خبره هناك. فلمّا بلغه ما صنع بأبيه، أقبل في جند عظيم، حتى نزلوا المدائن، وسمل عيني آزرمى دخت، وقتلها، وكان ملكها ستة أشهر. واختلف [١] فيمن ملك بعد آزرمى دخت، فقيل: أتى برجل من عقب أردشير بن بابك، كان ينزل الأهواز يقال له:
كسرى بن مهرجشنس
فلبس التاج وقتل بعد أيّام. ويقال: بل كان رجلا يسكن ميسان [٢] يقال له:
فيروز
فلملّكوه كرها، وكان ضخم الرأس. فلما توّج قال:
- «ما أضيق هذا التاج!» فتطيّر العظماء من افتتاح كلامه بالضيق، وقتلوه. [٣] ثم أتى برجل من أولاد كسرى كان لجأ إلى موضع من المغرب قريب من نصيبين يقال له: «حصن الحجارة» حين قتل شيرويه بن كسرى، يقال له:
فرّخ باذخسرو [٤]
فانقاد له الناس طوعا زمنا يسيرا، ثم استعصوا عليه وخالفوه [٢٧١] وكان
стр. 247
ملكه ستة أشهر، وكان أهل إصطخر ظفروا بيزدجرد بن شهريار بن أبرويز بإصطخر، قد هرب إليها حين قتل شيرويه إخوته، فلمّا بلغ عظماء إصطخر أنّ من بالمدائن خالفوا فرّخ زادخسرو، أتوا بيزدجرد بيت نار يدعى: «بيت نار أردشير» ، فتوّجوه هناك وملّكوه وكان حدثا. ثم أقبلوا به إلى المدائن، وقتلوا «خرّه داد خسرو» بحيل احتالوها له وساغ الملك ليزدجرد.
ملك يزدجرد بن شهريار بن أبرويز
فملك يزدجرد. غير أنّ ملكه كان عند ملك آبائه كالخيال وكالحلم، وكانت العظماء والوزراء يدبّرون ملكه لحداثة سنّه، وكان أشدّهم نباهة في وزرائه [١] وأذكاهم رئيس الخول [٢] . وضعف أمر مملكة فارس، واجترأ عليه أعداؤه من كلّ وجوه، وتطرّفوا [٣] بلاده، وأخربوا منها، وغزت العرب بلاده بعد أن مضى من ملكه ثلاث أو أربع سنين، [٢٧٢] وكان عمره كلّه إلى أن قتل بمرو عشرين سنة.
وله أحاديث وسير، سنذكرها بعد فراغنا من الأحوال التي تمّت من جهة الرأى والتدبير في أيام النبىّ- ﷺ والخلفاء من بعده، إلى أن يتصل بذكر يزدجرد، وما كان منه [٤] .
стр. 248
عصر النبىّ ﷺ والخلفاء الراشدين
стр. 249
ممّا جرى في غزوات الرسول ﷺ من تدابيره البشرية في غزوة الخندق
فممّا جرى في غزوات رسول الله- صلّى الله عليه- من التدابير البشرية والحيل الإنسانية [١] ما كان منه- ﵇ في غزوة الخندق. وذلك أنّ النبي- صلى الله عليه- لمّا أجلى اليهود من بنى النضير عن ديارهم، اجتمع رؤساؤهم، وفيهم سلام بن أبى الحقيق وحيىّ بن أخطب وغيرهما، فقدموا مكّة، ودعوهم إلى حرب رسول الله- صلّى الله عليه- وحزّبوا الأحزاب التي ذكرها الله تعالى وطمعوا في استيصال النبىّ- صلّى الله عليه- فنشطت قريش لذلك، وتذكّروا أحقادهم ببدر، فخرجوا وقائدهم أبو سفيان بن حرب. وخرجت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن [٢٧٣] بن حذيفة بن بدر، وبنو فزارة [٢] وغيرهم من الأحزاب.
فأشار سلمان على رسول الله- صلّى الله عليه- لمّا رآه يهمّ بالمقام بالمدينة، ويدبّر [٣] أن يتركهم [٤] حتّى يردوا، ثمّ يحاربهم على المدينة وفي طرقها، أن
стр. 250
يخندق. ففعل ذلك، ووردت قريش بعددها وعدّتها، ووردت الأحزاب، وكثر الناس والأعداء على رسول الله- صلى الله عليه- وكان قد وادع بنى قريظة وهم أصحاب حصون بالمدينة، وصاحب عقدهم وعهدهم كعب بن أسد القرظىّ.
احتيال حيىّ بن أخطب لكعب بن أسد
فاحتال حيىّ بن أخطب لكعب بن أسد، حتى وصل إلى حصنه، فأغلق كعب دونه باب الحصن، وقال:
- «بيني وبين محمّد عقد، ولن أنقض ما بيني وبينه.» قال: «افتح الباب أكلّمك.» فقال: «ما أنا بفاعل.» فقال: «والله إن أغلقت دوني الباب إلّا على جشيشتك [١] أن آكل معك منها.» فأحفظ [٢] الرجل حتى فتح له. فقال:
- «ويحك يا كعب! جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنختهم بالمدينة.
وجئتك [٢٧٤] بغطفان على قادتها وسادتها، وقد عاهدوني ألّا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه.» فتأبّى كعب، ولم يزل به، يفتله [٣] في الذروة والغارب، حتى أعطاه عهدا من الله وميثاقا أن يكون معه. ونقض كعب ما بينه وبين رسول الله- صلى الله عليه- وبرئ مما كان عليه له [٤] .
стр. 251
فلما صحّ عند رسول الله- صلى الله عليه- ذلك، ضاق ذرعا وخشي أن يفتّ ذلك في أعضاد المسلمين. فعظم البلاء، واشتدّ الخوف، وأتاهم عدوّهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظنّ المؤمنون كلّ ظنّ ونجم النفاق من المؤمنين، وكثر الخوض. [١]
ما كان من نعيم بن مسعود من تخذيل وخداع
وأقام رسول الله- صلى الله عليه- وأصحابه في ما وصف الله من الخوف والشدّة، لتظاهر الأعداء عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى أتاه نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف [٢] بن ثعلبة الغطفاني مسلما، فقال:
- «يا رسول الله، إنّى قد أسلمت وإنّ قومي لم يعلموا بإسلامى، فأمرنى بما شئت، أنته إليه.» فقال رسول الله [٢٧٥]- صلى الله عليه-:
- «إنّما أنت رجل واحد فينا، وإنّما غناؤك [٣] أن تخذّل [٤] عنّا ما استطعت، وعليك بالخداع، فإنّ الحرب خدعة.» فخرج نعيم بن مسعود حتّى أتى بنى قريظة وكان نديما لهم، فقال:
- «يا بنى قريظة، قد عرفتم ودّى إيّاكم وخاصّة ما بيني وبينكم.» قالوا: «صدقت، لست عندنا بمتّهم.» فقال لهم:
- «إنّ قريشا وغطفان ومن التفّ معهم، جاءوا لحرب محمد، فإن ظاهرتموهم
стр. 252
عليه، فليسوا [كهيئتكم] [١] ، وذاك أنّ البلد بلدكم، به أموالكم وأولادكم ونساؤكم، لا تقدرون أن تتحوّلوا إلى غيره. فأمّا قريش وغطفان فإنّ أموالهم وأبناءهم ونساءهم ببلاد غير بلادكم، فإن رأوا نهزة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلّوا بينكم وبين الرجل، والرجل [٢] ببلادكم لا طاقة لكم به إن [٣] خلا بكم فلا تقاتلوا القوم حتّى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم، على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى يناجزوه [٤] .» قالوا: «لقد أشرت علينا [٢٧٦] برأى ونصح.» ثمّ خرج حتى أتى قريشا. فقال لأبى سفيان بن حرب ومن معه:
- يا معشر قريش! قد عرفتم ودّى إيّاكم وفراقي محمدا، وقد بلغني أمر رأيت حقّا علىّ أن أبلغكم، نصحا لكم، فاكتموا علىّ.» قالوا: «نفعل.» قال: «اعلموا أنّ معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم وبين محمد وقد أرسلوا إليه أن قد ندمنا على ما صنعنا [٥] ، فهل يرضيك عنّا أن نأخذ من القبيلتين:
من قريش وغطفان، رجالا من أشرافهم وكبرائهم ونعطيكم [٦] فتضرب أعناقهم، ثمّ نكون معك [٧] على من بقي منهم. فإن بعثت إليك [٨] يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم، فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا.» فوقع ذلك من القوم.
стр. 253
وخرج حتّى أتى غطفان. فقال:
- «يا معشر غطفان! أنتم أصلى وعشيرتي، وأحبّ الناس إلىّ، ولا أراكم تتّهمونى.» قالوا: «صدقت.» قال: «فاكتموا علىّ.» قالوا: «نفعل.» ثمّ قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذّرهم مثل ما حذّرهم.
اتّفاق جيّد
فكان من الاتّفاق الجيّد [٢٧٧] أن أرسل بعد ذلك أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل في نفر من قريش وغطفان. فقال لهم:
- «إنّا لسنا بدار مقام، وقد هلك الخفّ والحافر [١] ، فاغدوا [٢] للقتال حتّى نناجز محمدا ونفرغ ممّا بيننا وبينه.» فأرسلوا إليه:
- «إنّ اليوم السبت- وكان اتّفق ذلك- وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، ومع ذلك فلسنا نقاتل معكم حتّى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتّى نناجز محمدا، فإنّا نخشى- إن ضرستكم الحرب واشتدّ عليكم القتال- أن تشمّروا إلى بلادكم، وتتركونا والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك من محمد.» فلمّا رجعت الرسل بالذي قالت بنو [٣] قريظة، قالت قريش وغطفان:
- «والله إنّ الذي حدّثكم نعيم بن مسعود لحقّ.» فأرسلوا إلى بن قريظة:
- «إنّا والله ما ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا. فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا.»
стр. 254
فقالت بنو قريظة [١] حين أدّت إليهم الرسل:
- «إنّ الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود [٢٧٨] لحقّ. ما يريد القوم إلّا أن يقاتلوا.
فإن وجدوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا [٢] إلى بلادهم، وخلّوا بينكم وبين الرجل.» فأرسلوا إلى القوم:
- «إنّا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا.» وتخاذل القوم. واتّهم بعضهم بعضا، وذلك في زمن شات [٣] وليال باردة كثيرة الرياح تطرح [٤] أبنيتهم، وتكفأ [٥] قدورهم. وضاق ذرع القوم وبلغ رسول الله- ﷺ اختلاف القوم وما هم فيه من الجهد. فدعا حذيفة بن اليمان، فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا. فذهب حذيفة بن اليمان، حتّى دخل في القوم. قال حذيفة: فذهبت فرأيت من الرياح أمرا هائلا لا يقرّ لهم نارا ولا بناء.
فقام أبو سفيان ابن حرب، فقال:
- «يا معشر قريش، لينظر امرؤ جليسه.» قال: فبادرت وأخذت بيد الرجل الذي إلى جانبي، فقلت: «من أنت؟» قال:
«أنا فلان بن فلان.» ثم قال أبو سفيان:
- «إنكم يا قوم ما أصبحتم بدار مقام. لقد هلك الكراع [٦] والخفّ، وأخلفتنا [٢٧٩] بنو قريظة، وبلغنا عنهم ما نكره، ولقينا من الجهد والشدّة وهذه الريح ما
стр. 255
ترون. فارتحلوا، فإنّى مرتحل.» ثم قام إلى جمله، وقام الناس معه. وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانصرفوا إلى بلادهم، وتفرّق ذلك الجمع من غير قتال، إلّا ما كان من عدّة يسيرة اتّفقوا على الهجوم على الخندق، يحكى أن فيهم عمرو بن عبد ودّ، فقتلوا. أما عمرو فقتله علىّ بن أبى طالب مبارزة لما اقتحم [١] عليه الخندق. وانتقض ذلك الجمع والتدبير كلّه.
ومن ذلك ما كان يوم حنين وفيه ذكر لدريد بن الصّمّة وبعض آرائه
ومن ذلك أنّه لما افتتح رسول الله- صلى الله عليه- مكّة، وأقام خمسة عشر يوما، جاءت هوازن وثقيف لمحاربته، فنزلوا بحنين. وذاك أنّهم كانوا قبل ذلك قد جمعوا له حين سمعوا بمخرجه من المدينة، وظنّوا أنه يريدهم. فلمّا قصد مكّة أقبلوا عامدين إليه، ومعهم الأموال والنساء والصبيان، ورئيس هوازن يومئذ مالك بن عوف. وأقبلت معهم ثقيف، ونصر [٢] ، وجشم. [٢٨٠] ولم يشهد معهم من هوازن كعب ولا كلاب. وفي جشم دريد بن الصمّة [وهو] [٣] شيخ كبير، لا شيء فيه إلّا أنّهم يتيمّنون برأيه ومعرفته بالحرب ودربته بها.
فلما نزل بأوطاس، اجتمع الناس إلى رئيسهم مالك بن عوف وفيهم دريد بن الصمّة يقاد به وهو في شجار له. فقال:
- «بأىّ واد أنتم؟» قالوا: «بأوطاس.»
стр. 256
قال: «نعم، مجال الخيل، لا حزن [١] ضرس، ولا سهل دهس [٢] . ما لي أسمع رغاء [٣] البعير، ونهاق الحمير، ويعار [٤] الشاء، وبكاء الصغير؟» فقالوا له: «ساق مالك بن عوف مع الناس أبناءهم، ونساءهم، وأموالهم.» فقال: «أين مالك؟» فدعى له، فقال:
- «يا مالك، إنّك قد أصبحت رئيس قومك، وإنّ هذا يوم له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟» قال: «سقت مع الناس أبناءهم، ونساءهم، وأموالهم.» قال: «ولم؟» قال: «أردت أن أجعل خلف كلّ رجل أهله وولده وماله، ليقاتل عنهم.» قال: فأنقض [٥] به. ثم قال:
- «راعى ضأن [٢٨١] والله. ويحك! هل يردّ المنهرم شيء؟ إنّها إن كانت لك، لم ينفعك إلّا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك، فضحت في أهلك ومالك. ما فعلت كعب وكلاب؟» قالوا: «لم يشهدها منهم أحد.» قال: «غاب الجدّ والحدّ، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب ولا كلاب.
فمن شهدها منكم؟»
стр. 257
قالوا: «عمرو بن عامر، وعوف بن عامر.» قال: « [ذانك] [١] الجذعان من بنى عامر لا ينفعان ولا يضرّان. يا مالك إنّك لن تصنع بتقديم البيضة، بيضة هوازن، إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم [٢] ، ثمّ الق هؤلاء الصبّاء [٣] على متون الخيل، فإن كانت لك، لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك قد أحرزت أهلك ومالك.» قال: [والله لا أفعل ذلك، إنّك قد كبرت وكبر علمك] [٤] ، والله لتطيعنّى يا معشر هوازن، أو لأتّكئنّ على سيفي هذا حتى يخرج من ظهري» .
وكره أن يكون فيها لدريد ذكر ورأى.
فقال دريد: «هذا يوم لم أشهده ولم يفتني.»
يا ليتني فيها جذع [٢٨٢] ... أخبّ فيها وأضع [٥]
أقود وطفاء الزّمع ... كأنّها شاة صدع [٦]
وكان دريد رئيس قومه بنى جشم وسيّدهم وأوسطهم مع شجاعته ودربته وتجاربه، ولكن السنّ أدركته حتى فنى.
ثم قال مالك للناس:
стр. 258
- «إذا رأيتم القوم فاكسروا جفون [١] سيوفكم، وشدّوا شدّة رجل واحد عليهم.» فلمّا استقبل خيل رسول الله، صلّى الله عليه- وكان يومئذ اثنى عشر ألفا، منهم عشرة آلاف فتحوا مكة، وألفان ممن أسلم وانضاف إليهم بوادي حنين- انحدروا في واد من أودية تهامة أجوف، إنّما ينحدرون [٢] فيه انحدارا، وذلك في عماية [٣] من الصبح، وكان القوم قد سبقوا إلى الوادي [٤] ، فكمنوا في شعابه وأحنائه ومضايقه، وتهيّئوا وأعدّوا. فما راع خيل رسول الله- ﵇ وهم منحطّون، إلّا الكتائب، قد شدّت عليهم، فانشمروا [٥] لا يلوى أحد على أحد.
وانحاز رسول الله- صلى الله عليه- ذات اليمين وصاح:
- «أيّها الناس، أين؟ هلمّوا إلىّ، أنا رسول الله، [٢٨٣] أنا محمد بن عبد الله.» وبقي مع النبىّ- صلى الله عليه- نفر من أهل بيته، فيهم علىّ بن أبى طالب، والعباس، وابنه الفضل، وجماعة من المهاجرين [٦] .
فقال رسول الله- صلى الله عليه- للعباس:
- «اصرخ: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة [٧] .» فأجابوه من كل ناحية وحملوا على الناس فكانت إيّاها. [٨] وقتل علىّ بن أبى طالب- ﵇ صاحب الراية، وقتل خيل مالك بن عوف كلّ مقتلة، وغنم المسلمون تلك الأموال، وسبوا النساء والأولاد، وقتل دريد. وكان عدّة السبي يومئذ من هوازن ستّة آلاف من النساء والأولاد.
فلمّا قدمت وفود هوازن على النبىّ- ﵇ مسلمين، أعتق لهم
стр. 259
أبناءهم ونساءهم كلّهم، في حديث طويل.
ومن ذلك ما كان بعد ظهور العنسىّ الكذّاب
ومن ذلك: أنّه لما ظهر الأسود العنسي الكذّاب متنبّئا باليمن وحضرموت وصنعاء، حاربه شهر بن باذام [١] ، وكان رسول الله- صلى الله عليه- استخلفه بعد أبيه باذام على الأبناء [٢] وعلى بعض أعمال [٢٨٤] أبيه. فهزمه الأسود، وفرّق الأبناء عنه، وظفر به بعد، فقتله وغلب على صنعاء، وهرب عمّال رسول الله- صلى الله عليه- وجعل أمر الأسود الكذّاب يعلو ويستطير استطارة الحريق.
وكان جعل عمرو بن معديكرب خليفته في مذحج بعد أن ارتدّ عمرو، وجعل أمر جنده إلى قيس بن عبد يغوث، وأسند أمر الأبناء إلى فيروز الديلمي ودادويه، وكان شهر قد تزوّج بنت عمّ فيروز، وكانت جميلة، فلمّا قتل شهر تزوّج بها الأسود.
فأنفذ رسول الله- صلى الله عليه- إلى فيروز، وإلى جشنس، وغيره من الأبناء يأمرهم بالقيام على دينهم، وأن ينهضوا في الحرب والعمل في الأسود، إما غيلة وإمّا مصادمة. فألقى كتاب [٣] رسول الله- صلى الله عليه- إلى أصحابه، تغيّر [٤]
стр. 260
الأسود لقيس بن عبد يغوث.
فقال أصحاب [١] رسول الله- ﵇:
- «إنّ قيسا يخاف على دمه، وهو لأوّل دعوة، فهلمّ ندعوه [٢] .» فاجتمعوا لذلك [٢٨٥] ثم دعوه، وأبثّوه أمرهم، وأبلغوه عن النبىّ- صلّى الله عليه- وكأنّما وقعوا عليه من السماء، لأنّه كان في غمّ وضيق بأمره، فأجابهم إلى ما أحبّوا.
ثمّ إنّ عامر بن شهر بن باذام [٣] اعترض [٤] في قوم منهم: ذو مرّان، وذو الكلاع، وذو ظليم. فكاتبوا أصحاب النبىّ- صلى الله عليه- وبذلوا لهم النصر.
وكان النبىّ- صلى الله عليه- قد كاتبهم، فكان أصحاب النبىّ في سرّ قد اتّفقوا عليه، فأجابوا القوم بالتوقّف. وذاك أنّ الأمر كان استتبّ للأسود واستفحل، فهابوه هيبة شديدة.
ثمّ إنّه دخل جشنس الديلمي على آزاذ- وهي امرأة الأسود التي خلف عليها شهر بن باذام- فقال:
- «يا ابنة عمّ، قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك. قتل زوجك وطأطأ [٥] في قومك القتل، وسفك بالإباحة [٦] دماء من بقي منهم، وفضح النساء، فهل عندك
стр. 261
ممالأة [١] عليه؟» فقالت: «وعلى أىّ أمره؟» قال جشنس: فقلت: «إخراجه.» فقالت: «أو قتله؟» قلت: [٢٨٦] «أو قتله.» قالت: «نعم. والله، ما خلق الله شخصا أبغض إلىّ منه، ما ينتهى عن حرمة لله [٢] . فإذا عزمتم فأعلمونى أخبركم بمأتى هذا الأمر.» قال جشنس:
فأخرج فإذا فيروز وداذويه ينتظرانى، وإذا قيس قد دعاه الأسود، فدخل إليه في عشرة من مذحج وهمدان.
فقال له الأسود: «يا قيس! ألم أفعل بك، ألم أصنع؟» يعتدّ عليه بنعمته.
فقال: «بلى.» قال: «فإنّه يقول- يعنى الشيطان الذي معه-:
- «إنّ قيسا على الغدر بك، إيه، يا سوءة، يا سوءة، إلّا تقطع من قيس يده، يقطع قنّتك العليا.» حتى ظنّ أنه قاتله. فقال:
- «كذبك وذى الخمار، فإمّا قتلتني، فإنّها موتة مريحة أهون علىّ من موتات أموت بها كلّ يوم، خوفا وفرقا، وإمّا صدّقتنى. فوالله لأنت أهيب وأجلّ في نفسي، من أن أحدّثها بغدر لك.» فرقّ له، وأخرجه.
стр. 262
قال:
فخرج قيس علينا وطوانا، غير أنّه قال: [٢٨٧]- «اعملوا عملكم.» ثمّ خرج الأسود علينا، فقمنا مثولا بين يديه بالباب، فقال:
- «يا فيروز، أحقّ ما بلغني عنك؟ - وهيّأ له الحربة- لقد هممت أن أنحرك.» فقال فيروز:
- «اخترتنا أيّها الملك لصهرك، وفضّلتنا على الأبناء، ولو لم تكن نبيّا ما بعنا نصيبك ونصيبنا منك بشيء، فكيف وقد اجتمع لنا بك أمر آخرة وأولى، لا تقبلنّ علينا أمثال ما يبلغك، فإنّا بحيث تحبّ.» ثمّ ذبح الأسود مائة من بين بقرة وبعير غير محبّسة ولا معقّلة، بحربته، وقال لفيروز:
- «اقسم هذه، فأنت أعلم بمن هاهنا.» قال فيروز [١] :
ففعلت هذا ولحقته قبل أن يصل إلى داره، فإذا رجل يسعى إليه بى، فأستمع له وهو يقول:
- «أنا قاتله غدا وأصحابه، فاغد علىّ.» ثمّ التفت فإذا هو بفيروز، فقال:
- «مه؟»
стр. 263
قال: «قد قسمتها كما أمرتنى.» قال: «أحسنت» .
وضرب دابّته ودخل. فرجع فيروز إلى أصحابه، فأخبرهم بالخبر.
قال جشنس:
فأرسلنا إلى قيس فجاءنا. فاجتمع [٢٨٨] ملؤهم أن أعود إلى المرأة فأخبرها بعزيمتنا لتشير علينا برأيها. فأتيت المرأة وقلت:
- «ما عندك؟» قالت: «هو متحرّز محترس، وليس من القصر شيء إلّا والحرس محيطون به غير هذا البيت، فإنّ ظهره إلى مكان كذا وكذا من الطريق، فإذا أمسيتم فانقبوا عليه، فإنّكم من دون الحرس، وليس دون قتله شيء.» وقالت: «إنّكم ستجدون فيه سلاحا وسراجا وهو علامة لكم.» فخرجت من عندها وتلقّانى الأسود خارجا من بعض منازله، فقال:
- «ما أدخلك علىّ؟» ووجأ رأسى حتى سقطت، وكان شديدا، وصاحت المرأة- فأدهشته عنّى، ولولا ذلك لقتلني- وقالت:
- «ابن عمّى جاءني زائرا، فقصّرت بى.» فقال: «اسكتي لا أبا لك! فقد وهبته لك.» فتحاملت وأتيت أصحابى فقلت:
- «النجاء، الهرب.» وأخبرتهم الخبر. فإنّا على ذلك حيارى إذا جاءني رسولها يقول:
- «لا تدعنّ ما فارقتك عليه، فإنّى لم أزل به حتى اطمأن [٢٨٩] واعتذر.» فقلنا لفيروز: «ايتها وتثبّت، فأمّا أنا فلا سبيل لى إلى الدخول بعد النهى.» ففعل. وكان فيروز أفطن منّا، فلما أخبرته الخبر قال:
стр. 264
- «وكيف ننقب [١] على بيوت مبطّنة الأبواب؟ ينبغي لنا أن نقلع بطانة الباب.» فدخلا، فاقتلعا البطانة، ثمّ أغلقاه وجلسا عندها كالزائر. فدخل عليها فاستخفّته غيرة، وأخبرته برضاع وقرابة مثلها [٢] محرّم. فصاح به وأخرجه وجاء بالخبر. فلمّا أمسينا عملنا في أمرنا وقد كنّا واطأنا أشياعنا، ولكن عجّلنا عن مراسلتهم. فنقبنا البيت من خارج، ثمّ دخلناه، وفيه سراج تحت جفنة [٣] ، واتّقينا بفيروز لأنّه كان أنجدنا وأشدّنا، فقلنا:
- «انظر ماذا ترى وأين موضعه؟» فدخل ونحن بينه وبين الحرس الذين معه في مقصورته. فلمّا دنا من باب البيت سمع غطيطا شديدا، فإذا المرأة جالسة. فلمّا قام على الباب فتح عينيه فقال أيضا:
- «ما لي ومالك يا فيروز!» فخشي أن يرجع لأخذ السلاح وإعلامنا فنهلك وتهلك المرأة. فعاجله- وكان مثل الجمل- فأخذ برأسه فدقّ [عنقه] [٤] [٢٩٠] ووضع ركبته في ظهره فدقّه، ثم قام ليخرج. فأخذت بثوبه وهي ترى أنّه لم يقتله، وقالت:
- «أين تدعني؟» قال: «لا بأس، أخبر أصحابى وأعود معهم.» فأتانا وقمنا معه فأردنا حزّ رأسه. فتحرّك واضطرب فلم نضبطه، فقلت:
- «اجلسوا على صدره.» فجلس الإثنان على صدره وأخذت المرأة بشعره، وسمعنا بربرة، فألجمته
стр. 265
بميلاة [١] ، وأمرّ الشفرة على حلقه، فخار كأشدّ خوار من ثور سمعته قطّ.
فابتدر الحرس الباب وهم حول المقصورة:
- «ما هذا، ما هذا؟» فقالت المرأة: «النّبى يوحى إليه، اهدأوا!» [فخمد [٢]] . ثم سهرنا [٣] ليلتنا ونحن نأتمر: كيف نخبر أشياعنا ليس [٤] غيرنا ثلاثتنا: أنا وفيروز وقيس. فأجمعنا على النداء بشعارنا الذي بيننا وبين أشياعنا، ثم ننادي الأذان. فلما طلع الفجر فعلنا ذلك، فتجمّع الحرس فناديتهم:
- «أشهد أنّ محمدا رسول الله وأنّ عبهلة كذّاب.» وألقينا إليهم برأسه، وخلصت صنعاء والجند [٥] ، وأعزّ الله الإسلام، وتنافسنا الإمارة، وتراجع أصحاب رسول الله- صلى الله عليه- إلى أعمالهم [٢٩١] فاصطلحوا على معاذ، فكان يصلّى بنا. وكتبنا إلى رسول الله- صلى الله عليه- بالخبر، وذلك في حياته فقدمت رسلنا وقد مات النبىّ- صلى الله عليه- صبيحة الليلة التي فتكنا فيها بالأسود فأجابنا أبو بكر رضى الله عنه.
أسماء كتّاب النبىّ ﷺ
كان علىّ بن أبى طالب وعثمان بن عفّان يكتبان الوحى، فإن غابا كتبه أبىّ بن
стр. 266
كعب وزيد بن ثابت، فإن لم يشهد هؤلاء كتبه سائر الكتّاب، وهم: عمر بن الخطّاب، وطلحة، وخالد بن سعيد، ويزيد بن أبى سفيان، والعلاء الحضرمي، وأبو سلمة بن عبد الأشهل، وعبد الله بن أبى سرح، وحويطب بن عبد العزّى، وأبو سفيان بن حرب، ومعاوية، وعثمان، وأبان: ابنا سعيد، وحاطب بن عمرو، وجهيم بن الصلت.
وكان خالد بن سعيد بن العاص ومعاوية بن أبى سفيان يكتبان بين يديه في حوائجه. وكان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان بين الناس وينوبان عن خالد ومعاوية، إذا غابا. وكان عبد الله بن الأرقم ربما كتب [٢٩٢] إلى الملوك عن النبي- ﵇. وكان زيد بن ثابت مع ما يكتبه من الوحى، يكتب إلى الملوك، وكان يحسن بالفارسية وبالرومية وبالحبشية. وكان حنظلة بن الربيع خليفة كلّ كاتب من كتّاب النبىّ- ﵇ غاب عن عمله، فغلب عليه اسم الكاتب من بينهم. وكان النبىّ- ﵇ يضع عنده خاتمه، وقال له:
- «الزمنى وأذكرنى بكلّ شيء لثالثة.» فكان لا يأتى على مال ولا حاجة ثلاثة أيام إلّا ذكّره به، فلا يبيت- ﵇ وعنده منه شيء. فأمّا عبد الله بن سعد بن أبى سرح، فإنّه ارتدّ بعد كتابته للنبيّ- ﵇.
وكان يتكلّم، فسمعه رجل من الأنصار، فحلف بالله: لئن أمكنه الله منه ليضربنّه بالسيف. فلمّا كان يوم فتح مكة، جاء به عثمان- وكان بينهما رضاع- فقال:
- «يا رسول الله، هذا عبد الله، أقبل تائبا.» فأعرض عنه، والأنصارى حاضر بيده السيف. فأعاد عليه عثمان القول، فأعرض عنه. فلمّا أعاد الثالثة مدّ- صلى الله عليه- يده، فبايعه وقال للأنصارى:
стр. 267
- «لقد تلوّمت [١] أن توفّى بنذرك.» فقال: «فهلّا [٢٩٣] أو مضت [٢] إلىّ؟» فقال: «إنّه لا ينبغي للنبيّ أن يومض.»
стр. 268
مما حدث في خلافة أبى بكر
ومن صرامة الرأى وحصافته ما كان من أبى بكر رضى الله عنه
وذلك أنّه لمّا مات النبي- صلى الله عليه- ارتدّت العرب واضطرمت الأرض واشتغل الناس بالمرتدّين وتروخى [١] عن مسيلمة وطليحة. فاستغلظ أمرهما وارتدّت من كل قبيلة عامّة وخاصّة إلّا قريشا وثقيفا. فتشدّد أبو بكر وكان فيه لين، إلّا أنّه حزم وحصف وخالف الناس، وكانوا أشاروا عليه بالمقاومة. وذلك أنّ أسامة بن زيد كان غائبا بالجيش الذي جهّزه رسول الله- ﵇ معه إلى حيث قتل فيه أبوه زيد، وكان أهل المدينة في قلّة، وكان طليحة قد قوى بأسد وغطفان وطيّء. فبعثوا وفودا إلى أبى بكر- رضى الله عنه- من كلّ قبيلة، ونزلوا على وجوه الناس على أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة، فجرّد أبو بكر العزيمة وقال:
- «لو منعونى عقالا لجاهدتهم عليه.» [٢] فرجعوا فأخبروا عشائرهم [٢٩٤] بقلّة من [٣] أهل المدينة وأطمعوهم فيها.
فكان من حصافة أبى بكر أن جعل على أنقاب المدينة بعد خروج الوفد عليّا
стр. 269
والزبير وطلحة ونفرا معهم. وأخذ أهل المدينة بحضور المسجد، وقال لهم:
- «إنّ الأرض كافرة، وقد رأى وفدهم منكم قلّة، وإنّكم لا تدرون أليلا تؤتون، أم نهارا؟ وأدناهم منكم على بريد [١] وقد كان القوم يأملون أن نوادعهم، ونقبل منهم وقد أبينا عليهم، ونبذنا إليهم [٢] فاستعدّوا وأعدّوا.» فما لبثوا إلّا ثلاثا حتى طرقوا المدينة غارّة [٣] مع الليل وخلّفوا ردءا [٤] لهم بذي حسى، فوافوا الأنقاب [٥] وعليها المقاتلة ودونهم أقوام [٦] يدرجون.
فنهنهوهم [٧] وأرسلوا إلى أبى بكر بالخبر. فخرج أبو بكر في أهل المسجد على النواضح إليهم فانهزموا واتّبعهم المسلمون على إبلهم حتى بلغوا ذا حسى. فخرج عليهم الردء بأنحاء قد نفخوها وجعلوا فيها الحبال، ثم دهدهوها [٨] بأرجلهم في وجوه الإبل فتدهده كل نحى في طوله [٩] فنفرت الإبل إبل المسلمين وهم عليها، ولا تنفر [٢٩٥] من شيء نفارها من الأنحاء. فعاجت بهم ما يملكونها [١٠] حتى دخلت بهم المدينة، إلّا أنّه لم يصرع مسلم ولم يصب، وظنّ القوم بالمسلمين الوهن فبعثوا إلى الناس بالخبر فقدموا عليهم أعمارا [١١] .
وبات أبو بكر ليلته يتهيّأ، فعبّى الناس، ثم خرج في تعبئته من أعجاز [١٢] ليلته يمشى، فما طلع الفجر إلّا وهم مع العدوّ في صعيد واحد. فما سمعوا لأحد من
стр. 270
المسلمين همسا ولا حسّا حتّى وضعوا فيهم السيوف. فما ذرّ [١] قرن الشمس حتّى ولّوهم الأدبار وغلبوهم على عامّة ظهرهم، وقتل رئيسهم حبال وكان صاحب طليحة، واتبعهم أبو بكر- فكان أول فتح- فلما بلغ ذا القصة وضع بها النعمان بن مقرّن في عدد، ورجع إلى المدينة، فذلّ المشركون وعزّ المسلمون بوقعة أبى بكر- رضى الله عنه- فوثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من المسلمين فقتلوهم كلّ قتلة، وفعل من وراءهم فعلهم. فحلف أبو بكر ليقتلنّ في كل قبيلة قتلة من قتلوا وليزيدنّ وليفعلنّ وليصنعنّ [٢] .
فوفى بذلك، فازداد المسلمون ثباتا على دينهم وتفرّق [٢٩٦] أمر المشركين، وطرقت المدينة صدقات صفوان والزبرقان وعدىّ. فاستبشر لذلك أبو بكر والمسلمون، وذلك لستّين يوما من خروج أسامة.
ثم قدم أسامة واستخلفه أبو بكر على المدينة وقال له ولجنده: «أريحوا واستريحوا.» ثم خرج بنفسه مع الذين كانوا على الأنقاب، فقال له المسلمون:
- «ننشدك الله أن تعرّض نفسك، فإنّك إن تصب لم يكن للناس نظام. ومقامك أشدّ على العدوّ. فابعث رجلا إن أصيب أمّرت آخر.» فقال: «لا والله حتّى أواسيكم بنفسي.» فخرج في تعبئته إلى ذى القصة والنعمان وأصحابه على ما كانوا عليه، حتى نزل على أهل الربذة بالأبرق. فاقتتلوا، فهزم القوم وأخذ الحطيئة أسيرا، وطارت عبس وبنو بكر. فأقام أبو بكر على الأبرق أيّاما وقد غلب بنى ذبيان على البلاد، وقال:
- «حرام على بنى ذبيان البلاد أن يطأوها بعد أن غنّمناها الله.»
стр. 271
فلمّا غلب أهل الردّة ودخلوا فيما خرجوا منه، جاءت بنو ثعلبة ومن كان ينازلهم. فمنعوا منها فأتوه في المدينة [٢٩٧] فقالوا:
- «علام نمنع من لزوم بلادنا؟» فقال: «كذبتم، ليست لكم ببلاد.»
عقد أحد عشر لواء لمحاربة أهل الردة
ثمّ حمى بلاد الربذة كلّها لصدقات المسلمين وجاءت الصدقات الكثيرة. فلمّا أراح أسامة وجنوده ظهورهم وجمّوا، عقد أبو بكر أحد عشر لواء وقطع عليها البعوث:
عقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد، فإذا فرغ منه سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن قام له، وعقد لعكرمة بن أبى جهل وأمره بمسيلمة، وعقد للمهاجر بن أبى أمية وأمره بجنود الأسود العنسي ومعونة الأبناء على قيس بن المكشوح ومن أعانه من اليمن عليهم، ثم يمضى إلى كندة بحضرموت، وعقد لخالد بن سعيد بن العاص وكان قدم من اليمن، وترك عمله، ولعمرو بن العاص إلى جمّاع قضاعة ووديعة والحارث، ولحذيفة بن محصن، وأمره بأهل دبا، ولعرفجة بن هرثمة، وأمره بمهرة، ولشرحبيل بن حسنة على قضاعة، ولطريفة بن حاجز، وأمره ببني سليم وهوازن، ولسويد بن مقرّن وأمره بتهامة اليمن، وللعلاء بن الحضرمي، وأمره بالبحرين.
ففصل الأمر من ذى القصّة وقد كتب لهم عهدهم، فلحق بكلّ أمير جنده.
стр. 272
[٢٩٨] وكتب إلى جميع المرتدّة كتبا بليغة بالإعذار والإنذار والترغيب والترهيب، ونفذت الرسل أمام الجنود بالكتب ونفذ خالد إلى طليحة، فهزمه وفضّ خيله.
وكان طليحة ارتدّ في حياة رسول الله- صلى الله عليه- وادعى النبوّة. فوجه النبىّ- صلى الله عليه- ضرار بن الأزور عاملا على بنى أسد وأمرهم بالقيام في ذلك على كلّ من ارتدّ فأشجوا طليحة وأخافوا ونقص أمره، حتى لم يبق إلّا أخذه سلما. سوى أنّه كان ضرب ضربة بالجراز، فنبا عنه. فشاعت في الناس وأتى المسلمين- وهم على ذلك- موت نبيّهم. وقال ناس:
- «إنّ السلاح لا يعمل في طليحة.» فقوى أمره ونقص أمر المسلمين لذلك، حتى إنّهم قالوا عرفنا [١] ذلك في أنفسنا يوم ورد علينا الخبر بوفاة رسول الله- صلى الله عليه.
وقام عيينة بن حصين بنصره، وقام في غطفان فقال:
- «ما أعرف حدود غطفان منذ انقطع ما بيننا وبين بنى أسد، وإنّى مجدّد الحلف الذي كان بيننا في الجاهلية، ومتابع [٢٩٩] طليحة، والله لأن نتبع نبيا من الحليفين أحبّ إلينا من أن نتبع نبيّا من قريش.» وقد مات رسول الله- صلى الله عليه- وبقي طليحة، فطابقوه على رأيه. فلمّا قوى أمر طليحة واستفحل، هرب ضرار وأصحاب النبي- صلى الله عليه- وطاروا كلّ مطار.
قال ضرار بن الأزور: «فما رأيت أحدا- ليس رسول الله- أملأ لحرب شعواء من أبى بكر، لجعلنا نخبره ولكأنّما نخبره بما له، لا عليه.»
стр. 273
صرامة عمر وحصافته في هذا الوقت
ومما ظهر من عمر- رضى الله عنه- في هذا الوقت صرامة وحصافة: أنّ عمرو بن العاص كان بعمان. فلمّا مات رسول الله- صلى الله عليه- أقبل حتى انتهى إلى البحرين، وسار في بنى تميم، وفي بنى عامر، حتّى قدم المدينة، فأطافت به قريش وسألوه. فأخبرهم أنّ العساكر معسكرة من دبا إلى حيث انتهيت إليكم. وأخبرهم من اضطراب الإسلام وقوّة الأعداء ما كسرهم. فتفرّقوا وتحلّقوا حلقا. وأقبل عمر بن الخطاب يريد [٣٠٠] التسليم على عمرو. فمرّ بحلقة وهم في شيء مما سمعوا من عمرو، وفي تلك الحلقة عثمان وعلىّ وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد. فلمّا دنا عمر منهم سكتوا.
فقال عمر: «فيم أنتم؟» فلم يخبروه، فقال: «ما أعلمنى بالذي خلوتم له.» فغضب طلحة وقال: «يا ابن الخطاب أتخبرنا بالغيب؟» فقال: «لا يعلم الغيب إلّا الله، ولكن أظنّ أنكم قلتم: ما أخوفنا على قريش، من العرب وأخلقهم ألّا يقرّوا بهذا الأمر.» قالوا: «صدقت.» قال: «فلا تخافوا هذه المنزلة. أنا والله منكم على العرب أخوف منّى عليكم من العرب، والله لو تدخلون معاشر قريش جحرا [١] لدخلته العرب في آثاركم.
فاتقوا الله فيهم.» ثمّ مضى عمر إلى أبى بكر واجتمع مع عمرو.
стр. 274
إسلام طليحة بعد ارتداده وادّعائه النبوّة
فأمّا طليحة، فإنّه لما هزم أصحابه، هرب حتى نزل على كعب على النقع [١] .
فأسلم، ولم يزل مقيما في كلب حتى مات أبو بكر. وإنّما أسلم هنالك حتى بلغه أنّ أسدا وغطفان وعامرا قد أسلموا. فلمّا مات أبو بكر، [٣٠١] أتى [٢] عمر للبيعة، فقال له عمر:
- «أنت قاتل عكاشة وثابت، والله لا أحبّك أبدا.» فقال يا أمير المؤمنين، ما تنقم علىّ من رجلين أكرمهما الله بيدي ولم يهنّى بأيديهما.» فبايعه عمر. ثم قال له خريم [٣] :
- «ما بقي من كهانتك؟» قال: «نفخة أو نفختان بالكير [٤] .» ثم رجع إلى دار قومه، وأقام بها حتى خرج إلى العراق.
ولما أعطى أهل بزاخة من أسد وغطفان وطيئ بأيديهم على الإسلام، لم يقبل خالد من أحد منهم ولا من هوازن وسليم، إلّا على أن يأتوا بالذين حرقوا ومثّلوا وعدوا على أهل الإسلام في حال ردّتهم. فأتوه بهم، فقتل منهم إلّا قرّة بن هبيرة ونفرا معه أو ثقتهم، ومثّل بالذين مثّلوا بالمسلمين، وأحرقهم بالنيران، ورضخهم [٥] بالحجارة، ورمى بهم من الجبال، ونكّسهم في الآبار، وخرق بعضهم
стр. 275
بالنبال، وكتب بخبرهم وما صنع، إلى أبى بكر.
فكتب إليه أبو بكر:
«ليزدك الله ما أنعم به عليك خيرا، فاتق الله، ولا تظفرنّ بأحد قتل المسلمين إلّا قتلته ونكلت به غيره، وإن كنت [٣٠٢] أحييت ممّن حادّ الله وضادّه فاقتله.» فأقام خالد شهرا على بزاخة يصعّد ويصوّب ويرجع في طلب القوم، فمنهم من يحرق، ومنهم من يرضخه، ومنهم من يرمى به من الجبل.
مكيدة للفجاءة تمّت عليه
وقدم الفجاءة [١] بن إياس بن عبد ياليل على أبى بكر، فقال:
- «أعنّى بسلاح، ومرني بما شئت، ومن شئت من أهل البادية.» فأعطاه سلاحا، وأمَره أمْره، فخالفه، وخرج، ونزل الجواء [٢] ، وبعث نجبة بن أبى الميثاء [٣] ، وأمره بالمسلمين، فشنّها [٤] غارة على كلّ مسلم في سليم وهوازن، وبلغ ذلك أبا بكر، فأرسل إليه من حاربه بالجواء حربا شديدا، فقتل نجبة، وهرب الفجاءة، فلحقه من أسره وبعث به إلى أبى بكر، فأوقد له في مصلّى المدينة حطب كثير، ثم رمى به في النار مقموطا.
قتل مسيلمة في حديقة الموت ومكيدة لمجّاعة على خالد
ومن وجوه المكائد في الحرب أنّ خالدا لما مضى نحو اليمامة قاصدا مسيلمة، فضرب [بها] [٥] عسكره، خرج أهل اليمامة مع المسيلمة. ثمّ التقى
стр. 276
الناس، ولم تلقهم حرب قطّ مثلها [٣٠٣] من حرب العرب. فاقتتل الناس قتالا شديدا حتى انهزم المسلمون، وخاضوا إلى فسطاط خالد، فزال خالد عنه، وأسلم امرأته أمّ تميم، فرعبلوا [١] الفسطاط بالسيوف.
ثم إنّ المسلمين تداعوا وتبرّأوا إلى الله ممن انهزم، وجالدوا حتى قتل زيد بن الخطّاب وعدّة من خيار الناس، وخلصوا [٢] إلى محكّم اليمامة [٣] ، وكان سيّدا فيهم، فقاتل قتالا شديدا حتى قتل، وزحف المسلمون، واشتدّ القتال. فكانت يومئذ سجالا إنّما يكون مرّة على المسلمين، ومرّة على الكافرين. واستحرّ القتال في المهاجرين والأنصار، وثبت مسيلمة، ودارت رحاهم عليه.
فعرف خالد بن الوليد أنّها لا تركد إلّا بقتل مسيلمة، ولم تحفل بنو حنيفة بقتل من قتل منهم. فبرز خالد حتّى إذا كان أمام الصفّ دعا إلى البراز، وانتمى وقال:
- «أنا ابن الوليد العود، أنا ابن عامر وزيد.» فجعل لا يبرز له أحد إلّا حطّمه وقتله. ودارت عليه رحى المسلمين فطحنت.
ثم دنا خالد من مسيلمة، فدعاه مناديا بأعلى صوته [٣٠٤] ليطلب غرّته [٤] ، وذلك لما علم أنّ الحرب لا تزول إلّا بزواله، فأجابه مسيلمة. فعرض عليه أشياء مما يشتهى مسيلمة، ثم قال له:
- «إن قبلنا النصف، فأىّ الأنصاف تعطينا؟» فكان إذا همّ بجوابه، أعرض عنه مستشيرا شيطانه، فكان شيطانه ينهاه أن يقبل، فأعرض بوجهه مرّة من ذلك، فركبه خالد فأرهقه، فأدبر، وزالوا، فذمر خالد الناس، وقال:
- «دونكم لا تقيلوهم.»
стр. 277
فاقتحموا حديقة الموت [١] ، فاقتحم الناس عليهم، فقتلوا منهم عشرة آلاف، وقتل مسيلمة. قتله وحشىّ بحربته، وأعانه رجل من الأنصار.
وكان خالد ظفر قبل هذه الوقعة بمجّاعة مع نفر معه كانوا خرجوا في سريّة لهم، وكان ظنّ أنّهم استقبلوه. فلمّا سألهم صدقوه. ولو عرفوا خبره لقالوا: إنّما استقبلناك، فسلموا. فعرضهم على السيف، فقتلهم عن آخرهم إلّا مجّاعة، فإنّه استحياه طمعا في الانتفاع به. فلمّا فرغ من قتل مسيلمة وأخبر به أخرج مجّاعة يرسف في الحديد ليدلّه على مسيلمة، [٣٠٥] فجعل يكشف له القتلى حتّى مرّ بمحكّم اليمامة، وكان وسيما حسنا. فلما رآه خالد قال:
- «هذا صاحبكم؟» قال: «لا، هذا والله خير منه وأكرم، هذا محكّم اليمامة.» ثم مضى خالد يكشف له القتلى. فإذا رويجل أصفر [٢] أخينس، فقال مجّاعة:
- «هذا صاحبكم، قد فرغتم منه.» فقال خالد لمجّاعة: «هذا فعل بكم ما فعل.» قال: «قد كان ذلك يا خالد، وإنّه والله ما جاءك إلّا سرعان الخيل، وإن الحصون لمملوءة رجالا، فهلّم أصالحك على قومي.» يقول ذلك لرجل قد نهكته الحرب، وأصيب معه من أشراف الناس من أصيب، فقد رقّ، وأحبّ الدعة والصلح.
فقال: «هلمّ أصالحك.» فصالحه على الصفراء والبيضاء والحلقة [٣] ونصف السبي.
ثم قال: «فآتى القوم فأعرض عليهم ما قد صنعت.»
стр. 278
قال: «انطلق إليهم.» فذهب وقال للنساء- وليس في الحصون إلّا النساء والصبيان ومن ليس به طرق [١] من الشيوخ:
- «البسن الحديد، ثمّ أشرفن على الحصون، وانشرن شعوركنّ.» ثم كرّ نحو خالد وقال:
- «أبوا [٢] ما صالحتك عليه، ولكن صالحني على ربع السبي لأعزم [٣] على [٣٠٦] القوم.» قال خالد: «قد فعلت.» فسرّحه وقال:
- «أنتم بالخيار ثلاثا، والله لئن لم تتمّوا ولم تقبلوا، لأنهدنّ إليكم، ثم لا أقبل منكم خصلة أبدا إلّا القتل.» فكان خالد إذا نظر إلى الحصون رآها مملوءة الحيطان بالسلاح والسواد، فيراها رجالا وإنّما هي النساء.
فلمّا رجع مجّاعة إليهم قال: «فأمّا الآن فاقبلوا.» ورجع إلى خالد، وقال: «بعد شرّ ما، قبلوا [٤] ، اكتب كتابك.» فكتب:
«هذا ما قاضى عليه خالد بن الوليد مجّاعة من مرارة وفلانا وفلانا، قاضاهم على الصفراء، والبيضاء، وربع السبي، والحلقة، والكراع، وحائط من كل قرية ومزرعة، على أن تسلموا، ثم أنتم آمنون بأمان الله ولكم ذمّة خالد بن الوليد، وذمّة أبى بكر خليفة رسول الله- صلى الله عليه- وذمم المسلمين على الوفاء.»
стр. 279
فلمّا فرغ خالد بن الوليد من هذه الوقعة والصلح، فتحت الحصون، فإذا ليس فيها إلّا النساء والصبيان! فقال خالد لمجّاعة:
- «ويحك، خدعتني!» قال: «قومي، ولم أستطع إلّا ما صنعت. [١] » ولمّا فرغ خالد من هذه الوقعة أمره [٣٠٧] أبو بكر بالمسير إلى العراق، وكان ما كان من أمره مع الفرس، ولم أجد في تلك الحروب والوقعات مع عظمها وشدتها موضع حيلة، ولا موقع تدبير تستفاد منه تجربة إلّا اليسير مما سنذكره، وباقيه كلّه جهاد من القوم ونصر من الله واجتهاد من المسلمين، وخذلان للفرس، وانصرام لمدّتهم، وانقضاء لملكهم.
وكان شرطنا في أول الكتاب ألّا نثبت من الأخبار إلّا ما فيه تدبير نافع للمستقبل، أو حيلة تمّت في حرب، أو غيرها، ليكون معتبرا وأدبا لمن يستأنف من الأمر مثله، فلذلك تركنا إثبات هذه الوقائع، وعلى أنّا سنذكر الجمل التي فيها أدنى تنبيه على موضع فائدة، ولأجل ذلك، تركنا ذكر أكثر مغازي رسول الله- صلى الله عليه- ووقعاته، لأنّها كلّها توفيق الله ونصره وخذلان أعدائه، ولا تجربة في هذا، ولا تستفاد منه حيلة، ولا تدبير بشرىّ [٢] .
ومن الآراء السديدة ما كان من خالد بالشام يوم اليرموك [٣]
[٣٠٨] وذلك أنّ خالدا افتتح السواد الذي بينه وبين دجلة، وحاز غربىّ دجلة كلّها بوقائع كثيرة وحروب عظيمة، وشغل الفرس عن أمر الملك. فإنّ أردشير بن
стр. 280
شيرى مات وقد كان هلك العظماء وأهل بيت كسرى بما أفناهم شيرى، وبغزوات خالد للعظماء، وتفرّغ أبو بكر للشام، وكان أمر خالدا ألّا يقتحم على الفرس، لأنّ مسالح لهم كانت من وراء المسلمين. فخشي أن يؤتوا من ورائهم، وقد كان المسلمون أشرفوا على الهلاك بالشام لكثرة جنود الروم.
فكتب أبو بكر إلى خالد يأمره أن يستخلف على جنده، ويسير في عدد وافر إلى إخوانه المسلمين بالشام. ولما اهتمّ بأمر الشام كتب إلى عمرو بن العاص، وإلى الوليد بن عقبة، وكانا على عمل من الصدقات. أمّا عمرو فكان على صدقات هذيم وعذرة ومن لفّ لفّها. وأمّا الوليد فكان على النصف من صدقات قضاعة. فكتب أبو بكر إليهما يرغّبهما في الجهاد ويخيّرهما بين أعمالهما وما ندبهما إليه، فكتبا بإيثار الجهاد، فكتب [٣٠٩] أبو بكر بأن يندبا من يليهما، ويستخلفا على أعمالهما.
ثم ندب أبو بكر من كان اجتمع إليه، وقوّى بهم عمرا، وأمّره على فلسطين وأمره بطريق سمّاها له. وولّى الوليد الأردن، وأمدّه ببعض من كان اجتمع إليه.
ودعا يزيد بن أبى سفيان فأمّره على جند عظيم هم جمهور من انتدب له، وفي جنده سهيل بن عمرو، وأشباهه. واستعمل أبا عبيدة وأمّره على حمص مع جند [١] .
وكان قد قدّم خالد سعيد بن العاص، وأمره أن يأتى تيماء، ويقيم بها، فلا تتجاوزها، وينتدب إليه من حوله ويتقوّى به، حتّى تأتيه الجنود. وسمى ليزيد بن أبى سفيان دمشق، ولشرحبيل بن حسنة الأردن.
فتوافى الجند أطراف الشام مع الأمراء الأربعة، وهم سبعة وعشرون ألفا. وأمّر أبو بكر معاوية وشرحبيل على ثلاثة آلاف، وكان عكرمة بن أبى جهل ردءا [٢]
стр. 281
لهم في ستة آلاف. وكان في ثغر الروم أبو عبيدة، فشجى [١] بالروم وكثروا عليه، فكتب إلى [٣١٠] أبى بكر يستمدّ، وأمدّهم بخالد بن الوليد من العراق في عشرة آلاف، فكانوا ستة وأربعين ألفا، وكان قتالهم على تساند: كلّ جند وأميرهم، ولا يجمعهم أمير واحد حتّى قدم عليهم خالد بن الوليد من العراق.
تدبير حصيف من خالد
فلمّا قدم خالد، وجد الروم في جمع عظيم وقد استمدوا المستعربة ونصارى العرب ومسالح [٢] الفرس، فكانوا في مائتي ألف مقاتل على حنق شديد، وهم يقاتلون بنشاط واجتماع. ورأى المسلمين متساندين يقاتل كل قوم مع أميرهم.
فقال لهم: «هل لكم يا معشر الرؤساء في أمر يعزّ الله به الدين، ولا يدخلكم منه نقيصة ولا مكروه؟» قالوا: «وما ذلك؟» قال:
- «إنّ هذا يوم من أيّام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، فإنّ هذا يوم له ما بعده، ولا تقاتلوا قوما على نظام وتعبئة على تساند وانتشار فإنّ ذلك لا ينبغي ولا يحلّ، وإنّ من وراءكم لو يعلم علمكم، حال [٣١١] بينكم وبين هذا.
فاعلموا في ما لم تؤمروا به، بالذي ترون أنه الرأى من واليكم ومحبّته.»
стр. 282
قالوا: «هات ما الرأى؟» قال:
- «إنّ [١] أبا بكر لم يبعثنا إلّا وهو يرى أنّا سنتياسر، ولو علم بالذي كان ويكون لقد جمعكم. إنّ الذي أنتم فيه أشدّ على المسلمين ممّا غشيهم، وأنفع [٢] للمشركين من أمدادهم. ولقد علمت أنّ الدنيا فرّقت بينكم، فالله الله في دينكم، فقد أفرد كلّ رجل ببلد من البلدان لا ينتقصه منه أن دان لأحد من أمراء الجنود، ولا يزيده أن دانوا له.
إنّ تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله، هلمّوا، فإنّ هؤلاء قد تهيّئوا، وهذا يوم له ما بعده، إن رددنا القوم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردّهم. وإن هزمونا لم نفلح بعدها. فهلمّوا، فلنتعاور الإمارة، فليكن عليها بعضنا اليوم، والآخر غدا، والآخر بعد غد حتى يتأمّر كلّنا. دعوني ألكم [٣] اليوم.» فأمّروه وهم يرون أنّها كخرجاتهم قبل قدوم خالد [٣١٢] وأنّ الأمر طويل والإمارة تصل إلى كلّ واحد منهم.
فخرجت الروم في تعبئة لا يكون أحسن منها، ولم ير المسلمون مثلها قطّ.
وخرج خالد في تعبئة لم تعبّ مثلها العرب. وذلك أنّه لمّا رأى كثرة عدد الروم، قال:
стр. 283
- «إنّه ليس في التعبئة تعبئة أكثر في رأى العين من الكراديس [١] . فجعل القلب كراديس كثيرة، وأقام فيها أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس، وعليها عمرو بن العاص، وجعل الميسرة كراديس، وعليها يزيد بن أبى سفيان، وجميعها ستّة وثلاثون كردوسا. وفي الجماعة ألف رجل من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه- فيهم نحو من مائة من أهل بدر. وكان أبو سفيان يدور ويحرّض الناس.
فقال رجل لخالد: «ما أقلّ المسلمين وأكثر الروم!» فقال خالد: «ما أكثر المسلمين وأقلّ الروم، إنّما تكثر الجنود بالنصر، وتقلّ بالخذلان، لا بعدد الرجال. والله، لوددت أنّ الأشقر براء من توجّيه [٢] ، وأنّهم أضعفوا [٣] في العدد.» وكان فرسه قد حفى [٤] في مسيره.
ثمّ أنشب القتال والتحم [٣١٣] الناس وتطارد الفرسان. فإنّهم على ذلك، إذ قدم البريد من المدينة. فأخذته الجنود، وسألوه الخبر. فلم يخبرهم إلّا بسلامة، وأخبرهم عن أمداد، وإنّما جاء بموت أبى بكر وتأمير أبى عبيدة، فأبلغوه خالدا، فأخبره الخبر، وأسرّه إليه، وأخبره بما قال للجند، فقال:
- «أحسنت، فقف.» وأخذ الكتاب، فجعله في كنانته وخاف- إن أظهر ذلك- أن ينتشر أمر الجند.
وجدّ خالد في القتال، وصلى الناس الأولى والعصر إيماء، وتضعضع الروم، ونهد خالد بالقلب، حتى كان بين خيلهم ورجلهم.
وكان موضعهم الذي اختاروه للقتال واسع المطّرد، وضيّق المهرب. فلمّا وجدت خيلهم مهربا ذهبوا وتركوا رجلهم في مصافّهم، وخرجت خيلهم تشتدّ
стр. 284
بهم في الصحراء. ولما رأى المسلمون خيل الروم توجّهت للهرب، أفرجوا لها ولم يحرجوها. فذهبت متفرّقة في البلاد، وأقبل خالد والمسلمون على الرجل، ففضّوهم. فكأنّما هدم بهم حائط، فاقتحموا في خندقهم [٣١٤] فاقتحم عليهم فعمدوا إلى الواقوصة [١] حتى هوى فيها المقترنون وغيرهم، فمن صبر من المقترنين للقتال هوى به من جشعت نفسه، فيهوى الواحد بالعشرة لا يطيقونه، كلّما هوى اثنان كانت البقية أضعف. فتهافت في الواقوصة عشرون ومائة ألف [٠٠٠ بن ١٢٠] إنسان منهم ثمانون ألف مقترن وأربعون ألف مطلق، سوى من قتل في المعركة من الخيل والرجل، وتجلّل أخو ملك الروم وأشراف من أشرافهم برانسهم وقالوا:
- «لا نحبّ أن نرى يوم السوء، إذ لم نستطع أن نرى يوم السرور، وإذ لم نستطع أن نمنع النصرانية.» فأصيبوا في تزمّلهم.
وقد كان عكرمة بن أبى جهل في بعض جولات الروم نزل عن فرسه وقال:
- «قاتلت عن رسول الله صلى الله عليه في كلّ موطن وأفرّ اليوم!» ثمّ نادى:
- «من يبايع على الموت؟» فبايعه ضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه الناس والفرسان، فقاتلوا قدّام فسطاط خالد، حتّى أثبتوا جميعا جراحا، وقتلوا إلّا من [٣١٥] برأ ومنهم ضرار.
стр. 285
وقاتل النساء يومئذ وجرحت جويرية بنت أبى سفيان، وكانت مع زوجها، بعد قتال شديد، وكان الأشتر ممن شهد هذا اليوم- وهو اليرموك- فأبلى بلاءا حسنا.
ولمّا فرغ خالد من حرب القوم نعى إلى الناس أبا بكر وقال:
- «الحمد لله الذي قضى على أبى بكر الموت، وكان أحبّ إلىّ من عمر، والحمد لله الذي ولّى عمرو كان أبغض إلىّ من أبى بكر، ثم ألزمنى طاعته.» وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دون حمص، وبلغه قتل أخيه مع الصناديد وعامّة الخيل والرجل، فارتحل وصار الأمر لأبى عبيدة.
من عجيب ما ركبه خالد
ومن عجيب ما ركبه خالد بن الوليد في سفرته هذه التي خرج فيها من العراق لمعاونة أبى عبيدة على الروم، أنّه: لمّا هزمت الروم خالد بن سعيد بن العاص، وقتلوا ابنه وقتلوا الجيش الذي معه، واجتمعت الروم باليرموك، قالوا:
- «والله لنشغلنّ أبا بكر والعرب في أنفسهم عن تورّد بلادنا.» ثم نزلوا الواقوصة [٣١٦] مستعلين.
فبلغ ذلك أبا بكر، فقال:
- «والله لأنسينّ الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد.» فكتب إليه أن:
- «سر حتى تأتى جموع المسلمين باليرموك، فانّهم قد شجوا بالروم، وإنّه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجاك [١] ، ولم ينزع الشجا من الناس نزعك، فلتهنئك [٢]- أبا سليمان- النية