الله المأمون ببغداد [٨٥] وحبس محمد فى قصر أبى جعفر مع أمّ جعفر بنت جعفر بن أبى جعفر وهي زبيدة.
ذكر السبب فى ذلك
لمّا توفّى عبد الملك بن صالح بالرقّة نادى الحسين بن علىّ بن عيسى بن ماهان فى الجند، فصيّر الرجّالة فى السفن والفرسان فى الظهر، ووصلهم وقوّى ضعفاءهم، ثمّ حملهم حتّى أخرجهم من بلاد الجزيرة وذلك فى سنة ستّ وتسعين ومائة.
فلمّا وصلوا إلى بغداد تلقّاه الأبناء بالتكرمة والتعظيم، وضربوا له القباب واستقبله الرؤساء وأهل الشرف ودخل منزله فى أفضل كرامة وأحسن هيئة.
فلمّا كان فى جوف الليل بعث إليه محمد يأمره بالركوب إليه، فقال للرسول:
- «ما [١] أنا بمغنّ ولا مضحك ولا صاحب خسارة [٢] ولا جرى له على يدي مال ولا وليت له ولاية، فلاىّ شيء يريدني فى هذه الساعة؟ أنصرف، فإذا أصبحت غدوت إليه إن شاء الله.» فانصرف الرسول وأصبح الحسين، فوافى باب الجسر واجتمع إليه الناس، فأمر بإغلاق الباب الذي يخرج منه إلى قصر عبيد الله بن علىّ وباب سوق يحيى. ثمّ قال:
- «يا معشر [٨٦] الأبناء، اسمعوا منّى أنّ خلافة الله لا تجاوز بالبطر، ونعمه لا تستصحب بالتجبّر، وأنّ محمدا يريد أن يوقع أديانكم وينكث بيعتكم، وهو صاحب الزواقيل بالأمس، أراد أن ينقل عزّكم، إلى غيركم وبالله لئن طالت به مدّة ليرجعنّ وبال ذلك عليكم. فاقطعوا أثره قبل أن يقطع
стр. 1682
آثاركم، وضعوا عزّه قبل أن يضع عزّكم، فو الله لا ينصره منكم ناصر إلّا ذلّ ولا يمنعه مانع إلّا قتل، وما لأحد عند الله هوادة ولا راقب على الاستخفاف بعهوده والختر بأيمانه.» ثمّ أمر الناس بعبور الجسر فعبروا واجتمعت الحربية وأهل الأرباض وتسرّعت إليه خيول محمد فاقتتلوا، وأمر الحسين من كان معه من خواصّ أصحابه بالنزول فنزلوا وصدقوا القتال حتّى كشفوهم.
فخلع الحسين محمدا يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من رجب سنة ست وتسعين ومائة، وأخذ البيعة لعبد الله المأمون من غد يوم الإثنين إلى الليل وغدا إلى محمد يوم الثلاثاء.
إخراج محمد من قصر الخلد وما جرى على أمّ جعفر
وقد كان العباس بن موسى الهاشمي قد دخل على محمد، فأخرجه من قصر الخلد إلى قصر أبى جعفر وحبسه هناك، وكذلك [٨٧] فعل بأمّ جعفر.
فأبت أن تخرج فقنّعها بالسوط وسبّها وأغلظ لها فى القول، حتّى [أ] جلست [١] فى محفّة [٢] وأدخلت مع ابنها، المدينة فلمّا أصبح الناس طلبوا من الحسين الأرزاق وماج الناس بعضهم فى بعض فقام محمد بن أبى خالد بباب الشام فقال:
- «أيّها الناس والله ما أدرى بأىّ سبب تأمّر الحسين بن علىّ علينا وتولّى هذا الأمر دوننا. ما هو بأكبرنا سنّا ولا أكرمنا حسبا ولا أعظمنا غناء وفينا
стр. 1683
من لا يرضى بالدنيّة ولا ينقاد للمخادعة. وإنّى أوّل من نقض عهده وأنكر فعله فمن كان رأيه رأيى فليعتزل.» وقام كل رئيس قوم فتكلّم وأنكر خلع محمد وأسره.
وأقبل شيخ كبير على فرس فصاح بالناس:
- «اسكتوا.» فسكتوا. فقال:
- «أيّها الناس هل تعتدّون على محمد بقطع منه لأرزاقكم؟» قالوا: «لا.» قال: «فهل قصّر بأحد من رؤسائكم؟» قالوا: «لا.» قال: «فهل عزل أحدا من قوادكم عن قيادته؟» قالوا: «لا.» قال: «فما بالكم خذلتموه حتّى خلع وأسر؟ أما والله ما قتل قوم خليفتهم إلّا سلّط الله عليهم السيف القاتل والحتف الجارف. انهضوا إلى خليفتكم [٨٨] فادفعوا عنه وقاتلوا من أراد خلعه والفتك به.»
الحربيّة يناهضون الحسين بن علىّ ويحرّرون محمدا من الأسر
ثمّ نهضت الحربية ونهض معهم عامّة أهل الأرباض فى العدّة الحسنة، فقاتلوا الحسين بن علىّ وأصحابه قتالا عظيما شديدا منذ ارتفاع النهار إلى انكسار الشمس، حتّى هزموهم وأسروا الحسين بن علىّ. ودخل أسد الحربي على محمد فكسر قيوده وأقعده فى مجلس الخلافة. فنظر محمد إلى قوم ليس عليهم لباس الجند ولا عليهم سلاح، فأمرهم حتّى أخذوا السلاح من
стр. 1684
الخزائن قدر حاجتهم وانتهب الغوغاء بذلك السبب سلاحا كثيرا ومتاعا آخر، وأتى بالحسين بن علىّ أسيرا، فلامه محمد ووبّخه وقال:
- «ألم أقدّم أباك على الناس وأولّه أعنّة الخيل؟ ألم أملأ يده من الأموال؟
ألم أشرّف أقداركم وأرفعكم على غيركم من القوّاد؟» قال: «بلى.» قال: «فما استحققت منك أن تخلع طاعتي وتؤلّب [١] الناس علىّ؟» قال: «خذلان الله يا أمير المؤمنين وأنت أكرم من عفا وصفح وتفضّل.» قال: «فإنّ أمير المؤمنين قد فعل ذلك بك، فعليك بثأر أبيك ومن قتل من أهل بيتك، فقد ولّيتك ذلك.» ثم دعا [٨٩] بخلعة فخلعها عليه وحمله على مراكب وولّاه، وهنّأه الناس. ثمّ خرج مع نفر من خاصّته ومواليه حتّى عبر الجسر ووقف حتّى خفّ الناس، ثمّ قطع الجسر وهرب.
فنادى محمد فى الناس فركبوا فى طلبه فأدركوه بمسجد كوثر على فرسخ من بغداد فى طريق نهر بين [٢] فلمّا بصر بالخيل نزل فتحرّم وصلّى ركعتين، ثمّ حمل عليهم حملات فى كلّها يهزمهم ويقتل منهم. ثمّ عثر به فرسه، فسقط وابتدره الناس طعنا وضربا حتّى قتلوه. فقال علىّ بن جبلة الحربي:
ألا قاتل الله الأولى كفروا به ... وفازوا برأس الهرثمىّ حسين
لقد أوّدوا [٣] منه قناة صليبة ... بشطب يمانىّ ورمح ردين
стр. 1685
رجا فى خلاف الحقّ عزّا وإمرة ... فألبسه التأميل خفّ حنين
قتل محمّد بن يزيد المهلّبى
وفى هذه السنة رحل طاهر بن الحسين، حين قدم عليه هرثمة، من حلوان إلى الأهواز، فقتل عامل محمد عليها، وكان عامله محمد بن يزيد بن حاتم المهلّبى. [٩٠]
وكان السبب فى ذلك
أنّ محمد بن يزيد المهلّبى جمع جيوشا كبيرة حين توجّه إليه طاهر وأقبل حتّى نزل سوق عسكر مكرم وصيّر العمران والماء وراء ظهره. وخاف طاهر أن يعجل إلى أصحابه بجمعهم وسار بتعبئته، فجمع محمد بن يزيد أصحابه وقال:
- «ما ترون، أطاول القوم وأماطلهم اللقاء، أم أناجزهم كانت لى أم علىّ؟
فو الله ما أرجع إلى أمير المؤمنين أبدا ولا أنصرف عن الأهواز.» فقالوا: «الرأى أن ترجع إلى الأهواز فتحصّن بها وتغادى طاهرا اللقاء وتراوحه، وتبعث إلى البصرة فتفرض بها الفرض وتستجيش بمن قدرت عليه من قومك.» فقبل ما أشاروا به عليه وتابعه قومه. فرجع إلى سوق الأهواز. فحرص طاهر أن يسبقه إليها قبل أن يتحصّن بها فلم يقدر على ذلك. وسبق محمد بن يزيد إلى المدينة فدخلها وأسند إلى العمران وعبّأ أصحابه ودعا بالأموال فصبّت بين يديه، وقال لأصحابه:
- «من أراد منكم الجائزة والمنزلة فليعرّفنى أثره.» وقاتل الناس بين يديه حتّى ترادّوا ورآهم محمد بن يزيد [٩١] منهزمين
стр. 1686
فقال محمد بن يزيد لنفر كانوا معه من مواليه:
- «ما ترون؟» قالوا: «فى ماذا؟» قال: «أرى من معى قد انهزم، ولست آمل رجعتهم ولا آمن خذلان من بقي، وقد عزمت على النزول والقتال حتّى يقضى الله ما هو قاض. فمن أراد منكم الانصراف فلينصرف.» فقالوا: «والله ما أنصفناك إذا، أعتقتنا من الرقّ ورفعتنا من الضّعة وأغنيتنا بعد القلّة لننصرك وقت الشدّة ثمّ نخذلك على هذه الحال؟ بل نتقدّم أمامك ونموت تحت ركابك فلعن الله الدنيا بعدك.» ثمّ نزلوا فعرقبوا دوابّهم وحملوا على أصحاب طاهر، وكان المتولّى لقتاله قريش بن شبل، فأكثروا فيهم القتل، وانتهى بعض أصحاب قريش [١] إلى محمد بن يزيد فطعنه بالرمح فقتله.
فحكى الهيثم بن عدىّ قال: دخل ابن أبى عيينة المهلّبى على طاهر فأنشده قوله:
من آنسته البلاد لم يرم ... منها ومن أوحشته لم يقم
حتّى انتهى إلى قوله:
ما ساء ظنّى إلّا لواحدة ... فى الصّدر محصورة عن الكلم [٩٢]
فتبسّم طاهر ثمّ قال:
- «أما والله لقد ساءني من ذلك ما ساءك وآلمني منه ما آلمك، ولقد كنت كارها لما كان، غير أنّ الحتف واقع والمنايا نازلة، ولا بدّ من قطع الأواصر والتنكّر للأقارب فى تأكيد الخلافة والقيام بحقّ الطاعة.»
стр. 1687
قال: فظننّا أنّه يريد محمد بن يزيد [بن] [١] حاتم.
وأقام طاهر بالأهواز حتّى أنفذ عمّاله إلى كورها، وولّى اليمامة والبحرين وعمان ممّا يلي الأهواز وممّا يلي البصرة، ثمّ توجّه على طريق البرّ إلى واسط، فجعلت المسالح تقوّض مسلحة مسلحة وعاملا عاملا، كلّما قرب منهم طاهر تركوا أعمالهم وهربوا حتّى دخل واسط، ووجّه قائدا من قوّاده يقال له: أحمد بن المهلّب، نحو الكوفة وعليها يومئذ العباس بن موسى الهادي. فلمّا بلغه توجّه خيل طاهر إليه، خلع محمدا وكتب بطاعته وبيعته إلى طاهر. ثمّ كتب منصور بن المهدى وكان عاملا لمحمد على البصرة إلى طاهر بطاعته. ثمّ كتب إليه المطّلب بن عبيد الله- وكان بالموصل- بيعته للمأمون وخلعه محمدا، فأقرّهم طاهر على ولاياتهم وأعمالهم وكان طاهر نازلا جرجرايا [٢] ولمّا رآها قال:
- «نعم موضع [٩٣] العسكر.» وعقد بها جسرا وخندق. فلمّا وردت عليه كتب أهل هذه المدائن بالتسليم سار منها إلى نهر صرصر، وعقد بها جسرا وأخذ أصحاب طاهر المدائن.
فحكى أنّ طاهرا لمّا توجّه إلى المدائن كان فيها خيل كثيرة لمحمد وعليهم البرمكي، قد تحصّن بها والمدد يأتيه فى كلّ يوم والصلات والخلع.
فلمّا قرب طاهر منها قدّم قريش بن شبل على مقدّمته. فلمّا سمع أصحاب البرمكي طبوله أسرجوا الدوابّ، وأخذ البرمكي فى تعبئة الرجال وجعل من فى أوائل الناس ينضمّ إلى آخرهم، فيردّهم البرمكي ويسوّى صفوفه، فكلّما
стр. 1688
سوّى صفّا انتقض عليه. فقال:
- «اللهم إنّا نعوذ بك من الخذلان.» ثمّ التفت إلى صاحب ساقته وقال:
- «خلّ سبيل الناس فإنّى أرى جندا لا خير عندهم.» فركب بعضهم بعضا نحو بغداد [١] ونزل طاهر المدائن وقدّم قريش بن شبل والعباس بن بخار أخذاه إلى درزيجان وكان نصر بن منصور بن نصر بن مالك [٢] ، وأحمد بن سعيد الحرشي معسكرين بنهر ديالى، فمنعا أصحاب البرمكي من الجواز إلى بغداذ وتقدّم طاهر حتّى صار إلى الدّرزيجان [٩٤] حيال نصر وأحمد، ثمّ سيّر إليهما الرجال فى السفن للقتال، فلم يجر بينهم كبير قتال حتّى انهزموا، وأخذ طاهر نحو ذات اليسار إلى نهر صرصر فعقد بها جسرا ونزلها.
خلع محمد فى مكّة والمدينة
وفى هذه السنة خلع داود بن عيسى بن موسى عامل مكّة والمدينة محمدا وبايع المأمون، وأخذ البيعة بهما على الناس، وكتب بذلك إلى طاهر بن الحسين. ثمّ خرج بنفسه.
ذكر السبب فى ذلك
كان سبب ذلك أنّ محمدا كتب إلى داود بن عيسى بخلع عبد الله المأمون والبيعة لابنه موسى، وبعث بجند [٣] إلى الكتابين اللذين كتبهما هارون
стр. 1689
وعلّقهما فى الكعبة، فأخذهما. فلمّا بلغه فى هذا الوقت غلبة طاهر على البلاد وقتله من قتل، جمع الحجبة حجبة الكعبة، وأهل الشرف والفقهاء، فذكّرهم عهد الرشيد إليهم والمواثيق التي أخذها عند بيت الله الحرام عليهم حين بايع لابنيه: لنكوننّ مع المظلوم منهما على الظالم. ثمّ قال:
- «قد رأيتم محمدا كيف بدأ بالظلم والبغي على أخويه وكيف بايع لابنه وهو طفل رضيع لم يفطم، [٩٥] واستخرج الكتابين من الكعبة غاصبا ظالما فحرّقهما بالنار، وقد رأيت خلعه ومبايعة عبد الله المأمون بالخلافة، إذ كان مظلوما مبغيّا عليه.» فقال القوم بأجمعهم:
- «رأينا رأيك.» فوعدهم صلاة الظهر وأرسل إلى فجاج مكّة صائحا يصيح:
- «الصلاة جامعة.» فلمّا اجتمع الناس صلّى بهم الظهر، وكان وضع له المنبر بين الركن والمقام، فصعده، وكان داود فصيحا جهيرا فخطب خطبة حسنة ذكّرهم فيها بالشرف والقدمة، وأنّ المسلمين وفود الله إليكم وبكم تأتمّ الناس، ثمّ ذكّرهم عهد الرشيد وما جرى فى الكتابين، وعظّم عليهم الأمر ودعاهم إلى خلع محمد، والبيعة للمأمون، وقال:
- «إنّى قد خلعت محمدا كما خلعت قلنسوتي هذه.- ورمى بها عن رأسه إلى بعض الخدم تحته، وكانت من برد [١] حبرة [١] حمراء مسلسلة وأتى بقلنسوة سوداء هاشمية فلبسها- وقد بايعت لعبد الله المأمون أمير المؤمنين، ألا فقوموا إلى البيعة.»
стр. 1690
فصعد إليه من قرب من الوجوه والأشراف رجل رجل [١] إلى وقت العصر، ثمّ نزل وصلّى بالناس وجلس ناحية [٩٦] وتتابع الناس عليه جماعة جماعة يقرأ كتاب البيعة ويصافحونه.
فعل ذلك أيّاما وكتب إلى ابنه سليمان بن داود وكان خليفته على المدينة يأمره أن يفعل بالمدينة كما فعل هو بمكّة، ثمّ رحل يريد المأمون بمرو، فمرّ على البصرة، ثمّ على فارس، ثمّ على كرمان حتّى صار إلى المأمون بمرو، فسرّ به المأمون وتيمّن ببركة مكّة والمدينة، وكتب إليهم كتابا لطيفا يعدهم فيه الخير، وأمر أن يكتب لداود عهدان على مكّة والمدينة وأعمالهما وزيّد ولاية عكّ، وعقد له على ذلك ثلاثة ألوية، وكتب له إلى الري بمعونة خمسمائة ألف درهم.
وورد داود ومن معه بغداد فنزل على طاهر بن الحسين، فأكرمه وقرّبه، ووجّه معه يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري، وعقد له طاهر على ولاية اليمن، وبعث معه خيلا كثيفة، وكان ضمن له يزيد بن جرير أن يستميل قومه وعشيرته من ملوك اليمن حتّى يخلعوا محمدا ويبايعوا المأمون، وساروا جميعا. فأقام داود على عمله بمكّة ومضى يزيد بن جرير إلى اليمن، فدعا أهلها إلى البيعة للمأمون وخلع محمد وقرأ عليهم كتاب طاهر وأعلمهم عدل المأمون وإنصافه [٩٧] ووعدهم ومنّاهم، فأجابه أهل اليمن واستبشروا فسار فيهم يزيد بأحسن سيرة وكتب بإجابتهم وبيعتهم.
وفى هذه السنة عقد محمد نحو أربعمائة لواء لقوّاد شتّى، وأمر على جميعهم علىّ بن محمد بن عيسى بن نهيك وأمرهم بالمسير إلى هرثمة بن أعين. فساروا فالتقوا بجللتا [٢] فهزمهم هرثمة وأسر علىّ بن محمد بن نهيك
стр. 1691
وبعث به هرثمة إلى المأمون وزحف هرثمة فنزل النهروان.
استئمان جماعة من أصحاب طاهر إلى محمد
واستأمن إلى محمد جماعة من أصحاب طاهر، ففرّق محمد فيهم مالا عظيما وقوّد منهم جماعة وغلّل لحاهم بالغالية فسمّوا قوّاد الغالية.
وكان سبب استئمان أصحاب طاهر ما كان يبلغهم من عطاء محمد وبذله الأموال والكسى. فخرج من عسكر طاهر نحو من خمسة آلاف رجل من أهل خراسان فسرّ بهم محمد، ووعدهم ومنّاهم وأثبت أسماءهم فى الثمانين، ودسّ محمد إلى أصحاب طاهر، وفرّق فيهم الجواسيس وأطمعهم، فشغبوا على طاهر، وراسل طاهر عيونه وجواسيسه ببغداد بأن يغرى أصاغرهم بأكابرهم، لأنّه فرّق فى الأكابر خاصّة مال، فشغبوا على محمد.
ثمّ أخرج محمد المستأمنة [٩٨] مع خلق كثير- ومع كلّ عشرة أنفس منهم طبل- إلى طاهر، فأرعدوا وأجلبوا [١] حتّى أشرفوا على نهر صرصر فعبّى طاهر أصحابه كراديس وجعل يمرّ على كردوس كردوس فيقول:
- «لا يغرنّكم كثرة من ترون، فإنّ النصر مع الصدق والفلح مع الصبر.» ثمّ أمرهم بالتقدّم، فصبر الفريقان ثمّ انهزم أهل بغداد وانتهبهم أصحاب طاهر، ثمّ كثر الشغب على محمد ونقب أهل السجون سجونهم وخرجوا، وفتن الناس، ووثب على أهل الصلاح الدعّار والشطّار، فعزّ الفاجر وذلّ المؤمن واختلّ الصالح وساءت حال الناس، إلّا من كان فى عسكر طاهر، لتفقّده الأمور، وغادي القتال وراوحه حتّى خربت بغداد، وتواكل الفريقان وقاتل الأخ أخاه والابن أباه واحترب الناس [٢] .
стр. 1692
ثمّ دخلت سنة سبع وتسعين ومائة
محاصرة طاهر وهرثمة وزهير بن المسيّب محمدا ببغداد
وفى هذه السنة حاصر طاهر وهرثمة وزهير بن المسيّب محمدا ببغداد.
أمّا زهير فنزل قصرا برقّة كلواذى ونصب المجانيق والعرّادات واحتفر الخنادق، وكان إذا اشتغل الجند بحرب طاهر يرمى بالعرّادات من أقبل ومن أدبر ويعشر أموال [٩٩] التجار ويجتبى السفن. وآذى الناس وبلغ منهم كلّ مبلغ وبلغ أمره طاهرا وأتاه الناس فشكوا ما نزل بهم من زهير، ثمّ قصده الناس بالحرب وبلغ ذلك هرثمة فأمدّه بالجند وقد كاد يؤخذ، فأمسك عنه الناس.
وأمّا هرثمة فنزل نهربين وجعل عليه خندقا وحائطا، وأعدّ المجانيق والعرّادات، وأنزل طاهر عبيد الله بن الوضّاح الشماسية. وأمّا طاهر فنزل البستان الذي بباب الأنبار.
فذكر عن الحسين الخليع- وكان ينادم محمدا- أنّه قال: لمّا نزل طاهر البستان الذي بباب الأنبار دخل محمدا أمر عظيم وضاق به ذرعا، وكان فرّق ما فى يده من الأموال، فأمر ببيع كلّ ما فى الخزائن وضرب آنية الفضّة والذهب دنانير ودراهم يفرّق فى أصحابه وفى نفقاته.
واستأمن إلى طاهر سعيد بن مالك [١] بن قادم، فولّاه ناحية من الأسواق وشاطئ دجلة وما اتصل به أمامه إلى جسور دجلة وأمر بحفر الخنادق وبناء
стр. 1693
الحيطان من كلّ ما غلب عليه من الدور والدروب، وأمدّه بالنفقات والفعلة والفرسان والسلاح فكثر الخراب والهدم [١٠٠] حتّى درست محاسن بغداد، وأرسل إلى أهل الأرباض من طريق الأنبار وباب الكوفة وما يليها، فكلّما أجابه أهل ناحية خندق عليهم ووضع مسالحه وأعلامه، ومن أبى إجابته والدخول فى طاعته ناصبه وقاتله وأحرق منزله، وفعل ذلك قوّاده وفرسانه ورجّالته حتّى أوحشت بغداد. وقال الشعراء فى ذلك شيئا كثيرا لم نجد فيه ما نختاره فتركناه.
وسمّى طاهر الأرباض التي خالفته سكانها ومدينة أبى جعفر والشرقية وأسواق الكرخ والخلد وما والاها: دار النكث، وقبض ضياع من لم ينجز إليه من بنى هاشم والقوّاد والموالي وغلّاتهم، حيث كانت من عمله فذلّوا وانكسروا، وتواكلت الأجناد عن القتال إلّا باعة الطريق والعراة وأهل السجون والأوباش والطرارين.
وكان الأمين قد تقدّم إلى خالد بن أبى الصقر والهرش بإباحتهم النهب والاستعانة بهم على قتال طاهر. وكان محمد بن عيسى بن نهيك صاحب شرطة محمد يقاتل مع الأفارقة وأهل السجون والأوباش، وكان محمد بن عيسى غير مداهن فى أمر محمد وكان مهيبا فى الحرب [١٠١] وكان من يجرى مجراه من أصحاب محمد علىّ أفراهمرد، وكان موكّلا بقصر صالح وسليمان بن أبى جعفر وفى يده مجانيق وعرّادات يحفظ بها ما فى يده من تلك النواحي إلى حدّ الجسور، فأمر الباعة والغوعاء والعراة باتخاذ تراس من البواري وبالرمي بالمقاليع وما أشبهها، فكانوا يقاتلون ويؤثّرون فى أصحاب طاهر وهرثمة، ومحمد قد أقبل على اللهو والشرب ووكّل الأمر كلّها إلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى الهرش.
فأمّا الفضل بن الربيع فإنّه استتر وخفى أمره قبل أن ينتهى بهم الأمر إلى
стр. 1694
هذا بزمان كثير، فاستكلب العيّارون والعراة وسلبوا من قدروا عليه من الرجال والنساء والضعفاء من أهل الذمّة والملّة، فكان منهم فى ذلك ما لم يبلغنا أنّ مثله كان فى شيء من الأوقات المتقدّمه. فأمّا فى المستأنف [١] فقد جرت أمور عظام قبيحة مثل هذا وأقبح منه سنذكرها إذا بلغنا إليها إن شاء الله.
فلمّا طال ذلك على الناس وضاقت بغداد بأهلها استأمن محمد بن عيسى صاحب الشرطة وعلىّ افراهمرد إلى طاهر، فضعف أمر محمد جدّا وأيقن بالهلاك وخرج من بغداد كلّ من كانت [١٠٢] به قوّة، بعد الغرم الفادح وبعد المضايقة [٢] العظيمة والخطر الفاحش، فكان الرجل أو المرأة إذا تخلّص من أصحاب الهرش وصار إلى أصحاب طاهر، ذهب عنه الروع وأمن، وأظهرت المرأة ما معها من حليّها وغير ذلك، وكذلك الرجل.
ولمّا صارت الحرب بين العيّارين وبين أصحاب طاهر، خرج قائد من قوّاد خراسان، ممّن كان مع طاهر بن الحسين من أهل البأس والنجدة، فنظر إلى قوم عراة لا سلاح معهم، فاستهان بهم واستحقرهم وقال لأصحابه:
- «ما يقاتلنا إلّا من أرى؟» قالوا: «نعم، هؤلاء [٣] هم الآفة.» قال: «أفّ لكم حين تخيمون عن هؤلاء وتنكصون عنهم وأنتم فى السلاح الظاهر والعدّة، وأنتم أصحاب الشجاعة والبسالة وما عسى أن يبلغ كيد
стр. 1695
هؤلاء بلا سلاح ولا جنّة؟» ثمّ أوتر قوسه وتقدّم ووضع عينه على بعضهم، فقصد نحوه وفى يده بارية [١] مقيّرة وتحت إبطه مخلاة فيها حجارة، فجعل الخراساني كلّما رمى بسهم استتر منه العيّار، فوقع فى باريته وقريبا منه فيأخذه فيجعله فى موضع من باريته [١٠٣] قد هيّأه لذلك شبيها بالجعبة، فكلّما وقع فى ترسه منهم أخذه وصاح.
- «دنق.» أى ثمن النشّابة دنق قد أحرزه.
فلم يزل حال الخراساني وحال العيّار تلك، حتّى أنفد الخراساني سهامه، ثمّ حمل على العيّار ليضربه بسيفه، فأخرج العيّار من مخلاته حجرا فجعله فى مقلاعه ورماه، فما أخطأ به عينه، ثمّ ثنّاه سريعا فكاد يصرعه عن فرسه لولا تحامله وكرّ راجعا وهو يقول:
- «ما هؤلاء بإنس.» فحدّث طاهر بحديثه فاستضحك وأعفى الخراساني من الخروج إليهم. وقال بعض شعراء أهل بغداد:
خرّجت هذه الحروب رجالا ... لا لقحطانها ولا لنزار
معشرا فى جواشن الصّوف يعدو ... ن إلى الحرب كالأسود الضّوارى
وعليهم مغافر الخوص تجزي ... هم عن البيض والتّراس البواري
ليس يدرون ما الفرار إذا الأب ... طال عاذوا من القنا بالفرار
واحد منهم يشدّ على أل ... فين عريان ما له من إزار
стр. 1696
ويقول الفتى إذا طعن ال ... طّعنة خذها من الفتى العيّار [١٠٤]
فى أبيات كثيرة، ووصفهم الشعراء كثيرا.
وأخذ طاهر فى الهدم والحرق على من خالفه ومنع الملّاحين وغيرهم من إدخال شيء إلى بغداد ووضع الرّصد عليهم فكان يحوى فى كلّ يوم ناحية بعد ناحية ويخندق عليها ويقيم عليها المقاتلة. فكان أصحاب محمد ينقضون، حتّى لقد كان أصحاب طاهر يهدمون الدار وينصرفون، فيقلع أبوابها وسقوفها أصحاب محمد ويكونون أضرّ عليهم من أصحاب طاهر.
ولمّا منع طاهر الميرة من بغداد وكان يأخذ من كلّ سفينة تحمل دقيقا أو غيره مالا عظيما غلت الأسعار، وصار أمر الناس إلى القنوط واليأس من الفرج وحسد المقيم منهم من قد خرج عنها. وصار [١] أمر محمد إلى أن أمر غلامه زرنج بتتبّع الأموال وطلبها عند من وجد، وأمر الهرش بطاعته، فكان يهجم على الناس فى منازلهم ويبيّتهم ليلا ويأخذ بالظنّة، فجبى بذلك السبب أموالا كثيرة وأهلك خلقا.
ثمّ إنّ حاتم بن الصقر من قوّاد محمد وكان قد واعد أصحابه العراة أن يواقعوا عبيد الله بن الوضّاح ليلا، فمضوا إلى عبيد الله مفاجأة وهو لا يعلم، فأوقعوا به وقعة [١٠٥] أزالوه عن موضعه، وولّى منهزما، فأصابوا له خيلا وسلاحا.
الخبر عن هزيمة هرثمة
وبلغ الخبر هرثمة، فأقبل فى أصحابه لنصرته وليردّ العسكر إلى موضعه،
стр. 1697
فوافاه أصحاب محمد ونشّبت الحرب بينهم فأسر رجل من العراة هرثمة ولم يعرفه، فحمل بعض أصحاب هرثمة على العريان فقطع يده وخلّص هرثمة، فمرّ منهزما وبلغ خبره أهل عسكره فتقوّض بما فيه وخرج أهله هاربين على وجوههم نحو حلوان، وحجز الليل أصحاب محمد عن الطلب والنهب والأسر، فلم يتراجع أصحاب هرثمة إلّا بعد يومين وثلاثة، وقويت العراة بما صار فى أيديهم. وقيلت فى هذه الوقعة أشعار كثيرة.
وبلغ طاهرا هزيمة عبيد الله بن الوضّاح وهرثمة وما صار إلى العراة من سلاحهم وأموالهم، فاشتدّ عليه وقام منه وقعد، ووجّه إلى أصحابه وعبّأهم وأمر بعقد جسر فوق الشمّاسيّة وخرج معهم إلى الجسر، فعبروا النهر وقاتلوهم أشدّ قتال يكون، حتّى ردّوا أصحاب محمد وأزالوهم عن الشماسية [١٠٦] وردّ إليها جند عبيد الله وهرثمة. وكان محمد أعطى بنقض [١] قصوره ومجالسه بالخيزرانية بعد ظفر العراة ألفى ألف درهم فى مواضعها وقد كانت النفقة عليها عشرين ألف ألف درهم. فحرقها أصحاب طاهر وكانت السقوف مذهّبة.
وهرب عبيد الله بن خازم بن خزيمة، لأنّ محمدا اتهمه وتحامل عليه قوم من السفلة والعيّارين، فخافهم على نفسه فلحق بالمدائن ليلا فى السفن بعياله وولده، وأقام بها ولم يحضر شيئا من القتال وفعل ذلك بمواطأة طاهر.
وضاق على محمد أمره ونفذ ما كان عنده ولم يبق له حيلة، وطلب الناس الأرزاق فقال عند ضجره بذلك:
- «وددت أنّ الله قتل الفريقين جميعا وأراحنى منهم، فما منهما إلّا عدوّ، وأمّا هؤلاء فيريدون مالي ولم يبق، وأمّا هؤلاء فيريدون نفسي.»
стр. 1698
ثمّ دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة
بين خزيمة وطاهر
وفيها كاتب طاهر خزيمة بن خازم يذكر له أنّ الأمر إن انقطع بينه وبين محمد ولم يكن له أثر فى نصرته لم يقصر فى مكروهه. فلمّا وصل كتابه إليه شاور ثقاته [١٠٧] فقال له أصحابه وأهل بيته:
- «نرى والله إنّ هذا الرجل آخذ بقفا صاحبنا عن قليل، فاحتل لنفسك ولنا.» فكتب إلى طاهر بطاعته وأخبره أنّه لو كان هو النازل فى الجانب الشرقي مكان هرثمة لكان يحمل نفسه على كلّ هول، وأعلمه قلّة ثقته بهرثمة ويناشده ألّا يحمله على مكروه عظيم إلّا أن يضمن له القيام دونه، ووعده بإدخال هرثمة وقطع الجسور وأنّه يتّبع هواه ويؤثر رضاه، وأنّه إن لم يضمن ذلك فليس يسعه تعريضه للسفلة والغوغاء والرعاع والتلف.
فكتب طاهرا إلى هرثمة يلومه ويعجّزه ويقول:
- «جمعت الأجناد وأتلفت الأموال دون أمير المؤمنين ودوني فى مثل حاجتي إلى النفقات وقد توقّفت عن قوم هيّنة شوكتهم يسير أمرهم توقّف المحجم الهائب لهم، استعدّ للدخول فقد أحكمت الأمر على دفع العسكر وقطع الجسور وأرجو ألّا يختلف عليك فى ذلك اثنان، إن شاء الله.» فأجابه هرثمة:
- «أنا عارف ببركة رأيك ويمن مشورتك فمر بما أحببت، فلن [١٠٨] أخالفك.» قال: فكتب بذلك طاهر إلى خزيمة.
стр. 1699
خزيمة ودعوته للمأمون
وكان كتب طاهر إلى محمد بن علىّ بن عيسى بمثل ذلك قبل، فلمّا كانت ليلة الأربعاء لثمان بقين من المحرّم سنة ثمان وتسعين ومائة، وثب خزيمة بن خازم ومحمد بن علىّ بن عيسى على جسر دجلة، فقطعاه وركّزا أعلامهما عليه وخلعا محمدا، ودعوا لعبد الله المأمون، وسكن أهل الجانب الشرقي ولزموا منازلهم وأسواقهم من يومهم ذلك، ولم يدخل هرثمة حتّى تقدّمه قوم وعادوا إليه فحلفوا أنّه لا يرى مكروه [١] فدخل حينئذ.
وباكر طاهر من غد ذلك اليوم وهو يوم الخميس المدينة وأرباضها، والكرخ وأسواقها، وهدم قنطرتى الصراة العتيقة والحديثة واشتدّ عندهما القتال، وباشر طاهر القتال بنفسه وقاتل بين يديه أصحابه حتّى هزم أصحاب محمد، وفرّوا على وجوههم لا يلوى أحد على أحد حتّى دخل قسرا بالسيف، وأمر مناديه بالأمان لمن لزم منزله، ووضع بقصر الوضّاح وسوق الكرخ والأطراف قوّادا وجندا فى كلّ موضع على قدر حاجته منهم، وقصد [١٠٩] إلى مدينة أبى جعفر فأحاط بها وبقصر زبيدة وقصر الخلد من لدن الجسر إلى باب خراسان وباب الشام وباب الكوفة وباب البصرة وشاطئ الصراة إلى مصبّها فى دجلة بالخيول والسلاح، وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش، فنصب المجانيق خلف السور على المدينة وبإزاء قصر زبيدة وقصر الخلد ورماه.
وخرج محمد بأمّه وولده إلى مدينة أبى جعفر وتفرّق عنه عامّة جنده وخصيانه وجواريه فى السكك والطرق لا يلوى منهم أحد على أحد وتفرّق
стр. 1700
الغوغاء والسفلة. وتحصّن محمد بالمدينة هو ومن يقاتل معه، وحصره طاهر وأخذ عليه الأبواب ومنع منه ومن أهل المدينة الدقيق والماء وغيرهما.
فحكى طارق الخادم وكان من خاصّة محمد- وكان المأمون بعد ذلك أيضا يقدّمه- أن محمدا سأله يوما من الأيّام وهو محصور- أو قال فى آخر يوم من أيّامه- أنّ أطعمه شيئا. قال: فدخلت المطبخ فلم أجد شيئا فجئت إلى حمرة [١] العطّارة وكانت خازنة [٢] الجوهر فقلت لها:
- «إنّ أمير المؤمنين جائع، فهل عندك شيء؟ فإنّى [١١٠] لم أجد فى المطبخ شيئا؟» فقالت لجارية لها يقال لها بنان:
- «أىّ شيء عندك؟» فجاءت بدجاجة ورغيف، فأتيته بهما فأكل وطلب ماء يشربه فلم يجد فى خزانة الشراب ماء، فأمسى وكان عزم على لقاء هرثمة، فما شرب ماء حتّى أتى عليه.
ذكر اتفاقات عجيبة
حكى إبراهيم بن المهدى أنّه كان نازلا مع محمد المخلوع فى مدينة المنصور فى قصره بباب الذهب لمّا حصره طاهر. قال: فخرج ذات ليلة من القصر يريد أن يتفرّج من الضيق الذي هو فيه، فصار إلى قصر القرار فى قرن الصراة فى جوف الليل، ثمّ أرسل إلىّ فصرت إليه، فقال لى:
- «يا إبراهيم أما ترى طيب هذه الليلة وحسن هذا القمر وضوءه فى الماء- ونحن حينئذ فى شاطئ دجلة- فهل لك فى الشرب؟»
стр. 1701
قلت: «شأنك، جعلني الله فداءك.» قال: فدعا برطل فشربه، ثمّ أمر فسقيت مثله.
قال: فابتدأت أغنّيه من غير أن يسألنى لعلمي بسوء خلقه، فغنّيت ما كنت أعلم أنّه يحبّه فقال لى:
- «ما تقول فيمن يضرب عليك؟» فقلت: «ما أحوجنى إلى ذلك.» فدعا بجارية متقدّمة عنده يقال [١١١] لها: ضعف، فتطيّرت من اسمها ونحن فى تلك الحال التي هو عليها. فلمّا صارت بين يديه قال [١] لها:
- «تغنّى.» فغنّت بشعر النابغة الجعدي:
ليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأيسر جرما منك ضرّج بالدّم
قال: فاشتدّ عليه ما غنّت به وتطيّر منه فقال لها:
- «غنّى غير هذا.» فغنّت:
أبكى فراقهم عيني فأرّقها ... إنّ التّفرّق للأحباب بكّاء
ما زال بعدو عليهم ريب دهرهم ... حتّى تناءوا [٢] وريب الدّهر عدّاء
فقال لها:
стр. 1702
- «لعنك الله، أما تعرفين من الغناء شيئا سوى هذا الفنّ؟» فقالت: «يا سيّدى ما تغنّيت إلّا بما ظننت أنّك تحبّه، وما أردت ما تكرهه، وما هو إلّا شيء جاءني.» ثمّ أخذت تغنّى:
أما وربّ الّسكون والحرك ... إنّ المنايا كثيرة الشّرك
ما اختلف الليل والنّهار ولا ... دارت نجوم السّماء فى الفلك
إلّا لنقل السّلطان من ملك ... عات بسلطانه إلى ملك
وملك ذى العرش دائم أبدا ... ليس بفان ولا بمشترك [١١٢]
فقال لها:
- «قومي، غضب الله عليك ولعنك.» فقامت.
وكان له قدح من بلّور حسن الصنعة، وكان محمد يسمّيه: زبّ رباح، وكان موضوعا بين يديه فقامت الجارية منصرفة، فسحبت عليه رداؤها فكسرته وقالت:
- «تعس وانتكس الشيطان.» فقال إبراهيم: فقال لى:
- «ويحك يا إبراهيم أما ترى ما جاءت به هذه الجارية، ثمّ ما كان من كسر القدح؟ والله ما أظنّ أمرى إلّا وقد قرب.» فقلت: «يطيل الله بقاءك ويعزّ ملكك ويديم نعمتك ويكبت عدوّك.» فما استتم الكلام حتّى سمعنا صوتا عن دجلة:
стр. 1703
- «قضى الأمر الّذى فيه تستفتيان.» [١] فقال لى:
- «يا إبراهيم أما سمعت؟» قلت: «لا والله ما سمعت شيئا. وقد كنت سمعت.» قال: «تسمّع حسّنا.» قال: فدنوت من الشطّ فلم أر شيئا، ثمّ عاودنا الحديث فعاد الصوت:
- «قضى الأمر الذي فيه تستفتيان.» فوثب من مجلسه ذلك مغتمّا، ثمّ ركب ورجع إلى موضعه بالمدينة، فما كان بعد هذا إلّا ليلة أو ليلتان، حتّى حدث ما حدث من قتله. [١١٣] وفى هذه السنة قتل محمد بن هارون الأمين.
مقتل محمد بن هارون الأمين ذكر ما أشير به على محمد فلم يقبله وما تأدّى إليه الأمر
لمّا صار محمد إلى المدينة وقرّ فيها وعلم قوّاده أنّه ليس لهم ولا له فيها عدّة للحصار. وخافوا أن يظفر بهم دخل على محمد حاتم بن الصقر ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب الأفريقى وقوّاده فقالوا له:
- «قد آلت حالك وحالنا إلى ما ترى، وقد رأينا رأيا نعرضه عليك، فانظر فيه واعتزم عليه، فإنّا نرجو أن يكون صوابا، إن شاء الله.» قال: «وما هو؟» قالوا: «قد تفرّق جندك عنك وأحاط عدوّك بك من كلّ جانب وقد بقي
стр. 1704
من خيلك سبعة آلاف فرس من خيارها وجيادها سوى مراكبك، فنرى أن تختار ممّن عرفناه بمحبّتك من الأبناء سبعة آلاف رجل، فتحملهم على هذه الخيل وتخرج ليلا على باب من هذه الأبواب، فإنّ الليل لأهله، فنخرج ولن يثبت لنا أحد وتسير حتّى تلحق بالشام والجزيرة فنفرض الفروض ونجبى الخراج وتصير فى مملكة واسعة وملك جديد، فيسارع إليك الناس من كلّ أوب وينقطع الجنود فى طلبك وإلى ذاك ما قد أحدث الله فى مكّر [١] الليل والنهار أمورا.» فقال لهم:
- «نعمّا رأيتم.» [١١٤] واعتزم على ذلك وخرج الخبر إلى طاهر، فكتب إلى سليمان بن أبى جعفر والى محمد بن عيسى بن نهيك والى السندي بن شاهك:
- «قد بلغني عزيمة محمد وو الله لئن لم تردّوه عن هذا الرأى لا تركت لكم ضيعة إلّا قبضتها، ثمّ لا تكون لى همّة إلّا نفوسكم. فإنّ هؤلاء الذين يسيرون معه صعاليك لا يخلّفون شيئا يشفقون عليه. فاعملوا على ما رسمته تسلموا، إن شاء الله.» فدخلوا على محمد وقالوا:
- «نذكّرك الله فى نفسك فإنّ هؤلاء صعاليك، وقد ضاق عليهم الحصار وهم يرون أن لا أمان لهم على أنفسهم وأموالهم عند أخيك وعند طاهر، لما قد انتشر عنهم من مباشرة الحرب والجدّ، فيها ولسنا نأمن إذا برزوا وحصلت فى أيديهم أن يأخذوك أسيرا أو يأخذوا رأس عدوّك فيتقرّبوا بك ويجعلوك سبب أمانهم.»
стр. 1705
وضربوا له فى ذلك الأمثال حتّى فزع وغيّر عزمه ورأيه.
وكان أصحابه الذين أشاروا بما أشاروا أولا جلوسا فى رواق البيت، فسمعوا جميع ما قاله سليمان وأصحابه، فهمّوا جميعا بقتل سليمان وأصحابه. ثمّ قالوا:
- «حرب من خارج وحرب من داخل.» [١١٥] فأمسكوا.
ثمّ أشار عليه هؤلاء وقالوا:
- «قد بذل لك الأمان فاقبله، فإنّما غايتك اليوم السلامة واللهو، وليس يمنعك [١] أخوك من ذلك وسينزلك حيث تحبّ ويفردك مع من تحبّ وتهوى، وليس عليك منه بأس ولا مكروه.» فركن إلى ذلك وأجابهم إلى الخروج إلى هرثمة دون طاهر، وكان استشعر خوفا من طاهر. وكان جماعة من أصحابه يكرهون هرثمة، لأنّهم كانوا من أصحابه وقد عرفهم وعرفوه وخافوا أن يجفوهم ولا يجعل لهم مراتب.
فدخلوا على محمد فقالوا:
- «أمّا إذ أبيت ما أشرنا به وهو الصواب وقبلت رأى هؤلاء وهو الخطأ، فالخروج إلى طاهر خير لك من الخروج إلى هرثمة.» فقال لهم محمد:
- «ويحكم إنّى أكره طاهرا وذلك أنّى رأيت فى منامي كأنّى قائم على حائط من آجر شاهق فى السماء عريض الأساس وثيق لم أر حائطا يشبهه فى الطول والعرض والوثاقة وعلىّ سوادي ومنطقتي وسيفي وقلنسوتي وخفّى، وكان طاهر فى أصل ذلك الحائط، بيده بيل يضرب به أصل الحائط
стр. 1706
فما زال يضرب أصله حتّى سقط [١١٦] الحائط وسقطت وندرت قلنسوتي عن رأسى وأنا أتطيّر منه وأكره الخروج إليه، وهرثمة مولانا وبمنزلة الوالد وأنا به أشدّ ثقة.» فلمّا همّ محمد بالخروج إلى هرثمة وسعى له بذلك وأجابه هرثمة إلى ما أراد، اشتدّ ذلك على طاهر وأبى أن يرفّه عنه ويدعه يخرج وقال:
- «هو فى حيّزى والجانب الذي أنا فيه وأنا أخرجته بالحرب والحصار حتّى طلب الأمان فلا أرضى أن يخرج إلى هرثمة دوني فيكون الفتح له.» فلمّا رأى هرثمة والقوّاد ذلك اجتمعوا فى منزل خزيمة بن خازم، فصار إليهم طاهر فى خاصّة قوّاده وحضر محمد بن عيسى بن نهيك والسندي بن شاهك وأداروا الرأى بينهم. فأخبروا طاهرا أنّه لا يخرج إليه أبدا وأنّه إن لم يجب إلى ما سأل لم يؤمن أن يجرى فى أمره ما جرى مثله أيّام الحسين بن علىّ بن عيسى بن ماهان وقالوا له:
- «يخرج ببدنه إلى هرثمة إذ كان يأنس به ويثق بناحيته ويدفع الخاتم والقضيب والبردة وذلك هو الخلافة إليك، فلا تفسد هذا الأمر واغتنمه.» فأجاب طاهر إلى ذلك ورضى.
ولمّا تهيّأ محمد للخروج خرج [١١٧] إلى صحن القصر فقعد على كرسىّ وقام خدمه بين يديه بالأعمدة. وجاءه خادم فقال:
- «يا سيّدى، أبو حاتم يقرأ عليك السلام- يعنى هرثمة- ويقول لك: يا سيّدى وافيت للميعاد لحملك، ولكنّى رأيت ألّا تخرج الليلة فإنّى قد رأيت- وفى دجلة وعلى الشطّ- أمر قد رابنى وأخاف أن أغلب فتؤخذ من يدي أو تذهب نفسك ونفسي، ولكن أقم بمكانك حتّى أرجع فاستعدّ، ثمّ آتيك القابلة، فأخرجك، فإن حوربت دونك حاربت ومعى عدّتى.» قال: فقال له محمد:
стр. 1707
- «إرجع إليه فقال له: لا تبرح، فإنّى خارج إليك الساعة لا محالة.» قال: وقلق:
- «إنّه قد تفرّق عنّى الناس ومن على بابى من الموالي والحرس ولا آمن إن أصبحت وانتهى خبري إلى طاهر أن يدخل علىّ فيأخذنى.» ثمّ دعا بفرس له أدهم أغرّ محجّل كان يسمّيه: الزهيرى، ودعا بابنيه فضمّهما إليه وشمّهما وقال:
- «أستودعكما الله.» ودمعت عيناه، فجعل يمسح دموعه بكمّه، ثمّ قام فوثب على الفرس وخرجنا بين يديه إلى باب القصر حتّى ركبنا دوابّنا وبين يديه شمعة واحدة حتّى خرجنا إلى المشرعة، فإذا حرّاقة [١١٨] هرثمة، فنزل فى الحرّاقة [١] .
ورجعنا إلى المدينة فدخلناها وأمرنا بالباب فأغلق وسمعنا الواعية فصعدنا القبّة التي على الباب نتسمّع الصوت.
فذكر أحمد بن سلام صاحب المظالم أنّه قال: كنت مع هرثمة مع قوّاده فى الحرّاقة. فلمّا دخل محمد الحرّاقة قمنا على أرجلنا إعظاما له وجثا هرثمة على ركبتيه وقال:
- «يا سيّدى لا أقدر على القيام لمكان النقرس الذي بى.» ثمّ احتضنه وصيّره فى حجره وجعل يقبّل يديه ورجليه وعينيه ويقول:
- «سيّدى ومولاي وابن سيّدى ومولاي.» وجعل محمد يتصفّح وجوهنا ونظر إلى عبيد الله بن الوضّاح فقال:
- «أيّهم أنت؟» قال: «أنا عبيد الله بن الوضّاح.»
стр. 1708
قال: «نعم جزاك الله خيرا فما أشكرنى لما كان منك فى أمر الثلج ولو قد لقيت أخى- أبقاه الله- لم أدع شكرك عنده.» قال: فبينا نحن كذلك، وقد أمر هرثمة بالحرّاقة أن تدفع، إذ شدّ علينا أصحاب طاهر فى الزواريق وعطعطوا وتعلّقوا بالسكّان وبعض يقطع السكّان وبعض ينقب الحرّاقة وبعض يرمى بالنشّاب فنقبت الحرّاقة سريعا ودخلها [١١٩] الماء وغرقت وسقط هرثمة إلى الماء وسقطنا كلّنا فتعلّق الملّاح بشعر هرثمة فأخرجه وخرج كلّ واحد منّا على حياله لقربنا من الشطّ ورأيت محمدا فى تلك الحال وقد شقّ عنه ثيابه ورمى بنفسه إلى الماء. فأمّا أنا فتعلّق بى رجل من أصحاب طاهر ومضى بى إلى رجل قاعد على كرسىّ على شطّ دجلة وبين يديه نار توقد. فقال له بالفارسية:
- «هذا رجل أخرج من الماء ممّن غرق من أهل الحرّاقة.» فقال لى:
- «ممّن أنت؟» قلت: «من أصحاب هرثمة أنا أحمد بن سلام صاحب المظالم مولى أمير المؤمنين.» قال: «كذبت فاصدقني.» قلت: «قد صدقتك.» قال: «فما فعل المخلوع؟» قلت: «رأيته حين شقّ عنه ثيابه وقذف بنفسه فى الماء.» قال: «قدّموا دابّتى.» فقدّموا دابّته فركب وأمر بى أن أجنب، فجعل فى عنقي حبل وجنبت وأخذ فى درب الزبيدية. ولمّا عدوت ساعة انبهرت فلم أقدر على العدو فقمت. فقال الذي خلفي:
стр. 1709
- «قد قام هذا الرجل وليس يعدو.» قال: «انزل فخذ رأسه.» قلت: «جعلت فداك، ولم تقتلني وأنا رجل لله علىّ نعمة ولا أقدر على العدو وأنا أفدى نفسي بعشرة آلاف درهم.» [١٢٠] فلمّا سمع ذكر العشرة آلاف قال للرجل الذي أمره بقتلى:
- «أمسك.» ثمّ قال:
- «وكيف لى بالعشرة آلاف؟» قلت: «تحبسني عندك حتّى نصبح، ثمّ تدفع إلىّ رسولا أرسله إلى وكيلي فى منزلي فى عسكر المهدى، فإن لم يأتك بالعشرة آلاف فاضرب عنقي.» قال: «قد أنصفت.» وأمر بحملي فحملت ردفا، فمضى بى إلى دار صاحبه دار أبى صالح الكاتب وأمر غلمانه أن يحتفظوا بى، وتفهّم منّى خبر محمد ووقوعه إلى الماء ومضى إلى طاهر ليخبره وإذا هو إبراهيم البلخي. قال: فصيرني غلمانه فى بيت من بيوت الدار فيه بواري ووسادتان وفى زاوية من زواياه حصر مدرّجة قال: فقعدت فى البيت وصيّروا فيه سراجا وتوثّقوا من الباب وقعدوا يتحدّثون. فلمّا ذهب من الليل ساعة إذا نحن بحركة الخيل، فدقّوا الباب ففتح لهم وهم يقولون:
- «بسّر زبيدة [١] .» قال: «فأدخل إلىّ رجل عريان عليه سراويل وعمامة متلثّم بها وعلى كتفيه خرقة خلقة. فصيّروه معى وتقدّموا إلى من فى الدار بحفظه وخلّفوا
стр. 1710
معهم قوما آخرين منهم أيضا. قال: فلمّا استقرّ فى البيت حسر العمامة عن وجهه، فإذا هو محمد، فاستعبرت [١٢١] واسترجعت فيما بيني وبين نفسي، وجعل ينظر إلىّ. ثمّ قال:
- «أيّهم أنت؟» قلت: «أنا مولاك يا سيّدى.» قال: «وأىّ الموالي؟» قلت: «أحمد بن سلام صاحب المظالم.» قال: «أعرفك بغير هذا، كنت تأتينى وتلطفنى كثيرا، لست مولاي، ولكنّك أخى.» ثمّ قال: «يا أحمد.» قلت: «لبّيك يا سيّدى.» قال: «أدن منّى وضمّنى إليك، فإنّى أجد وحشة شديدة.» قال: «فضممته إلىّ، فإذا قلبه يخفق حتّى يكاد يخرج من صدره، فلم أزل أضمّه إلىّ وأسكّنه.» قال: ثمّ قال لى:
«يا أحمد ما فعل أخى؟» قلت: «هو حىّ.» قال: «قبّح الله صاحب بريدهم ما أكذبه! كان يقول: قد مات، شبه المعتذر من محاربته.» قال: قلت: «يا سبحان الله! ففي أىّ شيء دفعنا إذا، بل قبّح الله وزراءك.» قال: «لا تقل لوزرائى إلّا خيرا، فما لهم ذنب ولست بأوّل من طلب أمرا فلم يقدر عليه.»
стр. 1711
ثمّ قال لى: «يا أحمد ما تراهم يصنعون بى، تراهم يقتلوني أو يفون لى بأمانهم؟» قال: قلت: «بل يفون لك يا سيّدى.» قال: وجعل يضمّ على نفسه الخرقة التي على كتفيه ويضمّها ويمسكها بعضديه يمنة ويسرة. قال: ونزعت مبطّنة كانت علىّ وقلت يا سيّدى:
- «ألق هذه عليك.» قال: [١٢٢]- «ويحك دعني، فهذا من الله لى فى هذا الموضع خير.» قال: وبينا نحن كذلك إذ دقّ باب الدار ففتح فدخل علينا رجل عليه سلاحه فتطلّع فى وجهه مستثبتا له، فلمّا أثبته معرفة انصرف وأغلق الباب وإذا هو محمد بن حميد الطاهري. قال: فعلمت أنّ الرجل مقتول. قال:
وكان بقي علىّ من صلاتي الوتر فخفت أن أقتل معه ولم أوتر. قال: فقمت أوتر. فقال لى:
- «يا أحمد لا تباعدني وصلّ إلى جانبي فإنّى أجد وحشة شديدة.» قال: فاقتربت منه. فلمّا انتصف الليل أو قارب سمعت حركة الخيل، ودقّ الباب ففتح فدخل الدار قوم من العجم بأيديهم السيوف مسلّلة، فلمّا رآهم قام قائما وجعل يقول:
- «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦، ذهبت والله نفسي فى سبيل الله، أما من حيلة أما من مغيث، أما من أحد من الأبناء؟» قال: وجاءوا حتّى قاموا على باب البيت الذي نحن فيه، فأحجموا عن الدخول وجعل بعضهم يقول لبعض «تقدّم» ويدفع بعضهم بعضا. قال: فقمت فصرت خلف الحصر المدرّجة فى زاوية البيت، وقام محمد فأخذ [١٢٣] بيده وسادة وجعل يقول:
стр. 1712
- «ويحكم إنّى ابن عمّ رسول الله- صلى الله عليه- أنا ابن هارون، أنا أخو المأمون الله الله فى دمى.» قال: فدخل عليه رجل منهم يقال له: حميرويه [١] غلام لقريش الدندانى مولى طاهر، فضربه على مقدم رأسه وضرب محمد وجهه بالوسادة التي كانت فى يده واتكأ عليه ليأخذ السيف من يده، فصاح بالفارسية:
- «قتلني، قتلني.» قال: فدخل منهم جماعة فنخسه واحد منهم بالسيف فى خاصرته، وركبوه فذبحوه ذبحا من قفاه، وأخذوا رأسه فمضوا به إلى طاهر، فتركوا جثّته. ولما كان فى وقت السحر جاءوا إلى جثّته فأدرجوها فى جلّ وحملوها. قال: فأصبحت فقيل:
- «هات العشرة آلاف درهم.» قال: فبعثت إلى وكيلي فأتانى فأمرته فأتانى بها فدفعتها إليه.
ولمّا أصبح طاهر نصب رأس محمد على البرج برج حائط البستان الذي يلي باب الأنبار، وفتح باب الأنبار وخرج من أهل بغداد للنظر إليه ما لا يحصى عددهم. وأقبل طاهر يقول:
- «هذا رأس المخلوع.» وذكر محمد بن عيسى أنّه قال: رأى المخلوع على ثوبه قمّلة، فقال:
- «ما هذا؟» قالوا: «شيء [١٢٤] يكون فى ثياب الناس.» فقال: «أعوذ بالله من زوال النعمة.» فقتل من يومه.
стр. 1713
وبعث طاهر برأس محمد إلى المأمون مع الرداء والقضيب والمصلّى وهو من سعف مبطّن مع محمد بن مصعب ابن عمّه فأمر له المأمون بألف ألف درهم. قال: فرأيت ذا الرئاستين وقد أدخل رأس محمد على ترس بيده إلى المأمون. قال: فلمّا رآه سجد.
وكتب طاهر إلى إبراهيم بن المهدى بعد قتل المخلوع:
- «أمّا بعد، فإنّه عزيز علىّ أن أكتب إلى رجل من أهل بيت الخلافة بغير التأمير [١] ولكنّه بلغني أنّك تميل بالرأى وتصغى بالهوى إلى الناكث المخلوع.
فإن كان كذلك فكثير ما كتبت به إليك، وإن كان غير ذلك فالسلام عليك ورحمة الله وبركاته.»
وثوب الجند بطاهر بعد مقتل الأمين
وفى هذه السنة وثب الجند بعد مقتل محمد بطاهر، فهرب منهم وتغيّب أيّاما حتّى أصلح أمرهم.
ذكر الخبر عن ذلك وسببه وما استعمله طاهر من الحزم قبله
إنّ أصحاب طاهر بعد مقتل محمد بخمسة أيّام طلبوا أرزاقهم ووثبوا به ولم يكن فى يده مال فضاق به أمره، وظنّ أنّ ذلك بمواطأة أهل الأرباض إيّاهم [١٢٥] وأنّهم معهم عليه ولم يكن تحرّك فى ذلك من أهل الأرباض أحد، فاشتدّت شوكتهم وخشي طاهر على نفسه فهرب من البستان وانتهبوا بعض متاعه، ومضى إلى عاقرقوف.
стр. 1714
وكان ممّا قدّم الحزم فيه أن حفظ أبواب المدينة وباب القصر لمّا فرغ من قتل محمد وحوّل زبيدة وموسى وعبد الله ابني محمد إلى قصر الخلد ليلا ثمّ حملهم فى حرّاقة همينيا على الغربي من الزاب الأعلى، ثمّ أمر بحمل موسى وعبد الله إلى عمّهما بخراسان على طريق الأهواز وفارس.
فلمّا وثب الجند بطاهر وطلبوا الأرزاق أحرقوا باب الأنبار الذي على الخندق وباب البستان، وشهروا السلاح ونادوا:
- «موسى يا منصور.» وبقوا كذلك يومهم ومن الغد، فتبيّن صواب رأى طاهر فى إخراج موسى وعبد الله. وكان طاهر انحاز ومن معه من القوّاد وتعبّأ لقتالهم ومحاربتهم.
فلمّا بلغ ذلك الوجوه والقوّاد ممّن شغّب صاروا إليه واعتذروا وأحالوا على سفهاء الجند وأحداثهم وسألوه الصفح عنهم وقبول عذرهم والرضى وضمنوا له ألّا [١٢٦] يعودوا لمكروهه ما أقام معهم.
وأتاه مشايخ الأرباض فحلفوا له بالمغلّظة من الأيمان أنّه لم يتحرّك فى هذه الأيّام أحد من أبناء الأرباض، ولا كان ذلك عن رأيهم ولا أرادوه.
وضمنوا له أن يقوم له كلّ إنسان منهم فى ناحيته بما يجب عليه حتّى لا يأتيه من ناحيته أمر يكرهه.
وأتاه عميرة أبو شيخ بن عميرة الأسدى فى مشيخة من الأبناء، فلقوه بمثل ذلك وأعلموه حسن رأى من خلفهم من الأبناء فطابت نفسه إلّا أنّه قال:
- «والله ما اعتزلت عنهم إلّا لوضع السيف فيهم. وأقسم بالله لئن عدتم لمثلها لأعودنّ إلى رأيى فيكم ولأخرجنّ إلى مكروهكم.» فكسرهم بذلك وأمر لهم برزق أربعة أشهر وانصرف إلى معسكره بالبستان ودعا بوجوه أصحابه وفيهم سعيد بن مالك وقال:
стр. 1715
- «أنّه لا مال عندي وقد أطلقت للقوم أرزاقهم، فما الوجه؟» فقال سعيد:
- «أنا أحمل عشرين ألف دينار.» فطابت نفسه وحمل غيره حتّى أرضى أصحابه وقال لسعيد:
- «إنّى أقبلها على أن تكون دينا علىّ.» فقال: «بل هي هدية وقليله لغلامك وفيما أوجب الله من حقّك.» [١٢٧] وسكن الجند.
وكانت خلافة محمد المخلوع نحو خمس سنين ينقص شهرين، وكان عمره كلّه ثمانيا وعشرين سنة، وكان سبطا أنزع أبيض أقنى جميلا طويلا أبعد ما بين المنكبين صغير العينين.
وذكر الموصلي أنّ طاهرا لمّا بعث برأس محمد إلى المأمون بكى ذو الرئاستين وقال:
- «سلّ عليها سيوف الناس وألسنتهم أمرناه أن يبعث به أسيرا فبعث به عقيرا.» فقال له المأمون:
- «أنّه قد مضى ما مضى فاحتل فى الاعتذار منه.» وكتب الناس فأطالوا وجاء أحمد بن يوسف بشبر قرطاس فيه:
- «أمّا بعد فإنّ المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين فى النسب واللحمة، فقد فرّق الله بينه وبينه فى الولاية والحرمة بمفارقته عصم الدين وخروجه من الأمر الجامع للمسلمين. يقول الله حين اقتصّ نبأ ابن نوح: إِنَّهُ لَيْسَ من أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ١١: ٤٦ [١] ولا طاعة لأحد فى معصية
стр. 1716
الله ولا قطيعة إذا كانت القطيعة فى جنب الله وكتابي هذا إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع وردّاه رداء نكثه وأحصد لأمير المؤمنين أمره [١٢٨] وأنجز له وعده وما ينتظر من صادق أمره حين ردّ به الألفة بعد فرقتها وجمع الأمّة بعد شتاتها وأحيى به الأعلام من الإسلام بعد دروسها.» [١]
стр. 1717
خلافة المأمون
وفى هذه السنة ولّى المأمون كلّ ما كان طاهر بن الحسين افتتحه من كور الجبال وفارس والأهواز والبصرة والكوفة واليمن الحسن بن سهل أخا الفضل بن سهل، وذلك بعد مقتل محمد المخلوع ودخول الناس فى طاعة المأمون.
وفيها كتب المأمون إلى طاهر بن الحسين وهو مقيم ببغداد بتسليم جميع ما فى يده من الأعمال فى البلدان كلّها إلى خلفاء الحسن بن سهل وأن يشخص عن ذلك إلى الرقّة وجعل إليه حرب نصر بن شبث [١] وولّاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب، وقدم علىّ بن أبى سعيد العراق خليفة الحسن بن سهل على خراجها. فدافع طاهر عليّا بتسليم الخراج إليه حتّى وفّى الجند أرزاقهم. فلمّا وفّاهم سلّم إليه العمل.
وكتب المأمون إلى هرثمة يأمره بالشخوص إلى خراسان.
ودخلت سنة تسع وتسعين ومائة [١٢٩]
وفيها قدم الحسن بن سهل العراق من عند المأمون واليه الحرب والخراج، وفرّق عمّاله فى الكور والبلدان.
стр. 1718
خروج ابن طباطبا فى الكوفة دعوة إلى الرضا من آل محمد ﷺ والعمل بالكتاب والسنّة
وفيها خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علىّ بن أبى طالب ﵈ يدعو إلى الرضا من آل محمد والعمل بالكتاب والسنّة وهو الذي يقال له: ابن طباطبا، وكان القيّم بأمره فى الحرب وتدبيرها وقيادة جيوشه أبو السرايا واسمه السرى بن منصور.
ذكر السبب فى خروجه
كان سبب خروجه صرف المأمون طاهر بن الحسين عمّا كان إليه من أعمال البلدان التي افتتحها وتوجيهه إلى ذلك الحسن بن سهل أخا الفضل بن سهل. وذلك أنّ الناس بالعراق تحدّثوا بينهم أنّ الفضل بن سهل قد غلب على المأمون، وأنّه قد أنزله قصرا حجبه فيه عن أهل بيته ووجوه قوّاده ومن الخاصّة والعامّة، وأنّه يبرم الأمور على هواه ويستبدّ بالرأى دونه. فغضب لذلك من بالعراق من بنى هاشم ووجوه الناس وأنفوا من غلبة الفضل بن سهل على المأمون [١٣٠] واجترأوا على الحسن بن سهل بذلك، وهاجت الفتن فى الأمصار. فكان أوّل من خرج بالكوفة ابن طباطبا الذي ذكرت.
وكان سبب خروجه أنّ أبا السرايا كان من رجال هرثمة، فمطله بأرزاقه وأخّره بها. فغضب أبو السرايا ومضى إلى الكوفة فبايع ابن طباطبا واجتمع إلى ابن طباطبا الناس. فوجّه الحسن بن سهل زهير بن المسيّب فى أصحابه إلى الكوفة فى عشرة آلاف فارس وراجل، فتهيأوا للخروج إليه، فلم تكن
стр. 1719
بهم قوّة على الخروج. فأقاموا حتّى بلغ زهير قرية شاهي، [١] ثمّ واقعهم ابن طباطبا فهزمهم واستباح عسكرهم وأخذوا ما كان معه من مال وسلاح ودوابّ وغير ذلك.
فلمّا كان من غد ظفره بزهير واستباحته عسكره، مات فجأة، فتحدّث الناس أنّ أبا السرايا سمّه وأنّه إنّما فعل ذلك لأنّ ابن طباطبا لمّا أحرز ما فى عسكر زهير بن المسيّب من المال والسلاح والكراع، منعه أبا السرايا وحظره عليه، وكان الناس له مطيعين فعلم أبو السرايا أنّه لا أمر له فسمّه.
فلمّا مات ابن طباطبا أقام أبو السرايا [١٣١] مكانه غلاما أمرد حدثا وهو محمد بن محمد بن زيد بن علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب، ﵈. فكان أبو السرايا هو الذي ينفّذ الأمور.
وكان الحسن بن سهل قد وجّه عبدوس بن محمد بن أبى خالد المروروذىّ إلى النّيل حين وجّه زهيرا إلى الكوفة. فلمّا هزم أبو السرايا زهيرا خرج عبدوس يريد الكوفة بأمر الحسن بن سهل حتّى بلغ الجامع وزهير مقيم بالقصر، [٢] فتوجّه أبو السرايا إلى عبدوس فواقعه بالجامع فقتله وأسر هارون بن أبى خالد واستباح عسكره وكان فى أربعة آلاف، فلم يفلت منهم أحد كانوا بين قتيل وأسير.
وانتشر الطالبيّون وانحاز زهير إلى نهر الملك وأقبل أبو السرايا حتّى نزل قصر ابن هبيرة بأصحابه وكانت طلائعه تأتى كوثى. ثمّ وجّه أبو السرايا جيوشه إلى البصرة وواسط فدخلوها، وكان بواسط وأعمالها عبد الله بن سعيد الحرشي واليا عليها من قبل الحسن بن سهل، فواقعه جيش أبى السرايا قريبا من واسط فهزموه فانصرف راجعا إلى بغداد وقتل أصحابه وأسروا.
стр. 1720
فلمّا رأى الحسن بن سهل أنّ أبا السرايا يهزم عساكره [١٣٢] ولا يتوجّه إلى بلدة إلّا افتتحها ولم يجد فى قوّاده من يكفيه حربه، تذكّر هرثمة. وكان هرثمة لمّا قدم الحسن بن سهل العراق واليا من قبل المأمون سلّم إليه ما كان بيده من الأعمال وتوجّه نحو خراسان مغاضبا، فبلغ حلوان وبعث إليه الحسن السندي وصالحا صاحب المصلّى يسأله الانصراف إلى بغداد لحرب أبى السرايا فامتنع وأبى وقال:
- «تذكروننا عند البلاء.» فانصرف رسل الحسن إليه بإباءه وتمنّعه فأعاد إليه السندي بكتب لطيفة ورسائل تشبه الكتب، فأجاب وانصرف إلى بغداد فقدمها فى شعبان وتهيّأ للخروج.
وأمر الحسن علىّ بن أبى سعيد أن يخرج إلى ناحية المدائن وواسط والبصرة وتهيئوا لذلك وبلغ الخبر أبا السرايا وهو بقصر ابن هبيرة، فوجّه إلى المدائن فدخلها أصحابه فى شهر رمضان وتقدّم هو بنفسه حتّى نزل صرصر.
وكان هرثمة أنفذ منصور بن المهدى إلى الياسرية فخرج وعسكر بها. فلمّا قدم هرثمة خرج فعسكر بالسفينتين بين يدي منصور ثمّ شخص إلى نهر صرصر بإزاء أبى السرايا والنهر بينهما. [١٣٣] وتوجّه علىّ بن سعيد من طريق كلواذى إلى المدائن فقاتل أصحاب أبى السرايا وهزمهم وأخذ المدائن وبلغ أبا السرايا فرجع من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة وأصبح هرثمة فجدّ فى طلبه فوجد جماعة كبيرة فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل ثمّ صار إلى قصر ابن هبيرة فكانت بينه وبين أبى السرايا وقعة قتل فيها من أصحاب أبى السرايا خلق كثير وانحاز أبو السرايا إلى الكوفة.
فوثب محمد بن محمد ومن معه من الطالبيّين على دور بنى العبّاس