← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

جرى عليه لحقه من الغمّ أمر لا يذكر مثله وأنّه لم يطعم طعاما منذ عرف خبره، لأنّه شيخ من مشايخ الكتّاب وقد خدم أمير المؤمنين [١٩٩] وتحرّم بداره ومثله يخطئ وأمير المؤمنين أولى بالصفح، وسأل أن يزال عنه القيد والجبّة الصوف. فأجابه المقتدر بأنّ علىّ بن عيسى مستحقّ لأضعاف ما جرى عليه وأنّ المحسّن قد أصاب فيما عامله به، وأنّه قد شفعه فى أمره، وأمر بحلّ قيده ونزع جبّة الصوف عنه، وتقدّم بعد ذلك بتسليم علىّ بن عيسى إلى ابن الفرات ليؤدّى مال التعجيل من مصادرته. فلمّا حمل إليه [قال] [١] : - «لست أحبّ أن يكون فى دارى لئلّا يلحقه مرض وهو شيخ فينسب إلىّ، وأنا أسأل أمير المؤمنين أن يأذن فى تسليمه إلى شفيع.» فقيل للمقتدر ذلك. فقال: - «أنا أسلّمه إليك لأنّك الوزير فاحفظ نفسه ولا تسلّمه إلى المحسّن، فأمّا غير هذا فأنت أولى وما تراه.» فأنفذ ابن الفرات إلى شفيع وأحضره. وأخذ ابن الفرات فى توبيخ علىّ بن عيسى وعاتبه على أمر وقوف وقّع أمير المؤمنين بردّها عليه وأنّ مالها كان ينصرف إلى أشياء يتقرّب بها إلى الله- وينصرف بعضها إلى ولده وغلمانه وأنّ ما فعله لا يجوز فى الدين ولا فى المروءة. فأخذ علىّ بن عيسى يعترف بالتفريط الذي وقع منه وسأله قبول عذره، وكان المحسّن حاضرا [٢٠٠] فأطنب فى توبيخه وتقريعه على هذا الباب، فأجابه بمثل ما أجاب به والده وزيادة. وقال فى عرض كلامه:

стр. 2277

- «أنا والله أستحليك. [١] .» فقامت على المحسّن القيامة من هذه الكلمة وغلظت على أبيه أيضا، فأجابه المحسّن بجواب فيه غلظة وأقبل أبوه يسكّنه ويرفق به، ثمّ قال لعلىّ بن عيسى: - «أبو أحمد كاتب أمير المؤمنين وصنيعته.» وأخذ يصف محلّه منه وتفويضه إليه. وأخذ علىّ بن عيسى فى الاعتذار من تلك الكلمة. ونهض علىّ بن عيسى مع شفيع فأجلسه شفيع فى صدر طيّاره وحمله إلى داره. وحكى أبو الحسن ابن أبى هشام أنّه كان حاضرا المجلس وأنّه رأى الحسن بن دولة ابن أبى الحسن ابن الفرات خرج فى تلك الحال، فقام له علىّ بن عيسى وقبّل رأسه وعينيه فاستكثر ذلك ابن الفرات وقال له: - «لا تفعل يا أبا الحسن، هذا ولدك.» ثمّ فتح دواته ووقّع إلى هارون بن عمران الجهبذ أن يحمل إلى أبى الحسن علىّ بن عيسى بلا دعاء ألفى دينار يستعين به على أمره فى مصادرته، وقال لابنه المحسّن: - «وقّع أنت أيضا بشيء.» فوقّع بألف دينار، ثمّ أحضرا بشر [٢] بن هارون وكتب قبضا لعلىّ بن عيسى من مال مصادرته بهذه الثلاثة الآلاف الدينار. [٢٠١] فانصرف علىّ بن عيسى شاكرا. ولم يقبل علىّ بن عيسى من أحد من الكتّاب معونة فى مصادرته مع بذل جماعتهم له وحملهم إليه ما أطاق كلّ واحد منهم، إلّا من ابن فرجويه وابني

стр. 2278

أبى الحسن بن الفرات الفضل والحسين، فإنّه قبل من كلّ واحد منهما خمسمائة دينار وحمل إليه أبو الهيجاء ابن حمدان عشرة آلاف دينار، فردّها وقال: - «لو كنت متقلّدا فارس لقبلتها منك ولكنّى أعلم أنّ هذه جميع حالك [١] وما أحبّ أن أثلمك.» فحلف أبو الهيجاء أن لا يرجع إلى ملكه، ففرّقت فى الطالبيين وفى الصدقة على الضّعفى وبذل له شفيع اللؤلؤي ألفى دينار، فامتنع من قبولها وقال: - «لا أجمع عليك مؤونتي ومعونتى فى مصادرتى.» وقبل من هارون بن غريب ومن نصر الحاجب وشفيع والمقتدري. إبعاد على بن عيسى إلى مكّة ثمّ إلى صنعاء فلمّا أدّى علىّ بن عيسى أكثر مال مصادرته قال ابن الفرات للمقتدر: - «إنّ فى مقام علىّ بن عيسى فى دار شفيع ضررا عليه، فإنّ الأراجيف قد كثرت وإن ردّ إلى دار السلطان زاد الإرجاف.» والتمس الإذن فى إبعاده إلى مكّة فأذن له المقتدر فى ذلك، فأطلق ابن الفرات لما قدر [٢] له من نفقته وما يحتاج إليه سبعة آلاف درهم، فخرج إليها. ثمّ كتب ابن الفرات بإبعاده إلى صنعاء اليمن [٢٠٢] فأبعد إليها. ابن الفرات وأسباب علىّ بن عيسى ثمّ استخرج ابن الفرات من أسباب علىّ بن عيسى وعمّاله وكتّابه مالا

стр. 2279

عظيما بالمكاره وبسط يد ابنه فأنكر الناس أخلاقه وما كان يعرف من كرمه ونبله. فأمّا أبو علىّ ابن مقلة فإنّه كتب إلى أبى عبد الله محمّد بن إسماعيل [بن] [١] زنجى رقعة وكانت بينهما مودّة وضمّنها أبياتا له ما أثبتها لأنّى لم أستجدها. وكتب رقعة إلى ابن الفرات يذكّره بحرمته وقديم خدمته ويستعطفه وجعلها فى درج تلك الرقعة وسأله إيصالها فلمّا وقف ابن الفرات عليها تقدّم بحلّ قيده وتقرّير مصادرته على ما ينهض به ثمّ خفّف عنه بعد ذلك وأطلقه. فأمّا ابن الحوارى فإنّ ابن الفرات سلّمه إلى ابنه المحسّن فصفعه صفعا عظيما فى دفعات وضربه بالمقارع ثمّ أخرجه إلى الأهواز مع مستخرج له، فلمّا وصل إليها قتله المستخرج. فأمّا المادرائيّان فانّه كتب بإشخاصهما، فحمل الحسين بن أحمد وهو أبو زنبور [٢] فاعتقله ابن الفرات فى داره واستحضر القضاة وأصحاب الدواوين إلى داره وحضر المحسّن وأحضروا أعمالا عملوها لأبى زنبور وناظره ابن الفرات عليها وأخذ خطّه من الأبواب التي نوظر عليها بألفي ألف وأربعمائة ألف دينار. ثمّ استكثر [٢٠٣] ابن الفرات هذا المال فقرر مصادرته على ألف ألف وسبعمائة ألف دينار وعرض خطّه بذلك على المقتدر بالله فاستصاب فعله. وتناهى ابن الفرات فى معاملته بالجميل، وكان يسترجله ويصف فهمه ويقول: إنّه ما خاطب عاملا أفهم منه ولا أجلد، وسامه أن يواجه علىّ بن

стр. 2280

عيسى بأنّه أرفقه فى أيّام تقلّده ديوان المغرب وفى أيّام وزارته فاستعفاه من ذلك. فقال له ابن الفرات: - «فكيف واجهتني أنا بأمره ولا تواجهه بأمرى؟» فقال: «ما حمدت معه تلك الحال ولا أستحسنها إلى أحد مع الظاهر من إساءة الوزير إلىّ بتسليمه إيّاى إلى ابن بسطام وبسطه يده علىّ فى أيّام وزارته الثانية، فكيف تستحسنون لى هذه الحال فى معاملة علىّ بن عيسى مع قديم وحديث إحسانه إلىّ.» فأعفاه ابن الفرات من ذلك. ثمّ قدم محمّد بن علىّ المادرائى ولم يكن تقلّد فى أيّام وزارة حامد ابن العبّاس شيئا من الأعمال، فناظره ابن الفرات على المال الباقي عليه وعلى الحسين بن أحمد من ضمان أجناد الشام ومصر وعن حقّ بيت المال فى ضياعه [١] وهو حينئذ شريك للحسين بن أحمد فى الضمان فاحتجّ فى بعضه. فقال له ابن الفرات: - «لست بأفهم من الحسين وقد احتجّ بأكثر ما ذكرت [٢٠٤] فلم تثبت له حجّة.» وأخذ خطّه بلا تهديد ولا مكروه بألف ألف وسبعمائة ألف دينار، ثمّ سلّمه إلى المحسّن وكان فى داره على أتمّ صيانة، وأقام فيها يوما واحدا. وكان المحسّن يتطاول عليه [٢] إذا حضر. ثمّ أطلقه وكان السبب فى ذلك أنّه حمل إليه مالا جليلا وثيابا فاخرة وجواهر نفيسة وخدما روقة.

стр. 2281

ذكر ما دبّره ابن الفرات فى أمر مونس حتّى أبعده كان ورد مونس من الغزو بعد أن ظفر بالروم ظفرا حسنا، فتلقّاه المحسّن ونصر الحاجب وشفيع ومفلح وسائر القوّاد ولقى المقتدر بالله، فتحدّث الناس أنّ مونسا أنكر ما جرى على الكتّاب والعمّال من المكروه العظيم من ابن الفرات والمحسّن وما ظهر من وفاة حامد بن العبّاس، وأنّ أكثر الفرسان التفاريق بالحضرة قد عملوا على الانضمام إلى عسكر مونس المظفّر لتروج أرزاقهم. فغلظ ذلك على ابن الفرات وصار إلى المقتدر بالله بعد أسبوع من قدوم مونس المظفّر فخلا به وأعلمه ما عمل مونس عليه من ضمّ الرجال إليه، وأنّه إن تمّ له ذلك صار أمير الأمراء وتغلّب على أمر المملكة ولا سيّما والقوّاد [٢٠٥] والغلمان منقادون له. وعظّم عليه الأمر وأغراه به إغراء شديدا. فلمّا ركب مونس المظفّر إلى دار المقتدر بالله، قال له المقتدر بحضرة ابن الفرات: - «ما شيء أحبّ إلىّ من مقامك، لأنّى أجمع إلى الأنس بك والتبرّك برأيك الانتفاع بحضورك فى أمر الحضرة كلّه، ولكن أرزاق الفرسان برسم التفاريق عظيمة، وما يتهيّأ أن تطلق أرزاقهم على الإدرار ولا النصف من استحقاقهم وليس يطيعون فى الخروج إلى نواحي مصر والشام، لأنّهم يحتجّون بقصور أحوالهم عن ذلك. وقد علمت أنّ الرىّ وأبهر وزنجان متعلّقة بأخي صعلوك وكذلك أرمينية وأذربيجان بيوسف بن أبى الساج، وإن أقمت ببغداد التمس الرجال الانضمام إليك، فإن لم أجبهم شغبوا وأفتنوا البلد، وإن

стр. 2282

أقمت لم يرج [١] من مال ديار ربيعة ومضر [٢] والشام شيء، وليس يفي مال السواد والأهواز وفارس بنفقات الحضرة ومال عسكرك. والوجه أن تخرج إلى الرقّة وتتوسّط عملك وتنفذ عمّالك فى اقتضاء الأموال وتستخرج ما يجب على المادرائيّين من الأموال العظيمة التي بذلوا بها خطوطهم وتهابك [٣] عمّال المعاون والخراج بمصر والشام فيستقيم أمر [٢٠٦] الملك.» ورسم له الشخوص من وقته [٤] فى سائر الغلمان الحجريّة والساجيّة برسمه. فعلم مونس أنّ هذا من رأى ابن الفرات وتدبيره وعرف شدّة عداوته له، فسأل المقتدر بالله أن يأذن له فى المقام بقية شهر رمضان حتّى يعيّد ببغداد، فأجابه إلى ذلك. فلمّا عيّد صار إلى ابن الفرات لوداعه، فقام له قياما تامّا فاستعفاه مونس وحلف عليه أن يجلس فى المصلّى فامتنع، وسأله مونس فى عدّة أمور فوقّع له بجميع ما التمسه وأراد القيام عند خروجه من حضرته فاستحلفه برأس الخليفة ألّا يفعل، ثمّ ودّع الخليفة وخرج إلى مضربه فى يوم مطير. ما دبّره ابن الفرات بعد مونس فى أمر الحاشية ولمّا فرغ ابن الفرات من مصادرة جميع الكتّاب وأخرج مونسا شرع فى القبض على نصر الحاجب وشفيع المقتدري. فوصف للمقتدر ما فى جنب

стр. 2283

نصر خاصّة من الأموال والضياع وكثرة ما يصل إليه من الأعمال التي يتولّاها، ثمّ من سائر وجوه مرافقه فأجابه المقتدر إلى تسليمه إليه، واتّصل الخبر بنصر فلجأ إلى السيّدة واستغاث إليها. [٢٠٧] فكلّمت ابنها وقالت له: - «قد أبعد ابن الفرات مونسا عنك وهو سيفك وثقتك ويريد الآن أن ينكب حاجبك ليتمكّن منك فيجازيك على ما عاملته به من إزالة نعمه وهتك حرمه. فليت شعري بمن تستعين عليه إن أراد بك مكروها من خلعك والتدبير عليك، لا سيّما مع ما أظهر من شرّه وإقدام ابنه المحسّن على كلّ عظيمة.» وقد كان نصر مضى إلى منزله واستظهر بتفريق ماله فى الودائع واستتره فراسلته السيّدة بالرجوع إلى داره، فوثق وعاد وهو مع ذلك شديد التذلّل لابن الفرات وابنه وابن الفرات يعرّف المقتدر من أحواله ومن إفساده ابن أبى الساج حتّى ضيّع على الخلافة خمسة آلاف ألف دينار من ارتفاع نواحيه ما يهمّ معه المقتدر بتسليمه إليه. فلمّا كان فى ذى الحجّة من هذه السنة ورد الخبر على ابن الفرات بإيقاع ابن أبى الساج بأحمد بن علىّ أخى صعلوك وقتله إيّاه وأنّه أخذ رأسه وهو على حمله إلى بغداد. فركب المحسّن إلى المقتدر والتمس من مفلح أن يوصله إليه من غير حضور نصر الحاجب فأوصله وبشّره بالفتح وبشّره بالفتح وأعلمه أنّ نصر الحاجب يكره ذلك وأنّه عدوّ لابن أبى الساج وهو الذي [٢٠٨] أفسده على السلطان فلذلك كتمه الخبر. ودخلت سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة فلمّا كان بعد أيّام ظهر فى دار للسيّدة كان المقتدر يكثر الجلوس فيها

стр. 2284

عند والدته رجل أعجمى على سطح مجلس من مجالسها وعليه ثياب فاخرة وتحتها ممّا يلي بدنه قميص صوف ومعه محبرة ومقدحة وسكّين وأقلام وورق وسويق وحبل، يقال إنّه دخل مع الصّنّاع فحصل فى الموضع وبقي أيّاما فعطش وخرج ليطلب الماء فظفر به وسئل عن خبره فقال: - «ليس يجوز أن أخاطب غير صاحب الدار.» فأخرج إلى الوزير أبى الحسن ابن الفرات فقال له: - «أنا أقوم مقام صاحب الدار فقل ما شئت.» فقال: «ليس يجوز غير خطابه فى نفسه ومسألته عمّا احتاج إليه.» فرفق به فلم يغن الرفق. فلمّا لم تكن فيه حيلة أخذ الخدم يقرّرونه بالضرب والعنف فعدل عن الكلام بالعربية فقال بالفارسية: - «ندانم [١] .» فصلب ولفّ عليه حبل من قنّب ومساقة [٢] ولطّخ بالنفط وضرب بالنار. وخاطب ابن الفرات نصرا الحاجب بحضرة [٢٠٩] المقتدر فى أمر هذا الرجل، وقال له: - «ما أحسبك ترضى لنفسك أن يجرى عليك فى دارك مثل هذا الذي جرى على أمير المؤمنين وأنت حاجبه وحافظ داره وما تمّ مثل هذا على أحد من الخلفاء فى قديم ولا حديث وهذا الرجل هو صاحب أحمد بن علىّ أخى صعلوك لا محالة، والدليل على ذلك أنّه أعجمى، فإمّا أن يكون أحمد

стр. 2285

بن علىّ- قبل أن يقتل- واطأك [١] حتّى أوصلته إلى هذا الموضع وإمّا أن تكون أنت دسسته ليفتك بأمير المؤمنين لتخوّفك على نفسك منه ولأجل عداوتك لابن أبى الساج وصداقتك لأحمد بن علىّ ولأجل عظيم ما وصل إليك من أحمد بن علىّ من الأموال.» فقال له نصر الحاجب: - «ليت شعري أدبّر على أمير المؤمنين لأنّه أخذ أموالى وهتك حرمي أو قبض ضياعي أو حبسني عشر سنين؟» فقال المقتدر: - «لو تمّ هذا على بعض العوامّ لكان عظيما.» وتمكّن ابن الفرات منه واندفع عنه المكروه بما ورد به الخبر ممّا جرى على الحاجّ من القرمطى وسنشرحه فيما بعد. فشغل ابن الفرات بنفسه وقوى أمر نصر وسلم من ابن الفرات. وفى هذه السنة ورد الكتاب بشرح الخبر فى مصير ابن أبى الساج من أذربيجان إلى الرىّ ومحاربته [٢١٠] أحمد بن علىّ وحمل رأس أحمد بن علىّ وجثّته إلى مدينة السلام. تفريق المال على طلّاب الأدب وفيها فرّق ابن الفرات على طلّاب الأدب مالا وعلى من يكتب الحديث مثله، وكان السبب فى ذلك أنّه جرى حديثهم فى مجلسه فقيل لعلّ الواحد منهم يبخل على نفسه بدانق [٢] فضّة أو دونها ويصرفه إلى ثمن ورق وحبر.

стр. 2286

وكان ابن الفرات موصوفا بسعة الصدر وحسن الخلق، وكان فرّق فى الشعراء مالا. فقال لمّا جرى حديث هؤلاء: - «أنا أولى من عاونهم على أمرهم.» وأطلق لهم لما يصرفونه إلى ذلك عشرين ألف درهم.» فذكر أنّه لم يسبق ابن الفرات إلى ذلك إلّا ما حدّث به الضبعي عن رجاله أنّ مسلمة بن عبد الملك أوصى عند وفاته بالثلث من ثلثه لطلّاب الأدب وقال: - «هم مجفوءون [١] .» وكان يستعمل كلّ يوم فى مطبخ ابن الفرات من لحوم الحيوان وفى دوره من الثلج الكثير ومن الأشربة التي تعرض على كلّ من دخل ومن الشمع ومن القراطيس ما لم يستعمله أحد قبله ولا بعده. وكان إذا ولى الوزارة ارتفعت أسعار الشمع والثلج والقراطيس خاصّة وإذا عزل رخصت. وكان أهدى إلى مونس [٢١١] المظفّر عند موافاته من المغرب وإلى بشرى ويلبق وإلى نازوك وغيرهم من الغلمان والخدم لمّا حضر النوروز هدايا عظيمة لم تسمح نفس أحد بمثلها وقدّر أنّهم يستكفّهم بها فلم يقع موقعه الذي أراد. ذكر السبب فى ضعف أمر ابن الفرات بعد تناهيه فى القوّة والاستقامة اتّفق أن ورد الخبر إلى بغداد على ابن الفرات بأنّ أبا طاهر ابن أبى سعيد

стр. 2287

الجنّابى ورد إلى الهبير ليتلقّى حاجّ سنة إحدى عشرة وثلاثمائة فى رجوعهم، فأوقع [١] بقافلة فيها خلق كثير من أهل بغداد وغيرها واتّصل خبره بهم وهم بفيد [٢] فأقاموا حتّى فنى زاد من فيها وضاق بهم البلد فارتحلوا على وجوههم. وأشار عليهم أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان- وكان إليه طريق الكوفة وطريق مكّة وبذرقة الحاجّ- لمّا بلغهم خبر الهجري، أن يعدل بهم من فيد إلى وادي القرى لئلّا يجتازوا بالهبير فضجّوا من ذلك وامتنعوا عليه وساروا وسار معهم ضرورة إلى الهبير. فلمّا قربوا من الهبير عارضهم أبو طاهر ابن أبى سعيد الجنّابى وقاتلهم فظفر بهم وقتل [٢١٢] منهم خلقا كثيرا وأسر أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان وأحمد بن كشمرد وغرير العمرى وأحمد بن بدر عمّ السيّدة أمّ المقتدر وجماعة من خدم السلطان وحرمه. وأخذ أبو طاهر جمال الحاجّ فى سائر القوافل وسبى ممّن كان فيها من اختار من النساء والرجال والصبيان وسار بهم إلى هجر وترك باقى الحاجّ فى مواضعهم بلا زاد ولا جمال. وكانت سنّ أبى طاهر فى ذلك الوقت سبعة عشر سنة ومات أكثر من خلّف من الحاجّ بالعطش والحفا والرجلة. وانقلبت بغداد وطرقها فى الجانبين وخرج النساء حفاة منشّرات الشعور مسوّدات الوجوه يلطمن ويصرخن فى الشوارع وانضاف إليهن حرم المنكوبين الذين نكبهم ابن الفرات وذلك فى يوم السبت لسبع خلون من صفر فكانت صورة فظيعة [٣] قبيحة شنعة لم ير مثلها.

стр. 2288

وتقدّم ابن الفرات إلى نازوك بالركوب إلى المساجد الجامعة فى الجانبين ببغداد بسبب حركة العامّة فركب فى جميع جيشه من الفرسان والرجّالة والنفّاطين حتّى سكّن العامّة. ثمّ قدم سائق الحاجّ فشرح الصورة [٢١٣] لابن الفرات، فركب ابن الفرات آخر هذا اليوم وقد ضعفت نفسه إلى المقتدر وشرح له الحال واستدعى نصرا الحاجب وأدخله فى المشاورة وتمكّن نصر من خطاب ابن الفرات بحضرة المقتدر وانبسط لسانه عليه وقال له: - «الساعة تقول: أىّ شيء الرأى، بعد أن زعزعت أركان الدولة وعرّضتها للزوال بإبعادك مونسا الذي يناضل الأعداء ويدفع عن الدولة، فمن يمنع الآن هذا الرجل عن السرير ومن الذي أسلم رجال السلطان وقوّاده وحرمه وخدمه إلى القرمطى سواك وقد ظهر الآن أمر الأعجمىّ الذي وجد فى دار السلطان وأنّه إنّما كان صاحب القرمطى.» وأشار نصر على المقتدر بمكاتبة مونس بالتعجّل إلى الحضرة، فأمر أن يكتب بذلك. ووثبت العامّة على ابن الفرات ورجمت طيّاره وبالآجرّ، وركب المحسّن من داره يريد طيّاره فرجموه وضجّت العامّة فى الطرقات بأنّ: - «ابن الفرات القرمطى الكبير وليس يقنعه إلّا إتلاف أمّة محمّد.» وتحرّكت العامّة فامتنعت من الصلاة فى المساجد الجامعة ذلك اليوم وارتجّت بغداد بأسرها من الجانبين. [٢١٤] وأشار ابن الفرات بإنفاذ ياقوت إلى الكوفة لضبطها لئلّا تردها الهجريّة [١] ويضمّ الغلمان الحجريّة ووجوه القوّاد إليه وإن كان الهجري مقيما سار لمحاربته.

стр. 2289

فتقدّم المقتدر إلى ياقوت بالشخوص، وإلى ابن الفرات بإزاحة علّته فالتزم ابن الفرات له ولولديه وهما المظفّر ومحمّد وللزيادة فى إقطاعهم وموائدهم ولمن ضمّ إليه أموالا عظيمة. وخرج ياقوت بمضربه إلى باب الكناسة، وورد الخبر على ابن الفرات بانصراف الهجري إلى بلده. فوقّع إلى ياقوت بالرجوع فرجع وبطل نفوذه إلى الكوفة. وأصلح المقتدر بين ابن الفرات وبين نصر وأمر الجماعة بالتضافر على ما فيه الصلاح للدولة وكفاية الهجري. دخول مونس بغداد ودخل مونس بغداد وتلقّاه الناس فلم يتأخّر عنه أحد وركب إليه ابن الفرات للسلام عليه ولم تجر له بذلك عادة ولا لأحد قبله. فلمّا عرف مونس خبره خرج إلى باب داره وتلقّاه وسأله أن ينصرف فلم يفعل، وصعد إليه من طيّاره حتّى هنّاه بمقدمه. فلمّا خرج لينصرف خرج معه مونس إلى أن نزل إلى طيّاره. [٢١٥] ما عامل به المحسّن المنكوبين لمّا اضطرب أمره وأمر أبيه استوحش المحسّن بعد إيقاع الهجري بالحاجّ من المنكوبين ونظر إلى سقوط حشمته [١] ، فخاف أن يظهر ما أخذه وارتفق به وما أسقطه من أداء المصادرين وفاز به، فنصب أبا جعفر محمّد بن علىّ الشلمغاني المعروف

стр. 2290

بابن أبى العزاقر [١] وكان هذا يدّعى من حلول اللاهوت فيه ما ادّعاه الحلّاج. وكان المحسّن قد غنى بهذا الرجل فاستخلفه بالحضرة لجماعة من العمّال وكان له صاحب يعرف بملازمته مقدام على الدماء من أهل البصرة. فسلّم المحسّن إلى صاحب ابن الفرات هذا البصري جماعة فيهم النعمان بن عبد الله وعبد الوهّاب ابن ما شاء الله ومونس خادم حامد وأظهر أنّه يطالبهم بما بقي عليهم من المال، فلمّا حصلوا فى يده ذبحهم كما يذبح الغنم. وكان جماعة مستترين، فكتب ابن الفرات إليهم كتبا جميلة حتّى ظهروا، ثمّ صادرهم واستخرج منهم أموالا كثيرة. ذكر القبض على أبى الحسن ابن الفرات وهرب ابنه المحسّن [٢١٦] واشتدّ الإرجاف بابن الفرات حتّى استتر أولاده وكتّابه فراسله المقتدر على لسان نسيم. فحكى أبو القاسم ابن زنجى أنّه كان بين يديه إذ جاءه نسيم فتقدّم إليه فأدّى الرسالة التي كانت معه، فسمعته يقول فى جوابها: - «قل له: أنت تعلم يا أمير المؤمنين أنّى عاديت فى استيفاء حقوقك الصغير والكبير واستخرجت لك المال من الدنيء والشريف وبلغت غاية ما أمكننى فى تأييد دولتك ولم أفكّر فى أحد مع سلامة نيّتك وما قرّبنى منك واجتلب لى حسن رأيك، فلا تقبل فىّ قول من يريد إبعادى عن خدمتك ويغريك بما لا فائدة فيه ويدعوك إلى ما تذمّ [٢] عواقبه.

стр. 2291

«وبعد فطالعى وطالعك واحد وليس يلحقني شيء ولا يلحقك مثله، فلا تلتفت إلى ما يقال، فقد علمت الخاصّة والعامّة أنّى أطلقت للرجال النافذين إلى طريق مكّة ما لم يطلقه أحد تقدّمنى واخترت رؤساء الجند والقوّاد وشجعان الرجال وأزحت العلّة فى كلّ ما التمس منّى، فحدث من قضاء الله على الحاجّ ما قد حدث مثله فى أيّام المكتفي بالله ﵀ فما أنكره [٢١٧] على وزيره ولا ألزمه جريرته ولا أفسد عليه رأيه.» وتكلّم فى هذا المعنى بما يشاكله وانصرف نسيم والغلمان بانصراف نسيم. واحتدّت الأراجيف وكثرت بأبى الحسن ابن الفرات والمحسّن ابنه، وأراد المقتدر أن يسكّن منهما فكتب إليهما رقعة يحلف فيها على ما هو عليه لهما وما يعتقده من الثقة بهما، وأنّه ينبغي لهما أن يثقا بما تقرّر فى نفسه من موالاتهما وأمرهما أن يظهرا رقعته إليهما لأهل الحضرة ويكتب بنسختها إلى جميع عمّال الحرب والخراج فى البلدان. ثمّ ركب بعد ذلك ابن الفرات والمحسّن إلى الدار، فوصلا إلى المقتدر فى شهر ربيع الأوّل سنة اثنتي عشرة، ولمّا خرجا أجلسهما نصر الحاجب وكان راسل الغلمان الحجريّة المقتدر فى القبض عليهما فدخل مفلح برسالتهم، ثمّ أشار عليه بتأخير الأمر وقال له: - «إنّ صرف [١] الوزير بكلام الأعداء خطر وخطأ فى التدبير وإطماع للغلمان.» فأمره أن يتقدّم إلى نصر بإطلاقهما ويعرّف الغلمان أنّ الأمر يجرى فيما راسلوه على محبّتهم فتقدم مفلح وقال: - «لينصرف الوزير.»

стр. 2292

فأذن نصر للوزير وابنه فى الانصراف [٢١٨] فقام [١] ابن الفرات فى الممرّات كالمهزول حتّى وصل إلى طيّاره وكذلك ابنه المحسّن. فلمّا وصلا إلى دار الوزير دخل إليه المحسّن فسارّه سرارا طويلا ثمّ خرج من عنده وانصرف إلى منزله وجلس فيه ساعة وتقدّم بما أراد ثمّ خرج فاستتر. وجلس أبوه غير مكترث ينظر فى العمل وبين يديه وجوه الكتّاب وانصرفوا آخر النهار وقد تشكّكوا فيما بلغهم من صورة الأمر لمّا رأوه من نشاطه وانبساطه وجريه على رسمه فى الحديث والأنس والأمر والنهى. وتحدّث بعض خواصّه قال: سمعته يقول فى آخر الليل وهو فى مرقده يتمثّل بهذا البيت: وأصبح لا يدرى وإن كان حازما ... أقدّامه خير له أم وراؤه [٢] فدلّ ذلك على سهره وتفكّره فى أمره، وجلس من الغد ينظر فى أمره. قال أبو القاسم ابن زنجى: فبينا هو كذلك إذ وردت رقعة لطيفة مختومة فقرأها فما عرفت ممّن هي فى الوقت ثمّ عرفت أنّها كانت من مفلح. ثمّ وردت رقعة أخرى من رجل يجرى مجرى الجند كان ملازما لدار السلطان. فلمّا قرأها أمسك [٢١٩] قليلا ثمّ دعا يحيى قهرمانه فأسرّ إليه بشيء وانصرف. ثمّ صرف الناس وواعدهم البكور ونهض ابن الفرات عن مجلسه إلى دور حرمه وتفرّق الناس. فلمّا صرت إلى الرّوشن ذكرت شغلا علىّ كان شغلي به فانصرفت وجلست لذلك، فإذا بنازوك قد دخل عليه سيفه وبيده دبّوس وإذا بيلبق

стр. 2293

يتلوه وهما بخلاف ما أعهدهما [١] من الانبساط ومع كلّ واحد منهما نحو خمسة عشر غلاما بسلاح. فلمّا لم يجدوه فى مجلسه دخلوا إلى دار حرمه فأخرجوه منها حاسرا وأجلس فى طيّار وحمل إلى دار نازوك وقبض معه على ابنيه الفضل والحسين ومن وجد من كتّابه. ومضى نازوك [٢] ويلبق إلى مونس المظفّر وعرّفاه الخبر وكان قد خرج إلى باب الشمّاسية وأظهر أنّه خرج للنزهة، فانحدر معه هلال بن بدر وجماعة من قوّاده وذهب يلبق إلى دار نازوك وأخرج ابن الفرات من هناك مع ولديه وأسبابه وأخرج نازوك من داره رداء قصب وطرحه على رأسه لأنّه كان حاسرا. فلمّا رأى ابن الفرات مونسا أظهر الاستبشار [٢٢٠] بحصوله فى يده فأجلسه معه فى الطيّار وخاطبه بجميل مع عتاب وتذلّل ابن الفرات وخاطبه بالأستاذيّة فقال له مونس: - «الساعة تخاطبني بالأستاذيّة وبالأمس تخرجني على سبيل النفي إلى الرقّة والمطر يصبّ على رأسى ثمّ تذكر لمولانا أمير المؤمنين أنّى أسعى فى فساد مملكته!» وانحدر به إلى دار السلطان وتقدّم بحمل ولديه وكتّابه إليها وتسليمهم إلى نصر. فتكاثر العامّة على ابن الفرات ومعهم أسباب المنكوبين يدعون عليه ويضجّون واجتهد مونس فى دفعهم فما قدر على ذلك ورجموا طيّار مونس لمكان ابن الفرات فيه وصاحوا: - «قد قبض على القرمطى الكبير وبقي القرمطى الصغير.» ولمّا وصلوا إلى باب الخاصّة صعد جمع عظيم من السميريّات لرجم ابن الفرات وولديه وكتّابه بالآجر حتّى حوربوا واحتيج إلى رميهم بالسهام وجرح

стр. 2294

بعضهم فانصرفوا وتسلّمهم نصر. فكانت مدّة ابن الفرات فى هذه الوزارة الثالثة عشرة أشهر وثمانية عشر يوما. تسليم ابن الفرات إلى شفيع اللؤلؤىّ ثمّ اجتمع وجوه القوّاد إلى دار السلطان وأقاموا [٢٢١] على أنّ ابن الفرات إن حبس [١] فى دار الخلافة خرجوا بأسرهم إلى المصلّى وأسرفوا فى التهدّد. فدعا المقتدر مونسا ونصرا وشاورهما فأشارا بتسكين القوّاد وبأن يخرج ابن الفرات ويسلّم إلى شفيع اللؤلؤي ويعتقل عنده. فاستحضر شفيع وسلّم إليه. ذكر توصّل أبى القاسم عبد الله بن محمّد بن عبيد الله الخاقاني إلى الوزارة كان أبو القاسم عبد الله بن محمّد الخاقاني استتر فى أيّام وزارة ابن الفرات الثالثة وأبوه أبو علىّ شديد العلّة وقد أسنّ وتغيّر فهمه [٢] ولمّا اضطرب أمر ابن الفرات عند ما جرى على الحاجّ ما جرى، سعى عليه أبو القاسم الخاقاني وعلى ابنه المحسّن وعمل لهما عملا وسعى له فى ذلك نصر الحاجب وثمل القهرمانة وغيرهما [٣] . وكان مونس أشار بأبى القاسم الخاقاني قبل ذلك. فقال المقتدر: - «أبوه خرّب الدنيا وهو شرّ من أبيه ولكن نقلّد الحسين بن أحمد

стр. 2295

المادرائى.» فعرّفه مونس أنّه قد نفذ إلى مصر وأنّ استحضاره يبعد. ثمّ ساعده نصر وابن الخال [٢٢٢] فى ذلك، ثمّ استحضره المقتدر وشافهه بتقليده الوزارة والدواوين وخلع عليه وركب معه مونس المظفّر وهارون بن غريب إلى داره. ذكر ما جرى عليه أمر ابن الفرات وأسبابه بعد تقلّد أبى القاسم الخاقاني الوزارة ذكر أبو الحسن أنّه سلّم إلى شفيع كما ذكرنا فراسله شفيع على يد المعروف بالجمل كاتبه، فيما يبذله من المصادرة عن نفسه ليسلم من أعدائه ومن تسليمه إلى الخاقاني وأبى العبّاس ابن [١] بعد شرّ وهو كاتب الخاقاني فأجابه ابن الفرات بأنّه لا يفعل أو يثق من المقتدر بالله فى حفظ نفسه من تسليمه إلى أحد من هذه الطبقة. وقال للكاتب الملقّب بالجمل: - «قل لصاحبك إنّى قد خلّفت فى يد هارون الجهبذ وابنه مائة ونيّفا وستين ألف دينار حاصلة قبلهما من المصادرين ليعرف الخليفة ذلك ويتقدّم بحملها إلى بيت مال الخاصّة من وقته هذا حتّى لا يوهمه الخاقاني أنّه هو استخرجه ثمّ يصرفه فى النفقات التي سبيلها أن ينفق من بيت مال العامّة.» فركب شفيع للوقت وأنهى ذلك إلى المقتدر [٢٢٣] فوجّه إلى الجهبذين وكانا فى دار الخاقاني لم يكلّمهما بعد لتشاغله بالتهنئة فأحضرا واعترافا بالمال وحملاه وصحّحاه فى بيت مال الخاصّة. وتقدّم المقتدر إلى نصر الحاجب بتسليم أولاد ابن الفرات وكتّابه وأسبابه إلى الخاقاني، فسلّمهم إليه وأخذ خطّه بتسلّمهم وسلّمهم الخاقاني إلى أبى

стр. 2296

العبّاس ابن بعد شرّ فقيّدهم وأجلسهم على الأرض فى الحرّ الشديد ثمّ أخذ خطّ كلّ واحد من ولدي ابن الفرات بمائة ألف دينار وخطّ سعيد بن إبراهيم بمائتي ألف وخطّ أبى غانم كاتب المحسّن بمائتي ألف دينار، ووقع النداء على المحسّن وهشام وابني فرجويه والتهديد لمن وجدوا عنده بعد النداء بالنهب وإحراق المنازل وضرب ألف سوط. وواقف أبو الحسن شفيعا على أن يضمن عنده مالا إن ردّ إلى دار السلطان ولم يسلّم إلى أحد. فذهب شفيع فخاطب فى ذلك المقتدر فقال له المقتدر: - «إنّ مونسا ونصرا وهارون بن غريب قد أجمعوا [١] على أنّه لا يمشى للخاقانى أمر إلّا بتسليم ابن الفرات إليه وضمن أن يستخرج منه ومن ابنه وأسبابه [٢٢٤] ألفى ألف دينار. فانصرف شفيع ووجّه إلى ابن الفرات بكاتبه يشرح الصورة له. كلام لابن الفرات فى وزارة الخاقاني فقال هذا الكاتب وهو الملقّب بالجمل: كنت أدخل إلى ابن الفرات فى كلّ يوم لتفقّد أحواله. فكنت أجده أقوى الناس نفسا وأصبرهم على نوائب الدهر. قال: ولقد سألنى: عمّن تقلّد الوزارة. فعرّفته أنّه أبو القاسم بن أبى على الخاقاني. فقال: «السلطان نكب وما نكبت أنا.» وسألنى: «عمّن تقلّد الديوان- يعنى ديوان السواد، فقلت: - «محمّد بن جعفر بن حفص.»

стр. 2297

فقال: «رمى بحجره [١] .» وسألنى: عمّن تقلّد باقى الدواوين. فعرّفته أنّهم يحيى بن نعيم المالكي ومحمّد بن يعقوب المصري وإسحاق بن علىّ القنّاى. فقال: - «لقد أيّد الله هذا الوزير بالكفاة.» مناظرة ابن الفرات لاستخراج ماله وكان المناظر لابن الفرات ابن بعد شر فرفق به فوعده أن يتذكّر ودائعه ويعرّفه إيّاها فعاوده بالرفق فأقرّ أنّ له عند التجّار مائة وخمسين ألف دينار. وكان المقتدر رسم أن يكون مال مصادرة ابن الفرات وحده يحصّل فى بيت المال الخاصّة ومال مصادرة أسبابه فى بيت مال العامّة. ولمّا [٢٢٥] استخرج ما ذكره ابن الفرات من التجّار أعاد ابن بعد شر مطالبة ابن الفرات، فذكر أنّه لم يبق له مال فأوقع به مكروها يسيرا، ولم يكن ابن الفرات ممّن يستجيب بالمكروه فتقاعد وامتنع دفعة واحدة من أداء شيء. فمضى هارون بن غريب إلى المقتدر وعرّفه أن الخاقاني جنى على السلطان بتسليمه ابن الفرات إلى ابن بعد شر وأنّه كان ينبغي أن يرفق به ويداريه، فإنّه ممّن لا يستجيب بالمكروه. فتقدّم المقتدر إلى الخاقاني بأن تكون مناظرة ابن الفرات بحضرة هارون بن غريب وأن يرفق به. وكان ابن بعد شر قد ضيّق على ابن الفرات فى مطعمه ومشربه حتّى أنّه أدخل إليه خبز خشكار [٢] وقثّاء وماء الهواء، فوجّه إليه بطعام واسع وشراب وثلج كثير

стр. 2298

وفاكهة واعتذر إليه عمّا جرى وحلف أنّه لم يعلم بما عومل به. ثمّ إنّ الخاقاني راسله على يد خاقان بن أحمد بن يحيى برفق ومداراة بأن يقرّ بماله ولا يلاجّ السلطان فليس ذلك بمحمود. فأجابه بأن قال: - «قل للوزير ليست حدثا غرّا فتحتال علىّ فى المناظرة، ولست [٢٢٦] أقول إنّى لا أقدر على المال ولكن إذا وثقت لنفسي بالحياة فديتها بالمال. وإنّما أثق بذلك إذا كتب أمير المؤمنين بخطّه لى أمانا وشهد الوزير والقضاة بخطوطهم ويكتب لى الوزير أيّده الله أمانا بخطّه ويسلّمنى إلى أحد رجلين: إمّا مونس المظفّر وإن كان عدوّى وإمّا شفيع اللؤلؤي فإن لم يفعل ذلك فقد وطّنت [١] نفسي وعلى التلف.» فوجّه إليه الخاقاني: - «بأنّى لو قدرت على التوثّق لك لتوثّقت، ولكن إن تكلّمت فى هذا المعنى عاداني خواصّ الدولة لأجلك، ثمّ لم تنتفع أنت بذلك وقد ردّ الخليفة أمرك إلى هارون بن غريب.» فتواعدوا إلى دار الخاقاني بالمخرّم واستحضر ابن الفرات وناظره ابن بعد شر بحضرته فتماتن ابن الفرات. فبدأ ابن بعد شر يسمعه المكروه فأنكره هارون وزبره [٢] وقال: - «بهذا تريد أن تستخرج مال ابن الفرات؟» وأقبل هو على ابن الفرات وداراه وخاطبه بجميل وقال له: - «أنت أعرف بالأمور من كلّ من يخاطبك والخلفاء لا يلاجّهم وزراؤهم إذا سخطوا عليهم.» فقال له ابن الفرات:

стр. 2299

- «أشر علىّ أيّها الأمير فإنّ من كان فى مثل حالي عزب عنه الرأى.» فلم يزل معه فى مناظرات إلى أن أخذ [٢٢٧] خطّه بمصادرة ألفى ألف دينار على أن يعجّل منها الربع وعلى أن يحتسب له من الربع بما أدّاه وما أخذ بعد ذلك ممّا لعلّه استخرج من ودائعه بغير إقرار منه ويطلق له بيع أملاكه وما يستبيع من ضياعه وأمتعته وينقل إلى دار شفيع اللؤلؤي أو غيره من ثقات السلطان ويطلق الكلوذانى ليتصرّف فى جمع أمواله ويطلق له الدواة ليكاتب من يرى مكاتبته فأخذ هارون بن غريب خطّه بجميع ما كتب به وحمله إلى المقتدر بالله. ذكر اتّفاق سيّء اتّفق على المحسّن حتّى ظفر به وصودر وقتل كان المحسّن استتر عند حماته حنزابة وهي حماته ووالدة الفضل بن جعفر بن الفرات فكانت تحمله كلّ يوم، بكرة إلى المقابر فى زىّ النساء وتردّه إلى المنازل التي يثق بها بالليل. فمضت به يوما إلى مقابر قريش فى زىّ النساء على رسمه وأمست فبعد عنها الطريق إلى الكرخ فوصفت لها امرأة كانت معها منزل امرأة تثق بها ليس معها رجل لأنّ زوجها مات منذ سنة. فصارت حنزابة [١] مع النسوة والمحسّن [٢٢٨] إلى هناك فقالت لصاحبه الدار: - «إنّ معنا امرأة لم تتزوّج بعد، وقد عادت من مأتم وضاقت عليها [٢] فأفردى لها بيتا.»

стр. 2300

فأفردت لها [١] بيتا فى صفّة وأدخلت إليه المحسّن ثمّ ردّت عليه الباب وجلس النسوة مع المحسّن فى البيت. فجاءت جارية سوداء بسراج معها فوضعته فى الصفّة وأدخلت حنزابة إلى المحسّن بسويق وسكّر وكان المحسّن قد نزع ثيابه فاطّلعت الجارية السوداء من حيث لا يشعر المحسّن ولا حنزابة فى البيت، وعلمت أنّه رجل، فانصرفت وأخبرت مولاتها. فلمّا جنّ الليل جاءت مولاتها وطالعت البيت فرأت المحسّن وكان ذلك من نحس المحسّن وخذلان الله إيّاه، لأنّ تلك المرأة كانت زوجة لمحمّد بن نصر وكيل علىّ بن عيسى وكان المحسّن طلبه فأدخل إلى ديوانه فرأى ما يلحق الناس من المكاره بحضرة المحسّن فمات من الفزع فجأة من غير أن يكلّمه المحسّن. فمضت المرأة فى الوقت إلى دار السلطان حتّى وصلت إلى دار نصر الحاجب وشرحت له الصورة فأنهى نصر الحاجب الخبر إلى المقتدر بالله، فتقدّم بالبعثة إلى نازوك ليركب إلى الموضع ويقبض على المحسّن. فركب [٢٢٩] نازوك من وقته إلى الموضع وكسبه وقبض على المحسّن، وضربت الدبادب لذلك نصف الليل عند الظفر به حتّى ارتاع الناس ببغداد وظنّوا أنّ القرمطى قد كبس بغداد. وحمل المحسّن إلى دار الوزارة بالمخرّم وتسلّمه ابن بعد شر [وجرّعه] [٢] فى وقته مكروها عظيما وأخذ خطّه بثلاثة آلاف ألف دينار. وحضرت هارون بن غريب دار المخرّم وناظر المحسّن فوعده أن يتذكّر وودائعه ويقرّ بها ولحقه فى يومين متواليين مكروه عظيم فلم يذعن بدرهم واحد وقال: - «ليس يجمع بين نفسي ومالي.»

стр. 2301

وحضر بعد ذلك هارون بن غريب ومعه شفيع اللؤلؤي وأحضر المحسّن والكتّاب وابن بعد شرّ وناظر المحسّن وأوقع به مكروها عظيما وقال له: - «هبك لا تقدر أن تؤدّى المال الذي أخذ خطّك به [١] لا تقدر أن تؤدّى مائة ألف دينار.» فقال له: - «بلى إذا أمهلت وزال عنّى المكروه.» فقال له: - «نحن نمهلك فاكتب خطّك بمائة ألف دينار.» وكتب [٢] بذلك خطّه وأنّه يؤديها فى مدّة ثلاثين يوما. فلمّا قرأ هارون بن غريب الرقعة قال: - «كأنّك ترجو أن تعيش ثلاثين يوما.» فخضع له المحسّن وقال له: [٢٣٠]- «أفعل ما يأمر به الأمير.» قال: «أكتب بأنّك تؤدّيها فى مدّة سبعة أيّام.» فارتجع الرقعة ليكتب بدلها. فلمّا حصلت فى يده مضغها وبلعها وامتنع أن يكتب غيرها. فقيّد وغلّ وألبس جبّة صوف وضرب على رأسه بالدبابيس على أن يكتب ما كان كتبه فلم يكتب، فأعيد إلى محبسه وعذّب فيه بأنواع العذاب فلم يذعن بدرهم واحد. الخاقاني يناظر ابن الفرات فلمّا كان بعد ذلك حضر الأستاذ مونس ونصر الحاجب والقضاة والكتّاب

стр. 2302

مجلس الوزير الخاقاني وأحضر أبو الحسن ابن الفرات وناظره الخاقاني ولم يكن الخاقاني من رجاله، فكاد أبو الحسن ابن الفرات أن يأكله فكان فيما قال له: - «إنّك استغللت ضياعك فى مدّة أحد عشر شهرا ألف ألف دينار.» فقال: «قد كانت هذه الضياع فى يد علىّ بن عيسى عشر سنين أيّام وزارته وأيّام وزارة حامد بن العبّاس وما ارتفع له منها إلّا أربعمائة ألف دينار فقد ادّعيت لى [١] المعجزات.» فقال له: - «أضفت حقوق ضياع السلطان إلى ضياعك.» فقال: «الدواوين لا يمكن أن يكتم ما فيها فتنظر فى ارتفاع النواحي السلطانية فى أيّام نظري فيها وفى ارتفاعها أيّام علىّ بن عيسى ووزارة [٢٣١] حامد بن العبّاس ووزارة أبيك التي دبّرتها أنت حتّى تعلم هل زادت ارتفاع ضياع السلطان فى أيّامى أم نقصت.» ونوظر فيمن قتل وشنّع عليه بهم فقال: - «ليس يخلو من ذلك من أحد أمرين: إمّا أن يقال إنّى أنا قتلتهم فلم أغب عن الحضرة والقتل لا ينسب إلىّ والمدّعى قتله بالبعد منها، وإمّا أن يقال كتبت خطّك بقتلهم وهؤلاء أصحاب المعاون وثقات السلطان وعمّال الخراج ووجوه متصرّفى عمّال السلطان قد حكّمتهم على نفسي.» فقيل له: - «قد قتلهم ابنك.» فقال: «أنا غير ابني وأنتم تناظروننى.»

стр. 2303

فقال له ابن بعد الشرّ [١] : - «إذا قتل ابنك الناس فأنت قتلتهم.» فقال له ابن الفرات: - «هذا غير ما حكم الله ورسوله، فإنّه يقول: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ٦: ١٦٤. [٢] وقال النبي ﵇ لرجل من أصحابه: أهذا ابنك؟ فقال: نعم. قال: أما إنّه لا يجنى عليك ولا تجنى عليه، ومع هذا فهو فى أيديكم سلوه فإن وجب عليه قود بادّعاء قتل [٣] فى موضع ناء عنه يقال فيه إنّ غيره تولّى قتله فالحكم فى هذا معروف.» فتحيّر القوم فى الجواب. فقال عثمان بن سعيد صاحب ديوان الجيش لنصر الحاجب: - «إن رأى الحاجب أن يقول له حيث كنت تقول لمن تطالبه: إن أدّيت وإلّا سلّمتك [٢٣٢] إلى المحسّن، أكنت تسلّمه ليسقيه [٤] السويق والسكّر أو ليعذّبه؟ ومن أطلق التعذيب فقد أطلق القتل، لأنّ الإنسان قد يتلف بمقرعة واحدة يضرب بها فضلا عن غيرها.» فخاطبه نصر بذلك فقال فى الجواب: - «إنّ الخليفة أطال الله بقاءه ولّى المحسّن وأنا إذ ذاك محبوس وهو مطلق فضمن ما ضمنه وجرى ذلك على يد مفلح وتوسّطه جماعة من ثقات السلطان. ثمّ لمّا تقلّدت الأمر كنت أحبّ الرفق بالناس وإذا ناظرتهم ورفقت بهم لم يذعنوا بما يلزمهم فإذا أقاموا على الامتناع سلّمتهم إلى من نصبه

стр. 2304

السلطان وأمر بتسليمهم إليه.» فقال له مونس: - «كأنّك تحيل على الخليفة فى قتل الناس فإنّ الخليفة قال: ما أمرت بقتل أحد سوى ابن الحوارى فقط.» ثمّ أقبل نصر عليه فقال له: - «معى رسالة من الخليفة إليك فتسمعها وتجيب عنها.» قال: «وما هي؟» قال: «يقول: سلّمت إليك قوما بمال ضمنته لى وأريد منك أحد أمرين: إمّا وفّيتنى المال أو رددت علىّ القوم.» فقال ابن الفرات: - «أمّا المال فقد صحّ فى بيت المال، وأمّا الرجال فما ضمنت أرواحهم ولا بقاءهم وقد تلفوا حتف آنافهم.» فقال له مونس المظفّر: - «هب [١] أنّ لك فى كلّ شيء عذرا وحجّة، أىّ عذر [٢٣٣] لك فى إخراجى إلى الرقّة حتّى كأنّى من العمّال المصادرين أو من أعداء دولة أمير المؤمنين؟» قال: «أنا أخرجتك؟» قال: «فمن أخرجنى؟» قال: «مولاك [٢] أمرنى بإخراجك.» قال: «مولاي لم يأمر بذلك.» قال: «معى حجّة بخطّه كتب إلىّ رقعة احتفظت بها لأنّها بخطّه يشكو

стр. 2305

فيها أفعالك وقتا بعد وقت وفتحك البلدان بالمؤمن الغليظة ثمّ إغلاقك إيّاها بسوء تدبيرك وآثارك القبيحة.» قال: «وأين الرقعة؟» قال: «فى أيديكم فى جملة المهمّات التي أمرت بحفظها فى السفط الخيزران المكتوب عليه بخطّى بالتحفّظ به من المهمات وفيها الأمر بإخراجك إلى الرقّة والتوكيل [١] بك حتّى تخرج.» فأمر الخاقاني بإحضار السفط فوجده مختوما بخاتم ابن الفرات ووجد فيه الرقعة بعينها وفيها جميع ما ذكر ابن الفرات بخطّ المقتدر فأخذها. ومضى مونس من وقته إلى المقتدر حتّى لقيه وأقرأه الرقعة فاغتاظ المقتدر على ابن الفرات غيظا شديدا، فأمر هارون بضربه بالسوط. فمضى هارون حتّى ضرب ابن الفرات بين الهنبازين خمس درر فقط وقال له: - «يا هذا أذعن بمالك.» فأعطى خطّه بعشرين ألف دينار وقال: - «هذا مالي.» ثمّ أخرج المحسّن [٢٣٤] فى الوقت فضربه ضرب التلف، فلم يذعن بشيء بتّة. فصار هارون بن غريب إلى المقتدر بالله واستعفى من مناظرة ابن الفرات وابنه وقال: - «هؤلاء قوم ليس فى عزمهم أن يؤدّوا شيئا البتّة وقد استقتلوا.» فأمر بتسليمهما إلى نازوك وبسط المكروه عليهما فأوقع نازوك بالمحسّن أنواع المكاره حتّى تدوّد بدنه ولم يبق فيه فضل لمكروه. وضرب أبا الحسن

стр. 2306

ابن الفرات ثلاث دفعات بالقلوس [١] فلم يذعن بدرهم واحد. واستبطأ المقتدر بالله أبا القاسم الخاقاني الوزير وقال له: - «ما رأيت شيئا ممّا ضمنته من أموال ابن الفرات وابنه صحّ.» فقال: «لأنّه لم يترك والتدبير.» وإنّ ابن الفرات لمّا عدل به عن مناظرة الكتّاب وسلّم إلى أصحاب السيوف يئس من الحياة فضنّ [٢] بالمال ونظر إليه ابنه فاقتدى به.» وقال نازوك للمقتدر: - «قد انتهيت بهؤلاء القوم من المكاره إلى الغاية حتّى إنّ المحسّن مع ترفه [٣] قد تدوّد بدنه وصبر بعد ذلك على مكاره عظام لم يسمع بمثلها وقد مضت له الآن أيّام لم يطعم طعاما وإنّما يشرب الماء شربا يسيرا وهو فى أكثر أوقاته مغشىّ عليه.» فقال المقتدر بالله: - «إذا كان الأمر كذلك فلا بدّ من حملهما إلى دارى.» فأظهر مونس [٢٣٥] والجماعة: - «إنّ الصواب فى ذلك.» وقال الخاقاني: - «قد وفّق الله [٤] أمير المؤمنين.» وخرجت الجماعة من حضرته. فأسرّ الخاقاني إليهم وهم بعد مجتمعون فى دار السلطان وقال:

стр. 2307

- «إن حمل ابن الفرات إلى دار الخليفة بذل أسبابه [١] عنه وعن ابنه الأموال، وإذا وثق مع ذلك بالخليفة وحصل فى داره أخرج أمواله وتوثّق لنفسه ولابنه، فإذا أمن على نفسه تضمّن الجماعة وحمل الخليفة على تسليمها إليه ويطمعه فى أن يوفّر أرزاقها وإقطاعاتها وضياعها ويجمع له أموالا جليلة خطيرة. والوجه أن يقع التجمّع من القوّاد واليمين على أنّهم إن وقفوا على أنّ ابن الفرات وابنه حملا إلى دار الخليفة [٢] خلعوا الطاعة.» فقال مونس: - «هذا شيء إن لم نفعله لم يصف لنا عيش.» وتجرّد لهذه الحال هارون بن غريب ونازوك فجمعا القوّاد ووجوه الغلمان الحجريّة وكان يلبق [٣] يستحلفهم. ذكر مقتل أبى الحسن ابن الفرات وابنه المحسّن ثمّ اجتمعوا بأسرهم إلى مونس ونصر وأظهروا ما فى نفوسهم. فأشار مونس بأن يلتمس القوّاد نقل ابن الفرات وابنه إلى دار مونس فإن مات المحسّن استبقى أبوه. فقال له [٢٣٦] هارون بن غريب: - «إذا مات المحسّن لم يصلح أن يستبقى أبوه وكيف يوثق به وقد قتل ابنه حتّى يؤمن على الملك؟» ثمّ كاشفوا المقتدر بالله وقالوا بأجمعهم: - «إن لم يقتل ابن الفرات وابنه خلع الأولياء بأسرهم الطاعة.»

стр. 2308

وواصل هارون بن غريب مخاطبة المقتدر فى قتل هذين وقال: - «ليست آمن أن يجتمع الأولياء على البيعة لبعض بنى هاشم، ثمّ لا يتلافى الأمر.» وأرادت الجماعة من الوزير الخاقاني التجريد فى ذلك فقال: - «لست أدخل فى سفك الدماء وإنّما أشرت بألّا يحملا إلى دار السلطان، فأمّا قتله فخطأ، لأنّه ليس ينبغي أن يسهّل على الملوك ولا يحسّن لهم قتل أحد، فإنّهم متى فعلوا ذلك خفّ عليهم قتل خواصّهم حتّى يأتوا عليهم بأدنى ذنب وخطإ يكون منهم.» فلمّا كان يوم الأحد لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر قدّم إلى ابن الفرات طعامه فأمر برفعه وقال: - «أنا صائم.» وحضر وقت الإفطار فقدّم إليه لمّا حضر وقت الطعام فقال: - «لست أفطر الليلة.» فحضر عنده من اجتهد به أن يفطر فقال: - «أنا مقتول فى غد لا محالة.» فقيل له: [٢٣٧]- «أعيذك بالله.» فقال: «بلى رأيت البارحة أخى أبا العبّاس ﵀ فى النوم وقال لى: أنت تفطر عندنا يوم الإثنين بعد غد وما قال قطّ فى النوم [١] شيئا إلّا صحّ وغدا الإثنين وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين بن علىّ صلوات الله عليه [٢] .» فلمّا كان من الغد وهو يوم الإثنين انحدر الناس إلى دار الخليفة، فلم

стр. 2309

يصلوا [١] فكتب هؤلاء الرؤساء بقتل ابن الفرات وابنه فأجابهم المقتدر أن: - «دعوني أنظر فى ذلك.» فكتبوا إليه: أنّه إن تأخّر قتل ابن الفرات وابنه عن هذا اليوم جرى على المملكة ما لا يتلافى. وكتب المقتدر إلى نازوك بأن يضرب أعناقهما ويحمل رؤوسهما إلى حضرته فقال نازوك: - «هذا أمر عظيم لا يجوز أن أعمل فيه بتوقيع.» فأمر المقتدر الأستاذين والخدم بالخروج إليه برسالته بإمضاء ما كتب به فخرجوا إليه بذلك فقال: - «لا أعمل على رسالة ولا بدّ من مشافهة بذلك.» وابن الفرات يراعى الخبر فلمّا قيل له إنّ الناس قد انصرفوا وإنّ نازوك انصرف إلى منزله سكن قليلا ثمّ قيل له: إنّ نازوك قد عاد إلى دار السلطان. فاضطرب جدا وصار نازوك إلى دار الوزارة بعد الظهر من ذلك اليوم فجلس [٢٣٨] فى الحجرة التي كان ابن الفرات معتقلا فيها ووجّه بعجيب خادمه ومعه السودان حتّى ضرب عنق المحسّن وصار برأسه إلى أبيه فوضعه بين يديه فارتاع لذلك ارتياعا شديدا وعرض هو على السيف فقال لنازوك: - «يا با منصور ليس إلّا السيف؟ راجع أمير المؤمنين فى أمرى فإنّ لى أموالا عظيمة وودائع كثيرة وجواهر جليلة.» فقال له نازوك: - «قد جلّ الأمر عن هذا.»

стр. 2310

وأمر به فضربت عنقه وحمل رأسه ورأس ابنه إلى المقتدر بالله فأمر بتغريقهما، فغرّقا فى الفرات وغرّقت الجثتان فى التمارين [١] ببغداد. وكانت سنّ أبى الحسن ابن الفرات ﵀ يوم قتل إحدى وسبعين سنة وشهورا وسنّ ابنه المحسّن ثلاثا وثلاثين سنة. حكم المنجّم فى ابن الفرات وابنه وقد كان حكم العاصمي المنجّم فى تلك السنة أنّه يخاف فيها على ابن الفرات نكبة وتلفا بالسيف وذكر ذلك فى مولده الذي كان بين يديه، وحكم على مولد المحسّن أنّ عمره ثلاث وثلاثون سنة، فصحّ حكمه. إطلاق القرمطىّ الحاجّ الأسرى عنده وفى هذه السنة ورد كتاب الفارقي من البصرة يذكر أنّ كتاب أبى الهيجاء ابن حمدان ورد عليه من هجر يذكر أنّه كلّم أبا طاهر القرمطى فى أمر من استأسر من الحاجّ [٢٣٩] وسأل إطلاقهم فوعده بهم وأنّه أحصى من عنده منهم فكانوا من الرجال ألفين ومائتين وعشرين رجلا ومن النساء نحو خمسمائة امرأة. ثمّ وردت الأخبار بورود قوم بعد قوم إلى أن كان آخر من ورد منهم أبو الهيجاء وأحمد بن بدر عمّ السيّدة. وقدم بقدوم أبى الهيجاء رسول أبى طاهر القرمطى يستدعى الإفراج عن البصرة والأهواز ونواح أخر فأنزل الرسول وأكرم وأقيمت له الأنزال الواسعة ثمّ صرف ولم يقع إجابة إلى شيء ممّا التمس.

стр. 2311

عدة حوادث وفيها خلع على نجح الطولونى وردّ إلى إصبهان لولاية أعمال المعاون بها. وفيها ورد رسول ملك الروم ومعه أبو عمير ابن عبد الباقي ووصل إلى السلطان وأوصله معه هدايا والتمس الهدنة والفداء فأجيب إلى ذلك بعد الغزاة الصائفة وخلع عليهما ورجع الرسول إلى بلد الروم. وفيها خلع على جنّى الصفواني وكان ورد من ديار مضر واستدعى محاربة أبى طاهر القرمطى. قدوم سليمان وابن مقلة وعلىّ بن عيسى إلى بغداد وكان سليمان بن الحسن بن مخلد وأبو علىّ ابن مقلة مبعدين بشيراز فى يد أبى عبد الله جعفر بن القاسم الكرخي. فذكر أبو علىّ أنّه كان مجتمعا مع سليمان فى دار [٢٤٠] واحدة مصونين مكرمين، فورد عليه الخبر بالقبض على ابن الفرات، وكان أبو الحسن ابن أبى البغل معتقلا فى يد صارفه جعفر بن القاسم الكرخي. قال: فاطّلعت الجماعة على الخبر وكان ابن أبى البغل قد وقف على ما كان رسمه ابن الفرات والمحسّن فى أمره فحين وقف على الخبر وقّع فى حاشية التقويم: - «وفى هذا اليوم ولد محمّد بن أحمد بن يحيى وله إحدى وثمانين سنة.» ولمّا وقف الكرخي على الخبر أطلق أبا علىّ ابن مقلة وسليمان بن الحسين وهنّأهما بالسلامة قبل أن يرد عليه كتاب بإطلاقهما، ثمّ ورد كتاب الخاقاني على المسمعي والكرخي بإطلاقهما ومراعاتهم حتّى لا يخرجا من

стр. 2312

شيراز فأقام سليمان مدّة أسبوع حتّى أحكم أمره. ودعا المسمعي جعفر بن القاسم الكرخي دعوة عظيمة وأقام على حال سرور [١] يومين متواليين، فخفى عنهما الخبر فى خروج سليمان وكان خرج فى زىّ الفيوج. فلمّا كتبا إلى الخاقاني بهرب سليمان عظم عليه واشتدّت الأراجيف بوزارة سليمان ودخل سليمان بغداد مستترا وأقام أبو علىّ ابن مقلة بشيراز إلى أن توصّلت زوجته إلى أسباب الخاقاني وعنى به شفيع المقتدري وأمر الخاقاني بإطلاقه [٢٤١] والإذن له فى المصير إلى الأهواز، وكتب له بإجراء مائتي دينار فى كلّ شهر عليه ومنعه من الخروج، فأقام مدّة ثمّ أذن له فى قدوم بغداد بشفاعات الناس له [٢] . وفيها خاطب مونس المظفّر الوزير الخاقاني فى أمر علىّ بن عيسى وأن يكتب إلى أبى جعفر صاحب اليمن بالإذن له بالرجوع إلى مكّة فكتب إليه بذلك فأذن له أبو جعفر وحمل إليه طيبا وكسوة وآلات نحو خمسين ألف دينار وعاد علىّ بن عيسى إلى مكّة مع حاجّ اليمن. فلمّا حصل بها قلّده الخاقاني بمسألة مونس الإشراف على مصر والشام. وكتب علىّ بن عيسى لمّا وصل إلى مكّة وقبل تقلّده الإشراف على مصر والشام إلى الوزير الخاقاني كتابا يهنّئه فيه بالوزارة ويعزّيه بأبى على أبيه ويسأله صيانة أهله وولده والعناية بهم فى ضيعته ومعيشته. فأجابه الخاقاني بجواب جميل وأنّه قد رعى [٣] حقّه فى أهله وولده وحاشيته غير معتدّ عليه ولا متحمّد به.

стр. 2313

ذكر الأسباب التي اتّفقت على الخاقاني حتّى صرف عن الوزارة كان أبو العبّاس ابن الخصيبى وقف على مكان زوجة المحسّن بنت حنزابة فسأل أن يولّى النظر [٢٤٢] فى أمرها واستخراج مالها. ففعل ذلك واستخرج منها سبعمائة ألف دينار وصحّحها فى بيت مال الخاصّة. فتمهّدت له بذلك حال جليلة عند المقتدر ورشّحه للوزارة وبلغ ذلك الخاقاني فحمل ابن بعد شرّ على أن بذل خطّه أنّه يستخرج من الخصيبى [١] مائة ألف دينار معجّلة وصلت إليه من مال المحسّن وزوجته زيادة على ما صحّحه من هذه الجهة. وعرض الخاقاني الرقعة فلم تقع موقعها واتصل الخبر بأبى العبّاس الخصيبى فكتب إلى المقتدر رقعة يذكر فيها معايب الخاقاني وابنه وكتّابه وضياع الأموال وفساد التدبير وسلّمها إلى من يعرضها على المقتدر والسيّدة. وبلغ ذلك الخاقاني واشتدّت به الأراجيف وضعفت نفسه وكان عليلا فزادت عليه حتّى أقام شهورا لا يقدر على أكل لحم حمل ولا طائر وكان يأكل كلّ يوم وزن أربعين درهما خبزا، ثمّ صار عشرين درهما، وظهر به ورم فى يديه [٢] ورجليه ووجهه وكان يتجلّد ويركب فى كلّ شهر مرّة أو مرّتين إلى دار السلطان وينوب عنه ابنه فى أيّام المواكب. فشغب الفرسان لطلب أرزاقهم وخرجوا إلى المصلّى فوعدوا به وتأخّر عنهم [٢٤٣] فعادوا وطمعوا فى النهب. وأشرفت بغداد على فتنة عظيمة وخرج إليهم ياقوت بتوقيع المقتدر بالله

стр. 2314

إلى الخاقاني بإطلاق رزقة تامّة لهم وضمن ياقوت ذلك. فراسل المقتدر الوزير الخاقاني بإطلاق نفقاتهم، فذكر أنّه لا يقدر على ذلك وكان عليلا، فعاوده برسالة يأمره فيها أن يحتال فى مائة ألف دينار ليضيف إليها مائتي ألف دينار ينفق فيهم. فأقام على أنّه لا يقدر على احتيال مائة ألف درهم وأنّ له فى توجيه مال النوبة للرجّالة ومال الغلمان الحجريّة والحشم وخلفاء الحجّاب شغلا طويلا. فتقدّم المقتدر بإخراج ثلاثمائة ألف دينار من بيت مال الخاصّة واعتمد على ياقوت فى تفرقتها. وكان مونس المظفّر بواسط فاستدعاه المقتدر لمّا شغب الفرسان فوافى [١] وتلقّاه الأمير أبو العبّاس والوزير الخاقاني ونصر وسائر الأستاذين والقوّاد ولقى المقتدر فعرّفه ضيق الأموال وتبلّح الخاقاني وشاوره فى صرفه، فأشار عليه بالتوقف ليلقاه ويواقفه. فلقيه مونس فعرّفه الخاقاني أنّه لا حيلة له فى شيء يصرفه فى المهمّ واحتجّ بأنّه عليل لا فضل فيه للعمل. فأشار مونس [٢٤٤] لمّا رأى تبلّح الخاقاني الشديد باستحضار علىّ بن عيسى وتقليده الوزارة، فاستبعد المقتدر ذلك فأشارت السيدة والخالة بأبى العبّاس الخصيبى فقبض على الخاقاني واستتر ابنه عبد الوهّاب وإسحاق بن على القنّاى وأخوه وابن بعد شرّ وخاقان بن أحمد بن يحيى بن خاقان وظهر الباقون. فكانت مدّة وزارته سنة واحدة وستة أشهر. ذكر سبب وزارة أبى العبّاس الخصيبى واستحضر المقتدر أبا العبّاس الخصيبى وهو أحمد بن عبيد الله يوم

стр. 2315

الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. فقلّده الوزارة والدواوين وخلع عليه وركب معه هارون بن غريب وياقوت ونازوك وأكثر القوّاد، واستكتبت ثمل القهرمانة مكانه على ديوان ضياع السيّدة أبا يوسف عبد الرحمن بن محمّد وكان قد تاب من عمل السلطان. فلمّا أسند إليه هذا العمل الجليل كسر التوبة فسمّاه الناس المرتد، واستدرك أموالا جليلة كان الخصيبى أضاعها، فتنكّرت ثم للخصيبى فى الباطن. وكان أبو العبّاس الخصيبى يواصل شرب النبيذ بالليل والنوم [٢٤٥] بالنهار فى أيّام وزارته كلّها، وإذا انتبه يكون مخمورا لا فضل فيه للعمل، فردّ فضّ الكتب الواردة من عمّال الخراج والمعاون وقراءتها والتوقيع عليها وإخراجها إلى الدواوين، وقراءة الكتب النافذة والتعليم عليها إلى مالك بن الوليد، ويعمل جوامع مختصرة للمهمّ ممّا يرد وينفذ فيعرضه عليه إذا انتبه فربّما قرأه وربّما لم يقرأه فيقرأه أبو الفرج إسرائيل ويوقّع فيه على حسب رأيه. وكانت الجوامع تعمل بخطّ أبى سعيد وهب بن إبراهيم بن طازاذ فتبقى أيّاما بحضرته فإذا كثرت تقدّم بأن يقرأ عليه ويتقدّم بالتوقيع تحت كلّ فصل بما عنده فيه ويخرج ذلك الجامع إلى مالك بن الوليد فيبقى عنده يوما أو يومين ثمّ يخرج إلى صاحب الديوان فيقرأه ويوقّع تحته بما يراه ويجاب عن الكتاب من الديوان بما ينفذ إلى صاحب الديوان فيقرأه ويعلم عليه وإلى أن ينفذ الجواب ما قد تمرّدت البثوق واتسعت [١] الفتوق واحتملت الأعراب الغلّات وحدثت الحوادث المفسدة لمعنى ذلك الكتاب. فلمّا رأى الكلوذانى ذلك ورأى الضرر يزيد والخطأ لا يتلافى كتب إلى العمّال بأن ينفذوا نسخة لما يكتبونها إلى الوزير إليه [٢٤٦] فكانوا يكتبون
следующие страницы →