← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

داود بن الجرّاح وللقرابة بينهما فلم يظهر أبو الحسن ذلك للمقتدر ولا ذكره. ونوّه باسم سليمان وقلّده مجلس العامّة رئاسة. ثمّ إن سليمان جنى على نفسه بالسعي لأبى الحسن أحمد بن محمّد بن عبد الحميد فى الوزارة، وعمل فى ذلك نسخة بخطّه عن نفسه إلى المقتدر بالله [٧٥] يسعى فيها بأبى الحسن وبأمواله وضياعه وكتّابه وأسبابه وكانت الرقعة فى كمّه ودخل دار ابن الفرات وهي معه وقام ليصلّى صلاة المغرب مع جماعة من الكتّاب فى دار ابن الفرات، فسقطت الرقعة من كمّه وظفر بها الصقر بن محمّد الكاتب لأنّه كان يصلّى إلى جنبه. فأقبل بها مبادرا إلى الوزير من وقته، فقبض عليه وأحدره فى زورق مطبق إلى واسط، ووكّل به وصودر وجرى على طبعه وشاكلته، فأحسن إليه وقلّده. وفيها كوتب أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان فى قصد أخيه الحسين ومحاربته وأمدّ بالقاسم بن سيما فى أربعة آلاف، فاجتمعا ولقيا الحسين فانهزما وانحدر إبراهيم بن حمدان لإصلاح أمر أخيه الحسين، فأجيب إلى ما التمس. وكتب للحسين أمان وصار إلى الحضرة ونزل فى الصحراء من الجانب الغربي ولم يدخل دار السلطان، وقلّد أعمال الحرب بقم وحملت إليه الخلع، فلبسها ونفذ إلى قم وانصرف عنها العبّاس بن عمرو. وفيها قدم بارس غلام إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان فى أربعة آلاف غلام أتراك وغيرهم وصار إلى بغداد مستأمنا وكان مولاه اتبعه إلى الرىّ مظهرا الاستيحاش من قبول السلطان غلامه. فكاتبه [٧٦] ابن الفرات بما سكّن منه حتّى عاد إلى خراسان وقلّد بارس دار ربيعة فأنفذه إليها وقلّد يوسف بن أبى الساج أعمال أرمينية وأذربيجان وعقد له عليها وضمّنه إيّاها بمائة ألف وعشرين ألف دينار فى كلّ سنة محمولة إلى بيت مال العامّة بالحضرة، فسار من الدينور إليها.

стр. 2172

ودخلت سنة سبع وتسعين ومائتين وفيها أدخل طاهر ويعقوب ابنا محمّد بن عمرو بن الليث بغداد أسيرين فى قبّة على بغل وقد كشف جلالها وهما بين يدي أبى الفضل عبد الرحمان بن جعفر الشيرازي كاتب سبكرى المتقلّد فارس ووصل إلى حضرة المقتدر ووصلا معه بعد أن حلّت قيودهما وخلع على عبد الرحمن بن جعفر ورتّب فى الفوج الأوّل وركب عبد الرحمان فى الخلع وأنزل فى دار فى مربعة الخرسى [١] وحبس طاهر ويعقوب فى دار السلطان. وكان سبكرى متغلّبا على فارس. فلمّا قدم عبد الرحمن كاتبه قرّر أمر سبكرى مع السلطان على شيء يحمله عن فارس، ثمّ عاد إلى صاحبه. فورد الخبر بعد ذلك بأنّ الليث بن علىّ خرج من سجستان وقصد فارس، فدخلها وخرج سبكرى، فندب مونس الخادم للشخوص [٧٧] إلى فارس وخلع عليه، وسار فوجد سبكرى برامهرمز واجتمع مع مونس وسار بمسيره وسار الليث إلى أرجان ليلقى مونسا. ذكر عجلة واتفاق سيّء ثمّ إنّه بلغ ليثا أنّ الحسين بن حمدان قد سار من قم إلى البيضاء فخاف أن تؤخذ منه شيراز. فوجّه أخاه مع قطعة من جيشه إلى شيراز ليحفظها وأخذ هو دليلا يدلّه على طريق مختصر قريب إلى البيضاء ليوقع بالحسين بن حمدان. فأخذ به الدليل فى طريق الرجّالة وهو طريق صعب ضيق لا يحمل الجيوش، فلقى فى طريقه مشقّة عظيمة حتّى تلفت دوابّه وتلف رجاله فقتل

стр. 2173

الدليل وعدل عن الطريق فخرج إلى خوابذان [١] وقد وصل إليها مونس. فلمّا أشرف الليث على عسكر مونس قدّر أنّه عسكر أخيه الذي أنفذه إلى شيراز. فكبّر أصحابه فخرج إليه مونس فأوقع به وأخذه أسيرا. فلمّا حصل فى يده أشار عليه قوّاده بالقبض على سبكرى. فلم يفعل وألحّ عليه أصحابه فأظهر القبول منهم وقال: - «إذا صار إلينا فى غد قبضنا عليه.» وكان سبكرى كلّ يوم يركب من مضربه إلى مونس. فيسلّم [٧٨] عليه. فوجّه إليه مونس سرّا وعرّفه ما أشار عليه قوّاده وأشار عليه بالمسير إلى شيراز والإسراع. ففعل سبكرى بما أشار به. فلمّا أصبح وتعالى النهار قال: - «يا قوم ما جاءنا سبكرى اليوم فوجّهوا إليه وتعرّفوا خبره.» وعاد الرسول وعرّفه أن سبكرى قد سار إلى شيراز من أوّل الليل. فعاد باللوم على قوّاده وقال لهم: - «من جهتكم شاع الخبر وبلغه فاستوحش.» وسار مونس ومعه الليث راجعا إلى مدينة السلام، وانصرف الحسين إلى قم. ذكر تدبير فاسد وما آل إليه لمّا حصل سبكرى بشيراز كان معه قائد يقال له القتّال، فضرّبه على كاتبه عبد الرحمن بن جعفر وأعلمه أنه فى جنبة [٢] السلطان وأنّه قد أحلف قوّاده كلّهم للسلطان وأخذ له البيعة عليهم، وليس يتعذّر عليه متى شاء أن يورد كتابا من السلطان بالقبض عليه. ففزع سبكرى من هذه الحال وقبض على

стр. 2174

عبد الرحمن بن جعفر واستكتب مكانه رجلا يعرف بإسماعيل بن إبراهيم البمّى، [١] فحمله إسماعيل هذا على الخلاف وقال له: - «قد انصرف عنك عسكر السلطان وليس يمكنه أن يعود إليك سريعا، فاربح ما كنت تحمله إلى السلطان وأصلح أمورك [٧٩] وأرض جندك، ثمّ تنظر.» واحتال عبد الرحمن بن جعفر من محبسه حتّى كتب إلى ابن الفرات بخبره وما جرى عليه وبخلاف سبكرى على السلطان، فكتب ابن الفرات إلى مونس وقد صار إلى واسط كتابا يقول فيه: - «إن كنت فتحت فقد أغلقت، وإن كنت قد أسرت فقد أطلقت، ولا بدّ من أن تعود فتحارب سبكرى.» فعاد مونس إلى الأهواز وأخذ سبكرى فى ملاطفة مونس ومهاداته ومسألته أن يبذل للسلطان عن أعمال فارس وكرمان زيادة على ما كان مقاطعا عليه القاسم بن عبيد الله فى أيّام المكتفي بالله، فإنّه كان مقاطعا على أربعة آلاف ألف. ففعل مونس ذلك وبذل عنه سبعة آلاف ألف، فلم يرض بذلك ابن الفرات. فلم يزل يزيد ألف ألف حتّى بلغ تسعة آلاف ألف خالصة للحمل، وذكر أنّ باقى الارتفاع يحتاج إليه سبكرى لإعطاء الجند بفارس وكرمان وأعلمه كثرة المؤن هناك. فأقام ابن الفرات على أنّه لا يقنع إلّا بثلاثة عشر ألف ألف فأشار مونس على سبكرى بأن يقارب السلطان والوزير، فأبى سبكرى أن يزيد على عشرة آلاف ألف شيئا. فاغتاظ الوزير من تماتن سبكرى، واتّهم مونسا بالميل إليه. [٨٠]

стр. 2175

ودخلت سنة ثمان وتسعين ومائتين ذكر ما جرى على سبكرى من الأسر ثمّ إنّه عدل إلى إنفاذ وصيف كامه [١] مع عدّة قوّاد من مدينة السلام، وإنفاذ محمّد بن جعفر العبرتاى معهم وعوّل عليه فى فتح فارس. وكتب إلى مونس: أنّه لا يثق بأحد سواه فى حفظ الليث، وأنّ سبيله أن يوافى به إلى مدينة السلام ويدع أكثر قوّاده وأصحابه مع محمّد بن جعفر بالقرب من نواحي فارس، لئلّا ينجذبوا بأسرهم إلى بغداد قبل أن يتقرّر الأمر مع سبكرى فى مال المفارقة، فيطمع سبكرى فى السلطان. فخرج مونس عن الأهواز وكتب الوزير حينئذ إلى محمّد بن جعفر العبرتاى والقوّاد بالمبادرة إلى شيراز مع جماعة من بالأهواز من القوّاد، وانضمّ إليه وصيف كامه، [٢] ثمّ أمدّه بسيما الخزري وفاتك المعتضدي ويمن الطولونى. فلمّا تكامل الجيش لمحمّد بن جعفر سار إلى سبكرى وواقعه على باب شيراز فانهزم سبكرى إلى بمّ وتحصّن بها، وتبعه إلى هناك فهزمه أيضا، ودخل مفازة خراسان وأسر القتّال. وورد الكتاب بالفتح، فخلع السلطان على الوزير عند ذلك، وقلّد محمّد بن جعفر العبرتاى فتيحا خادم الأفشين أعمال الحرب والمعاون بفارس وكرمان وكان يميل إلى فتيح [٨١] لحسن وجهه. وفيها ورد كتاب أحمد بن إسماعيل صاحب خراسان بفتحه سجستان وأسره محمّد بن علىّ بن الليث.

стр. 2176

ثمّ ورد كتابه بأسره سبكرى، فكتب إلى أحمد بن إسماعيل بحمل سبكرى ومحمّد بن علىّ بن الليث إلى الحضرة. فلمّا كان فى شوّال من هذه السنة أدخل سبكرى ومحمّد بن علىّ بن الليث مشهّرين على فيلين. فخلع على الوزير ابن الفرات، ثمّ على المرزباني خليفة صاحب خراسان، وحمل مع الرسل الذين حملوا سبكرى ومحمّد بن علىّ بن الليث هدايا وخلع وطيب وجواهر إلى صاحب خراسان. وفيها ورد الخبر بوفاة العبرتاى ثمّ بوفاة فتيح، [١] وقلّد عبد الله ابن إبراهيم المسمعي أعمال المعاون بفارس. وفيها غرقت فاطمة القهرمانة فى طيّارها تحت الجسر فى يوم ريح عاصف وكانت زوّجت ابنتيها من بنىّ بن نفيس وقيصر، [٢] فحضرا جنازتها وحضرها خلق من القوّاد والقضاة، وجعلت السيّدة مكانها أمّ موسى الهاشميّة قهرمانة، فكانت تؤدّى رسائلها ورسائل المقتدر إلى ابن الفرات. ودخلت سنة تسع وتسعين ومائتين القبض على الوزير ابن الفرات وفيها قبض على الوزير ابن الفرات، ووكّل بداره، وهتك حرمه أقبح هتك، ونهبت داره [٨٢] ودور كتّابه وأسبابه. وافتتنت بغداد ونهب الناس. وكان مونس الخازن يلي شرطة بغداد وتحت يده برسمها تسعة آلاف فارس وراجل. فكان يركب إذا اشتدّت الفتنة وزاد النهب فيسكن الناس ويكفّ النهب هيبة له. فإذا نزل من ركوبه عادت الحال إلى ما كانت عليه. فلقى الناس من ذلك شدّة شديدة ثلاثة أيّام بلياليها ثمّ سكنت الفتنة.

стр. 2177

فكانت مدّة وزارة أبى الحسن ابن الفرات هذه الأولى ثلاث سنين وثمانية أشهر وثلاثة عشر يوما. وزارة أبى على محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان وقلّد أبو علىّ محمّد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان الوزارة، وذلك فى ذى الحجّة سنة تسع وتسعين ومائتين. فقلّد أصحاب الدواوين ورتّبهم فى مجالسهم وردّ مناظرة أبى الحسن ابن الفرات وأسبابه وكتّابه إلى أبى الحسن أحمد بن يحيى بن أبى البغل، وقلّده ديوان المصادرين وديوان الضياع العبّاسيّة وديوان زمام الفراتيّة. استتار أصحاب ابن الفرات واستتر من أصحاب ابن الفرات أبو علىّ محمّد بن علىّ بن مقلة وأبو الطيب الكلواذى وأبو القاسم هشام وأبو بشر ابن فرجويه [١] وقبض على الباقين ونهبت دورهم وهدمت، واعتقل هؤلاء الباقون وناظرهم أحمد بن أبى البغل وعذّبهم وناظر ابن الفرات، غير أنّه [٨٣] لم يمكّن من إيقاع مكروه به ومكّن من جميع أسبابه وكتّابه. ذكر ما دبّره ابن أبى البغل وانعكاسه عليه كان أبو الحسن بن أبى البغل مبعدا فى أيّام ابن الفرات بإصبهان، فلمّا افتتنت بغداد وقلّد أخوه مناظرة ابن الفرات وأسبابه سفر أخوه لمّا تمكّن من

стр. 2178

ملاقاة أمّ موسى فى الوزارة وبذل فيها مالا جليلا يثيره ويوفّره. فأطمع المقتدر فى ذلك فأرجف له بها وكاتبه أخوه بالإسراع إلى الحضرة ونفذ إليه أبو بكر أخو أمّ موسى، فخاطبه قوم بالوزارة فى طريقه، وتلقّاه القوّاد وغيرهم عند ورود بغداد. فركب أبو علىّ الخاقاني فى عشيّة من العشايا إلى دار السلطان والتمس الإذن فى الوصول فأذن له وأوصل إلى المقتدر بالله فوصف له: أنّ الأمور قد اضطربت، والأموال قد تأخّرت، والدنيا قد خربت بكثرة الأراجيف به. لأنّ ابن أبى البغل يذكر أنّه قد استحضر للوزارة. فخاطبه المقتدر بجميل، وأذن له فى إبعاد ابن أبى البغل وأخيه عن الحضرة. فقبض عليهما وأبعدهما وتنكّرت أمّ موسى القهرمانة للوزير أبى علىّ الخاقاني، فخافها وأشفق أن تفسد عليه أمره، فأرضاها بأن قلّد أبا الحسين منها [١] [٨٤] أعمال الخراج والضياع بإصبهان، وقلّد أبا الحسن أخاه أعمال الصلح والمبارك. [٢] الخاقاني يناظر ابن الفرات وكتب الوزير بإطلاق أبى الهيثم العبّاس بن ثوابة وكان معتقلا بالموصل وكان ابن الفرات نقله إليها فى نكبة محمّد بن عبدون لقرابة بينهما، وكان ابن ثوابة هذا يكتب لمحمّد بن ديوداذ وكان من الموصوفين بالشرّ، فورد بغداد فى سنة ثلاثمائة وقلّده الوزير أبو علىّ الخاقاني ديوان المصادرين والضياع العبّاسيّة والفراتيّة، وردّ إليه مناظرة أبى الحسن ابن الفرات وأسبابه وكتّابه. فأسرف ابن ثوابة فى إيقاع المكروه بهم وعذّبهم بأنواع العذاب، فجرت بينه

стр. 2179

وبين أبى الحسن ابن الفرات مناظرات هاتر فى بعضها ابن الفرات وشتمه بحضرة أمّ موسى، فردّ عليه ابن الفرات أقبح ردّ، وشتمه أغلظ شتيمة، ونسبه فى نفسه إلى كلّ حال قبيحة، فراسل ابن ثوابة المقتدر بأنّ ابن الفرات لم يقدم على هذا إلّا لشدة بطره وكثرة أمواله واستأذن فى معاقبته، فبسط يده عليه فقيّده وغلّه وألبسه جبّة صوف، وأقامه فى الشمس مدّة أربع ساعات فكاد يتلف. فأنهى بدر الحرمي فى حاله إلى المقتدر، فأنكرها وأمر بنقله إلى بعض الحجر التي فى يد زيدان [٨٥] القهرمانة للحرم الخواصّ، وأحسن إليه ورفّهه. وذلك بعد أن حلف له ابن الفرات بأغلظ يمين بأنّه لم يبق له مال ولا ذخيرة ولا متاع فاخر إلّا وقد أقرّ به وقت مناظرة إبن أبى البغل، فقبل المقتدر بالله قوله ومنع ابن ثوابة من مناظرته. ابن الفرات مشاورا ثمّ صار المقتدر بعد ذلك يشاور ابن الفرات فى الأمور ويقرأه رقاع الوزراء إليه ويجيبهم عنها برأيه ثمّ كثرت السعايات بأبى علىّ الخاقاني وتمكّن أبو القاسم ابن الحوارى. ذكر فساد تدبير الخاقاني لأمر الوزارة كان أبو علىّ الخاقاني متشاغلا بخدمة السلطان ومراعاة أعداءه، لا يقرأ الكتب الواردة عليه ولا النافذة، واعتمد على ابنه أبى القاسم عبد الله، وقلّده مع العرض على الخليفة خلافته على الأعمال والتنفيذ للأمور. وكان ابنه هذا متشاغلا بالشراب، إنّما يراعى أمر القوّاد والجيوش والولايات للعمّال ويدع ما سوى ذلك، وكان قد نصب لقراءة الكتب الواردة أبا نصر مالك بن الوليد،

стр. 2180

ولقراءة الكتب النافذة أبا عيسى يحيى بن إبراهيم المالكي. وكانت لأبى علىّ الخاقاني وابنه الجوامع بما يرد وينفذ، فلا يقرأها أحد منهم [٨٦] إلّا بعد فوت الأمر الذي وردت فيه الكتب، وتبقى الكتب بالحمول والسفاتج فى خزانتهما، لا تفضّ ولا يعرف حال ما فيها. ففسدت الأمور بولاية أبى علىّ الخاقاني وضاعت. وكان يقلّد فى أسبوع واحد الكورة عدّة من العمّال، حتّى قيل: إنّه قد قلّد أعمال ماه الكوفة فى مدّة عشرين يوما سبعة من العمّال، واجتمعوا فى خان بحلوان وقلّد أعمال قردى وبريدى [١] خمسة من العمّال اجتمعوا فى خان بعكبرا فى يوم واحد وسبب ذلك ارتفاق أولاده وكتّابه من العمّال الذين يولّونهم. فسطّرت الأحاديث وحفظت له النوادر، وأطلق يده بالتوقيعات وفى الزيادات والنفل والإثبات [٢] يوقّع بذلك هو وابناه وبنان ويحيى بن إبراهيم المالكي وأحمد ومحمّد ابنا سعيد. وكان أبو علىّ الخاقاني يتقرّب إلى قلوب الخاصّة والعامّة، فمنع خدم السلطان ووجوه القوّاد أن يترجموا رقاعهم بالتعبّد، ويتقرّب إلى العامّة بأن يصلّى معهم فى المساجد التي على الطرق، فكان إذا رأى جمعا من الملّاحين أو غيرهم من العامّة يصلّون فى مسجد على الشط قدّم طيّاره وصعد وصلّى معهم. فاتّضعت الوزارة بأفعاله وذلّت. وكان [٨٧] إذا سأله إنسان حاجة دقّ صدره وقال: - «نعم وكرامة.» فسمّى: دقّ صدره. وضاقت الأموال فقصّر فى إطلاق أموال أصحاب التفاريق والقوّاد القدماء ومن يجرى مجراهم، فشغبوا عليه وقصدوا المصلّى فأقاموا فيه وأخرجوا

стр. 2181

معهم أكثر القوّاد واستفحل أمرهم وبسطوا فيه ألسنتهم. فأمره المقتدر بإطلاق أرزاقهم فاعتذر بقصور الأموال ونقصان الارتفاع، وذكر أنّ الأموال المستخرجة من ابن الفرات وأسبابه قد حصلت فى بيت المال الخاصّة، وأنّه ليس ينفذ له صاحب بيت مال الخاصّة أمرا فيها، فأمر بإخراج خمسمائة ألف دينار من بيت مال الخاصّة لينفق فى الجند المشغّبين. وقلّد ديوان البريد بمدينة السلام والإشراف على الوزير وعلى الجيش وأصحاب الدواوين والقضاة وأصحاب الشرطة شفيع اللؤلؤىّ [١] . فلمّا رأى ابن ثوابة ضعف أمر الوزير تقرّب إلى المقتدر برقاع أوصلتها أمّ موسى يذكر فيها أنّه يستخرج من العمّال أموالا جليلة أهملها الخاقاني، وذكر أنّه يستخرج من محمّد بن علىّ الماذرائى وأخيه إبراهيم وحدهما سبعمائة ألف دينار. فخرج الأمر إلى الخاقاني بتقوية يد ابن ثوابة، ففعل ذلك [٨٨] واستخرج أموالا بالعسف، وتغلّب على الأمور، وكان يصرف عمّال الوزير ويولّى من يرى، وتوصّل الأشرار إلى كتب الرقاع على يد أمّ موسى إلى المقتدر يخطبون [٢] الأعمال ويتضمّنون الأموال. فخرج الأمر إلى الخاقاني بتقليدهم ذلك، فانتشر أمره وشاركه الأشرار فى النظر واستخرجوا الأموال من كلّ وجه بكلّ عسف. وكان حامد بن العبّاس قد تضمّن أعمال واسط ونواحيها أربع سنين فعمل الكتّاب له عملا وحصّلوا عليه فى كلّ سنة مائتين وأربعين ألف دينار وألفين وأربعمائة كرّ بالمعدّل شعيرا للكراع فى كلّ سنة يستوفى منه مع المال الذي ذكرنا مبلغه. وإنّما كان حامد ضمن على عبرة السنة المتقدّمة وزيادة يسيرة، وكان التقصير والإضاعة والتخليط يقع من الخاقاني.

стр. 2182

وذلك أنّ الخاقاني كان يتقلّد فى أيّام عبيد الله بن سليمان وما بعدها إلى وقت استتاره فى أيّام وزارة ابن الفرات الأولى أعمال البريد والمظالم والخرائط بما سبذان. فلمّا ولى الوزارة تحيّر لقلّة الدربة ونقصان المعرفة بالأعمال، فشرع مونس فى تقليد علىّ بن عيسى. ودخلت سنة ثلاثمائة [٨٩] يرتأى المقتدر فى إعادة ابن الفرات إلى الوزارة ولمّا رأى المقتدر بالله اضطراب الأمور وفساد التدبير وانتقاض المملكة، شاور مونسا الخادم، وعرّفه أنّ الصورة تقود إلى ردّ أبى الحسن ابن الفرات وتقليده الوزارة. وكان مونس مستوحشا من ابن الفرات لأمور حكينا بعضها فى حكاية أمره مع سبكرى وتقريره أمر فارس ونقض ابن الفرات عليه. فقال مونس للمقتدر بالله: - «إنّه يقبح أن يعلم أصحاب الأطراف أنّ السلطان صرف وزيرا ثمّ اضطرّ إليه وردّه بعد شهور من صرفه، ثمّ لا ينسبون ذلك إلّا إلى المطمع فى ماله فقط.» وقال: إنّ كتّاب الدنيا الذين دبّروا المملكة دواوينها منذ أيّام المعتضد بالله، هما ابنا الفرات، وأبو العبّاس منهما قد مات، وتقلّد الآخر الوزارة إلى أن صرف عنها، ومحمّد بن يزداذ [١] ومحمّد بن عبدون وقد قتلا فى فتنة ابن المعتزّ، وعلىّ بن عيسى بن داود بن الجرّاح، ولم يبق من يصلح لتدبير المملكة غيره.

стр. 2183

ووصفه بالثقة والأمانة والديانة والنزاهة والصيانة والصناعة. فأمره المقتدر بإنفاذ يلبق إليه ليحمله إلى الحضرة، وأظهر للخاقانى أنّه يحضره ليستخلفه لابنه عبد الله على الدواوين. وكان الخاقاني يقول فى مجلسه: - «إنّى قد كتبت بحمل علىّ بن عيسى [٩٠] إلى الحضرة لأستخلفه لعبد الله.» فلمّا كان يوم الإثنين لعشر خلون من المحرّم سنة إحدى وثلاثمائة ركب الخاقاني إلى دار السلطان، فقبض عليه وعلى ابنيه عبد الله وعبد الواحد وأبى الهيثم ابن ثوابة ويحيى بن إبراهيم المالكي وأحمد ومحمّد ابني سعيد الحاجبين وبنان وسعيد بن عثمان النفّاط واعتقلوا فى يد نذير الحرمي. وكان سعيد بن عثمان النفّاط أحد من سعى للخاقانى فى الوزارة، فقضى حقّه بأن قلّده أعمالا كثيرة جليلة. وفى هذه السنة صرف عبد الله بن إبراهيم المسمعي عن أعمال المعاون بفارس وتقلّدهما بدر الحمامي وكان بدر يتقلّد أعمال المعاون بإصبهان فنقل إلى أعمال فارس وكرمان وقلّد مكانه علىّ بن وهسوذان الديلمي. ودخلت سنة إحدى وثلاثمائة وزارة أبى الحسن علىّ بن عيسى الوزارة وفيها تقلّد أبو الحسن علىّ بن عيسى الوزارة وقت قدومه من مكّة وخلع عليه، وركب من دار السلطان إلى داره، وركب معه مونس الخادم وغريب الخال وسائر القوّاد والغلمان، وسلّم إليه فى يوم الخلع محمّد بن عبيد الله الخاقاني وابناه، وجميع من سمّيتهم [٩١] فيما تقدّم، فصادرهم مصادرات قريبة الأمر، واستخرج منهم جميع ما صادرهم عليه.

стр. 2184

ثمّ أطلق الخاقاني إلى منزله، ووكّل به فيه، وصان حرمه أتمّ [١] صيانة، وأوقع بأبى الهيثم ابن ثوابة مكروها. ثمّ صار ينظر فى أمر الأعمال فى دار الوزارة بالمخرّم يبكّر إليها فى كلّ يوم، ويعمل فيها إلى آخر أوقات صلاة العشاء الآخرة ثمّ ينصرف إلى داره. وكتب إلى كلّ واحد من العمّال بما جرت العادة به من تشريف أمير المؤمنين إيّاه بالخلع، وردّ أمر الدواوين والمملكة إليه، ويقرّرهم على مواضعهم ويأمرهم بالجدّ والاجتهاد فى العمارة، ويقول فى آخر كتابه: - «وهذا عنفوان السنة وأوّل الافتتاح ووقت حموم الخراج، ولست أعلم ما يجب أن أطالبك به فاذكره وأخاطبك عليه، ولكنّى آمرك أن تحمل صدرا من المال يتوفّر مقداره، وتنفذ الرسائل بذلك مع الجواب عن كتابي هذا عند نظرك فيه وتكتب إلىّ بشرح الحال فى أمور نواحيك وتنفذ مواقفه نقف عليها وبها على موقع أثرك فيها ومخائل تدبيرك فى توفيرها وتثميرها، وتتوقف عن إمضاء التسبيبات وما يجرى مجراها إلى أن ترد عليك كتبي وتوقيعاتى فى استماراتك [٢] [٩٢] عمّا يكون عملك عليه، وتمكّن فى نفسك أنّه لا رخصة عندي ولا هوادة فى حقّ من حقوق أمير المؤمنين أغضى عنه، ولا درهم من ماله أسامح فيه ولا تقصير فى شيء من أمور العمل أصبر لقريب أو بعيد عليه، ولا تكون بإظهار أثر جميل فى ذلك أشدّ عناية منك بإنصاف الرعيّة والعدل عليها ورفع صغير المؤن وكبيرها عنها، فإنّى أطالبك بذلك كما أطالبك بتوفير حقوق السلطان وتصحيحها وصيانة الأموال وحياطتها. وتابع كتبك بما يكون منك وقتا وقتا لأعرفه إن شاء الله.» وقلّد بعد ذلك الدواوين جماعة وعزل جماعة، وفعل مثل ذلك بالعمّال،

стр. 2185

ونظر إلى من تعوّد اقتطاع الأموال السلطانية، وإقامة مروّات نفسه منها، وقصر فى العمارة، واعتمد غيره، فعزل أمثال هؤلاء. ثمّ عمر الثغور والبيمارستانات وأدرّ الأرزاق لمن ينظر فيها وأزاح علل المرضى والقوّام، وعمر المساجد الجامعة، وكتب إلى جميع البلدان بذلك ووقّع إلى العمّال به، وكتب إلى العمّال فى أمر المظالم كتابا نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم، سبيل ما يرفعه إليك كلّ واحد من المتظلمين قبل النوروز من مظلمته، ويدّعى أنّه تلف بالآفة من غلّته، أن تعتمد فى كشف حاله على أوثق ثقاتك [١] [٩٣] وأصدق كفاتك حتّى يصحّ لك أمره، فتزيل [٢] بالظلم فيه، فترفعه وتضع الإنصاف موضعه، وتحتسب من المظالم بما يوجب الوقوف عليه حسبه، وتستوفى الخراج بعده، من غير محاباة للأقوياء ولا حيف على الضعفاء، فاعمل فيما رسم لك ما يظهر ويذيع ويشتهر ويشيع، ويكون العدل به على الرعيّة كاملا، والإنصاف لجميعهم شاملا، إن شاء الله.» وكتب فى إسقاط مال التكملة بفارس كتابا وفى جميع ما يشبه ذلك كتابا مشهورة مستحسنة. فساس أبو الحسن علىّ بن عيسى الدنيا أحسن سياسة، ورسم للعمّال

стр. 2186

الرسوم [١] الجميلة وأنصف الرعيّة، وأزال السنن الجائرة، ودبّر أمر الوزارة والدواوين وسائر أمور المملكة بكفاية تامّة، وعفاف وتصوّن وديانة، ونظر فى المظالم وأبطل المكس بمكّة، والتكملة بفارس وسوق بحر بالأهواز، وجباية الخمور بديار ربيعة فبانت بركته على الدنيا، وعمر البلاد وتوفّر الارتفاع، واستقام أمر السلطان وعادت هيبة الملك، وصلح أمر الرعيّة. ثمّ أسقط علىّ بن عيسى الوزير أكثر ما زاده الخاقاني فى وزارته فى دواوين الجند وإقطاعاتهم، وكانت هذه الزيادة قد لحقت القوّاد وسائر أصناف الجند، ولحقت الخدم والحاشية [٩٤] وجميع الكتّاب والمتصرّفين، وكانت كثيرة. فلمّا أسقطها عاداه أكثر الناس وشنّعوا عليه بالضيق والشحّ وقطع الأرزاق، وإنّما اضطرّ إلى ذلك لمّا رأى نفقات السلطان زائدة على دخله زيادة مفرطة تحوج إلى هدم بيوت الأموال وصرفها فى نفقات يستغنى عنها. مناظرة بين على بن عيسى وابن الفرات وحكى ثابت بن شيبان [٢] عن علىّ بن عيسى أنّه قال: كنت عملت عملا لارتفاع المملكة وما علىّ من الخرج، فكان الخرج زائدا على الدخل بشيء كثير، فقال لى ابن الفرات يوما بعد صرفه إيّاى وقد أخرجت إليه فى دار السلطان ليناظرنى: - «أبطلت الرسوم وهدمت الارتفاع» فقلت له: - «أىّ رسم أبطلت؟»

стр. 2187

قال: «المكس بمكة والتكملة بفارس.» فقلت: «وهذا وحده أبطلت؟ وقد أبطلت أشياء كثيرة فمنها ومنها- وعددت أشياء مبلغ جميعها خمسمائة ألف دينار فى السنة- ولم أستكثر هذا المقدار فى جنب ما حططته عن أمير المؤمنين من الأوزار وغسلت به عن دولته من الدرن والعار ولكن انظر مع ما حططت وأبطلت إلى ارتفاعي وارتفاعك ونفقاتى ونفقاتك.» قال ثابت: فقلت: [٩٥]- «فبأىّ شيء أجابك؟» فقال: «خرج الخادم ففرّق بيننا قبل أن يجيب.» قال: وحدّثنى أحمد بن محمّد بن سمعون وكان ينظر فى أعمال النهروانات، قال: - «مسحنا على الناس غلّاتهم فإذا بعض التّنّاء قد ذهب إلى باب الوزير علىّ بن عيسى ونحن لا نعلم، فتظلّم أنّا زدنا عليه فى مساحة قراح له، فلم نشعر بشيء إلّا وقد جاءنا عامل يعرف بابن البدّال ومعه فوج [١] من مسّاح بادوريا وفرسان ورجّالة، فلم نشكّ فى أنّه صارف لنا، فقال لى صاحبي: أحبّ أن تتلقاه وتتنسّم الخبر. ففعلت وتلقيته وعرفت خبر المتظلّم، فعرّفت صاحبي ذلك، فقال لى: - «لا تدرى كيف جرى أمر مساحته؟» فقلت: «لا.» قال: «فاخرج حتّى تواقف وتجتهد.» قال: فخرجت ومعى مسّاح البلد الذين مسحنا بهم واستقصيت معهم، وما

стр. 2188

زلت ألطف إلى أن تقرّرت المساحة، وكنّا مسحنا القراح باثنين وعشرين جريبا فخرجت مساحته احدى وعشرين جريبا وقفيز، فاحتججت بأنّ القراح مسح وفيه غلّة قائمة ومسح فى هذا الوقت بعد الحصاد، وليس بمنكر أن يكون بين [١] المساحتين فى الحالتين هذا المقدار وانصرف ابن البدّال. [٢] [٩٦] وورد عليه كتاب علىّ بن عيسى بالصواعق فى الإنكار والتوعّد، بأنّه إن وقف على أنّ أحدا من الرعية حيف عليه فى معاملة أو مساحة فعل وصنع. قال: فما جسرنا أن نستقصى على أحد فى معاملة، فلمّا كان فى السنة القابلة زاد الارتفاع فى العشرة ثلاثة لأنّ الخبر انتشر بالعدل وقيل: قد رفع الحيف والظلم فنشط الناس للازدياد من العمارة وفعل مثل ذلك فى المظالم. وحكى ابن المشرف أنّ بعض عمّال بادوريا طالب بالخراج وبقايا عليهم وحبس أهله فصبروا على الحبس فقيّدهم فصبروا على القيد ولم يجسر أن يوقع بهم خوفا من علىّ بن عيسى، فكتب بحضرتهم إلى علىّ بن عيسى يضرّبه عليهم غاية التضريب ويقول: - «إنّ هؤلاء قوم يدلّون بالجلد، وعليهم أموال وقد ألطّوا وصبروا على الحبس والقيد، ومتى لم تطلق اليد فى تقويمهم واستخراج المال منهم كسروه وتأسّى بهم أهل السواد فبطل الارتفاع والوزير أعلى عينا وما يراه [٣] .» قال القوم: فجزعنا وخفنا أن يطلق يده فينا فيتلفنا لما كان فى نفسه علينا، وهممنا بأن نذعن له. ثمّ اجتمع رأينا على التوقّف إلى أن يرد الجواب. قال: فورد وإذا هو قد وقّع بخطّه على ظهر الرقعة:

стр. 2189

- «إخراج- عافاك الله- دين وليس يجب فيه غير الملازمة فلا تتعدّ [٩٧] ذاك إلى غيره، والسلام.» قالوا: ففرّج عنّا وأدّينا الصحيح ممّا علينا. فلمّا كانت السنة القابلة زاد ارتفاع بادوريا فى العشرة اثنين وزرعنا حتّى السطوح ثقة بالعدل والإنصاف. تزوير توقيعات الوزير المصروف ولمّا صرف أبو علىّ الخاقاني عن الوزارة أكثر الناس التزويرات عليه وعرضت توقيعاته على علىّ بن عيسى، فأنكرها وجمعها وأنفذ بها إلى أبى علىّ الخاقاني وقال: - «أنظر فى هذه التوقيعات وعرّفنى الصحيح منها والباطل الذي زوّر عليك.» واتفق [١] أن حضر رسوله وأبو علىّ الخاقاني يصلّى. فوضع الرسول التوقيعات بين يدي أبى القاسم ابنه وأدّى الرسالة، فأخذ أبو القاسم يميّزها ويفرد الصحيح منها، فأومأ إليه أبوه بالتوقّف فتوقّف، فلمّا فرغ من الصلاة أخذها فتصفّحها، ثمّ خلطها ودفعها إلى الرسول وقال: - «تقرأ على الوزير السلام وتعرّفه أنّ هذه التوقيعات كلّها صحيحة وأنا أمرت بها فما رأيت أن تمضيه أمضيته وما رأيت إبطاله أبطلته.» فلمّا انصرف الرسول قال لابنه: - «يا بنىّ، أردت أن تبغضنا إلى الناس بلا معنى ويكون الوزير قد التقط الشوك بيدك؟ نحن قد صرفنا فلم لا تتحبّب إلى الناس بإمضاء كل ما زوّر علينا، فان أمضاه كان الحمد لنا والضرر عليه، وإن أبطله كان الحمد لنا والذمّ

стр. 2190

له.» فاستحسن الناس هذا الفعل [٩٨] من أبى علىّ، إلّا أنّ علىّ بن عيسى تذمّم إلى الخلق من الخاصّة والعامّة والحاشية بإسقاطه [١] الزيادات التي صارت عند أصحابها كالأصول واطّراحه النفقات التي تعود بتمزيق الأموال بغير فائدة، فثقلت وطأته وكره الناس أيّامه وقصدوا التشنيع عليه، وثلبوه عند المقتدر بالله، وسعى قوم لأبى الحسن ابن الفرات فى الوزارة. القبض على الحسين بن منصور الحلّاج بالسوس وفى هذه السنة قبض على الحسين بن منصور الحلّاج بالسوس، وأدخل بغداد مشهّرا على جمل، [٢] وكان حمل إلى علىّ بن أحمد الراسبي، فحمله علىّ إلى الحضرة، فصلب وهو حىّ، وصاحبه وهو خال ولده معه فى الجانبين جميعا، وحبس الحلّاج وحده فى دار السلطان وظهر عنه بالأهواز وبمدينة السلام أنّه ادّعى أنّه إله وأنّه يقول بحلول اللاهوت فى الأشراف من الناس. حوادث أخرى وفيها أطلق الوزير أبا علىّ الخاقاني وأزال عنه التوكيل. وفيها مات علىّ بن أحمد الراسبي بدور الراسبي، وتقدّم مونس الخادم بمشورة علىّ بن عيسى لقبض أمواله، وكتب إلى النعمان بن عبد الله بالمصير إليه والاجتماع معه على ذلك، فكتب أنّه حصّل منها نحو ألف ألف دينار. وفيها خلع على الأمير أبى العبّاس بن المقتدر بالله، وقلّد أعمال الحرب

стр. 2191

بمصر والمغرب واستخلف [٩٩] له على مصر مونس الخادم. وقلّد الأمير على ابن المقتدر بالله الصلات وأعمال المعاون والأحداث والحرب بكور الرىّ ودنباوند وقزوين وزنجان وأبهر والطرم. وفيها ورد الخبر بقتل [١] إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان على شاطئ نهر بلخ، قتله غلمانه، وقام مقامه أبو الحسن نصر ابنه، فنفذ العهد إليه من المقتدر بالله والكتاب بتقليده خراسان مكان أبيه. قتل أبى سعيد الجنّابى وفيها ورد الخبر بأنّ خادما لأبى سعيد الجنّابى الحسن بن بهرام المتغلّب على هجر قتله. ثمّ إنّ ذلك الخادم خرج بعد قتله مولاه، فدعا رجلا من رؤساء أصحابه وقال: - «السيد يدعوك.» فلمّا دخل قتله وما زال يفعل ذلك بواحد واحد إلى أن قتل أربعة من الرؤساء. ثمّ دعا بالخامس فأحسّ الخامس بالقتل، فصاح وأطلع النساء عليه وصحن، فقبض على الخادم قبل أن يقتل الخامس. وقتل الخادم وكان صقلابيا وقد كان أبو سعيد عهد إلى ابنه سعيد فلم يضطلع بالأمر فغلبه أخوه الأصغر أبو طاهر سليمان بن الحسن. وقد كان القرامطة وافوا إلى باب البصرة فى سنة تسع وتسعين ومائتين، وكان المتقلّد لأعمال المعاون بالبصرة محمّد بن إسحاق بن كنداجيق وكان يوم جمعة والناس فى الصلاة، فصاح الصائح: [١٠٠]- «القرامطة القرامطة.»

стр. 2192

فخرج إليهم الموكّلون بالباب فوجدوا فارسين قد نزل أحدهما عند الميل، فنظر إليه البوّابون جالسا متّكئا قد وضع إحدى رجليه على الأخرى والآخر بإزائهم فصاحوا به، وبدر إليه رجل من الخول، فطعنه القرمطى وقتله وتراجعوا، فبكى أخوه فقالوا له: - «ارجع فجرّ برجله وخذه لعنكما الله.» قالوا: «ومن أنتما؟» قالوا: «نحن المؤمنون.» ثمّ تنحّى فحبا حتّى أخذ أخاه ودخلوا فأغلقوا الباب، وركب ابن كنداجيق بمن معه من الجيش حتّى صار إلى الموضع فنظر الديذبان عند صهاريج الحجّاج إليهم فقالوا: - «إنّهم نحو ثلاثين فارسا.» فخرج إليهم عطارد ابن شهاب العنبري وخواصّه وغلمان من شحنة البصرة والمطوّعة، فقتل أكثرهم ولم ينج منهم إلّا من هرب قبل المعاينة، وسلبوهم ولم يتركوا عليهم شيئا إلّا السراويلات بغير تكك ثمّ ضربوهم ضربات قبيحة ورجع ابن كنداجيق وغلّق الباب وجنّة الليل. فلمّا أصبح لم ير منهم أحدا، فكتب إلى ابن الفرات- وكان هو الوزير فى الوقت- يستنجده، فأمدّه بمحمّد بن عبد الله الفارقي فى جيش كثيف وقائد من الرجال يعرف بقورويه، وجعفر الزّرنجى فى نفر من الرجالة معونة لابن كنداجيق. علىّ بن عيسى الوزير والقرامطة فلمّا تقلّد أبو الحسن [١٠١] علىّ بن عيسى الوزارة شاوره المقتدر فى أمر القرامطة فأشار بمكاتبة أبى سعيد الحسن بن بهرام الجنّابى، فتقدّم إليه

стр. 2193

بمكاتبته وإنفاذ الكتاب على يدي من يرى، فكتب كتابا طويلا جدّا يذكّرهم بالله ويدعوهم إلى الطاعة ويقول فى آخره: - «إنّ أمير المؤمنين جعل كتابه هذا ظهريّا [١] عليك وحجّة من الله بيّنة فيك، وقاطعا لعللك، وبابا يعصمك إن صدقت عمّا أراده من الخير بك، وعظمت النعمة فيما بذله من العهد لك.» ونفذ الرسل، فلمّا وصلوا إلى البصرة انتهى إليهم قتل أبى سعيد، فتوقّفوا عن المسير وكاتبوا الوزير علىّ بن عيسى بذلك واستطلعوا رأيه، فعاد الجواب إليهم بالمسير إلى أولاده ومن قام بعده مقامه، فتمّموا المسير وأوصلوا الكتاب وأدّوا الرسالة، فأجابوا عن الكتاب وأطلقوا الأسرى الذين تكلّم فيهم الرسل، وعاد بهم الرسل إلى بغداد. ودخلت سنة اثنتين وثلاثمائة وفيها قبض على أبى عبد الله الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصّاص الجوهري وأنفذ إلى داره جماعة حتّى حملوه إلى دار السلطان فأخذ منه من المال والجواهر ما قيمته أربعة آلاف [٢] [١٠٢] وكان هو يدّعى أكثر من ذلك بكثير ويتجاوز فى ذلك عشرين ألف ألف دينار وأكثر. وفيها خرج الحسين بن علىّ العلوي [٣] وتغلّب على طبرستان ولقب الداعي فوجّه إليه أخو صعلوك جيشا فلم يثبتوا له وانصرفوا فعاد العلوي إليها.

стр. 2194

ودخلت سنة ثلاث وثلاثمائة خروج الحسين بن حمدان عن طاعة السلطان وما كان من عاقبته وفيها ورد الخبر بأنّ الحسين بن حمدان قد خالف وخرج عن طاعة السلطان. وكان مونس الخادم غائبا قد أخرج إلى مصر لمحاربة العلوىّ صاحب المغرب [١] لمّا قصد مصر فى نيّف وأربعين ألفا. فندب له الوزير علىّ بن عيسى رائقا الكبير وخلع عليه، وكتب إلى مونس يعرّفه الخبر ويأمره بالمسير إلى ديار مضر إذا انصرف من مصر، وأن يجذب معه أحمد بن كيغلغ وعلىّ بن أحمد بن بسطام والعبّاس بن عمرو ليصلح الديار فيزيل الاختلال ويحفظ الثغور وخاصّة الخزرية منها. فقد كان جرى على حصن منصور من قصد الروم إيّاه وسبيهم كلّ من كان فى نواحيه أمر عظيم لتشاغل الناس بالحسين بن حمدان عن الغزاة الصائفة. ولمّا صار رائق إلى الحسين بن حمدان أوقع به الحسين، فصار رائق إلى مونس واتصلت [١٠٣] كتب علىّ بن عيسى الوزير إلى مونس بالإسراع نحو الحسين، فجدّ مونس فى المسير، ولمّا قرب من الحسين جاءه مروان [٢] كاتب الحسين وجرت بينه وبينه خطوب، كتب بها مونس إلى علىّ بن عيسى، وذكر أنّ مروان أوصل إليه كتابا من الحسين يتضمّن خطابا طويلا قد افتتحه وختمه وكرّر القول فى فصوله: - «إنّ السبب فى خروجه عمّا كان عليه من الثقة والطاعة عدول الوزير

стр. 2195

- أيّده الله- عمّا كان عليه فى أمره إلى ما أوحشه وأنّه لم يف له بضمانات ضمنها له.» وذكر أنّه قد اجتمع له من قبائل العرب ورجال العشيرة ثلاثون ألف رجل، وأنّه سأل الرسول عمّا حمله الحسين من الرسالة إليه، فذكر أنّه يسأله المقام بحرّان إذ كانت تحمل عسكره، وأن يكاتب الوزير- أعزّه الله- فى أمره ويسأله صرفه عمّا يتقلّده من الأعمال، وتركه مقيما فى منزله وتقليد أخيه ديار ربيعة، وأنّه عرّفه أنّ هذا متعذّر غير ممكن، إذ كانت كتب الوزير متّصلة إليه بالإنجذاب، وأنّ مخالفته غير جائز وأنّه لا يدع الكتاب فيما سأله، ولا يثنيه ذلك عمّا رسمه الوزير- أعزّه الله- فإن عزم على اللقاء فبالله يستعين على كلّ من خالف السلطان- أعزّه الله- وجحد نعمته وإن انقاد للحقّ وسلك سبيله وصار [١٠٤] إليه فنزع عمّا هو عليه كان ذلك أشبه به، وإن أبى وأقام على حاله من التعزّز والمخرقة لقيه بمضر بأسرها، وصان رجال السلطان مع وفور عددهم عن التعرّض لطغامه، لا لنكول عنه منه، لكن لاستهانته بأمره، وأنّه وكلّ بكاتبه هذا المترسّل عنه، وأنّه لا يأذن له فى الانصراف إلّا بعد أن يعرف خبر الحسين. ثمّ وردت الأخبار برحيل مونس حتّى نزل بإزاء جزيرة بنى عمر ورحيل الحسين نحو أرمينية مع ثقله وأولاده وأمواله. ثمّ انفلّ عسكر الحسين وصاروا إلى مونس أوّلا أوّلا. وورد كتاب مونس بأنّه قد صار إليه من أقرباء [١] الحسين وغلمانه وثقاته ووجوههم سبعمائة فارس، وأنّه خلع على أكثرهم ونفد ما كان معه من الخلع والمال، وأنّه فى احتيال باقى ما يحتاج إليه.

стр. 2196

ثمّ ورد كتابه بأسر الحسين بن حمدان وجميع أهله وأكثر من صحبه، وقبض على أملاك بنى حمدان بأسرهم ودخل مونس ومعه الحسين وابنه بغداد. فلمّا كان بعد يومين حمل الحسين من باب الشمّاسية إلى دار السلطان مصلوبا على نقنق، [١] منصوبا بأعلى ظهر فالح [٢] وابنه مشهور على جمل آخر والبرانس على رؤوسهما، وسار بين يديه الأمير أبو العبّاس ابن المقتدر بالله، [١٠٥] والوزير أبو الحسن علىّ بن عيسى، والأستاذ مونس الخادم وأبو الهيجاء عبد الله بن حمدان وإبراهيم بن حمدان وسائر القوّاد والجيش والفيلة، فلمّا وصلوا إلى دار السلطان وقف الحسين بين يدي المقتدر بالله، ثمّ أمر بتسليمه إلى زيدان القهرمانة وحبس عندها فى دار السلطان. وشغّب الرجّالة والحجرية بعد حصول الحسين بن حمدان، وأحرقوا إصطبل الوزير وطالبوه بالزيادة فى أرزاقهم، فزيد بكلّ غلام ثلاثة دنانير فى كلّ شهر من شهورهم، وزيد الرجّالة كلّ راجل [٣] نصف وربع دينار فى كلّ شهر، فسكن الشغب. وقبض على أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان وجميع أخوته وحبسوا فى دار السلطان. وكان هرب ابن للحسين [٤] بن حمدان فى جماعة من أصحابه وبلغت هزيمته آمد، فأوقع بهم الجزري وقتل ابن الحسين وجماعة من أصحابه، وحملت رؤوسهم إلى الحضرة وصلب قوم من أصحاب الحسين بن حمدان.

стр. 2197

ودخلت سنة أربع وثلاثمائة غلام وهسوذان يقتل أحمد بن سياه وفيها لقى بإصبهان غلام لعلّى بن وهسوذان الديلم وكان يتقلّد أعمال المعاون بها أحمد بن سياه عامل الخراج بها، أنفذه صاحبه إليه فى حاجة، واتفق أنّه لقيه وهو [١٠٦] راكب، فكلّمه فى الحاجة، فاشتدّ ذلك على أحمد بن سياه، وقال له: - «يا مؤاجر تخاطبني فى حاجة على ظهر الطريق؟» فانصرف الغلام إلى مولاه محفظا، وحدّثه بما جرى، فقال له: - «صدق فيما قال، ولولا أنّك مؤاجر لضربت رأسه بالسيف لمّا خاطبك بذلك، فعاد الغلام ووجد أحمد بن سياه منصرفا فعلاه بالسيف وقتله، فأنكر السلطان ذلك عليه وصرف علىّ بن وهسوذان لأجل ذلك من إصبهان بأحمد بن مسرور البلخي، فاستأذن علىّ بن وهسوذان فى الانصراف إلى بلد الديلم، فأذن له، ثمّ سأل بعد ذلك فى أمره مونس الخادم فرضي عنه وأقام بنواحي الجبل. وفيها قدم محمّد بن علىّ بن صعلوك مدينة السلام وهو ابن عمّ صاحب خراسان مستأمنا فخلع عليه. زبزب على السطوح وحيلة للسلطان وفيها فى فصل الصيف تفزّعت العامّة من حيوان كانوا يسمّونه الزّبزب، [١]

стр. 2198

ذكروا أنّهم يرونه فى الليل على سطوحهم، وأنّه يأكل أطفالهم. قالوا: وربّما قطع يد الإنسان إذا كان نائما، أو ثدي المرأة فيأكله. وكانوا يتحارسون طول الليل ولا ينامون ويتزاعقون ويضربون الطسوت والصوانى والهواوين ليفزّعوه. وارتجّت بغداد لذلك، حتّى أخذ السلطان حيوانا غريبا أبلق، كأنّه من كلاب الماء، وقال: - «هو الزّبزب، وإنّه صيد.» فصلب [١٠٧] على نقنق عند الجسر الأعلى، وبقي مصلوبا إلى أن مات. فلم يغن ذلك إلى أن انبسط القمر، وتبيّن للناس أنّه لا حقيقة لما توهّموه، فأمسكوا. إلّا أنّ اللصوص وجدوا فرصتهم بتشاغل الناس فى سطوحهم، فكثرت النقوب. الوزير يصلّى على جنازة شار على أنّها جنازة ابن الفرات وفيها تقرّر عند أبى الحسن علىّ بن عيسى الوزير أنّه قد سعى لابن الفرات فى الوزارة وتحققه، فاستعفى منها، ولم يعفه المقتدر، وأظهر فى دار السلطان أنّ ابن الفرات عليل شديد العلّة. واتفق أن مات الشاري الذي كان محبوسا فى دار السلطان، والتدبير فى أمر الشراة [١] أن يكتم موت من يؤخذ منهم، ممّن تسميه الشراة إماما، فإنّه ما دام حيّا فليس ينصبون إماما غيره، فإن صحّ عندهم موته نصبوا غيره. فأظهر فى دار السلطان أنّ ابن الفرات مات، وكفّن الشاري وأخرجت جنازته على أنّها جنازة ابن الفرات، وصلّى عليه الوزير علىّ بن عيسى، ثمّ انصرف

стр. 2199

إلى منزله متوجّعا وقال لخواصه: - «اليوم ماتت الكتابة.» ثمّ مضت الأيّام ووقف علىّ بن عيسى من جهات كثيرة على تمام السعى لابن الفرات، وأنّه حىّ، فقال لخواصّه: - «ليس ينبغي للإنسان أن يتحدّث بكلّ ما يسمعه.» صرف على بن عيسى عن الوزارة وكان يضجر فى أوقات من سوء [١٠٨] أدب الحاشية والمطالبة بالمحالات، واستعفى من الوزارة ويخاطب المقتدر فى ذلك، فينكر عليه استعفاءه. إلى أن اتفق يوما أن صارت إليه أمّ موسى القهرمانة فى آخر ذى القعدة من سنة أربع وثلاثمائة لتواقفه [١] على ما يطلق فى عيد الأضحى للحرم والحاشية، وكان علىّ بن عيسى محتجبا، فلم يجسر سلامة حاجبه عليه أن يستأذن لها فصرفها صرفا جميلا. فغضبت من ذلك وعلم علىّ بن عيسى بحضورها وانصرافها، فأمر أن تلتمس ويعتذر إليها لترجع، فأبت أن تعود، وصارت إلى المقتدر والسيّدة، فأغرت به وتخرّصت عليه الأحاديث، فصرفه المقتدر بالله وقبض عليه غداة الإثنين لثمان خلون من ذى الحجّة سنة أربع وثلاثمائة عند ركوبه إلى دار الخلافة، ولم يعرض لشيء من أملاكه وضياعه وضياع أسبابه، ولا لأحد من أولاده، واعتقل عند زيدان القهرمانة. فكانت مدّة وزارته هذه ثلاث سنين وعشرة أشهر وثمانية وعشرين يوما.

стр. 2200

وزارة أبى الحسن علىّ بن محمّد ابن الفرات الثانية وفيها تقلّد أبو الحسن الوزارة والدواوين لثمان خلون من ذى الحجّة، وخلع عليه وصار [١٠٩] إلى داره بالمخرّم [١] التي كان أقطعها فى وزارته الأولى، وكتب إلى الأطراف والبلدان عن المقتدر بالله بخبر إعادته إلى الوزارة على نسخة أنشأها أبو الحسين محمّد بن جعفر بن ثوابة، وفى فصل منه: - «ولمّا لم يجد أمير المؤمنين غنى عنه ولا للملك بدّا منه، وكان كتّاب الدواوين على اختلاف أقدارهم وتفاوت ما بين أخطارهم مقرّين برئاسته معترفين بكفايته متحاكمين إليه إذا اختلفوا واقفين عند غايته إذا استبقوا مذعنين بأنّه الحوّل القلّب المحنّك المجرّب العالم بدرّة المال كيف تحلب ووجوهه كيف تطلب، انتضاه من غمده، فعاد ما عرف من حدّه، فنفّذ الأعمال كأن لم يغب عنها، ودبّر الأمور كأن لم يخل منها. ورأى أمير المؤمنين ألّا يدع سببا من أسباب التكرمة كان قديما جعله له إلّا وفّاه إيّاه، ولا نوعا من أنواع المثوبة والجزاء كان أخّره عنه إلّا حباه به وآتاه.» فخاطبه بالتكنية وكان وكان. وقبض ابن الفرات على أسباب علىّ بن عيسى واخوته وكتّابه وجميع

стр. 2201

عمّاله بالسواد وبالمشرق والمغرب، وصادرهم سوى أبى الحسين وأبى الحسن ابنى أبى البغل، فإنّه أقرّهما على ما كانا يتولّيانه من أعمال إصبهان والبصرة، لعناية أمّ موسى [١١٠] بهما. وقبض على أبى علىّ الخاقاني وتتبّع أسبابه، وألزم جميعهم مصادرة ثانية أدّوها، وطالب العمّال المصروفين بالمصادرة وأن يظهروا المرافق ويؤدّوها، ونصب ديوانا للمرافق، وكان ضمن للمقتدر ووالدته من هذه الجهة كلّ يوم ألفا وخمسمائة دينار، وكانت تنسب إلى مال الخريطة، فكان يحملها ولا يمكنه الإخلال بها وكان منها للمقتدر فى كلّ يوم ألف دينار، وللسيّدة فى كلّ يوم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون دينارا، وثلث، وللأميرين أبى العبّاس وهارون ابني المقتدر فى كلّ يوم مائة وستّ وستّون دينارا وثلثا. وكان ابن الفرات قد اتّسع بما كان استسلفه [١] علىّ بن عيسى من الخراج، فإنّه قد كان جبى قطعة منه قبل الافتتاح وابتدأ بذلك قبل صرفه بعشرة أيّام، وأعدّ المال فى بيت المال لينفقه فى العيد فى إعطاء الحشم والفرسان والأتراك، فقويت نفس ابن الفرات به وانضاف إلى ذلك جملة عظيمة راجت له من مال المصادرات والضمانات، وأموال سفاتج وردت من فارس وإصبهان ونواحي المشرق فى درج كتب بحمول كتبت على أنها تصل إلى علىّ بن عيسى، فأطلق جميع ذلك فى الفرسان والحشم والخدم ومهمّ النفقات. وكان الغالب [١١١] على أمر الدواوين والأعمال فى أيّام وزارة ابن الفرات هذه من بين سائر كتّابه أبو بشر عبد الله بن فرجويه، وكان السبب فى ذلك أنّه سلم من النكبة وقت القبض على ابن الفرات فى الدفعة الأولى، واستتر

стр. 2202

مدّة وزارة الخاقاني وعلىّ بن عيسى، وواصل بعد ما مضت سنة واحدة من وزارة علىّ بن عيسى مكاتبة ابن الفرات على يد عيسى المتطبّب، وكان ابن الفرات يجيبه عن رقاعة ويرسم له ما يكاتب به المقتدر عن نفسه، فى معايب علىّ بن عيسى وكتّابه وعمّاله، وأنّه ليس يصادر أحدا من عمّاله ويقول: - «لا أخوّن عاملا بعد أن ائتمنته.» ويذكر تأخّر أرزاق الولد والحرم والحشم، حتّى إنّه اقتصر بالولد والحرم على جارى ثمانية أشهر فى السنة، والخدم والحشم بستّة أشهر من السنة، واقتصر بالفرسان من مائة وخمسين ألف دينار تطلق لهم فى الشهر على خمسين ألف دينار. وكان المقتدر يواقف ابن الفرات على تلك الرقاع، فيعرّفه أنّ ابن فرجويه خبر بالأمور، وأنّه صادق فى كلّ ما ذكره فيهم المقتدر بصرف علىّ بن عيسى، فإذا شاور مونسا فى ذلك أشار عليه أن لا يفعل. ووصف علىّ بن عيسى بالديانة والأمانة. فلمّا خرج مونس إلى مصر لمحاربة العلوي [١١٢] صاحب المغرب، تمكّن ابن فرجويه من الجدّ فى السعى على علىّ بن عيسى، وكان غريب الخال ونصر الحاجب يدفعان عن علىّ بن عيسى لمّا غاب مونس. فلمّا تبيّن ابن [١] فرجويه دفع غريب ونصر عن علىّ بن عيسى، كتب رقعة بخطّه إلى المقتدر، يذكر فيها أنّه إن صرف علىّ بن عيسى عن الوزارة، وقلّد مكانه علىّ بن محمّد ابن الفرات، أطلق للولد والحرم والحشم ولمن بالحضرة من تفاريق الفرسان مثل ما كان يطلقه فى أيّام وزارته الأولى على التمام

стр. 2203

والكمال والإدرار، وأن [١] يوفّر بعد ذلك من مال مصادرات العمّال ومال مرافقهم والاستثبات فى النواحي فى كلّ شهر من شهور الأهلّة خمسة وأربعين ألف دينار. فواقف المقتدر ابن الفرات على هذه الرقعة، فذكر أنّ جميع ما تضمّنته صحيح، وبذل خطّه بضمانه جميع ذلك. فكانت هذه الرقاع من أكبر أسباب التحاقه على ابن فرجويه فى وزارته هذه واختصاصه به. واتفق له مع ذلك أنّ ابن الفرات أودع على يده عند جماعة من التجار والكتّاب أموالا جليلة، ولم يقرّ ابن الفرات بما كان أودعه ابن فرجويه، لأنّه لم يكن يعرف أسماء من أودع ذلك عنده. فلمّا عاد إلى الوزارة استخرج له ابن فرجويه جميع ما كان أودعه له من غير [١١٣] أن يذهب له شيء منه. وكان أبو علىّ بن مقلة متعطّلا فى أيّام وزارة الخاقاني، وعلىّ بن عيسى ملازما منزله واستتر أيّام الخاقاني، ثمّ آمنه علىّ بن عيسى، فلزم منزله فشكر له ابن الفرات واختصّ به لهذه الحال. ذكر ما جرى من ابن أبى الساج عند تداول الوزارة الأيدى الكثيرة لمّا وقف يوسف بن أبى الساج على الخبر فى صرف علىّ بن عيسى عن الوزارة، وكان مقيما بأذربيجان ومتقلّدا أيّام وزارة ابن الفرات الأولى أعمال الصلاة والحرب والمعاون والخراج والضياع العامّة بأرمينية وأذربيجان، ومقاطعا على مال يحمله فى كلّ سنة عنها إلى بيت المال بالحضرة، وكان يزيح العلّة فى ذلك المال مدّة أيّام وزارة ابن الفرات الأولى. فلمّا ولى أبو

стр. 2204

علىّ الخاقاني الوزارة ثمّ علىّ بن عيسى، طمع فأخّر أكثر المال الذي كان يقاطع عليه، واجتمع له من ذلك ما قوى به وحمله على العصيان. ذكر ما دبّره ابن أبى الساج واحتال به أظهر أنّ علىّ بن عيسى أنفذ إليه اللواء والعهد عن المقتدر بالله بتقليده أعمال الحرب [١١٤] بالرىّ وقزوين وأبهر وزنجان قبل صرفه عن الوزارة، وسار مبادرا إليها. فلمّا قرب منها انصرف عنها محمّد بن علىّ صعلوك، [١] وهرب إلى نواحي خراسان، وكان محمّد بن علىّ هذا متغلّبا على هذه النواحي، ثمّ قاطع عن الضياع والخراج مقاطعة خفيفة ولم يف بذلك أيضا. فلمّا وقف ابن الفرات على ما فعله ابن أبى الساج أنهى ذلك إلى المقتدر، ثمّ ورد كتاب ابن أبى الساج بعد أيّام يعتدّ بما فعله من إخراج محمّد بن علىّ صعلوك عن الرىّ وما يليها، ويبشّر السلطان بفتحه هذه النواحي، ويصف أنّه لمّا ورد عليه العهد واللواء من جهة علىّ بن عيسى سار إليها فرزقه الله الفتح والنصر، فاغتاظ المقتدر بالله من ذلك وتقدّم إلى ابن الفرات بمواقفة علىّ بن عيسى على ما كتب به ابن أبى الساج، فأخرجه من محبسه [٢] ورفق به وخاطبه بجميل وقال له: - «قد يجوز أن تكون دبّرت بهذا الفعل على صعلوك وهذا غير منكر.» فحلف أنّه ما ولّاه ولا أنفذ إليه لواء ولا عهدا وقال: - «ولا بدّ للواء والعهد أن ينفذ مع خادم من خدم السلطان، أو قائد من قوّاده. وهؤلاء الخدم والقوّاد بين أيديكم، سلوهم عن ذلك، ولديوان الرسائل

стр. 2205

[١١٥] كاتب يتقلّده بكتب العهود والولايات، سلوه هل كتب بشيء؟» فأخذ منه ابن الفرات خطّا بما حكاه وعرضه على المقتدر بالله فازداد المقتدر غيظا على ابن أبى الساج. وكتب ابن الفرات عن المقتدر بالله وعن نفسه إلى ابن أبى الساج فى هذا المعنى أغلظ كتب وتوعّده، وأنفذ إليه من الحضرة لمحاربته خاقان المفلحى، وضمّ إليه الرجال، وأنفذ بعده عدّة من القوّاد مددا له وأنفق الأموال فيهم. وكان فيهم مثل محمّد بن مسرور [١] البلخي وسيما الخزري ونحرير الصغير وجماعة أمثالهم، فواقعه ابن أبى الساج وهزمه وأسر جماعة من أصحابه وأدخلهم مشهّرين إلى الرىّ. وقدم مونس الخادم من الثغر، فندب لحرب ابن أبى الساج وشخص إليه، وكتب إلى جميع القوّاد فى طريقه بالانضمام إليه واستأمن إليه أحمد ابن علىّ صعلوك [٢] فأحسن قبوله، وصرف خاقان المفلحى عمّا كان إليه من أعمال الجبل، وقلّد مكانه نحرير الصغير. واتصلت كتب ابن أبى الساج يلتمس الرضا عنه ويبذل سبعمائة ألف دينار عن أعمال الخراج والضياع بكورة الرىّ وما يليها خالصة، سوى أرزاق الأولياء فى تلك الأعمال، وسوى النفقات [١١٦] الراتبة، فلم يجبه المقتدر بالله إلى ما التمس فكتب يبذل أن يقيم بالرىّ متقلّدا أعمال المعاون والحرب بها فقط حتّى ينفذ السلطان إلى تلك النواحي من يتقلّد أعمال الصلاة والخراج والضياع والأحكام والبريد والخبر والخرائط والصدقات. فأقام المقتدر على أنّه لو بذل كلّ بذل لما أقرّه على الرىّ يوما واحدا لإقدامه على أن سار إليها بغير أمر.

стр. 2206

فلمّا رأى ابن أبى الساج هذه الحال انصرف عن الرىّ وأعمالها بعد أن أخربها وجبى مالها لسنة أربع وثلاثمائة فى مدّة قريب، وقلّد مونس الرىّ وقزوين وصيفا البكتمرّى، ورضى ابن أبى الساج بأن يجدّد له العهد والولاية للأعمال التي كانت إليه أوّلا، وأشار ابن الفرات بقبول ذلك منه وضمن أن يلزمه بهذا السبب حمل جملة من المال إلى بيت المال يحسن موقعها، فعارض ذلك نصر الحاجب وابن الحوارى وقالوا: - «لا يجوز أن يقرّ على أرمينية وأذربيجان إلّا بعد أن يرد الحضرة ويطأ البساط.» ونسبوا ابن الفرات إلى مواطأته، فأقام المقتدر على أنّه لا بدّ من محاربته، أو يرد الحضرة، وكتب إلى مونس بالتعجّل إليه لمحاربته. [١١٧] فلمّا رأى ابن أبى الساج أنّ دمه على خطر، حارب مونسا بسراة من بلد أذربيجان فانهزم مونس إلى زنجان، وقتل من قوّاد السلطان سيما، واستأسر ابن أبى الساج جماعة من قوّاد مونس فيهم هلال بن بدر، وأدخلهم إلى أردبيل مشهرين وأقام مونس بزنجان يجمع ليوسف، وهو مع ذلك يكاتبه ويراسله، وابن أبى الساج يلتمس منه الصلح ومونس لا يقبل منه إلّا المصير إلى الحضرة. وكان ابن أبى الساج أبقى على مونس لمّا انهزم حتّى سلم فى ثلاثمائة غلام، ولو أراد ابن أبى الساج لأسره فكان مونس يشكر [١] ابن أبى الساج على هذه الحال. فلمّا كان فى المحرّم بعد ذلك فى أيّام وزارة حامد بن العبّاس واقع مونس يوسف بن أبى الساج الوقعة الأخرى بأردبيل، فأسر يوسف وبه

стр. 2207

ضربات، وانصرف به مونس إلى بغداد. فلمّا كان سنة سبع وثلاثمائة حمل يوسف بن أبى الساج على جمل من باب الشمّاسية وأدخل بغداد مشهرا، على رأسه برنس وبين يديه الجيش إلى أن وصل إلى دار السلطان ووقّف بين يدي المقتدر، ثمّ حبس فى دار السلطان فى يد زيدان القهرمانة، ووسّع عليه ثمّ خلع على مونس وطوّق وسوّر [١١٨] وخلع على جماعة من قوّاده وزيد الرجّالة نصف دينار لكلّ واحد فى الشهر. ولمّا بعد مونس من أذربيجان وانكفأ راجعا إلى مدينة السلام ومعه يوسف بن يوداذ [١] غلب سبك غلام يوسف عليها، فأنفذ مونس إليه محمّد بن عبد الله الفارقي وقلّده البلد، وكان فى حدود أرمينية، فسار إلى سبك وحاربه فانهزم الفارقي وصار إلى بغداد وتمكّن سبك من البلد. ثم كتب إلى السلطان يسأل أن يقاطع عن الناحية، فأجيب وفورق [٢] على أن يحمل فى كلّ سنة مائتين وعشرين ألف دينار، وأنفذت إليه الخلع والعقد ولم يف بما ووقف عليه. وكان مونس لمّا ظفر بيوسف بن أبى الساج وقبل انصرافه عن أذربيجان قلّد بن وهسوذان أعمال الحرب بالرىّ ودنباوند [٣] وقزوين وزنجان وأبهر وسلّمها إليه وجعل أموالها له ولرجاله، وقلّد أحمد بن علىّ صعلوك أعمال المعاون بإصبهان وقم وجعل مال الخراج والضياع بقم وساوة له ولرجاله، مبلغه فى كلّ سنة أكثر من مائتي ألف دينار. ثمّ وثب أحمد بن مسافر صاحب الطرم على ابن أخيه علىّ بن وهسوذان وهو معه مقيم بناحية قزوين فقتله على فراشه [١١٩] وهرب فى الوقت إلى

стр. 2208

بلده وكان أحمد بن علىّ أخو صعلوك مقيما بقم، فسار منها إلى الرىّ ودخلها فأنكر عليه السلطان فعله، وقلّد وصيف البكتمرى أعمال علىّ بن وهسوذان وقلّد محمّد بن سليمان صاحب الجيش أعمال الخراج والضياع وكوتب أحمد بن علىّ بالانصراف إلى قم، ففعل. ثمّ جرت بينه وبين محمّد بن سليمان وحشة، فأظهر الخلاف وصرف عمّال الخراج والضياع عن قم، وأخذ فى الاستعداد للمسير إلى الرىّ. وكوتب نحرير الصغير وهو متقلّد همذان بالمسير إلى الرىّ والاجتماع مع وصيف البكتمرى ومحمّد بن سليمان على دفع أحمد بن علىّ. وسار أحمد بن علىّ إلى باب الرىّ فواقعوه، وانهزم وصيف ونحرير إلى همذان، وقتل محمّد بن سليمان فى الوقعة، وحصلت الرىّ فى يد أحمد بن علىّ، فشرع فى إصلاح ما بينه وبين السلطان وعنى به نصر الحاجب فقاطع عن عمال الخراج بالرىّ ودنباوند وقزوين وزنجان وو أبهر على مائة وستّة وستين ألف دينار محمولة فى كلّ سنة إلى الحضرة، وقلّد الناحية، وقلّد محمّد بن خلف النيرمانى الضياع بهذه النواحي وأخرج أحمد بن علىّ عن قم فقلّد من نظر فيها. ونعود إلى حديث ابن الفرات . [١٢٠] لمّا تبيّن الوزير أبو الحسن ابن الفرات عداوة نصر الحاجب وأبى القاسم ابن الحوارى وشفيع اللؤلؤي ونسبهم إيّاه إلى مواطأة ابن أبى الساج على العصيان عاداهم ومنعهم أكثر حوائجهم وصرف نصرا وشفيعا عن أكثر أعمالهم. وكان ابن الفرات قلّد أبا علىّ ابن مقلة كتابة نصر الحاجب، ثمّ استوحش أبو علىّ ابن مقلة من ابن الفرات لأجل استخدامه سعيد بن إبراهيم التستري

стр. 2209

فذكر لنصر أنّ ابن الفرات قد استخرج من ودائعه التي سلمت له خمسمائة ألف دينار بعد أن حلف فى وقت نكبته أنّه ما بقيت له وديعة لم يقرّ بها، فذكر نصر للمقتدر ذلك ليغيظه على ابن الفرات وغرّ نصر وابن الحوارى أبا علىّ ابن مقلة وأطمعاه فى الوزارة ليستخرجا ما عنده من أخبار ابن الفرات التي يضرّبون بها المقتدر عليه، حتّى ظهر الأمر فى ذلك واشتهر وكثرت به الأراجيف، فذهب أبو الخطّاب ابن أبى العبّاس ابن الفرات إلى عمّه فشرح له ما يتحدّث به الناس فقال له: - «إن شككت فى أبى علىّ ابن مقلة مع تربيتي له ورفعي [١] منه شككت فى ولدي وفيك.» ثمّ تبيّن ابن الفرات بعد ذلك صحة ما نسب إلى ابن مقلة وأطلع [١٢١] أبا علىّ ابن مقلة على بعض ما وقع إليه من الخوض فى أمره على طريق التعجّب ليصرفه عمّا شرع فيه، فاستوحش أبو علىّ منه وخاف معاجلته إيّاه بالنكبة، فجدّ فى السعى عليه واعتصم بنصر الحاجب. ودخلت سنة خمس وثلاثمائة ورود رسولين لملك الروم بهدايا وألطاف كثيرة التماسا للهدنة وفيها ورد رسولان لملك الروم إلى مدينة السلام على طريق الفرات بهدايا عظيمة وألطاف كثيرة يلتمسان الهدنة. وكان دخولهما يوم الإثنين لليلتين خلتا من المحرّم، فأنزلا فى دار صاعد بن مخلد، وتقدّم أبو الحسن ابن الفرات بأن يفرش لهما ويعدّ فيه كلّ ما

стр. 2210

يحتاجان إليه من الآلات والأوانى وجميع الأصناف، وأن يقام لهما ولمن معهما الأنزال الواسعة والحيوان الكثير والحلاوة، حتّى يتّسع بذلك كلّ من معهما، والتمسا الوصول إلى المقتدر بالله ليبلّغاه الرسالة التي معهما. فأعلما أنّ ذلك معتذّر صعب لا يجوز إلّا بعد لقاء وزيره ومخاطبته فيما قصد إليه وتقرير الأمر معه والرغبة إليه فى تسهيل الإذن على الخليفة [١٢٢] والمشورة عليه بالإجابة إلى ما التمسا. فسأل أبو عمر عدىّ بن عبد الباقي الوارد معهما من الثغر أبا الحسن ابن الفرات الإذن لهما فى الوصول إليه فوعده بذلك فى يوم ذكره له. وتقدّم الوزير بأن يكون الجيش مصطفّا من دار صاعد إلى الدار التي أقطعها بالمخرّم، وأن يكون غلمانه وحده وخلفاء الحجّاب المرسومين بداره منتظمين من باب الدار إلى موضع مجلسه، وبسط له فى مجلس عظيم مذهّب السقوف فى دار منها يعرف بدار البستان بالفرش الفاخر العجيب، وعلّقت الستور التي تشبه الفرش واستزاد فى الفرش والبسط والستور ما بلغ ثمنه ثلاثين ألف دينار، ولم يبق شيء تجمّل [١] به الدار ويفخّم به الأمر إلّا فعل، وجلس على مصلّى عظيم من ورائه مسند عال والخدم بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله، والقوّاد والأولياء قد ملأوا الصحن، ودخل إليه الرسولان فشاهدوا فى طريقهما من الجيش وكثرة الجمع ما هالهما. ولمّا دخلا دار العامّة أجلسهما الحاجب فى رواقها والرجال قد امتلأت بهم الدار، ثمّ أخذ بهما فى ممرّ طويل من وراء هذا الرواق حتّى أخرجهما إلى صحن البستان، ثمّ عدل بهما إلى المجلس الذي كان [١٢٣] الوزير جالسا فيه، فشاهدا من بهاء المجلس والفرش الذي فيه وكثرة الجمع منظرا
следующие страницы →