ولم يزل يدافع حتّى مضى عامّة النهار. وأمعن أبرويز وعلم أنّه قد فاتهم. ففتح الباب حينئذ، وأعلم بهرام بأمره. فانصرف به إلى جوبين، فحبسه في يد بهرام بن سياوش.
فأمّا بهرام جوبين فإنّه دخل المدائن، وجلس على سرير الملك، وجمع العظماء، فخطبهم وذمّ أبرويز، ودار بينهم كلام. فكان كلّهم منصرفا عنه إلّا أن بهرام تتوّج وانقاد له الناس خوفا.
ثمّ إنّ بهرام بن سياوش واطأ بندويه على الفتك بجوبين وظهر [١] جوبين على ذلك فقتله، وأفلت بندويه ولحق آذريبجان. وسار أبرويز حتى أتى أنطاكية، وكاتب ملك الروم منها [٢] وراسله بجماعة ممّن كان معه، وسأله نصرته، فأجابه إلى ذلك [٢٢٧] وانساقت الأمور بالمقادير، إلى أن زوّجه ابنته مريم وحملها إليه، وبعث إليه ب «تياذوس» [٣] أخيه ومعه ستّون ألف مقاتل، عليهم رجل يقال له:
سرجس [٤] يتولّى تدبير أمرهم، ورجل آخر يقال له: «الكمىّ» [٥]- كان يعدل بألف رجل- معظّم في الروم، وسأله ترك الإتاوة التي كان آباؤه يسألونها ملوك الروم، إذا هو ملّك. فاغتبط بهم أبرويز، وأراحهم خمسة أيّام، ثم عرضهم [٦] وعرّف [٧] عليهم العرفاء، وفي القوم تياذوس، وسرجس، والكمىّ الذي وصفناه، وسار بهم حتى نزل من آذربيجان في صحراء تدعى الدنق، فوافاه هناك بندويه ورجل من إصبهبذى الناحية- ويقال له: موسيل- في أربعين ألف مقاتل وانفضّ
стр. 212
إليه الناس بالخيل من إصبهان وخراسان وفارس، وانتهى إلى بهرام مكانه بصحراء الدنق، فشخص نحوه من المدائن، فجرت بينهما حرب شديدة قتل فيها الكمىّ الرومي [١] بضربة ضربه بها بعض الفرس على رأسه، فقدّ رأسه ويده، وعار [٢] فرسه بنصف بدنه الباقي إلى معركة أبرويز ومعسكره، [٢٢٨] فاستضحك أبرويز، وعظم ذلك على الروم حتى كثر الكلام فيه، وعوتب أبرويز، وقيل له:
- «هذا جزاؤنا منك، يقتل كميّنا وواحد عصره في طاعتك، وبين يديك، فتضحك؟» فاعتذر بأن قال:
- «إنى والله ما ضحكت لما تكرهون. ولقد شقّ علىّ أن فقدت مثله أكثر ممّا شقّ عليكم، ولكنّى رأيتكم تستصغرون شأن بهرام جوبين، وتنكرون هربي منه، فذكرت ذلك من قولكم الآن، وعلمت أنكم برؤيتكم هذه الضربة وأثرها على هذا الكمىّ تعذروننى وتعلمون يقينا أنّ هربي إنّما كان من أمثال هؤلاء القوم الذين هذا مبلغ نكايتهم في الأبطال.» ويقال: إنّ أبرويز حارب بهرام منفردا عن العسكر بأربعة عشر رجلا منهم كردى أخو بهرام، وبندويه وبسطام حربا شديدة وصل فيها بعضهم إلى بعض، والمجوس تحكى حكايات عظيمة لا فائدة في ذكرها مع امتناعها، وجملتها: أنّ أبرويز استظهر استظهارا أيس معه بهرام جوبين، [٢٢٩] وعلم أنّه لا حيلة له فيه، فانحاز عنه نحو خراسان، ثم صار إلى الترك، وصار أبرويز إلى المدائن بعد أن فرّق في الجنود من الروم أموالا عظيمة وصرفهم إلى ملك الروم.
ولبث بهرام في الترك مكرّما عند الملك، حتى احتال عليه أبرويز بتوجيه رجل يقال له هرمز: إلى الترك بجوهر نفيس وغيره، حتى احتال لخاتون امرأة
стр. 213
الملك، ولاطفها بذلك الجوهر وغيره من الهدايا حتى دسّت لبهرام من قتله. فاغتمّ خاقان لموته، وأرسل إلى أخته كردية وامرأته يعلمها [١] بلوغ الحادث ببهرام منه، ويسأل أن يتزوّجها وطلّق امرأته خاتون بهذا السبب، فأجابته كردية جوابا ليّنا، وضمّت من كان مع أخيها من المقاتلة إليها، وخرجت بهم من بلاد الترك إلى حدود مملكة فارس فأتّبعها ملك الترك أخاه بطرا [٢] في اثنى عشر ألف فارس.
فيقال: إنّ كردية قاتلت، وقتلت بطرا بيدها، ومضت لوجهها [٢٣٠] ، حتى تلقّتها خيول الفرس من الحدود. وكتبت إلى أخيها كردى، فأخذ لها أمانا من أبرويز. فلمّا قدمت عليه اغتبط بها، وتزوّج بها أبرويز.
ذكر سوء سياسة اتّفق على أبرويز في جنده حتى ظهر الروم عليه
لم يزل أبرويز يلاطف ملك الروم. الذي كان نصره، ويهاديه [٣] ، إلى أن وثبت الروم عليه في شيء أنكروه منه، فقتلوه وملّكوا غيره. فبلغ ذلك أبرويز، فامتعض، وأخذته الحفيظة، فآوى ابن الملك المقتول اللاجئ إليه، وتوّجه، وملّكه على الروم، ووجّه معه جنودا كثيفة مع شهر براز [٤] ، فدوّخ بهم البلاد، وملك صاحب كسرى بيت المقدس، وأخذ خشبة الصليب، وبعث بها إلى كسرى في أربع وعشرين سنة من ملكه. ثم احتوى على مصر، والإسكندرية، وبلاد نوبة، وبعث مفاتيح مدينة الإسكندرية إلى كسرى في سنة ثمان وعشرين من ملكه. وقصد قسطنطينية، فأناخ على ضفّة الخليج القريب منها، وخيّم [٥] هناك. فأمر كسرى فخرّب بلاد الروم، غضبا مما انتهكوا من ملكهم وانتقاما له، ولم يخضع لابن
стр. 214
ملكهم [٢٣١] المقتول أحد، ولا منحوا الطاعة، غير أنّهم قتلوا الملك الذي ملّكوه بعد أبيه المسمّى فوقا [١] لما ظهر من فجوره وسوء تدبيره، وملّكوا عليهم رجلا يقال له: هرقل [٢] . فلمّا رأى هرقل عظيم ما فيه بلاد الروم من تخريب جنود فارس إيّاها، وقتلهم مقاتلتهم، وسبيهم ذراريّهم، واستباحتهم أموالهم، تضرّع إلى الله، وأكثر الدعاء والإبتهال.
فيقال: إنّه رأى في منامه رجلا ضخم الجثّة رفيع المجلس، عليه [بزّة، قائما في ناحية عنه] [٣] ، فدخل عليهما داخل، فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال لهرقل:
- «إنى قد سلّمته في يدك.» فلم يقصص رؤياه تلك في يقظته على أحد حتى توالت عليه أمثاله. فرأى بعض لياليه: كأنّ رجلا دخل عليهما وبيده سلسلة طويلة، فألقاها في عنق صاحبه، أعنى صاحب المجلس الرفيع عليه [٤] ، ثم دفعه إليه وقال له:
- «ها قد دفعت إليك كسرى برمّته.» فلمّا تتابعت هذه الأحلام، قصّها على عظماء الروم وذوى العلم منهم، فأشاروا [٢٣٢] عليه أن يغزوه. فاستعدّ هرقل، واستخلف ابنه على مدينة قسطنطينية، وأخذ عن الطريق الذي فيه شهريار صاحب كسرى، وسار حتى وغل في بلاد أرمينية، ونزل نصيبين سنة، وقد كان صاحب ذلك الثغر من قبل كسرى قد استدعى لموجدة كانت من كسرى عليه. وأمّا شهربراز فقد كانت كتب كسرى ترد عليه في الجثوم على الموضع الذي هو به [وترك البراح منه] [٥] . ثم بلغ
стр. 215
كسرى تساقط [١] هرقل في جنوده إلى نصيبين. فوجّه لمحاربة هرقل رجلا من قوّاده يقال له: راهزاذ [٢] ، في اثنى عشر ألف رجل من الأنجاد، وأمره أن يقيم بنينوى- وهي التي تدعى الآن الموصل- على شاطئ دجلة، ويمنع الروم أن يجوزوها.
وكان كسرى بلغه خبر هرقل، وأنّه مغذّ، وهو يومئذ مقيم بدسكرة الملك. فنفذ راهزاذ لأمر كسرى، وعسكر حيث أمره. فقطع هرقل دجلة في موضع آخر، إلى الناحية التي كان فيها جند فارس. فأذكى راهزاذ [٢٣٣] العيون عليه، فانصرفوا إليه، فأخبروه أنّه في سبعين ألف مقاتل، فأيقن راهزاذ ومن معه من الجند، أنّهم عاجزون عن مناهضته. فكتب إلى كسرى غير مرّة دهم هرقل إياه بمن لا طاقة له ولمن معه بهم، لكثرتهم وحسن عدّتهم. كل ذلك يجيبه كسرى بأنّه إن عجز عن الروم فلن يعجز عن استقتالهم [٣] وبذل دمائهم في طاعته.
فلمّا تتابعت على راهزاذ جوابات كسرى بذلك، عبّى جنده وناهض الروم بهم. فقتلت الروم راهزاذ وستة آلاف رجل، وانهزمت بقيّتهم وهربوا على وجوههم. وبلغ كسرى قتل الروم راهزاذ وما نال هرقل من الظفر، فهدّه ذلك، وانحاز من دسكرة الملك إلى المدائن، وتحصّن بها لعجزه كان عن محاربة هرقل، وسار هرقل حتّى كان قريبا من المدائن. فلما تساقط إلى كسرى خبره واستعدّ لقتاله انصرف إلى أرض الروم. وكتب كسرى إلى قوّاد الجند الذين انهزموا، يأمرهم أن يدلّوه [٢٣٤] على كلّ رجل منهم ومن أصحابه، ممن فشل في تلك الحرب ولم يرابط مركزه فيها، فأمر بأن يعاقب بحسب ما استوجب. فأحوجهم [٤] بهذا الكتاب إلى الخلاف عليه وطلب الحيل لنجاة أنفسهم منه. وكتب إلى شهربراز
стр. 216
يأمره بالقدوم عليه ويستعجله في ذلك، ويصف له ما نال هرقل منه ومن بلاده [١] .
وقد حكى: أنّ كسرى عرف امرأة في فارس لا تلد إلّا الملوك الأبطال، فدعاها وقال:
- «إنى أريد أن أبعث إلى الروم جيشا، وأستعمل عليهم رجلا من بنيك، فأشيرى علىّ: أيّهم أستعمل؟» فوصفت أولادها فقالت:
- «هذا فرّخان أنفذ من سنان، وهذا شهربراز أحكم من كذا، وهذا فلان أروغ من كذا.» فاستعمل شهربراز. فسار إلى الروم، فظهر عليهم وهزمهم وخرّب مدائنهم.
فلمّا ظهرت فارس على الروم، جلس فرّخان يشرب، فقال لأصحابه:
- «لقد رأيت كأنى جالس على سرير كسرى.» [٢٣٥] فبلغت كسرى، وكتب إلى شهربراز:
- «إذا أتاك كتابي هذا، فابعث إلىّ برأس فرّخان.» فكتب إليه:
- «أيّها الملك، إنّك لن تجد مثل فرّخان، فانّ له نكاية في العدوّ وصوتا، فلا تفعل.» فكتب إليه:
- «إنّ في رجال فارس خلفا منه، فعجّل علىّ برأسه.» فراجعه، فغضب كسرى ولم يجبه، وبعث بريدا إلى أهل فارس:
- «إنى قد نزعت عنكم شهربراز، واستعملت عليكم فرّخان.» ثمّ دفع إلى البريد صحيفة صغيرة وقال:
стр. 217
- «إذا ولى فرّخان الملك، وانقاد له أخوه، فأعطه.» فلما قرأ شهر براز الكتاب قال:
- «سمعا وطاعة.» ونزل عن السرير، وجلس فرّخان، ودفع الصحيفة إليه، فقال:
- «ايتوني بشهربراز.» فقدّمه ليضرب عنقه، فقال:
- «لا تعجل، حتى أكتب وصيّتى.» قال: «افعل!» فدعا بسفط وأعطاه ثلاث صحائف، وقال:
- «كلّ هذا راجعت فيك كسرى وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد!» فردّ الملك على أخيه.
فكتب شهربراز إلى قيصر [٢٣٦] ملك الروم:
- «إنّ لى حاجة لا تحملها البرد ولا تبلّغها الصحف. فالقنى، ولا تلقني إلّا في خمسين روميا، فإنّى [١] أيضا ألقاك في خمسين فارسيا.» فأقبل قيصر في خمسمائة رومىّ، وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به حتّى أتاه عيونه أنه: ليس معه إلّا خمسون رجلا. ثمّ بسط لهما، والتقيا في قبّة ديباج ضربت لهما، واجتمعا ومع كلّ واحد منهما سكّين، ودعوا ترجمانا بينهما.
فقال شهربراز:
- «إنّ الذين خرّبوا مدينتك، وبلغوا منك ومن جندك [٢] ما بلغوا أنا وأخى بشجاعتنا وكيدنا، وإنّ كسرى حسدنا، فأراد أن أقتل أخى فأبيت، ثمّ أمر أخى أن
стр. 218
يقتلني. فقد خلعناه جميعا، فنحن نقاتله معك.» قال: «قد أصبتما ووفّقتما.» ثمّ أشار أحدهما [١] إلى صاحبه: أنّ السرّ إنّما يكون بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فشا.
قال صاحبه: «أجل!» فقاما جميعا إلى الترجمان بسكّينهما، فقتلاه! واتّفقا على قتال كسرى. [٢٣٧]
فممّا اتفق في أيّام كسرى من الحوادث التي تستفاد منها تجربة ما كان من يوم ذى قار وحرب العرب والفرس
وكان سبب ذلك قتل النعمان بن المنذر اللخمي، قتله كسرى لأسباب نذكر جملها إن شاء الله:
كان عدىّ بن زيد العبادىّ وابنه زيد بن عدىّ سبب ولاية النعمان وسبب هلاكه جميعا.
قتل النعمان بن المنذر وأسبابه
وذلك أنّ عديّا وأخويه- وهما: عمار، وعمرو، ويعرف عمار ب «أبىّ» ، وعمرو ب «سمىّ» - كانوا في خدمة الأكاسرة [٢] ، ولهم من جهتهم قطائع. وكان قابوس الأكبر عمّ النعمان وإخوته، بعث إلى كسرى أبرويز بعدىّ بن زيد وأخويه، ليكونوا في كتّابه يترجمون له.
فلمّا مات المنذر بن المنذر ترك من أولاده اثنى عشر رجلا، وهم الأشاهب،
стр. 219
سمّوا بذلك لجمالهم، وفيهم يقول الأعشى:
فبنو المنذر الأشاهب بالحيرة ... يمشون غدوة كالسيوف [١]
فجعل المنذر ابنه النعمان في حجر [٢] عدىّ، وجعل ابنه الأسود في حجر رجل [٢٣٨] يقال له: عدىّ بن أوس بن مرينا. وبنو مرينا قوم لهم شرف وهم من لخم، وبنو المنذر الباقون، وهم عشرة، مستقلّون بأنفسهم.
وكان المنذر جعل على أمره كلّه، إياس بن قبيصة الطائي، فكان في مكانه أشهرا يدبّر أمر العرب كلّه. وطلب كسرى من يملّكه على العرب، فدعا عدىّ بن زيد فقال له:
- «من بقي من بنى المنذر، وما هم، وهل فيهم خير؟» فقال: «بقيتهم من ولد هذا الميت- يعنى المنذر بن المنذر- وهم رجال نجباء.» فكتب إليهم، فقدموا عليه، فأنزلهم على عدىّ بن زيد. فكان عدىّ يفضّل اخوة النعمان عليه في النزل [٣] ، ويريهم أنّه لا يرجوه، ويخلو بهم رجلا رجلا، ويقول لهم:
- «إن سألكم الملك: أتكفونني العرب؟ فقولوا: نكفيكهم إلّا النعمان.» وقال للنعمان:
- «إن سألك الملك عن إخوتك، فقل: إن عجزت عنهم فإنّى عن غيره أعجز.» وكان عدىّ بن أوس بن مرينا داهية أريبا. فكان يوصى الأسود بن المنذر ويقول له:
стр. 220
- «قد عرفت [٢٣٩] أنّى لك راج، وأنّ طلبتي ورغبتي إليك أن تخالف عدىّ بن زيد في ما يشير به عليك، فإنّه والله لا ينصح لك أبدا.» فلم يلتفت الأسود إلى قوله. فلمّا أمر كسرى عدىّ بن زيد أن يدخلهم عليه، جعل يدخلهم رجلا رجلا فيكلّمه. فكان الملك كسرى يرى رجالا قلّ ما رأى مثلهم. فإذا سألهم:
- «هل تكفوننى ما كنتم [١] تلون؟» قالوا: «نكفيك العرب إلّا النعمان.» فلمّا دخل النعمان عليه، رأى رجلا دميما [٢] قصيرا أحمر، فكلّمه، وقال:
- «أتستطيع أن تكفيني العرب؟» قال: «نعم.» قال: «وكيف تصنع بإخوتك؟» قال: «أيّها الملك، إن عجزت عنهم، فأنا عن غيرهم أعجز.» فملّكه، وكساه، وألبسه تاجا قيمته ستّون ألف درهم فيه اللؤلؤ، والذهب. فلمّا خرج وهو ملك على العرب، قال عدىّ بن أوس بن مرينا للأسود:
- «دونك، فإنّك خالفت الرأى.» ثم إنّ عدىّ بن زيد صنع طعاما في بيعة، وأرسل إلى ابن مرينا أن: ائتنى مع من أحببت، فإنّ لى حاجة. فأتاه في ناس، فتغدّوا في البيعة غداءهم المعدّ، وشربوا. [٢٤٠] فقال عدىّ بن زيد لعدىّ بن أوس:
- «يا عدىّ! إنّ أحقّ من عرف الحقّ ثمّ لم يلم عليه، من كان مثلك. إنّى عرفت أنّ صاحبك الأسود بن المنذر كان أحبّ إليك من أن يملك من صاحبي النعمان، فلا تلمني على شيء كنت على مثله، وأنا أحبّ ألّا تحقد علىّ شيئا لو قدرت
стр. 221
عليه ركبته، وأحبّ أن تعطيني من نفسك ما أعطيك من نفسي، فإنّ نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك.» فقام عدىّ بن زيد إلى البيعة، فحلف ألّا يهجوه، ولا يبغيه غائلة أبدا، ولا يزوى عنه خيرا. فلمّا فرغ عدىّ بن زيد، قام ابن مرينا فحلف على مثل يمينه ألّا يزال يهجوه [١] أبدا، ويبغيه الغوائل ما بقي.
وخرج النعمان حتى نزل منزله بالحيرة، وافترق العديّان على وحشة كما ذكرت.
حيلة لعدىّ بن أوس على عدىّ بن زيد
فقال عدىّ بن مرينا للأسود:
- «وإذا لم تظفر [٢] ، فلا تعجز أن تطلب بثأرك من هذا المعدّى الذي عمل بك ما عمل. فقد كنت أخبرك أنّ معدّا لا ينام مكرها، وأمرت أن تخالفه فعصيتني.» قال: «فما تريد؟» قال: «أريد أن لا [٢٤١] تأتيك فائدة من مائك وأرضك إلّا عرضتها علىّ.» ففعل. وكان ابن مرينا كثير المال واسع الضيعة. فلم يمرّ به يوم إلّا بعث فيه إلى النعمان هديّة أو تحفة. فلمّا توالى ذلك وكثر عند النعمان هدايا ابن مرينا صار من أكرم الناس عليه، وكان لا يقضى في ملكه شيئا إلّا بأمر ابن مرينا، وكان إذا ذكر عدىّ بن زيد عنده أحسن ابن مرينا الثناء عليه، وذكر فضله وقال:
- «إنّه لا يصلح المعدىّ إلّا أن يكون فيه مكر وخديعة.» فلمّا رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن مرينا عنده، لزموه وتابعوه [٣] ، فجعل
стр. 222
يقول لمن يثق به من أصحابه:
- «إذا رأيتمونى أذكر عدىّ بن زيد عند الملك بخير، فقولوا: إنّه لكما يقول، ولكنّه لا يسلم عليه أحد، وإنّه يقول: إنّ الملك- يعنى النعمان- إنّما هو عامله، وإنّه هو الذي ولّاه ما ولّاه.» ولم يزالوا بهذا وأشباهه، حتى أضغنوه عليه. ثمّ إنّهم كتبوا كتابا عن عدىّ إلى قهرمان [١] كان له، ودسّوا له حتّى أخذ الكتاب، وأتى به النعمان، فقرأه وأغضبه.
[٢٤٢] فأرسل إلى عدىّ بن زيد:
- «عزمت عليك إلّا زرتنى، فإنّى قد اشتقت إليك.» وهو عند كسرى.
فاستأذن كسرى، فأذن له. فلمّا أتاه، لم ينظر إليه، حتى حبس في محبس لا يدخل عليه فيه أحد. فجعل عدىّ بن زيد يقول الشعر، ويبلغه النعمان، وكان أوّل ما قاله في السجن:
ليت شعري عن الهمام ويأتي ... ك بخبر الأنباء عطف السّؤال [٢]
وقال أشعارا كثيرة [٣] ، وكان كلما قال عدىّ من الشعر شيئا بلغ النعمان وسمعه، فندم على حبسه إيّاه، وعلم أنّه كيد فيه. فكان يرسل إليه، ويعده ويمنّيه، ويفرق [٤] أن يرسله [٥] فيبغيه الغوائل. فلمّا طال سجن عدىّ وأعياه التضرّع إلى النعمان بالأشعار التي يستعطفه فيها مرّة ويخبره فيها بما كيد به مرّة، ومرّة يذكّره
стр. 223
بالموت، ويخبره بهلاك من هلك قبله، كتب إلى أخيه أبىّ وهو مع كسرى:
أبلّغ [١] أبيّا على نأيه ... فهل ينفع المرء ما قد علم [٢٤٣]
بأنّ أخاك شقيق الفؤا ... د كنت به واثقا [٢] ما سلم
لدى ملك موثق في الحدي ... د إمّا بحقّ وإمّا ظلم
فلا أعرفنك كذات الغلا ... م [٣] ما [٤] لم تجد عارما [٥] تعترم
فأرضك أرضك إن تأتنا ... تنم نومة ليس فيها حلم
فكتب إليه أخوه:
إن يكن خانك الزّمان فلا عا ... جز قوم ولا ألفّ [٦] ضعيف
ويمين الإله لو أنّ جأوا [٧] ... ء طحونا [٨] تضيء فيها السيوف
ذات رزّ [٩] مجتابة غمرة المو ... ت صحيح سربالها [١٠] مكفوف [١١]
стр. 224
كنت في حميها لجئتك أسعى ... فاعلمن لو سمعت إذ تستضيف [١]
إن تفتني والله ألف جزوعا ... لا يعفّيك ما يصوت الخريف
فلعمرى لئن جزعت عليه ... لجزوع على الصّديق أسوف
ولعمري لئن ملكت عزائى ... لقليل شرواك [٢] في ما أطوف
كسرى يكتب في إرسال عدىّ وعدىّ يقتل
ويقال: إنّ عديّا لما كاتب أبيّا، قام أبىّ، فدخل على كسرى، فكلّمه، فكتب له وبعث معه رجلا، وأذن له في المسير لاستنقاذ أخيه. فكتب خليفة النعمان المقيم بباب الملك إليه أنّه: قد كتب إليك في أمر عدىّ. فأتاه أعداء [٢٤٤] عدىّ من غسّان، فأشاروا على النعمان بقتل عدىّ.
وقالوا: «افرغ منه الساعة.» فأبى عليهم، وجاء الرجل، وكان تقدّم أخو عدىّ إليه فرشاه، وأمره أن يبدأ بعدىّ. فدخل عليه وهو محبوس وكان قال له:
- «ابدأ بالدخول إليه في الحبس فانظر ما يأمرك به.» فلمّا دخل الرسول على عدىّ قال له:
- «إنّى قد جئتك بإرسالك [٣] فما عندك؟» قال: «عندي الذي تحبّ.» ووعده، وسأله ألّا يخرج من عنده، وقال:
- «أعطنى الكتاب حتى أرسل به أنا، فإنّك إن خرجت من عندي، قتلت.» فقال الرسول: «لا أستطيع إلّا أن آتى النعمان بالكتاب فأوصله بنفسي إليه.»
стр. 225
فانطلق مخبر [١] ، فأتى النعمان، فقال:
- «إنّ رسول كسرى قد دخل على عدىّ وهو ذاهب به، وإن فعل لم يستبق [٢] منّا أحدا، ولم تنج أنت ولا غيرك.» فبعث إليه النعمان بأعدائه، فغمّوه حتى مات، ثم دفنوه.
ودخل الرسول على النعمان بالكتاب.
فقال: «نعم وكرامة وسمعا وطاعة.» وبعث إلى الرسول بأربعة آلاف مثقال [٢٤٥] ذهبا، وجارية، وقال له:
- «إذا أصبحت فادخل عليه وأخرجه أنت بنفسك.» فلما أصبح ركب، فدخل السجن، فقال له الحرس:
- «إنّه قد مات منذ أيام، فلم نجترئ على أن نخبر الملك النعمان فرقا منه، لعلمنا بكراهيته لذلك.» فرجع الرسول إلى النعمان فقال:
- «إنّى كنت بدأت به، فدخلت إليه وهو حىّ.» فقال النعمان: «يبعثك الملك إلىّ فتدخل إليه قبلي! كذبت ولكنّك أردت الرشوة والخبث.» وتهدّده. ثمّ إنه استدعاه بعد ذلك، وزاده جائزة وكسوة، وأكرمه واستوثق منه أن لا يخبر الملك، إلّا أنّه قد مات قبل أن يقدم عليه. فرجع الرسول إلى كسرى، فقال:
- «إنه مات قبل أن أدخل عليه.»
стр. 226
زيد بن عدىّ يخلف أباه عند كسرى
وندم النعمان على قتل عدىّ ندامة شديدة، واجترأ أعداء عدىّ على النعمان، وهابهم النعمان هيبة شديدة، فخرج النعمان في بعض صيده ذات يوم، فلقى ابنا لعدىّ يقال له: زيد. فلمّا رآه عرف شبهه، فقال:
- «من أنت؟» فقال: «أنا زيد بن عدىّ بن زيد.» فكلّمه، فإذا [٢٤٦] غلام ظريف، ففرح به فرحا شديدا، وقرّبه، واعتذر إليه من أمر أبيه، ثمّ جهّزه وكتب إلى كسرى:
«إنّ عديّا كان ممّن أعين به الملك في نصحه ولبّه، فأصابه ما لا بدّ منه وانقضت مدّته وانقطع أجله، ولم يصب به أحد أشدّ من مصيبتي، وأمّا الملك فلم يكن ليفقد رجلا من عبيده إلّا جعل الله له منه خلفا لما عظم الله من ملكه وشأنه، وقد أدرك له ابن ليس دونه وقد سرّحته إلى الملك. فإن رأى أن يجعله مكان أبيه ويصرف عمّه إلى عمل آخر فعل.» فكان هو الذي يلي ما يكتب إلى أرض العرب وخاصّة الملك، وكانت له من العرب وظيفة في كلّ سنة من الأفراس المهارة [١] ، ومن الكمأة الرطبة واليابسة، والأقط [٢] ، والأدم، وسائر تجارات العرب. وكذلك كان عدىّ بن زيد له هذه الرسوم.
فلمّا وقع عند الملك هذا الموقع سأل عن النعمان، فأحسن الثناء عليه، فمكث سنوات بمنزلة أبيه، وأعجب به كسرى وكان يكثر الدخول إليه.
стр. 227
فرصة انتهزها زيد
فلمّا كان بعض [٢٤٧] دخلاته على كسرى جرى حديث النساء [١] ، وطلب الملك امرأة لها صفات ونعوت مكتوبة عند الملوك. وكان من رسم الملوك أن يطلب لهم جارية تجمع تلك النعوت في ممالكهم، فكتبت تلك الصفة. فدخل زيد على كسرى فكلّمه في ما دخل فيه، ثم قال:
- «إنّى رأيت الملك كتب في نسوة يطلبن له، فقرأت الصفة، وأنا خبير بآل المنذر، وعند عبدك النعمان من بناته وبنات عمّه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة.» قال: «فكتب فيهنّ.» فقال: «أيّها الملك، إنّ شرّ شيء في العرب وفي النعمان أنهم يتكرّمون- زعموا في أنفسهم- عن العجم. فأنا أكره أن يغيّبهنّ، وإن قدمت أنا عليه على معرفتي، لم يقدر على تغييبهنّ، فابعثني وابعث معى رجلا يفقه العربية.» فبعث معه رجلا جلدا حصيفا، فخرج به زيد، فجعل يكرم ذلك الرجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة. فلمّا دخل عليه، أعظم الملك وقال:
- «إنّه قد احتاج إلى نساء لأهله وولده، وأراد كرامتك [٢٤٨] وبعث إليك.
فقال: «وما هؤلاء النسوة؟» فقال: «هذه صفتهنّ قد جئنا بها.»
صفة جارية أهداها المنذر الأكبر إلى أنوشروان
وكانت الصفة أنّ المنذر الأكبر أهدى إلى أنوشروان جارية كان أصابها لمّا
الضحى، بضّة [١] المتجرّد، شموع [٢] للسيّد، ليست بخنساء [٣] ولا سعفاء [٤] ذليلة الأنف، عزيزة النفس، لم تغذ في بؤس، حييّة، وزينة، حليمة، ركينة، كريمة الخال، تقتصر بنسب أبيها دون فصيلتها، وبفصيلتها دون [٢٤٩] جماع قبيلتها، قد أحكمتها التجارب في الأدب، فرأيها رأى أهل الشرف، وعملها عمل أهل الحاجة، صناع الكفّين، قطيعة اللسان [٥] ، رهوة [٦] الصوت، تزين البيت وتشين العدوّ، إن أردتها اشتهت، وإن تركتها انتهت، تحملق عيناها، وتحمرّ وجنتاها، وتذبذب شفتاها وتبادرك الوثبة» .
فقبلها أنوشروان، وأمر بإثبات هذه الصفة في ديوانه، فلم يزالوا يتوارثونها حتّى أفضى ذلك إلى كسرى بن هرمز.
فقرأ عليه زيد هذه الصفة، فشقّ عليه، فقال لزيد وللرسول:
- «أما في عين السواد وفارس ما تبلغون به حاجتكم!» فقال الرسول لزيد: «ما العين؟» فقال: «البقر.» فقال زيد للنعمان: «إنّما أراد كرامتك، ولو علم أنّه يشقّ عليك لم يكتب به إليك.» فأنزلهما يومين، ثمّ كتب إلى كسرى:
стр. 230
- «إنّ الذي طلب الملك ليس عندي.» وقال لزيد:
- «اعذرنى عنده.» فلما رجعا إلى كسرى، قال زيد للرسول الذي جاء معه:
- أصدق الملك، الذي سمعت منه، فإنّى سأحدّثه بحديثك، ولا أخالفك فيه.» فلمّا دخلا [٢٥٠] على كسرى قال زيد: «هذا كتابه.» فقرأه عليه.
فقال كسرى: «فأين ما كنت خبّرتنى به؟» فقال: «قد كنت أخبرتك بضنّهم بنسائهم على غيرهم، وإنّ ذلك من شقائهم:
اختيارهم الجوع والعرى على الشبع والرياش، واختيارهم السّموم والرياح على طيب أرضك هذه، حتى إنّهم ليسمّونها السجن، فسل هذا الرسول معى عن الذي قال، فإنّى أكره أن أحكى للملك قوله أو أردّ عليه ألفاظه.» فقال للرسول: «ما قال؟» قال: «انّه قال- أيّها الملك-: أما في بقر السواد ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا؟» فعرف الغضب في وجهه، ووقع في قلبه منه ما وقع، ولكنّه قال:
- «ربّ عبد قد قال هذا، فصار أمره إلى التباب.»
كسرى يدعو النعمان وهو يحمل السلاح
وشاع هذا الكلام، فبلغ النعمان وسكت كسرى على ذلك أشهرا، وجعل النعمان يستعدّ ويتوقّع حتّى أتاه كتابه أن:
- «أقبل، فإنّ للملك إليك حاجة.» فانطلق حين أتاه كتابه، فحمل سلاحه وما قوى عليه، ثمّ لحق بجبلي طيّء، وكانت عنده فرعة بنت سعد بن حارثة بن لأم [٢٥١] وقد ولدت له رجلا وكانت
стр. 231
عنده أيضا زينب بنت أوس بن حارثة. فأراد النعمان طيّئا على أن يدخلوه ويمنعوه، فأبوا ذلك وقالوا:
- «لولا صهرك لقاتلناك، فإنّه لا حاجة لنا في معاداة كسرى.» فأقبل ليس أحد من الناس يقبله، حتى نزل بذي قار، في بنى شيبان سرّا، فلقى هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود، وكان سيّدا منيعا، وكان كسرى قد أطعم قيس بن مسعود الأبلّة. فكره النعمان لذلك أن يدفع إليه أهله، وعلم أنّ هانئا مانعه ممّا يمنع منه نفسه، فأودعه سلاحه، وتوجّه بنفسه إلى كسرى، فلقى زيد بن عدىّ على قنطرة ساباط.
فقال: «انج نعيم!» فقال: «أنت يا زيد فعلت هذا، أما والله لئن انفلتّ لأفعلنّ بك ولأصنعنّ.» فقال له زيد: «امض نعيم! فقد- والله- وضعت لك عنده آخيّة [١] لا يقلعها المهر [٢] الأرن [٣] .
فلما بلغ كسرى أنه بالباب، بعث إليه، فقيّده، وأنفذه إلى خانقين، فلم يزل في السجن حتى وقع الطاعون، فمات فيه، والناس يظنّون أنّه [٢٥٢] مات بساباط، لبيت [٤] قاله الأعشى. والصحيح ما قلناه.
إياس وما أدّى إلى يوم ذى قار
وأمر كسرى إياس بن قبيصة الطائي أن يضمّ ما كان النعمان ينظر فيه، ويجمع ماله ويبعث به إليه. فبعث إياس إلى هانئ أن:
стр. 232
- «أرسل ما استودعك النعمان من السلاح وغيره.» وكان ثمانمائة درع. فأبى هانئ أن يسلّم خفارته.
فلمّا منعها هانئ غضب كسرى، وأظهر أنّه يستأصل بكر بن وائل وعنده يومئذ النعمان بن زرعة التغلبي- وهو يحبّ هلاك بكر بن وائل- فقال لكسرى:
- «يا خير الملوك، أدلّك على غرّة بكر بن وائل؟» قال: «نعم.» قال: «أمهلها حتّى تقيظ [١] ، فإنّهم يجتمعون إلى مآلهم يقال له: ذو قار، فيتساقطون عليه تساقط الفراش في النار، فتأخذهم كيف شئت، وأنا أكفيكهم.» فترجم له، فأقرّهم، حتى إذا قاظوا جاءت بكر بن وائل، فنزلت حنو ذى قار، وهو على ليلة من ذى قار [٢] . فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة أن: اختاروا واحدا من ثلاث خصال. فنزل النعمان على هانئ وقال:
«أنا رسول الملك إليكم، أخيّركم في ثلاث [٢٥٣] خصال: إمّا أن تعطوا بأيديكم فيحكم الملك فيكم بما شاء، وإمّا أن تدعوا الديار، وإمّا أن تأذنوا بحرب.» فتآمروا، فولّوا أمورهم حنظلة بن ثعلبة بن سيّار العجلى، وكانوا يتيمّنون به، فقال:
- «لا أرى إلّا القتال، لأنّكم إن أعطيتم بأيديكم، قتلتم، وسبيت ذراريكم، وإن هربتم قتلكم العطش، وتلقّاكم تميم فتهلككم، فآذنوا الملك بحرب.» فبعث الملك كسرى إلى إياس، وإلى الهامرز [٣] التستري، وكان مسلحه [٤]
стр. 233
بالقطقطانية [١] وإلى جلابزين [٢] وكان مسلحه ببارق. وكتب إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذى الجدّين- وكان كسرى استعمله على طفّ سفوان [٣]- أن يوافوا إياسا، فإذا اجتمعوا، فإياس على الناس. وجاءت الفرس ومعها الجنود والفيول عليها الأساورة، وقد بعث النبي- ﷺ .
فقال- ﵇:
- «اليوم انتصفت العرب من العجم [٤] .» فحفظ ذلك اليوم، فإذا هو يوم الوقعة.
رأى جيّد رآه قيس بن مسعود لهانئ [٢٥٤]
لمّا دنت جيوش الفرس بمن معهم انسلّ قيس بن مسعود ليلا، فأتى هانئا فقال:
- «أعط قومك سلاح النعمان فيقووا، فإن هلكوا كان تبعا لنفوسهم وكنت قد أخذت بالحزم، وإن ظفروا ردّوه عليك.» ففعل، وقسم الدروع والسلاح في ذوى القوى والجلد من قومه، فلمّا دنا الجمع من بكر بن وائل، قال لهم هانئ:
- «يا معشر بكر، إنّه لا طاقة لكم بجنود كسرى ومن معهم من العرب، فاركبوا الفلاة.» فتسارع الناس إلى ذلك، فوثب حنظلة بن ثعلبة بن سيّار. فقال:
стр. 234
- «إنّما أراد نجاتنا، فلم يزد على أن ألقانا في الهلكة.» فردّ الناس، وقطع وضن الهوادج لئلّا تستطيع بكر أن تسوق نساءها إن هربوا [١] ، فسمّى: «مقطّع الوضن [٢] .» فضرب حنظلة على نفسه قبّة ببطحاء ذى قار، وآلى: لا يفرّ حتى تفرّ القبّة.
فمضى من مضى من الناس ورجع أكثرهم، واستقرى [٣] ماء لنصف شهر. فأتتهم العجم، فقاتلتهم بالحنو، فجزعت العجم من العطش، ولم تقم لمحاصرتهم فهربت إلى الجبابات [٤] فتبعتهم [٥] بكر وعجل أوائل بكر، [٢٥٥] فتقدّمت عجل، وأبلت يومئذ بلاء حسنا، واضطمّت عليهم جنود العجم، فقال الناس: هلكت عجل. ثمّ حملت بكر، فوجدت عجلا ثابتة تقاتل، وامرأة تقول:
إن يظفروا يجوّزوا [٦] فينا الغرل [٧] ... إيها [٨] فداء لكم بنى عجل
وتقول أيضا:
إن تهزموا نعانق ... ونفرش النّمارق [٩]
стр. 235
أو تهربوا نفارق ... فراق غير وامق [١]
فقاتلوهم بالجبابات يوما، فعطش العجم، فمالوا إلى بطحاء ذى قار.
فأرسلت إياد إلى بكر سرّا- وكانوا مع إياس عونا على بكر-:
- «أىّ الأمرين أعجب إليكم: أن نطير تحت ليلتنا فنذهب، أو نقيم، ونفرّ حين تتلاقون؟» قالوا: «بل تقيمون، فإذا التقى القوم انهزمتم بهم.» فصبّحتهم بكر بن وائل والظعن [٢] واقفة يذمرن [٣] الرجال على القتل. فقال يزيد بن حمار السكوني وكان حليفا لبنى شيبان:
- «يا بنى شيبان، أطيعونى واكمنوا [٤] لهم كمينا.» ففعلوا، فكمنوا في مكان من ذى قار يسمّى إلى اليوم «الخبء [٥] .» فاجتلدوا على [٦] ميمنة إياس بن قبيصة وفيها [٧] الهامرز، وعلى ميسرته وفيها [٨] الجلابزين [٢٥٦] ، وعلى ميمنة هانئ بن قبيصة رئيس بكر يزيد بن مسهر الشيبانى، وعلى ميسرته حنظلة بن ثعلبة بن سيّار العجلى وحنظلة يرتجز ويقول:
قد شاع أشياعكم فجدّوا ... ما علّتى وأنا شيخ جلد [٩]
стр. 236
والقوس فيها وتر عردّ [١] ... مثل ذراع البكر أو أشدّ
ثمّ صيّروا الأمر بعد هانئ إلى حنظلة. فمال إلى مارية ابنته وهي أمّ عشرة نفر، فقطع وضينها، فوقعت على الأرض، وقطع وضن النساء، فوقعن على الأرض.
ونادت بنت القرين الشيبانيّة حين وقعت النساء إلى الأرض:
ويها بنى شيبان صفّا بعد صفّ ... إن تهزموا يصبّغوا [٢] فينا القلف [٣]
فقطع سبعمائة من بنى شيبان أيدى أقبيتهم من قبل مناكبهم، لتخفّ أيديهم بالضرب، فجالدوهم، ونادى الهامرز لمّا رأى جدّ القوم وثباتهم للحرب وصبرهم للموت:
- «مرد ومرد!» فقال برد بن حارثة اليشكري: «ما يقول؟» قال: «يدعو إلى البراز ويقول: رجل ورجل.» فقال: «وأبيكم لقد أنصف.» [٢٥٧] وبرز له برد، فلم يلبث برد أن تمكّن من الهامرز فقتله، ونادى حنظلة بن ثعلبة:
- «يا قوم، لا تقفوا لهم فيستغرقكم النشّاب.»
стр. 237
فحملت ميسرة بكر- وعليها حنظلة- على ميمنة الجيش، وقد قتل الهامرز رئيسهم، قتله برد، وحملت ميمنة بكر- وعليها يزيد بن مسهر- على ميسرة الجيش، وعليهم الجلابزين، وخرج الكمين من خبء ذى قار من ورائهم [وعليهم] [١] يزيد بن حمار، فشدّوا على قلب الجيش، وفيهم إياس بن قبيصة وولّت إياد منهزمة كما وعدتهم. وانهزمت الفرس واتّبعوهم يسعون، لم ينظروا إلى سلب ولا إلى شيء حتّى تعارفوا «بأدم» - موضع قريب من ذى قار- فوجد ثلاثون فارسا، من عجل ومن سائر بكر ستون فارسا وقتلوا جلابزين، قتله حنظلة بن ثعلبة، وذلّت الفرس بعد ذلك، وذلّ أمرهم.
ذكر حيلة لأبرويز على ملك الروم
كان أبرويز وجّه رجلا من جلّة أصحابه في جيش جرّار إلى بلاد الروم [٢٥٨] فنكا فيهم، وبلغ منهم، وفتح الشامات وبلغ الدرب في آثارهم فعظم أمره وخافه أبرويز. فكاتبه بكتابين أمره في أحدهما أن يستخلف على جيشه من يثق به ويقبل إليه، ويأمره في الآخر أن يقيم بموضعه، فإنّه لما تدبّر أمره وأجال الرأى، لم يجد من يسدّ مسدّه، ولم يأمن الخلل، إن غاب عن موضعه، وأرسل بالكتابين رسولا من ثقاته وقال له:
- «أوصل الكتاب الأول بالأمر بالقدوم، فإن خفّ لذلك فهو ما أردت، وإن كره وتثاقل عن الطاعة، فاسكت عليه أيّاما، ثمّ أعلمه أنّ الكتاب الثاني ورد عليك، وأوصله إليه ليقيم بموضعه.» فخرج رسول كسرى حتى ورد على صاحب الجيش ببلاد الشام، فأوصل الكتاب إليه، فلمّا قرأه قال:
стр. 238
- «إمّا أن يكون كسرى قد تغيّر لى وكره موضعي، أو يكون قد اختلط عقله بصرف مثلي وأنا في بحر العدوّ.» فدعا الأصحاب وقرأ عليهم الكتاب فأنكروه. فلمّا كان بعد ثلاثة أيّام، أوصل الكتاب الثاني بالمقام، وأوهمه أنّ رسولا [٢٥٩] ورد به، فلمّا قرأه قال: «هذا تخليط.» ولم يقع منه موقعا، ودسّ إلى ملك الروم من ناظره في إيقاع صلح بينهما، على أن يخلّى الطريق لملك الروم، حتّى يدخل بلاد العراق على غرّة من كسرى، وعلى أنّ لملك الروم ما تغلّب عليه من دون العراق، وللفارسي ما وراء ذلك إلى بلاد فارس.
فأجابه ملك الروم إلى ذلك وتنحّى الفارسي عنه في ناحية من الجزيرة، وأخذ أفواه الطرق، فلم يعلم كسرى حتّى ورد خبر ملك الروم من ناحية قرقيسياء [١] ، وكسرى غير معدّ، وجنده متفرّقون في أعماله. فوثب من سريره مع قراءة الخبر وقال:
- «هذا وقت حيلة لا وقت شدّة.» وجعل ينكت في الأرض مليّا. ثمّ دعا برقّ، وكتب فيه كتابا صغيرا بخطّ دقيق إلى صاحبه بالجزيرة يقول فيه:
- «قد علمت ما كنت أمرتك به من مواصلة صاحب الروم، وإطماعه في نفسك وتخلية الطريق له حتّى إذا تولّج في بلادنا أخذته من أمامه وأخذته أنت ومن ندبناه لذلك من خلفه، فيكون ذلك بواره، وقد تمّ في هذا الوقت ما دبّرناه، وميعادك [٢٦٠] في الإيقاع به يوم كذا!» ثمّ دعا راهبا كان في دير بجانب مدينته وقال له:
- «أىّ جار كنت لك؟»
стр. 239
قال: «أفضل جار.» قال: «قد بدت لنا إليك حاجة.» قال الراهب: «الملك أجلّ من أن يكون له حاجة إلى مثلي، ولكن عندي بذل نفسي في الذي يأمر به الملك.» قال كسرى: «تحمل لى كتابا إلى فلان صاحبي؟» قال: «نعم.» قال كسرى: «فإنّك تجتاز بأصحابك النصارى، فأخفه.» قال: «نعم.» فلمّا ولّى عنه الراهب قال له كسرى:
- «أعلمت ما في الكتاب؟» قال: «لا.» قال: «فلا تحمله حتّى تعلم ما فيه.» فلمّا قرأه أدخله في جيبه ثمّ مضى.
فلمّا صار في عسكر الروم ونظر إلى الصلبان والقسيسين وضجيجهم بالتقديس والصلوات احترق قلبه لهم وأشفق ممّا خاف أن يقع بهم. وقال في نفسه:
- «أنا شرّ الناس إن حملت بيدي حتف النصرانية، وهلاك هؤلاء الخلق.» فصاح: «أنا لم يحمّلنى كسرى رسالة ولا معى كتاب.» فأخذوه ووجدوا الكتاب معه.
وقد كان كسرى وجّه رسولا قبل ذلك اختصر الطريق حتّى مرّ بعسكر الروم وكأنّه رسول إلى كسرى [٢٦١] من صاحبه الذي طابق [١] ملك الروم ومعه كتاب
стр. 240
فيه:
«إنّ الملك كان قد أمرنى بمقاربة ملك الروم وأن أختدعه وأخلّى له الطريق، فيأخذه الملك من أمامه، وآخذه أنا من خلفه وقد فعلت ذلك، فرأى الملك في إعلامى وقت خروجه إليه.» فأخذ ملك الروم الرسول وقرأ الكتاب وقال:
- «قد عجبت أن يكون هذا الفارسي أدهن [١] على كسرى.» ووافاه أبرويز في من أمكنه من جنده، فوجد ملك الروم قد ولّى هاربا، فاتّبعه يقتل ويأسر من أدرك، وبلغ صاحب كسرى هزيمة الروم، فأحبّ أن يجلّى نفسه ويستر ذنبه لما فاته ما دبّر، فخرج خلف الروم الهاربين، فلم يسلم منهم إلّا القليل [٢] .
ذكر سبب هلاك أبرويز وقتله
كان سبب هلاك أبرويز وقتله تجبّره، واحتقاره العظماء، وعتوّه. وذاك أنّه استخفّ بما لا يستخفّ به الملك الحازم. [٢٦٢] وكان قد جمع من المال ما لم يجمعه أحد من الملوك، وبلغت خيله قسطنطينية وإفريقية، وكانت له اثنتا عشرة ألف امرأة وجارية، وألف فيل إلّا فيل واحد، وخمسون ألف دابّة، ومن الجواهر، والآلات والأوانى ما يليق بذلك. وأمر أن يحصى ما اجتبى من خراج بلاده وسائر أبواب المال سنة ثماني عشرة من ملكه. فرفع إليه: أنّ الذي اجتبى في تلك السنة من الخراج وسائر الأبواب ستمائة ألف ألف [٠٠٠ بن ٠٠٠ بن ٦٠٠] درهم. وأمر فحوّل إلى بيت مال بنى بمدينة طيسبون، من ضرب فيروز بن يزدجرد وقباذ بن
стр. 241
فيروز اثنتا عشرة ألف [٠٠٠ بن ١٢] بدرة في أنواع من الجواهر والكسىّ وغير ذلك. فعتا واستهان بالناس والأحرار.
وبلغ من جرأته أنّه أمر رجلا كان على حرس بابه الخاصّة يقال له:
زاذانفروخ، أن يقتل كلّ مقيّد في سجن من سجونه. فأحصوا، فبلغوا ستّة وثلاثين ألفا. فلم يقدم زاذانفروخ على قتلهم، وتقدّم بالتوقّف عمّا أمر به كسرى وأعدّ عللا له في ما أمر [٢٦٣] به فيهم.
فكان هذا أحد ما كسب به كسرى عداوة أهل مملكته.
والثاني: احتقاره إيّاهم واستخفافه بعظمائهم.
والثالث: أنّه سلّط علجا [١] يقال له «الفرّخان زاذ» عليهم، حتّى استخرج بقايا الخراج بعنف وعذاب، وكان ضمن من ذلك مالا عظيما، فسلّطه على الناس.
والرابع: إجماعه على قتل الفلّ [٢] الذين انصرفوا إليه من قبل هرقل.
فمضى قوم من العظماء إلى عقر بابل وفيه شيرى [٣] بن أبرويز مع إخوته بها، وقد وكّل بهم مؤدّبون وأساورة يحولون بينهم وبين براح ذلك الموضع، فأقبلوا به، ودخلوا مدينة بهرسير ليلا. فخلّى عمّن كان في سجونها وأخرج من كان فيها، واجتمع إليه الفلّ الذين كانوا عملوا بأمر كسرى بقتلهم. فنادوا:
- «قباذ شاهنشاه» ، وصاروا حين أصبحوا إلى رحبة كسرى، فهرب الحرس من قصر أبرويز، وانحاز كسرى بنفسه إلى باغ له قريب من قصره يدعى: «باغ الهندوان» فارّا [٤] .
فأخذ وحبس خارجا [٢٦٤] عن دار المملكة في دار رجل يقال له: مارسفند [٥] .
стр. 242
إلى ان قتل، بعد حديث طويل [١] ومراسلات بينه وبين شيرى بمواطأة العظماء، وبعد تقريع كثير وتوبيخ على ما كان منه في أشياء عدّدوها عليه. فأجاب عن الكلّ بجوابات مقنعة صحيحة لم نذكرها لخروجها عما بنينا عليه غرض هذا الكتاب.
وكان هلاكه بعد ثمان وثلاثين سنة، ولمضىّ اثنين وثلاثين سنة وخمسة عشر يوما من ملكه، هاجر النبي- صلى الله عليه- من مكّة إلى المدينة.
وخلّف في بيت المال يوم قتل من الورق أربعمائة ألف [٠٠٠ بن ٤٠٠] بدرة، سوى الكنوز والذخائر والجواهر وآلات الملك، وفي تلك الكنوز «كنزباذ آورد» [٢] .
ثمّ ملك شيرويه بن أبرويز.
ذكر عاقبة شيرويه بن أبرويز
قتل شيرويه أباه، وقتل سبعة عشر أخا له ذوى آداب وشجاعة، [٢٦٥] بمشورة وزرائه، فابتلى بالأسقام، وانتقض عليه بدنه، فلم يلتذّ بشيء من لذّات الدنيا، وجزع بعد قتل إخوته جزعا شديدا، وكان يبكى إلى أن رمى بالتاج عن رأسه، وعاش ما عاش مهموما حزينا مدنفا. وكان الطاعون فشا في أيّامه، فأهلك أكثر الفرس. وكان ملكه ثمانية أشهر.
стр. 243
ثم ملك أردشير بن شيرويه
وكان طفلا، وقيل: إنّه كان ابن سبع سنين، لأنّه لم يوجد غيره من أهل بيت المملكة، وحضنه رجل يقال له: مهاذر جشنس [١] ، فأحسن سياسة الملك فبلغ من إحكامه ذلك أنه: لم يحسّ بحداثة أردشير سوى أنّه غلط في أمر شهربراز المقيم بثغر الروم.
ذكر غلطه في ذلك واستهانته بأمره حتى كان سبب هلاكه
كان شهربراز في جند ضمّهم إليه كسرى، وكان كسرى وشيرويه لا يزالان يكتبان إليه في الأمر يهمّهما ويستشيرانه. فلمّا لم يشاوره عظماء [٢٦٦] الفرس في تمليك أردشير، ولم يكاتبه أيضا مهاذرجشنس، تعنّت الفرس، وتبغّى عليهم، وبسط يده، وجعله سببا للطّمع في الملك، واستطال، واحتقر أردشير لحداثة سنّه، ودعا الناس إلى التشاور في الملك. ثمّ أقبل بجنده وقد عمد مهاذرجشنس، فحصّن سور مدينة طيسبون وأبوابها، وحوّل أردشير ومن بقي من نسل الملوك ونسائهم، وما كان في بيت مال أردشير من مال وخزائن وكراع، إلى مدينة طيسبون.
فلما ورد شهربراز أناخ إلى جانب مدينة طيسبون، وحاصر من فيها، ونصب المجانيق عليها، فلم يصل إليها. فلمّا رأى عجزه عن افتتاحها أتاها من قبل المكيدة، فلم يزل يخدع رجلا يقال له: نيوخسرو [٢] ، ورجلا كان اصبهبذ نيمروزكان [٣] ، حتى فتحا له باب المدينة، فدخلها، وأخذ جماعة من الرؤساء،
стр. 244
فقتلهم، واستصفى أموالهم، وقتل أردشير بن شيرويه. وكان ملكه سنة وستة أشهر.
[٢٦٧]
ثم ملك شهربراز
ولم يكن من أهل بيت المملكة ودعا نفسه ملكا، ولمّا جلس على سرير الملك ضرب عليه بطنه، وبلغ من شدّة ذلك عليه أنّه لم يقدر على إتيان الخلاء، فدعا بالطّست، فوضع أمام ذلك السرير، ومدّ في وجهه ما ستره، فتبّرز في الطّست! ثم امتعض رجل يقال له «بسفرّوخ [١] » وأخوين له، من قتل شهربراز أردشير بن شيرويه، وغلبته على الملك، فتحالفوا على قتله. وكان من السنّة إذا ركب الملك أن يقف له حرسه سماطين عليهم الدروع، والبيض، والترسة، والسيوف، وبأيديهم الرماح، فإذا حاذاهم الملك وضع كل رجل منهم ترسه على قربوس سرجه، ثمّ وضع جبهته عليه كهيئة السجود. وإنّ شهربراز ركب بعد أن ملك بأيام، فوقف له بسفرّوخ، ثم طعنه أخواه، فسقط عن دابته، [٢٦٨] فشدّوا في رجله حبلا وجرّوه إقبالا وإدبارا ساعة، وساعدهم قوم من العظماء وقتلوا عدّة عاونوا في الفتك بأردشير، وملّكوا بوران بنت كسرى. وكان جميع ما ملك شهربراز أربعين يوما.
وملكت بوران بنت كسرى أبرويز
فأحسنت السيرة، وبسطت العدل، وأمرت برمّ القناطر والجسور وإعادة العمارات، ووضعت بقايا الخراج، وكتبت إلى الناس عامّة كتبا تعلمهم ما هي عليه
стр. 245
من الإحسان، وأنّها ترجو أن يريهم الله من الرفاهة والاستقامة بمكانها، ومن العدل وحفظ الثغور ما يعلمون به أنه ليس ببطش الرجال تدوّخ البلاد، ولا ببأسهم تستباح العساكر، ولا بمكائدهم ينال الظفر، وتطفأ النوائر، ولكنّ ذلك كلّه بالله ، وحسن النيّة، واستقامة التدبير. وأمرت بالمناصحة وحسن الطاعة، وردّت خشبة الصليب على ملك الروم. وكان ملكها سنة وأربعة أشهر. [٢٦٩]
ثم ملك بعدها رجل يقال له: جشنسبنده [١]
وكان ملكه أقلّ من شهر، ولم يظهر له أثر تستفاد منه تجربة.
ثم ملكت آزرمى دخت ابنة كسرى أبرويز
كانت آزرمى دخت من أجمل نساء دهرها، وكان عظيم فارس يومئذ «فرّخ هرمز» إصهبذ خراسان، وأرسل إليها: يسألها أن تزوّجه نفسها، فأرسلت إليه:
- «إنّ التزويج للملكة غير جائز، وقد علمت أنّ إربك فيما ذهبت إليه، قضاء حاجتك منّى، فصر إلىّ ليلة كذا وكذا.» ففعل [فرّخ هرمز] [٢] ، وركب إليها في تلك الليلة، وتقدّمت آزرمى دخت إلى صاحب حرسها أن يترصّده في الليلة التي تواعدا الالتقاء فيها، حتّى يقتله. فنفذ صاحب حرسها لأمرها، وأمر به فجرّ برجله، وطرح في رحبة دار المملكة. فلمّا أصبح الناس ورأوه، علموا أنّه لم يقتل إلّا لعظيمة. فأمرت بجثّته فغيّبت.
وكان رستم بن فرّخ هرمز هذا عظيم البأس قويّا في نفسه وهو [٢٧٠] رستم صاحب القادسية الذي تولّى قتال العرب من قبل يزدجرد في ما بعد، وسنحكى
стр. 246
خبره هناك. فلمّا بلغه ما صنع بأبيه، أقبل في جند عظيم، حتى نزلوا المدائن، وسمل عيني آزرمى دخت، وقتلها، وكان ملكها ستة أشهر. واختلف [١] فيمن ملك بعد آزرمى دخت، فقيل: أتى برجل من عقب أردشير بن بابك، كان ينزل الأهواز يقال له:
كسرى بن مهرجشنس
فلبس التاج وقتل بعد أيّام. ويقال: بل كان رجلا يسكن ميسان [٢] يقال له:
فيروز
فلملّكوه كرها، وكان ضخم الرأس. فلما توّج قال:
- «ما أضيق هذا التاج!» فتطيّر العظماء من افتتاح كلامه بالضيق، وقتلوه. [٣] ثم أتى برجل من أولاد كسرى كان لجأ إلى موضع من المغرب قريب من نصيبين يقال له: «حصن الحجارة» حين قتل شيرويه بن كسرى، يقال له:
فرّخ باذخسرو [٤]
فانقاد له الناس طوعا زمنا يسيرا، ثم استعصوا عليه وخالفوه [٢٧١] وكان
стр. 247
ملكه ستة أشهر، وكان أهل إصطخر ظفروا بيزدجرد بن شهريار بن أبرويز بإصطخر، قد هرب إليها حين قتل شيرويه إخوته، فلمّا بلغ عظماء إصطخر أنّ من بالمدائن خالفوا فرّخ زادخسرو، أتوا بيزدجرد بيت نار يدعى: «بيت نار أردشير» ، فتوّجوه هناك وملّكوه وكان حدثا. ثم أقبلوا به إلى المدائن، وقتلوا «خرّه داد خسرو» بحيل احتالوها له وساغ الملك ليزدجرد.
ملك يزدجرد بن شهريار بن أبرويز
فملك يزدجرد. غير أنّ ملكه كان عند ملك آبائه كالخيال وكالحلم، وكانت العظماء والوزراء يدبّرون ملكه لحداثة سنّه، وكان أشدّهم نباهة في وزرائه [١] وأذكاهم رئيس الخول [٢] . وضعف أمر مملكة فارس، واجترأ عليه أعداؤه من كلّ وجوه، وتطرّفوا [٣] بلاده، وأخربوا منها، وغزت العرب بلاده بعد أن مضى من ملكه ثلاث أو أربع سنين، [٢٧٢] وكان عمره كلّه إلى أن قتل بمرو عشرين سنة.
وله أحاديث وسير، سنذكرها بعد فراغنا من الأحوال التي تمّت من جهة الرأى والتدبير في أيام النبىّ- ﷺ والخلفاء من بعده، إلى أن يتصل بذكر يزدجرد، وما كان منه [٤] .
стр. 248
عصر النبىّ ﷺ والخلفاء الراشدين
стр. 249
ممّا جرى في غزوات الرسول ﷺ من تدابيره البشرية في غزوة الخندق
فممّا جرى في غزوات رسول الله- صلّى الله عليه- من التدابير البشرية والحيل الإنسانية [١] ما كان منه- ﵇ في غزوة الخندق. وذلك أنّ النبي- صلى الله عليه- لمّا أجلى اليهود من بنى النضير عن ديارهم، اجتمع رؤساؤهم، وفيهم سلام بن أبى الحقيق وحيىّ بن أخطب وغيرهما، فقدموا مكّة، ودعوهم إلى حرب رسول الله- صلّى الله عليه- وحزّبوا الأحزاب التي ذكرها الله تعالى وطمعوا في استيصال النبىّ- صلّى الله عليه- فنشطت قريش لذلك، وتذكّروا أحقادهم ببدر، فخرجوا وقائدهم أبو سفيان بن حرب. وخرجت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن [٢٧٣] بن حذيفة بن بدر، وبنو فزارة [٢] وغيرهم من الأحزاب.
فأشار سلمان على رسول الله- صلّى الله عليه- لمّا رآه يهمّ بالمقام بالمدينة، ويدبّر [٣] أن يتركهم [٤] حتّى يردوا، ثمّ يحاربهم على المدينة وفي طرقها، أن
стр. 250
يخندق. ففعل ذلك، ووردت قريش بعددها وعدّتها، ووردت الأحزاب، وكثر الناس والأعداء على رسول الله- صلى الله عليه- وكان قد وادع بنى قريظة وهم أصحاب حصون بالمدينة، وصاحب عقدهم وعهدهم كعب بن أسد القرظىّ.
احتيال حيىّ بن أخطب لكعب بن أسد
فاحتال حيىّ بن أخطب لكعب بن أسد، حتى وصل إلى حصنه، فأغلق كعب دونه باب الحصن، وقال:
- «بيني وبين محمّد عقد، ولن أنقض ما بيني وبينه.» قال: «افتح الباب أكلّمك.» فقال: «ما أنا بفاعل.» فقال: «والله إن أغلقت دوني الباب إلّا على جشيشتك [١] أن آكل معك منها.» فأحفظ [٢] الرجل حتى فتح له. فقال:
- «ويحك يا كعب! جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنختهم بالمدينة.
وجئتك [٢٧٤] بغطفان على قادتها وسادتها، وقد عاهدوني ألّا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه.» فتأبّى كعب، ولم يزل به، يفتله [٣] في الذروة والغارب، حتى أعطاه عهدا من الله وميثاقا أن يكون معه. ونقض كعب ما بينه وبين رسول الله- صلى الله عليه- وبرئ مما كان عليه له [٤] .