- «كيف رأيت الأرزّة؟» قالت: «وجدتها طيّبة.» فقال: «لم تأكلى، ولو أكلت كنت استرحت منك، متى أفلح خليفة له أمّ!» ثمّ إنّ الهادي جمع قوّاده يوما وذلك أعياه أمر الأمّ فقال لهم:
- «أيّما خير: أنا أم أنتم؟» قالوا: «بل أنت يا أمير المؤمنين.» قال: «فأيمّا خير: أمّى أم أمّهاتكم؟» قالوا: «بل أمّك يا أمير المؤمنين.» قال: «فأيّكم يحبّ أن يتحدّث الرجال بخبر أمّه [٥٢٠] فيقولوا فعلت أمّ فلان، وصنعت أمّ فلان، وقالت أمّ فلان؟» فقالوا: «ما أحد منّا يحبّ ذلك.» قال: «فما بال رجال يأتون أمّى فيتحدّثون إليها ثمّ ينقلون حديثها؟» فلمّا سمعوا ذلك انقطعوا عنها البتّة. فشقّ ذلك عليها، فاعتزلته وحلفت ألّا تكلّمه، فما دخلت إليه حتّى حضرته الوفاة.
موسى يهمّ بخلع أخيه هارون
وهمّ موسى [١] بخلع أخيه هارون، ثمّ جدّ فيه. وكان يحيى بن خالد بن برمك يلي لهارون أعمال المغرب، فلمّا جدّ موسى الهادي فى البيعة لابنه جعفر بن موسى وتابعه القوّاد مثل يزيد بن مزيد، وعبد الله بن مالك، وعلى بن عيسى، ومن أشبههم، وخلعوا هارون ودسّوا إلى الشيعة، فتكلّموا فى أمره وتنقّصوه، وقالوا: لا نرضى به، وظهر ذلك، أمر [٢] الهادي ألّا يسار قدام الرشيد
стр. 1542
بحربة. فاجتنبه الناس وتركوه، فلم يكن يجترئ أحد أن يسلّم عليه ولا يقربه.
وكان يحيى بن خالد يقوم بأنزال [١] الرشيد وينزل منه منزلة الوالد ويسّميه أبى. فكان يشير عليه بأن يدافع ولا يستجيب للخلع. فسعى بيحيى إلى الهادي، وقيل له: إنّه ليس عليك من هارون [٥٢١] خلاف، وإنّما يفسده يحيى، فابعث إليه وتهدّده بالقتل وارمه بالكفر. فبعث الهادي إلى يحيى ليلا، فيئس من نفسه، وودّع أهله وتحنّط وجدّد ثيابه ولم يشكّ أنّه يقتله. فلمّا أدخل عليه قال:
- «يا يحيى ما لي ولك؟» قال: «أنا عبدك يا أمير المؤمنين، فما يكون من العبد إلى مولاه إلّا طاعته!» قال: «لم تدخل بيني وبين أخى وتفسده علىّ؟» قال: «يا أمير المؤمنين، من أنا حتّى أدخل بينكما، إنّما صيّرنى المهدىّ معه وأمرنى بالقيام بأمره، ثمّ أمرتنى بذلك، فانتهيت إلى أمرك.» قال: «فما الذي صنع هارون؟» قال: «ما صنع شيئا ولا عنده شيء.» فسكن غضبه.
وقد كان هارون طاب نفسا بالخلع. فقال له يحيى:
- «لا تفعل.» قال هارون: «أليس تترك لى الهنيئة والمريئة فهما يسعاننى وأعيش. [٢] فقال يحيى:
- «وأين الهنيئة والمريئة من الخلافة، ولعلّك الا [٣] يترك هذا فى يدك.» وكان يحيى ينادم الهادي بعد ذلك، فكلّمه الهادي فى أمر الرشيد وخلعه، فقال:
стр. 1543
- «يا أمير المؤمنين، إنّك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة أخيك ثمّ بايعت [٥٢٢] لجعفر من بعده كان ذلك أوكد لبيعته.» قال: «لقد صدقت ونصحت، ولى فى هذا الأمر تدبير.» وكان محمّد بن يحيى بن خالد يقول: كان أبى يقول: ما كلّمت أحدا من الخلفاء أعقل من موسى. وقال: كان حبسني موسى الهادي على ما أراده من خلع الرشيد، فرفعت إليه رقعة: إنّ عندي نصيحة. فدعاني، فقال لى:
- «هات ما عندك.» فقلت: «أخلنى.» فأخلانى، فقلت:
- «يا أمير المؤمنين، أرأيت إن كان الأمر الذي أسأل الله أن لا نبلغه وأن يقدّمنا قبله، أتظنّ أنّ الناس يسلّمون لجعفر وهو لم يبلغ الحنث [١] أو يرضون به لصلاتهم وحجّهم وغزوهم؟» قال: «والله ما أظنّ ذلك.» قلت:
- «فتأمن يا أمير المؤمنين أن يسمو إليها أكابر أهلك وجلّتهم مثل فلان وفلان، ثمّ يطمع فيها غيرهم فيخرج من ولد أبيك؟» فأطرق ثمّ قال:
- «نبّهتنى يا يحيى على أمر لم أكن أنتبه له.» قال: فقلت:
- «لو أنّ هذا الأمر لم يعقد لأخيك، أما كان ينبغي أن تعقده له؟ فكيف بأن تحلّه وقد عقده المهدىّ، ولكن تقرّ الأمر يا أمير المؤمنين [٥٢٣] على حاله،
стр. 1544
فإذا بلّغ جعفر وبلغ الله به أتيته [١] بالرشيد، فخلع نفسه له، وكان أوّل من يبايعه ويعطيه صفقة يده.» فقبل الهادي قوله وأطلقه.
فلمّا كان بعد أيّام، خرج موسى الهادي إلى الحديثة حديثة الموصل فمرض بها، فانصرف بعد ما كتب إلى جميع عمّاله شرقا وغربا بالقدوم عليه، فلمّا ثقل اجتمع القوم الذين كانوا بايعوا لجعفر ابنه فقالوا:
- «إن صار الأمر إلى يحيى قتلنا ولم يستبقنا.» وتآمروا [٢] على أن يذهب بعضهم إلى يحيى بأمر الهادي فيضرب عنقه. ثمّ قال بعضهم:
- «فإنّ أمير المؤمنين ما بلغ حدّ اليأس منه، فلعلّه يفيق من مرضه، فما عذرنا عنده؟» فأمسكوا.
ثمّ بعثت الخيزران إلى جواريها بالجلوس على وجهه وغمّه حتّى يموت، لأنّها أشفقت أن يفيق فيخلع هارون، ففعلن ذلك. وبعثت إلى يحيى تعلمه أنّ الرجل لما به [٣] فجدّ فى أمرك ولا تقصّر. فأمر يحيى بإحضار الكتّاب، فحضروا وجمعوا فى منزل الفضل بن يحيى، فكتبوا ليلتهم كتبا من الرشيد إلى العمّال بوفاة الهادي وأنّه قد ولّاهم الرشيد ما كانوا يلون. ولمّا أصبحوا [٥٢٤] أنفذوها على البرد.
стр. 1545
رواية أخرى فى سبب قتل موسى الهادي
وقد روى عن هرثمة [١] بن أعين فى موت الهادي ما رواه علىّ بن هشام المعروف بأبى قيراط عن محمّد بن أحمد بن الفضل الجرجرائى المعروف بقلنسوة، وكان وزير المتوكّل، قال: حدّثنى خالي الحسن بن رجاء بن أبى الضحّاك. قال: حدّثنى الحسن بن سهل قال: حدّثنى أبو خاتم هرثمة بن أعين بمرو قال: كنت اختصصت بموسى الهادي، وكنت مع ذلك شديد الحذر منه لإقدامه على الدماء، فاستدعاني فى نصف نهار يوم شديد الحرّ قبل أكلى، فارتعت وبادرت إليه فأدخلت من دار إلى دار حتّى قرّبت من دار حرمه. ثمّ نحّى عنّا جميع من كان بحضرته وقال لى:
- «اخرج، فأغلق باب هذه الحجرة وعد إلىّ.» فازددت جزعا وفعلت وعدت، فقال:
- «قد تأذيّت بهذا الكلب الملحد يحيى بن خالد، ليس له شغل إلّا تضريب الرجال علىّ واجتذابهم إلى صاحبه هارون. يريد أن يقتلني ويسوق الخلافة إليه، وأريد منك أن تمضى الليلة إلى هارون فتقبض عليه وتجيئني برأسه، إمّا أن تحتاط فى التدبير حتّى لا يفوتك وتفعل ذلك به فى دارك [٥٢٥] أو تخرجه [٢] من داره برسالة منّى تستدعيه فيها إلى حضرتى، ثمّ تعدل به إلى حيث تقتله فيه وتجيئني برأسه.» فورد علىّ أمر عظيم وقلت:
- «يأذن أمير المؤمنين فى الكلام؟» قال: «قل.»
стр. 1546
قلت: «يا أمير المؤمنين، أخوك وابن أمّك وأبيك وله عهد بعدك، فكيف يكون صورتنا عند الله أوّلا، ثمّ عند الناس؟» قال: «عليك أن تسمع لى وتطيع، وإلّا ضربت عنقك.» فقلت: «السمع والطاعة.» قال: «وإذا [١] فرغت من هذا أخرجت جميع الطالبيين من الحبس فضربت أعناقهم وغرّقت من يبقى إن كثر عددهم.» فقلت: «السمع والطاعة.» قال: «ثمّ ترحل إلى الكوفة بجميع من معك من الجيش وتضمّ إليهم من ترى من الجند المقيمين بالباب فتخرج من تجد فيها من العباسيّين وشيعتهم والعمّال المتصرفين معهم، ثمّ تنهب ما فيها من الأموال، وتضربها بالنار حتّى تحترق هي وجميع من فيها وتخرّبها حتّى لا يبقى لها أثر.» فقلت: «يا مولاي، هذا أمر عظيم، ففكّر فيه.» فقال: «لا بدّ من ذلك، فإنّ كلّ آفة ترد على ملكنا إنّما هي من هذه الجهة.» ثم قال: [٥٢٦]- «لا تبرح من مكانك حتّى إذا انتصف الليل بدأت بهارون.» فقلت: «سمعا وطاعة.» ونهض من موضعه ودخل إلى دار النساء، وجلست مكاني ولم أشك أنّه قد قبض علىّ وأنّه سيقتلني ويدبّر هذا الأمر على يد غيرى لما ظهر له من جزعى فى كلّ باب والردّ عليه والتخطئة لرأيه، ثمّ إجابتى إيّاه كارها، وكنت- يعلم الله- قد عملت على أن أركب فرسي من حضرته وألحق بطرف من الأرض وأخرج من نعمتي وأكون بحيث لا يصل إلىّ، حتّى يموت أحدنا. فلمّا
стр. 1547
دخل دار النساء، عرض لى أنّه قبض علىّ ليقتلني لئلا يفشو السرّ، فورد علىّ غمّ شديد وذهب علىّ أمرى، فلمّا انتصف الليل جاءني خادم وقال:
- «أجب أمير المؤمنين.» فقمت وأنا أتشهّد، ومشيت مع الخادم إلى ممرّ سمعت فيه كلام النساء فقلت: عزم على قتلى بحجّة فهو يدخلني دور الحرم ثمّ يقول: من أذن لك فى الدخول على حرمي. فوقفت، فقال الخادم:
- «ادخل.» فقلت: «لا أفعل.» فقال: «ويحك، ادخل.» فصحت وقلت:
- «لا والله، ما أدخل حتّى أسمع كلام مولاي أمير المؤمنين بالإذن لى فى الدخول.» [٥٢٧] فإذا بامرأة تصيح وتقول:
- «ويلك يا هرثمة، أنا الخيزران، وقد حدث أمر عظيم استدعيتك له، فادخل.» فورد علىّ ما لم يكن فى حسابي، وتحيّرت ثمّ دخلت، فإذا بستارة ممدودة، فقالت لى من وراءها:
- «إنّ موسى قد مات، وقد أراحك الله والمسلمين منه، فقم فانظر إليه.» فإذا هو مسجّى، فمست مجسّه وقلبه ومناخره فإذا هو ميت.
ثمّ قالت الخيزران:
- «إنّى كنت بحيث أسمع خطابه لك فى أمر ابني هارون وغيره، فلمّا دخل استعطفته، ثمّ سألته ألّا يفعل ما همّ به، فصاح علىّ، فكشفت له رأسى وبكيت وأقسمت عليه ألّا يفعل، فانتهرنى وقال:
стр. 1548
- «إن أمسكت، وإلّا ضربت عنقك.» فخفته وقمت وصلّيت وضرعت إلى الله فى قبضه إليه، فما كان بأسرع ممّا شرق، فتداركناه بكوز ماء فازداد شرقه حتّى تلف. فقم إلى يحيى بن خالد وعرّفه ما كان خاطبك به والخبر كلّه، وعجّل بهارون قبل أن ينتشر الخبر وجدّدا له البيعة.» قال: فقمت، ففعلت ذلك. وما أصبحنا حتّى فرغنا من البيعة واستقام أمره [٥٢٨] وكفاني الله والناس شرّ موسى.
ولمّا [١] أتى الخيزران الخبر بوفاة موسى وجاءها به الرسول قالت:
- «وما أصنع به؟» فقالت لها خالصة:
- «قومي أملى، ستّى، [٢] إلى ابنك، فليس هذا وقب تعتّب.» [٣] فقالت:
- «أعطونى ماء أتوضّأ للصلاة.» ثمّ قالت:
- «أما إنّا كنّا نتحدّث أنّه يموت فى هذه الليلة خليفة ويملك فيها خليفة ويولد فيها خليفة، فمات موسى وملك هارون وولد المأمون.» فكانت ولايته أربعة عشر شهرا، ومات وهو ابن ستّ وعشرين سنة. [٤]
ذكر بعض سيره ما كان من أمر عبد الله بن مالك مع الهادي
ذكر عن عبد الله بن مالك، أنّه قال: كنت على شرطة المهدىّ، وكان المهدىّ
стр. 1549
يبعث إلىّ فى ندماء الهادي ومغنّيه فى ضربهم وحبسهم صيانة له عنهم، فبعث إلىّ الهادي يسألنى الرفق بهم والترفيه لهم، فلا ألتفت إلى ذلك وأمضى لما يأمرنى به المهدىّ. قال: فلمّا ولى الهادي الخلافة أيقنت بالتلف، فبعث إلىّ يوما، فدخلت إليه متكفّنا متحنّطا وإذا هو على كرسىّ [٥٢٩] والسيف والنطع بين يديه، فسلّمت، فقال:
- «لا سلّم الله على الآخر، [١] تذكر يوم بعثت إليك فى أمر الحرّانى وما أمر به أمير المؤمنين رضى الله عنه، من ضربه وحبسه فلم تجبني، وفى فلان وفى فلان- فجعل يعدّد ندماءه- فلم تلتفت إلى قولي وأمرى؟» قلت: «نعم يا أمير المؤمنين، أفتأذن فى استيفاء الحجّة؟» قال: «نعم.» قلت: «نشدتك الله يا أمير المؤمنين، أيسرّك أنّك ولّيتني ما ولّانى أبوك فأمرتنى بأمر فبعث إلىّ بعض بنيك بأمر مخالف به أمرك، فاتبعت أمره وعصيت أمرك؟» قال: «لا.» قلت: «فكذلك أنا لك، وكذلك كنت لأبيك.» فاستدنانى، فقبّلت يده، فأمر بخلع، فصبّت علىّ، وقال:
- «قد ولّيتك ما كنت تتولّاه، فامض راشدا.» فخرجت من عنده، فصرت إلى منزلي مفكّرا فى أمرى وأمره وقلت:
حدث يشرب والقوم الذين عصيته فى أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتّابه وكأنّى بهم حين يغلب عليه الشراب قد أزالوا رأيه فىّ وحملوه فى أمرى على ما كنت أتّخوفه.
стр. 1550
قال: فإنّى لجالس [٥٣٠] وبين يدىّ بنيّة لى فى وقتى ذلك والكانون بين يدىّ ورقاق [١] أشطره [٢] بكامخ [٣] وأسخّنه وأطعمه الصبيّة حتّى توهمت أنّ الدنيا قد اقتلعت وزلزلت لوقع الحوافر وكثرة الضوضاء فقلت: هاه، كان والله ما ظننت، ووافاني من أمره ما تخوّفت. فإذا الباب قد فتح، وإذا الخدم قد دخلوا، وإذا أمير المؤمنين الهادي على حمار فى وسطهم، فلمّا رأيتهم وثبت من مجلسي مبادرا، فقبّلت يده ورجله وحافر حماره فقال لى:
- «يا عبد الله، إنّى فكّرت فى أمرك، فقلت: يسبق إلى قلبك أنّى إذا شربت وحولي أعداؤك، أزالوا ما حسن من رأيى فيك، فأقلقك وأوحشك، فصرت إلى منزلك لأونسك وأعلمك أنّ السخيمة قد زالت عن قلبي لك، فهات فأطعمنى ما كنت تأكل، وافعل فيه ما كنت تفعل، لتعلم أنّى قد تحرّمت بطعامك وأنست بمنزلك، فيزول خوفك ووحشتك.» فأدنيت إليه ذلك الرقاق والسّكرّجة التي فيها الكامخ فأكل منها، ثمّ قال:
- «هاتوا الزّلّة التي [٥٣١] أزللتها لعبد الله من مجلسي.» [٤] فأدخل إلىّ أربعمائة بغل موقرة دراهم وقال:
- «هذه زلّتك، فاستعن بها على أمرك واحفظ لى هذه البغال عندك لعلّى أحتاج إليها لبعض أسفارى.» ثمّ قال: «أظلّك الله بخير.» ثمّ انصرف راجعا.
стр. 1551
فذكر موسى بن عبد الله بن مالك: أنّ أباه أعطاه بستانه الذي كان وسط داره ثمّ بنى حوله معالف لتلك البغال وكان هو يتولّى النظر إليها والقيام عليها أيّام حياة الهادي كلّها.
وأتى موسى برجل، فجعل يقرّره [١] بذنوبه ويتهدّده، فقال الرجل:
- «يا أمير المؤمنين، اعتذاري ممّا تقرّعنى به ردّ عليك وإقرارى يوجب علىّ ذنبا ولكنّى أقول:
إذا كنت ترجو فى العقوبة رحمة ... فلا تزهدن عند المعافاة فى الأجر
فأمر بإطلاقه.
حقده على الربيع وسمّه
وقد كنّا حكينا عن موسى الهادي ما حقده على الربيع من دخوله على أمّه.
فلمّا تجاوز عنه وجد أعداء الربيع طريقا إليه من طريق غيرة الهادي.
وكان الربيع أهدى إلى المهدى جارية حسناء [٥٣٢] فائقة الجمال، حسنة القدّ والشعر ناهدة الثدي. فلمّا رآها المهدى قال:
- «هذه تصلح لموسى.» فوهبها له فشعف بها الهادي واستولدها، فهي أمّ أكابر أولاده. فقال حسّاد الربيع:
- «يا أمير المؤمنين، إنّ الربيع يتفوّه فى خلوته بما هو أعظم ممّا أنكرته.» قال: «وما هو؟»
стр. 1552
قالوا: «إنّه يقول: ما وضعت بيني وبين الأرض أطيب من فلانة- يعنى أمّ أولاد الهادي.» فالتهب الهادي وتركه حتّى إذا كان يوم أنسه دعا الربيع إلى مجالسته وسقاه بيده كأسا مسموما، فأحسّ الربيع بذلك وبما رقّى إليه من كلامه، فلم يقدر على الامتناع وخاف أن يمتنع فيضرب عنقه، فشرب الكأس، فتوصّب من ساعته وقام فأظهر الهادي شفقة عليه وعرض عليه المقام، فأبى وقال:
- «ما أجده يا أمير المؤمنين أكبر من أن أقيم معه.» ثمّ بادر إلى منزله، فأوصى ومات من ليلته [١] .
стр. 1553
خلافة هارون الرشيد
وفى هذه السنة استخلف هارون بن محمّد بن عبد الله بن محمّد بن علىّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلّب الرشيد فبويع له ليلة [١] الجمعة وهي الليلة التي توفّى [٥٣٣] فيها الهادي وكانت سنّه يوم ولى اثنتين وعشرين سنة، وأمّه أمّ ولد يمانية ثمّ جرشيّة يقال لها خيزران، وولد بالرّى سنة تسع وأربعين ومائة.
وكان هرثمة بن أعين هو الذي أخرج هارون الرشيد ليلا فأقعده للخلافة.
ويقال: إنّ هارون لمّا جلس للخلافة حلف ألّا يصلّى الظهر إلّا ببغداذ وأنّه لا يصلّى بعيساباذ إلّا على المهدى، وأنّه لا يصلّى ببغداذ إلّا ورأس أبى عصمة بين يديه. ثمّ لبس ثيابه وخرج، فصلّى على أبيه، وقدّم أبا عصمة فضربت عنقه وشدّ جمّته [٢] فى رأس قناة ودخل بها بغداذ وذاك أنّه كان مضى هو وجعفر بن موسى الهادي راكبين، فبلغا إلى قنطرة من قناطر عيساباذ فالتفت أبو عصمة إلى هارون فقال له:
- «مكانك حتّى يجوز ولىّ العهد.»
стр. 1554
فقال هارون:
- «السمع والطاعة للأمير.» فوقف حتّى جاز جعفر، فكان هذا سبب قتل أبى عصمة.
ويقال: إنّه لمّا توفّى موسى، هجم خزيمة بن خازم فى تلك الليلة فأخذ جعفرا من قرابته، وكان خزيمة [٥٣٤] فى خمسة آلاف من مواليه معهم السلاح.
فقال: «والله لأضربنّ عنقك أو تخلعها.» وذاك أنّ موسى قد كان أمر جماعة فبايعوه، فلمّا كان الصبح ركب الناس إلى باب جعفر، فأتى به خزيمة فأقامه على باب الدار فى العلو والأبواب مغلّقة فأقبل جعفر ينادى:
- «يا معشر الناس، من كانت لى فى عنقه بيعة فقد أحللته منها والخلافة لعمّى هارون ولا حقّ لى فيها.» فكانت سبب مشى عبد الله بن مالك الخزاعي إلى مكّة على اللبود، وحظى خزيمة بذلك عند الرشيد [١] .
هارون يقلّد خالدا الوزارة
وقلّد هارون يحيى بن خالد الوزارة وقال له:
- «قد قلّدتك أمر الرعيّة وأخرجته من عنقي إليك، فاحكم فى ذلك بما ترى من الصواب واستعمل من رأيت، واعزل من رأيت وأمض الأمور على ما ترى.» ودفع إليه خاتمه، وكانت خيزران هي الناظرة فى الأمور، وكان يحيى
стр. 1555
يعرض عليها ويصور عن رأيها [١] .
ثمّ دخلت سنتا إحدى واثنتين وسبعين ومائة
ولم يجر فيهما ما يستفاد منه تجربة [٥٣٥] .
ودخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة
وفيها كانت وفاة محمّد بن سليمان بالبصرة
فوجّه الرشيد إلى كلّ ما خلّفه رجلا أمره باصطفائه، فأرسل إلى ما خلّف من الصامت من قبل صاحب بيت ماله رجلا، وإلى الكسوة بمثل ذلك، وإلى الفرش والرقيق والدوابّ والخيل والإبل وإلى الطيب والجواهر وكلّ آلة برجل من قبل الذي يتولّى كلّ صنف من الأصناف، فأخذوا جميع ما كان لمحمّد ممّا يصلح للخلافة ولم يتركوا شيئا إلّا الخرثىّ [٢] الذي لا يصلح للخلفاء وأصابوا له فى خزانة لباسه أصناف الثياب منذ كان صبيّا فى الكتّاب إلى أن مات على مقادير السنين وكان من ذلك ما عليه آثار النقس [٣] وأصابوا له ستين ألف ألف، فحملوها مع ما حمل، فلمّا صارت فى السفن، أخبر الرشيد بمكان السفن التي حملت ذلك، فأمر أن يدخل جميع ذلك خزائنه إلّا المال، فإنّه أمر بصكاك فكتبت للندماء وكتبت للمغنين صكاك صغار لم تدوّن [٥٣٦] فى الديوان ثمّ دفع إلى كلّ رجل صكّ بما رأى أن يهب له، فأرسلوا وكلاءهم
стр. 1556
إلى السفن فأخذوا المال على ما أمر لهم به فى الصكاك أجمع لم يدخل بيت ماله منه درهم واحد واصطفى ضياعه.
موت الخيزران
وفيها ماتت الخيزران فخرج الرشيد وعليه جبّة سعيديّة وطيلسان خرق أزرق قد شدّ به وسطه وهو آخذ بقائمة السرير حافيا يمشى فى الطين حتّى أتى مقابر قريش، فغسل رجليه ودعا بخفّ وصلّى عليها ودخل قبرها، فلمّا خرج دعا الفضل بن الربيع وقال له:
- «وحقّ المهدىّ- وكان لا يحلف به إلّا إذا اجتهد- إنّى لأهمّ لك من الليل بشيء من التولية وغيرها، فتمنعني هذه، رحمها الله، وأطيع أمرها.» وولّاه نفقات العامّة والخاصّة وبادوريا والكوفة ولم تزل حاله تنمى إلى سنة سبع وثمانين.
ودخلت سنة أربع وسبعين [ومائة]
ولم يجر فيها على ما بلغنا شيء يليق بهذا الكتاب إثباته. [٥٣٧]
ودخلت سنة خمس وسبعين ومائة محمد الأمين يصبح وليّا للعهد
وفيها عقد الرشيد لابنه محمّد ولاية العهد من بعده وأخذ له بذلك بيعة القوّاد والجند وسمّاه الأمين، وله يومئذ خمس سنين. وكان جماعة من بنى العبّاس قد مدّوا أعناقهم للخلافة بعد الرشيد لأنّه لم يكن له ولىّ عهد، فلمّا بايع له، أنكروا بيعته لصغر سنّه.
ولمّا صار الفضل بن يحيى إلى خراسان فرّق هناك أموالا عظيمة وأعطى
стр. 1557
الجند أعطيات متتابعة، ثمّ أظهر البيعة لمحمّد بن الرشيد، فبايع له الناس وسمّاه الأمين، فلمّا تناهى إلى الرشيد خبره وأنّ أهل المشرق بايعوا لمحمّد، كتب إلى الآفاق فبويع له فى جميع الأمصار.
ثمّ دخلت سنة ستّ وسبعين ومائة
ظهور يحيى بن عبد الله
وفيها ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن حسن بن علىّ بن أبى طالب، [١] فنزع إليه الناس من الأمصار، واشتدّت شوكته وقوى أمره، فاغتمّ لذلك الرشيد فندب إليه الفضل بن يحيى فى خمسين ألف رجل ومعه صنادد القوّاد [٥٣٨] وولّاه كور الري، والجبل، وجرجان، وطبرستان، وقومس، ودنباوند، والرويان، وحملت معه الأموال، فشخص الفضل واستخلف منصور بن زياد بباب أمير المؤمنين تجرى كتبه على يده وتنفذ الجوابات عنها إليه.
وكانوا يثقون بمنصور وابنه فى جميع أمورهم لقديم صحبته لهم وحرمته بهم. ثمّ مضى من معسكره ولم تزل كتب الرشيد تتابع إليه بالبرّ واللطف والجوائز والخلع، فكاتب يحيى ورفق به واستماله وناشده وحذّره وأشار عليه وبسط أمله، وكاتب صاحب الديلم وجعل له ألف ألف درهم على أن يسهّل خروج يحيى إلى ما قبله [٢] ، وحملت إليه، فأجاب يحيى إلى الصلح والخروج على يديه على أن يكتب له الرشيد أمانا بخطّه على نسخة يبعث بها إليه، فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد، فسره وعظم موقعه، وكتب يحيى أمانا وأشهد عليه الفقهاء والقضاة وجلّة بنى هاشم ومشايخهم منهم: عبد الصمد بن
стр. 1558
علىّ، والعبّاس بن محمّد، وموسى بن عيسى، ومحمّد بن إبراهيم، ومن أشبههم، ووجّه معه جوائز وكرامات [٥٣٩] وهدايا. فوجّه الفضل بذلك إليه، فقدم يحيى بن عبد الله عليه وورد به الفضل بغداذ: فلقيه الرشيد بكلّ ما أحبّ، وأمر له بمال كثير وأجرى له أرزاقا سنيّة، وأنزله منزلا سريّا، بعد أن أقام فى منزل يحيى بن خالد أيّاما، وكان يتولّى أمره بنفسه ولا يكل ذلك إلى غيره.
وبلغ الرشيد الغاية فى إكرام الفضل، ومدحه الشعراء فأكثروا. فمنها ما قاله مروان بن أبى حفصة:
ظفرت فلا شلّت يد برمكيّة ... رتقت بها الفتق الذي بين هاشم
على حين أعيا الراتقين التئامه ... فكفّوا وقالوا ليس بالمتلائم
فأصبحت قد فازت يداك بخطّة ... من المجد باق ذكرها فى المواسم
وما زال قدح الملك يخرج فائزا ... لكم كلّما ضمّت قداح المساهم
وتركت ذكر غيره من المدائح لأنّها كثيرة ولا طائل فيها من جهة الاختيار.
فحكى أحمد بن محمّد بن جعفر بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن، قال: لمّا قدم بيحيى من الديلم أتيته وهو فى دار علىّ بن أبى طالب ﵇ [١] فقلت له:
- «يا عمّ، ما بعدك [٥٤٠] مخبر، ولا بعدي مخبر، فأعلمنى خبرك.» فقال:- «يا ابن أخى، والله إن كنت إلّا كما قال حيىّ بن أخطب:
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكنّه من يخذل الله يخذل
стр. 1559
لجاهد حتّى أبلغ النّفس عذرها ... وقلقل يبغى العزّ كلّ مقلقل
ذكر عقوبة سريعة بعقب إقدام على يمين كاذبة
وحكى [١] بعض المشايخ من النوفليين قال: وشى قوم بيحيى بن عبد الله، فحبسه الرشيد، قال: فدخلنا على عيسى بن جعفر وقد وضعت له وسائد بعضها فوق بعض وهو قائم متّكئ عليها، وإذا هو يضحك من شيء فى نفسه متعجّبا منه فقلنا:
- «ما الذي يضحك الأمير، أدام الله سروره؟» قال: «لقد دخلني اليوم سرور ما دخلني مثله قطّ.» فقلنا: «تمّم الله للأمير سروره.» فقال:
- «والله لا أحدّثكم [٢] به إلّا قائما.» واتّكأ على فرش كانت هناك قائما، وهو قائم، فقال:
كنت اليوم عند أمير المؤمنين الرشيد، فدعا بيحيى بن عبد الله فأخرج من السجن مكبّلا بالحديد وعنده بكّار بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير- وكان بكّار هذا شديد البغض لآل أبى طالب، وكان [٥٤١] يبلّغ هارون الرشيد عنهم ويشى بهم، وكان الرشيد ولّاه المدينة وأمره بالتضييق عليهم- فلمّا دعى بيحيى قال له الرشيد:
- «هيه هيه- متضاحكا- وهذا أيضا يزعم أنّا سممناه.»
стр. 1560
فقال يحيى: «ما معنى يزعم، ها هو ذا لساني.» وأخرج لسانه أخضر مثل السلق.
قال: فتربّد هارون، واشتدّ غضبه، فقال يحيى:
- «يا أمير المؤمنين، إنّ لنا قرابة ورحما ولسنا بترك ولا ديلم، يا أمير المؤمنين، إنّا وأنتم أهل بيت واحد، فأذكّرك الله والقرابة والرحم برسول الله، صلّى الله عليه، علام تعذّبنى وتحبسني؟» قال: فرقّ له هارون الرشيد، وأقبل بكّار الزبيري على الرشيد، فقال:
- «يا أمير المؤمنين، لا يغرّك كلامه، فإنّه شاقّ عاص، وهذا منه مكر وخبث، إنّ هذا أفسد علينا مدينتنا وأظهر فيها العصيان.» قال: فأقبل يحيى عليه، فو الله ما استأذن أمير المؤمنين فى الكلام حتّى قال:
- «أفسدوا عليكم مدينتكم؟ ومن أنتم عافاكم الله؟» قال الزبيري: هذا كلامه قدّامك، فكيف إذا غاب عنك؟ يقول: ومن أنتم عافاكم الله، واستخفافا بنا.» قال: [٥٤٢] فأقبل يحيى عليه، فقال:
- «نعم، ومن أنتم عافاكم الله، المدينة كانت مهاجر عبد الله بن الزبير، أم مهاجر رسول الله صلّى الله عليه، ومن أنت حتّى تقول: أفسدوا علينا مدينتنا، وإنّما بآبائى وأباء هذا هاجر أبوك إلى المدينة.» ثمّ قال:
- «يا أمير المؤمنين، إنّما الناس نحن وأنتم، فإن خرجنا عليكم قلنا أكلتم وأجعتمونا، ولبستم وأعريتمونا، وركبتم وأرجلتمونا فوجدنا بذلك مقالا فيكم، ووجدتم بخروجنا عليكم مقالا فينا، فتكافأ فيه القول، ويعود أمير المؤمنين على أهله فيه بالفضل يا أمير المؤمنين، فلم يجترئ هذا وضرباؤه
стр. 1561
على أهل بيتك يسعى بهم عندك. إنّه، والله، ما يسعى بنا إليك نصيحة منه لك وإنّه ليأتينا فيسعى بك عندنا عن غير نصيحة منه لنا يريد أن يباعد بيننا ويشتفى من بعض ببعض [١] والله يا أمير المؤمنين، لقد جاء إلىّ هذا حيث قتل أخى محمّد بن عبد الله،- فقال: لعن الله قاتله- وأنشدنى فيه مرثية قالها نحوا من عشرين بيتا وقال: إن تحرّكت فى هذا الأمر فأنا أول من يبايعك وما يمنعك [٥٤٣] أن تلحق بالبصرة فأيدينا مع يدك.» قال: فتغيّر وجه الزبيري واسودّ. وأقبل عليه هارون فقال:
- «أىّ شيء يقول هذا؟» قال: كاذب يا أمير المؤمنين، ما كان ممّا قال حرف.» قال: فأقبل على يحيى بن عبد الله، فقال:
- «تروى القصيدة التي رثاه بها؟» قال: نعم يا أمير المؤمنين، أصلحك الله.
فأنشدها إيّاه.
فقال الزبيري:
- «والله يا أمير المؤمنين، الذي لا إله إلّا هو- حتّى أتى على اليمين الغموس- ما كان ممّا قال شيء، ولقد تقوّل علىّ ما لم أقل.» قال: «فأقبل الرشيد على يحيى بن عبد الله فقال:
- «قد حلف، فهل من بيّنة سمعوا هذه المرثية منه؟» قال: «لا يا أمير المؤمنين، ولكنّى استحلفه بما أريد.» قال: فاستحلفه. فقال:
- «قل أنا بريء من حول الله وقوّته موكّل إلى حولي وقوّتى إن كنت قلته.»
стр. 1562
قال الزبيري:
- «يا أمير المؤمنين، أىّ شيء هذا من الحلف [١] ؟ احلف بالله الذي لا إله إلّا هو، وتستحلفنى بشيء لا أدرى ما هو.» قال يحيى بن عبد الله:
- «يا أمير المؤمنين، إن كان صادقا فما عليه أن يحلف بما استحلفه به، فقال هارون:
- «احلف له ويلك.» قال: فقال: «أنا بريء من حول الله وقوّته موكّل إلى [٥٤٤] حولي وقوّتى.» قال: فاضطرب منها وأرعد، فقال:
- «يا أمير المؤمنين، ما أدرى أىّ شيء هذا اليمين التي [٢] يستحلفني بها، وقد حلفت بالله أعظم الأشياء.» قال: فقال هارون:
- «لتحلفنّ له أو لأصدّقنّ قوله عليك ولأعاقبنّك.» قال: فقال: «أنا بريء من حول الله وقوّته موكّل إلى حولي وقوّتى إن كنت قلته.» قال: فخرج من عند هارون، فضربه الله بالفالج فمات من ساعته.» قال: فقال عيسى بن جعفر:
- «وما يسرّنى أنّ يحيى [ما] [٣] نقصه حرفا ممّا كان جرى بينهما ولا قصّر فى شيء من مخاطبته إيّاه.»
стр. 1563
وذكر أبو يونس قال: سمعت عبد الله بن العبّاس بن علىّ الذي يعرف بالخطيب قال [١] : كنت يوما على باب الرشيد أنا وأبى، وحضر ذلك اليوم الجند والقوّاد ما لم أر مثلهم على باب خليفة قطّ لا قبله ولا بعده، فخرج الفضل بن الربيع إلى أبى، فقال له: «ادخل.» ومكث ساعة، ثمّ خرج إلّى فقال:
- «ادخل.» فدخلت فإذا أنا بالرشيد معه امرأة يكلّمها، فأومأ إلى أبى أنّه لا يريد اليوم أن يدخل أحدا وإنّما استأذنت لك لكثرة من رأيت حضر الباب، فإذا دخلت هذا [٥٤٥] المدخل زادك ذلك نبلا عند الناس. فما مكثنا إلّا قليلا حتّى جاء الفضل بن الربيع فقال:
- «إنّ عبد الله بن مصعب الزبيري يستأذن فى الدخول.» فقال: «إنّى لا أريد أن أدخل اليوم أحدا إلىّ.» فقال: إنّه يقول: «إنّ عندي شيئا أذكره.» فقال: «قل له يقله لك.» قال: «قد قلت له ذاك، فزعم أنّه لا يقوله إلّا لك.» قال: «أدخله.» وخرج ليدخله، وعادت المرأة، وشغل بكلامها وأقبل علىّ أبى فقال:
- «إنّه ليس عنده شيء يذكره وإنّما أراد الفضل بهذا أن يوهم من على الباب أنّ أمير المؤمنين لم يدخلنا لخاصيّة خصصنا بها وإنّما أدخلنا لأمر نسأل عنه كما دخل هذا الزبيري.» وطلع الزبيري فقال:
стр. 1564
- «يا أمير المؤمنين، ها هنا شيء أذكره.» فقال: «قل.» فقال له: «إنّه سرّ.» فقال: «ما من العبّاس سرّ.» فنهضت. فقال:
- «ولا منك يا حبيبي.» فجلست. فقال:
- «قل.» قال: «إنّى والله قد خفت على أمير المؤمنين زوجته وابنته وجاريته التي تلى فراشه وخادمه الذي يلي ثيابه وأخصّ خلق الله به من قوّاده وأبعدهم منه.» قال: فرأيته قد تغيّر لونه وقال له:
- «من ماذا.» قال: «جاءتني دعوة يحيى بن عبد الله [٥٤٦] بن الحسن فعلمت أنّه لم يبلغني مع العداوة بيننا وبينهم حتّى لم يبق على بابك أحد إلّا وقد أدخله فى الخلاف عليك.» فقال: «أتقول هذا فى وجهه؟» قال: «نعم.» قال الرشيد: «علىّ بيحيى.» فدخل فأعاد القول بحضرته. فقال يحيى:
- «والله يا أمير المؤمنين، قد جاء بشيء لو قبل لمن هو دونك فيمن هو أكبر منّى وهو قادر عليه لما أفلت منه أبدا، ولكن لى رحم وقرابة فلو أخّرت هذا الأمر ولم تعجل لكفيت مؤونتي بغير يدك ولسانك، وعسى بك أن تقطع رحمك وإنّى أباهله بين يديك وتصبر قليلا.»
стр. 1565
فقال: «يا عبد الله، قم فصلّ إن رأيت ذاك.» وقام يحيى فاستقبل القبلة وصلّى ركعتين خفيفتين [١] ، وصلّى عبد الله ركعتين [١] . ثمّ برك يحيى وقال:
- «ابرك.» ثمّ شبّك يمينه فى يمينه [٢] ، ثمّ قال:
- «اللهمّ إن كنت تعلم أنّى دعوت عبد الله بن مصعب إلى الخلاف على هذا- ووضع يده عليه وأشار إليه- فأسحتنى بعذاب من عندك ولكنى إلى حولي وقوّتى، وإلّا فكله إلى حوله وقوّته وأسحته بعذاب من عندك، آمين ربّ العالمين.
فقال: «آمين ربّ العالمين.» فقال يحيى بن عبد الله لعبد الله بن مصعب: [٥٤٧]- «قل كما قلت.» فقال عبد الله:
- «اللهم إن كنت تعلم أنّ يحيى بن عبد الله لم يدعني إلى الخلاف على هذا، فكلنى إلى حولي وقوّتى وأسحتنى بعذاب من عندك، وإلّا فكله إلى حوله وقوّته وأسحته بعذاب من عندك، آمين ربّ العالمين.» وتفرّقا.
فأمر الرشيد بيحيى بن عبد الله فحبس فى ناحية من الدار. فلمّا خرج وخرج عبد الله بن مصعب أقبل الرشيد على أبى فعدّد عليه مننه على يحيى وأياديه عليه فكلّمه أبى بما لا يدفع به عن عصفور خوفا على نفسه، فأمرنا
стр. 1566
بالانصراف، فانصرفنا، فدخلت مع أبى أنزع عنه سواده، وكان ذلك من عادتي، فبينا أنا أحلّ منطقته إذ دخل عليه الغلام، فقال:
- «رسول عبد الله بن مصعب. [١] » فقال: «أدخله.» فدخل. وقال:
- «يقول لك مولاي: أنشدك الله إلّا بلغت إلىّ.» فقال أبى: «قل له أجد مسّ تعب، وقد وجّهت إليك بعبد الله، فما أردت أن تلقيه إلى فألقه إليه.» فخرج الغلام. وقال لى [٢] :
- «إنّما دعاني ليستعين بى على الإفك، فإن أعنته قطعت رحم رسول الله صلّى الله عليه، وإن خالفته سعى بن، فاذهب إليه [٥٤٨] فكلّ ما قال لك فليكن جوابك له: أخبر أبى.» وخرجت فى إثر الرسول. فلمّا صرت فى بعض الطريق وأنا مغموم بما أقدم عليه، قلت للرسول:
- «ويحك، ما أمره وما أزعجه بالإرسال إلى أبى الفضل فى مثل هذا الوقت؟» فقال: «إنّه جاء من الدار فما هو إلّا أن نزل [٣] عن الدابّة، حتى صاح: بطني، بطني.» قال:
стр. 1567
فما حفلت بقول الغلام. فلمّا صرنا على باب الدار، وكان فى درب لا منفذ له، فتح البابين، وإذا النساء خرجن منشورات الشعور متحزّمات بالحبال يلطمن وجوههنّ وينادين بالويل، وقد مات الرجل، فعجبت من ذلك، وعطفت راجعا أركض ركضا لم أركض قبله مثله، والغلمان والحشم ينتظروننى لتعلّق قلب الشيخ بى. فلمّا رأونى دخلوا يتعادون، فاستقبلني مرعوبا فى قميص ومنديل ينادى:
- «ما وراءك يا بنّى؟» قلت: «إنّه مات.» قال: «الحمد لله الذي قتله وأراحك وإيّانا منه.» فما قطع كلامه حتّى ورد خادم للرشيد يأمر أبى بالركوب وإيّاى معه، فقال أبى ونحن نسير:
- «لو جاز أن يدّعى ليحيى نبوّة لادّعاها أهله له ﵀، [٥٤٩] وعند الله نحتسبه ولا والله ما نشكّ أنّه قتل.» فمضينا حتّى دخلنا على الرشيد، فلمّا نظر إلينا قال:
- «يا عبّاس، أما عندك الخبر؟» فقال أبى:
- «بلى يا أمير المؤمنين، فالحمد لله الذي صرعه بلسانه ووقاك يا أمير المؤمنين قطع أرحامك.» فقال الرشيد:
- «الرجل والله سليم على ما تحبّ [١] .» ورفع الستر فدخل يحيى وأنا والله أتبيّن الارتباع فى الشيخ، فلمّا نظر إليه
стр. 1568
الرشيد صاح به:
- «يا أبا محمّد، إنّ الله قد قتل عدوّك الجبّار.» قال:
- «الحمد لله الذي أبان لأمير المؤمنين كذب عدوّه علىّ وأعفاه من قطع رحمه، والله يا أمير المؤمنين لو كان هذا الأمر ممّا أطلبه وأصلح له وأريده، ولم يكن الظفر به إلّا بالاستعانة به، ثمّ لم يبق فى الدنيا غيرى وغيرك وغيره ما تقويّت به عليك أبدا، فكيف وأنا لا أطلب هذا الأمر ولا أريده ولا أصلح له.» ثمّ قال:
- «وهذا والله من أحد آفاتك- وأشار إلى الفضل بن الربيع- والله لو وهبت له عشرة آلاف درهم ثمّ طمع فى زيادة تمرة لباعك بها.» فقال:
- «أمّا العبّاسىّ [١] ، فلا تقل فيه إلّا خيرا.» وأمر له فى هذا اليوم بمائة ألف دينار [٥٥٠] وكان حبسه بعض يوم.
هياج العصبيّة فى الشام بين النزاريّة واليمانيّة
وفى هذه السنة هاجت العصبيّة بالشام بين النزاريّة واليمانيّة، فقتل بينهما بشر كثير. فولّى الرشيد موسى بن يحيى بن خالد الشام، وضمّ إليه، من القوّاد والأجناد ومشايخ الكتّاب جماعة فلمّا ورد الشام أصلح بين أهلها وسكنت الفتنة، فردّ الرشيد الحكم فيهم إلى يحيى، فعفا عنهم وصفح عن جناياتهم، فمدحه الشعراء وأكثروا.
стр. 1569
عزل موسى بن عيسى عن مصر
وفيها عزل الرشيد موسى بن عيسى عن مصر، وولّى جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك مصر، فولّاها جعفر عمر بن مهران.
ذكر السبب فى ولايته وما كان منه كان قد بلغ الرشيد أنّ موسى بن عيسى بن موسى قد تجبّر بمصر وعزم على الخلع، فقال:
- «والله لا أعزله إلّا بأخسّ من على بابى، انظروا لى رجلا.» فذكر عمر بن مهران، وكان إذ ذاك يكتب للخيزران ولم يكتب قطّ لغيرها، وكان رجلا أحول مشنوء الوجه، وكان لباسه خسيسا أرقع [١] ثيابه طيلسانه، وكانت قيمته ثلاثين درهما وكان يشمّر ثيابه ويقصّر كمامه ويركب بغلا وعليه رسن [٥٥١] ولجام حديدىّ ويردف غلامه خلفه. فدعا به وولّاه مصر حربها وخراجها وضياعها. فقال:
- «يا أمير المؤمنين، أتولّاها على شريطة.» قال: «وما هي؟» قال: «يكون إذنى إلىّ إذا أصلحت البلاد انصرفت.» فجعل له ذلك، فمضى إلى مصر، واتصلت ولاية عمر بموسى بن عيسى، فكان يتوقّع قدومه. فدخل عمر بن مهران مصر على بغل وغلامه أبو درّة على بغل، فقصد دار موسى والناس عنده. فدخل وجلس فى أخريات الناس، فلمّا تفرّق الناس قال موسى بن عيسى:
стр. 1570
- «ألك حاجة يا شيخ؟» قال: «نعم.» وأخرج الكتب، فدفعها إليه، قال: «يقدم أبو حفص أبقاه الله.» قال: «فأنا أبو حفص.» قال: «أنت عمر بن مهران؟» قال: «نعم.» فقال: «لعن الله فرعون حين قال: أليس لى ملك مصر؟ [١] » ثمّ سلّم إليه العمل ورحل، فتقدّم عمر بن مهران إلى أبى درّة غلامه فقال:
- «لا تقبل من الهدايا إلّا ما يدخل فى الجراب، لا تقبل دابّة ولا جارية ولا غلاما.» وجعل الناس يبعثون بضروب الهدايا والألطاف فلا يقبل إلّا المال والثياب ويأتى بها [٥٥٢] عمر فيوقّع عليها أسماء من بعث بها. ثمّ وضع الجباية وكان بمصر قوم قد اعتادوا المطل وكسر الخراج، فبدأ برجل منهم فلواه فقال:
- «والله لا أدّيت [٢] ما عليك من الخراج إلّا فى بيت المال بمدينة السلام إن سلمت.» قال: «فإنّى أؤدّى.» وتحمّل عليه، فقال:
- «قد حلفت ولا أحنث.» فأشخصه مع ثلاثة من الجند، وكتب معهم إلى الرشيد. وكان العمّال يكاتبون إذ ذاك الخليفة:
стр. 1571
- «أنّى دعوت بفلان بن فلان، وطالبته بما عليه من الخراج فلوانى واستنظرنى فأنظرته، ثمّ دعوته، فدافع ولوانى، فعل ذلك مرارا، فآليت إلّا يؤدّيه إلّا فى بيت المال بمدينة السلام، وجملة ما عليه من المال كذا وكذا وقد أنفذته مع فلان وفلان، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إلىّ بوصوله فعل إن شاء الله.» فلم يلوه أحد بشيء من الخراج، واستأدى النجم الأوّل والنجم الثاني، فلمّا كان النجم الثالث وقعت المطاولة والمطل. فأمر بإحضار الهدايا التي بعث بها إليه، فنظر فى الأكياس وأحضر الجهبذ، فوزن ما فيها وأجراها [١] عن أهلها، ثمّ دعا بالأسفاط فنادى على [٥٥٣] ما فيها فباعها وأجرى أثمانها عن أهلها.
ثمّ قال:
- «يا قوم، حفظت هداياكم إلى وقت حاجتكم إليها فأدّوا إلينا مالنا.» فأدّوا إليه حتّى أغلق مال مصر، فانصرف ولا يعلم أنّه أغلق [٢] مال مصر غيره. وانصرف فخرج على بغل وأبو درّة على بغل وكان إذنه إليه.
ودخلت سنة سبع وسبعين ومائة
ولم يجر فيها على ما بلغنا شيء يكتب فى هذا الكتاب.
ودخلت سنة ثمان وسبعين ومائة الفضل بن يحيى يولّى خراسان أيضا
وفيها ولّى الفضل بن يحيى بن خالد خراسان مضافا إلى ما كان إليه من ولاية الجبل وجرجان وطبرستان. فشخص إليها، فأحسن بها السيرة وبنى
стр. 1572
المساجد والرباطات وغزا ما وراء النهر، فخرج إليه خاراخرّة ملك اسروشنة وكان ممتنعا.
واتخذ الفضل بن يحيى جندا من عجم خراسان سمّاهم العبّاسيّة، وجعل ولاءهم له، وبلغت عدّتهم خمسمائة ألف رجل، وقدم بغداذ منهم عشرون ألف رجل فسمّوا ببغداذ الكرنبيّة، وخلّف الباقي بخراسان على [٥٥٤] على أسمائهم ودفاترهم.
وفرّق الفضل من الأموال ما هو بالسرف أليق منه بالجود. وقد ذكرنا من ذلك طرفا. فمّما جرى له من هذا النمط أنّ إبراهيم بن جبريل كان خرج مع الفضل مكرها، فأحفظ الفضل ذلك عليه. قال إبراهيم: فدعاني يوما بعد ما أغفلنى حينا، فلمّا صرت بين يديه سلّمت، فما ردّ علىّ، فقلت فى نفسي: شرّ والله، وكان مضطجعا فاستوى جالسا ثمّ قال:
- «ليفرخ [١] روعك يا إبراهيم فإنّ قدرتي عليك تمنعني منك.» قال: ثمّ عقد لى على سجستان فلمّا حملت خراجها وهبه لى وزادني خمسمائة ألف درهم.
وكان معه عمّه إبراهيم فوجّهه إلى كابل فافتتحها وغنم غنائم كبيرة ووصل إليه فى ذلك الوجه سبعة آلاف ألف [٢] درهم، وكان عنده من مال الخراج أربعة آلاف درهم [٣] . فلمّا قدم بغداد وبنى داره واستزار الفضل ليريه نعمته عليه وأعدّ له الهدايا والطرف وآنية الذهب والفضّة، وأمر بوضع الأربعة آلاف ألف فى ناحية من الدار. فلمّا قال الفضل بن يحيى، قدّم اليه الهدايا والطرف فأبى أن يقبل منها شيئا وقال:
стр. 1573
- «لم آتك [٥٥٥] لأسلبك.» قال: «إنّها نعمتك أيّها الأمير.» قال: «ولك عندنا مزيد.» فلم يأخذ من جميع ذلك إلّا سوطا سجزيّا. وقال:
- «هذا من آلة الفرسان.» فقال له: «هذا المال من مال الخراج.» قال: «هو لك.» فأعاد عليه، فقال: «أما لك بيت يسعه؟» وانصرف.
ولمّا قدم الفضل بن يحيى من خراسان خرج الرشيد إلى بستان أمّ جعفر يستقبله وتلقّاه بنو هاشم والناس على مراتهم، فجعل يصل الرجل بألف ألف وبخمسمائة آلاف درهم. وأعطى الشعراء فأكثر. فحكى مروان بن أبى حفصة وكان قد زاره: أنّه وصل إليه فى مدّة مقامه عليه سبعمائة ألف درهم.
ودخلت سنة تسع وسبعين ومائة
قتل ابن طريق
وفيها رجع الوليد بن طريف الشاري إلى الجزيرة واشتدّت شوكته، وكثر تبعه، فوجّه الرشيد إليه يزيد بن مزيد الشيبانى فراوغه يزيد إلى أن ظنّ أنّه كرهه، ثمّ التمس غرّته حتّى وجدها فقتله وجماعة كانوا معه وتفرّق الباقون.
وقالت الفارعة أخت الوليد بن طريف: [٥٥٦]
أيا شجر الخابور ما لك مورقا ... كأنّك لم تحزن [١] على ابن طريف
стр. 1574
فتى لا يحبّ الزّاد إلّا من التّقى ... ولا المال إلّا من قنا وسيوف
واعتمر الرشيد فى هذه السنة فى شهر رمضان شكرا لله على ما أبلاه فى الوليد بن طريف. ثمّ انصرف إلى المدينة فأقام بها إلى وقت الحجّ، ثمّ حجّ بالناس فمشى من مكّة إلى منى، ثمّ إلى عرفات، وشهد المشاهد كلّها، والمشاعر ماشيا.
ثمّ دخلت سنة ثمانين ومائة هياج العصبيّة بين أهل الشام
وفيها هاجت العصبيّة بالشام بين أهلها، وتفاقم أمرها فقلق الرشيد واغتمّ لذلك، وقال لجعفر بن يحيى:
- «إمّا أن تخرج أنت، أو أخرج أنا.» فقال له جعفر: «بل أقيك بنفسي.» فشخص فى جلّة القوّاد والكراع والسلاح وعقد له على الشام. فلمّا أتاهم أصلح بينهم وقتل زواقيلهم والمتلصّصة منهم، ولم يدع به رمحاً ولا فرسا، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة، وأطفأ النائرة، وعاد إلى جعفر، واستخلف على الشام عيسى بن العكّى فزاد الرشيد [٥٥٧] فى إكرامه ومدحه الشعراء.
ويقال: إنّه لمّا عاد ومثل بين يدي الرشيد، قبّل يديه ورجليه ثمّ مثل بين يديه فقال:
- «الحمد لله الذي آنس وحشتي بأمير المؤمنين، وأجاب دعوتي، ورحم تضرّعى ونسأ فى أجلى، حتى أرانى وجه سيّدى، وأكرمنى بقربه وأمتنّ علىّ بتقبيلى يده، وردّني إلى خدمته، فو الله إن كنت لأذكر غيبتي عنه ومخرجي و
стр. 1575
المقادير [١] التي أزعجتنى فأعلم أنّها كانت بمعاص لحقتني وخطايا قد أحاطت بى، ولو طال مقامي عنك يا أمير المؤمنين لخفت أن يذهب عقلي إشفاقا على قربك، وأسفا على فراقك، وأن يعجل بى عن إذنك الاشتياق إلى رؤيتك.
فالحمد لله الذي عصمنى فى حال الغيبة، وأمتعنى بالعافية، ومسكنى بالطاعة وحال بيني وبين استعمال المعصية، ولم أشخص إلّا عن رأيك ولم أقدم إلّا عن إذنك ولم يخترمنى أجلى دونك، والله يا أمير المؤمنين، فلا أعظم من اليمين بالله، لقد عاينت ما لو تعرض لى الدنيا كلها، لاخترت قربك ولما رأيتها عوضا من المقام معك.» ثمّ أثنى عليه [٥٥٨] ثناء طويلا.
ثمّ ولّى الرشيد جعفرا خراسان وسجستان، فاستعمل جعفر عليها محمّد بن الحسن بن قحطبة.
ودخلت سنة إحدى وسنة اثنتين وثمانين ومائة
ولم يجر فيهما على ما بلغنا ما يليق ذكره بهذا الكتاب.
ودخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة
خروج خاقان الخزر
وفيها كان خروج ملك الخزر من باب الأبواب وإيقاعهم بالمسلمين هنالك وأهل الذمّة وسبيهم أكثر من مائة ألف فانتهكوا أمرا عظيما لم يسمع فى الأرض بمثله [٢] .
стр. 1576
ذكر السبب فى ذلك وكان سبب ذلك أنّ الفضل بن يحيى خطب بنت خاقان الخزر، فحملت إليه، فماتت ببرذعة. وكان على أرمينية يومئذ سعيد بن سلم بن قتيبة فرجع من كان معها من الطراخنة إلى أبيها فأخبروه أنّ ابنته قتلت غيلة، فحنق لذلك وعمل ما عمل.
فولّى الرشيد أرمينية يزيد بن مزيد مع آذربيجان، وضمّ إليه قوّاد الجند ووجّهه، وأنزل خزيمة بن خازم نصيبين ردءا لأهل أرمينية.
وقيل أيضا: أنّ سبب دخول الخزر أرمينية فى زمن هارون كان أنّ سعيد بن سلم ضرب عنق [٥٥٩] المنجّم السلمىّ بفاس، فدخل ابنه بلاد الخزر فاستجاشهم، فدخلوا أرمينية من الثلمة، فانهزم سعيد، ونكحوا المسلمات وأقاموا سبعين يوما، فلمّا صار يزيد بن مزيد إلى أرمينية، خرج الخزر وسدّت الثلمة.
استقدام الرشيد علىّ بن عيسى من خراسان
وفيها استقدم الرشيد علىّ بن عيسى بن هامان من خراسان وكان سبب ذلك أنّه أبلغ عنه أمور عظام. وقيل: إنّه أجمع على الخلاف، فاستخلف علىّ بن عيسى ابنه يحيى ووافى حضرة الرشيد بأموال عظيمة، فردّه الرشيد إلى خراسان من قبل ابنه المأمون لحرب أبى الخصيب، فرجع. [١]
ودخلت سنة أربع وثمانين ومائة
ولم يجر فيها ما يكتب.
стр. 1577
وكذلك سنة خمس وثمانين ومائة
ودخلت سنة ستّ وثمانين ومائة حوادث عدّة
وفيها خرج علىّ بن عيسى بن ماهان من مرو لحرب أبى الخصيب إلى نسّا، [١] فقتله بها وسبى نساء وذراريّه، واستقامت خراسان.
وحجّ هارون الرشيد وأخرج معه ابنيه محمّدا الأمين، وعبد الله المأمون، وليّى عهده.
فبدأ بالمدينة [٥٦٠] وأعطى أهلها ثلاثة أعطية، كانوا يقدمون [٢] إليه فيعطيهم عطاء، ثمّ إلى محمّد فيعطيهم عطاء ثانيا، ثمّ إلى المأمون فيعطيهم عطاء ثالثا.
ثمّ صار إلى مكّة، فأعطى أهلها عطاء. فبلغ ذلك ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار.
وكان الرشيد عقد لابنه محمّد بن زبيدة وسمّاه الأمين وضمّ إليه الشام والعراق فى سنة خمس وسبعين، ثمّ بايع لعبد الله المأمون بالرّقة فى سنة ثلاث وثمانين ومائة، وولّاه من حدّ همذان إلى آخر المشرق.
وكان القاسم بن الرشيد فى حجر عبد الملك بن صالح، فلمّا بايع الرشيد لمحمّد وعبد الله، كتب إليه عبد الملك بن صالح يسأله فى أبيات شعر أن يجعل القاسم ثالثا فى ولاية العهد، فبايع له وسمّاه المؤتمن، وولّاه الجزيرة والثغور والعواصم.
ولمّا قسم الأرض بين أولاده الثلاثة قال بعض الناس: قد أحكم أمر الملك،
стр. 1578
وقال بعضهم: بل ألقى بأسهم بينهم وسيختلفون، فقال بعضهم:
رأى الملك الرّشيد أضلّ رأى [١] ... بقسمته الخلافة والبلادا [٥٦١]
أراد به ليقطع عن بنيه ... خلافهم ويبتذلوا الودادا
فقد غرس العداوة غير آل ... وأورث شمل ألفتهم بدادا
فويل للرّعيّة عن قليل ... لقد أهدى لها الكرب الشدادا
ستجرى من دمائهم بحور ... زواخر لا يرون لها نفادا
ولمّا قضى هارون الرشيد مناسكه، تقدّم إلى الفقهاء والقضاة وأهل العلم أن يجهدوا آراءهم فى كتابين، أحدهما على محمّد الأمين يشترط عليه الوفاء لعبد الله المأمون بما إليه من الأعمال وما صيّر له من الضياع والجواهر والأموال، والآخر نسخة البيعة التي أخذها على الخاصّة والعامّة والشروط على محمّد وعبد الله من الأحكام والسياسات، وأشهد أهل بيته ووزراءه وقوّاده ومواليه وكتّابه ومن كان فى الكعبة معه، وكان جميع ذلك فى البيت الحرام. ثمّ رأى أن يعلّق الكتاب فى الكعبة، فلمّا رفع ليعلّق، سقط، فقال الناس:
«هذا أمر سريع الانتقاض لا يتمّ.» ونسخة [٥٦٢] هذين الكتابين فيهما طول وهي موجودة فى كتب التواريخ وغيرها فلم أشتغل بنسخهما، وكتب كتبا بذلك إلى سائر العمّال فى الأمصار. [٢]
стр. 1579
ودخلت سنة سبع وثمانين ومائة
وفيها قتل الرشيد جعفر بن يحيى، وأوقع بالبرامكة ذكر السبب فى ذلك
كانت أسباب تغيّره لهم كثيرة.
فمن ذلك أنّ الرشيد سلّم يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن إلى جعفر، فحبسه عنده ثمّ دعا به ليلة، فسأله عن شيء من أمره. فأجابه إلى أن قال:
- «اتّق الله فى أمرى ولا تتعرّض أن يكون خصمك غدا محمّد، صلّى الله عليه، فو الله ما أحدثت حدثا، ولا آويت محدثا.» فرق له وقال:
- «اذهب حيث شئت من بلاد الله.» فقال:
- «كيف أذهب ولا آمن أن أؤخذ فأردّ إليك أو إلى غيرك؟» فوجّه معه من يؤدّيه إلى مأمنه، وبلغ الخبر الرشيد من عيون كانت له عليه، فدعاه ودعا بالغداء، فأكلا وجعل يلقّمه ويحادثه [٥٦٣] إلى أن كان آخر ما دار بينهما أن قال:
- «ما فعل يحيى بن عبد الله؟» قال:
- «بحاله يا أمير المؤمنين فى الحبس والضيق والأكبال الثقيلة.» قال: «بحياتى؟» فأحجم جعفر، وكان من أرّق الناس ذهنا وأصحّهم فكرا. فهجس فى نفسه أنّه قد علم بما جرى فى أمره. فقال:
- «لا وحياتك يا سيّدى، ولكن أطلقته لمّا علمت أنّه لا حياة به ولا مكروه عنده.»
стр. 1580
قال: «نعمّا فعلت ما عدوت ما كان فى نفسي.» فلمّا خرج أتبعه بصره حتّى كاد يتوارى عن عينه وقال:
- «قتلني الله إن لم أقتلك.» ومن أسباب ذلك أنّ الرشيد قلب [١] جارية ارتضى عقلها وأدبها، وكانت حسنة الغناء، جزلة الشعر، مليحة الكتابة، بارعة الجمال، فلمّا رأى كمالها استام صاحبها فيها واستام بها مائة ألف دينار وقال:
- «يا أمير المؤمنين، علىّ يمين بعتقها ألّا أنقصها [٢] من ذلك شيئا.» فتقدّم بإطلاق ذلك لمولاها.
فقال جعفر لأبيه وأخيه:
- «إنّ هذا إن أقدم على مثل هذه الأشياء أفنى بيوت الأموال. وقد رأيت أن أتقدّم بحمل قيمة هذه الدنانير دراهم فتوضع فى طريقه مبدّدة فإنّه الآن لا يعلم ما قيمة ما أطلق، وإذا رآها حلّت فى عينه ولعلّه أن ينصرف عن هذا الرأى.» [٥٦٤] ففعل ذلك وأمر بالمال ووضع فى ممرّ له، فلمّا نظر إليه الرشيد قال:
- «من أين هذا الحمل؟» قال له الخازن:
- «إنّه ليس بحمل، ولكنّه أخرج من الخزانة وهو ثمن الجارية وقد أحلّ