← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

البلدان فى هيأة الطارئة والسابلة، وفتّشت الكتب فكانت ترد من قبل محمد الرسل والجماعات، فإذا صاروا إلى حدّ الرىّ وجدوا تدبيرا مؤيّدا [٤٢] وعقدا مستحصدا، وأخذتهم الأحراس من جوانبهم فحصّنوا فى حال ظعنهم وإقامتهم من أن يخبروا أو يستخبروا، وكتب بخبرهم من مكانهم، فيجيء الإذن فى حملهم، فيحملون محروسين لا خبر يصل إليهم، ولا غيرهم يتطلّع خبرا من عندهم حتّى يصيروا إلى باب المأمون. وذكر سهل بن هارون، أنّ المأمون قال يوما لذي الرئاستين: - «إنّ ولدي وأهلى ومالي الذي أفرده لى الرشيد بحضرة محمد وهو مائة ألف ألف وأنا إليها محتاج وهي قبله فما ترى فى ذلك؟» فقال له ذو الرئاستين: - «إن أنت كتبت كتاب عزمة فمنعك، صار إلى خلع عهده. فإن فعل، حملك ولو بالكره على محاربته، وأنا أكره أن تكون المستفتح باب الفرقة ما أرتجه الله دونك، ولكن تكتب كتاب طالب بحقّك وتوجيه أهلك على ما لا يوجب عليه المنع نكثا لعهدك، فإن أطاع فنعمة وعافية، وإن أباها لم تكن بعثت على نفسك حربا ومشاقّة.» قال: «فاكتب إليه كما ترى.» فكتب عنه: كتاب كتبه ذو الرياستين عن المأمون إلى الأمين - «أمّا بعد فإنّ نظر أمير المؤمنين للعامّة نظر من لا يقتصر على إعطاء النصفة من نفسه حتّى يتجاوزها إليهم ببرّه وصلته [٤٣]

стр. 1647

وإذا كان ذلك رأيه فى عامّته فأحر بأن يكون على مجاوزة ذلك لصنوه وقسيم نسبه. وقد تعلم يا أمير المؤمنين حالا أنا عليها من ثغور حللت بين لهواتها وأجناد لا تزال موفية بتسرّعها وبنكث آرائها وبقلة الخراج قبلي، والأهل والولد والمال قبل أمير المؤمنين، وما للأهل- وإن كانوا فى كفاية- من برّ أمير المؤمنين وكان لهم والدا- بدّ من الإشراف والنزوع إلى كنفى، وما لى بالمال من القوّة والظهير على لمّ شعثي، وقد وجّهت لحمل العيال وحمل ذلك المال فرأى أمير المؤمنين فى إجازة فلان إلى الرّقّة فى حمل ذلك المال والأمر بمعونته عليه غير مخرج له فيه إلى ضيقة تقع بمخالفته، أو حامل له على رأى يكون على غير موافقته، إن شاء الله.» فكتب إليه محمد فى الجواب: جواب الأمين - «أمّا بعد، فقد بلغني كتابك بما ذكرت ممّا عليه رأى أمير المؤمنين فى عامّته، فضلا عمّا يوجب من حقّ ذى حرمته وخليط نفسه، ومحلّك من لهوات ثغور، وحاجتك لمحلّك بينها إلى فضلة من المال لتأييد أمرك. والمال الذي سمّى لك من مال الله [٤٤] وما ينكر أمير المؤمنين حقوق أقربيه وذوى نسبه، وما ذاك بداع أمير المؤمنين إلى ترك الاستظهار لدينه وعامّته، وبه إلى ذلك الذي ذكرت حاجة فى تحصين أمور

стр. 1648

المسلمين، وكان أولى به إجراؤه على فرائضه وردّه فى مواضع حقّه، وليس بخارج من نفعك ما عاد بنفع العامّة من رعيّتك. - «وأمّا ما ذكرت من حمل أهلك فإنّ يدي المشرفة على أمرهم، وإن كنت بالمحلّ الذي أنت به من حقّ القرابة ولم أر من حملهم على سفرهم مثل الذي عرّضتهم له بالسفر من شهم [١] وإن أر ذلك من ذى قبل، أوجّههم إليك مع الثقة من رسلي، إن شاء الله.» ولمّا ورد الكتاب على المأمون قال: - «لطّ دون حقّنا يريد أن يوهن بالمنع قوّتنا ثمّ يتمكّن من الفرصة فى مخالفتنا.» كتاب المأمون إلى أعيان العسكر ببغداد ورأى المأمون والفضل أن يختارا رجلا يكتب معه إلى أعيان العسكر ببغداد، فإن أحدث الأمين للمأمون خلعا صار إلى التلطّف، لعلم أحوال أهلها بالكتب التي معه وإن لم يفعل من ذلك كنس فى خفية وأمسك عن إيصالها وكان نسخة الكتاب: «أمّا بعد [٤٥] فإنّ أمر المؤمنين كأعضاء البدن تحدث العلّة فى بعضها فيكون كره ذلك مؤلما لجميعها، وكذلك الحدث فى المسلمين يكون فى بعضهم فيصل كره ذلك إلى سائرهم، للذي

стр. 1649

يجمعهم من شريعة دينهم ويلزمهم من حرمة آخرتهم. ثمّ ذلك من الأئمة أعظم للمكان الذي به الأئمة من سائر أممهم. وقد كان من الخبر ما لا أحسبه إلّا سيعرب عن مغبّته ويسفر عمّا استتر من وجهه. وما اختلف مختلفان فكان أحدهما مع أمر الله، إلّا كان أولى بمعونة المسلمين وموالاتهم فى ذات الله وأنت- يرحمك الله- من الأمر بمرأى ومسمع، وبحيث إن قلت أذن لقولك وإن لم تجد للقول مساغا فأمسكت عن مخوف، اقتدى فيه بك، ولن يضيع على الله ثواب الإحسان مع ما يجب علينا من حقّك بالإحسان ولحظّ حاز لك النصيبين أو أحدهما أمثل من الإشراف لأحد الحظّين مع التعرّض لعدمهما. فاكتب إلىّ برأيك وأعلم ذلك رسولي ليؤدّيه عنك، إن شاء الله.» فوافق قدوم هذا الرسول بغداد ما أمر به من الكفّ عن الدعاء للمأمون [٤٦] فى الخطبة، وكان الرسول بمحلّ الثقة من كلّ من كتب إليه. فلمّا أوصلها كان منهم من أمسك عن الجواب وأعرب للرسول عمّا فى نفسه، ومنهم من أجاب عن كتابه. فكان نسخة كتاب أحدهم: «أمّا بعد فقد بلغني كتابك، وللحقّ برهان يدلّ على نفسه، تثبت به الحجّة على كلّ من صار إلى مفارقته، وكفى غبنا بإضاعة حظّ من حظّ العاقبة لمأمول [١] حظّ من عاجله، وأبين فى الغبن إضاعة عاقبة مع التعرّض للنكبة والوقائع. ولى من العلم

стр. 1650

بمواضع حظّى ما أرجو أن يحسن معه النظر لنفسي، ويضع عنّى مؤونة استزادتى.» وكتب الرسول الذي توجّه بهذه الكتب إلى بغداد إلى المأمون وذى الرئاستين: «أمّا بعد، فإنّى وافيت البلدة وقد أعلن خليطك بتنكيره، وقدّم علما من اعتراضه ومفارقته، وأمسك عمّا يجب ذكره وتوفيته بحضرته، ودفعت كتبك فوجدت أكثر الناس ولاة السرائر وبغاة العلانية، ووجدت المسرفين بالرغبة لا يحوطون غيرها ولا يبالون ما احتملوا فيها والمنازع مختلج الرأى [٤٧] لا يجد دافعا منه عن همّه، ولا داعيا إلى لزوم حجّة فى عامّه، والملحّون بأنفسهم يحبّون تمام الحدث ليسلموا من متهدم حدثهم، والقوم على جدّ، فلا تجعلوا للتوانى فى أمركم نصيبا والسلام.» فلمّا جاء الخبر إلى المأمون موافقا لسائر ما ورد عليه من الكتب، قد شهد بعضها لبعض، قال لذي الرئاستين: - «أمور قد كان الرأى أخبر عن غيبها [١] . ثمّ هذه طوالع تخبر عن أواخرها، وكفانا أن نكون مع الحقّ ولعلّ كرها يسوق خيارا.» ثمّ أشخص طاهر بن الحسين، وضمّ إليه ثقات قوّاده وأجناده، فسار

стр. 1651

طاهر مغذّا لا يلوى على شيء حتّى ورد الرىّ، فنزلها ووكّل بأطرافه ووضع مسالحه وبثّ عيونه وطلائعه. ودخلت سنة خمس وتسعين ومائة مبادرات من الأمين والمأمون وفيها عقد الأمين لابنه موسى على جميع ما استخلف عليه، وجعل صاحب أمره علىّ بن عيسى بن ماهان، وأسقط ما كان ضرب باسم أخيه المأمون بخراسان من الدنانير والدراهم فى سنة أربع وتسعين، لأنّ المأمون أمر ألّا يثبت فيها [٤٨] اسم محمد، ونهى محمد عن الدعاء على المنابر كلّها فى عمله للمأمون والقاسم، وأمر بالدعاء له، ثمّ من بعده لابنه موسى، وابنه موسى يومئذ طفل صغير وسمّاه: الناطق بالحقّ. وجميع ما فعل من ذلك كان عن رأى الفضل بن الربيع وبكر بن المعتمر. وبلغ المأمون ذلك، فتسمّى بإمام المؤمنين، وكوتب بذلك. وعقد محمد الأمين لعلىّ بن عيسى بن ماهان على كور الجبل كلّها: نهاوند وهمذان وقم وإصبهان، حربها وخراجها، وضمّ إليه جماعة من القوّاد، وأمر لهم بمائتي ألف دينار، ولولده بخمسين ألف دينار، وأعطاه للجند مالا عظيما، وأمر له من السيوف المحلّاة، بألفي سيف وسبعة ألف ثوب للخلع، وأحضر محمد أهل بيته ومواليه وقوّاده المقصورة بالشمّاسيّة، وصلّى الجمعة ودخل وأجلس ابنه موسى فى المحراب ومعه الفضل بن الربيع وجميع من أحضر، فقرئ على جماعتهم كتاب من محمد يعلمهم رأيه فيه، وحقّه عليهم وما سبق له من البيعة مفردا، وما أحدث عبد الله من التسمّى بالإمامة، والدعاء إلى نفسه، وقطع البريد، وقطع ذكره من دور الضرب والطرز، [٤٩] وأنّ ذلك ليس له، وحثّهم على الطاعة والتمسّك ببيعته.

стр. 1652

وتكلّم سعيد بن الفضل الخطيب قائما، فصدّق ما فى الكتاب وتكلّم بمثله. ثمّ تكلّم الفضل بن الربيع وهو جالس. فأبلغ فى القول وأكثر، وذكر أنّه لا حقّ لأحد فى الإمامة والخلافة إلّا لأمير المؤمنين محمد الأمين، وقال فى آخر كلامه: - «إنّ الأمير موسى بن أمير المؤمنين قد أمر لكم، يا معشر أهل خراسان، من صلب ماله بثلاثة آلاف درهم يقسّم بينكم.» وانصرف الناس. شخوص علىّ بن عيسى بن ماهان لحرب المأمون وفى هذه السنة شخص على بن عيسى بن ماهان إلى الحرب وتوجّه إلى الرىّ. فذكر الفضل بن إسحاق أنّ علىّ بن عيسى توجّه لحرب المأمون يوم الجمعة عشيّا لست بقين من جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين إلى معسكره بنهر بين [١] وكان معه زهاء أربعين ألف رجل ومعه قيد فضّة ليقيّد به المأمون بزعمه، وشيّعه أمير المؤمنين محمد الأمين إلى النهروان، فعرض الجند وأقام يومه بالنهروان، ثمّ انصرف إلى مدينة السلام. وأقام علىّ بن عيسى بالنهروان ثلاثة أيام، ثمّ شخص واعد السير حتّى نزل همذان وكان كاتب من كان بها وبغيرها بالانضمام [٥٠] إلى علىّ بن عيسى. ثمّ عقد لعبد الله بن جبلة الأبناوي [٢] وهو الذي طعن رسول المأمون يوم أنفذه خلف الفضل بن الربيع إلى نيسابور، وتكلّم ما كتبناه على الدينور، وأمره بالمسير فى أصحابه ووجّه معه ألفى ألف درهم إلى علىّ بن عيسى سوى ثلاثة آلاف درهم حملت إليه قبل ذلك، فسار علىّ بن عيسى من همذان إلى الرىّ قبل

стр. 1653

ورد عبد الرحمان بن جبلة عليه، فسار على تعبئة، ولقيه طاهر بن الحسين فى أقلّ من أربعة آلاف. وكان استأمن إلى علىّ بن عيسى من عسكر طاهر ثلاثة أنفس يتقرّبون إليه. فسألهم، من هم ومن أىّ البلدان هم، فأخبره أحدهم أنّه كان من جند أبيه عيسى الذي قتله رافع. قال: «فأنت من جندي؟» فأمر به فضرب مائتي سوط واستخفّ بالرجلين وانتهى الخبر إلى أصحاب طاهر فازدادوا جدّا فى محاربته ونفورا منه. وأقبل علىّ بن عيسى فى جيشه فامتلأت الصحراء بياضا وصفرة من السلاح والذهب [١] ، وجعل على ميمنته الحسين بن علىّ، على ميسرته القاسم بن عيسى بن إدريس. قال احمد بن هشام، وكان إذا ذاك [٥١] على شرطة طاهر: فما لبثا أن هزمونا حتّى دخلوا العسكر فخرج إليهم الأتباع والساسة، فهزموهم. فقال طاهر لمّا رأى عسكر علىّ بن عيسى: - «هذا ما لا قبل لنا له، ولكن نجعلها خارجية.» فقصد قصد القلب فى سبعمائة رجل من الخوارزمية انتخبهم. مقتل علىّ بن عيسى بيميني طاهر قال أحمد بن هشام: فقلت لطاهر: - «ألا تذكّر علىّ بن عيسى البيعة التي أخذها هو علينا للمأمون، خاصّة معاشر أهل خراسان؟»

стр. 1654

فقال: «بلى.» فعلّقنا ذلك على رمح، وقمت بين الصفّين وقلت: - «الأمان، لا ترمونا ولا نرميكم.» فقال علىّ بن عيسى: - «لك ذلك.» فقلت: «يا علىّ بن عيسى ألا تتّقى الله، أليس هذه نسخة البيعة التي أخذتها أنت خاصّة علينا؟ اتق الله فقد بلغت باب قبرك.» فصاح علىّ بن عيسى: - «يا أهل خراسان من جاء به، فله ألف درهم.» قال: وكان معى قوم بخارية فزنّوه، فقالوا: - «نقتلك ونأخذ مالك.» وبرز من عسكر علىّ بن عيسى العباس بن الليث مولى المهدى، فشدّ عليه طاهر وجمع يديه على مقبض السيف فضربه فصرعه. وشدّ داود سياه على علىّ بن عيسى، فصرعه وهو لا يعرفه. فقال داود: - «تازى ايشان كشتم.» [١] فعرفه رجل يعرف بطاهر الصغير [٥٢] بن الناجي فقال: - «أنت علىّ بن عيسى؟» فقال: «نعم أنا علىّ بن عيسى.» وظنّ أنّه يهاب فلا يقدم عليه، فشدّ عليه فذبحه بسيفه وكانت ضربة طاهر هي الفتح فسمّى يومئذ: ذا اليمينين، لأنّه أخذ السيف بيديه جميعا.

стр. 1655

التسليم على المأمون بالخلافة ولمّا بشّر طاهر بن الحسين بقتل علىّ بن عيسى أعتق من كان بحضرته من غلمانه شكرا ثمّ جاءوا بعلىّ بن عيسى وقد شدّ الأعوان يديه إلى رجليه وحمل على خشبة مدهق كما يحمل الحمار الميّت فأمر به فلفّ فى لبد وألقى فى بئر. وكتب بالبشارة إلى ذى الرئاستين فسارت الخريطة، وبين مرو وذلك الموضع نحو من خمسين ومائتي فرسخ، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد ووردت عليهم يوم الأحد. ولمّا ورد الكتاب بالفتح على ذى الرئاستين فضّه فإذا فيه: - «أطال الله بقاءك وكبت أعداءك وجعل من يشنأك فداءك. كتابي إليك، ورأس علىّ بن عيسى بين يدىّ، وخاتمه فى اصبعى، والحمد لله ربّ العالمين.» فدخل به على المأمون حتّى قرأه، فأمر بإحضار أهل بيته وقوّاده ووجوه الناس فدخلوا، فسلّموا عليه بالخلافة، ثمّ ورد رأس علىّ يوم الثلاثاء وطيف به [٥٣] فى خراسان. فحكى عن واحد أنّه لمّا جاء نعىّ [١] علىّ بن عيسى إلى محمد بن زبيدة، كان فى وقته ذلك على الشطّ يصيد السمك مع خادمه كوثر، فقال للذي أخبره: - «ويلك دعني فإنّ كوثرا قد اصطاد سمكتين وأنا بعد ما صدت شيئا.» ولمّا نهض من مجلسه ذلك، بعث إلى الفضل ومحمد فأنفذ إلى وكيل

стр. 1656

المأمون ببغداد وقيّمه فى أهله وولده فأخذا منه المائة ألف الدرهم التي كان الرشيد وصل بها المأمون، وقبض ضياعه وغلّاته، ووجّه عبد الرحمن بن جبله الأبناوى بالعدة والقوّة فنزل همذان. ذكر الحيلة التي احتال بها ذو الرئاستين حتّى اختار محمد لحربه علىّ بن عيسى دون غيره كانت كتب ذى الرئاستين ترد إلى دسيسة الذي كان الفضل بن الربيع يشاوره فى أمره: إن أبى القوم إلّا عزمة الخلاف، فالطف لأن يجعلوا أمره لعلىّ بن عيسى. وإنّما خصّ عليّا بذلك لسوء أثره فى أهل خراسان، واجتماع رأيهم على ما كرهه وأنّ العامّة ترى حربه. فلمّا شاور الفضل ذلك الرجل الذي كان [٥٤] يشاوره قال علىّ بن عيسى: - «إن فعل فلم ترمهم بمثله فى بعد صوته [١] وسخائه ومكانه من بلاد خراسان فى طول ولايته عليهم وكثرة صنائعه فيهم. ثمّ هو شيخ الدعوة.» فاجتمعوا على توجيه علىّ، فكان من أمره ما كان. وروى أنّ الأمين لمّا عزم على خلع المأمون أشار عليه نصحاؤه أن يكاتبه ويسأله القدوم عليه، فإنّ ذلك أبلغ وأحرى أن يبلغ فيما يوجب طاعته واجابته فكتب إليه:

стр. 1657

كتاب الأمين إلى المأمون - «من عبد الله الأمين محمد أمير المؤمنين إلى عبد الله بن هارون أمير المؤمنين أمّا بعد، فإنّ أمير المؤمنين ردّا فى أمرك والموضع الذي أنت فيه من ثغرك وما يؤمّل فى قربك من المعاونة والمكانفة على ما حمله الله وقلّده من أمور عباده وبلاده، فكّر فيما كان أمير المؤمنين الرشيد أوجب لك من الولاية، وأمر به من إفرادك بها وإقرارك على ما صيّر إليك منها. فرجا أمير المؤمنين ألّا يدخل عليه وكف فى دينه ولا نكث فى يمينه، إذ كان إشخاصه إيّاك فيما يعود على المسلمين نفعه ويصل إلى عامّتهم صلاحه وفضله. وعلم أمير المؤمنين أنّ مكانك بالقرب منه أسدّ للثغور وأصلح [٥٥] للجنود وأدّر للفيء وأردّ على العامّة من مقامك ببلاد خراسان منقطعا عن أهل بيتك مغيّبا عن أمير المؤمنين وما يحبّ الاستمتاع به من رأيك وتدبيرك. وقد رأى أمير المؤمنين أن يولى ابنه موسى فيما يقلّده من خلافتك ما يحدث إليه من أمرك ونهيك، فاقدم على أمير المؤمنين على بركة الله وعونه بأبسط أمل وأفسح رجاء وأحمد أثر وأنفذ بصيرة، فإنّك أولى من استعان به أمير المؤمنين على أموره، واحتمل عنه النصب فيما فيه صلاح لأهل ملّته وذمّته، والسلام.» ودفع الكتاب إلى العبّاس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن

стр. 1658

علىّ- وإلى عيسى بن جعفر بن أبى جعفر، وإلى محمد بن عيسى بن نهيك [١] وإلى صالح صاحب المصلّى، وأمرهم أن يخرجوا إلى المأمون وألّا يدعوا وجها من الرفق، إلّا بلغوه وسهّلوا الأمر عليه، فيه وحمل معهم من الألطاف والهدايا والبرّ شيئا كثيرا وذلك فى سنة أربع وتسعين ومائة. فتوجّهوا بكتابه، فلمّا وصلوا إلى عبد الله أذن لهم، فدفعوا إليه كتاب محمد وما كان بعث [٥٦] معهم من الأموال والهدايا. ثمّ تكلّم العبّاس بن موسى بن عيسى فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: كلام العباس عند المأمون - «أيّها الأمير، إنّ أخاك قد تحمّل من الخلافة ثقلا عظيما، ومن النظر فى أمور الناس عب ءا جليلا، وقد صدقت نيّته فى الخير فاعتوره [٢] الوزراء والأعوان والكفاة على العدل، وقليل ما يأنس بأهل بيته، وأنت أخوه وشقيقه وقد فزع إليك فى أموره وأمّلك للمؤازرة والمكانفة، ولسنا نستبطئك فى برّه اتهاما لنظرك [٣] له، ولا نحضّك على طاعته تخوّفا لخلافك عليه وفى قدومك عليه أنس عظيم له، وصلاح لدولته وسلطانه. فأجب أيّها الأمير دعوة أخيك وآثر طاعته وأعنه على ما استعان بك من أمره، فإنّ فى ذلك قضاء الحق وصلة الرحم وعزّ الخلافة، عزم الله على الرشد فى أموره وجعل له الخيرة فى عواقب رأيه.» وتكلّم عيسى بن جعفر بكلام قريب المعنى من هذا الكلام، وكذلك محمد بن عيسى بن نهيك وصالح صاحب المصلّى. [٥٧] فلمّا قضوا كلامهم

стр. 1659

وسكتوا، تكلّم المأمون فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: كلام المأمون - «إنّكم عرّفتمونى من حقّ أمير المؤمنين- أبقاه الله- ما لا أنكره، ودعوتموني من البرّ والإحسان والمؤازرة والمعونة إلى ما أوثره ولا أدفعه، وأنا بالطاعة لأمير المؤمنين خليق وعلى المسارعة إلى ما سرّه ووافقه حريص، وفى الرؤية تبيان الرأى وفى إعمال الرأى يصحّ الاعتزام، والأمر الذي دعاني إليه أمير المؤمنين أمر لا أتأخّر عنه تثبّطا ومدافعة، ولا أتقدّم عليه اعتسافا وعجلة، وأنا فى ثغر من ثغور المسلمين كلب عدوّه، شديدة شوكته، فإن أهملت أمره لم آمن دخول المكروه والضرر على الجند والرعيّة، وإن أقمت عليه لم آمن فوت ما أحبّ من معونة أمير المؤمنين وإيثار طاعته، وانصرفوا حتّى أنظر فى أمرى ويصحّ الرأى فيما أعتزم عليه من مسيري إن شاء الله.» ذكر مشاورة [١] المأمون أصحابه وما أشار به الفضل بن سهل ولمّا انصرف القوم تعاظم المأمون ما ورد عليه وأكبره ودعا الفضل [٥٨] بن سهل وقال: - «ما عندك من الرأى؟» قال: «أرى أن تتمسّك بموضعك، وألّا تمكّن من نفسك، ولا تجعل عليك سبيلا وأنت تجد من ذلك بدّا.»

стр. 1660

قال: «وكيف يمكنني التمسّك بموضعي مع كثرة جنود محمد وعظم خزائنه وكثرة أمواله، مع ما فرّق فى أهل بغداد من صلاته، وإنّما الناس مائلون مع الذهب والفضّة، منقادون لهما، لا يرغبون فى وفاء بعهد ولا أمانة.» فقال الفضل: - «إذا وقعت التهمة حقّ الاحتراس. وأنا متخوّف عليك من محمد ومن شرهه إلى ما فى يديك، ولأن يكون فى جندك وعزّك مقيما بين ظهرانىّ أهل ولايتك أحرى، فإن دهمك منه أمر حددت [١] له وناجزته وكايدته فإمّا أعطاك الله الظفر عليه وإمّا متّ محافظا متكرّما غير ملق يديك ولا ممكّن عدوّك من الاحتكام فى دينك.» قال المأمون: - «لو كان أتانى ذلك وأنا فى قوّة من أمرى وصلاح من الأمور، لكان خطبه يسيرا والاحتيال فى دفعه ممكنا ولكنّه أتانى بعد انتشار خراسان واضطراب عامرها وغامرها ومفارقة جبغويه [٢] الطاعة والتواء خاقان وتهيّؤ ملك كابل للغارة على ما [٥٩] يليه من بلاد خراسان وامتناع ملك ابراز بنده [٣] بالضريبة وما لى بواحدة من هذه يد وأنا أعلم أنّ محمدا لم يطلب قدومى إلّا لشرّ يريده بى وما أرى إلّا تخلية ما أنا فيه واللحاق بخاقان ملك الترك والاستجارة به فبالحرى أن آمن على نفسي وامتنع ممّن أراد قهري والغدر بى.»

стр. 1661

فقال له الفضل: - «أيّها الأمير إنّ عاقبة الغدر شديدة ومغبّة الظلم والبغي غير مأمون شرّها وربّ مستذلّ قد عاد عزيزا ومقهور عاد مستطيلا وليس النصر بالكثرة وجرح الموت أيسر من جرح الذلّ والضيم فأمّا جبغويه وخاقان فاكتب إليهما وولّهما بلادهما وعدهما التقوية لهما على محاربة الملوك، وأمّا ملك كابل فابعث إليه بعض طرف خراسان وهاده وسله الموادعة تجده حريصا على ذلك، وأمّا ملك ابراز بنده فسلّم له ضريبته فى هذه السنة وصيّرها صلة منك له وصلته بها. ثمّ اجمع إليك أطرافك واضمم إليك من شذّ من جندك، ثمّ اضرب الخيل بالخيل والرجال، بالرجال فإن ظفرت فذاك، وإلّا كنت على اللحاق بخاقان قادرا.» [٦٠] فقال المأمون: - «أنا أعمل فى هذا وغيره بما ترى.» وفرّق الكتب وأرسل إلى أولئك العصاة، فأذعنوا ورضوا وكتب إلى قوّاده وجنوده فى الأطراف فأقدمهم عليه، وكتب إلى طاهر بن الحسين وكان يومئذ بالرىّ عاملا من قبل المأمون أن يضبط ناحيته ويجمع إليه أطرافه ويكون على حذر من جيش إن طرقه أو عدوّ إن هجم عليه. وكان الفضل نظر فى النجوم وكان جيد المعرفة بأحكامها، فرأى الغلبة لعبد الله، فوطّن نفسه على محاربة محمد الأمين ومناجزته. كتاب من المأمون إلى الأمين فلمّا فرغ المأمون ممّا ذكرناه كتب إلى محمد: - «لعبد الله محمد الأمين أمير المؤمنين من عبد الله بن هارون.

стр. 1662

أمّا بعد، فقد وصل إلىّ كتاب أمير المؤمنين وإنّما [١] أنا عامل من عمّال أمير المؤمنين وعون من أعوانه أمرنى الرشيد صلوات الله عليه [٢] بلزوم هذا الثغر ومكايدة من كاد أهله من عدوّ أمير المؤمنين، ولعمري أنّ مقامي به أردّ على أمير المؤمنين وأعظم غناء عن المسلمين من الشخوص إلى أمير المؤمنين وإن كنت مغتبطا بقربه مسرورا بمشاهدة نعم الله عليه. فإن رأى أمير المؤمنين أن يقرّنى على [٦١] عملي ويعفيني من الشخوص إليه فعل، إن شاء الله.» ثمّ دعا العبّاس بن موسى بن عيسى وعيسى بن جعفر وصالحا فدفع الكتاب إليهم وأحسن صلتهم وجوائزهم وحمل إلى محمد ما تهيّأ له من الألطاف الموجودة بخراسان وسألهم أن يحسّنوا أمره عنده ويقوموا بعذره. كلام زبيدة لعلىّ بن عيسى فى المأمون فلمّا يئس محمد الأمين من انقياد عبد الله له، ندب له علىّ بن عيسى فى خمسين ألف فارس وراجل، ومكّنه من بيوت الأموال والسلاح. فلمّا أراد علىّ الشخوص إلى خراسان، ركب إلى باب زبيدة أمّ جعفر، فودّعها، فقالت: - «يا علىّ، إنّ أمير المؤمنين، وإن كان ولدي، إليه تناهت شفقتي وعليه تكامل حذري فإنّى على عبد الله متعطفة مشفقة لما يحدث عليه من مكروه

стр. 1663

وأذى وإنّما ابنى ملك نافس أخاه فى سلطانه وعازّه [١] على ما فى يده، والكريم يأكل لحمه ويمنعه [٢] غيره. فاعرف لعبد الله حقّ ولادته وأخوّته، ولا تجبهه بالكلام، فلست بنظير له، ولا تقتسره اقتسار العبيد ولا توهنه بقيد ولا غلّ، ولا تمنع منه جارية ولا غلاما ولا خادما ولا تعنف [٦٢] عليه فى السير ولا تساوه فى المسير، ولا تركب قبله، ولا تستقلّ على دابّتك، حتّى تأخذ بركابه، وإن شتمك فاحتمل منه، وإن سفه [٣] عليك فلا ترادّه.» ثمّ دفعت إليه قيدا من فضّة وقالت: - «إذا صار فى يدك فقيّده بهذا القيد.» فقال لها: - «سأقبل قولك وأعمل بطاعتك.» فلمّا ركب علىّ بن عيسى إلى معسكره بالنهروان وخرج معه محمد يشيّعه وحشدت الأسواق والصنّاع والفعلة بلغ عسكره فرسخا بفساطيطه وأبنيته وأثقاله. فذكر مشايخ أهل بغداد أنّهم لم يروا عسكرا قطّ كان أكثر رجالا وأفره كراعا وأظهر سلاحا وأتمّ عدّة وأكمل هيئة من عسكره. فذكر أنّ منجّمه أتاه فقال: - «أصلح الله الأمير لو انتظرت بمسيرك صلاح القمر فإنّ النحوس غالبة عليه.» فقال: «إنّا لا ندري فساد القمر من صلاحه، غير أنّه من نازلنا نازلناه ومن وادعنا وادعناه ومن قاتلنا لم يكن عندنا إلّا إرواء السيف من دمه. إنا لا نعتدّ بفساد القمر ما وطّنّا أنفسنا على صدق اللقاء.»

стр. 1664

ثمّ سار علىّ بن عيسى مستهينا [٦٣] بمن يلقاه فإذا لقيته القوافل من خراسان سألها عن الأخبار فيقولون له: طاهر مقيم بالرىّ يعرض أصحابه ويرمّ آلته فيضحك ثمّ يقول لأصحابه: - «وما طاهر والله ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصف إلّا أن يبلغه عبورنا عقبة همذان وهل مثل طاهر يتولّى الجيوش ويلقى الحروب وهل تقوى السخال [١] على نطاح الكباش أو تصير الثعالب على لقاء الأسد.» ثمّ أمر أصحابه بطىّ المنازل والمسير، وقال لأصحابه: - «إنّ نهاية القوم الرىّ، فلو قد صيّرناها وراء ظهورنا فتّ ذلك فى أعضادهم وانتشر نظامهم وتفرّقت جماعتهم.» ثمّ أنفذ الكتب إلى ملوك الديلم وأهدى إليها التيجان والأسورة والسيوف المحلّاة بالذهب ووعدها الصلات والجوائز وأمرهم أن يقطعوا طريق خراسان ويمنعوا من أراد الوصول إلى طاهر من المدد فأجابوه إلى ذلك وسار حتّى صار فى أوّل بلاد الرىّ وأتاه صاحب مقدّمته فقال: - «لو كنت- أبقى الله الأمير-[٦٤] أذكيت العيون وبعثت الطلائع وارتدت موضعا تعسكر فيه وتتّخذ خندقا كان أبلغ فى الرأى وآنس للجند.» فقال: «لا، ليس مثل طاهر ومن معه استعدّ له بالمكائد والتحفّظ إنّ حال طاهر تؤول إلى أحد أمرين: إمّا أن يتحصّن بالرىّ فيبيّته أهلها فيكفونا [٢] مؤونته أو يخلّيها ويدبر راجعا أو قد قربت منه.» وأتاه يحيى بن علىّ فقال: - «أيّها الأمير اجمع عسكرك فإنّه متفرّق، واحذر البيات فإنّ العساكر لا

стр. 1665

تساس بالتواني والحروب لا تدبّر بالاغترار ولا تقل المحارب لى طاهر. فالشرارة الخفيّة ربّما صارت ضراما والثلمة من السيل ربّما تهون بها فصارت بحرا عظيما وقد قربت عساكرنا من طاهر، فلو كان رأيه الهرب لما كان يتأخّر إلى يومه هذا.» قال: «اسكت فإنّ طاهرا ليس فى هذا الموضع الذي ترى وإنّما تتحفّظ الرجال إذا لقيت أقرانها وتستعدّ المناوئ لها أكفاؤها ونظراؤها.» استشارة طاهر واستشار طاهر أصحابه لمّا قرب منه علىّ، فأشاروا عليه أن يقيم بمدينة الرىّ ويدافع القتال [٦٥] ما قدر عليه إلى أن يأتيه من خراسان المدد من الخيل ومن يتولّى الحرب دونه وقالوا: - «مقامك بمدينة الرىّ أرفق بك وبأصحابك وأقدر لهم على الميرة وأكنّ من البرد وأقوى لك على المماطلة والمطاولة إلى أن يأتيك مدد.» فقال طاهر: - «إنّ الرأى ليس ما رأيتم. إنّ أهل الرىّ لعلىّ هائبون ومن معرّته متّقون، ولست آمن إن حاصرنا أن يدعو أهلها خوفه إلى الوثوب بنا ومعاونته على قتالنا، مع أنّه لم يكن قوم قطّ زوحموا فى ديارهم وتورّد عليهم إلّا وهنوا وذلّوا واجترأ عليهم عدوّهم. وما الرأى إلّا أن نصيّر مدينة الرىّ وراء ظهورنا فإن أعطانا الله الظفر وإلّا عوّلنا عليها، فقاتلنا فى سككها وتحصّنّا بمنعتها إلى أن يأتينا مدد من خراسان.» فقالوا: «الرأى ما رأيت.» فنادى طاهر فى أصحابه فخرجوا فعسكروا على خمسة فراسخ من الرىّ، وأتاه محمد بن العلاء فقال له:

стр. 1666

- «أيّها الأمير، إنّ جندك قد هابوا هذا الجيش وامتلأت قلوبهم خوفا ورعبا منه. فلو أقمت حتّى تشامّهم أصحابك ودافعت بالقتال إلى أن يأنسوا بهم ويعرفوا وجه المأخذ فى قتالهم.» فقال: «إنّى لا أوتى من تجربة وحزم، وإنّ أصحابى قليل والقوم عظيم سوادهم كثير عددهم. فإن دافعت بالقتال وأخّرت المناجزة لم آمن أن يطّلعوا على قلّتنا وعورتنا وأن يستميلوا من معى برغبة أو رهبة فينفضّ عنّى أصحابى ويخذلني أهل الحفاظ والصبر ولكن ألفّ الرجال بالرجال وألحم الخيل بالخيل واعتمد على الطاعة والوفاء وأصبر، فإن يرزق الله الظفر والفلج فذلك الذي نريد ونرجو، وإن تكن الأخرى فلست بأوّل من قاتل فقتل وما عند الله أجزل وأفضل.» وقال علىّ بن عيسى لأصحابه: - «بادروا القوم، فإن عددهم قليل ولو قد زحفتم إليهم لم يصبروا على حرارة السيوف ووقع السهام وطعن الرماح.» وعبّأ [١] جنده ميمنة وميسرة وقلبا وصيّرها كثيفة عظيمة، ثمّ نصب عشر رايات فى كلّ راية ألف رجل. [٦٧] وقدّم الرايات راية راية وصيّر بين كلّ راية وراية غلوة [٢] وأمر أمراءها إذا قاتلت الراية الأولى فصبرت وجمّت وطال بها القتال، أن تقدّم التي تليها وتتأخّر التي قاتلت، حتّى ترجع إليها أنفسها وتستريح وتنشط للمحاربة والمعاودة. ثمّ صيّر أصحاب الدروع والجواشن والخبرة أمام الرايات. ووقف فى القلب فى غرر أصحابه أهل البأس والحفاظ والنجدة منهم، وكتّب طاهر بن الحسين كتائبه وجعلهم كراديس صفوفا، وجعل يمرّ بقائد قائد وجماعة

стр. 1667

جماعة ويقول: - «يا أولياء الله ويا أهل الوفاء، إنّكم لستم كهؤلاء الذين ترون من أهل الغدر والنكث. إنّ هؤلاء ضيّعوا ما حفظتم ونكثوا الأيمان التي رعيتم. فلو قد غضضتم الأبصار وثبّتم الأقدام لأنجزتم لله وعده، وفتح عليكم أبواب عزّه ونصره. فجالدوا طواغيت الفتنة ويعاسيب النار، وادفعوا بحقّكم باطلهم. فإنّما هي ساعة حتّى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.» وقلق قلقا شديدا وحرص حرصا عظيما وجعل يقول: - «يا أهل الوفاء والصدق والصبر، الصبر الصبر، الحفاظ الحفاظ.» [٦٨] فهو على ذلك حتّى وثب أهل الرىّ فأغلقوا أبواب المدينة فنادى طاهر: - «يا أولياء الله اشتغلوا بمن أمامكم عمّن خلفكم فإنّه لا ينجيكم إلّا الجدّ والصدق.» ثمّ كان من أمرهم ما حكيناه قبل. ولمّا ورد الخبر بغداد بقتل علىّ بن عيسى كثرت الأراجيف ومشى القوّاد بعضهم إلى بعض فقالوا: - «إنّ عليّا قد قتل ولسنا نشكّ أنّ محمدا سيحتاج إلى الرجال واصطناع الصنائع وإنّما ترفع الرجال رؤوسها فى وقت البأس. فليأمر كلّ رجل منكم جنده بالشغب وطلب الأرزاق والجوائز، فلعلّنا نصيب فى هذه الحرّة [١] منه ما يصلحنا ويصلح جندنا.» فاتّفق رأيهم على ذلك وأصبحوا بباب الجسر، فكبّروا وطلبوا الأرزاق وبلغ الخبر عبد الله بن خازم، فركب فى أصحابه وفى جماعة كثيرة من قوّاد العرب فتراموا بالنشّاب والحجارة واقتتلوا قتالا يسيرا، وسمع محمد الضجّة

стр. 1668

والتكبير، فأرسل من يأتيه بالخبر فأعلمه أنّ الجند قد اجتمعوا وشغبوا لطلب أرزاقهم قال: - «فهل يطلبون شيئا غير ذلك؟» قال: «لا.» قال: «فما أهون ما طلبوا. إرجع إلى عبد الله بن خازم فمره أن ينصرف ويواقف [٦٩] الناس على أن يبذل لهم أرزاقهم.» فواقفهم على أرزاق أربعة أشهر ورفع من كان دون الثمانين إلى الثمانين [١] وأمر للقوّاد والخواصّ بالصلات والجوائز. توجيه عبد الرحمان إلى همدان لحرب طاهر وفى هذه السنة وجّه محمد المخلوع عبد الرحمن بن جبلة الأبناوى إلى همذان لحرب طاهر، وانتخب عشرين ألف رجل من الأبناء فضمّهم إليه وحمل معه الأموال وقوّاه بالسلاح والخيل وأجازه بجوائز وولّاه ما بين حلوان إلى ما غلب عليه من أرض خراسان، وأمره أن يسبق طاهر إلى همذان ويخندق عليه ويجمع إليه آلة الحرب، وبسط يده وتقدّم إليه فى التحفّظ والاحتراز وترك ما عمل به علىّ من الاغترار والتضجيع. [٢] فتوجّه عبد الرحمن حتّى نزل همذان فضبط طرقها وحصّن سورها وأبوابها وسدّ ثلمها وحشر إليها الأسواق والصنّاع وجمع فيها الآلات والمير واستعدّ للقاء طاهر ومحاربته. وقد كان يحيى بن علىّ بن عيسى لمّا قتل أبوه أقام بين الرىّ وهمذان وكان لا يمرّ به أحد من فلّ أبيه إلّا احتبسه. وكان يرى أنّ محمدا يولّيه

стр. 1669

مكان أبيه ويوجّه إليه الخيل والرجال. وكتب [٧٠] إلى محمد يستمدّه ويستنجده فأجابه محمد يعلمه توجيهه عبد الرحمن بن جبلة الأبناوى ويأمره بالانضمام إليه فيمن تبعه. ولمّا بلغ طاهرا خبر عبد الرحمن توجّه إليه، فلمّا قرب من يحيى، قال يحيى لأصحابه: - «هذا طاهر صاحبكم بالأمس، ولست آمن إن لقيته بمن معى أن يصدعنا صدعا يدخل وهنه على من خلفنا، ويعتلّ عبد الرحمن بذلك ويقلّدنى به العار والعجز عند أمير المؤمنين. فإن أنا استنجدته لم آمن أن يمسك عنا، ضنّا برجاله وإبقاء عليهم. والرأى أن نتزاحف إلى مدينة همذان فنعسكر قريبا من عبد الرحمن فإن نحن استعنّاه قرب منّا عونه وإن احتاج إلينا أعنّاه وقاتلنا معه.» قالوا: «الرأى ما رأيت.» فانصرف نحو همذان. فلمّا قرب منها خذله أصحابه وتفرّقوا عنه وأشرف طاهر على مدينة همذان ونادى عبد الرحمن فى أصحابه، فخرجوا على تعبئة، فصادف [١] طاهرا، فاقتتلوا قتالا شديدا، وصبر الفريقان وكثر القتلى والجرحى فيهم. ثمّ إنّ عبد الرحمن انهزم ودخل همذان وأقام بها أيّاما حتّى اندمل جراح أصحابه، وقووا ثمّ أمر [٧١] بالاستعداد وزحف إلى طاهر. فلمّا رأى طاهر أعلامه وأوائل خيله قال لأصحابه: - «إنّ عبد الرحمن يتراءى لنا حتّى نقرب منه ثمّ يقاتلنا، فإن هزمناه بادر إلى المدينة فدخلها وقاتلكم على خندقها وامتنع بسورها، وإن هزمنا اتسع له المجال. فهلمّوا نقف له حتّى يقرب منّا ويبعد من خندقه.» فوقف طاهر مكانه وظنّ عبد الرحمن أنّ الهيبة بطّأت به عن لقائه والنفوذ

стр. 1670

إليه. فبادر قتاله فاقتتلوا قتالا شديدا وصبر أصحاب طاهر فجعل عبد الرحمان يقول: - «يا معشر الأبناء يا أبناء الموت وألفاف السيوف، إنّهم العجم وليسوا بأصحاب مطاولة ولا صبر، فاصبروا لهم فداكم أبى وأمّى.» وقاتل ببدنه قتالا شديدا وحمل حملات منكرات، فلا يزول أحد من أصحاب طاهر. ثمّ إنّ صاحبا لطاهر حمل على أصحاب عبد الرحمان فقتل صاحب علمه وزحمهم أصحاب طاهر زحمة شديدة، فولّوا، ووضعوا فيهم السيوف حتّى دخلوا همدان يقتلونهم ويأسرونهم. وأقام طاهر على باب المدينة محاصرا. فكان يخرج عبد الرحمن ويقاتل على أبواب المدينة ويرمى أصحابه من فوق السور، حتّى اشتدّ بهم الحصار [٧٢] وتأذّى بهم أهل المدينة وتبرّموا [١] بالحرب والقتال، وقطع طاهر عنهم المادّة من كلّ وجه. فهلك أصحاب عبد الرحمن وتخوّفوا أن يثب بهم أهل همذان فأرسل عبد الرحمن إلى طاهر وسأله الأمان ولمن معه فآمنه [٢] طاهر ووفى له. واعتزل عبد الرحمن فى من كان معه من أصحابه وأصحاب يحيى، وطرد طاهر عمّال محمد عن قزوين وسائر كور الجبال. وفى هذه السنة قتل عبد الرحمن بن جبلة الأبناوى بأسدآباذ. ذكر السبب فى مقتله لمّا وجّه محمد عبد الرحمن الأبناوى إلى همذان أتبعه بعبد الله وأحمد ابني الحرشي فى خيل عظيمة وأمرهما أن ينزلا قصر اللصوص وأن يسمعا ويطيعا لعبد الرحمن ويكونا مددا له إن احتاج إليهما. فلمّا خرج عبد

стр. 1671

الرحمان إلى طاهر فى الأمان كان يرى طاهرا وأصحابه أنّه مسالم لهم راض بعهودهم. ذكر غفلة من طاهر وإضاعة حزم ثمّ اغترّهم وهم آمنون. فركب فى أصحابه ولم يشعر طاهر وأصحابه حتّى هجموا عليهم [١] [٧٣] فوضعوا فيهم السيوف والنشّاب فثبت لهم رجّالة طاهر بالتراس والسيوف، وجثوا على الركب فقاتلوه كأشدّ ما يكون من القتال. ولم تزل الرجّالة تدافعهم إلى أن أخذت الفرسان عدّتها وصدقوهم القتال. فاقتتلوا قتالا منكرا حتّى تكسّرت السيوف وتقصّفت الرماح وهرب معظم أصحاب عبد الرحمن فترجّل هو فى ناس من أصحابه فقاتل حتّى قتل وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، واستبيح عسكره، وانتهى من أفلت من أصحابه إلى عسكر عبد الله وأحمد ابني الحرشي. فدخلهم الوهن والفشل وامتلأت قلوبهم خوفا ورعبا. فولّوا منهزمين لا يلوون على شيء حتّى صاروا إلى بغداد. وأقبل طاهر قد خلت له البلاد يحوز بلدة بلدة وكورة كورة، حتّى نزل بقرية من قرى حلوان يقال لها: شلاشان، فخندق بها وحصّن عسكره. [٢]

стр. 1672

ثمّ دخلت سنة ستّ وتسعين ومائة ثمّ إنّ محمدا ندب أسد بن يزيد بن مزيد فاشتط [١] عليه فى طلب الأموال فحبسه، وندب عمّه أحمد بن مزيد وعبد الله بن حميد بن قحطبة إلى حلوان لحرب طاهر. [٧٤] ذكر الخبر عن حبس أسد وسببه قال أسد بن يزيد بن مزيد: بعث إلىّ الفضل بن الربيع بعد مقتل عبد الرحمان بن جبلة، فأتيته، فلمّا دخلت إليه وجدته قاعدا فى صحن داره وفى يده رقعة قد قرأها وقد احمرّت عيناه واشتدّ غضبه وهو يقول: - «ينام نوم الظربان [٢] وينتبه انتباه الذئب، همّه بطنه وفرجه تخاتل الرعاء والكلاب ترصده، ولا يفكّر فى زوال نعمة ولا يروّى فى إمضاء رأى ولا مكيدة، قد ألهته كأسه وشغله قدحه، فهو يجرى فى لهوه والأيّام توضع [٣] فى هلاكه.» ثمّ وصف عبد الله وتيقّظه، وتمثّل بشعر للبعيث، ثمّ التفت إلىّ فقال: - «أبا الحارث أنا وإيّاك نجري إلى غاية إن قصّرنا عنها ذممنا وإن اجتهدنا فى بلوغها انقطعنا، وإنّما نحن شعب من أصل إن قوى قوينا وإن ضعف ضعفنا. إنّ هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكعاء، يشاور النساء ويعوّل على الرؤيا، وقد أمكن مسامعه من أهل اللهو والخسارة فهم يعدونه الظفر ويمنّونه عقب الأيام. والهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل،

стр. 1673

وقد خشيت [٧٥] أن نهلك بهلاكه وأنت فارس العرب وابن فارسها فزع إليك فى لقاء هذا الرجل وأطمعه فى ما قبلك أمران: أحدهما صدق طاعتك والآخر شدّة بأسك. وقد أمرنى بإزاحة علّتك وبسط يدك فى ما أحببت، غير أنّ الإقتصاد رأس النصيحة ومفتاح اليمن والبركة، فأنجز حوائجك وعجّل المبادرة إلى عدوّك، فإنّى أرجو أن يولّيك الله شرف هذا الفتح ويلمّ بك شعث هذه الخلافة والدولة.» فقلت: «أنا لطاعة أمير المؤمنين- أعزّه الله- وطاعتك مقدم، وعلى كلّ ما دخل به الوهن والذلّ على عدوّكما حريص، غير أنّ المحارب لا يعمل بالغرور ولا يفتتح أمره بالتقصير، وإنّما ملاك المحارب الجنود وملاك الجنود المال وقد ملأ أمير المؤمنين أيدى من شهده من العسكر، وتابع لهم الأرزاق والصلات، فإن سرت بأصحابى وقلوبهم متطلّعة إلى من خلفهم من إخوانهم، لم انتفع بهم فى لقاء من أمامى، وقد فضّل أهل السلام على أهل الحرب وجاز بأهل الدعة والحفض منازل أهل النصب والمشقّة، والذي أسأل، أن يؤمر لى بما يقيمنى ويقيم أصحابى [٧٦] الذين تخرجونهم معى بما لا يتطلّعون معه إلى ما خلفهم.» قال: «وما هو؟» قلت: «رزق سنة يطلق لأصحابى ويحمل معهم رزق سنة ويخصّ من لا خاصّة له من أهل الغناء والبلاء، واحمل ألف رجل من أصحابى الذين معى على الخيل ولا أسأل عن محاسبة ما افتتحت من المدن والكور.» فقال: «قد اشتططت [١] ولا بدّ من مناظرة أمير المؤمنين.» ثمّ ركب وركبت معه ودخل قبلي، ثمّ أذن لى فدخلت فما دار بيني وبين

стр. 1674

محمد إلّا كلمتان حتّى غضب وأمر بحبسي. فذكر بعض خاصّة محمد أنّ أسدا اقترح على محمد أن يسلّم إليه ولدي عبد الله المأمون حتّى يكونا أسيرين فى يدي، فإن أعطانى الطاعة وألقى بيده وإلّا عملت فيهما بحكمي فقال محمد: - «أنت أعرابىّ مجنون تدعو إلى الخرق والتخليط وتقترح فوق قدرك.» وأمر به فحبس. ثمّ قال محمد: - «هل فى بيت هذا من يقوم مقامه؟ فإنّى أكره أن أستفسدهم مع سابقتهم وما تقدّم من طاعتهم ونصيحتهم.» قالوا: «نعم فيهم أحمد بن مزيد عمّه وهو أحسنهم طريقة وأصلحهم نيّة وله مع هذا بأس ونجدة وبصر بسياسة [٧٧] الجنود ومباشرة الحروب.» فأنفذ إليه محمد يزيدا فأقدمه عليه. قال أحمد: فلمّا دخلت بغداد بدأت بالفضل بن الربيع، فقلت أسلّم عليه وأستعين بمنزلته ومحضره عند محمد. فلمّا أذن لى دخلت وإذا عنده عبد الله بن حميد بن قحطبة وهو يريده على الشخوص إلى طاهر وعبد الله يشتطّ عليه فى طلب المال والسلاح والإكثار من الرجال. فلمّا رآني رحّب بى وأخذ بيدي فرفعني حتّى صيّرنى معه على صدر المجلس، ثمّ أقبل على عبد الله يمازحه ويداعبه، فتبسّم فى وجهه ثمّ قال: إنّا وجدنا لكم إذ رثّ حبلكم ... من آل شيبان أمّا دونكم وأبا الأكثرون إذا عدّ الحصى عددا ... والأقربون إلينا منكم نسبا فقال عبد الله:

стр. 1675

- «إنّهم لكذاك وإنّ فيهم لسدّ الخلل ونكء العدوّ [١] .» ثمّ أقبل علىّ الفضل فقال: - «إنّ أمير المؤمنين أجرى ذكرك، فوصفتك له بحسن الطاعة وفضل النصيحة والشدّة على أهل المعصية، فأحبّ اصطناعك والتنويه [٧٨] بك وأن يرفعك إلى منزلة لم يبلغها أحد من أهل بيتك.» ثمّ التفت إلى خادمه وقال: - «مر بإسراج دوابّى.» فلم ألبث أن أسرجت له ومضى ومضيت معه حتّى دخلنا على محمد وهو فى صحن داره على سرير ساج، فلم يزل يدنيني حتى كدت ألاصقه، فقال: - «إنّه قد كثر علىّ تخليط ابن أخيك وطال خلافه علىّ حتى أوحشنى ذلك منه، وولّد فى قلبي التهمة له وصيّرنى بسوء مذهبه وحنث طاعته إلى أن تناولته من الأدب والحبس بما لم أكن أحبّ تناوله به، وقد ووصفت لى بخير ونسبت إلى جميل، وأحببت أن أرفع قدرك وأعلى منزلتك وأقدّمك على أهل بيتك وأولّيك جهاد هذه الفئة الباغية وأعرّضك الأجر والثواب فى قتالهم ولقائهم، فانظر كيف تكون، وصحّح نيّتك وأعن أمير المؤمنين على اصطناعك وتشريفك.» فقلت: «سأبذل فى طاعة أمير المؤمنين- أعزه الله- مهجتي وأبلغ فى جهاد عدوّه أفضل ما أمله عندي ورجاه من غنائى وكفايتي، إن شاء الله.» فقال: «يا فضل، ادفع [٧٩] إليه دفاتر أصحاب أسد، واضمم إليه من شهد العسكر من رجال الجزيرة والأعراب.» وقال لى:

стр. 1676

- «اكمش على أمرك وعجّل المسير إلى عدوّك.» فخرجت، فانتخبت الرجال، فبلغت عدّة من صحّحت اسمه عشرين ألف رجل. ثمّ توجّهت بهم إلى حلوان. وكان محمد وصّاه فقال: - «إيّاك والبغي، فإنّه عقال النصر ولا تقدّم رجلا إلّا باستخارة، ولا تشهر سيفا إلّا بعد إعذار، وأحسن صحابة من معك وطالعنى بأخبارك فى كلّ يوم ولا تخاطر بنفسك طلب الزلفة عندي ولا تستبقها [١] فى ما تتخوّف رجوعها علىّ، وكن لعبد الله بن حميد أخا مصافيا، أحسن صحبته ومعاشرته ولا تخذله إن استنصرك، ولا تبطئ عليه إن استصرخك، ولتكن أيديكما واحدة وكلمتكما متفقة.» ثمّ قال: - «سل حوائجك وعجّل السراح إلى عدوّك.» فدعا له أحمد وقال: - «يا أمير المؤمنين تكثّر الدعاء لى ولا تقبل فىّ قول باغ ولا ترفضني قبل المعرفة بموضع قدمي، ولا تنقض علىّ ما استجمع من رأى، ومن علىّ بالصفح عن ابن أخى.» قال: «ذلك [٨٠] لك.» ثمّ بعث إلى أسد فحلّ قيوده وخلّى سبيله. فخرج أحمد بن مزيد فى عشرين ألف رجل [من العرب، وعبد الله بن حميد فى عشرين ألف رجل] [٢] من الأبناء وقد وصّيا بالتوادّ والتحابّ، فتوجّها حتّى نزلا قريبا من حلوان بموضع يقال له: خانقين، وأقام طاهر

стр. 1677

بموضعه وخندق عليه. ذكر ما احتال به طاهر عليهما حتى اختلفا ثمّ إنّ طاهرا دسّ إليهما قوما، فكانوا يأتون العسكرين جميعا بالأخبار الباطلة والأراجيف الكاذبة بأنّ محمدا قد وضع العطاء لأصحابه وقد أمر لهم من الأرزاق بكذا وكذا، ولم يزل يحتال فى وقوع الاختلاف والشغب بينهم حتّى اختلفوا، وقاتل بعضهم بعضا، فأخلوا خانقين ورجعوا عنها من غير أن يلقوا طاهرا. وتقدّم طاهر حتّى نزل حلوان، فلم يلبث طاهر بعد دخوله حلوان إلّا يسيرا حتّى أتاه هرثمة بن أعين بكتاب المأمون والفضل بن سهل يأمرانه بتسليم ما حوى من المدن والكور إليه والتوجّه إلى الأهواز وفتحها. فسلّم ذلك إليه وأقام هرثمة بحلوان فحصّنها ووضع مسالحه ومراصده فى طرقها وجبالها. [٨١] وتوجّه طاهر إلى الأهواز. المأمون يتسمّى أمير المؤمنين وفى هذه السنة لمّا انتهى إلى المأمون قتل علىّ بن عيسى، تسمّى بأمير المؤمنين وسلّم عليه الفضل بذلك، وصحّ عنده الخبر بقتل طاهر عبد الرحمان بن جبلة الأبناوى وغلبته على عسكره، فدعا الفضل بن سهل وعقد له على المشرق من جبل همذان إلى جبل سقنان [١] والتبّت طولا ومن بحر فارس إلى بحر الديلم [وجرجان] [٢] عرضا وجعل له عمّاله ثلاثة آلاف

стр. 1678

وعقد له لواء على سنان ذى شعبتين وسمّاه ذا الرئاستين. الأمين يولّى عبد الملك الشام وفى هذه السنة ولّى محمد الأمين عبد الملك بن صالح بن علىّ الشام. والسبب فى ذلك وكان السبب فى ذلك أنّ طاهرا لمّا قوى واستعلى أمره وهزم قوّاد محمد وجيوشه، دخل عبد الملك بن صالح على محمد وقد كان عبد الملك محبوسا فى حبس الرشيد، فأطلقه محمد، وكان عبد الملك يشكر ذلك لمحمد، ويوجب به على نفسه طاعته ومحبّته، فقال: - «يا أمير المؤمنين.» ذكر الرأى الذي أشار به عبد الملك إنّى أرى الناس قد طمعوا فيك وأهل العسكر قد اغتمزوا بذلك، وقد بذلت سماحتك [٨٢] فإن أتممت على عادتك أفسدتهم وأبطرتهم، وإن كففت يدك عن العطاء أسخطتهم وأغضبتهم، وليس تملك الجنود بالإمساك ولا تبقى بيوت المال على الإنفاق والسرف، ومع هذا فإنّ جندك قد أرعبتهم الهزائم وأضعفتهم الحروب وامتلأت قلوبهم هيبة لعدوّهم ونكولا عن لقائهم، فإن سيّرتهم إلى طاهر غلب بقليل من معه كثيرهم وهزم بقوّة نيّته ضعف نياتهم، وأهل الشام قوم قد ضرّستهم الحروب وأدّبتهم الشدائد، وجلّهم منقاد لى مسارع إلى طاعتي، فإن وجّهنى أمير المؤمنين اتخذت له منهم جندا تعظم نكايتهم فى عدوّه.» فقال محمد:

стр. 1679

- «فإنّى مولّيك ومقوّمك بما سألت من مال وعدّة، فعجّل الشخوص إلى ما هناك واعمل عملا يظهر أثره واحمد بركة نظرك فيه.» فولّاه الشام واستحثّه استحثاثا شديدا ووجّه معه كثيفا من الجند. فلمّا قدم عبد الملك الرقّة أرسل كتبه ورسله إلى رؤساء أجناد الشام ووجوه الجزيرة، فلم يبق أحد ممّن يرجى ويذكر بأسه وغناؤه [١] إلّا وعده وبسط أمله. فقدموا عليه رئيس بعد رئيس وفوج بعد فوج فأجازهم [٨٣] وخلع على كلّ من قصده ووصله، وأتاه زواقيل الشام والأعراب من كلّ فجّ، فاجتمعوا وكثروا. ذكر اتفاق سىّء واتّفق أنّ بعض جند خراسان نظر إلى دابّة كانت أخذت منه فى وقعة سليمان بن أبى جعفر تحت بعض الزواقيل، فتعلّق بها وتصايحا [٢] ، واجتمعت جماعة من الزواقيل والجند، فأعان كلّ فريق منهم صاحبه وتضاربوا بالأيدى ومشى الأبناء بعضهم إلى بعض وقالوا: - «إن صبرنا لهم ركبونا بمثل هذا كلّ يوم.» واستعدّوا، وأتوا الزواقيل وهم غارّون، فوضعوا فيهم السيوف وذبحوهم فى رحالهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وتنادى الزواقيل، فركبوا ونشبت الحرب، وبلغ عبد الملك فأنفذ رسولا يأمرهم بالكفّ ووضع السلاح، فرموه بالحجارة وأبلغ عبد الملك من قتل من الزواقيل وأنّهم خلق كثير مطرّحون وكان مريضا فضرب بيد على يد ثمّ قال: - «وا ذلّاه، تستضام العرب فى دورها وبلادها وتقتل هذه المقتلة.»

стр. 1680

فغضب من كان أمسك عن الشرّ وتفاقم الأمر، فنادى الناس [٨٤] وقالوا: - «الهرب أهون من العطب والموت أهون من الذلّ، النفير النفير قبل أن ينقطع الشمل [١] ويفوت المطلب ويعسر المهرب.» وقام رجل من كلب فقال: شؤبوب حرب خاب من يصلاها ... قد شرّعت فرسانها قناها فأورد الله لظى قناها ... إن غمرت كلب بها لحاها ثمّ نادى: - «يا معشر كلب، إنّها الراية السوداء، والله ما ولّت ولا ذلّ ناصرها، وإنّكم لتعرفون مواقع سيوف خراسان فى رقابكم، فاعتزلوا الشرّ قبل أن يعظم، وتخطّوه قبل أن يضطرم. أيّها الناس شامكم شامكم، داركم داركم، الموت الفلسطيني خير من العيش الجزري [٢] ، ألا أنّى راجع، فمن أراد الانصراف فلينصرف معى.» وسار معه أهل الشام وأقبلت الزواقيل حتّى أضرموا ما كان جمعه التجار من الأعلاف بالنار وتفرّق ذلك العسكر. ثمّ اتفق موت عبد الملك بن صالح فى تلك الأيّام فلم يبق لذلك الجند أثر. خلع الأمين ومبايعة المأمون ببغداد وفى هذه السنة خلع محمد بن هارون الأمين وأخذت البيعة لأخيه عبد

стр. 1681

الله المأمون ببغداد [٨٥] وحبس محمد فى قصر أبى جعفر مع أمّ جعفر بنت جعفر بن أبى جعفر وهي زبيدة. ذكر السبب فى ذلك لمّا توفّى عبد الملك بن صالح بالرقّة نادى الحسين بن علىّ بن عيسى بن ماهان فى الجند، فصيّر الرجّالة فى السفن والفرسان فى الظهر، ووصلهم وقوّى ضعفاءهم، ثمّ حملهم حتّى أخرجهم من بلاد الجزيرة وذلك فى سنة ستّ وتسعين ومائة. فلمّا وصلوا إلى بغداد تلقّاه الأبناء بالتكرمة والتعظيم، وضربوا له القباب واستقبله الرؤساء وأهل الشرف ودخل منزله فى أفضل كرامة وأحسن هيئة. فلمّا كان فى جوف الليل بعث إليه محمد يأمره بالركوب إليه، فقال للرسول: - «ما [١] أنا بمغنّ ولا مضحك ولا صاحب خسارة [٢] ولا جرى له على يدي مال ولا وليت له ولاية، فلاىّ شيء يريدني فى هذه الساعة؟ أنصرف، فإذا أصبحت غدوت إليه إن شاء الله.» فانصرف الرسول وأصبح الحسين، فوافى باب الجسر واجتمع إليه الناس، فأمر بإغلاق الباب الذي يخرج منه إلى قصر عبيد الله بن علىّ وباب سوق يحيى. ثمّ قال: - «يا معشر [٨٦] الأبناء، اسمعوا منّى أنّ خلافة الله لا تجاوز بالبطر، ونعمه لا تستصحب بالتجبّر، وأنّ محمدا يريد أن يوقع أديانكم وينكث بيعتكم، وهو صاحب الزواقيل بالأمس، أراد أن ينقل عزّكم، إلى غيركم وبالله لئن طالت به مدّة ليرجعنّ وبال ذلك عليكم. فاقطعوا أثره قبل أن يقطع

стр. 1682

آثاركم، وضعوا عزّه قبل أن يضع عزّكم، فو الله لا ينصره منكم ناصر إلّا ذلّ ولا يمنعه مانع إلّا قتل، وما لأحد عند الله هوادة ولا راقب على الاستخفاف بعهوده والختر بأيمانه.» ثمّ أمر الناس بعبور الجسر فعبروا واجتمعت الحربية وأهل الأرباض وتسرّعت إليه خيول محمد فاقتتلوا، وأمر الحسين من كان معه من خواصّ أصحابه بالنزول فنزلوا وصدقوا القتال حتّى كشفوهم. فخلع الحسين محمدا يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من رجب سنة ست وتسعين ومائة، وأخذ البيعة لعبد الله المأمون من غد يوم الإثنين إلى الليل وغدا إلى محمد يوم الثلاثاء. إخراج محمد من قصر الخلد وما جرى على أمّ جعفر وقد كان العباس بن موسى الهاشمي قد دخل على محمد، فأخرجه من قصر الخلد إلى قصر أبى جعفر وحبسه هناك، وكذلك [٨٧] فعل بأمّ جعفر. فأبت أن تخرج فقنّعها بالسوط وسبّها وأغلظ لها فى القول، حتّى [أ] جلست [١] فى محفّة [٢] وأدخلت مع ابنها، المدينة فلمّا أصبح الناس طلبوا من الحسين الأرزاق وماج الناس بعضهم فى بعض فقام محمد بن أبى خالد بباب الشام فقال: - «أيّها الناس والله ما أدرى بأىّ سبب تأمّر الحسين بن علىّ علينا وتولّى هذا الأمر دوننا. ما هو بأكبرنا سنّا ولا أكرمنا حسبا ولا أعظمنا غناء وفينا

стр. 1683

من لا يرضى بالدنيّة ولا ينقاد للمخادعة. وإنّى أوّل من نقض عهده وأنكر فعله فمن كان رأيه رأيى فليعتزل.» وقام كل رئيس قوم فتكلّم وأنكر خلع محمد وأسره. وأقبل شيخ كبير على فرس فصاح بالناس: - «اسكتوا.» فسكتوا. فقال: - «أيّها الناس هل تعتدّون على محمد بقطع منه لأرزاقكم؟» قالوا: «لا.» قال: «فهل قصّر بأحد من رؤسائكم؟» قالوا: «لا.» قال: «فهل عزل أحدا من قوادكم عن قيادته؟» قالوا: «لا.» قال: «فما بالكم خذلتموه حتّى خلع وأسر؟ أما والله ما قتل قوم خليفتهم إلّا سلّط الله عليهم السيف القاتل والحتف الجارف. انهضوا إلى خليفتكم [٨٨] فادفعوا عنه وقاتلوا من أراد خلعه والفتك به.» الحربيّة يناهضون الحسين بن علىّ ويحرّرون محمدا من الأسر ثمّ نهضت الحربية ونهض معهم عامّة أهل الأرباض فى العدّة الحسنة، فقاتلوا الحسين بن علىّ وأصحابه قتالا عظيما شديدا منذ ارتفاع النهار إلى انكسار الشمس، حتّى هزموهم وأسروا الحسين بن علىّ. ودخل أسد الحربي على محمد فكسر قيوده وأقعده فى مجلس الخلافة. فنظر محمد إلى قوم ليس عليهم لباس الجند ولا عليهم سلاح، فأمرهم حتّى أخذوا السلاح من

стр. 1684

الخزائن قدر حاجتهم وانتهب الغوغاء بذلك السبب سلاحا كثيرا ومتاعا آخر، وأتى بالحسين بن علىّ أسيرا، فلامه محمد ووبّخه وقال: - «ألم أقدّم أباك على الناس وأولّه أعنّة الخيل؟ ألم أملأ يده من الأموال؟ ألم أشرّف أقداركم وأرفعكم على غيركم من القوّاد؟» قال: «بلى.» قال: «فما استحققت منك أن تخلع طاعتي وتؤلّب [١] الناس علىّ؟» قال: «خذلان الله يا أمير المؤمنين وأنت أكرم من عفا وصفح وتفضّل.» قال: «فإنّ أمير المؤمنين قد فعل ذلك بك، فعليك بثأر أبيك ومن قتل من أهل بيتك، فقد ولّيتك ذلك.» ثم دعا [٨٩] بخلعة فخلعها عليه وحمله على مراكب وولّاه، وهنّأه الناس. ثمّ خرج مع نفر من خاصّته ومواليه حتّى عبر الجسر ووقف حتّى خفّ الناس، ثمّ قطع الجسر وهرب. فنادى محمد فى الناس فركبوا فى طلبه فأدركوه بمسجد كوثر على فرسخ من بغداد فى طريق نهر بين [٢] فلمّا بصر بالخيل نزل فتحرّم وصلّى ركعتين، ثمّ حمل عليهم حملات فى كلّها يهزمهم ويقتل منهم. ثمّ عثر به فرسه، فسقط وابتدره الناس طعنا وضربا حتّى قتلوه. فقال علىّ بن جبلة الحربي: ألا قاتل الله الأولى كفروا به ... وفازوا برأس الهرثمىّ حسين لقد أوّدوا [٣] منه قناة صليبة ... بشطب يمانىّ ورمح ردين

стр. 1685

رجا فى خلاف الحقّ عزّا وإمرة ... فألبسه التأميل خفّ حنين قتل محمّد بن يزيد المهلّبى وفى هذه السنة رحل طاهر بن الحسين، حين قدم عليه هرثمة، من حلوان إلى الأهواز، فقتل عامل محمد عليها، وكان عامله محمد بن يزيد بن حاتم المهلّبى. [٩٠] وكان السبب فى ذلك أنّ محمد بن يزيد المهلّبى جمع جيوشا كبيرة حين توجّه إليه طاهر وأقبل حتّى نزل سوق عسكر مكرم وصيّر العمران والماء وراء ظهره. وخاف طاهر أن يعجل إلى أصحابه بجمعهم وسار بتعبئته، فجمع محمد بن يزيد أصحابه وقال: - «ما ترون، أطاول القوم وأماطلهم اللقاء، أم أناجزهم كانت لى أم علىّ؟ فو الله ما أرجع إلى أمير المؤمنين أبدا ولا أنصرف عن الأهواز.» فقالوا: «الرأى أن ترجع إلى الأهواز فتحصّن بها وتغادى طاهرا اللقاء وتراوحه، وتبعث إلى البصرة فتفرض بها الفرض وتستجيش بمن قدرت عليه من قومك.» فقبل ما أشاروا به عليه وتابعه قومه. فرجع إلى سوق الأهواز. فحرص طاهر أن يسبقه إليها قبل أن يتحصّن بها فلم يقدر على ذلك. وسبق محمد بن يزيد إلى المدينة فدخلها وأسند إلى العمران وعبّأ أصحابه ودعا بالأموال فصبّت بين يديه، وقال لأصحابه: - «من أراد منكم الجائزة والمنزلة فليعرّفنى أثره.» وقاتل الناس بين يديه حتّى ترادّوا ورآهم محمد بن يزيد [٩١] منهزمين
следующие страницы →