال: - «أشرّ علىّ برجل ترضاه لذلك الثغر يصلح ما أفسد الفاسق، ويرتق ما فتق.» فأشار عليه بيزيد بن مزيد، فلم يقبل مشورته. ثمّ دخلت سنة تسعين ومائة ظهور رافع بن الليث بسمرقند مخالفا هارون وفى هذه السنة ظهر رافع بن الليث بن نصر بن سيّار بسمرقند مخالفا هارون [٥٩٠] وخالعا له، ونزع يده من طاعته. ذكر السبب فى ذلك كان يحيى بن الأشعث بن يحيى الطائي تزوّج بخراسان بنتا لعمّه، وكانت

стр. 1606

ذات يسار [١] ، فأقام بمدينة السلام وتركها بسمرقند وبلغها أنّه قد اتّخذ أمّهات أولاد، وطال عليها أمره، فالتمست شيئا للتخلّص منه، فعىّ عليها وبلغ رافعا خبرها، فطمع فيها وفى مالها، فدسّ إليها من قال لها: إنّه لا سبيل لها إلى التخلّص من صاحبها إلّا أن تشرك بالله وتحضر لذلك قوما عدولا وتكشف شعرها بين أيديهم، ثمّ تتوب فتحلّ للأزواج، ففعلت ذلك وتزوّجها رافع، وبلغ الخبر يحيى بن الأشعث فرفع ذلك إلى الرشيد، فكتب إلى علىّ بن عيسى يأمره أن يفرّق بينهما وأن يعاقب رافعا بجلد الحدّ ويقيّده، ثمّ يطوف به مدينة سمرقند مقيّدا على حمار حتّى يكون عظة لغيره. فدرأ سليمان بن حميد الأزدى عنه الحدّ وحمله على حمار مقيّدا حتّى طلّقها، ثمّ حبسه فى حبس سمرقند، فهرب من [٥٩١] الحبس ليلا من عند حميد بن المسيح وهو يومئذ على شرطة سمرقند، فلحقّ بعلىّ بن عيسى ببلخ فطلب الأمان فلم يجبه علىّ إليه وهمّ بضرب عنقه، فكلّمه فيه ابنه عيسى بن علىّ، وجدّد طلاق المرأة، وإذن له فى الانصراف إلى سمرقند، فانصرف إليها. ووثب بسليمان بن حميد عامل علىّ بن عيسى فقتله. فوجّه إليه علىّ بن عيسى ابنه، فمال الناس إلى سباع بن مسعدة، فوثب على رافع فقيّده، واجتمع الناس عليه فقيّدوه ورأسوا رافعا وبايعوه، وطابقه من كان بوراء النهر، ووافاه عيسى بن علىّ بن عيسى، فلقيه رافع، فهزمه ثمّ قتله، فأخذ علىّ بن عيسى فى فرض الرجال والتأهّب للحرب. فتح الرشيد هرقلة بأرض الروم وفى هذه السنة فتح الرشيد هرقلة بأرض الروم وكان دخلها فى مائة ألف

стр. 1607

وخمسة وثلاثين ألف مرتزق سوى الأتباع وسوى المطوّعة ومن لا ديوان له. ووجّه داود بن عيسى بن موسى سائحا فى أرض الروم فى سبعين ألفا، وأخرب هارون الرشيد هرقلة وسبى أهلها بعد مقام ثلاثين يوما عليها، وولّى حميد بن معيوف سواحل بحر الشام [٥٩٢] إلى مصر فبلغ حميد قبرس، فهدم وحرّق وسبى من أهلها ستّة عشر ألفا فأقدمهم الرافقة فتولّى بيعهم أبو البختري [١] القاضي، فبلغ أسقف قبرس ألفى دينار، وبعث نقفور إلى الرشيد بالخراج والجزية عن رأسه وولىّ عهده وبطارقته وأهل بلده خمسين ألف دينار، منها عن رأسه أربعة دنانير، وعن رأس ابنه دينارين، وعن الباقين على حسب مراتبهم. كتاب نقفور لهارون فى جارية من سبى هرقلة وكتب نقفور مع بطريق من بطارقته فى جارية من سبى هرقلة كتابا نسخته: - «لعبد الله هارون أمير المؤمنين من نقفور ملك الروم، سلام عليك، أمّا بعد، أيّها الملك، إنّ لى إليك حاجة لا تضرّك فى دينك ولا دنياك، هيّنة يسيرة أن تهب لابني جارية من بنات أهل هرقلة قد كنت خطبتها على ابني، فإن رأيت أن تسعفنى بحاجتي فعلت، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.» واستهداه طيبا وسرادقا من سرادقاته. فأمر الرشيد بطلب الجارية فأحضرت وزيّنت وأجلست على فراش فى

стр. 1608

مضربه الذي كان نازلا فيه، وسلّمت الجارية والمضرب بما فيه من الآنية والمتاع إلى رسول نقفور وبعث إليه أيضا بما سأل من [٥٩٣] العطر، وبعث إليه من التمور والزبيب والأخبصة والترياق. فسلّم ذلك إليه رسول الرشيد فأعطاه نقفور وقر دراهم إسلاميّة وحمله على بزدون كميت، فكان مبلغ المال خمسين ألف درهم، ومائة ثوب ديباج، ومائتي ثوب بزيون، واثنى عشر بازيّا، وأربعة أكلب من كلاب الصيد، وثلاثة براذين. وكان نقفور اشترط ألّا يخرّب ذا الكلاع، ولا صملّة، ولا حصن سنان، واشترط الرشيد عليه إلّا يعمر هرقلة، وعلى أن يحمل نقفور ثلاثمائة ألف دينار. [١] تمّت المجلّدة الثالثة والحمد لله ربّ العالمين وصلواته على محمّد النبىّ وآله الطاهرين أجمعين. ويتلوه فى المجلدة الرابعة: «ثمّ دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة.» فرغ من انتساخ هذه المجلّدة محمّد بن علىّ بن محمّد أبو طاهرين البلخي فى جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة.

стр. 1609

فرغ من انتساخه الحسن بن منصور فى جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين [١] . فرغ من انتساخه ابنه محمّد بن الحسن بن منصور ثامن عشر من جميدى (كذا) الآخرة سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.

стр. 1610

[المجلد الرابع] [تتمة تجارب العصر العباسي] [تتمة خلافة هارون الرشيد] بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله واهب العقل ثمّ دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة وفيها قوى رافع بن الليث واشتدّت شوكته وقد ذكرنا قبل هلاك [١] ابن علىّ بن عيسى: ولمّا قتل ابنه، خرج من بلخ حتّى أتى مرو، مخافة أن يصير إليها رافع بن الليث فيستولى عليها. وكان ابنه عيسى دفن فى بستان داره ببلخ مالا عظيما قيل: إنّه كان ثلاثين ألف ألف درهم، ولم يعلم بها علىّ بن عيسى ولا اطّلع على ذلك إلّا جارية كانت له. فلمّا شخص علىّ عن بلخ أطلعت الجارية على ذلك بعض الخدم، وتحدّث به الناس، فاجتمع قراء أهل بلخ ووجوهها فدخلوا البستان وانتهبوه وأباحوه للعامّة [٢] وبلغ الرشيد الخبر فقال: - «خرج علىّ عن بلخ عن غير أمرى وخلّف مثل هذا المال وهو يزعم أنّه قد أفضى إلىّ حلى نساءه فيما أنفق على محاربة رافع.» فعزله عند ذلك وولّى هرثمة بن أعين واستصفى أموال علىّ بن عيسى، فبلغت ثمانين ألف ألف. ووردت خزائنه [٢] التي أخذت على الرشيد، فكانت على ألف وخمسمائة بعير.

стр. 1611

وكان علىّ بن عيسى قد أذلّ جبابرة أهل خراسان وأشرافهم، حتّى خرج منهم مثل الحسن بن مصعب إلى مكّة واستجار بالرشيد من علىّ بن عيسى فأجاره، وأظهر مثل هذا هشام بن فرخسروا، [١] أنّ الفالج قد أصابه حتّى أمكنه لزوم منزله. وكانت كتب حمويه وردت على هارون: أنّ رافعا لم يخلع ولا نزع السواد ولا من شايعه، وأنّ غايتهم عزل علىّ بن عيسى الذي سامهم المكروه. ولمّا عزم الرشيد على عزل علىّ بن عيسى دعا هرثمة بن أعين مستخليا [٢] به فقال: - «إنّى لم أشاور فيك أحدا، ولم أطلعه على سرّى فيك غيرك، وقد اضطرب علىّ ثغر المشرق وأنكر أهل خراسان أمر علىّ بن عيسى إذ خالف عهدي ونبذه وراء ظهره، وقد كتب يستمدّ ويستجيش وأنا كاتب إليه فأخبره أنّى أمدّه بك وأوجّه إليه معك من الأموال والسلاح والقوّة والعدّة ما يطمئن إليه قلبه، وتتطلّع إليه نفسه، وأكتب معك كتابا بخطّى فلا تفضّنّه [٣] ولا تطلعنّ فيه حتّى تصير إلى مدينة نيسابور، فإذا نزلتها فاعمل بما فيه وامتثله، ولا تجاوزه إن شاء الله. - «وأنا موجّه معك رجاء الخادم بكتاب أكتبه إلى علىّ بن عيسى بخطّى ليتعرّف ما يكون منك ومنه ومورّ عنه [٣] أمر علىّ فلا تظهرنّه عليه ولا تعلمنّه ما عزمت عليه فيه وتأهّب للمسير

стр. 1612

واظهر لخاصّتك وعامتك أنّى أوجّهك مددا لعلىّ بن عيسى وعونا له.» ثمّ كتب إلى علىّ بن عيسى كتابا بخطّه نسخته: - «بسم الله الرحمن الرحيم يا ابن الزانية، رفعت من قدرك ونوّهت باسمك وأوطأت سادة العرب عقبك وجعلت أبناء ملوك العجم خولك، وكان من جزائي أن خالفت عهدي ونبذت وراء ظهرك أمرى، حتّى عشت فى الأرض وظلمت الرعيّة وأسخطت الله وخليفته بسوء سيرتك ورداءة طعمتك وظاهر [١] خيانتك. وقد ولّيت هرثمة بن أعين مولاي ثغر خراسان وأمرته أن يشدّد وطأته عليك وعلى ولدك وكتّابك وعمّالك ولا يترك وراء ظهورهم درهما واحدا ولا حقّا لمسلم ولا معاهد إلّا أخذكم به، [٤] حتّى تردّه إلى أهله، فإن أبيت ذلك وأباه ولدك وعمّالك، فله أن يبسط عليكم العذاب ويصبّ عليكم السياط ويحلّ بكم ما يحلّ بمن نكث وغيّر وبدّل وخالف وظلم وتعدّى وغشم، انتقاما لله بادئا، ولخليفته ثانيا، وللمسلمين والمعاهدين ثالثا فلا تعرّض نفسك للّتى لا سوى [٢] لها، واخرج ممّا يلزمك طائعا أو مكرها.» وكتب عهد هرثمة بخطّه:

стр. 1613

- «هذا ما عهد هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى هرثمة بن أعين حين ولّاه ثغر خراسان وأعماله وخراجه. أمره بتقوى الله وطاعته ورعاية أمر الله وموافقته وأن يجعل لكتاب الله إماما فى جميع ما هو بسبيله فيحلّ حلاله ويحرّم حرامه ويقف عند متشابهه ويسأل عنه أولى الفقه فى دين الله وأولى العلم بكتاب الله أو يردّه إلى إمامه ليريه الله فيه رأيه ويعزم له على رشده. - «وأمره أن يستوثق من الفاسق علىّ بن عيسى وولده وعمّاله وكتّابه وأن يشدّ عليهم وطأته ويحلّ بهم سطوته ويستخرج منهم كلّ مال يصحّ عليهم من خراج أمير المؤمنين وفيء المسلمين، فإذا [٥] استنظف ما عندهم وقبلهم، نظر فى حقوق المسلمين والمعاهدين وأخذهم بحقّ كلّ ذى حقّ، حتّى يردّوه إليه، فإن ثبت قبلهم حقّ لأمير المؤمنين وحقوق للمسلمين فدافعوا بها أو جحدوها، أن يصبّ عليهم سوط عذاب الله وأليم نقمته، حتّى يبلغ بهم الحال التي أن تخطّاها بأدنى أدب، تلفت أنفسهم وبطلت أرواحهم. فإذا خرجوا من حقّ كلّ ذى حقّ أشخصهم كما يشخص العصاة من خشونة الوطأ وخشونة المطعم والمشرب وغلظ الملبس مع الثقات من أصحابه إلى باب أمير المؤمنين إن شاء الله. - «فاعمل يا أبا حاتم بما عهدت إليك فإنّى آثرت الله وديني على هواى وإرادتى فكن كذلك وعليه فليكن عملك وأمرك ودبّر فى أعمال الكور التي تمرّ بها وعمّالها فى صعودك بما لا يستوحشون معه إلى أمر يريبهم وظنّ يرعبهم وابسط من آمال أهل ذلك الثغر ومن أمانيهم وعذرهم ثمّ اعمل بما يرضى الله

стр. 1614

فيك وخليفته ومن ولّاك الله أمره إن شاء الله. - «هذا عهدي وكتابي بخطّى وأنا أشهد الله وملائكته وحملة عرشه وسكّان سماواته وكفى [٦] بالله شهيدا. وكتب أمير المؤمنين بخطّه ولم يحضره إلّا الله وملائكته.» ثمّ أمر أن تكتب كتب هرثمة إلى علىّ بن عيسى فى معاونته وتقويته وتقوية أمره والشدّ على يديه، فكتبت وظهر الأمر بها. ثمّ دخلت سنة إثنتين وتسعين ومائة وفيها شخص هرثمة بن أعين إلى خراسان واليا عليها وكان ذلك فى اليوم السادس من اليوم الذي كتب له الرشيد عهده، وشيّعه الرشيد وأوصاه بما احتاج إليه. فمضى وبعث إلى علىّ بن عيسى فى الظاهر أموالا وسلاحا وخلعا وطيبا، حتّى إذا نزل نيسابور جمع جماعة من نصحاء أصحابه وأولى السنّ والتجربة منهم فدعا كلّ رجل منهم، سرّا وخلا به، ثمّ أخذ عليهم العهود والمواثيق أن يكتموا أمره ويطووا سرّه. وولّى كلّ رجل كورة على نحو ما كانت منزلته عنده، وأمر كلّ رجل منهم بعد أن دفع [١] إليه عهده بالمصير إلى عمله الذي ولّاه على أخفى الحالات وأسترها والتشبّه بالمجتازين فى ورودهم إلى الوقت الذي سمّاه لهم. ثمّ مضى حتّى إذا صار من مرو على مرحلة، دعا جماعة من ثقات [٧] أصحابه وكتب لهم أسماء ولد علىّ بن عيسى وأهل بيته وكتّابه وغيرهم فى رقاع، ودفع إلى كلّ رجل منهم رقعة باسم من وكّله بحفظه إذا هو دخل عليه مرو، خوفا من أن يهربوا

стр. 1615

إذا ظهر أمره. ثمّ وجّه إلى علىّ بن عيسى: إن أحبّ الأمير- أكرمه الله- أن يوجّه ثقاته لقبض ما معى من أمواله فعل فإنّه إذا تقدّمنى المال كان أروح لقلبي وأفتّ فى عضد أعدائه وأجدر ألّا يشيع به الخبر. وأيضا فإنّى لا آمن عليه إن خلّفته وراء ظهري أن يطمع فيه بعض من شئموا [١] نفسه أن يقتطع بعضه ويغتنم غفلتنا عند دخول المدينة. فوجّه علىّ بن عيسى جهابذته وقهارمته لقبض المال وقال هرثمة لخزّانه: - «اشغلوهم هذه الليلة وأعلّوا عليهم بعلّة تقرب من أطماعهم وتزيل الشكّ عن قلوبهم.» ففعلوا وقال لهم الخزّان: حتّى نؤامر أبا حاتم فى دوابّ المال والبغال. ثمّ ارتحل نحو مدينة مرو، فلمّا صار منها على ميلين تلقّاه علىّ بن عيسى فى ولده وأهل بيته وقوّاده بأحسن لقاء وآنسه. فلمّا وقعت [٨] عين هرثمة عليه، ثنى رجله لينزل عن دابّته فصاح به علىّ: - «والله لئن نزلت لأنزلنّ.» فثبت على سرجه ودنا كلّ واحد من صاحبه فاعتنقا وسارا وعلىّ يسأل هرثمة عن أمر الرشيد وحاله وهيأته وحال خاصّته وقوّاده وأنصار دولته، وهرثمة يجيبه حتّى إذا صار إلى قنطرة لا يجوزها إلّا فارس. فحبس هرثمة لجام دابّته وقال لعلىّ: - «سر على بركة الله.» فقال علىّ: - «لا والله لا أفعل حتّى تمضى أنت.»
следующие страницы →