عدة حوادث
وفيها خلع على نجح الطولونى وردّ إلى إصبهان لولاية أعمال المعاون بها.
وفيها ورد رسول ملك الروم ومعه أبو عمير ابن عبد الباقي ووصل إلى السلطان وأوصله معه هدايا والتمس الهدنة والفداء فأجيب إلى ذلك بعد الغزاة الصائفة وخلع عليهما ورجع الرسول إلى بلد الروم.
وفيها خلع على جنّى الصفواني وكان ورد من ديار مضر واستدعى محاربة أبى طاهر القرمطى.
قدوم سليمان وابن مقلة وعلىّ بن عيسى إلى بغداد
وكان سليمان بن الحسن بن مخلد وأبو علىّ ابن مقلة مبعدين بشيراز فى يد أبى عبد الله جعفر بن القاسم الكرخي. فذكر أبو علىّ أنّه كان مجتمعا مع سليمان فى دار [٢٤٠] واحدة مصونين مكرمين، فورد عليه الخبر بالقبض على ابن الفرات، وكان أبو الحسن ابن أبى البغل معتقلا فى يد صارفه جعفر بن القاسم الكرخي. قال: فاطّلعت الجماعة على الخبر وكان ابن أبى البغل قد وقف على ما كان رسمه ابن الفرات والمحسّن فى أمره فحين وقف على الخبر وقّع فى حاشية التقويم:
- «وفى هذا اليوم ولد محمّد بن أحمد بن يحيى وله إحدى وثمانين سنة.» ولمّا وقف الكرخي على الخبر أطلق أبا علىّ ابن مقلة وسليمان بن الحسين وهنّأهما بالسلامة قبل أن يرد عليه كتاب بإطلاقهما، ثمّ ورد كتاب الخاقاني على المسمعي والكرخي بإطلاقهما ومراعاتهم حتّى لا يخرجا من
стр. 2312
شيراز فأقام سليمان مدّة أسبوع حتّى أحكم أمره.
ودعا المسمعي جعفر بن القاسم الكرخي دعوة عظيمة وأقام على حال سرور [١] يومين متواليين، فخفى عنهما الخبر فى خروج سليمان وكان خرج فى زىّ الفيوج. فلمّا كتبا إلى الخاقاني بهرب سليمان عظم عليه واشتدّت الأراجيف بوزارة سليمان ودخل سليمان بغداد مستترا وأقام أبو علىّ ابن مقلة بشيراز إلى أن توصّلت زوجته إلى أسباب الخاقاني وعنى به شفيع المقتدري وأمر الخاقاني بإطلاقه [٢٤١] والإذن له فى المصير إلى الأهواز، وكتب له بإجراء مائتي دينار فى كلّ شهر عليه ومنعه من الخروج، فأقام مدّة ثمّ أذن له فى قدوم بغداد بشفاعات الناس له [٢] .
وفيها خاطب مونس المظفّر الوزير الخاقاني فى أمر علىّ بن عيسى وأن يكتب إلى أبى جعفر صاحب اليمن بالإذن له بالرجوع إلى مكّة فكتب إليه بذلك فأذن له أبو جعفر وحمل إليه طيبا وكسوة وآلات نحو خمسين ألف دينار وعاد علىّ بن عيسى إلى مكّة مع حاجّ اليمن.
فلمّا حصل بها قلّده الخاقاني بمسألة مونس الإشراف على مصر والشام.
وكتب علىّ بن عيسى لمّا وصل إلى مكّة وقبل تقلّده الإشراف على مصر والشام إلى الوزير الخاقاني كتابا يهنّئه فيه بالوزارة ويعزّيه بأبى على أبيه ويسأله صيانة أهله وولده والعناية بهم فى ضيعته ومعيشته. فأجابه الخاقاني بجواب جميل وأنّه قد رعى [٣] حقّه فى أهله وولده وحاشيته غير معتدّ عليه ولا متحمّد به.
стр. 2313
ذكر الأسباب التي اتّفقت على الخاقاني حتّى صرف عن الوزارة
كان أبو العبّاس ابن الخصيبى وقف على مكان زوجة المحسّن بنت حنزابة فسأل أن يولّى النظر [٢٤٢] فى أمرها واستخراج مالها. ففعل ذلك واستخرج منها سبعمائة ألف دينار وصحّحها فى بيت مال الخاصّة. فتمهّدت له بذلك حال جليلة عند المقتدر ورشّحه للوزارة وبلغ ذلك الخاقاني فحمل ابن بعد شرّ على أن بذل خطّه أنّه يستخرج من الخصيبى [١] مائة ألف دينار معجّلة وصلت إليه من مال المحسّن وزوجته زيادة على ما صحّحه من هذه الجهة.
وعرض الخاقاني الرقعة فلم تقع موقعها واتصل الخبر بأبى العبّاس الخصيبى فكتب إلى المقتدر رقعة يذكر فيها معايب الخاقاني وابنه وكتّابه وضياع الأموال وفساد التدبير وسلّمها إلى من يعرضها على المقتدر والسيّدة.
وبلغ ذلك الخاقاني واشتدّت به الأراجيف وضعفت نفسه وكان عليلا فزادت عليه حتّى أقام شهورا لا يقدر على أكل لحم حمل ولا طائر وكان يأكل كلّ يوم وزن أربعين درهما خبزا، ثمّ صار عشرين درهما، وظهر به ورم فى يديه [٢] ورجليه ووجهه وكان يتجلّد ويركب فى كلّ شهر مرّة أو مرّتين إلى دار السلطان وينوب عنه ابنه فى أيّام المواكب.
فشغب الفرسان لطلب أرزاقهم وخرجوا إلى المصلّى فوعدوا به وتأخّر عنهم [٢٤٣] فعادوا وطمعوا فى النهب.
وأشرفت بغداد على فتنة عظيمة وخرج إليهم ياقوت بتوقيع المقتدر بالله
стр. 2314
إلى الخاقاني بإطلاق رزقة تامّة لهم وضمن ياقوت ذلك. فراسل المقتدر الوزير الخاقاني بإطلاق نفقاتهم، فذكر أنّه لا يقدر على ذلك وكان عليلا، فعاوده برسالة يأمره فيها أن يحتال فى مائة ألف دينار ليضيف إليها مائتي ألف دينار ينفق فيهم. فأقام على أنّه لا يقدر على احتيال مائة ألف درهم وأنّ له فى توجيه مال النوبة للرجّالة ومال الغلمان الحجريّة والحشم وخلفاء الحجّاب شغلا طويلا. فتقدّم المقتدر بإخراج ثلاثمائة ألف دينار من بيت مال الخاصّة واعتمد على ياقوت فى تفرقتها.
وكان مونس المظفّر بواسط فاستدعاه المقتدر لمّا شغب الفرسان فوافى [١] وتلقّاه الأمير أبو العبّاس والوزير الخاقاني ونصر وسائر الأستاذين والقوّاد ولقى المقتدر فعرّفه ضيق الأموال وتبلّح الخاقاني وشاوره فى صرفه، فأشار عليه بالتوقف ليلقاه ويواقفه. فلقيه مونس فعرّفه الخاقاني أنّه لا حيلة له فى شيء يصرفه فى المهمّ واحتجّ بأنّه عليل لا فضل فيه للعمل.
فأشار مونس [٢٤٤] لمّا رأى تبلّح الخاقاني الشديد باستحضار علىّ بن عيسى وتقليده الوزارة، فاستبعد المقتدر ذلك فأشارت السيدة والخالة بأبى العبّاس الخصيبى فقبض على الخاقاني واستتر ابنه عبد الوهّاب وإسحاق بن على القنّاى وأخوه وابن بعد شرّ وخاقان بن أحمد بن يحيى بن خاقان وظهر الباقون.
فكانت مدّة وزارته سنة واحدة وستة أشهر.
ذكر سبب وزارة أبى العبّاس الخصيبى
واستحضر المقتدر أبا العبّاس الخصيبى وهو أحمد بن عبيد الله يوم
стр. 2315
الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. فقلّده الوزارة والدواوين وخلع عليه وركب معه هارون بن غريب وياقوت ونازوك وأكثر القوّاد، واستكتبت ثمل القهرمانة مكانه على ديوان ضياع السيّدة أبا يوسف عبد الرحمن بن محمّد وكان قد تاب من عمل السلطان. فلمّا أسند إليه هذا العمل الجليل كسر التوبة فسمّاه الناس المرتد، واستدرك أموالا جليلة كان الخصيبى أضاعها، فتنكّرت ثم للخصيبى فى الباطن.
وكان أبو العبّاس الخصيبى يواصل شرب النبيذ بالليل والنوم [٢٤٥] بالنهار فى أيّام وزارته كلّها، وإذا انتبه يكون مخمورا لا فضل فيه للعمل، فردّ فضّ الكتب الواردة من عمّال الخراج والمعاون وقراءتها والتوقيع عليها وإخراجها إلى الدواوين، وقراءة الكتب النافذة والتعليم عليها إلى مالك بن الوليد، ويعمل جوامع مختصرة للمهمّ ممّا يرد وينفذ فيعرضه عليه إذا انتبه فربّما قرأه وربّما لم يقرأه فيقرأه أبو الفرج إسرائيل ويوقّع فيه على حسب رأيه.
وكانت الجوامع تعمل بخطّ أبى سعيد وهب بن إبراهيم بن طازاذ فتبقى أيّاما بحضرته فإذا كثرت تقدّم بأن يقرأ عليه ويتقدّم بالتوقيع تحت كلّ فصل بما عنده فيه ويخرج ذلك الجامع إلى مالك بن الوليد فيبقى عنده يوما أو يومين ثمّ يخرج إلى صاحب الديوان فيقرأه ويوقّع تحته بما يراه ويجاب عن الكتاب من الديوان بما ينفذ إلى صاحب الديوان فيقرأه ويعلم عليه وإلى أن ينفذ الجواب ما قد تمرّدت البثوق واتسعت [١] الفتوق واحتملت الأعراب الغلّات وحدثت الحوادث المفسدة لمعنى ذلك الكتاب.
فلمّا رأى الكلوذانى ذلك ورأى الضرر يزيد والخطأ لا يتلافى كتب إلى العمّال بأن ينفذوا نسخة لما يكتبونها إلى الوزير إليه [٢٤٦] فكانوا يكتبون
стр. 2316
إليه نسخا بما ينفذ منهم إلى الوزير فيوقّع على ظهرها بما يجابون به وتخرج إليه الكتب المكتوبة عن الوزير بعد جمعة وأكثر.
وتقدّم الوزير الخصيبى إلى الحسن بن ثوّابة بأن يقرأ قصص المتظلّمين ويوقّع عنه فيها فى غير يوم المظالم ويجمع القصص فى يوم المظالم ويختصر ما فى الرقعة فإذا قرأها وقّع بحسبه وكان أكثر اعتماده على أموال المصادرين. وكان أوّل المصادرين أبو القاسم الخاقاني واعتنق مونس أمره وذكر للمقتدر أنّه لا فضل فيه للحركة [١] وأنّه قد قرّر أمر مصادرته عن نفسه وابنه وكتّابه المختصين به على مائتي ألف وخمسين ألف دينار. فأمضى المقتدر ذلك وأنفذ خطّه به إلى الخصيبى ووضع الخصيبى، يده على العمّال والكتّاب وجازفهم [٢] فيما صادرهم عليه، فصادر جعفر بن قاسم الكرخي على مائة وخمسين ألف دينار وقبض على المالكي وعلى هشام وعلىّ بن الحسين بن هندي وورثة أبى أحمد الكرخي والحسن بن أبى الحسن ابن الفرات ويحيى بن عمرويه وأبى الحسن بن مابنداذ وإسحاق بن إسماعيل النوبختي ومحمّد بن يعقوب المصري وورثة نصر بن الفتح صاحب بيت المال [٢٤٧] وابن عبد الوهّاب وعبد الله بن جبير.
وكثرت الأراجيف بالخصيبى وأنّه مصروف عن الوزارة، لأنّه حمار لا يحسن شيئا غير المصادرات وهو مشغول بالشرب واللعب وأنّ الأمور كلّها ضائعة والمهمّات واقفة، وأرجف بالوزارة لجماعة.
وفيها كانت وقعة أبى طاهر سليمان بن الحسن القرمطى بالكوفة وأسر قوّاد السلطان.
стр. 2317
ذكر الخبر عن دخول القرمطى الكوفة
كان جعفر بن ورقاء يتقلّد أعمال الكوفة وطريق مكّة. فلمّا شخص الحاجّ من بغداد تقدّمهم خوفا من أبى طاهر القرمطى وكان معه ألف رجل من بنى عمّه من بنى شيبان، ثمّ خرج فى القافلة الأولى ثمل صاحب البحر وفى قافلة الشمسة [١] جنّى الصفواني وطريف السبكرى وسياشير الديلمي. فكانت عدّة من بذرق بالقوافل من أصحاب السلطان ستة آلاف رجل [٢] فتلقاهم أبو طاهر الجنّابى وكان أوّل من لقى جعفر بن ورقاء فناوشه قليلا، ثمّ طلع على جعفر قوم من أصحاب أبى طاهر على نجب يقودون خيلا فنزلوا عن النجب وركبوا الخيل وخالطوا جعفر بن ورقاء فلم يثبت لهم وانهزم [٢٤٨] بمن معه من بنى شيبان فلق القافلة وقد نزلوا من العقبة فردّهم وأخبرهم الخبر فولّوا مبادرين حتّى دخلوا الكوفة.
وتبع أبو طاهر رجال السلطان والقوافل حتّى بلغ باب الكوفة فخرج قوّاد السلطان الذين ذكرناهم، فأوقع بهم وهزمهم وأسر جنّيّا الصفواني، وأقام أبو طاهر بظاهر الكوفة ستّة أيّام يدخل البلد بالنهار ويخرج بالليل فيبيت فى معسكره ويحمل كلّ ما قدر على حمله. فكان فى جملة ما حمل أربعة آلاف ثوب وشى وثلاثمائة راوية زيت. فلمّا حمل كلّ ما قدر عليه رحل إلى بلده.
ودخل جعفر بن ورقاء وجماعة المنهزمين إلى بغداد فتقدّم المقتدر بالله إلى مونس بالخروج إلى الكوفة لمحاربة القرمطى، واضطرب أهل بغداد اضطرابا شديدا وانتقل أكثر أهل الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي ودخل
стр. 2318
مونس الكوفة وقد رحل أبو طاهر الجنّابى عنها فاستخلف مونس بها ياقوتا وسار هو إلى واسط ولم يتمّ الحجّ لأحد.
ودخلت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة [٢٤٩]
وفيها ورد الخبر بمسير [١] علىّ بن عيسى إلى مكّة حاجّا فى هذه السنة من مصر وورد سلامة حاجبة بغداد ومعه سفاتج بمائة ألف وسبعة وأربعين ألف دينار وبآثار واستدراكات أثرها. وكان الخصيبى قد أقرّ علىّ بن عيسى على ما كان إليه من الإشراف على مصر والشام.
وفيها فتح إبراهيم المسمعي ناحية القفص [٢] وأسر منهم خمسة آلاف إنسان وحملهم إلى فارس.
وفى هذه السنة كثرت الأرطاب ببغداد حتّى عمل منها التمور وحملت إلى البصرة فنسبوا إلى البغي.
وفيها كتب ملك الروم إلى أهل الثغور يرسم لهم أداء الخراج إليه ويقول:
- «إن فعلتم ذلك طائعين وإلّا قصدتكم فقد صحّ عندي ضعفكم.»
ودخلت سنة أربع عشرة وثلاثمائة
وفيها دخل الروم ملطية فأخرجوا وسبوا وأقاموا ستّة عشر يوما.
وفيها وصل ثمل إلى عمله من الثغور عند انصرافه من بغداد.
وفيها مات أبو القاسم عبد الله بن محمّد الخاقاني وكان أطلق إلى منزله.
فلمّا ارتفعت الصرخة [٢٥٠] بوفاته كبست داره لطلب عبد الوهّاب ابنه فلم
стр. 2319
يوجد.
وفيها دخل أهل ملطية بغداد مستغيثين ممّا نزل بهم من الروم.
وفيها خرج أهل مكّة منها ونقلوا حرمهم وأموالهم لاتصال خبر القرمطى بهم وأنّه قريب منهم فتخوّفوا على أنفسهم وأموالهم منه.
وكتب الكلوذانى [١] إلى الخصيبى بأنّ أبا طالب زيد بن علىّ النوبندجانى قد صار يجرى مجرى أصحاب الأطراف وأنّه قد تغلّب على ضياع السلطان وأنّه يلزمه ممّا استغلّه منها ثلاثة آلاف ألف درهم.
وعمل بذلك عملا أحال فيه على ما كان كتبه أبو القاسم علىّ بن أحمد بن بسطام وقت تقلّده فارس. وكتب إلى الحسن بن إسماعيل وكان شخص ليقرّر خلافا كان بين المسمعي والكرخي بأن يصادره على مائة ألف دينار فاستدعى الحسن بن إسماعيل أبا طالب زيد بن علىّ وأخذ خطّه بمائة ألف دينار.
ذكر تدبير سيئ دبّره الخصيبى أخرج به أكثر المماليك عن يده ولم يمكن تلافيه
دبّر الوزير أبو العبّاس الخصيبى أن يقلّد يوسف بن ديوداذ جميع نواحي المشرق ليسلّم أموالها إليه فيكون مع مال ضمانه أرمينية وأذربيجان مصروفة إلى قوّاده وجنده [٢٥١] وغلمانه، وكاتبه فى المصير إلى واسط لينفذه إلى هجر لمحاربة أبى طاهر الجنّابى وأشار بتكنيته وبأن يكون مونس المظفّر ببغداد ليقوى بمكانه أمر الخلافة وتعظم الهيبة فى قلوب الأعداء.
فلمّا قرب [٢] ابن أبى الساج من واسط وكان فيها مونس المظفّر رحل
стр. 2320
مونس إلى بغداد ودخل ابن أبى الساج واسط وأنفذ قبل وصوله إليها أبا علىّ الحسن بن هارون كاتبه وكان يخدمه فى خاصّ أمره على سبيل الخلافة لأبى عبد الله محمّد بن خلف النيرمانى كاتبه واختصّ به وخفّ على قلبه، فصار إلى بغداد ليواقف الخصيبى على مال رجاله وأموال الأعمال التي كانت معقودة عليه والأموال التي جعل مالها مصروفا إلى رجاله زيادة على الأموال المتقدّم ذكرها، فإنّ الخصيبى جعل أموال الخراج والضياع بنواحي همذان وساونة ورونة وقمّ وماه البصرة وماه الكوفة والإيغارين [١] وما سبذان ومهرجانقذق لابن أبى الساج لمائدته لمحاربة الجنّابى.
فأمضى المقتدر ذلك وتقدّم بتقليده أعمال الصلاة والمعاون والخراج والضياع بسائر كور [٢] الجبل وأنفذ إليه اللواء وكنّاه. فكان يوسف يتكنّى [٢٥٢] على جميع الناس إلّا على الوزير ومونس المظفّر.
والتمس الحسن بن هارون أن يجعل لابن أبى الساج مائدة مبلغها فى الشهر خمسة ألف دينار وقال:
- «ليس هو بدون أحمد بن صعلوك.» وكان قد جعلت له مائدة فى أيّام وزارة حامد بن العبّاس مبلغها ثلاثة آلاف دينار فى الشهر وجعل له عشرة آلاف دينار فى كلّ شهرين من شهور المماليك لأرزاق غلمان لا يحضرون. وسام الكتاب الحسن بن هارون أن يشرط على نفسه أن ينفذ السلطان منفقا ينفق أموال تلك النواحي فى رجالة غلمانه، [٣] فاستجاب إلى جميع ما طالبوه به وأعطى خطّه إلّا أمر المنفق [٤]
стр. 2321
فانّه زعم أنّ صاحبه لا يصوّر نفسه عند أصحاب الأطراف بصورة من لم يوثق به على مال رجاله.
ولمّا عقد لابن أبى الساج على الجبل وندب لمحاربة القرمطى عقد لصاحب خراسان على الرىّ فصار إلى الرىّ وأنفذ إليه من يخاطبه على المال الذي ووقف على حمله من الرىّ. وصار ابن أبى الساج إلى الرىّ وحمل إليه المقتدر خلعا سلطانيّة وسيفا ومنطقة ذهب وخيلا بمراكب ذهب وفضّة وطيبا وسلاحا. [٢٥٣]
ذكر الخبر عن القبض على الخصيبى وتقليد علىّ بن عيسى الوزارة
أضاق أبو العبّاس إضاقة شديدة واضطرب أمره وأشار مونس بعلىّ بن عيسى فأنفذ ضحوة نهار يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى القعدة إلى الخصيبى حتّى قبض عليه وعلى ابنه وكتّابه وحملوا إلى دار السلطان وحبسوا عند زيدان القهرمانة. وفرّق بين الخصيبى وبين ابنه وحمل باقى المعتقلين إلى دار الوزارة بالمخرّم فاعتقلوا فيها، وأنفذ نازوك وقت قبضه على الخصيبى حتّى حفظت داره القديمة من النهب.
واستدعى المقتدر أبا القاسم عبيد الله بن محمّد الكلوذانى وأوصله إلى حضرته وعرّفه أنّه قد قلّد أبا الحسن علىّ بن عيسى الوزارة وأنّه قد استخلفه له ويقدم إليه بالنيابة عنه واستحضر سلامة الطولونى وتقدّم إليه بالنفوذ فى البرّيّة إلى دمشق واستحضار علىّ بن عيسى منها.
وانصرف أبو القاسم الكلوذانى من دار السلطان فى الطيّار الذي قبض على الخصيبى إلى دار الوزارة بالمخرّم ونظر فى الأعمال وكتب إلى العمّال فى النواحي وإلى جميع الأمراء وأصحاب البرد والخبر والقضاة بما قلّد علىّ بن
стр. 2322
عيسى من [٢٥٤] الوزارة واستخلاف أمير المؤمنين إيّاه وأمر ونهى وصرف وولّى.
وظهر فى ذلك اليوم أبو علىّ ابن مقلة وأبو الفتح الفضل بن جعفر ابن حنزابة وصارا إلى الكلوذانى وسلّما عليه.
ذكر خلافة أبى القاسم الكلوذانى لعلىّ بن عيسى وتمشيته للأمور
قد كان جمع الخصيبى عنده جميع رقاع المصادرين وكفالات من كفل منهم وضمانات العمّال بما ضمنوا من المال بالسواد والأهواز وفارس والمغرب، وكان عنده خطّ كاتب المسمعي عن مال فارس [١] بما يعجّله عن الزيادة فى ضمانه وهو ألف ألف درهم وخطّ سليمان بن الحسن بما استدركه على ابن [٢] عبد الوهّاب وهو أربعمائة ألف دينار وكسر، وما ضمن حمله عن أعمال الشام وهو خمسمائة ألف دينار، وخطوط ضمناء واسط والبصرة وطريق خراسان والنهروانات ونهر بوق والذئب الأسفل وجازر والمدينة والعتيقة وغيرهم. فحفظ جميع ذلك الكلوذانى إلى أن قدم علىّ بن عيسى فسلّمه إليه.
وأدّى نصير بن علىّ إليه مائتي ألف درهم وأحمد بن إسحاق بن زريق عشرة آلاف دينار وورد بعد أسبوع من صرف الخصيبى فيج بكتب سليمان بن الحسن وفى درجها سفاتج [٢٥٥] بثمانين ألف دينار. وورد ما كان حمله علىّ بن عيسى على الظهر من مال مصر ووصل من جهة البرجمالى من قمّ عشرة آلاف دينار ووردت من جهة أبى علىّ ابن رستم من مال الضمان
стр. 2323
سفاتج بأربعمائة ألف درهم فكان ذلك سبب تمشيته الأمور.
واتفق الكلوذانى فى سائر المرتزقة وفى الفرسان قبل العيد ولم يزل أبو القاسم الكلوذانى يدبّر الأمور وقد تمكّنت الهيبة لعلىّ بن عيسى فى الصدور فاستعان بذلك على أمره.
وسار علىّ بن عيسى من دمشق إلى جسر منبج [١] ، ثمّ انحدر فى الفرات إلى بغداد وشخص الناس فى استقباله سنة خمس عشرة، فمنهم من أبعد إلى الرقّة.
ودخلت سنة خمس عشرة وثلاثمائة [٢]
ذكر ما دبّره علىّ بن عيسى فى وزارته هذه وما جرى فى أيّامه
وصل علىّ بن عيسى إلى بغداد وبدأ بدار المقتدر ووصل إلى حضرته بعد عشاء الآخرة ومعه مونس. فخاطبه أجمل خطاب وانصرف إلى منزله ووجّه المقتدر إليه فى ليلته بكسوة فاخرة وفرش ومال يقال إنّه بقيمة عشرين ألف دينار، وخلع عليه [٢٥٦] من الغد، وسار معه مونس المظفّر إلى أن بلغ داره وحلف عليه علىّ بن عيسى فنزل فى داره، وسار بين يديه هارون ابن غريب وشفيع ومفلح ونسيم وياقوت ونازوك وجميع القوّاد حتّى وصل إلى داره بباب البستان.
وكان قد ضرّب علىّ بن عيسى على هشام فتأخّر عنه واستوحش فكاتبه وونّسه حتّى حضر مجلسه ثمّ قال له:
стр. 2324
- «ما مذهبي أن أذكر إساءة لأحد من الناس ولما خلّصنى الله من صنعاء وعدت إلى مكّة عاهدت الله على ترك الإساءة إلى أحد ممّن سعى علىّ فى ولايتي ونكبتى ووكلت جميعهم إلى الله ولك خدمة متقدّمة توجب لك [١] حقّا وعليك أضعافه فإن كنت لا ترعى ذلك فلن أدع رعايته.» وقلّد علىّ بن عيسى الكلوذانى ديوان السواد وقال له:
- «هذا أجلّ الدواوين ومتى تشاغلت بخلافتى اختلّ وليس يقوم به أحد كقيامك.» ثمّ نظّم الأعمال [٢] وقلّد العمّال ورتّب الدواوين واعتمد على إبراهيم بن أيّوب فى إثبات أمر المال [٣] بحضرته وفى موافقه صاحب بيت المال على ما يطلقه وينفقه فى كلّ يوم ومطالبته بالرّوزنامجات [٢٥٧] فى كلّ أسبوع ليتعجّل معرفة ما حلّ وما قبض وما بقي. وكان الرسم إذا عملت الختمة لم يرفع إلى الديوان للشهر الأوّل إلّا فى النصف من الثاني.
وقلّد أبا الفتح الفضل بن جعفر بن حنزابة ديوان المشرق، وأبا بكر محمّد بن جنّى ديوان المغرب، وأبا علىّ ابن مقلة ديوان الضياع الخاصة والمستحدثة، وأبا محمّد الحسين بن أحمد المادرائى ديوان الضياع الفراتيّة، وأبا محمّد بن روح ديوان زمام الخراج والضياع العامّة بالسواد والأهواز وفارس وكرمان وما يجرى فيه.
وقلّد أبا القاسم ابن النّفاط ديوان زمام النفقات والخزائن. وأبا جعفر القمّى ديوان الدار، وأبا أحمد عبد الوهّاب بن الحسن ديوان البرّ وديوان الصدقات، وأبا الفتح محمّد بن أحمد قلنسوة ديوان زمام الجيش، ومحمّد بن عيسى
стр. 2325
ديوان الحرم، وأبا يوسف ديوان الفصّ والخاتم.
وقلّد أيضا كفاة العمّال واقتصر فى أرزاقهم على عشرة أشهر فى كلّ سنة وبأصحاب البرد والمنفقين على ثمانية أشهر فى كلّ سنة. وحطّ من مال الرجّالة برسم النوبة ومن مال الفرسان وجميع أرزاق من كان يرتزق بهذين الرسمين [٢٥٨] من الكتّاب والتجار ومن لا يحمل السلاح. وحطّ أولاد المرتزقة الذين فى المهود وحطّ من مال الخدم والحشم وجميع أرزاق الجلساء والندماء والمغنّين والتجّار وأصحاب الشفاعات، وحطّ أرزاق غلمان وأسباب أصحاب الدواوين. ولازم النظر بنفسه فى العمل ليلا ونهارا والجلوس لأصحاب الدواوين فى الليل وكان يسهر أكثر الليل حتّى استقامت الأمور وتوازن الدخل والخرج.
وكان إلى أبى عبد الله البريدي فى الوقت الضياع الخاصّة ضمانا واقطاع الوزراء. وكان أبو يوسف البريدي يتولّى لعلىّ بن عيسى الخراج برامهرمز سهلها وجبلها.
شرح ما جرى بين الوزير أبى الحسن علىّ بن عيسى وبين أبى العبّاس أحمد بن عبيد الله من المناظرة
تقدّم المقتدر إلى أبى الحسن علىّ بن عيسى بمناظرة أبى العبّاس الخصيبى. فأخرج إليه وناظره فى دار السلطان بحضرة الأستاذين والقوّاد والقضاة مناظرة جميلة وسأله عن مبلغ ما أنفق بالحضرة من بيت المال فلم يحفظه، وسأله عمّا صحّ له من مال المصادرين وعن رقاعهم [٢٥٩] بالمصادرات وعن كفالات من كفل منهم وعن ضمانات ما ضمنه عنهم.
فقال:
стр. 2326
- «أمّا المصادرات فقد صحّ لى منها فى مدّة أربعة عشر شهرا تولّيت فيها الوزارة نحو ألف ألف دينار.» فقال له:
- «كم منها من جهة الخاقاني فإنّ أمير المؤمنين عرّفنى أنّك ضمنتهم بخمسمائة ألف دينار.» فقال: «دفع [١] عنه مونس المظفّر.» فردّت الجماعة قوله وقالوا له:
- «قد سلّم إليك حتّى شنّع عليك بأنّك سممته ثمّ أطلقته.» ثمّ قال له علىّ بن عيسى:
- «لأىّ شيء استحضرت يوسف بن أبى الساج إلى واسط وسلّمت إليه أعمال المشرق بأسرها سوى إصبهان وكيف وقع لك أنّه يجوز أن يخرج هو مع قوم اعتادوا الجبل والمقام فيه فى طريق البرّ يقصدون طريق السواحل فى بلدان حوالى [٢] هجر؟» قال: «كان عندي أنّ هذا صواب.» فقال له:
- «فحيث فعلت ذلك لم لم تقتصر على أن يعرض [٣] رجاله وغلمانه ويجرى مال عسكره مجرى مال عسكر مونس المظفّر، فانّه يسبّب له مال ويطلق على أيدى منفقين من قبل السلطان ويرفع الحساب بذلك إلى دواوين الجيش ولا يقتصرون على ديوان منها دون جميعها ولا يزاد أحد [٢٦٠] ولا ينقل عنه من رسم إلى رسم إلّا على استقبال معروف ثمّ يوفّر المعطون كلّ
стр. 2327
شهر من التوفيرات بسبب الغرم ولأجل سقوط من يسقط جملة من المال ولم لم تترك الأعمال فى أيدى عمّال السلطان ويسبّب له عليهم مال رجاله كما يسبّب مال رجال أبى الحسن مونس المظفّر؟» قال: «لم أفعل هذا لأنّه تكلّف من هذا الأمر عظيما احتيج معه إلى فضل مسامحة.» فقال له:
- «فلأىّ سبب ضمّنت إبراهيم بن عبد الله المسمعي أعمال فارس وكرمان؟» فقال: «لأجل زيادة بذلها.» فقال له:
- «أما علمت أنّ حفظ الأصول أولى من طلب الأرباح؟ وهبك رغبت [١] فى الزيادة لم لم تستدعه إلى الحضرة فإذا وردها وأردت تضمينه أقام بها واستعمل على العمل خلفاءه وأقام لك الضمناء الثقات بالمال ومضى بعد ذلك.» فقال: «إنّما رغب فى الضمان ليعمله بنفسه.» فقال علىّ بن عيسى:
- «أرجو أن يسلّم الله.» ثمّ قال:
- «لم قبضت جارى ابنك محمّد ألفى دينار فى كلّ شهر وهو لا يقرأ كتابا ولا يحضر ديوانا ولا يحسن أن يعمل شيئا؟» قال: «سألت أمير المؤمنين له رزق المحسّن وعبد الوهّاب بن الخاقاني
стр. 2328
[٢٦١] فأجابنى إليه.» قال: «المحسن ربّى فى الدواوين ودبّر الأمور وكان مع شرّه واستحلاله وقبح ديانته كاتبا، وابن الخاقاني كان ينوب عن أبيه ويأمر وينهى ويخدم وهو فهم وابنك لا يجرى مجرى واحد منهما فاكتب خطّك انّك تردّ ما قبضه.» فقال: «كيف أردّ مالا قبضه ابني وأنفقه؟» فقال له:
- «على أىّ شيء أنفقه؟» قال: «على ما ينفق مثله الأحداث.» ثمّ سأله عن أموال المصادرين وما صحّ من جهتهم فقال:
- «لا أحفظه إلّا انّه ثابت فى ديوان المصادرين.» قال: «فعنه أسألك.» قال: «هو عند هشام وإن سئل عنه خبّر به، [١] فإنّ رقاع المصادرين والكفالات والأعمال فى يده.» فقال له:
- «ما سبقك أحد إلى تسليم خطوط المصادرين إلى صاحب ديوان المصادرات لأنّ سبيل الخطوط أن تكون فى خزائن الوزراء محفوظة يتسلّمها وزير بعد وزير فإن كنت أردت عمارة الديوان فكان ينبغي أن تأخذ [٢] الخطوط على نسختين: نسخة للديوان ونسخة تكون عندك، فلو باع صاحب الديوان رقاع المصادرين والكفالات وضمانات الضّمناء هل كان على السلطان مضرّة [٢٦٢] فى هذا المال أعظم منك، وإذا كان هذا تدبيرك
стр. 2329
فيما لم تكن تحسن سواه فأىّ شيء دبّرت غيره من أعمال الدواوين؟ فإمّا أن تكون خنت الأمانة وإمّا أن لم تحسن ضبط شيء من الأعمال؟» وكلّ ذلك يخاطبه به عن غير إسماع مكروه ولا صياح.
ثمّ قال:
- «غررت المملكة فضرب النساء والحرم بالمقارع وهتكت الستور بما فعلت من تسليمهنّ إلى الرجال فلأيّة حال سلّمت بنت جعفر بن الفرات إلى أفلح وهو رجل شاب جميل الوجه يتصنّع حتّى تزوّج بها فى حبسك [١] ولأيّة حال ضربت دولة وإنها بحضرتك، ثمّ لم ترض بذلك حتّى اعتقلت الجماعة فى يد غلمانك وحجّابك عدّة شهور؟» ثمّ قال:
- «ارتزقت لنفسك خمسة آلاف دينار فى الشهر يكون فى مدّة أربعة عشر شهرا سبعين ألف دينار سوى ما ارتزقه ابنك وأخذت من أقطاعك فى مدّة سنة وشهرين ما ثبت فى الختمات الموجودة لجهبذك [٢] فى ديوانك مائة وثمانين ألف دينار يصير الجميع مائتين وخمسين ألف دينار.» ثمّ أخرج عملا بخطّ علىّ بن محمّد بن روح بهذا المبلغ وبأنّه أنفق فى كلّ شهر من النفقات الراتبة ألفى وخمسمائة دينار تكون فى أربعة عشر شهرا خمسة وثلاثين ألف دينار [٢٦٣] وفى النفقات الحادثة والصلات والمؤونة مع ثمن [٣] الطيب والكسوة عشرين ألف دينار وفى ثمن عقارات أضافها إلى داره مع ما أنفقه على البناء أربعين ألف دينار وفى ثمن الهدايا فى النوروز والمهرجان إلى الخليفة وإلى الأميرين أبى العبّاس وهارون ابنيه وإلى السيدة
стр. 2330
والخالة وزيدان ومفلح خمسة وثلاثين ألف دينار. وفى ثمن بغال ودوابّ وجمال وخدم وغلمان عشرة آلاف دينار.
وفيما يحتاج إلى إنفاقه وصرفه إلى من برسم [١] دار الوزارة من خلفاء الحجّاب والبوّابين وأصحاب الرسائل وإنزال الفرسان والرجّالة عشرين ألف دينار.» فقال فى الجواب:
- «هذا عمل صحيح وليس كلّ ما أنفقته كتبته فقد كنت أصوغ لحرمي وأولادى وأنفق نفقات أسترها عن كاتبي وما سرقت ولا خنت.» فقال له علىّ بن عيسى:
- «ما يقول أحد أنّك سرقت أو خنت ولكنّك أضعت وأسأت التدبير ودخلت فيما لا تحسنه ولو أخذت أضعاف ما أخرجناه وعليك لما ناظرك أمير المؤمنين فيه لا سيّما وهو منسوب إلى أرزاقك وإقطاعك ونفقات معروفة لك، وكيف نناظرك فى ذلك وما نعيش [٢٦٤] ولا أحد من كتّاب أمير المؤمنين إلّا فى نعمته وإحسانه ولنا ضياع استفدناها فى خدمته وخدمة أسلافه رضى الله عنهم.» ولم يزل يرفق به إلى أن أخذ خطّه بأربعين ألف دينار يؤدّيها فى مدّة أربعين يوما بعد أن حلف إنّه لا يتّجه له حيلة فى غيرها، وسلّم علىّ بن عيسى رقعته بها إلى مفلح وقال له:
- «تعرضها على أمير المؤمنين وتقول: إنّ هذا وإن كان قد غرّ [٢] من نفسه وأضاع وأهمل فقد تحرّم بخدمة أمير المؤمنين وحلف بأيمان بيعته على أنّه غاية ما يقدر عليه وليس له ذنب وإنّما الذنب لمن غرّك منه ولم ينصحك
стр. 2331
فى أمره.» ثمّ كتب رقعة إلى المقتدر بقبول ما بذله الخصيبى ويحمله إلى ثمل القهرمانة إلى أن يؤدّى ما فورق عليه.
ذكر ما دبّره علىّ بن عيسى من الأمور فى وزارته هذه
لمّا نظر علىّ بن عيسى فى الأمور وجد أهمّ ما يحتاج إليه أمر الرجّالة المصافيّة وكان مبلغ مالهم فى أيّامه ثمانين ألف دينار ومال رجال مونس المظفّر وهو ستمائة ألف دينار فى كلّ سنة سوى مال الرجّالة معه ومال الحجريّة برسمه فانّه يطلق [٢٦٥] مع أرزاق نظرائهم.
وكان يسبّب مال رجال مونس [١] على نواح اختارها مونس فإذا أزاح العلّة فيما ذكرناه نظر بعد ذلك فى أمر مال خلفاء الحجّاب والحشم والمتطبّبين والفرسان برسم التفاريق والمنجّمين والفرّاشين والطبّاخين والساسة وسائر المرتزقة من الخدم. فخرج علىّ بن عيسى يوما من حضرة المقتدر بالله ليركب فى طيّاره فوثب به الخدم والحشم بألسنتهم وثوبا قبيحا.
وورد الخبر على علىّ بن عيسى بأنّ إبراهيم بن المسمعي اعتلّ علّة حادّة وتوفّى بالنوبندجان فأشار علىّ بن عيسى بتقليد ياقوت أعمال الحرب والمعاون بفارس وتقليد أبى طاهر محمّد بن عبد الصمد أعمال المعاون بكرمان فخلع عليهما وعقد لهما لواءان.
وكتب علىّ بن عيسى إلى القاسم بن دينار بالمبادرة إلى فارس وقلّده أعمال الخراج والضياع بها وقلّد ما كان إليه من أعمال الأهواز أبا الحسن
стр. 2332
أحمد بن محمّد بن مابنداذ وابن السلاسل.
فحكى أبو الفرج ابن هشام قال: لمّا بلغ أبا عبد الله البريدي ما تقلّده هؤلاء من أعمال الأهواز وما حولها قال:
- «يقلّد هؤلاء هذه الأعمال ويقتصر بأخي أبى يوسف على سرّق [١] وبى على ضمان الضياع [٢٦٦] الخاصّة، خذ يا أبا هشام هذا الكتاب- يعنى الكتاب الوارد عليه بما قلّد- وأعطه ابنك حتّى يمثّل عليه ويتعلّم منه الخطّ، فإنّ لطبلى صوتا سوف تسمعه بعد أيّام.» وكان أبو عبد الله البريدي أنفذ أخاه أبا الحسين إلى الحضرة لمّا بلغه اضطراب أمر علىّ بن عيسى ووافقه على أن يخطب له عمل الأهواز إذا تجدّدت وزارة لمن يرتفق، فإنّ علىّ بن عيسى يعفّ ولا يرتفق.
فلمّا تمّت الوزارة لأبى علىّ ابن مقلّة صار أبو الحسين إلى أبى أيّوب السمسار وبذل له عشرين ألف دينار فقلّد أخوه أبو عبد الله البريدي أعمال الأهواز سوى السوس وجنديسابور وقلّد أبو الحسين الفراتيّة وأبو يوسف الخاصّة والأسافل على أن يكون المال فى ذمّته إلى أن يقع الوفاء لهم فوفى لهم وقبض المال.
وكتب أبو علىّ ابن مقلة فى القبض على أبى السلاسل فخرج أبو عبد الله بنفسه إلى تستر حتّى حصله وأسبابه ووجد له فى صناديقه وعند جهبذه عشرة آلاف دينار فأخذها ووافقه على أن يصكّ بما كان عند الجهبذ بنفقات باطلة وأخذ من كاتبه ألفى دينار ومن خليفته ثلاثة آلاف دينار [٢٦٧] ومن حاجبه ألفى دينار.
وكان أبو عبد الله البريدي أحد دجّالى الدنيا وشياطينها.
стр. 2333
ثمّ كثّر على أبى علىّ ابن مقلة بأنّه أهلّه لما لا يستحقّه فصرفه بأبى محمّد الحسين بن أحمد المادرائى وقلّده إشرافا وقلّد الأصل جماعة من العمّال فما أحلى أبو محمّد ولا أمرّ وكان كاتبه علىّ بن يوسف وخليفته صحبته من الحضرة فبان من تجلّفه [١] وسقوطه ما صار به نكالا وحديثا.
وحسبك أنّ أبا عبد الله البريدي أخذ عليه الطرقات فكان كلّ ما كتب به يؤخذ من رسله فما قرئ له كتاب منذ دخل الأهواز إلى أن صرف عنها.
ثمّ صرفه بعد ذلك أبو علىّ بأبى عبد الله البريدي وقال:
- «اغتررت بطلل ذلك الشيخ وما كلّ من يصلح للكتابة ينفذ فى العمالة [٢] .»
وعدنا إلى تمام حديث علىّ بن عيسى وما دبّره به المملكة
ولمّا أخرج إليه الارتفاعات كان فيه مبلغ ارتفاع لضياع إقطاع الوزراء بعد نفقاتهم الراتبة مائة وسبعين ألف دينار. فكتب إلى المقتدر بأنّه غنىّ عن هذا الإقطاع وأنّه قد وفّر ماله فإنّ أمر ضيعته قد صلح وكذلك [٢٦٨] وقفه [٣] بإعادته إيّاه إلى خدمته وأنّه يوفّر أيضا رزق الوزارة وهو مع ألفى دينار أجريت لابن الخصيبى سبعة آلاف دينار فى كلّ شهر.
وكتب إليه المقتدر بالشكر وانّه لا بدّ من أن يقبض الرزق على الرسم فحلف علىّ بن عيسى إنّه لا يقبض رزقا لهذه الخدمة لأنّ مذهبه ترك التنعّم.
стр. 2334
حوادث أخرى
وفيها شغب الفرسان برسم التفاريق وخرجوا إلى المصلّى فنهبوا القصر المعروف بالثريّا وذبحوا الوحش الذي فى الحائر وذبحوا البقر التي لأهل القرى التي حوله وخرج إليهم مونس وضمن لهم أرزاقهم فرجعوا إلى منازلهم.
وفيها خلع على مونس للخروج إلى الثغر لأنّ ملك الروم دخل سميشاط وضرب فى مسجد الجامع بالنواقيس وصلّى فيه الروم صلاتهم.
وفيها ظهرت وحشة مونس المظفّر ذكر السبب فى ذلك
كان السبب فى ذلك أنّ خادما من خدم المقتدر بالله حكى لمونس انّ المقتدر تقدّم إلى خواصّ خدمه بحفر زبية [١] فى الدار المعروفة بدار الشجر من دار [٢٦٩] السلطان حتّى إذا حصل مونس فيها عند الوداع إذا أراد الخروج إلى الثغر، حجب الناس وأدخل مونس وحده إلى ذلك الصحن، فإذا اجتاز على تلك الزبية وهي مغطاة وقع فيها ونزل إليه الخدم وخنقوه ويظهر أنّه وقع فى سرداب فمات. فامتنع مونس من دار السلطان وركب إليه جميع القوّاد والغلمان والحاشية وعبد الله بن حمدان وأخوته وأكثر العرب وخلت دار السلطان من الجند.
وقال عبد الله بن حمدان:
- «نقاتل بين يديك أيّها الأستاذ إلى أن تنبت لك لحية.»
стр. 2335
فوجّه إليه المقتدر بنسيم الشرابي ومعه رقعة بخطّة إليه يحلف له فيها على بطلان ما بلغه. فصرف مونس جميع من اجتمع إليه من الجيش وأجاب عن الرقعة بما يجب فى مثل ذلك وانّه لا ذنب له فى حضور من حضر عنده، لأنّه لم يستدعهم. وامتنع ابن حمدان من الانصراف وحلف إنّه لا يبرح من دار مونس ليلا ونهارا إلى أن يركب معه إلى دار السلطان ويطمئن إلى سلامته، ولازم مونسا أيّاما كثيرة.
وانضاف إلى ذلك أنّ إسحاق بن إسماعيل كان سبّب عليه مال مونس [٢٧٠] ومال رجاله فبلّح [١] فيها. وكان علىّ بن عيسى متنكّرا له لأشياء بلغته عنه فى غيبته فشغب الفرسان لتأخّر أموالهم، فجدّ علىّ بن عيسى بإسحاق بن إسماعيل واعتقله وأخذ خطّه بخمسين ألف دينار من مال ضمانه واعتقل أحمد بن يحيى الجلخت كاتبه وعدّة من أصحابه حتّى استوفى ذلك، ثمّ صرفه عن أعماله وجدّ بعمّال السواد حتّى صحّ له فى مدّة ثلاثة أيّام ما أنفقه فى أصحاب مونس.
وكتب المقتدر إلى جماعة من وجوه القوّاد بأنّه قد صفح عمّا كان منهم فى نهب الثريّا وإحراقها وقرئت عليهم فشكروا وسألوا أن يضمّ جماعة منهم ممّن اتّهم بذلك إلى مونس المظفّر لينحدر معهم إلى حضرته. فانحدر معهم ووصل إلى المقتدر بالله وقبّل الأرض بحضرته وحلف المقتدر له على صفاء نيّته وودّعه مونس.
وقرأ عليه علىّ بن عيسى كتابا ورد عليه من وصيف البكتمرى بأنّ المسلمين عقبوا على الروم وظفروا بهم وبجميع من فى عسكرهم وقتلوا منهم وغنموا غنائم جليلة. وخرج مونس من داره إلى مضربه بباب الشماسيّة
стр. 2336
وشيّعه الأمير أبو العبّاس والوزير علىّ بن عيسى ونصر الحاجب وهارون ابن غريب. [٢٧١] وورد رسول ملك الروم ومعه كتاب من وزير الملك وهو اللعثيط [١] إلى الوزير علىّ بن عيسى يلتمس فيه الهدنة.
ظهور الديلم
وفى هذه السنة [٢] ظهر الديلم، وكان أوّل من غلب على الرىّ منهم بعد خروج ابن أبى الساج منها، ليلى بن النعمان ثمّ ما كان بن كاكى. ودخل هذا الرجل فى طاعة صاحب خراسان لأنّه كتب إليه واستدعاه، فمضى إليه وغلب على الرىّ أسفار بن شيرويه وكان مرداويج بن زيار أحد قوّاده.
عاقبة عسف أسفار بن شيرويه
وكان اسفار بن شيرويه لمّا غلب على قزوين ألزم أهلها مالا جليلا وعسفهم عسفا شديدا وخبطهم وأحلّ بهم من تسليط الديلم [٣] على مهجهم وأموالهم واستباحتهم وتعذيب عمّالهم ما استعظمه هو فى نفسه فضلا عن غيره، ورقّت القلوب منه وضاقت النفوس وبلغت الحناجر ويئس الناس من الحياة وتمنّوا الموت. فخرج الرجال والنساء والأطفال إلى المصلّى مستغيثين إلى الله تعالى وراغبين إليه فى كشف ضرّهم فمضى لهم يوم على ذلك. وأنهى الخبر إلى اسفار فتهاون بالدعاء.
стр. 2337
فلمّا كان فى اليوم الثاني خرج عليه مرداويج فواقعه وهزمه [٢٧٢] فمرّ على وجهه فتبعه يومه أجمع فلم يظفر به، ولحقت أسفار مجاعة فى اليوم الثاني فأوى إلى رحى طحّان فى قرية وسأله أن يطعمه فأخرج إليه خبزا ولبنا، وكان يأكل وأطلّ مرداويج على الموضع فوجد آثار الحافر قد انقطع هناك، فوقف يتأمّل فرأى أكّارا فتشبّث به وسأله عن اسفار فأنكر وأرهبه فقال له:
- «ما أعرفه ولكنّى رأيت فارسا قد دخل إلى هذه الرحى.» وكبس مرداويج الموضع فوجده يأكل خبزا فاحتزّ رأسه، وعاد إلى قزوين فسكّن أهلها وتلافاهم وأزال تلك المطالبة عنهم ووعدهم بالجميل وانصرف عنهم ووهب [١] دعاءهم.
ثمّ أنّ مرداويج ذهب فتغلّب على الرىّ وإصبهان وأساء السيرة بإصبهان خاصّة وتبسّط فى أخذ الأموال وانتهاك الحرم وطغى وجلس على سرير ذهب دونه سرير فضّة يجلس عليه من يرفع منه وأقام جنده يوم السلام عليه صفوفا بالبعد منه.
وسام مرداويج رجاله الخسف [٢] وكانوا يرهبونه رهبة عظيمة وكان يقول:
- «أنا سليمان بن داود وهؤلاء الشياطين.» وكان يغضّ من الأتراك [٢٧٣] غضّا شديدا. فساءت نيّاتهم له فطلبوا كيدا يكيدونه به وتمكّنت له فى نفوس الخاصّ والعامّ البغضاء وضجروا منه وضعفت نفوس أهل مملكته فى أيّامه.
стр. 2338
مقتل مرداويج
قال: وركب يوما فى موكب عظيم وخرج إلى الصحراء وكان ينفرد عن جيشه ويسير وسطا لا يجسر أحد على القرب منه فكان العالم يتعجّبون منه ومن تمرّده وطغيانه إذ اشتقّ العسكر رجل شيخ لا يعرف، على دابّة، فقال:
- «زاد أمر هذا الكافر واليوم تكفونه [١] قبل تصرّم النهار ويأخذه الله اليه.» فلحقت الجماعة دهشة وتبلّدوا.
قال أبو مخلد عبد الله بن يحيى:
وكنت فى الموكب فنظر بعض الناس إلى بعض ولم ينطق أحد منهم بحرف ومرّ الشيخ كالريح، ثمّ قال الناس:
- «لم لا نتبعه ونستعيده الحديث ونسأله من أين علم أو نأخذه ونمضي به إلى مرداويج لئلّا يبلغه الخبر فيلومنا على تركه.» فركضوا يمينا وشمالا إلى كلّ طريق وسبيل فى طلبه فلم يوجد وكأنّ الأرض ابتلعته.
ثمّ عاد مرداويج ولم يلو على أحد ودخل داره ونزع ثيابه، ثمّ دخل الحمّام وأطال، وكان كورتكين قريبا منه وخصّيصه [٢] يحرسه ويراعيه فى خلواته وحمّامه فأمره أن لا يتبعه وتأخّر عنه مغضبا فتمكّن منه الأتراك [٢٧٤] وهجموا عليه فى الحمّام فقتلوه بعد أن مانع عن نفسه وقاتل بكرنيب فضّة [٣] كان فى يده، فشقّ بعض الأتراك بطنه. فلمّا خرجت حشوته ظنّ أنّه
стр. 2339
قد قتله فلمّا خرج إلى أصحابه قالوا له:
- «أين رأسه؟» فعرّفهم أنّه قد شقّ بطنه. فلم يرضوا بذلك وعاوده لحزّ رأسه فوجدوه قد قام على سريرين فى الحمّام وردّ حشوة بطنه وأمسكها بيده وكسر جامة الحمّام وعاونه قيّم الحمّام وهمّ بالخروج من ذلك الموضع إلى سطح الحمّام.
فلمّا رأوه كذلك حزّوا رأسه فظهر أمره بين الظهر والعصر بخروج الأتراك الذين كانوا معه إلى رفقائهم وإخبارهم إيّاهم بخبره وركوبهم إلى الإصطبلات للنهب.
وفيها ارتفع ذكر أبى جعفر بن شيرزاد وعنى به علىّ بن عيسى. ذكر السبب فى ذلك
كان السبب فى ذلك أنّ ابن شيرزاد كان يكتب لهارون بن غريب وينظر فى جميع أموره. فأطمع هارون فيه وقرّف بجنايات عظيمة فقبض عليه يوم الثلاثاء لثمان خلون من جمادى الأولى سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وسلّمه إلى خادمه [٢٧٥] مونس وأمره بالتضييق عليه ومنعه من الدواة فتأخّرت رقعته عن أخيه أبى الحسن زكريّا.
وكان يكتب للخالة على ديوان ضياعها. فعرف الخالة صورة أخيه فشكت الخالة ذلك إلى السيدة فوجّهت السيدة بخادم لها إلى هارون حتّى انتزعه من يده وحمله إلى دار السلطان وتقدّمت بإطلاقه.
وخاطب هارون بن غريب علىّ بن عيسى فى أمر ابن شيرزاد وقال له:
- «قد كان اقترض منّى للخاقانى أموالا كثيرة وأخذ بها تسبيبات وفاز بها وقد عمل له المومّل كاتبي بمال عظيم وأنا أرضى بنظر ثقة من ثقات الوزير
стр. 2340
فى العمل.» فتقدّم الوزير علىّ بن عيسى إلى أبى يوسف كاتب السيّدة بالمصير إلى دار هارون وحضر المؤمّل وكتّابه فنظروا فى العمل.
فكان أوّل باب فيه أنّه وجد فى دفتر من دفاتر ديوانه ثبت [١] ما قبض من التسبيبات التي سبّبها الخاقاني لابن شيرزاد من مال القروض التي اقترضها من مال هارون بن غريب.
وقد حكى فيه أنّه قبض خمسة عشر ألف دينار وأنّه لم يجد هذا المال فى ختمات الجهبذ الثابتة فى الديوان. وكان كاتب ابن شيرزاد على ذلك الديوان ابن أبى الميمون، فقال [٢٧٦] ابن أبى الميمون:
- «قد صحّ فى ختمة الجهبذ ومع صاحبي خطّ الأمير بقبضه إيّاه، لأنّه حمله إلى حضرته وصرفه فى ثمن دار المحسّن التي ابتيعت [٢] من وكيل الخليفة فى وزارة أبى القاسم الخاقاني.» فأخرجت الختمة بعينها فوجد ذلك فيها. ووجد محرّر هذه الختمة قد كتب هذا المال كأنّه تفصيل المال المتقدّم وكان سبيله أن يكون مخرجا بارزا عن التفصيل الأوّل. فوجد أبو يوسف ومحمّد بن جنّى الأمر على ما قال كاتب ابن شيرزاد وأخرج ابن شيرزاد خطّ هارون بن غريب بصحّة هذا المال منسوبا إلى تلك الجهة وأنّه أدّى فى بيت المال لثمن الدار وأحضر قبض صاحب بيت المال به.
ثمّ نظر فى الباب الثاني أنّ المطلق للفرسان فى عسكر هارون من مالهم فيه الربع الدراهم [٣] تساوى ستّة عشر درهما بدينار وأنّه لم يضع الصرف من
стр. 2341
مال الرجال وأنّه يلزمه منه فى مدّة ولايته كتابة هارون نيّف وعشرون ألف دينار، فأخرجوا الختمات فوجدوا الجهبذ قد احتسب بما صرفه فى أعطيات الرجال ورقا من غير أن يوضع منه شيء لفضل الصرف. فاحتجّ كاتب ابن شيرزاد بأنّ فضل [٢٧٧] الصرف فى ختمة تورد فى أصول الأموال فى آخر باب من أبواب الأصول وهو ما يتوفّر من هذا الباب وغيره من سائر نفقات هارون بن غريب فأخرج ذلك من الختمات.
فلمّا بطل هذان البابان وهما معظم ما كان فى العمل نهض أبو يوسف ومحمّد بن جنّى وقام معهما ابن شيرزاد وأقبل عليه هارون فقال:
- «قد هتكني كاتبي هذا الجاهل الناقص قبّحه الله وقد جنيت على نفسي بصرفك ولكن إن تصرّفت لأحد فعلت وصنعت.» وتهدّده.
فذهب ابن شيرزاد وشرح لعلىّ بن عيسى ذلك فصار ذلك سببا لعناية علىّ بن عيسى به واشتهر حديثه وفاض فى الكتّاب.
وفيها ورد الخبر وكتاب الفارقي من البصرة بأنّه قد اجتاز بباب البصرة ممّا يلي البريّة جيش للقرمطى كثير العدد يقصد الكوفة فكتب المقتدر إلى مونس المظفّر يأمره بالرجوع إلى بغداد فرجع من تكريت ودخل بغداد بعد صلاة العصر بعد أن أنفذ قطعة من جيشه إلى الثغر.
وخرج ياقوت إلى مضربه بالزعفرانيّة متوجّها إلى عمله بفارس.
القبض على ابن أبى الساج وتقليد الحسن بن هارون
وفى هذه السنة قبض يوسف بن أبى الساج على كاتبه [٢٧٨] أبى عبد الله
стр. 2342
محمّد بن خلف النيرمانى وقلّد مكانه أبا علىّ الحسن بن هارون وقيّد محمّد بن خلف بقيود ثقال وأخذ منه يوم قبض عليه من المال والفرش والكسوة والغلمان ما قيمته مائة ألف دينار وأخذ خطّه بخمسمائة ألف دينار مصادرة عن نفسه.
ذكر السبب فى ذلك
كان السبب فى ذلك ما استعمله بواسط من السرف فى التكبّر والتجبّر والتوسّع فى النفقات حتّى إنّه جعل فى داره بواسط فى شراب العامّة ثلاثين غلاما وفى شراب الخاصّة عشرين غلاما وكان يخرج من داره إلى دار صاحبه يوسف ويبكّر إليه جميع قوّاد ابن أبى الساج ورؤساء غلمانه ورؤساء العمّال ويسلّمون عليه كما يفعل الناس ببغداد بالوزراء فى أيّام المواكب.
وكان قبل ذلك فى مسير ابن أبى الساج من الرىّ إلى واسط قد لبس القباء والسيف والمنطقة إلّا أنّه لم يكن يركب إلى دار صاحبه بسواد فرقا بينه وبين وزير السلطان واحتمله ابن أبى الساج على ذلك.
ثمّ أطمع نفسه أيّام مقامه بواسط فى الوزارة للسلطان، وتبيّن [٢٧٩] عداوة نصر الحاجب لابن أبى الساج فكاتبه ووجّه إليه بمن يثق به يلتمس منه أن يشير على المقتدر بتقليده الوزارة مكان علىّ بن عيسى وضمن أن يستخرج من علىّ بن عيسى وأخيه وسليمان بن الحسن وأبى زنبور المادرائى والكلوذانى وأسبابهم ألف ألف دينار ويقوم بنفقات السلطان وأرزاق الأولياء.
سعاية
وسعى بصاحبه وقال: إنّه كان يستر عنه مذهبه فى الدين وإنّه لمّا سار
стр. 2343
إلى واسط أنس به وانبسط إليه فكشف له أنّه يتديّن بأن لا طاعة عليه للمقتدر ولا لبنى العبّاس على الناس طاعة وأنّ الإمام المنتظر هو العلوي الذي بالقيروان وأنّ أبا طاهر الهجري صاحب ذلك الإمام، وإنّه قد صحّ عنده أنّه يتديّن بدين القرامطة وإنّه إنّما صيّر العلوي متحقّقا به وبجميع أسراره بهذا السبب، وإنّه ليس له نيّة بالخروج إلى هجر، وإنّه إنّما يحتال بالوعد بالخروج إلى هجر حتّى يتمّ له أخذ الأموال، وإنّه قال فى شهر ربيع الآخر:
- «أىّ شيء بقي لنا على الخليفة ووزيره من الحجّة ولم ليس تخرج إلى هجر ولا أراك تستعدّ لذلك؟» فقال له فى الجواب:
- «لم لا تكون لك معرفة [٢٨٠] بالأمور من فى نيّته [١] الخروج إلى هجر.» وإنّه قال له:
- «فلم غررت السلطان من نفسك ووعدته بهذه الحال حتّى سلّم إليك جميع أعمال المشرق؟» فأجابه بأنه يرى انتقاض الخليفة وسائر ولد العبّاس الغاصبين أهل الحقّ فرضا لله- عليه- وأنّ طاعته طاغية الروم أصلح من طاعته الخليفة.» وإنّه قال:
- «فهبك فعلت ذلك، ما الذي يؤمنك من القرمطى أن يوافى إلى واسط وإلى الكوفة فلا تجد بدّا من لقائه ومحاربته؟» فقال فى الجواب:
стр. 2344
- «ويحك كيف أحارب رجلا هو صاحب الإمام وعدّة من عدده؟» فقال له:
- «فإن أراد هو حربك أى شيء تعمل؟» فقال له:
- «ليس لهذا أصل، وقد ورد عليه كتاب الإمام من القيروان بأن لا يطأ بلدا [١] أكون فيه ولا يحاربني بوجه ولا بسبب.» وإنّه ختم القول بأن قال:
- «إنّى إنّما انتظر أن يقبض رجالي بأسرهم أموال سنة أربع عشرة وثلاثمائة فإذا قووا بذلك منعت أوّلا من أعمال واسط والكوفة وسقى الفرات وأنفذت إليها العمّال، فلا بدّ للسلطان أن ينكر حينئذ ما أفعله فأكاشفه وأخطب للإمام وأظهر [٢٨١] الدعوة وأسير إلى بغداد، فإنّ من بها من الجند قوم يجرون مجرى النساء قد ألفوا الدور على دجلة والشراب والثلج والخيش [٢] والمغنيات فآخذ نعمهم وأموالهم ولا أدع الهجري يفوز بالاسم وأكون أنا سائق الدولة إلى الأمام، فإنّ أبا مسلم خرّاز النعال لم يكن له أصل وقد بلغ ما بلغ ولم يكن معه لمّا ارتفع النصف ممّن معى. وما هو إلّا أن أظهر الدعوة حتّى قد اجتمع مائة ألف ضارب سيف.» ويقول محمّد بن خلف:
- «قد صدقت أمير المؤمنين عن هذا الأمر، فإن ولّانى الوزارة انقمع ابن أبى الساج وبطل عليه تدبيره وأخبّب [٣] حينئذ رجاله وغلمانه: فإمّا أسروه
стр. 2345
وإمّا هرب طائرا على وجهه إلى أذربيجان. فإنّى إذا تولّيت الوزارة جدّدت به فى المطالبة بالخروج إلى هجر فإن كاشف دبّرت عليه.» فأنهى نصر الحاجب كلّه إلى المقتدر وعرّفه انّ محمّد بن خلف قد كتب إليه يحلف له على أنّه ما حمله على هذا الفعل إلّا الغضب للدين أوّلا ثمّ الأنفة من أن يتمّ لهذا القرمطى على الخليفة وسائر الخاصّة والعامّة ما دبّره.
وكان الحسن بن هارون يخلف محمّد بن خلف [٢٨٢] ويقف دائما بين يديه على رجله ويخدمه كما يخدم ابن أبى الساج. فلمّا رأى اختصاصه بابن أبى الساج تنكّر له وعمل على القبض عليه وإتلافه وأظهر ذلك لأبى بكر ابن المنتاب وكان قد اختصّ به وغلب عليه. فاتّفق أن شرب ابن المنتاب مع جماعة من إخوانه بواسط وفيهم عبد الله بن علىّ الجرجرائى عامل الصلح والمبارك، فسأله عبد الله بن علىّ أن يشكر له أبا علىّ الحسن بن هارون لما يوليه من الجميل وقال له:
- «تعرض لى رقعة على سيّدنا أبى عبد الله محمّد بن خلف أسأله فيها أن يعرّفه شكرى ويأمره بالزيادة فيما شكرته عليه.» فقال له ابن المنتاب:
- «اتّق الله فى نفسك ولا تفعل، فإنّ أبا عبد الله على غاية التنكّر للحسن بن هارون ولن يبعد أن يقبض عليه ويبلغه [١] .» فحفظ ذلك عبد الله بن علىّ وتقرّب به إلى الحسن بن هارون.
ووقعت بين محمّد بن خلف وبين عبد الله بن علىّ مماحكة فيما سبّب عليه لقوم يعتنى بهم محمّد بن خلف فشتمه محمّد بن خلف وهدّده وأمر بإخراجه من مجلسه على أقبح صورة.
стр. 2346
فاجتمع عبد الله بن علىّ والحسن بن هارون على التدبير على محمّد بن خلف ونصبا عليه أصحاب الأخبار إلى أن وقفا [٢٨٣] على ما عمله فى السعى فى تقلّد الوزارة للمقتدر وسعايته بصاحبه. فاطلع عبد الله بن علىّ ابن أبى الساج على ذلك وتقرّب إليه فنصب يوسف بن أبى الساج أصحاب أخبار على محمّد بن خلف إلى أن وقف على أنّ خادما له يثق به قد أنفذه دفعات إلى بغداد وأظهر أنّه إنّما ينفذه لابتياع كسوة وفرش ودوابّ وغلمان له وأنّه هو السفير بينه وبين نصر الحاجب فى التدبير على ابن أبى الساج فتقدّم ابن أبى الساج إلى عبد الله بن علىّ فى أخذ الطرق على هذا الخادم وإلى الحسن بن هارون بمراعاة الوقت الذي ينفذ فيه الخادم. فلمّا نفذ من واسط عرّفه الحسن ذاك فوجّه بثقاته وأمرهم أن يرصدوا الخادم فى الطريق، فإذا عاد من بغدا قبضوا عليه وسلّموه إلى صاحب عبد الله بن علىّ بجرجرايا.
وتقدّم إلى عبد الله بن علىّ بأن يوجّه بمن ينتظره بجرجرايا وأنفذت الكتب التي معه إلى ابن أبى الساج فوجدها بخطّ كاتب نصر جوابات عن كتب محمّد بن خلف إليه تدلّ على إشارات ورموز وتراجم وفيها كلّ مكروه وسعى على دم [١] ابن أبى الساج وحاله وإطماع فى ماله وحاله [٢٨٤] وتحذير من تأخّر القبض على علىّ بن عيسى. فبادر ابن أبى الساج فى إنفاذ الحسن بن هارون إلى الحضرة بكتب ورسائل إلى علىّ بن عيسى على رسمه ووجّه بتلك الكتب بعينها وقال له:
- «تقول للوزير عنّى: قد سعى هذا الرجل على دمى ودمك ودماء أصحابك وأريد أن أقبض عليه وأكثر ذنوبه عندي سعيه عليك.» فلمّا وقف علىّ بن عيسى على جميع كتبه ورسائله تعجّب وقال له:
стр. 2347
- «تقول لأخى أبى القاسم: إن كنت تريد أن تفعل ذلك لتريح نفسك من هذا الرجل الخائن المستحلّ فالله يوفّقك ويحسن معونتك. وإن كنت تفعل هذا بسببي فو الله ما أشكر أحدا كما أشكر من يسعى فى صرفى عن الوزارة، فالحبس والنفي أسهل ممّا أقاسيه منها.» وزوّر عبد الله بن علىّ عن الخادم كتبا على أنّها من بغداد إلى محمّد بن خلف بأنّه: قد أحكم أكثر ما تحتاج إليه وأنّه سريع العود إلى واسط.
فسكنت نفس محمّد بن خلف إلى ذلك. وصار عبد الله بن علىّ إلى محمّد بن خلف وترضّاه وبذل له أن يحمل إليه من ماله مائة ألف درهم مرفقا ليزول ما فى نفسه عليه. فظنّ محمّد بن خلف أنّ ذلك صحيح ودعا عبد الله بن علىّ وواكله وشاربه. [٢٨٥] ولم يلبث الحسن بن هارون أن عاد من بغداد فبدأ بدار محمّد بن خلف ووقف بين يديه فقال محمّد بن خلف:
- «يا عاضّ [١] ، قد بلغني أنّك شنّعت علىّ عند علىّ بن عيسى وذكرت له أنّى أطلب الوزارة مكانه وأنّك مع ذلك قد ضرّبت علىّ حاشية الأمير وغلمانه. وو الله يا كلب لأضربنّك خمسمائة سوط ولآخذنّ منك ثلاثين ألف دينار قد أبطرتك.» والحسن بن هارون لا يزيد على أن يقول له:
- «الله بيني وبين من أغرى مولاي ومن أنا عبده وغرسه.» ومحمّد بن خلف يشتمه إلى أن قال له:
- «لقيت الأمير؟» فقال الحسن بن هارون:
стр. 2348
- «ما لقيته بعد.» فقال له:
- «فامض إلى لعنة الله فالقه وعد إلىّ.» فمضى إلى ابن أبى الساج وشرح له جميع ما وقف عليه من سعى محمّد بن خلف عليه وما خاطبه به لمّا لقيه بعد قدومه من بغداد.
فقال ابن أبى الساج لخازنه الذي يتسلّم من محمّد بن خلف الأموال المحمولة إليه التي ينفقها فى رجاله وغلمانه ونفقاته:
- «قد كنت أحضرتنى منذ مدّة مالا نصفه غلّة ودراهم بهرجة [١] وخراسانيّة، وذكرت أنّ ابن خلف حمله إليك لتنفقه فى الأولياء [٢٨٦] وغيره، وذكرت أنّ الأمر [٢] مسرف فى فضل الصرف وأنّه كثير فعرّفنى الآن الحال فيما يحمله إليك؟» فقال: «الذي يحمله الآن شرّ من كلّ ما تقدّم وقد أخرجت من مائة ألف درهم حملها اليوم ألف وخمسمائة درهم جديد وألفى درهم صحاح لا سيّئة [٣] واثنين وأربعين ألف درهم غلّة رديّة.» وعظم عليه الأمر فى فضل الصرف فى ذلك فقال له:
- «فإذا حضر محمّد بن خلف العشيّة فادخل إلىّ واحمل المال كهيئته وعرّفنى أنّ جميع غلماني ورجالي قد فسدت نيّاتهم بهذا السبب.» ففعل الخازن ذلك. فقال ابن أبى الساج:
- «يا أبا عبد الله أنت تعلم أنّ هذا المال لا يجوز لأحد أن يقبض مثله وإذا فوّت رجالي شهرا وأعطيتهم مالا جيّدا أو مقاربا للجودة كان أصلح من
стр. 2349
هذا.» فغضب محمّد بن خلف وقال له:
- «ما جرّأ هذا الكلب على خطابي بحضرتك فى هذا الباب إلّا لأنّه قد وقف على فساد رأيك فىّ، وإنّما أفسدك علىّ من قدّر أن يتولّى كتابتك وهو هذا العلج الحسن بن هارون وأهون به وبهذا الخازن وبجميع غلمانك ورجالك علىّ، وأنا عقدت لك هذه الحال وهذا الأمر [٢٨٧] والآن فو الله لا نظرت فى شيء من أمرك، فاعمل ما شئت.» ونفض يده فى وجهه وخرج من مجلسه. فجعل ابن أبى الساج يحلف له أن يعود فلا يفعل ويحلف إنّه لا يرجع.
فلمّا طال ذلك بينهما وبلغ أن يعطف إلى دهليز يغيب به عن عينه قال ابن أبى الساج لغلمانه:
- «ضعوا أيديكم فى قفا الكلب اللاحد الخنزير [١] فأسمعونى صوته بالصفع.» فصفع نحو من مائة صفعة وأخذ سيفه ومنطقته. واستدعى ابن أبى الساج عبد الله بن علىّ وأحضر للوقت فوجّه به إلى دار محمّد بن خلف ليحفظها ويقبض على سائر غلمانه وأسبابه وخزائنه، وكان عبد الله بن علىّ مشهورا بالعفاف والثّقة. وتقدّم إلى الحسن بن هارون بأن يتقلّد كتابته مكانه واستحلفه أن يدخل إلى الحجرة التي اعتقل فيها ويقيّده بخمسين رطلا ويلبسه قميص بايباف ففعل به الحسن بن هارون ذلك فقال له:
- «يا محمّد بن خلف أخبرنى أغرّك أنّى أقول لك: يا مولاي؟ إنّما كنت أسخر منك، أيّنا كان أبعد غورا وتدبيرا، أنا أم أنت؟»
стр. 2350
وأخذ الحسن بن هارون خطّه بستمائة ألف دينار بعد أن أهانه وصفعه وضربه بالمقارع، فأدّى نحو خمسين ألف دينار [٢٨٨] إلى أن رحل ابن أبى الساج من واسط إلى الكوفة لمحاربة الهجري وحمله معه مقيّدا وشغل عنه بالحرب وأسر، فأفلت محمّد بن خلف.
ذكر وقعة ابن أبى الساج مع القرمطى وما استعمله من ترك الحزم واستهانته بالعدوّ حتّى أسر وما اتفق عليه بعد الأسر حتّى قتل
كتب يوسف بن ديوداذ من واسط إلى الوزير أبى الحسن علىّ بن عيسى يلتمس منه حمل مال إليه ليصرفه فيما يحتاج من إعداد الأنزال [١] والعلوفات بين واسط والكوفة ويحتجّ بأنّ أموال المشرق [٢] متأخّره عنه وأنّ الأمر ليس يحتمل مع قرب موافاة الهجري بأن ينتظر ورود مال من الجبل ويقول إنّه لا يقنعه لذلك أقلّ من مائة ألف دينار. فعرض علىّ بن عيسى كتابه على المقتدر، فتقدّم بأن يحمل من بيت المال الخاصّة سبعون ألف دينار وينفذ إليه.
وورد الخبر بخروج أبى طاهر من هجر بنفسه يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان، فنزل فى الموضع المعروف بالحس وبينه وبين الاحساء مسيرة يومين وأقام به إلى يوم السبت ورحل من غد وكتب [٢٨٩] السلطان إلى ابن أبى الساج بما ورد من خبره ويأمره بالمبادرة إلى الكوفة.
وكتب علىّ بن عيسى إلى عمّال الكوفة باعداد الميرة والعلوفات ليوسف.