فلمّا رأى ابن أبى الساج هذه الحال انصرف عن الرىّ وأعمالها بعد أن أخربها وجبى مالها لسنة أربع وثلاثمائة فى مدّة قريب، وقلّد مونس الرىّ وقزوين وصيفا البكتمرّى، ورضى ابن أبى الساج بأن يجدّد له العهد والولاية للأعمال التي كانت إليه أوّلا، وأشار ابن الفرات بقبول ذلك منه وضمن أن يلزمه بهذا السبب حمل جملة من المال إلى بيت المال يحسن موقعها، فعارض ذلك نصر الحاجب وابن الحوارى وقالوا:
- «لا يجوز أن يقرّ على أرمينية وأذربيجان إلّا بعد أن يرد الحضرة ويطأ البساط.» ونسبوا ابن الفرات إلى مواطأته، فأقام المقتدر على أنّه لا بدّ من محاربته، أو يرد الحضرة، وكتب إلى مونس بالتعجّل إليه لمحاربته. [١١٧] فلمّا رأى ابن أبى الساج أنّ دمه على خطر، حارب مونسا بسراة من بلد أذربيجان فانهزم مونس إلى زنجان، وقتل من قوّاد السلطان سيما، واستأسر ابن أبى الساج جماعة من قوّاد مونس فيهم هلال بن بدر، وأدخلهم إلى أردبيل مشهرين وأقام مونس بزنجان يجمع ليوسف، وهو مع ذلك يكاتبه ويراسله، وابن أبى الساج يلتمس منه الصلح ومونس لا يقبل منه إلّا المصير إلى الحضرة.
وكان ابن أبى الساج أبقى على مونس لمّا انهزم حتّى سلم فى ثلاثمائة غلام، ولو أراد ابن أبى الساج لأسره فكان مونس يشكر [١] ابن أبى الساج على هذه الحال.
فلمّا كان فى المحرّم بعد ذلك فى أيّام وزارة حامد بن العبّاس واقع مونس يوسف بن أبى الساج الوقعة الأخرى بأردبيل، فأسر يوسف وبه
стр. 2207
ضربات، وانصرف به مونس إلى بغداد. فلمّا كان سنة سبع وثلاثمائة حمل يوسف بن أبى الساج على جمل من باب الشمّاسية وأدخل بغداد مشهرا، على رأسه برنس وبين يديه الجيش إلى أن وصل إلى دار السلطان ووقّف بين يدي المقتدر، ثمّ حبس فى دار السلطان فى يد زيدان القهرمانة، ووسّع عليه ثمّ خلع على مونس وطوّق وسوّر [١١٨] وخلع على جماعة من قوّاده وزيد الرجّالة نصف دينار لكلّ واحد فى الشهر.
ولمّا بعد مونس من أذربيجان وانكفأ راجعا إلى مدينة السلام ومعه يوسف بن يوداذ [١] غلب سبك غلام يوسف عليها، فأنفذ مونس إليه محمّد بن عبد الله الفارقي وقلّده البلد، وكان فى حدود أرمينية، فسار إلى سبك وحاربه فانهزم الفارقي وصار إلى بغداد وتمكّن سبك من البلد. ثم كتب إلى السلطان يسأل أن يقاطع عن الناحية، فأجيب وفورق [٢] على أن يحمل فى كلّ سنة مائتين وعشرين ألف دينار، وأنفذت إليه الخلع والعقد ولم يف بما ووقف عليه.
وكان مونس لمّا ظفر بيوسف بن أبى الساج وقبل انصرافه عن أذربيجان قلّد بن وهسوذان أعمال الحرب بالرىّ ودنباوند [٣] وقزوين وزنجان وأبهر وسلّمها إليه وجعل أموالها له ولرجاله، وقلّد أحمد بن علىّ صعلوك أعمال المعاون بإصبهان وقم وجعل مال الخراج والضياع بقم وساوة له ولرجاله، مبلغه فى كلّ سنة أكثر من مائتي ألف دينار.
ثمّ وثب أحمد بن مسافر صاحب الطرم على ابن أخيه علىّ بن وهسوذان وهو معه مقيم بناحية قزوين فقتله على فراشه [١١٩] وهرب فى الوقت إلى
стр. 2208
بلده وكان أحمد بن علىّ أخو صعلوك مقيما بقم، فسار منها إلى الرىّ ودخلها فأنكر عليه السلطان فعله، وقلّد وصيف البكتمرى أعمال علىّ بن وهسوذان وقلّد محمّد بن سليمان صاحب الجيش أعمال الخراج والضياع وكوتب أحمد بن علىّ بالانصراف إلى قم، ففعل.
ثمّ جرت بينه وبين محمّد بن سليمان وحشة، فأظهر الخلاف وصرف عمّال الخراج والضياع عن قم، وأخذ فى الاستعداد للمسير إلى الرىّ.
وكوتب نحرير الصغير وهو متقلّد همذان بالمسير إلى الرىّ والاجتماع مع وصيف البكتمرى ومحمّد بن سليمان على دفع أحمد بن علىّ. وسار أحمد بن علىّ إلى باب الرىّ فواقعوه، وانهزم وصيف ونحرير إلى همذان، وقتل محمّد بن سليمان فى الوقعة، وحصلت الرىّ فى يد أحمد بن علىّ، فشرع فى إصلاح ما بينه وبين السلطان وعنى به نصر الحاجب فقاطع عن عمال الخراج بالرىّ ودنباوند وقزوين وزنجان وو أبهر على مائة وستّة وستين ألف دينار محمولة فى كلّ سنة إلى الحضرة، وقلّد الناحية، وقلّد محمّد بن خلف النيرمانى الضياع بهذه النواحي وأخرج أحمد بن علىّ عن قم فقلّد من نظر فيها.
ونعود إلى حديث ابن الفرات .
[١٢٠] لمّا تبيّن الوزير أبو الحسن ابن الفرات عداوة نصر الحاجب وأبى القاسم ابن الحوارى وشفيع اللؤلؤي ونسبهم إيّاه إلى مواطأة ابن أبى الساج على العصيان عاداهم ومنعهم أكثر حوائجهم وصرف نصرا وشفيعا عن أكثر أعمالهم.
وكان ابن الفرات قلّد أبا علىّ ابن مقلة كتابة نصر الحاجب، ثمّ استوحش أبو علىّ ابن مقلة من ابن الفرات لأجل استخدامه سعيد بن إبراهيم التستري
стр. 2209
فذكر لنصر أنّ ابن الفرات قد استخرج من ودائعه التي سلمت له خمسمائة ألف دينار بعد أن حلف فى وقت نكبته أنّه ما بقيت له وديعة لم يقرّ بها، فذكر نصر للمقتدر ذلك ليغيظه على ابن الفرات وغرّ نصر وابن الحوارى أبا علىّ ابن مقلة وأطمعاه فى الوزارة ليستخرجا ما عنده من أخبار ابن الفرات التي يضرّبون بها المقتدر عليه، حتّى ظهر الأمر فى ذلك واشتهر وكثرت به الأراجيف، فذهب أبو الخطّاب ابن أبى العبّاس ابن الفرات إلى عمّه فشرح له ما يتحدّث به الناس فقال له:
- «إن شككت فى أبى علىّ ابن مقلة مع تربيتي له ورفعي [١] منه شككت فى ولدي وفيك.» ثمّ تبيّن ابن الفرات بعد ذلك صحة ما نسب إلى ابن مقلة وأطلع [١٢١] أبا علىّ ابن مقلة على بعض ما وقع إليه من الخوض فى أمره على طريق التعجّب ليصرفه عمّا شرع فيه، فاستوحش أبو علىّ منه وخاف معاجلته إيّاه بالنكبة، فجدّ فى السعى عليه واعتصم بنصر الحاجب.
ودخلت سنة خمس وثلاثمائة ورود رسولين لملك الروم بهدايا وألطاف كثيرة التماسا للهدنة
وفيها ورد رسولان لملك الروم إلى مدينة السلام على طريق الفرات بهدايا عظيمة وألطاف كثيرة يلتمسان الهدنة.
وكان دخولهما يوم الإثنين لليلتين خلتا من المحرّم، فأنزلا فى دار صاعد بن مخلد، وتقدّم أبو الحسن ابن الفرات بأن يفرش لهما ويعدّ فيه كلّ ما
стр. 2210
يحتاجان إليه من الآلات والأوانى وجميع الأصناف، وأن يقام لهما ولمن معهما الأنزال الواسعة والحيوان الكثير والحلاوة، حتّى يتّسع بذلك كلّ من معهما، والتمسا الوصول إلى المقتدر بالله ليبلّغاه الرسالة التي معهما.
فأعلما أنّ ذلك معتذّر صعب لا يجوز إلّا بعد لقاء وزيره ومخاطبته فيما قصد إليه وتقرير الأمر معه والرغبة إليه فى تسهيل الإذن على الخليفة [١٢٢] والمشورة عليه بالإجابة إلى ما التمسا.
فسأل أبو عمر عدىّ بن عبد الباقي الوارد معهما من الثغر أبا الحسن ابن الفرات الإذن لهما فى الوصول إليه فوعده بذلك فى يوم ذكره له.
وتقدّم الوزير بأن يكون الجيش مصطفّا من دار صاعد إلى الدار التي أقطعها بالمخرّم، وأن يكون غلمانه وحده وخلفاء الحجّاب المرسومين بداره منتظمين من باب الدار إلى موضع مجلسه، وبسط له فى مجلس عظيم مذهّب السقوف فى دار منها يعرف بدار البستان بالفرش الفاخر العجيب، وعلّقت الستور التي تشبه الفرش واستزاد فى الفرش والبسط والستور ما بلغ ثمنه ثلاثين ألف دينار، ولم يبق شيء تجمّل [١] به الدار ويفخّم به الأمر إلّا فعل، وجلس على مصلّى عظيم من ورائه مسند عال والخدم بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله، والقوّاد والأولياء قد ملأوا الصحن، ودخل إليه الرسولان فشاهدوا فى طريقهما من الجيش وكثرة الجمع ما هالهما.
ولمّا دخلا دار العامّة أجلسهما الحاجب فى رواقها والرجال قد امتلأت بهم الدار، ثمّ أخذ بهما فى ممرّ طويل من وراء هذا الرواق حتّى أخرجهما إلى صحن البستان، ثمّ عدل بهما إلى المجلس الذي كان [١٢٣] الوزير جالسا فيه، فشاهدا من بهاء المجلس والفرش الذي فيه وكثرة الجمع منظرا
стр. 2211
عجيبا جليلا.
وكان معهما أبو عمر بن [١] عبد الباقي يترجم عنهما ولهما.
وحضر نراد بن محمّد صاحب الشرطة فى جميع رجاله فأقيما بين يدي الوزير أبى الحسن ابن الفرات، فسلّما وترجم لهما، ابن عبد الباقي ما قالا فأجابهما بما ترجمه لهما ورغبا إليه، فى إيقاع الفداء ومسألة المقتدر بالله الإجابة إليه فأعلمهما أنّه يحتاج إلى مخاطبته فيما ذكراه، ثمّ العمل فيه بما يرسمه، والتمسا منه إيصالهما إليه فوعدهما به.
وأخرجا من بين يديه وأخذ بهما فى الطريق الذي دخلا منه وعادا إلى دار صاعد والجيش منتظم طول الطريق بأحسن زىّ وأكمل هيأة. وكان زيّهما دراريع ديباج ملكيّة ووقايات وفوق الوقايات قلانس ديباج محدودة الرؤوس.
وخاطب ابن الفرات المقتدر بالله فى إيصالهما إليه، وواقفه على ما يجيبهما به، وتقدّم إلى سائر الأولياء والقوّاد وسائر أصناف الجند بالركوب إلى دار السلطان، وأن يكونوا منتظمين للظهر من دار صاعد إلى دار السلطان.
فركبوا ووقفوا فى الطريق على هذا الترتيب [١٢٤] فى الزىّ الحسن والسلاح التامّ، وتقدّم بأن تشحن رحاب [٢] الدار والدهاليز والممرّات بالرجال والسلاح وأن يفرش سائر القصر بأحسن الفرش ولم يزل يراعى ذلك حتّى فرغ من جميعه.
ثمّ أنفذ إلى الرسولين بالحضور، فركبا إلى الدار على الظهر وشاهدا فى طريقهما من الجيش وكثرته وحسن زيّه وتكامل عدّته أمرا عظيما، ولمّا
стр. 2212
وصلا إلى الدار أخذ بهما فى ممرّ يقضى إلى صحن من تلك الصحون، ثمّ عدل بهما إلى ممرّ آخر، وأخرجا منه إلى صحن أوسع من الأوّل، ولم تزل الحجّاب يخترقون بهما فى الصحون والممرّات حتّى كلّا من المشي وانبهرا.
وكانت تلك الصحون والممرّات محشوّة بالغلمان والخدم.
إلى أن قربا من المجلس الذي فيه المقتدر بالله والأولياء وقوف على مراتبهم، والمقتدر جالس على سرير ملكه، وأبو الحسن ابن الفرات واقف بالقرب منه، ومونس الخادم، ومن دونه من الخدم وقوف عن يمينه ويساره.
فلمّا دخلا إلى المجلس قبّلا الأرض ووقفا حيث استوقفهما نصر الحاجب، وأدّيا إليه رسالة صاحبهما فى الفداء، ورغبا إليه فى إيقاعه فأجابهما الوزير عنه بأنّه يفعل ذلك رحمة للمسلمين ورغبة فى فكّهم وإيثارا لطاعة الله [١٢٥] وخلاصهم، وأنّه ينفذ مونسا لحضور ذلك.
ولمّا خرجا من حضرته خلع عليهما مطارف خزّ مذهّبة وعمائم خزّ، وخلع على أبى عمر أيضا وانصرف على الظهر معهما والجيش على حاله منتظم للفداء.
فتأهّب لذلك وابتيع من التمس الرسل ابتياعه من الروم المطلوبين وأطلق له وللقوّاد الشاخصين معه من بيت المال بالحضرة مائة ألف وسبعون ألف دينار. وكتب إلى العمّال فى طريقه بإزاحة علّته فيما يلتمسه، وحمل إلى كلّ واحد من الرسولين عشرون ألف درهم صلة لهما، وخرجا مع مونس ومعهما أبو عمر وتمّ الفداء فى هذه السنة على يد مونس.
وفيها أطلق أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان وإخوته من الحبس فى دار السلطان وخلع عليهم خلعة الرضا.
وفيها مات العبّاس بن عمرو الغنوي، وكان متقلّدا أعمال الحرب والمعاون
стр. 2213
بديار مضر، [١] فقلّد مكانه وصيف البكتمرى فلم يضبط العمل فقلّد مكانه جنّى الصفواني فضبطه أحسن ضبط.
ودخلت سنة ست وثلاثمائة
القبض على ابن الفرات وانتهاء وزارته الثانية
وفيها قبض على الوزير أبى الحسن ابن الفرات وكانت مدّة وزارته هذه الثانية سنة واحدة [١٢٦] وخمسة أشهر وتسعة عشر يوما.
ذكر السبب فى ذلك كان السبب الظاهر فى صرف ابن الفرات عن وزارته هذه الثانية، أنّه أخّر إطلاق أرزاق الفرسان الذين مع القوّاد واحتجّ بضيق الأموال، لأجل ما احتيج [٢] إليه من صرفها إلى محاربة ابن أبى الساج، وأيضا لأجل نقصان الارتفاع بأخذ يوسف مال الرىّ، فشغب الفرسان فى أوّل سنة ستّ وثلاثمائة شغبا عظيما، وخرجوا إلى المصلّى. والتمس ابن الفرات من المقتدر بالله إطلاق مائتي ألف دينار من بيت مال الخاصّة ليضيف إليها مائتي ألف دينار ينفق فى الفرسان، فغلظ ذلك على المقتدر وراسله بأنّه قد كان ضمن له أن يقوم بسائر النفقات على رسمه كان فى وزارته الأولى، وبحمل ما ضمن حمله إلى حضرته مفردا، وأنّه لم يظنّ أنّه يقدم عليه بطلب مال. فاحتجّ ابن الفرات بما ذكرته فلم يسمع حجّته وتنكّر له.
وكان عبد الله بن جبير لمّا أقام فى وزارة علىّ بن عيسى بواسط، وقد عرف مقدار ارتفاع أعمالها وما يحصل لحامد بن العبّاس من الفضل على
стр. 2214
الضمان، شرح ذلك لابن الفرات [١٢٧] وبيّن له وجوهه لمّا عاد إلى بغداد وعند عوده إلى مجلس الأصل فى ديوان السواد. فعظم ذلك فى نفس ابن الفرات. فلمّا أتى على ذلك مدّة استأذن ابن جبير ابن الفرات فى أن يكاتب حامدا فى بعض ما كان أنهاه إليه من ضمان حامد، فأذن له فيه إذنا ضعيفا فكتب من مجلسه- وهو مجلس الأصل فى ديوان الخراج- إلى حامد وأجاب حامد وتردّدت بينهما مكاتبات فى هذا المعنى.
وتبع ذلك كتب بشر بن علىّ، وهو خليفة حامد، يعتب على ابن جبير لما كان يتكلّم به فى مجلسه، فاستوحش حامد من ذلك وتخوّف أن يكون ما يظهره ابن جبير عن مواطأة الوزير ابن الفرات ولشيء قد عرفه من نيّته، فأنفذ من يسفر له فى الوزارة ويخاطب له نصرا الحاجب، فسعى له فى ذلك وعرّف نصر سعة نفس حامد وضمن له تصحيح أموال جليلة من جهة ابن الفرات وأسبابه، وراسل أيضا السيّدة فى هذا الباب.
ووافق ما سعى له فيه وما بذله له سوء رأى نصر فى ابن الفرات وتخوّفه منه والإضافة التي عرضت فى الوقت حتّى طلب ما طلب، فتمّ لحامد ما قدّره بما اجتمع من هذه الأحوال. فروسل حامد بالخروج إلى الحضرة من واسط [١٢٨] وأن يكتب كتابا بخروجه إلى أجنحة الطير.
فلمّا وقف عليه المقتدر أنفذ نصرا الحاجب وشفيعا المقتدري فقبضا على ابن الفرات وعلى ابنه المحسّن وموسى بن خلف وعيسى بن جبير وسعيد بن إبراهيم التستري وأمّ ولد له وابنها منه، وحملوا إلى دار السلطان فاعتقل أبو الحسن ابن الفرات وحده فى يد زيدان القهرمانة واعتقل الباقون فى يد نصر.
ووصل حامد إلى مدينة السلام وأقام ليلته فى دار الحجبة من دار السلطان، وتحقّق به أبو القاسم ابن الحوارى. وجلس حامد يتحدّث، فبان للقوّاد وجميع خواصّ المقتدر حدّته وقلّة خبرته بأمر الوزارة.
стр. 2215
وحدّث المقتدر بذلك فاستدعى أبا القاسم ابن الحوارى وعاتبه على مشورته به، فوصفه ابن الحوارى باليسار العظيم وباستخراج الأموال وهيبته عند العمّال ونبل النفس وكثرة الغلمان. وكان مع حامد لمّا قدم أربعمائة غلام يحملون السلاح فيهم عدّة يجرون مجرى وجوه القوّاد وأكابر أصحاب السلطان.
وأشار ابن الحوارى على المقتدر فى عرض كلامه بإطلاق علىّ بن عيسى وتقليده الدواوين بأسرها ليخلف حامدا عليها فامتنع المقتدر من ذلك إلّا بعد أن يلتمسه حامد [١٢٩] منه، فاحتال ابن الحوارى على حامد وقال له:
- «التمس ذلك من المقتدر إذا وصلت إلى حضرته وعظّم عليه أمر الأعمال والدواوين وحوائج الحاشية وخوّفه من سوء أدبهم [١] وصوّر لحامد أنّه إن لم يفعل ذلك فعل مراغمة له.» وحلف أنّه ناصح له. فلمّا وصل حامد إلى المقتدر بالله وتقلّد وزارته قبّل الأرض بين يديه، وبعقب ذلك سأله إطلاق علىّ بن عيسى والإذن له فى استخلافه على الدواوين والأعمال.
فقال له المقتدر بالله:
- «ما أحسب علىّ بن عيسى يجيب إلى ذلك ولا يرضى أن يكون تابعا بعد أن كان متبوعا رئيسا.» فقال حامد بحضرة الناس:
- «لم لا يستجيب إلى ذلك وإنّما مثل الكاتب مثل الخيّاط يخيط ثوبا قيمته ألف دينار ويخيط ثوبا بعشرة دراهم.» فضحك الناس منه.
стр. 2216
وزارة حامد بن العباس
ولمّا خلع على حامد خلع الوزارة صار إلى دار الوزارة بالمخرّم، فنزلها وجلس فيها للتهنئة ولم يقرّر شيئا من الدواوين فتركها مختومة ذلك اليوم، وتحقّق به أبو علىّ بن مقلة واختصّ به واستحضر حامد أبا عبد الله زنجىّ الكاتب فألزمه داره وردّ إليه مكاتبة العمّال عنه على رسمه مع ابن الفرات.
وتحقّق بجميع الأمور ابن الحوارى [١٣٠] وصار هو السفير بين حامد وبين المقتدر بالله، وكتب عن المقتدر إلى جميع أصحاب الأطراف وعمّال المعاون بخبر تقليده حامدا الوزارة، أنشأ ذلك أبو الحسن محمّد بن جعفر بن ثوابة.
ثمّ قرّر حامد وعلىّ بن عيسى أمر الدواوين على اتفاق منهما جميعا ثمّ ابتدأ بعد ذلك يغيّر ما رأى تغييره.
وكان علىّ بن عيسى فى أوّل أيّام وزارة حامد بن العبّاس يحضر دار حامد فى كلّ يوم دفعتين [١] مدّة شهرين، ثمّ صار يحضر فى كلّ أسبوع دفعة واحدة ثمّ سقطت منزلة حامد عند المقتدر بالله أوّل سنة سبع وثلاثمائة وتبيّن هو وخواصّه أنّه لا فائدة فى الاعتماد عليه فى شيء من الأمور، فتفرّد حينئذ أبو الحسن علىّ بن عيسى بتدبير سائر أمور المملكة، وأبطل حامدا فصار لا يأمر فى شيء بتّة حتّى قيل فيه:
هذا وزير بلا سواد ... وذا سواد بلا وزير
فلمّا رأى حامد بن العبّاس نفسه لا يأمر ولا ينهى ولا يزيد على لبس السواد والركوب فى أيّام المواكب إلى دار السلطان، فإذا حضر لم يدخله المقتدر فى شيء من التدبير، وكان الخطاب كلّه مع علىّ بن عيسى، شرع
стр. 2217
فى تضمّن أعمال الخراج والضياع [١٣١] والخاصّة والعامّة المستحدثة والعبّاسيّة والفراتيّة بالسواد والأهواز وإصبهان، وتردّدت بينه وبين علىّ بن عيسى فى ذلك بحضرة المقتدر مناظرات إلى أن تضمّن هذه الأعمال.
فضمّن حامد أبا علىّ أحمد بن محمّد بن رستم إصبهان بزيادة مائة ألف دينار فى كلّ سنة على ما كان يرتفع به على يده ويد ابن أبى البغل ويد أحمد بن سياه، ولمّا زال ضمان حامد عقد علىّ بن عيسى على أبى علىّ ابن رستم إصبهان بهذه الزيادة ثمّ شرح أبو الحسين ابن أبى البغل عظيم ما يرتكب [١] أبو علىّ ابن رستم من الظلم لأهل إصبهان، فبحث عنه علىّ بن عيسى حتّى تحقّقه، فاستشار ابن أبى البغل فأشار بعقد الضمان على صاحبين له كانا يتولّيان له بإصبهان مدّة تقلّده إيّاها وهما أبو مسلم محمّد بن بحر وأبو الحسين أحمد بن سعد. فعقد ذلك عليهما بثمانين ألف دينار زيادة وحطّ من جملة المائة الألف عشرين ألفا، ليكون فى ذلك ترفيه للرعيّة، وسلّم إليهما ابن رستم.
ولمّا تبيّن حامد اتّضاع [٢] حاله عند المقتدر ورأى أنّه لا يأمر ولا ينهى فى شيء من أمر المملكة استأذن فى العود إلى واسط ليدبّر أمر ضمانه الأوّل، فأذن له [١٣٢] المقتدر فى ذلك وأقام بواسط وله اسم الوزارة فقط.
ذكر ما عامل به حامد بن العبّاس علىّ بن محمّد بن الفرات وأسبابه
ركب حامد بن العبّاس وعلىّ بن عيسى ثالث يوم تقلّد حامد الوزارة إلى
стр. 2218
المقتدر ووصل الناس ووصلا [١] إليه، والتمس حامد الإذن لرجل من الجند وذكر أنّه وجده قبل تقلّده الوزارة وأقرّ له بأنّه كان رسول ابن الفرات إلى يوسف بن أبى الساج فى العصيان، فأحضره كتابا منسوبا إلى ابن أبى الساج من ابن الفرات فغلظ ذلك على المقتدر واغتاط على ابن الفرات وأقبل على أبى عمر القاضي وقال له:
- «ما عندك فى هذا الفعل من ابن الفرات؟» قال له:
- «يا أمير المؤمنين لئن صحّ أنّه أقدم على هذا الفعل لقد سعى فى إفساد أمر المملكة.» ثمّ أقبل بعده على أبى جعفر ابن البهلول القاضي فقال له:
- «ما عندك فى هذا؟» قال له:
- «عندي أنّ الله قد أمر بالتثبّت ونهى عن قبول قول الفاسق.» ثمّ ناظر ابن البهلول الرجل مناظرة أدّت إلى أنّه كذب، فأقرّ الرجل بالكذب فيما ادّعاه فسلّم الرجل إلى صاحب الشرطة وأمر بضربه مائة سوط، فضرب [١٣٣] وحبس فى المطبّق ثمّ نفى إلى مصر.
ثمّ إنّ حامدا وعلىّ بن عيسى أحضرا أبا علىّ الحسين بن أحمد المادرائى مناظرة ابن الفرات فى دار السلطان، فكاشف الحسين بن أحمد المادرائى ابن الفرات بأنّه حمل إليه فى وزارته الأولى أربعمائة ألف دينار من مال المرافق بأجناد الشام وإنّ أبا العبّاس بن بسطام وأبا القاسم ابنه بعده حملا إليه ثمانمائة ألف دينار من مال الاستثناء والمرافق بكور مصر حسابا فى كلّ
стр. 2219
سنة مائتي ألف دينار.
وحضر المناظرة القضاة والكتّاب وجلس المقتدر بحيث يسمع ما يجرى ولا يراه أحد واحتجّ ابن الفرات بأن قال:
- «إنّ هذا العامل قد تولّى أعمال مصر والشام فى أيّام وزارة علىّ بن عيسى وقد اعترف بأنّ هذه أموال واجب استخراجها وادّعى أنّه حمل بعضها إلىّ حيث كان متقلّدا أعمال أجناد الشام وأنّ ابني بسطام حملا إلىّ ما ذكره.» وقد ولى علىّ بن عيسى الوزارة مدّة أربع سنين وليس يخلو هذا المال من أن يكون حمله إلى علىّ بن عيسى فهو واجب عليه أو لم يحمله فهو واجب على هذا العامل فى نفسه.
ثمّ قد اعترف أنّه قد جبى فى أيّام وزارتي الأولى ما قال وهو أربعمائة ألف دينار [١٣٤] وادّعى حملها إلىّ فصار مقرّا على نفسه ومدّعيا علىّ وأنا أقول إنّه كاذب فى ادّعائه علىّ وحكم الله تعالى ورسوله والفقهاء معروف فى أمثاله. فأسمعه حامد ما يكره وشتمه شتما قبيحا، فقال له ابن الفرات:
- «أنت على بساط السلطان وفى دار المملكة وليس هذا الموضع ممّا تعرفه من بيدر تقسمه [١] ولا هو مثل أكّار تشتمه ولا عامل تلاكمه.» ثمّ أقبل على شفيع اللؤلؤي وقال له:
- «يجب أن تكتب عنّى بما أقوله إلى مولانا، أيّده الله: إنّ حامدا إنّما حمله على الدخول فى الوزارة وليس من أهلها أنّى أوجبت عليه أكثر من ألف ألف دينار من فضل ضمانه أعمال واسط وجدّدت فى مطالبته بها فقدّر بدخوله فى الوزارة أن يفوز بذلك الفضل وبما يحصّله مستأنفا وقد كان ينبغي
стр. 2220
له وهو وزير أمير المؤمنين أن يدع ضمان أعمال واسط حتّى يتبيّن أمربح هو أم مخسر [١] فيدبّره أبو الحسن علىّ بن عيسى فإنّه لا يشكّ أحد فى بعد ما بينه وبين حامد فى الصناعة والاحتياط، فأمّا وهو وزير وهو ضامن فهذا أوّل خيانته واقتطاعه.» فأمر حامد بن العبّاس أن تنتف لحيته فلم يمتثل أحد أمره، فوثب هو بنفسه إليه وجذب لحيته.
وكان [١٣٥] الخطاب قد انتهى أن بذل الحسين بن أحمد المادرائى خطّه بخمسمائة ألف دينار سلّم إليه ابن الفرات، وكان ذلك قبل شتيمة حامد له ومدّ يده إلى لحيته. وكان حامد أحضر أبا علىّ ابن مقلة وواقفه على أن يواجه ابن الفرات بأنّه قد استخرج من ودائعه التي كتمها فى وزارته خمسمائة ألف دينار فلم يبرز أبو علىّ صفحته لابن الفرات وراسله حامد فى المجلس أن [٢] يفي بوعده ويوافقه فى وجهه فقال أبو علىّ:
- «أنا أكتب خطّى بذلك فأمّا أن أواجه ابن الفرات فلا أفعل.» فغلظ ذلك على حامد وتنكّر لابن مقلة منذ هذا اليوم.
وكان علىّ بن عيسى لا يزيد على أن يكلّم ابن الفرات فى مواضع الحجّة بكلام جميل وحامد مشغول بالسفه والشتم. وكان ابن الحوارى يرى ابن الفرات أنّه متوسّط بينه وبين حامد وتبيّن فى خطابه أنّه متحامل على ابن الفرات ولمّا سمع المقتدر شتم حامد لابن الفرات و [٣] وقف على مدّ يده إلى لحيته أنفذ خادما [٤] أقام ابن الفرات من مجلسه وردّه إلى محبسه، فقال علىّ
стр. 2221
بن عيسى وابن الحوّارى لحامد:
- «قد جنيت علينا بما فعلته بابن الفرات.» وكان الحسين بن أحمد المادرائى بعد مكاشفته لابن الفرات قال له:
- «إن تأدّى إلى المصادرة [١٣٦] تحمّلت عنك خمسين ألف دينار.» فلمّا خرج من المجلس قال له نصر الحاجب وعلىّ بن عيسى وابن الحوارى:
- «دخلت لتناظر الرجل فلم تبرح حتّى بذلك له مرفقا وصانعته.» فقال لهم:
- «أدخلتمونى إلى رجل قال لى بعضكم لمّا دخلت إليه: أنظر لمن تخاطب. وقال آخر: أنظر بين يديك. وقال آخر: الله الله فى نفسك. فلم أجد شيئا أقرب إلى الصواب ممّا فعلته بعد أن سمعت كلامه.» فمن جميل ما عمله ابن الفرات أنّه لمّا تقلّد بعد هذا الوقت الوزارة وهي وزارته الثالثة قبض على ابن الحسين بن أحمد [١] المادرائى وهو أكبر أولاده فأخذ خطّه بخمسة [٢] وعشرين ألف دينار كانت واجبة عليه من مال السلطان ولم يطالبه بها واعتقله إلى أن وافى أبوه الشام، فذكّره ابن الفرات ما كان بذله من الخمسين الألف الدينار التي تحمّلها عنه وقال له:
- «قد كنت مخيّرا أن تفعل وأن لا تفعل وإنّما وعدت وعدا وهذه رقعة بخطّ ابنك بخمسة وعشرين ألف دينار وهي واجبة عليه حاصلة قبله ولا حجّة له ولا لك فيها وقد رددتها عليك مكافأة لك على ما بذلت.
وقد كان أنفذ أبو أحمد بن حمّاد لمناظرة ابن الفرات بحضرة شفيع اللؤلؤي وغيره فافتتح ابن حمّاد الخطاب بأن قال:
стр. 2222
- «إنّ [١٣٧] الوزير والرئيس أدام الله عزّهما يقولان لك: أصدق نفسك فقد وصل إليك من ضياعك وغلّاتك فى كلّ سنة ألف ألف ومائتا ألف دينار ومن وجوه ارتفاقاتك مثلها وهذا مال عظيم، فاكتب خطّك بألف ألف دينار معجّلة تقدّمها إلى أن ينظر فى أمرك حتّى تسلم نفسك وإلّا سلّمت إلى من يعاملك بما يعامل به مثلك من الخونة الذين دبّروا على المملكة فقد صحّ عند السلطان أنّك كاتبت ابن أبى الساج وأمرته بالعصيان.» فقال له ابن الفرات:
- «قد كان ينبغي أن يشغلك أمرك وما عليك فى نفسك عن تحمّل الرسائل قد تصرّفت لعلّى بن عيسى أربع سنين واقتطعت أموالا، فلمّا نظرت فى الأمر استترت عنّى وكتبت إلىّ من تصرّف مكانك باستدراكات عليك وارتفاقات لك كثيرة والكتب بأعيانها فى ديوان السلطان محفوظة.» فأقبل شفيع على ابن حمّاد فقال له:
- «لست من رجال ابن الفرات، فقم إلى ابنه المحسّن فناظره.» فقام وأخذ خطّ المحسّن بثلاثمائة ألف دينار. ثمّ ناظر موسى بن خلف وسأله عن ودائع ابن الفرات وأمواله فقال له موسى:
- «ما له عندي وديعة ولا أعرف أخبار ودائعه ولا [١٣٨] له على يدي مال ولا وليت له عملا سلطانيا وإنّما كنت أنظر فى نفقات داره.» وكان موسى ابن خلف شيخا كبيرا قد أتت عليه نحو تسعين سنة وكان مع ذلك عليلا به ذرب لا فضل فيه [١] للمكروه فشتمه ابن حمّاد. وكان يتردّد بعد ذلك إلى أصحاب ابن الفرات ويناظرهم فلا يرتفع له شيء. وكان علّق المحسّن بفرديد من حبل الستارة فلم يصح له من جهته شيء. فلمّا رأى
стр. 2223
ذلك استعفى منهم فأعفى وأحضر حامد موسى بن خلف فقال له:
- «دلّ على أموال ابن الفرات فإنّك تعرفها ولا تحوج إلى مكروه يقع بك.» فقال له: «أحلف بما شئت من الأيمان إنّى لا أعرف شيئا من ودائعه.» فأمر بصفعه فصفع إلى أن سأل علىّ بن عيسى فيه وأشار إلى الغلمان بالكفّ. ثمّ عاوده حامد بالمكروه مرّات حتّى أحضره ليلة بين يديه وضربه حتّى مات تحت الضرب فقيل له:
- «إنّه قد تلف [١] .» فقال: «اضربوه.» فضرب بعد موته سبعة عشر [سوطا] [٢] فلمّا علم بموته أمر بجرّ رجله، فجرّ وتعلّقت أذنه فى رزّ عتبة الباب فانقلعت وحمل إلى منزله ميتا.
واستحسن من فعل موسى بن خلف ووفائه أنّه كان يقف على أموال مودعة لصاحبه عند جماعة فلم يقرّ عليه [١٣٩] إلى أن تلف.
وأحضر حامد المحسّن وطالبه فذكر المحسّن أنّه لا يقدر على أكثر من عشرين ألف دينار فأمر بصفعه فصفع فرأى على رأسه شعرا كثيرا فقال:
- «هذا لا يتألم بالصفع، هاتوا من يحلق شعره.» فأخرج من بين يديه فحلق شعره ثمّ أعيد [٣] إليه فصفعه حتّى كاد يتلف وذلك بين أيدى جماعة كثيرة، فشفع إليه علىّ بن عيسى وسأله أن يقتصر منه على خمسين ألف دينار، فحلف أنّه لا يقنع منه بدون سبعين ألف دينار، فبذل خطّه بها وألبسه جبّة صوف وعذّبه ألوانا ثمّ سلّمه إلى أبى الحسن
стр. 2224
الثعبانى فأدّى ستين ألف دينار بعد أن استماح الناس وأسعفه علىّ بن عيسى بعشرة آلاف درهم وأقام شهورا كثيرة يستميح الناس حتّى صحّح ما بذل خطّه به وكثرت الشفاعات فيه فردّه حامد إلى منزله.
وجهد حامد فى أن يسلّم إليه ابن الفرات فقال المقتدر:
- «أنا أسلّمه إليك وأوكّل به خادما يحفظ نفسه.» فقال حامد:
- «إذا علم ابن الفرات أنّه يحرس من المكروه تماتن.» فقال المقتدر:
- «أنا أسلّمه [١] إلى علىّ بن عيسى أو إلى شفيع اللؤلؤي فإنّى أثق بهما.» وكان المقتدر يروّى [٢] فى أمر ابن الفرات فتارة تشره نفسه إلى [١٤٠] المال وتارة يكره أن يتلف فى يد حامد. فعرفت زيدان القهرمانة هذه الحالة من المقتدر وأعلمتها ابن الفرات، فأظهر ابن الفرات أنّه رأى أخاه أبا العبّاس فى النوم ووصّاه وقال له:
- «أدّ المال فإنّ القوم ليس يريدون نفسك وإنّما يريدون مالك.» وأنّه قال:
- «قد أدّيت إليهم جميع مالي.» وأنّ أخاه أجابه بأن قال [٣] :
- «لم تؤد إليهم المال الفلاني.» فقلت: «إنّ معظم ذلك لورثتك.» فقال: «أدّه فإنّا جمعناه من أسلافهم وادّخرناه لمثل هذا اليوم.»
стр. 2225
ثمّ كتب إلى تاجرين بحمل ما عندهما وهو سبعمائة ألف دينار إلى حضرة المقتدر. وكتب إلى أبى بكر ابن قرابة بشيء آخر وإلى ابن إدريس الحمّال بشيء آخر، فأنفذ المقتدر رقاعة إلى حامد وعلىّ بن عيسى فغلظ ذلك عليهما ويئسا معهما [١] من تسلّم ابن الفرات وقال علىّ بن عيسى وابن الحوارى لحامد:
- «أىّ شيء عندك فيما فعله ابن الفرات؟» فقال حامد:
- «هذا من إقبال مولانا أمير المؤمنين.» فقال له علىّ بن عيسى:
- «هذا لا شكّ فيه كما قال الوزير، أيّده الله، ولكن ما أشكّ أنّ ابن الفرات ما فعل هذا حتّى توثّق بنفسه ولا سمح بهذا المال العظيم عفوا بغير مكيدة [٢] وقد كان يجوز أن يقنع [٣] منه [١٤١] ببعضه إلّا لشروعه فى تضمّن أنفسنا وأحوالنا.» فقال حامد وابن الحوارى:
- «هذا لا شكّ فيه.» ثمّ تشاغل حامد وعلىّ بن عيسى باستحضار من عليه المال وأوصلوا إليهم رقاع ابن الفرات فاعترفوا بحصّته سوى ابن قرابة فإنّه قال فى عشرة آلاف دينار كان أودعه إيّاها:
- «قد كان أودعنى [٤] هذا المال ثمّ ابتاع منّى فى أوّل سنة ستّ وثلاثمائة
стр. 2226
عنبرا ومسكا كثيرا أهدى أكثره إلى المقتدر بالله واليسير منه لنفسه ومعى توقيعاته بخطّه بتواريخ أوقاته.» واستدعى أن يجمع بينه وبين ابن الفرات فأنفذه حامد إلى دار السلطان وأوصله مفلح إلى ابن الفرات حتّى ذكر له ذلك فصدّقه وقال له:
- «لا تلمني على ما كتبت به فقد كنت أنسيت ما جرى فيه ولعمري لقد كنت جعلت مال الوديعة محسوبا لك فى ثمن العطر.» وكتب ابن الفرات خطّه بصحة ما قاله ابن قرابة فسلّمت الدنانير لابن الفرات وكان هذا الفعل من ابن قرابة أوكد أسباب تحقّقه فيما بعد ذلك بابن الفرات. وقد كان ابن الفرات أودع القاضي أبا عمر مالا لابنه الحسن بن دولة فلحقت أبا عمر رهبة شديدة من حامد لبسطه يده على القضاة والشهود [١٤٢] فاعترف أبو عمر القاضي أنّ لابن الفرات عنده وديعة لمّا سأله حامد هل عنده وديعة. فأمر بإحضاره فأحضره وأدّاه وبلغ ذلك ابن الفرات فتنكّر لأبى عمر.
فحكى أنّ أبا بكر ابن قرابة قال: لمّا خلع على ابن الفرات للوزارة الثالثة كنت أوّل من لقيه فى دهليز الحجبة المتصل بباب الخاصة فقال:
- «يا با بكر تقرّب أبو عمر بوديعتى وعرّضنى [١] .» قال: فقلت:
- «الوزير أيّده الله صادق فمن أخبره؟» فأومأ إلى زيدان القهرمانة وأن القاضي أبا عمر عرف تنكّر الوزير له.
ووصل إلى منزله وقت العشاء الآخرة فإذا فأبى عمر وابنه جالسين فى مسجد على [٢] بابه فأكبر ذلك ونزل إليهما فحلفا عليه أن يدخل إلى منزله
стр. 2227
ودخلاه بدخوله فقالا له:
- «خبر المجلس عندنا، فما الذي ترى؟» فقال لهما:
- «إزالة الاعتذار والإحتجاج وردّ المال.» فاستجابا، وكان مبلغ المال ثلاثة آلاف دينار وسألاه التسكين عنهما لئلا يعاجلا فبكّر ابن قرابة إلى ابن الفرات فقال له:
- «قد جاءني أبو عمر القاضي وابنه قلقين، وذكرا أنّ المال بحاله.» فقال:
- «الحمد لله ربّ العالمين.» فلمّا كان فى اليوم الثاني من ذلك حمل أبو بكر الثلاثة الآلاف الدينار فى برنيّة [١] كانت ضمّنت الوديعة فلمّا رآها ابن الفرات عجب [١٤٣] وأمر بتسلّمها:
وعدنا إلى خبر حامد فى وزارته
ولمّا رأى حامد وعلىّ بن عيسى تمكّن ابن الحوارى من المقتدر بالله خرج توقيع حامد بخطّ علىّ بن عيسى بتقليد ابن الحوارى جميع أعمال الإعطاء [٢] فى العساكر لسائر نواحي المغرب من حدّ هيت إلى آخر حدود مصر، وأن يقام له من الرزق مثل ما كان يقام لجميع من كان ينظر فى ذلك فى آخر أيّام وزارة ابن الفرات الثانية، وأن يقلّد ابنه- وكانت سنّة فى الحال نحو عشر سنين- ويجرى عليه ما مبلغه فى الشهر مائة وخمسون دينار وقلّد ابنه هذا بيت مال الإعطاء بالحضرة بحقّ الأصل بجاري مائة وثمانين
стр. 2228
دينارا فى الشهر واستخلف له عليه المعروف بقاطر ميز الكاتب.
وزاد بعد ذلك اختصاص ابن الحوارى وخدمته له فى خلواته وكان يشاوره فى أموره فقلّد أعمالا أخر وأجرى عليه واستخلف له عليها. فكان يصل إليه مال عظيم ولا يباشر شيئا من الأعمال ولا يدرى ما يجرى فيها.
وصرف نزار عن الشرطة بمدينة السلام وقلّد نجح الطولونى واستخلف عليها وأقام فى الأرباع فقهاء يعمل أصحاب الشرط فى أمر الجناة بما يفتون به فى أمرهم فضعفت هيبة الشرطة بذلك واستلان [١] اللصوص والعيّارون جانب نجح [١٤٤] فكثرت الجراحات والفتن وتفاقم الأمر فى التلصّص وكان العيّارون يقولون:
أخرج ولا تبالي ... ما دام نجح والى.
ودخلت سنة سبع وثلاثمائة
كان غرض حامد فى الضمانات على النواحي التي ذكرناها تفرّد علىّ ابن عيسى بتدبير المملكة وإبطاله أمر حامد. فتضمّن حامد بهذه النواحي ليكون له بالحضرة أمر ونهى وليوفّر من هذه الأعمال ما يبطل به السوق التي قامت لعلىّ بن عيسى عند المقتدر بالكفاية والعفاف. وإنّما لم يدخل أعمال فارس فى ضمانه لأنّها كانت فى ضمان أبى القاسم ابن بسطام وكان النعمان يشير على حامد بترك الدخول فى الضمان فإنّه زعم أنّه تسقط هيبته عند الناس ويصير علىّ بن عيسى المطالب له بالأموال والمتحكّم عليه.
وكان أبو عيسى أخو أبى صخرة قديم الصداقة لحامد وكان يشير عليه بالضمان ليتبيّن أثره وأن يتضمّن بعبرة سنى علىّ بن عيسى خاصّة ليكون ما
стр. 2229
يثيره- وهو شيء كثير وافر- استدراكا على علىّ بن عيسى. فمال حامد إلى هذا الرأى وخاطب علىّ بن عيسى بحضرة المقتدر وقال له:
- «قد تفرّدت بتدبير الأمور دوني وليس ترى أن تشاورنى فى شيء تعمله ولا بدّ من صدق أمير المؤمنين. فقد أضعت بالسواد والأهواز وإصبهان أربعمائة [١٤٥] ألف دينار فى كلّ سنة وأنا أضمن هذه الأعمال أربع سنين بعبرة المحمول والمسبّب [١] فى سنى وزارتك وزيادة أربعمائة ألف دينار فى كلّ سنة.» فأجابه علىّ بن عيسى بأنّه لا يستصوب تضمينه هذه الأعمال لأنّ مذهبه فى خبط [٢] الرعيّة وإحداث السنن وضرب الأبسار معروف ومن عمل بهذه السيرة فهو لا محالة يوفّر سنة أو أكثر ثمّ تخرّب خرابا لا يتلافى فى سنين فيبطل الارتفاع ويسيء الذكر. فتخاصما خصومة طويلة فقال المقتدر:
- «هذا توفير من حامد ولا يجوز تركه فإن ضمنت أنت هذه النواحي بما ضمنه حامد ضمّنتك.» فقال علىّ بن عيسى:
- «أنا كاتب وليست بعامل وحامد أولى بالضمان لا سيّما وقد بذل ما بذل راغبا والأثر فى ذلك يا أمير المؤمنين، لأنّى قد عمرت البلدان لرفقى بالرعيّة وتقليدي من العمّال من أزال المؤن عنهم، وسنة سبع قد تناهت عمارتها وليس يقدر أن يقول إنّه يتضمّنها ليستزيد فى عمارتها لأنّ أيّام العمارة قد انقضت منذ مدّة.» فأمر المقتدر بعقد الضمان على حامد وأخذ خطّه به فخرجا.
وتقدّم علىّ بن عيسى إلى أصحاب الدواوين بإخراج العبر من دواوينهم
стр. 2230
بعبر السنين القريبة لأنّها أوفر [١٤٦] فأخرج عبرة المحمول والمسبّب مع مال النفقات الراتبة فى نواحي السواد والأهواز لسنة من ثلاث سنين أولاهن سنة ثلاث وأخراهن [١] سنة خمس وثلاثمائة- ثلاثة وثلاثين ألف ألف درهم. وأخرج عبرة الضياع الخاصّة والمستحدثة والعبّاسيّة والفراتيّة للمحمول والمسبّب ثمانية آلاف ألف درهم وثمانمائة ألف درهم وأخرج عبرة مال إصبهان مع النفقات الراتبة بقسط سنة واحدة من ثلاث سنين ستّة آلاف ألف وثلاثمائة [٢] ألف درهم تصير الجميع لسنة واحدة ثمانية وأربعين ألف ألف درهم ومائة ألف درهم والزيادة التي بذلها حامد وهي عن قيمة أربعمائة ألف دينار خمسة آلاف ألف وثمانمائة ألف درهم مبلغ الجميع ثلاثة وخمسون ألف ألف وتسعمائة ألف درهم.
والتمس حامد بن العبّاس من المقتدر بالله أن يأمر بتسليم جماعة من الكتّاب إليه ليوليهم كتابته على ديوان ضمانه واختار عبيد الله بن محمّد الكلواذى وأحمد بن محمّد بن زريق وغيرهما، فتقدّم المقتدر بإجابته إلى ما سأله بعد أن عقد علىّ بن عيسى عليه الضمان باسم صاحبه محمّد بن منصور وأخذ خطّ حامد بتضمّنه عنه ما عقده باسمه واعتمد حامد بن العبّاس على عبيد الله بن محمّد الكلواذى فكان ينظّم الأعمال التي يخرجها كتّاب حامد ويتولّى المواقفة عن [١٤٧] حامد فى دار السلطان ويرفق فى المناظرة ويستعمل الحجّة فقط.
واعتمد علىّ بن عيسى على الصقر بن محمّد فى مناظرة كتّاب حامد، فكان حامد إذا حضر لا يزيد على الشتم والسبّ لعلىّ بن عيسى وذكره بالقبيح فى نفسه وأسلافه واستعمل فى ذلك ما فضح به المملكة وشاع فى
стр. 2231
الخاصّ والعامّ الخبر به ثمّ أصلح المقتدر بينهما بحضرته.
وأسرف علىّ بن عيسى فى الإلحاح على حامد فى حمل المال واحتاج حامد إلى أن يستأذن فى الخروج إلى الأهواز فأذن له وذكر أبو القاسم الكلواذى أنّه يضعف عن مقاومة علىّ بن عيسى عند غيبته، فنصب حامد صهره أبا الحسين محمّد بن أحمد ابن بسطام للنيابة عنه فى دار السلطان عند المناظرة ولإعزار [١] الكلواذى ليستوفى حجّته وظهرت فى ذلك الوقت صناعة الكلواذى وكفايته وصحة عمله فكان ذلك من أكبر أسباب نباهته.
وجرى خلاف كثير بين كتّاب حامد وبين كتّاب علىّ بن عيسى يطول ذكرها، ورضى حامد بوساطة النعمان فيها وكتب بذلك وتوسّط النعمان وقرّر الأمر من سائر أبواب الخلاف على مائة ألف دينار بقسط سنة واحدة.
وكتب ابن بسطام والكلواذى إلى حامد وهو [١٤٨] بالأهواز بصورة ما تقرّرت عليه الحكومة، فدبّر حينئذ حامد فى ذلك تدبير الشيوخ المجرّبين.
فكتب إلى المقتدر كتابا وأنفذ مع غلام له فأوصل نصر الكتاب مختوما إلى المقتدر فوجده قد ذكر فيه أنّه لم يدخل فى هذا الضمان لاستجلاب فائدة لنفسه ولا للربح على السلطان وإنّما أراد أن يبيّن عن خبرته بالأعمال وحفظ الأموال وقبح آثار علىّ بن عيسى فيما تولّاه قديما وحديثا وأنّه كان بذل زيادة أربعمائة ألف دينار فى كلّ سنة، وأنّه لمّا صار بالأهواز لاحت له زيادة مائتي ألف دينار فى سنة سبع على أربعمائة ألف دينار، فوفّر ذلك وكتب كتابه بخطّه حجّة عليه لينضاف ذلك إلى الزيادة الأولى ويثبت فى الدواوين.
فسرّ المقتدر بذلك وأمر بتقوية يد حامد وأن يقتصر بعلىّ بن عيسى على
стр. 2232
النظر فى حوائج القوّاد والحاشية والاحتياط فيما يطلق من الأموال فى النفقات فإنّه بذلك أبصر من حامد، وبإفراد حامد بجباية الأموال والنظر فى النواحي.
وخاف علىّ بن عيسى أن تقوى يد حامد فيسلّم إليه. واتفق بعقب ذلك أن تحرّكت العامّة ثمّ الخاصّة بسبب زيادة السعر وشغبوا [١٤٩] شغبا عظيما متصلا أشفى به الملك على الزوال وبغداد على الخراب. فادّعى كتّاب حامد وأسبابه ومن يميل إليه أنّ علىّ بن عيسى حمل العامّة وأكثر الخاصّة على الشغب لأنّ السعر لم يكن زاد زيادة توجب ما خرجوا إليه وإنّما بلغ الخبز الحوارى ثمانية أرطال بدرهم.
ذكر ما اضطرب لأجله أمر حامد بن العبّاس حتّى فسخ ضمانه
تجمّع الناس وقوم من أماثل العامّة فتظلّموا من زيادة السعر وضجّوا فى وجه علىّ بن عيسى لمّا ركب، ثمّ نهب العامّة دكاكين الجماعة من الدقّاقين ببغداد ثمّ اجتمعوا إلى باب السلطان فضجّوا.
فتقدّم المقتدر إلى ابن الحوارى بأن يكتب إلى حامد بأن يبادر إلى الحضرة [١] وينظر فى أمر الأسعار فيزيل التربّص ببيع الغلّات لتنحطّ الأسعار، فنفذ الكتاب بذلك فخرج حامد من الأهواز وأنفذ المقتدر ماهر [٢] الخادم لاستعجاله.
وخرج أصحاب الدواوين والقوّاد لتلقّيه وخرج نصر وابن الحوارى فتلقّياه وخرج علىّ بن عيسى فتلقّاه، ووصل إلى المقتدر بالله فخاطبه بجميل وعرّفه
стр. 2233
إحماده إيّاه على ما وفّره وأمر بأن يخلع عليه فخلع عليه وحمل على شهرىّ وانصرف إلى منزله. [١٥٠] وتحرّك الجند لغد [١] ذلك اليوم فى دار السلطان وضجّوا لارتفاع السعر، وتحرّكت العامّة فى المساجد الجامعة ببغداد وكسروا المنابر وقطعوا الصلاة بعد الركعة الأولى واستلبوا الثياب ورجموا بالآجرّ وكثرت الجراحات واجتمع منهم فى المسجد الجامع الذي فى دار السلطان عدد كثير على نصر الحاجب فوثبوا عليه ورجموه بالآجرّ.
ثمّ صاروا فى ذلك اليوم إلى دار حامد بن العبّاس فأخرج إليهم غلمانه فرموهم بالآجرّ والنشّاب وقتل خلق من العامّة فحملوا على الجنائز وشنّعوا بهم.
ووجّه حامد جماعة من غلمانه ومعهم ديوداذ بن محمّد وهو ابن أخى يوسف بن أبى الساج، فدخلوا المسجد الجامع بالجانب الغربي على دوابّهم فقتلوا جماعة وقتل أيضا من الجند عدّة وبات الناس ليلة السبت على صورة قبيحة من الخوف على أنفسهم وأموالهم وحرمهم وضعف صاحب الشرطة عن مقاومتهم لكثرة من تجمّع من العامّة.
فلمّا أصبحوا يوم السبت صار من العامّة عدد كثير إلى الجسور فأحرقوها وفتحوا السجون ونهبوا دار صاحب الشرطة ودار غيره، فأنفذ المقتدر جماعة من الغلمان الحجرية [١٥١] فى شذاءات عدّة لمحاربة العامّة وركب هارون بن غريب [٢] الخال فى جيش عظيم إلى باب الطاق فأحرق مواضع وتهارب العامّة من بين يديه إلى المسجد الجامع بباب الطاق ووكّل هارون بباب المسجد وقبض على جميع من وجده ولم يفرّق بين المستور والعيّار وحملهم
стр. 2234
إلى مجلس الشرطة فضرب بعضهم بالسوط وبعضهم بالدرّة وقطع أيدى قوم عرفوا بالإفساد.
ثمّ ركب يانس [١] الموفقى يوم الأحد فسكّن الناس ونادى فيهم وزالت الفتنة، ثمّ ركب حامد فى طيّاره يريد دار السلطان فقصده العامّة ورجموه بالآجرّ، فأمر المقتدر شفيعا المقتدري بالركوب لتسكين العامّة، فركب وسار فى الجانب الغربي وفيه كانت الفتنة، فسكّن الناس ثمّ قبض على جماعة من العامّة فضرب بعضهم بالسوط وقطعت أيدى قوم عرفوا بالرجم.
وضجّت الرجّالة المصافية [٢] فى دار السلطان من زيادة السعر فتقدّم المقتدر بالله بفتح الدكاكين والبيوت التي لحامد وللسيّدة والأمراء أولاد الخليفة والوجوه من أهل الدولة وبيع الحنطة بنقصان خمسة دنانير فى الكرّ وبيع الشعير بحسب ذلك وبمطالبة التجار والباعة أن يبيعوا بمثل هذا [١٥٢] السعر فركب هارون بن غريب ومعه إبراهيم بن بطحاء المحتسب فسعّر الكرّ المعدّل بخمسين دينارا وتقدّم إلى الدقّاقين بذلك فرضي العامّة وسكنوا وانحلّ السعر.
فسخ الضمان عن حامد بن العبّاس
وخرج توقيع المقتدر إلى حامد بن العبّاس بفسخه عنه الضمان لأجل الفتنة وضجيج العامّة من زيادة السعر وتوقيع إلى علىّ بن عيسى بأن يدبّر هو الأعمال بالسواد والأهواز وإصبهان ويقلّدها [٣] العمّال من قبله وأن يكتب عنه كتابا إلى العامّة يقرأ فى الشوارع والأسواق ثمّ على المنابر بأنّه قد زال
стр. 2235
ضمان حامد بن العبّاس وحظر على جميع الوجوه والقوّاد والغلمان أن يتضمّنوا بشيء من الأعمال. وكتب حامد إلى عمّاله بالانصراف من الأعمال وتسليمها إلى عمّال علىّ بن عيسى وانخزل حامد بن العبّاس لذلك.
ودخلت سنة ثمان وثلاثمائة
وفيها ورد الخبر من مصر بحركة الفاطمي إليها فأخرج مونس الخادم إليها.
وفيها خلع على أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان وقلّد طريق خراسان والدينور وخلع على أخويه أبى العلاء وأبى السرايا.
وفيها ورد رسول أخى صعلوك [١] بالمال والهدايا فخلع [١٥٣] عليه.
ودخلت سنة تسع وثلاثمائة
وفيها وردت الكتب وقرأت على المنابر بهزيمة المغربي واستباحة عسكره.
وفيها لقّب مونس: المظفّر، وأنشئت [٢] الكتب به عن المقتدر بالله إلى أمراء النواحي وعقد له على مصر والشام.
وفيها دخل رسول صاحب خراسان برأس ليلى بن النعمان الديلمي الذي خرج بطبرستان.
وفيها اشتهر أمر الحلّاج واسمه الحسين بن منصور حتّى قتل وأحرق.
стр. 2236
ذكر خبر الحسين بن منصور الحلّاج وما آل إليه أمره من القتل والمثلة
انتهى إلى حامد بن العبّاس فى أيّام وزارته أنّه قد موّه على جماعة من الحشم والحجّاب وعلى غلمان نصر الحاجب وأسبابه وأنّه يحيى الموتى وأنّ الجنّ يخدمونه فيحضرونه ما يشتهيه وأنّه يعمل ما أحبّ من معجزات الأنبياء. وادّعى جماعة أنّ نصرا مال إليه وسعى قوم بالسمرّى وببعض الكتّاب وبرجل هاشمىّ أنّه نبىّ الحلّاج وأنّ الحلّاج إله- عزّ [١] الله وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا.
فقبض عليهم وناظرهم حامد فاعترفوا بأنّهم يدعون إليه وأنّه قد صحّ عندهم أنّه إليه يحيى الموتى وكاشفوا الحلّاج بذلك [١٥٤] فجحده وكذّبهم وقال:
- «أعوذ بالله أن أدّعى الربوبيّة والنبوّة وإنّما أنا رجل أعبد الله عزّ ذكره وأكثر الصوم والصلاة وفعل الخير ولا غير.» واستحضر حامد بن العبّاس أبا عمر القاضي وأبا جعفر ابن البهلول القاضي وجماعة من وجوه الفقهاء والشهود واستفتاهم فى أمره، فذكروا أنّهم لا يفتون فى قتله بشيء إلى أن يصحّ عندهم ما يوجب عليه القتل وأنّه لا يجوز قبول قول من ادّعى عليه ما ادّعاه- وإن واجهه- إلّا بدليل وإقرار منه.
فكان أوّل من كشف أمره رجل من البصرة تنصّح فيه وذكر أنّه يعرف أصحابه وأنّهم متفرّقون فى البلدان يدعون إليه وأنّه كان ممّن استجاب له ثمّ
стр. 2237
تبيّن مخرقته ففارقه وخرج عن جملته وتقرّب إلى الله بكشف أمره.
واجتمع معه على هذه الحال أبو علىّ هارون بن عبد العزيز الأوارجى [١] الكاتب الأنبارى وقد كان عمل كتابا ذكر فيه مخاريق الحلّاج وحيله فيه وهو موجود فى أيدى جماعة والحلّاج حينئذ مقيم فى دار السلطان موسّع عليه مأذون لمن يدخل إليه وهو عند نصر الحاجب.
وللحلّاج اسمان: أحدهما الحسين بن منصور والآخر محمّد بن أحمد الفارسي، وكان استهوى [١٥٥] نصرا وجاز عليه تمويهه وانتشر له ذكر عظيم فى الحاشية فبعث به المقتدر إلى علىّ بن عيسى ليناظره فأحضر مجلسه وخاطبه خطابا فيه غلظة فحكى أنّه تقدّم إليه وقال له فيما بينه وبينه:
- «قف حيث انتهيت ولا تزد عليه شيئا وإلّا قلبت عليك الأرض.» وكلاما فى هذا المعنى. فتهيّب علىّ بن عيسى مناظرته واستعفى منه ونقل حينئذ إلى حامد بن العبّاس.
الحلّاج وبنت السّمرّيّ
وكانت بنت السمرّى صاحب الحلّاج قد أدخلت إلى الحلّاج وأقامت عنده فى دار السلطان مدّة وبعث بها إلى حامد ليسألها عمّا وقفت عليه من أخباره وشاهدته من أحواله.
فذكر أبو القاسم بن [٢] زنجى [٣] أنّه حضر دخول هذه المرأة إلى حامد بن العبّاس وأنّه حضر ذلك المجلس أبو علىّ أحمد بن نصر البازيار من قبل أبى
стр. 2238
القاسم ابن الحوارى ليسمع ما تحكيه. فسألها حامد عمّا تعرفه من أمر الحلّاج، فذكرت أنّ أباها السمرّى حملها إليه وأنّها لمّا دخلت إليه وهب لها أشياء كثيرة عدّدت أصنافها.
قال أبو القاسم: وهذه المرأة كانت حسنة العبارة عذبة الألفاظ مقبولة الصورة فكان ممّا أخبرت عنه أنّه قال لها:
- «قد زوّجتك من سليمان ابني وهو أعزّ أولادى علىّ [١٥٦] وهو مقيم بنيسابور وليس يحلو أن يقع بين المرأة والرجل [١] كلام أو تنكر منه حالا من الأحوال وأنت تحصلين عنده وقد وصّيته [٢] بك فإن جرى منه شيء تنكرينه فصومي يومك واصعدي آخر النهار إلى السطح وقومي على الرماد والملح الجريش [٣] واجعلي فطرك عليهما واستقبليني بوجهك واذكري لى منه ما تنكرينه منه، فإنّى أسمع وأرى.» قالت: وأصبحت يوما وأنا أنزل من السطح إلى الدار ومعى ابنته وكان قد نزل هو فلمّا صرنا على الدرجة بحيث يرانا ونراه قالت لى ابنته:
- «اسجدي له.» فقلت لها:
- «أو يسجد أحد [٤] لغير الله؟» قالت: فسمع كلامي لها فقال:
- «نعم، إله فى السماء وإله فى الأرض.» قالت: ودعاني إليه وأدخل يده فى كمّه وأخرجها مملوءة مسكا ودفعه
стр. 2239
إلىّ ثمّ أعادها ثانية إلى كمّه وأخرجها مملوءة مسكا ودفعها إلىّ وفعل ذلك مرات ثمّ قال:
- «واجعلي هذا فى طيبك فإنّ المرأة إذا حصلت عند الرجل احتاجت إلى الطيب.» قالت: ثمّ دعاني وهو جالس فى بيت على بواري فقال:
- «ارفعى جانب البارية من ذلك الموضع وخذي ممّا تحته ما تريدين.» وأومأ إلى زاوية البيت فجئت إليها ورفعت البارية فوجدت تحتها الدنانير مفروشة [١٥٧] ملء البيت، فبهرني ما رأيت من ذلك. فأقيمت المرأة وحصلت فى دار حامد إلى أن قتل الحلّاج.
الجدّ فى طلب أصحاب الحلّاج
وجدّ حامد فى طلب أصحاب الحلّاج وأذكى العيون عليهم وحصل فى يده منهم حيدرة والسمرّى ومحمّد بن علىّ القنّاى [١] والمعروف بأبى المغيث الهاشمي، واستتر ابن حمّاد وكبس منزله فأخذت منه دفاتر كثيرة وكذلك من منزل محمّد بن علىّ القنّاى فكانت مكتوبة فى ورق صينى وبعضها مكتوب بماء الذهب مبطّنة بالديباج والحرير مجلّدة بالأدم الجيّد. ووجد فى أسماء أصحابه ابن بشر وشاكر. فسأل حامد من حصل فى يده من أصحاب الحلّاج عنهما فذكروا أنّهما داعيان له بخراسان.
قال أبو القاسم بن زنجى: فكتبا فى حملهما إلى الحضرة أكثر من عشرين كتابا فلم يرد جواب أكثرها. وقيل فيما أجيب عنه منها: إنّهما يطلبان ومتى حصلا حملا، ولم يحملا إلى هذه الغاية.
стр. 2240
وصاياه للدّعاة إليه
وكان فى الكتب الموجودة له عجائب من مكاتبات أصحابه النافذين إلى النواحي وبوصيته إيّاهم بما يدعون إليه الناس وبما يأمرهم به من نقلهم من حال إلى حال أخرى ومرتبة إلى مرتبة حتّى يبلغوا الغاية القصوى وأن يخاطبوا [١٥٨] كلّ قوم على حسب عقولهم وأفهامهم وعلى قدر استجابتهم وانقيادهم وجوابات لقوم كاتبوه بألفاظ مرموزة لا يعرفها إلّا من كتبها ومن كتبت إليه.
كلام غريب من غلام حامد فى الحلّاج
وحكى أبو القاسم بن زنجى قال: كنت أنا وأبى يوما بين يدي حامد إذ نهض من مجلسه وخرجنا إلى دار العامّة وجلسنا فى رواقها وحضر هارون بن عمران الجهبذ بين يدي أبى ولم يزل يحادثه فهو فى ذلك إذ جاء غلام حامد الذي كان موكّلا بالحلّاج وأومأ إلى هارون بن عمران أن يخرج إليه فنهض مسرعا ونحن لا ندري ما السبب، فغاب عنّا قليلا ثمّ عاد وهو متغير اللون جدّا فأنكر أبى ما رأى منه فسأله عن خبره فقال:
- «دعاني الغلام الموكّل بالحلّاج فخرجت إليه فأعلمنى أنّه دخل إليه ومعه الطبق الذي رسمه أن يقدّم إليه فى كلّ يوم فوجده قد ملأ البيت بنفسه فهو من سقفه إلى أرضه وجوانبه حتّى ليس فيه موضع. فهاله ما رأى ورمى بالطبق من يده وعدا مسرعا وأنّ الغلام ارتعد وانتفض وحمّ.
فبينا نحن نتعجب من حديثه إذ خرج إلينا رسول حامد وأذن فى الدخول إليه فدخلنا وجرى حديث الغلام فدعا به وسأله عن خبره فإذا هو محموم، وقصّ [١٥٩] عليه قصّته فكذّبه وشتمه وقال:
стр. 2241
- «فزعت من نيرنج الحلّاج- وكلاما فى هذا المعنى- لعنك الله اعزب عنّى.»
كيف حلّ دم الحلّاج
فانصرف الغلام وبقي على حالته من الحمّى مدّة طويلة. ثمّ وجد حامد كتابا من كتبه فيه:
- «إنّ الإنسان إذا أراد الحجّ فلم يمكنه أفرد فى بيته بناء مربعا لا يلحقه شيء من النجاسات ولا يتطرّقه أحد. فإذا حضرت أيّام الحجّ طاف حوله وقضى من المناسك ما يقضى بمكّة، ثمّ يجمع ثلاثين يتيما ويعمل لهم أسرى [١] ما يمكنه من الطعام ويحضرهم ذلك البيت ويقدّم لهم ذلك الطعام ويتولّى خدمتهم بنفسه، ثمّ يغسل أيديهم ويكسو كلّ واحد منهم قميصا ويدفع إلى كلّ واحد سبعة دراهم أو ثلاثة دراهم- الشكّ من أبى القاسم بن زنجى- وإنّ ذلك يقوم له مقام الحجّ.» قال: وكان أبى يقرأ هذا الكتاب فلمّا استوفى هذا الفصل التفت أبو عمر القاضي إلى الحلّاج وقال له:
- «من أين لك هذا.» قال: «من كتاب الإخلاص للحسن البصري.» قال له أبو عمر:
- «كذبت يا حلال الدم.» قد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن البصري بمكّة وليس فيه شيء ممّا ذكرت. فكلّما [٢] قال له أبو عمر: «يا حلال الدم» قال له حامد:
стр. 2242
- «أكتب ما قلت.» فتشاغل أبو عمر بخطاب الحلّاج فلم يدعه حامد يتشاغل [١٦٠] وألحّ عليه إلحاحا لم يمكنه معه المخالفة، فكتب بإحلال دمه وكتب بعده من حضر المجلس. فلمّا تبيّن الحلّاج الصورة قال:
- «ظهري [١] حمى ودمى حرام وما يحلّ لكم أن تتأوّلوا علىّ بما يبيحه.
اعتقادي الإسلام، ومذهبي السنّة، ولى كتب فى الورّاقين موجودة فى السنّة، فالله الله فى دمى.»
كتاب القوم وجواب المقتدر
ولم يزل يردّد هذا القول والقوم يكتبون خطوطهم حتّى كمل الكتاب بخطوط من حضر فأنفذه حامد إلى المقتدر بالله.
فخرج الجواب:
- «إذا كان فتوى القضاة فيه بما عرضت فأحضره مجلس الشرطة واضربه ألف سوط، فإن لم يمت فتقدّم بقطع يديه ورجليه، ثمّ اضرب رقبته وانصب رأسه وأحرق جثّته.» فأحضر حامد صاحب الشرطة وأقرأه التوقيع وتقدّم إليه بتسلّم الحلّاج وإمضاء الأمر فيه. فامتنع من ذلك، وذكر أنّه يتخوّف أن ينتزع من يده.
فوقع الاتفاق على أن يحضر بعد العتمة [٢] ومعه جماعة من غلمانه وقوم على بغال يجرون مجرى الساسة [٣] ليجعل على بغل منها ويدخل فى غمار القوم. وأوصاه بأن لا يسمع كلامه. وقال له:
стр. 2243
- «لو قال لك: أجرى لك دجلة والفرات ذهبا وفضّة فلا ترفع عنه [١٦١] الضرب حتّى تقتله كما أمرت.»
تنفيذ أمر المقتدر فى الحلّاج
ففعل محمّد بن عبد الصمد صاحب الشرطة ذلك وحمله تلك الليلة على الصورة التي ذكرت وركب غلمان حامد معه حتّى أوصلوه إلى الجسر وبات محمّد بن عبد الصمد ورجاله حول المجلس.
فلمّا أصبح يوم الثلاثاء لستّ بقين من ذى القعدة أخرج الحلّاج إلى رحبة المجلس واجتمع من العامّة خلق كثير لا يحصى عددهم وأمر الجلّاد بضربه ألف سوط فضرب وما تأوّه ولا استعفى.
قال: فلمّا بلغ ستمائة سوط قال لمحمّد بن عبد الصمد:
- «ادع بى إليك فإنّ عندي نصيحة تعدل عند الخليفة فتح قسطنطينية.» فقال: «قد قيل لى إنّك ستقول هذا وما هو أكثر منه، وليس إلى رفع الضرب عنك سبيل.» فسكت حتّى ضرب ألف سوط ثمّ قطعت يده ثمّ رجله ثمّ يده ثمّ رجله [١] ثمّ ضرب عنقه وأحرقت جثّته ونصب رأسه على الجسر، ثمّ حمل رأسه إلى خراسان.
وادّعى أصحابه أنّ المضروب كان عدوّا للحلّاج ألقى شبهه عليه. وادّعى بعضهم أنّه رآه وخاطبه فى هذا المعنى بجهالات لا يكتب مثلها. وأحضر الورّاقون وأحلفوا أن لا يبيعوا شيئا من كتب الحلّاج [١٦٢] ولا يشتروها.
стр. 2244
ودخلت سنة عشر وثلاثمائة
إطلاق يوسف بن أبى الساج والعقد له على أعمال
وفيها إطلاق يوسف بن أبى الساج بمسألة مونس المظفّر من الحبس وشفاعته ثمّ حمل إليه مال وكسوة ثمّ وصل إلى المقتدر بالله وكان ركب فى سواد فقبّل البساط ثمّ يد المقتدر وخلع عليه خلع الرضا وحمل على فرس بمركب ذهب.
ثمّ جلس المقتدر فى دار العامّة بعد أيّام وعقد له على أعمال الصلاة والمعاون والخراج والضياع بالري وقزوين وأبهر وزنجان وأذربيجان وركب معه مونس المظفّر ونصر الحاجب وشفيع ومفلح وجميع من بالحضرة من القوّاد والغلمان وكانت الدار قد شحنت له بالرجال والسلاح واحتشد له.
واستكتب يوسف بن أبى الساج محمّد بن خلف النيرمانى وقوطع عن الأعمال التي تقلّدها على خمسمائة ألف دينار محمولة فى كلّ سنة على أنّ عليه القيام بمال الجيش الذي فى هذه الأعمال والنفقات الراتبة. وخلع على وصيف البكتمرى وعلى طاهر ويعقوب ابني محمّد بن عمرو بن الليث.
من بعض حوادث السنة
وفيها قلّد نازوك الشرطة ببغداد وخلع عليه وعزل عنها محمّد بن عبد الصمد وخلع عليه وعزل عنها محمّد بن عبد الصمد وخلع على وصيف البكتمرى خلعة أخرى [١٦٣] وضمّ إلى يوسف بن أبى الساج وشخص يوسف بن أبى الساج إلى عمله على طريق الموصل، فلمّا وصل إلى أردبيل وجد غلامه سبك قد مات.
وفيها وصل إلى بغداد هدية أبى زنبور الحسين بن أحمد المادرائى من
стр. 2245
مصر وفيها بغلة معها فلوّ [١] وكان يتبعها ويرتضع منها وغلام طويل اللسان يلحق طرف أرنبته.
وفيها قبض على أمّ موسى القهرمانة وعلى أختها وأخيها ذكر السبب فى ذلك
كان السبب فى ذلك أنّ أمّ موسى زوّجت بنت أخيها أبى بكر أحمد بن العبّاس من أبى العبّاس بن محمّد بن إسحاق بن المتوكّل على الله، وكان من أولاد الخلفاء النجباء وكانت له نعمة حسنة ظاهرة وكان حسن المروءة واللبسة والدوابّ والمراكب، وكان صديقا لعلىّ بن عيسى حتّى قيل: إنّه كان يرشّحه للخلافة.
فلمّا وقعت المصاهرة بينه وبين أمّ موسى أسرفت فيما نثرت من المال وفيما أنفقت على دعوات دعت فيها الصغير والكبير من أهل المملكة فى بضعة عشر يوما. فتمكّن أعداؤها من السعى عليها ومكّنوا فى نفس المقتدر بالله ووالدته السيدة أنّها إنّما صاهرت ابن المتوكّل ليزيلوا المقتدر بالله عن [١٦٤] الخلافة وينصبوا فيها ابن المتوكّل.
فتمّت النكبة عليها وسلّمت إلى ثمل القهرمانة مع أختها وأخيها. وكانت ثمل موصوفة بالشر لأنّها كانت قهرمانة أحمد بن عبد العزيز بن أبى دلف وكان أحمد يسلّم إليها من يسخط عليه من جواريه وخدمه فاشتهرت بالقسوة والسرف فى العقوبات.
واستخرجت ثمل منها ومن أختها وأخيها أموالا عظيمة وجواهر نفيسة ومن الثياب والكسوة والفرش والطيب ما يعظم مقداره حتّى نصب علىّ بن عيسى لذلك ديوانا وسمّاه: ديوان المقبوضات عن أمّ موسى وأسبابها، أجرى