بغداد ولحق بأخويه. ولمّا تقرّر أمر البريدي أصعد الراضي بالله وابن رائق إلى بغداد. ودخل أبو عبد الله الحسين بن علىّ كاتب الأمير ابن رائق بغداد. [٥٤٥]
ذكر حيلة أبى بكر ابن مقاتل على الحسين بن علىّ النوبختي حتّى عزله عن كتابة ابن رائق
وكان أبو بكر محمّد بن مقاتل متمكّنا من ابن رائق التمكّن المشهور منحرفا عن الحسين بن علىّ النوبختي بعد المودّة الوكيدة. وكان هو أوصله إلى ابن رائق وأدخله فى كتابته فلهذا ولأنّ الحسين بن علىّ فوقه ومتفرّد بابن رائق- وهو المدبّر للملك والذي بنى لابن رائق تلك الرتبة العظيمة والذي ساق إليه تلك النعمة وجمع له تلك الأموال التي كان مستظهرا بها من ضمان واسط والبصرة- أشار على ابن رائق أن يعتضد بأبى عبد الله البريدي وأن يستكتبه ليتفق الكلمة ويجتمع جيش الأهواز إلى جيشه وقال له:
- «أيّها الأمير لك فى ذلك جمال عظيم لأنّه اليوم كالنظير لك فإذا تواضع وصار تابعا جاز حكمك عليه وسيقال لك: إنّ البريدي غدر بالسلطان وبياقوت فكيف تثق به؟ فالجواب عن هذا أنّه ليس يجمعكما أرض فتتمّ حيلته عليك كما تمّت على ياقوت وأنت غير قادر عليه إلّا بحرب وقد يجوز أن تظفر به أو [١] يظهر هو. فإذا كنّا قد انتهينا إلى هذه الحال معه فحطّه من الإمارة إلى الكتابة وتصييره تابعا ثمّ جذب رجاله [٥٤٦] وجيشه بالخدعة أو إنفاذه مع بجكم ليفتح لنا فارس وإصبهان أولى من دفعه عمّا
стр. 2557
سأل وإيحاشه فيحتاط لنفسه ويخبّب الرجال وقد حمل إلى الأمير مع هذا ثلاثين ألف دينار هدية هي فى منزلي.» وقال له ابن رائق:
- «ما كنت لأصرف الحسين بن علىّ مع نصحه لى وتبرّكى به ولو فتح لى فارس وإصبهان وساقهما إلىّ خصوصا وأهداهما لى دون غيرى.» قال: «أيّها الأمير فإن كرهت هذا فضمّنه واسطا والبصرة.» فقال: «هذا لفعلته إن أشار به أبو عبد الله الحسين بن علىّ.» قال: «فتكتمه أيّها الأمير خوضنا فى الكتابة ولا تذكرها.» وحضر أبو عبد الله الحسين بن علىّ بعد ذلك وعرض عليه هذا الرأى فضجّ منه وعدّد مساوئ البريدي وغدره وكفره الصنائع منذ ابتداء أمرهم وإلى أن كاشفوا بالعصيان، وأعاد حديث ياقوت. ثمّ التفت إلى ابن مقاتل فقال:
- «ما قضيت حقّ هذا الأمير ولا نصحته.» ثمّ قال:
- «أنا عليل أيّها الأمير، فإن عشت وأنا معك فهيهات أن يتمّ عليك وإن مضى فىّ حكم الله فنشدتك [١] الله أن تأنس بالبريدى أو تسكن إليه بشيء من أصناف حيله.» فدمعت عين ابن رائق وقال:
- «بل يحييك الله [٥٤٧] ويهلكه.» وكان الحسين ابن علىّ عليلا من حمّى وسعال. ثمّ انصرف الحسين بن علىّ وابن مقاتل مغضب. فقال لابن رائق:
стр. 2558
- «قد حمل الرجل إليك ثلاثين ألف دينار ولا بدّ من أن تعمل به جميلا.
فاقبل أحمد بن علىّ الكوفي خليفة لنا بحضرتك ونائبا عنه إلى أن ترى رأيك.» فقال: «أمّا هذا فنعم.» وكتب ابن مقاتل إلى البريدي بما جرى وأنفذ أحمد بن علىّ الكوفي ووافى حضرة أبى بكر محمّد بن رائق بمدينة السلام واختلط به نيابة عن أبى عبد الله البريدي وثقل الحسين بن علىّ النوبختي فتأخّر عن الخدمة أيّاما.
وكان له ابن أخ قد صاهره فهو يخلّفه فى مجلس ابن رائق ويوقّع عنه. فقال ابو بكر ابن مقاتل للأمير ابن رائق:
- «حسن العهد من الإيمان وهو من الأمير أحسن لأنّه عائد بالسلامة علىّ ولكن إضاعة الأمور ليس من الحزم والحسين بن علىّ ميّت فانظر لنفسك فإنّ الأمور قد اختلّت.» فقال: «يا هذا، الساعة والله سألت سنان بن ثابت عنه فقال: قد صلح وخفّ النفث وأنّه أكل الدرّاج.» فقال: «سنان رجل عاقل ولا يحبّ أن يلقاك فيمن تعزّ بما تكره [١] ولا سيّما هو وزير الزمان ولكن صهره [٥٤٨] وابن أخيه خليفته أحضره وحلّفه أن يصدقك.» قال: «افعل.» وانصرف ابن مقاتل ودعا علىّ بن أحمد بن أخى الحسين بن علىّ وقال له:
- «قد مهدّت لك كتبة الأمير وواقفته على تقلّدك إيّاها وهي وزارة
стр. 2559
الحضرة وعمّك ذاهب فإن سألك فعرّفه أنّه ميّت لا محالة. فإنى أعود إليه وأناجزه فيخلع عليك قبل أن يطمع فيها غيرك.» فاغترّ [١] علىّ بن أحمد وسأله محمّد بن رائق من غد بعد أن أخلى نفسه عن خبر عمّه. فكان جوابه أن بكى وقال:
- «أعظم الله أجرك أيّها الأمير فى أبى عبد الله عدّه من الأموات.» ثمّ لطم وجهه. فقال ابن رائق:
- «لا حول ولا قوّة إلّا بالله أعزز علىّ به، لو فدى حىّ ميّتا لفديته بملكي كلّه.» واستدعى ابن مقاتل فقال له:
- «كان الحقّ معك قد يئسنا من الحسين بن علىّ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فأىّ شيء نعمل؟» فقال: «هذا أبو عبد الله أحمد بن علىّ الكوفي نظير الحسين بن علىّ وكانا صنيعتي إسحاق بن إسماعيل النوبختي، هو فى نهاية الثقة والعفاف وهو خصيص بأبى عبد الله البريدي وإن أنت استكتبته اجتمعت لك كفاية إلى عفافه واستقصائه وانضاف إلى ذلك كلّه حصول أولئك فى جملتهم وانقطاعهم [٥٤٩] إليك ونعتدّ على أبى عبد الله أنّا قد أجبناه إلى ما سأل من كتابتك واستخلفنا صاحبه أبا عبد الله الكوفي.» فقال: «استخر الله وافعل ولكن عهدة أبى عبد الله الكوفي عليك ألّا يغشّنى ويؤثر البريدي فى حال من الأحوال.» فقال: «أنا الضامن عن أبى عبد الله الكوفي كلّ ما شرطه الأمير.» فاستكتبه فدبّر الأمور كلّها كما كان يدبّرها الحسين بن علىّ وأسقط من
стр. 2560
الكتب التي تكتب عن ابن رائق وكتب: «فلان بن فلان» . وكان الحسين بن علىّ يكتب ذلك على رسم الوزارة فكانت مدّة تدبير الحسين بن علىّ النوبختي لأمور المملكة ثلاثة أشهر وثمانية أيّام.
وكتب أبو بكر ابن رائق إلى أبى عبد الله البريدي يعتدّ عليه بما احتال له حتّى زحزح الحسين بن علىّ وساق الأمر إليه واستخلف له أبا عبد الله الكوفي فحمل إليه أبو عبد الله البريدي عشرة آلاف دينار وحمل [١] إلى ابن رائق عشرين ألف دينار بعد الثلاثين الألف الدينار التي قدّمنا ذكرها. واستقلّ الحسين بن علىّ النوبختي وصحّ جسمه وعوفي فكتم ذلك عن ابن رائق وتمكّن البريديون حتّى غلبوا على البصرة.
ذكر الخبر عمّا احتالوا به واتفق أيضا لهم
لمّا مضى [٢] شهر من استكتاب ابن رائق أبا عبد الله الكوفي [حتى] شرع لأبى يوسف البريدي فى ضمان [٥٥٠] البصرة وواسط فأشار علىّ بن رائق بذلك فقال:
- «لا أفعل ولا أثق بهما.» قال له:
- «ولم أيّها الأمير؟ أمّا واسط فأنا مدبّرها وليس يرد لهم إليها ولا راجل، وعلىّ توفية مالها. وأمّا البصرة فقد قرّرت أمرها على أربعة آلاف ألف درهم على أن يقيم لى بها ضمناء ثقات.»
стр. 2561
وأشار أبو بكر بن مقاتل بمثل ذلك فأذن ابن رائق فى العقد عليه فقلّد أبو يوسف أبا الحسن ابن أسد أعمال الخراج بالبصرة وكان والى الحرب بها محمّد بن يزداد فخرج أهل البصرة بأجمعهم إلى سوق الأهواز لتهنئة البريدي بالولاية وكان جمعهم عظيما جدا. وكان أبو الحسين ابن عبد السلام الهاشمي وجيه البصرة قد شذّ عن ابن رائق لأنّه قصّر به وحطّ منه بالبصرة، فقصد أبا عبد الله البريدي وأبا يوسف أخاه فطرح نفسه كلّ مطرح عندهما وأشار إليهما بالغلبة على البصرة وإنفاذ العساكر إليها وذكر طاعة الخول وأهل الأنهار له.
فأخذ أبو عبد الله فى بناء الشذاءات والزبازب والطيّارات والاستكثار منها حتّى اجتمعت له مائة قطعة فى نهاية الوثاقة والجودة. فحين وافاه أهل البصرة [٥٥١] للتهنئة قرّبهم وأكرمهم ورفع منهم وقال:
- «قد اطّلع أبو الحسين بن عبد السلام على نيّتى الجميلة فيكم ومحبتي لصلاحكم وإعداد آلة الماء للجيوش الذين أحصّن بهم بلدكم من القرامطة وكنت مستغنيا عن ضمان البصرة إذ لا فائدة لى فيها وإنّما امتعضت لكم من ظلم ابن رائق ومحمّد بن يزداد خليفته لكم وتحمّلت فى مالي أربعة آلاف دينار فى كلّ شهر بإزاء ما كان يؤخذ من الشرطة والمآصير والشوك تخفيفا عنكم وقد أزلت جميعها وهذا خطّى برفعها عنكم.» ووقّع بذلك توقيعا وسلّمه إليهم وكثر الدعاء والضجيج بشكره. ثمّ قال لهم:
- «إنّه سيبلغ هذا ابن رائق فينكره ويوحشه منّى ويصير سببا للعداوة بيني وبينه. وو الله ما أبالى أن يعاديني أخواى ابو يوسف وأبو الحسين وابني أبو القاسم فى صلاحكم. لأنى أعلم أنّ فيكم بنى هاشم وطالبيين وأولاد المهاجرين والأنصار، ومن حرمة الإسلام صيانتكم وأنّى لأقدر أنّ الله يغفر لى كلّ ذنب بإزالة الأذيّة عنكم وسيروم ابن رائق ردّ ما قد أزلته
стр. 2562
عنكم من هذا الحطام الذي كان يأخذه. فأين السواعد القويّة والنفوس [٥٥٢] الأبيّة التي حاربت علىّ ابن أبى طالب صلوات الله عليه [١] . فمتى رام ابن رائق نقض ما عملت فاضربوا وجهه ووجوه أصحابه بتلك السواعد والسيوف وأنا من وراءكم.» ثمّ ذكر أهل البصرة بأيّامهم مع عبد الرحمن بن الأشعث ومحمّد وإبراهيم ابنى عبد الله بن حسن وقال:
- «لتكن قلوبكم قويّة وآمالكم فسيحة ونفوسكم شديدة فى مجاهدة عدوّكم.» ثمّ وقّع للنفقة على المسجد الجامع بالبصرة بألفي دينار وقال:
- «بلغني أنّه خراب.» وعرضت عليه الرقاع بالحاجات فوقّع بحطائط ونظر وصلات وتخفيف فى المعاملات بألفي ألف درهم وانصرفوا عنه وقد صاروا سيوفه. وسيّر إقبالا غلامه وحاجبه وكانت له نوبة مع أبى جعفر الجمّال [٢] وضمّ إليه ألفى رجل وقال:
- «أقيموا بحصن مهدى إلى أن نكاتب إقبالا الحاجب بالمسير بهم إلى البصرة.» واتّصل ذلك بأين يزداد فقامت قيامته.
وفى هذه السنة قلّد محمّد بن رائق أبا الحسين بجكم الشرطة بمدينة السلام وقلّد الحسين عمر بن محمّد قضاء القضاة مع الأعمال التي إليه. وأمر الغلمان الحجريّة المستترين ببغداد فظهروا وصاروا إليه بالسلاح فعرضهم
стр. 2563
وأمضى من جملتهم نحو ألفى رجل وأثبتهم برزق مستأنف [٥٥٣] على ما رآه وأسقط الباقين وأخرج من أمضاه وقرر رزقه إلى الجبل. فلمّا صاروا بطريق خراسان أجمع رأيهم على المضىّ إلى الأهواز فمضوا إلى أبى عبد الله البريدي فقبلهم وأضعف أرزاقهم وخاطبهم بالترثّى لهم ممّا جرى عليهم من ابن رائق والتعجب منه ووعدهم الإحسان التامّ. وأظهر للسلطان وابن رائق أنّه لم يكن به طاقة لمّا صاروا إليه أن يدفعهم وأنّه اضطرّ إلى قبولهم وجعلهم حجّة فى قطع ما كان ووقف على حمله واحتجّ بأنّهم اجتمعوا مع الجيش ومنعوه من حمل مال البلد وغلب على الأهواز والبصرة.
انقسام الدولة العبّاسيّة إلى دويلات
فصارت الدنيا فى أيدى المتغلّبين وصاروا ملوك الطوائف وكلّ من حصل فى يده بلد ملكه ومنع ماله.
فصارت واسط والبصرة والأهواز فى أيدى البريديين وفارس فى يد علىّ بن بويه وكرمان فى يد أبى علىّ ابن إلياس [١] وإصبهان والرىّ والجبل فى يد أبى علىّ الحسن بن بويه ويد وشمكير يتنازعونها بينهما والموصل وديار ربيعة وديار بكر فى أيدى بنى حمدان ومصر والشام فى يد محمّد بن طغج والمغرب وافريقية فى يد أبى تميم والأندلس فى يد الأموى وخراسان فى يد نصر بن أحمد واليمامة والبحرين وهجر فى يد أبى طاهر ابن أبى سعيد [٥٥٤] الجنّابى وطبرستان وجرجان فى يد الديلم، ولم يبق فى يد السلطان وابن رائق غير السواد والعراق.
ولمّا حصلت ديار مضر خالية قد خربت وضاق مالها عن كفاية السلطان
стр. 2564
خرج عنها بدر الخرشنى- وكان يتولّى الحرب بها- وعاد إلى الحضرة. فلمّا خلت من صاحب معونة، قصدها علىّ بن حمدان فغلب عليها. وزاد فى مرض أبى عبد الله الحسين بن علىّ النوبختي ما رآه من انتقاض كلّ ما كان نظمه وما تمّ عليه من الحيلة، فآل أمره إلى السلّ.
وفى هذه السنة انكشفت الوحشة بين محمّد بن رائق وبين البريديين ذكر السبب فى ذلك
اتفق أن وافى أبو طاهر القرمطى الكوفة فدخلها فى شهر ربيع الآخر من سنة خمس وعشرين. فخرج ابن رائق من بغداد ونزل فى بستان ابن أبى الشوارب بقنطرة الياسريّة وأنفذ أبا بكر ابن مقاتل برسالة إلى أبى طاهر الهجري. وكان أبو طاهر يطالب بأن يحمل إليه السلطان فى كلّ سنة مالا وطعاما بنحو مائة وعشرين ألف دينار ليقيم فى بلده. وبذل له ابن رائق بأن يجعل ما التمسه رزقا لأصحابه على أن يكسر لهم السلطان جريدة وينفق فيهم ويدخلوا فى الطاعة ويستخدموا. وجرت خطوب [٥٥٥] بينهما ومخاطبات انصرف معها أبو طاهر إلى بلده من حيث لم يتقرّر له أمر مع ابن رائق وبلغ ابن رائق إلى قصر ابن هبيرة ثمّ عاد منها إلى واسط وكاشف البريدي واستوزر أبا الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات.
ذكر السبب فى ذلك كان ظنّ ابن رائق أنّه إذا استوزر أبا الفتح جذب له الأموال من مصر والشام. فقدم أبو الفتح من الشام ولزم سليمان بن الحسن منزله وكان حمل
стр. 2565
إليه الخلع قبل وصوله إلى بغداد فوصلت إليه وهو بهيت [١] فلبسها. ثمّ دخل بغداد وأقرّ أبا القاسم الكلوذانى على ديوان السواد واستخلف بالحضرة أبا بكر عبد الله بن علىّ النفرى وهو زوج أخته وكتب السلطان فى استيزاره أبا الفتح كتابا نفذ إلى أصحاب الأطراف.
ولمّا بلغ ابن رائق ما خاطب البريدي به أهل البصرة قلق وتغيّر للكوفى واتّهمه وهمّ بالقبض عليه، فحامى عنه أبو بكر ابن مقاتل، ثمّ رأى أنّه يغالط ابن البريدي بكتاب إليه. فقال للكوفى أنّه بلغني أنّ صاحبك خاطب أهل البصرة بما أنا معرض عنه فإنّه ربّما وقع التزيّد فى مثله ولكن اكتب إليه:
- «إنّ الذي أنكرته قبولك الحجريّة. فأمّا إذا تردهم وإمّا أن تطردهم [٥٥٦] وإن استأذنوك فى ناحية يقصدونها فاضمم إليهم من رأيت من قوّادك وأنفذهم إلى الجبل وهذا العسكر الذي أنفذته إلى حصن مهدى، فأنا أعلم أنّه لمّا اتّصل ورود الهجري إلى الكوفة استظهرت بإنفاذه ليعين من فيها عليه إن احتيج إلى ذلك وقد استغنى الآن عنهم وفى مقامهم بالحصن مع الاستغناء عنهم تسليط الظنون السيّئة عليك وإيجاد أعداءك سبيلا إلى التضريب بيني وبينك.
- «وبلغني أنّك قد كنت أنفذت أبا جعفر محمّدا غلامك إلى السوس- وكان قد أنفذه على الحقيقة- وأمرته أن يقصد الطيب ويقيم بها إشفاقا من أن يلحقني وهن من القرامطة فإن احتيج إليه لحماية واسط كان قريبا وإنّى لمّا وافيت كاتبته بالانصراف فعاد إلى الأهواز، وهذا مشكور. فاعمل فى أمر إقبال ومن أنفذته إلى حصن مهدى كهذا العمل، ثمّ أنا لك على الوفاء.»
стр. 2566
فكتب الكوفي بهذا كلّه. فكان الجواب:
- «إن جيشه القديم متشبّثون بالحجريّة لأنّهم أقاربهم وبين القوم وصل ورحم وبلديّة ولا يمكن إخراجهم جملة واحدة ولكنّه على الأيّام يفرّق شملهم، وإنّ الأخبار تواترت بأنّ القرمطى لمّا انصرف عن الكوفة قصد البصرة واستجار به أهلها فأنفذ [٥٥٧] هذا العسكر إشفاقا عليها وأنّهم قد حصلوا بها.» وكان البريدي ساعة ورود الخبر عليه بنزول ابن رائق واسط أنفذ إلى من بحصن مهدى بدخول البصرة فدخلوها بعد أن أنفذ من الحجريّة قطعة وافرة لمعاضدتهم على دخولها. وأخرج محمّد بن يزداد تكان [١] الصغدي وتكين- وكانا تركيّين من شحنة البصرة- لحربهم فوقعت بينهم وقعة فى نهر الأمير انهزم بها الرائقيّة. ثمّ زاد محمّد بن يزداد فى عدّتهم بالإثبات [٢] وبغلمان نفسه. فكانت الوقعة الثانية بكسر أبان وبينها وبين الأبلّة فرسخ.
فانهزم الرائقيّة هزيمة ثانية ودخل إقبال وجيش البريدي البصرة.
وأمّا محمّد بن يزداد صاحب ابن رائق فإنّه فتح باب البصرة وهرب على طريق البرّ إلى الكوفة.
وأمّا تكان وتكين ورجال الماء من [٣] الرائقيّة فإنّهم اهتدوا فى زبازبهم إلى واسط.
وورد الخبر على ابن رائق بحصول إقبال غلام البريدي وأصحابه بالبصرة وجواب كتاب الكوفي فى أيّام متقاربة. فأنفذ رسولا إلى البريدي برسالة
стр. 2567
قسّمها بين إرغاب وإرهاب ووعد ووعيد فكان من جوابه:
- «إنّه لا يمكنه ردّ رجاله من البصرة، لأنّ أهلها قد أنسوا بهم واستوحشوا من قبيح [٥٥٨] ما عاملهم به ابن يزداد فى أيّامه لأنّ القرمطى طامع فى البلد وليس يأمن متى كاتبهم بالانصراف أن يدخل القرامطة إلى البصرة ضرورة، لئلّا تعود المعاملة بين أهلها وبين ابن يزداد بعد أن كاشفوه.» وقد كان لعمري أهل البصرة فى نهاية الاستيحاش من ابن رائق ومحمّد بن يزداد، فإنّ محمّد بن يزداد سار بهم سيرة سدوم وظلمهم فى معاملاتهم ظلما مفرطا وسامهم الخسف وكانوا قد اعتادوا العزّ وقدّروا بالبريدى خيرا ثمّ رأوا منه ومن أخويه ما ودّوا أنّهم أكلوا الخرشف والخرنوب وصبروا على محمّد بن رائق ومحمّد بن يزداد ومعاملته.
ولمّا عاد الرسول بالجواب كان ابن رائق قد استدعى بدرا الخرشنى وأكرمه وخلع عليه خلعا سلطانيّة وحمله. وترجّح الرأى فى تسيير الجيوش إلى الأهواز والبصرة ثمّ استقرّ الرأى على أن يقلّد بجكم الأهواز بعد حديث لبجكم فى ذلك مع ابن مقاتل سنذكره فيما بعد إن شاء الله. وخلع عليه ابن رائق لذلك وسيّره وبدرا الخرشنى إلى الأهواز وضمّ إليه ابن أبى عدنان الراسبي دليلا ومعينا وأنفذ حاجبه فاتكا وعبد العزيز الرائقى وأحمد بن نصر القشوري وبرغوثا وأمرهم أن يقيموا [٥٥٩] بالجامدة ويحصل جيش البريدي بين حلقتى البطان فبادر بجكم ولم يتوقّف على بدر الخرشنى ونفذ أمامه فوصل إلى السوس وأخرج البريدي محمّدا غلامه المعروف بأبى جعفر الجمّال فى عشرة آلاف رجل بأتمّ آلة وأكمل سلاح للحرب.
فوقعت الحرب بظاهر السوس ومع بجكم مائتان وتسعون غلاما من الأتراك فانهزم البريديّة يوم نزول بدر بالطيب.
وقال بجكم:
стр. 2568
- «إنّما بادرت وحملت على نفسي ما حملت ولاقيت هذه العدّة العظيمة بهذه العدّة اليسيرة لئلّا يشركني بدل فى الفتح.» وعاد ابو جعفر الجمّال إلى أبى عبد الله البريدي فصفعه بخفّة وقال:
- «انهزمت مع عشرة آلاف من بين يدي ثلاثمائة غلام.» فقال له:
- «أنت ظننت أنّك تحارب ياقوتا المدبر وجيشه المدابير. قد والله جاءك من لتّ [١] بجكم والأتراك خلاف ما عهدت من سودان باب عمان والمولّدين.» فقام إليه فلكمه بيده ثمّ قال له:
- «قد أنفذت أبا الخليل الديلمي ومن معى من العجم ومن كان يخلّف بالأهواز فى ثلاثة آلاف رجل إلى تستر فانفذ الساعة مع من صحبك إليها حتّى تجتمع معهم وتعاود الحرب.» فقال: «افعل وسنعود إليك هذه الكرّة بأخزى من الكرّة الأولى لأنّ [٥٦٠] هيبة بجكم قد تمكّنت فى نفوس أهل العسكر.» ونفذ للوقت فى ثلاثة آلاف رجل ووافى بجكم إلى نهر تستر فطرح نفسه وغلمانه أنفسهم فى الماء للعبور سباحة وكان الماء قليلا فانهزم القوم بغير حرب وعادوا إلى أبى عبد الله. فخرج فى الوقت مع أخويه وجلسوا فى طيّار ومعهم حديدي فيه ثلاثمائة ألف دينار كانت فى خزائنهم فغرقت بالنهروان وغرق الطيّار وأخرجهم الغوّاصون وأخرج لبجكم بعض المال. فقال أبو عبد الله:
- «ما نجونا والله من الغرق بصالح أعمالنا ولكن لصاعقة يريدها الله بهذه
стр. 2569
الدنيا.» فقال له أبو يوسف:
- «ويحك، ما تدع التنادر فى هذه الحال.» ثمّ وافوا البصرة ودخل بجكم الأهواز وكتب إلى ابن رائق بالفتح.
ولمّا وصل أبو عبد الله إلى الأبلّة ومعه أخواه أنفذ إقبالا غلامه إلى مطارا وأقام هو وأخواه فى طيّاراتهم وأعدّوا ثلاثة مراكب للهرب منها إلى عمان إن اتفق على إقبال بمطارا من الهزيمة مثل ما تمّ على أبى جعفر بالسوس.
وأخرج أبو عبد الله البريدي أبا الحسن ابن عبد السلام لمعاضدة إقبال، فانهزم الرائقيّة وأسر برغوث وحمل به إلى البريدي فأطلقه، وكتب إلى ابن رائق كتابا يستعطفه [٥٦١] فيه وأنفذه إليه مع برغوث ودخل البريون الثلاثة إلى الدور فنزلوها وسكنوا واطمأنّوا ولم يمكن بجكم أن يسير من الأهواز لخلوّ الأهواز من آلة الماء وشغب رجال بدر عليه فانصرف إلى واسط وملك بجكم الأهواز.
ولمّا عرف ابن رائق ما جرى على رجاله فى الماء أنفذ أبا العباس أحمد بن خاقان وجوامرد [١] الرائقى إلى المذار على الظهر لمحاربة البريدي وإخراج أصحابه وسيّر بدرا الخرشنى إلى البصرة فى الماء فى شذاءات مقيّرة بناها بواسط. فانهزم الرائقة من المذار وأسر أبو العبّاس ابن خاقان ورجع جوامرد إلى واسط وأحسن البريدي إلى ابن خاقان واستحلفه ألّا يعود لمحاربته ولا يشايع عليه وأطلقه.
واتّصل خبر هذه الهزيمة بابن رائق فسار بنفسه من واسط إلى البصرة على الظهر وكتب إلى بجكم أن يلحق به إلى عسكر أبى جعفر. فاتفق أن سار
стр. 2570
بدر الخرشنى فى الماء إلى نهر عمر ووافى إلى البصرة وملك شاطئ الكلّا [١] وحصل إقبال غلام البريدي فى حدود واسط لمّا عرف خروج ابن رائق عنها وبلغ ابن رائق ذلك فردّ فاتكا حاجبه إلى واسط ليحفظها.
ولمّا ملك بدر الخرشنى الكلّا هرب أبو عبد الله البريدي للوقت إلى جزيرة أوال [٢] وخرج من كان بالبصرة من الجند لدفع [٥٦٢] بدر وانضاف إليهم عالم عظيم من العامّة فاضطرّ بدر إلى الإفراج عن شاطئ الكلّا وحصل بالجزيرة التي بإزاءه واستتر أبو يوسف البريدي وركب أخوه أبو الحسين يحض الجند والعامّة ووافى بجكم إلى ابن رائق وهو فى عسكر أبى جعفر يوم ورود بدر لكلّا ولمّا كان وقت العصر عبر ابن رائق وبجكم دجلة البصرة ودخلا نهر دبيس وتبعهما أحمد بن نصر القشوري فرمى بالحجارة وغرق زبزبة واجتمع بدر وابن رائق وبجكم فى الجزيرة فشاهدوا أمرا عظيما وخطبا جليلا من العامّة وتكاثرهم عليهم. فقال بجكم لابن رائق:
- «ما الذي عملت بهؤلاء القوم حتّى قد أحوجتهم إلى ما خرجوا إليه؟» فقال:- «لا والله ما أدرى.» وانصرف بجكم وابن رائق إلى عسكر أبى جعفر ولمّا جنّ الليل وجاء المدّ انصرف بدر إليهما.
وبلغ إقبالا خبر بدر فى نفوذه فى الماء إلى البصرة من الجامدة ومخالفته إيّاه الطريق فكرّ راجعا ووافى فى اليوم الثاني وقت العصر إلى شاطئ الكلّا ونفذ إلى شاطئ الأبلّة وحال بين ابن رائق وبجكم وبدر وبين الابلّة وصارت الحرب فى دجلة وطالت المنازلة.
ونفذ أبو عبد الله البريدي من جزيرة أوال إلى فارس واستجار بعلىّ ابن
стр. 2571
بويه فأنفذ معه [٥٦٣] أخاه أبا الحسين أحمد بن بويه لفتح الأهواز.
وورد الخبر بذلك على ابن رائق وأصحابه فتقدّم ابن رائق إلى بجكم بالمبادرة إلى الأهواز لحمايتها فقال بجكم:
- «لست أحارب الديلم وأدفعهم عن الأهواز إلّا بعد أن تحصل لى أمارتها حربا وخراجا. وأنت تعلم أنّى ما صبرت لأبى العبّاس الخصيبى لمّا [١] قلّدته الأهواز حتّى صرفته أصبر لعلىّ بن خلف بن طناب أن يتحكّم فى بلد أحارب عنه؟» وكان علىّ بن خلف بالأهواز من قبل الوزير أبى الفتح فضمن ابن رائق بجكم الأهواز وكورها بمائة وثلاثين ألف دينار محمولة فى السنة على أن يوفى رجاله مالهم ويستوفى ما يخصّه وغلمانه، وأقطعه إقطاعا بخمسين ألف دينار. ولمّا كان بعد شهر أو دونه من نفوذ بجكم إلى الأهواز انصرف ابن رائق أيضا من عسكر أبى جعفر ومضى إلى الأهواز وأحرق ما بقي من سواده لاتفاق سيّئ اتّفق عليه.
ذكر اتّفاق سيّئ اتّفق على ابن رائق حتّى انهزم إلى الأهواز وأحرق سواده
كان طاهر الجبلي وافى إلى واسط مستأمنا إلى ابن رائق فلم يجده بها وقصده إلى عسكر أبى جعفر فتلقّاه فى طريقه كتاب ابنه وجاريته بحصولهما فى يد ابن البريدي، لأنّ أبا عبد الله كان [٥٦٤] بفارس فقبل ابنه وجمع بينه وبين الجارية فعبر بالليل فى مائتي رجل. وزعق بابن رائق وبدر الخرشنى ووازره جميع أصحاب البريدي من عسكر الماء. فأمّا بدر فإنّه انهزم إلى
стр. 2572
واسط. وأمّا ابن رائق فإنّه مضى إلى الأهواز وأكرمه بجكم وخدمه وأشير على بجكم بالقبض عليه فلم يفعل. وأقام أيّاما حتّى وافاه من واسط فاتك غلامه ثمّ سار إليها وخلّف بجكم بالأهواز.
وأمّا حديث بجكم مع ابن رائق الذي وعدنا به فهو ما حكاه ثابت ابن سنان عن والده سنان.
ذكر حكاية عن بجكم تدلّ على حصافة وبعد غور وكبر همّة
قال ثابت: حدّثنى والدي أنّ بجكم قال له بعد أن ملك الحضرة وأزال أمر ابن رائق فى عرض حديث جرى بينهما:
سبيل الملك إذا حزبه أمر من الأمور أن يكون جميع ما يملك من مال وغيره، أقلّ فى عينه من التراب، وأن تحذف جميعه كما حذفت هذه الحصاة فيما يقدر [١] به زوال ما قد أظلّه. فإنّ دولته إذا ثبتت أمكنه أن يستخلف أضعاف ما خرج عن يده وإن هو بخل وشحّت نفسه وتهيّب إخراج ما فى يده ذهب ما بخل به وذهبت معه نفسه.
أذكر وقد قلّدنى ابن رائق الأهواز ولم يكن ما فعله من ذلك برأى أبى بكر ابن [٥٦٥] مقاتل ولا شاوره فيه. فلمّا بلغ ابن مقاتل الخبر شقّ عليه ذلك جدّا وبادر إلى ابن رائق وقال له:
- «أىّ شيء عملت، قد عزمت على أن تقلّد بجكم الأهواز؟» قال ابن رائق:
- «نعم.»
стр. 2573
قال: «قد أخطأت على نفسك نهاية الخطأ. أنت لا تقوى ببني البريدي وهم كتّاب أصحاب دراريع، ولا يمكنك صرفهم ولا انتزاع المال من أيديهم.
تقلّد رجلا تركيّا صاحب سيف إنّما صحبك قريبا مثل الأهواز ما هو إلّا أن تحصل الأهواز فى يده ويرى جلالتها وحسنها وكثرة أموالها وما يحصل عنده من الجيش بها حتّى تحدّثه [١] نفسه بالتغلّب عليها. ثمّ لا يقتصر عليها حتّى يطمع فى غيرها وتنازعه نفسه إلى أن ينازعك أمرك ويزيلك عن موضعك ويصير هو مكانك ليأمن على ما حصل له ولا يكون له منازع عليه. وأنت الساعة على طمع فى أن تنتزع البلد من يد البريدي. فإن قلّدته بجكم فاحسم طمعك عنها وأخرجها من قلبك واصرف همّتك إلى حفظ- غيرها وليته [٢] ينحفظ- واحفظ مهجتك فقد عرّضتها للتلف.» ففتأ رأى ابن رائق وصرفه عمّا عزم عليه فى أمرى ولعمري لقد صدقه ونصحه وأشار بالرأى الصحيح. [٥٦٦] وبلغني ما جرى بينهما فقامت قيامتي منه ورأيت أنّه يفوتني ما حدّثت نفسي به من الملك فقلقت وشاورت محمّد بن ينال الترجمان فلم يكن عنده رأى. فأخذ يسلّينى ويقول لى:
- «أنت فى نعمة وراحة ومحلّك من هذا الملك محلّ الأخ.» فقلت له:
- «أنت أحمق، امض حتّى تعدّ سميريّة فى هذه الليلة المقبلة.» وعملت على قصد ابن مقاتل وعلمت أنّه تاجر عامّى صغير النفس وإنّ الدرهم ليعظم فى نفوس أمثاله. فلمّا كان الليل ونام الناس حملت معى عشرة آلاف دينار ونزلت إلى السميريّة وأخذت معى محمّد بن ينال وحده
стр. 2574
ولم آخذ [١] غلاما وصرت إلى بابه فوجدته مغلقا ودققت فخاطبني بوّابه من وراء الباب وأعلمنى أنّ الرجل نائم وأنّ الأبواب بيني وبينه مغلقة. فقلت له:
- «دقّ الباب وأنبهه، فإنّى حضرت فى مهمّ.» ففعل ودخلت إليه وقد انزعج عن فراشه لحضورى فى مثل ذلك الوقت فقال:
- «ما الخبر؟» فقلت: «خير وأمر أردت أن ألقيه إليك على خلوة، فانتظرت نوم الناس وخلوّ الطريق ولم آخذ معى غير الترجمان. ولولا أنّى أردته ليترجم بيني وبينك لما أحضرته ولا أطلعته على ما أخاطبك به.» قال: فقال:
- «قل ما تحبّ.» قلت: «قد علمت ما كان عزم عليه الأمير [٥٦٧] فى بابى من تقليدي الأهواز، وبلغني أنّه توقّف عن ذلك ولست أعرف سبب توقّفه وفى إبطاله ما عزم عليه بطلان جاهي بعد اشتهاره وغضّ منّى. ولا يشكّ أحد أنّه لسوء رأى وأنا صنيعتك وصنيعته وغرسكما وإن لم أحظ فى أيّامكما فمتى أحظى وأىّ مقدار يكون لى عند الناس. وهذه عشرة آلاف دينار قد حملتها إلى خزائنك، وأنا أعلم أنّه يقبل منك، وأريد أن تشير عليه بإمضاء ما كان عزم عليه.» فلمّا رأى الدنانير تخربق وقال:
- «دعني وانصرف فى حفظ الله.» فتركت الدنانير بحضرته وانصرفت وأنا واثق بحصول الأهواز لى. فلمّا
стр. 2575
كان بعد ثلاثة أيّام صار ابن مقاتل إلى ابن رائق فقال له:
- «أشرت بذلك الرأى على الهاجس وظاهر النظر. فلمّا تأمّلت الحال وجدت الصواب معك لأنّك إن تركت الأهواز فى يد ابن البريدي وأخوته بعد ما حصل لهم من الأموال ازداد كلّ يوم قوّة وطمعا ومدّوا أيديهم إلى غيرها من أعمالك وبلدانك ودبّ فسادهم إلى عسكرك بكثرة ما يبذل ويعطى ولا يبعد بعد ذلك منازعتهم لك على أمرك هذا. وإن خرجت إليهم بنفسك فهي حرب ولا تدرى كيف تكون، فإن كانت عليك لم تشدّ منها حزاما [١] أبدا، وإن وجّهت [٥٦٨] بغير بجكم استضعف وغلب وكسر ذلك قلوب أصحابك ولأن تصدمهم بمثل بجكم وهم لا يطمعون فى مقاومته أصلح. فإن حصل له البلد استأصل شافتهم. ثمّ أنت مالك أمرك: إن شئت أقررته وإن شئت صرفته قبل أن يتمكّن وقبل أن يجتمع أمره ويحدّث نفسه بشيء تكرهه [٢] فاستخر الله وامض أمره.» فقبل رأيه وأمضى أمرى وقلّدنى ولم أستقلّ ولاية الأهواز بذلك المال، وباع ابن مقاتل روحه وروح صاحبه ونعمته بعشرة آلاف دينار واستخلفت أنا مكان الدنانير أضعافها وحصل لى ملك ابن رائق.
شرح حال أبى الحسين أحمد بن بويه وأبى عبد الله البريدي فى قصدهم الأهواز لمحاربة بجكم وذلك فى سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة ودخلت سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة
قد ذكرنا حال أبى عبد الله البريدي وقصده علىّ بن بويه وأنّه تقدّم إلى
стр. 2576
أخيه أحمد بن بويه بالمسير إلى الأهواز معه. وخلّف أبو عبد الله البريدي عند علىّ بن بويه ابنيه أبا الحسن محمّدا [١] وأبا جعفر الفيّاض رهينة وسار مع الأمير أبى الحسين أحمد بن بويه إلى الأهواز.
وورد الخبر على بجكم بنزول أحمد بن بويه أرجان. فخرج بجكم لحربه فانهزم من بين يديه وكان أوكد [٥٦٩] الأسباب فى هزيمته أنّ المطر اتّصل أيّاما كثيرة فعطّلت القسىّ [٢] . ومنع الأتراك أن يرموهم بالنشّاب. فعاد بجكم وأقام بالأهواز وقطع قنطرة أربق وأنفذ محمّد بن ينال الترجمان إلى عسكر مكرم ووقعت النازلة بينه وبين محمّد بن ينال الترجمان ثلاثة عشر يوما.
ثمّ عبر أحمد بن بويه بخمسة من الخاصّة فى سميريّة إلى مشرعة يعرف بمشرعة الحناس [٣] فهزموا من كان رتّب فيها وما زال يعبر بقوم بعد قوم حتّى حصل ثلاثمائة رجل فى الجانب الغربي. ثمّ ضربوا بالبوق واشتملوا [٤] فانهزم الترجمان وأخذ إلى تستر، وبلغ الخبر بجكم فعبر دجلة الأهواز وقبض على الوجوه بها وفيهم ابن أبى علّان وأبو زكريّا السوسي. وحمل الجميع معه والتقى مع الترجمان بالسوس وسار بجميع عسكره إلى واسط.
ولمّا حصل بالطيب كتب إلى ابن رائق بالخبر وأنّه قد حرب هو ورجاله فلم يبق لهم حال وأنّ الرجال سيطاولونه وإن كان عنده مائتا ألف دينار ينفقها فيهم فإنّهم فقراء، فالوجه أن يقيم وإن كانت متعذّرة فالصواب أن يصعد إلى بغداد فإنّه لا يأمن أن يقع شغب ولا يدرى عن أىّ شيء ينكشف.
فرهب ابن رائق هذه الحال وبادر وخرج إلى [٥٧٠] بغداد بعسكره ودخل
стр. 2577
بجكم وأصحابه واسطا وأقاموا بها واعتقل الأهوازيين وطالبهم بخمسين ألف دينار.
فقال أبو زكريا يحيى بن سعيد: «أردت أن أسبر ما فى نفسه من طلب العراق فراسلته وقلت له:
- «أيّها الأمير أنت مطالب بملك ومرشّح نفسك لخدمة الخلافة تعتقل قوما منكوبين قد سلبوا نعمهم وتطالبهم بمال فى بلد غربة وتأمر بتعذيبهم حتّى جعل فى أمسنا طشت فيه جمر على بطن سهل بن نظير الجهبذ. أولا تعلم أنّ هذا إذا سمع به أوحش منك وحاربك وعاداك من لا يعرفك ولا يسمع بخبرك فضلا عمّن تحقّق فعلك هذا؟ أو ما تذكر إنكارك على الأمير ابن رائق بالأمس إيحاشه أهل البصرة وعوامّ بغداد أضعافهم؟ وقد حملت نفسك فى أمرنا على مثل ما كان يعمله مرداويج بأهل الجبل. وهذه بغداد ودار الخلافة لا الرىّ وإصبهان ولا تحتمل هذه الأخلاق.» فلمّا سمع ذلك انحلّ وبعث فحلّ [١] القيود وأزال المطالبة. ثمّ شفّع ابن رائق وابن مقاتل والكوفىّ فى يحيى بن سعيد السوسي، فأطلقه واختصّه لعقله ولما تبيّنه من نفاقه على كلّ أحد وشفّع يحيى بن سعيد فى الباقين وكفّل بهم فأطلقهم. ولمّا عرف علىّ بن بويه حصول [٥٧١] طاهر الجيلي بالبصرة وفى نفسه عليه ما كان عامله به بأرجان، كتب إلى أخيه أبى الحسين أن يطالب أبا عبد الله البريدي به ويقبض عليه ففعل ذلك وأنفذ إلى فارس ولمّا انهزم الترجمان عبر أحمد بن بويه إلى غربىّ عسكر مكرم وجلس على شاطئ المسرقان ومعه أبو عبد الله البريدي حتّى عقد الجسر الأعلى بها وعبر بباقي رجاله من غد وعاد إليه جواسيسه من سوق الأهواز
стр. 2578
وعرّفوه أنّه لم يبق بها أحد.
ونزل البريدي دارا على شاطئ نهر المسرقان ووافاه أهل الأهواز بأجمعهم مهنّئين وداعين وكان يحمّ الربع، وفيمن حضره يوحنّا الطبيب وكان متقدّما فى صناعته.
فقال له أبو عبد الله البريدي:
- «أما ترى يا أبا زكريا حالي؟» فقال له:
- «خلّط- يعنى فى المأكول- لترمى بالأخلاط.» فقال له:
- «أكثر بما خلّطت يا أبا زكريا، قد أرهجت ما بين فارس والحضرة فإن أقنعك ذلك وإلّا ملت إلى الجانب الآخر وأرهجت إلى خراسان.» ولمّا كان فى اليوم الخامس رحل أحمد بن بويه إلى الأهواز وخلّف بعسكر مكرم ثلاثة من القوّاد فأقام أبو عبد الله معه خمسة وثلاثين يوما ثمّ هرب منه فى الماء إلى الباسيان وأقام بها وكاتبه بعتب كثير وتصرّف [٥٧٢] فى ضروب من القول إقامة لحجّة نفسه فيما استعمله ولم يكره المقام عنده لضيق المال فإنّه كان سلّم إلى أبى علىّ العارض ضمانات وخطوطا فصحّ [١] فى شهرين بخمسة آلاف ألف درهم وصحّ منها إلى يوم هربه صدر كثير.
ذكر السبب فى هرب البريدي
كان طولب بإحضار عسكره من البصرة على أن ينفذهم إلى إصبهان لمضامّة الأمير أبى علىّ الحسن بن بويه على حرب وشمكير فوافى بأربعة
стр. 2579
آلاف رجل وقال للأمير أبى الحسن أحمد بن بويه:
- «إن أقاموا بالأهواز وقعت فتنة عظيمة بينهم وبين الديلم. والرأى أن يخرجوا إلى السوس مع محمّد المعروف بالجمال، حاجبي وأسبّب بمالهم عليها وعلى جنديسابور حتّى يقبضوا وينفذوا على طريق البنيان [١] إلى إصبهان.» فأجابه إلى ذلك ثمّ طالبه أن يحضر رجال الماء إلى حصن مهدى حتّى يشاهدهم فإذا عاينهم سيّرهم فى الماء إلى واسط وسار أحمد بن بويه بالديلم على طريق السوس إليها فاستوحش البريدي من ذلك استيحاشا شديدا وظنّ أنّه إنّما يريد أن يفرّق بينه وبين عسكره وقال:
- «هكذا عملت بياقوت فإنّى أخذت رجاله ثمّ أهلكته. فلو لم أتعلّم إلّا من نفسي لكفانى استبصارى والله المستعان.» [٥٧٣] وكان الديلم أيضا يستخفّون به ويشتمونه إذا ركب ويزعجونه من فراشه وهو محموم وتلقّى منهم ما لم تجر عادته بمثله. وكانت الكرامة متوفّرة عليه من الأمير أبى الحسين ومن أبى علىّ العارض. فأمّا الباقون فكانوا يهينونه إهانة عظيمة.
ولمّا أراد الهرب قدّم كتابه فى صبيحة الليلة التي خرج فيها وعرّف أبا جعفر الجمّال غلامه ما عزم عليه وأمره أن يسير إلى الباسيان ومنها إلى نهر تيرى ثمّ إلى الباذاورد والبصرة وتمّ ذلك على ما نظمه، وحصل جيشه بالبصرة موفورين. واتّصلت المراسلات بينه وبين أحمد بن بويه فى الإفراج عن قصبة الأهواز حتّى يردّها ويقوم بما عقده للأمير علىّ بن بويه على نفسه من ضمان الأهواز والبصرة وهي ثمانية عشر ألف ألف درهم لسنة
стр. 2580
خراجية ولإشفاق الأمير أحمد بن بويه من إنكار أخيه علىّ بن بويه هرب البريدي استجاب إلى حكمه.
وانتقل إلى عسكر مكرم وأقام بها فى ظاهر داراباذ [١] وكتب إلى البريدي كتابا أنّه قد أخلى الأهواز. فانتقل البريدي من الباسيان إلى بناتاذر وأنفذ إلى سوق الأهواز من يخلفه بها. وكتب إلى الأمير أنّ نفسه لا تسكن إلى أن تقيم فى بلد على ثمانية فراسخ منه. لأنّه لا يأمن [٥٧٤] كبسه ليلا وسامه أن ينتقل إلى السوس فتبعد الدار بينهما. فترسّل فى ذلك القاضي أبو القاسم التنوخي وأبو علىّ العارض واستقرّت الحال على أن يحمل البريدي ثلاثين ألف دينار إليه لينهضه. فردّ غلامي هذين الرسولين مع غلام له بأربعة عشر ألف دينار وكتب بأنّه يوفيه تتمة الثلاثين الألف الدينار بالسوس فاجتمع دلّان وكان كاتب جيش الأمير أحمد بن بويه وأبو جعفر الصيمري وكان تابعا لدلّان وأبو الحسن المافرّوخى وكان يتولّى عسكر مكرم للأمير ويجزف ويأخذ المال من حيث لاح له، فقالوا للأمير أبى الحسين:
- «قد سلك معك البريدي طرقه مع ياقوت وأخذ يبعدك إلى السوس ويضايقك حتّى يفلّ الرجال عنك ثمّ يأخذ المعابر إلى نفسه- وبين الأهواز وبين عسكر مكرم وتستر وبين السوس دجلة- ويحتال فى تحصيلك إن استوى له.» فاقشعرّ الأمير أبو الحسين من ذلك وامتنع أن يخرج من عسكر مكرم وقال:
- «هي على سمت الطريق إلى فارس ولست أبعد عن الأمير الكبير هذا البعد حتّى يقطع بيني وبينه دجلة أوّلا ثمّ المسرقان.»
стр. 2581
وعرف البريدي ذلك فمنع العارض والتنوخي من الرجوع [٥٧٥] واستحكمت الوحشة.
واتّصل ذلك ببجكم فأنفذ قائدا من قوّاده يقال له: بالبا، فى ألفى رجل من الأكراد والأعراب والحشر والإثبات والمولّدين إلى السوس وجنديسابور للغلبة عليها وكاتبا يعرف بالفيّاضى وأقام البريدي ببناتاذر غالبا على أسافل الأهواز وتغلّب المخلديّة على تستر وبقي الأمير أحمد بن بويه لا يملك من كور الأهواز إلّا عسكر مكرم قصبها دون ما سواها فإنّ أبا محمّد المهلّبى- وكان فى هذا الوقت وكيل أبى زكريّا السوسي- قطع المعابر وغلب على الحميديّة والمسكول [١] وقتل عاملا كان هناك بيد الأعراب والرجّالة الذين أثبتهم. فكانت الصورة فيما دهم أحمد بن بويه غليظة جدّا واضطرب رجاله وفارقوه بأجمعهم وعملوا على الرجوع إلى فارس فعاضده اسفهدوست وموسى فياذه حتّى تلافوهم وردّوهم وضمنوا لهم أن يرضوهم بعد شهر.
وكتب أحمد ابن بويه إلى أخيه بالصورة فأنفذ قائدا من قوّاده كان ساربان حماله [٢] عظيم المحلّ من أهل البأس والنجدة ثقة عنده يعرف ببلّ فى ثلاثمائة رجل من الديلم ومعه خمسمائة ألف [درهم] ووافى معه كوردفير لأنّ الأمير أبا الحسين استدعاه لأنّه كان وزيره بكرمان [٥٧٦] فلمّا حصل عنده كوردفير استكتبه للوقت وخلع عليه وأبو علىّ العارض معتقل ببناتاذر فى يد البريدي واتّهمه بمطابقة البريدي على جميع ما عمله أوّلا وآخرا وكان الأمير مبغضا له وإنّما ضمّه إليه أخوه الأمير علىّ بن بويه لأنّه كان شاهده وزيرا لما كان الديلمي وكان كبيرا فى نفسه وكان بجكم مملوكا له فطلبه منه ما كان فأهداه إليه.
стр. 2582
وتقرّر الرأى أن ينفذ بلّ إلى السوس فى خمسمائة رجل ومعه أبو جعفر الصيمري عاملا عليها وينفذ موسى فياذه إلى بناتاذر فى ثلاثمائة رجل.
فهرب بالبا لمّا سمع خبر بلّ وهرب البريدي إلى البصرة وسار موسى فياذه إلى حصن مهدى فملكها وكانت من أعمال البصرة وصارت الأسافل وراءه ودخل الأمير سوق الأهواز فنزل دار أبى عبد الله البريدي وانتظمت له الأمور وحصل البريدي بالبصرة واستقامت لهم واستقرّ بجكم بواسط ينازع الملك ببغداد وجمع ابن رائق أطرافه وأقام بها.
ولمّا رأى الوزير أبو الفتح اضطراب الأمور بالحضرة وما تؤذن به أحوالها أطمع ابن رائق فى أن يحمل إليه الأموال من مصر والشام ويمدّه بها [٥٧٧] وعرّفه أنّ ذلك لا يتمّ له مع بعده عنها وواقفه على الشخوص وعقد بينه وبينه صهرا بأن زوّج ابنه أبا القاسم بابنة ابن رائق وعقد بين ابن رائق وابن طغج صهرا وخرج مبادرا إلى الشام على طريق الفرات.
وقلّد أبو بكر ابن رائق علىّ بن خلف بن طناب أعمال الخراج والضياع بكور الأهواز وواقفه [١] على النفوذ إلى عمله وأن يبتدئ بأبى الحسين بجكم ويلطف له حتّى ينفذ معه لمحاربة الأمير أبى الحسين أحمد بن بويه ودفعه عن الأهواز وأن يواقفه [٢] على أن يكون عدّته خمسة آلاف رجل على أن يكون ماله ومال رجاله- إن أقام بواسط ولم ينفذ إلى الأهواز- ثمانمائة ألف دينار فى السنة يأخذها من مال واسط وإن نفذ إلى الأهواز وفتحها، ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار فى السنة يأخذها من مال الأهواز.
ولمّا وصل علىّ بن خلف إلى واسط ولقى بجكم، رأى بجكم أن يستكتبه ورأى علىّ بن خلف أن يكتب له. فخلع عليه وأقام عنده بواسط وأخذ جميع
стр. 2583
مالها. وسفّر أبو جعفر محمّد بن يحيى بن شيرزاد فى الصلح بين ابن رائق وبنى البريدي فتمّ ذلك وأخذ ابن رائق خطّ الراضي بالله للبريديين بالرضا عنهم [٥٧٨] وقطعت لهم الخلعة على أن يقيموا الدعوة لابن رائق بالبصرة ويجتهدوا فى فتح الأهواز وضمنوا حمل ثلاثين ألف دينار وأطلقت ضياعهم وكتب عن الراضي فى هذا المعنى كتاب.
وورد الخبر بمسير جيش البريدي إلى واسط. فخرج إليه بجكم وأوقع بناحية الدرمكان [١] به وهزمه فجلس ابن رائق ببغداد فى داره للتهنئة بذلك وأقام بجكم بموضعه مدّة ثمّ بالمدار مدّة ثمّ عاد إلى واسط.
وكانت نيّة بجكم إذلال البريديين وقطعهم عن ابن رائق ونفسه متعلّقة بالحضرة فأنفذ ثانى يوم الهزيمة علىّ بن يعقوب كاتب الترجمان المتولّى للعرض عليه إلى البريدي يعتذر إليه ممّا جرى ويقول:
- «أنت بدأت بمراسلة ابن رائق وتعرّضت لى وهذه كرّتك الثانية فإنّك حملت الديلم إلى الأهواز وأعقبت ذلك بمراسلة ابن رائق وبذلت له مضافرته علىّ وقد عفوت وأنا أعاهدك وأعاهدك على أن أقلّدك واسطا إذا ملكت الحضرة.» وجرى فى أثناء ذلك قول فى المصاهرة. قال علىّ بن يعقوب:
- «فرأيت أبا عبد الله البريدي وقد سجد شكرا لله تعالى لبجكم على ما ابتدأه به ثمّ استجاب لكلّ ما أراده منه ولما سمته إيّاه.» [٥٧٩] وأحضر القاضيين أبا القاسم التنوخي وأبا القاسم ابن عبد الواحد وحلف بحضرتهما وأشهد على نفسه فى خطّ كتبه بالوفاء بجميع ما عقدته معه وبرّنى بثلاثة آلاف دينار وقال لى:
стр. 2584
- «سأحمل إليه وألاطفه حتّى يعلم أنّى أصلح لخدمته.» وعدت إلى بجكم وخبّرته بما جرى فقال لى:
- «يا أبا القاسم كلوتته على رأسه.» فقلت: «أيّها الأمير ما معنى هذا وكيف سألتنى عنها؟» فقال لى:
- «إنّى كنت رأيتها فعرّفنى.» قلت: «نعم قد رأيتها.» فقال: «يا أبا القاسم هي على رأس شيطان لا على رأس بشر.» فقلت: «أيّها الأمير أنت ما رأيته فكيف قلت هذا؟» قال: «بلى رأيته يوم وقعتنا بأرجان وقد تعمّم على كلوتته وعزمت على أن أفوّت [١] إليه سهما ففطن لما أردته وإنّما لمح طرفي من بعيد فنزع العمامة. والكلوتة وجعلها على رأس غيره وتنحّى هو وأقامه مقامه.» فقلت: «ذلك المسكين بلا ذنب وأفلت هو لعنه الله فإنّه كاذب فى جميع ما قاله وحلف عليه ولكن نقبل ذلك منه لحاجتنا إلى قبوله.» وانصرف بجكم إلى واسط وأخذ فى التدبير على ابن رائق.
وفى هذه السنة قطعت يد أبى علىّ ابن مقلة ثمّ لسانه
ذكر السبب فى ذلك [٥٨٠]
كان ابن رائق لمّا صار إليه تدبير المملكة قبض ضياع أبى علىّ ابن مقلة وابنه. فلمّا صار إلى الحضرة لقيه أبو علىّ ابن مقلة ولقى أبا عبد الله الحسين ابن علىّ النوبختي ثمّ بعده أبا عبد الله الكوفي وأبا بكر ابن مقاتل فاستحيوا
стр. 2585
منه وتذلّل للجماعة وسأل ردّ الضيعة المقبوضة عليه فوعده بذلك ومطل مطلا ومتّصلا. فلمّا رأى أبو علىّ المطل متّصلا وللوفاء لا يصحّ، أخذ فى السعى على ابن رائق من كلّ جهة. فكتب إلى بجكم يطمعه فى الحضرة وفى موضع ابن رائق وكتب بمثل ذلك إلى وشمكير بالرىّ وكتب إلى الراضي بالله يشير عليه بالقبض على ابن رائق وأسبابه ويضمن أنّه متى فعل ذلك استخرج له ثلاثة آلاف ألف دينار ويصحّحها وأشار باستدعاء بجكم ونصبه مكان ابن رائق فإنّه أكثر طاعة وكانت مكاتبته للراضى على يد علىّ بن هارون ابن المنجّم النديم فأطمعه الراضي فى ذلك فكتب ابن مقلة إلى بجكم يعرّفه أنّ الراضي قد استجاب إلى أمره وأنّ الأمر تامّ ويستحثّه على التعجّل.
فلمّا توثّق ابن مقلة عند نفسه من الراضي واقفه على أن ينحدر إليه سرّا ويقيم عنده إلى أن يتمّ التدبير على ابن رائق.
فركب من داره فى سوق العطش فى [٥٨١] سميريّة وعليه طيلسان وخفّ وصار إلى الأزج بباب البستان وركب السميريّة ليلة الإثنين لليلة تبقى من شهر رمضان وإنّما تعمّد تلك الليلة لأنّ القمر تحت الشعاع وهو يختار للأمور المستورة.
فلمّا وصل إلى دار السلطان لم يوصله الراضي إليه واعتقله فى حجرة ووجّه من غد بابن سنجلا إلى ابن رائق وأخبره بما جرى وأنّه احتال على ابن مقلة حتّى حصله عنده وما زال المراسلات تتردّد بين الراضي وبين أبى بكر ابن رائق.
فلمّا كان يوم الخميس لأربع عشرة خلت من شوّال أظهر الراضي بالله أمر ابن مقلة وأخرجه وحضر فاتك حاجب ابن رائق وجماعة من القوّاد فقطعت يده اليمنى وردّ إلى محبسه وانصرف فاتك إلى ابن رائق فأخبره بما شاهد من قطع يد ابن مقلة.
стр. 2586
قال ثابت: فلمّا كان فى آخر هذا اليوم استدعاني الراضي وأمرنى بالدخول إليه وعلاجه. فصرت إليه فوجدته فى حجرة مقفلة عليه ففتح الخادم الباب فدخلت فرأيته بحال صعبة فدمعت عينه حين رآني ووجدت ساعده قد ورم ورما عظيما وعلى موضع القطع خرقة غليظة كردوانى كحلية [١] مشدودة بخيط قنب. فحللت [٥٨٢] الشدّ ونحيت الخرقة فوجدت تحتها على موضع القطع سرجين الدوابّ فنفضته عنه وإذا رأس الساعد أسفل القطع مشدود بخيط قنب قد غاص فى ذراعه لشدّة الورم وابتدأ ساعده يسودّ. فعرّفته أنّ سبيل الخيط أن يحلّ ويجعل موضع السرجين كافور ويطلى ذراعه بالصندل وماء الورد [٢] والكافور قال:
- «فافعل.» فقال الخادم الذي دخل معه:
- «حتّى استأذن مولانا.» ومضى يستأذن ثمّ خرج ومعه مخزنة كافور وقال لى:
- «قد أذن مولانا أن تعمل ما ترى وأن ترفق به وتقدّم العناية به وتلزمه إلى أن يهب الله عافيته.» فحللت الخيط وفرّغت المخزنة فى موضع القطع وطليت ساعده فعاش واستراح وسكن الضربان ولم أفارقه حتّى اغتدى بشيء يسير من فروّج ثمّ حلف أنّه ليس يسوغ له شيء آخر وشرب ماء باردا فرجعت إليه نفسه وانصرفت.
ثمّ تردّدت إليه أيّاما كثيرة إلى أن عوفي. وكنت إذا دخلت إليه يسألنى عن خبر ابنه أبى الحسين فأعرّفه استتاره وسلامته فتطيب نفسه ثمّ ينوح
стр. 2587
ويبكى على يده ويقول:
- «قد خدمت بها الخلافة ثلاث دفعات لثلاثة من الخلفاء وكتبت بها القرآن [٥٨٣] دفعتين تقطع كما تقطع أيدى اللصوص أتذكر وأنت تقول لى:
أنت فى آخر نكبة وإنّ الفرج قريب؟» فقلت: «بلى والآن ينبغي أن تتوقّع الفرج فإنّه قد عمل بك ما لم يعمل بنظير لك وهذا انتهاء المكروه وما بعد الانتهاء إلّا الانحطاط.» فقال: «لا تفعل، فإنّ المحنة قد يتشبّث بى كما تشبّثت [١] حمّى الدّقّ بالأعضاء فلا تفارقني حتّى تؤدّينى إلى الموت.» ثمّ تمثّل بهذا البيت:
- «إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فبعض الشيء من بعض قريب»
فكان الأمر على ما قال.
ومن عجائبه أنّه كان يراسل الراضي من الحبس بعد قطع يده ويطمعه فى المال ويشير بأن يستوزره ويقول:
- «إنّ قطع يده ليس ممّا يمنع من استيزاره لأنّه يمكنه أن يحتال ويكتب.» وكانت تخرج له رقاع بعد قطع يده وقبل التضييق عليه. فيقال: إنّه كان يشدّ القلم على ساعده الأيمن ويكتب به.
ولمّا قرب بجكم من بغداد نقل من ذلك الموضع إلى موضع أغمض منه.
فلم يوقف له على خبر ومنعت من الدخول إليه.
стр. 2588
ثمّ قطع لسانه وبقي مدّة طويلة فى الحبس. ثمّ لحقه [٥٨٤] ذرب ولم يكن له من يعالجه ولا من يخدمه حتّى بلغني أنّه كان يستسقى الماء لنفسه من البئر بيده اليسرى وفمه. ولحقه شقاء شديد إلى أن مات ودفن فى دار السلطان ثمّ سأل بعد مدّة أهله فنبش وسلّم إليهم.
وفى هذه السنة دخل بجكم العراق أعنى بغداد ولقى الخليفة وقلّده أمرة الأمراء مكان محمّد ابن رائق ذكر الخبر عن ذلك
ابتدأ بجكم بالمسير من واسط إلى الحضرة مراغما لابن رائق فأزال اسمه ومحى أعلامه وتراسه وترك الانتساب إليه وذاك أنّه كان يكتب عليها:
- «بجكم الرائقى.» وأخذ ابن رائق يستعدّ للقائه وقتاله وعمل على أن يتحصّن فى دار السلطان. ثمّ رأى أن يبرز إلى ديالى وفتح من النهروان إليه بثقا ليكثر ماؤه فلا يخيض [١] وقطع الجسر عليه ليصير خندقا.
وطالب ابن رائق الراضي أن يكتب إلى بجكم كتابا يأمره فيه بالرجوع إلى واسط. فكتب وسلّم إلى ابن رائق فأنفذه مع ابن سرخاب إليه أحد خلفاء الحجّاب. فقرأه ولم يلتفت إليه. وسار إلى بغداد ووافى بجكم وجيشه إلى نهر ديالى وعبر بعض أصحابه سباحة. فانهزم ابن رائق وصار إلى عكبرا وتقطع أصحابه واستتر أبو عبد الله أحمد بن علىّ الكوفي وأبو بكر بن مقاتل [٥٨٥] ودخل بجكم يوم الإثنين لاثنى عشرة ليلة خلت من ذى القعدة.
ووصل إلى الراضي بالله فأكرمه ورفع منه وخلع عليه وسار بالخلع إلى
стр. 2589
مضربه بديالى فأقام فيه يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء وأنفذ سرّية فى طلب ابن رائق وكاتب الجيش الذي معه عن الراضي بالتخلية عنه والوصول إلى حضرة السلطان فانفضّ الجيش عنه ورجع ابن رائق إلى بغداد سرّا واستتر بها.
فلمّا كان يوم الخميس للنصف من ذى القعدة خلع الراضي على بجكم خلعة ثانية وانصرف إلى دار مونس بسوق الثلاثاء وهي التي كان ينزلها ابن رائق. فلمّا كان يوم الخميس لثمان بقين من ذى القعدة خلع الراضي على بجكم خلعة ثلاثة وعقد له لواء وجعله أمير الأمراء فكان مدّة إمارة ابن رائق سنة واحدة وعشرة أشهر وكسر.
ولمّا كان يوم الجمعة لسبع بقين من ذى القعدة أنفذ الراضي إلى بجكم خلع منادمة وكنّاه وأنفذ إليه مع الخلع شرابا وطيبا وتحيّات وتمّت له الرئاسة.
تمّت المجلّدة الخامسة من كتاب تجارب الأمم ويتلوها فى المجلّدة السادسة حكاية عن بجكم تدلّ على دهاء ونكر والحمد لله وصلّى الله على محمّد النبي وآله الطيبين الطاهرين أجمعين.
فرغ من انتساخه محمّد بن علىّ أبو طاهر البلخي فى المحرّم سنة ستّ وخمسمائة [١] .
стр. 2590
[المجلد السادس]
[تتمة العصر العباسي]
[تتمة خلافة الراضي بالله]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله العدل
حكاية عن بجكم تدلّ على دهاء وفكر
حكى أبو زكريّا يحيى بن سعيد السوسي قال: لمّا ترسّلت بين بجكم وبين ابن رائق أشرت على بجكم بأن لا يكاشف ابن رائق فسألنى عن السبب الذي من أجله أشرت عليه بذلك فقلت:
- «لأنّ بغداد فى يده والخليفة معه والرئاسة ولأنّ الجيش معه كثير والأعمال والأموال فى يده والمال فى يدك قليل وعدّة من معك يسير.» فقال لى:
- «أمّا كثرة رجاله فهم جوز فارغ قد خبرتهم وعرفتهم [١] وما أبالى كثروا أم قلّوا وكون الخليفة معه لا يضرّنى عند أصحابى. فأمّا ما توهّمته من قلّة المال معى فليس الأمر فيه كما ظننته وقد وفيت أصحابى استحقاقاتهم وما لأحد علىّ منهم مطالبة وفى صناديقى معى مال يستظهر به، فكم تظنّ مبلغه؟» قلت: «لا أدرى.» فقال: «على كلّ حال.»
стр. 2591
فقلت: «مائة ألف درهم.» فقال: «غفر الله لك معى خمسون ألف دينار لا أحتاج إليها.» قال: فقلت له:
- «أنت أعلم وما تختار.» قال: فلمّا هرب ابن رائق وملك بجكم قال لى يوما:
- «أتذكر وقد قلت لك إنّ المال معى كثير وظننت أنّه [٣] مائة ألف درهم فعرّفتك أنّه خمسون ألف دينار؟» فقلت: «نعم.» قال: «أفتدري كم كان بالحقيقة معى؟» قلت: «لا.» قال: «خمسين ألف درهم.» قلت: «هذا يدلّ على أنك لم تثق بى ولم تصدقني.» قال: «لا ولكنّك صاحبي ورسولي فكرهت أن تعلم صحته فى القلّة فيضعف قلبك وإذا ضعف قلبك ضعف كلامك فيطمع ذلك فىّ خصمي وأردت أن تمضى إليه بقلب قوىّ فتخاطبه بما ينخب قلبه ويضعف نفسه.» وفى هذه السنة تغلّب اللشكرى [١] بن مردى على أذربيجان وهذا غير اللشكرى الذي تقدّم خبره، وكان أوجه من ذاك وأكبر مرتبة وكان من أصحاب وشمكير وخليفته على أعمال الجبل. فجمع مالا كثيرا ورجلا وخلّف صاحبه وسار إلى أذربيجان ليستولى عليها. وكان بها يومئذ ديسم بن إبراهيم فجمع ديسم عسكرا كثيرا من الأكراد وأصناف أخر وأحرز سواده فى بعض الجهات وأقبل إلى اللشكرى فواقعه دفعتين فى مدّة شهرين وانهزم
стр. 2592
ديسم فيهما جميعا.
واستولى اللشكرى على بلاده إلّا أردبيل فإنّ أهلها أجلاد ولهم بأس شديد وهم حملة سلاح ومدينتهم محصّنة بسور وهي قصبة أذربيجان ودار المملكة. فراسلهم [٤] اللشكرى ورفق بهم ووعدهم الإحسان فأبوا عليه لما كان عندهم من أخبار الجيل ومعاملتهم أهل همذان وغيرها بأنواع الألم.
فحاصرهم اللشكرى وطالت الحرب بينه وبينهم إلى أن تمكّن طائفة من أصحابه يوما من السور فصعدوه ونقبوا أيضا عدّة نقوب فيه وفتحوا الباب وتمكّنوا من الدخول وأدركهم الليل.
ذكر إضاعة حزم من اللشكرى بعد هذه الحال حتّى هرب وقتل أكثر أصحابه
إنّ اللشكرى لمّا تمكّن من أردبيل سكنت نفسه إلى الظفر وأشفق أن ينتهب البلد وتذهب الأموال عن يده وعن أيدى أصحابها. فرأى أن ينصرف إلى معسكره وكان على ميل من البلد فيبيت ثمّ يصبح فيدخل المدينة نهارا.
فلمّا فعل ذلك بادر أهل المدينة إلى سدّ تلك الثلم وإحكامها وأغلقوا الأبواب وعاودوا الحرب، فتحيّر اللشكرى وعلم أنّه فرط حين لم يدخل المدينة ليلا أو يوكّل بالثلم من يحفظها. وأقبل قوّاده عليه يلومونه ويستعجزونه فلم يكن عنده إلّا الاعتراف بالخطإ.
وبادر أهل المدينة برسلهم إلى ديسم يعرّفونه الصورة ويشيرون عليه بالمبادرة فى يوم يعيّنه حتّى يخرجوا لمحاربته ويكبّ [١] [٥] ديسم من ورائه فتمّت لهم الحيلة وأقبل ديسم فى ذلك اليوم بجموع كثيرة من الصعاليك
стр. 2593
والأكراد وخرج أهل المدينة بزىّ الديلم معهم التراس والزوبينات وهم نحو عشرة آلاف رجل فصافّهم الحرب وخرج ديسم من ورائه فحمل عليهم فانهزم أقبح هزيمة وقتل أصحابه مقتلة عظيمة وذهب نحو موقان محروبا مسلوبا ليس معه كراع ولا سلاح.
فخرج إليه اصفهبذ موقان ويعرف بابن داولة [١] متلقيا فأضافه مع قوّاده فشكره اللشكرى وسأله أن يقيم بضيافة أصحابه إلى أن يمضى هو إلى بلده- وكانت بينه وبينها مسيرة أربعة أيّام- فيستخرج ذخائره ويخرج معه ابنه وأخاه ويجمع الرجال فأجابه ابن داولة [٢] . ومضى اللشكرى مخفا وعاد سريعا ومعه ابنه وابن أخيه وألف رجل من أحداث الجيل مستظهرين بالسلاح والآلات، وعطف على أذربيجان طالبا ديسم وساعده ابن دلوله الاصفهبذ فى أصحابه. فهرب ديسم وعبر نهرا يقال له: الرس وماؤه شديد الجرية وأخذ المعابر إلى الجانب الذي حصل فيه. ونازله اللشكرى مقيما بازائه مدّة لا يصل إليه فاجتمع إليه ابنه وابن أخيه وأحداث [٦] الجيل وجميعهم سبّاح لأنّ بلادهم على شاطئ البحر وأعلموه أنّهم تتبّعوا هذا النهر من أعلاه إلى أسفله فوجدوه على ثلاثة فراسخ من معسكرهم موضعا منه ساكن الجرية واستأذنوه فى المخاطرة والعبور فأذن لهم. فصاروا إلى الموضع ليلا ومعهم جماعة من البوقيّين بتراسهم وأسلحتهم وزحفوا إلى عسكر ديسم وضربوا بالبوقات وقتلوا نفرا فانهزم ديسم واستولى الجيل على أموالهم وسوادهم واستغنوا بما حصل لهم وتمّ الظفر للشكرى.
وقصد ديسم وشمكير وهو بالرىّ فأعلمه ما جرى عليه من اللشكرى
стр. 2594
وأنّه قد تمكّن من أذربيجان وطابقه [١] ابن دلوله اصفهبذ موقان وأنّ بلاد الجيل قريبة منه والاستمداد سهل عليه وأنّه لا يلبث أن يقصد الرىّ وينازعه إيّاها ويلتمس منه عسكرا من الجيل والديلم ليكون بإزاء اللشكرى وأصحابه، وواقفه [٢] أن يجمع إليه من الأكراد وغيرهم عشرة آلاف رجل فرسانا وأن يقوم بنفقة العسكر يوم دخوله الخونج [٣] وهو أوّل حدود أذربيجان من ناحية الرىّ وأن يقيم الخطبة على منابر أذربيجان [٧] كلّها ويحمل إليه فى كلّ سنة مائة ألف دينار خالصة ويردّ إليه العسكر الذي يجرّد معه بعد فراغه من أمر اللشكرى. فلمّا سمع وشمكير ذلك أهمّه هذا الخطب واستجاب ديسم إلى كلّ ما يلتمسه وأخذ كلّ واحد منهما على صاحبه العهد والميثاق بالوفاء وابتدأ بتجريد العسكر.
فإلى أن يتكامل ذلك ورد الخبر بوفاة ابن داولة الاصفهبذ وخلق كثير من أصحابه بعلّة الجدري وأقام بقية أصحابه مع اللشكرى فأنفذ اللشكرى بقائد كبير من أصحابه يقال له: بلسوار بن ملك بن مسافر وهو ابن أخى محمّد بن مسافر اللشكرى إلى نواحي الميانج [٤]- وهي تجرى مجرى الثغر- بينه وبين وشمكير وأمره أن يحفظ الطرق ويتتبّع المجتازين ويفتشهم ويقرأ كتبهم تحرّزا واستظهارا. فلم يلبث بلسوار أن ظفر بفيج معه كتب من قوّاد عسكر اللشكرى إلى وشمكير بالاعتذار إليه من دخولهم فى طاعة اللشكرى وإنّهم
стр. 2595
إنّما دخلوا معه وعندهم أنّه على طاعتهم وأنهم إن رأوا راية من راياته قد أقبلت إليهم انحازوا إليها وصاروا بأجمعهم عليه. فلمّا وقف اللشكرى على هذه الكتب طواها وستر خبرها.
وورد عليه [٨] انفصال ديسم عن الرىّ فى عسكر وشمكير مع حاجبه الشابشتى [١] فركب إلى الصحراء وجمع قوّاده وعرّفهم إقبال العسكر إليه وأنه يتخوّف أن يشتغل بحرب الجيل والديلم فيأتيه ديسم من ورائه ويجرى الأمر كما جرى فى وقعة أردبيل وأنّه قد عزم أن يرحل بهم إلى بلاد الأرمن فيغزوهم ويستبيح أموالهم ويبعد عنهم إلى الموصل وديار ربيعة فإنها بلاد كثيرة الغلّات والأموال واسعة والرجال بها قليل. فساعدوه على ذلك ورحل بهم إلى أرمينية وأهلها غارّون. فنهبهم واستباح أموالهم ومواشيهم وسبى خلقا كثيرا وانتهى إلى زوزان وفى يده وأيدى قوّاده من المواشي التي غنموها شيء كثير لا ينضبط ولا يعرفون مبلغها وقد وكّلوا بها الرعاة فكانوا يخرجونها إلى مسارحها بكرة ويردّونها عشية إلى معسكرهم.
وكان بالقرب من زوزان قلعة للأرمن فيها عظيم من عظمائهم يقال له:
أطوم بن جرجين وهو قريب لابن الديراني ملك الأرمن. فسأل اللشكرى بمراسلة لطيفة أن يكفّ عن الأرمن فإنّهم معاهدون يؤدون الأتاوة وأطمعه فى مال يحمل إليه صلحا فأجابه إلى ما طلبه.
ذكر حيلة تمّت لهذا الأرمنى على اللشكرى حتّى قتله ومعظم أصحابه
كان هذا الأرمنىّ عرف سرعة ركاب اللشكرى وخفّته وأنه يقدم بلا روية