← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

للخروج إلى الموصل والإيقاع بالحسن بن عبد الله بن حمدان والنائب عنه بالحضرة. فذكر أنّ علىّ بن عيسى كتب إلى الحسن بن عبد الله بن حمدان بخطّه عن أمير المؤمنين الراضي بالله بالانفراج عن ضمانه وألّا يحمل شيئا إلى الحضرة من ماله وأن يمنع من حمل الميرة إلى بغداد فأخذ أبو علىّ ابن مقلة خطّة بذلك وأحضر جماعة من الشهود حتّى شهدوا عليه. وسلّم الوزير الكتاب إلى ابن سنجلا ليعرضه على الراضي بالله. فلمّا كان من غد وهو يوم الأربعاء انحدر الوزير أبو علىّ إلى دار السلطان وانصرف إلى منزله. فوجّه الراضي براغب وبشرى خادميه إلى علىّ بن عيسى فحملاه إلى الوزير [٤٩٩] أبى علىّ فلم يوصله إليه واعتقله فى حجرة من داره وراسله علىّ بن أحمد بن علىّ النوبختي وعرّفه ما أشهد به سهل بن هاشم على نفسه وأنّ الخليفة أنكر فعله. وما زالت المراسلات تتردد بينهما إلى أن ألزمه أبو علىّ مصادرة خمسين ألف دينار على أن يجعل فى باب أبى جعفر بن شيرزاد صاحب ديوان النفقات للأتراك عشرة آلاف دينار وتؤخذ منه عقار وضياع بعشرة آلاف دينار فالتزم أبو الحسن ذلك. فيقال: إنّ طليبا [١] الهاشمي كان قال لعلىّ بن عيسى عن الراضي بالله أن يكاتب الحسن بن عبد الله عنه ويتوسّط بينهما على أن يحمل إليه سرّا سبعين ألف دينار فى نجوم، وشرط عليه الحسين أن يحميه ويمنع منه ومن تشعيث أمره ويقرّه على ضمانه ولا يقبل زيادة عليه فحمل بعض تلك النجوم وأخّر باقيها وأنكر الخليفة كلّ ما جرى فى هذا الباب وذكر أنّه لم يصل إليه شيء. وأخرج مضرب الوزير أبى علىّ وخرج على مقدمته نقيط الصغير وابن بدر الشرابي وجماعة من الحجريّة وغيرهم وخلّف ابنه الوزير أبا الحسين

стр. 2522

بالحضرة فى خدمة السلطان وتدبير الأمور. وقبل شخوصه أطلق [٥٠٠] أبا الحسن علىّ بن عيسى وأخرجه إلى ضيعته بالصافية وأحلفه على أنّه لا يسعى فى مكروهه ولا يتكلّم فيه بما يقدح فى حاله ولا فيما يفسد أمره ولا يسعى فى الوزارة لنفسه ولا لغيره من سائر الناس. فحلف وخرج من وقته إلى الصافية. ولمّا قرب الوزير أبو علىّ من الموصل رحل عنها أبو محمّد وتبعه الوزير إلى أن صعد جبل التنين ودخل بلد الزوزان فعاد حينئذ أبو علىّ إلى الموصل وأقام بها يستخرج مال البلد ويستسلف من التجّار المجهزين للدقيق مالا على أن يطلق لهم به غلّات البلد فاجتمع له من ذلك أربعمائة ألف دينار. ولمّا طال مقام الوزير بالموصل احتال سهل بن هاشم كاتب أبى محمّد بن حمدان فبذل للوزير أبى الحسين ابن الوزير أبى علىّ عشرة آلاف دينار حتّى كتب إلى أبيه بأنّ الأمور بالحضرة قد اضطربت عليه وأنّه متى تأخّر وروده الحضرة لم يأمن حدوث [١] حادثة يبطل بها أمرهم. فانزعج الوزير من ذلك وقلّد علىّ بن خلف بن طناب أعمال الخراج والضياع بالموصل وديار ربيعة وقلّد أعمال المعاون بها ماكرد الديلمي من الساجيّة وتقدّم بتوفية التجّار ما استسلفه منهم من المال، وانحدر [٥٠١] إلى الحضرة وخرج لتلقّيه الأمير أبو الفضل وأصحاب الدواوين والقوّاد ولقى الخليفة وانصرف إلى منزله وخلع عليه من الغد وعلى ابنه خلع منادمة وحمل إليهما ألطاف وشراب وطيب وبلّور. وكان الوزير أبو علىّ كتب إلى الوزير ابنه قبل أن ينحدر من الموصل بإزالة التوكيل عن أبى الحسن علىّ بن عيسى وأن يكتب إليه أجمل خطاب

стр. 2523

ويخيّره بين الانصراف إلى مدينة السلام وبين المقام بالصافية، فكتب إليه الوزير أبو الحسين بذلك. وكان السبب فيما كتب به الوزير أبو علىّ من ذلك أنّه كان كتب إلى أبى محمّد الحسن بن عبد الله بن حمدان كتابا يدعوه فيه إلى الطاعة ويبذل له الأمان فقبل الكتاب وقال للرسول: - «ليس بيني وبين هذا الرجل عمل- يعنى ابن مقلة- ولا أقبل ضمانه لأنّه لا عهد له ولا وفاء ولا ذمّة ولا أسمع منه شيئا. اللهم إلّا أن يتوسّط أبو الحسن علىّ بن عيسى بيني وبينه ويضمن لى عنه فاسكن إلى ذلك وأقبله.» وكان أبو عبد الله أحمد بن على الكوفي مقيما بالحضرة فى وقت خروج أبى على ابن مقلة إلى الموصل ويلزم مجلس الوزير ابى الحسين يظهر له النصيحة والموالاة ويجتهد [٥٠٢] فى التخلّص منه والبعد عنه إلى أن ورد كتاب أبى عبد الله البريدي يوئس [١] فيه من حمل مال إلى الحضرة فى ذلك الوقت. فغلظ على الوزير أبى الحسين ذلك لأنّه كان أعدّ ما يحمله لوجوه فأقرأ أبا عبد الله الكوفي كتاب البريدي فاستعظم ما فيه وأشار بأن يخرج هو إلى الأهواز ليواقف البريدي على أمر الرجال الذين أحال بصرف المال إليهم ويعرضهم ويطلق ما يجب لهم ثمّ يحمل إلى الحضرة مالا عظيما ويحمل ساعة وصوله مائة ألف دينار. فكتب الوزير أبو الحسين إلى أبى عبد الله البريدي بأنّه لا يقبل فى تأخّر المال عنه عذره وقد أحوجه إلى إنفاذ أبى عبد الله أحمد بن علىّ الكوفي لمواقفته على أمر المال ومطالبته بحمله ونفذ الكتاب وتبعه أحمد بن علىّ إلى الأهواز. فلمّا حصل عند أبى عبد الله البريدي لم يمكنه مخالفته على ما

стр. 2524

يريد وكتب أنّه لم يتمكّن من عرض الرجال ولا المواقفة [١] على أمر المال، وأقام عنده إلى أن انظر أبو بكر ابن رائق فى الأمور بالحضرة. واستوحش أبو عبد الله الكوفي من البريدي وخافه وأراد البعد منه وخاف بوادره فأطمعه فى إفساد أمر الحسين بن علىّ النوبختي [٥٠٣] مع ابن رائق. وكان الحسين بن علىّ من أعدى الناس للبريديين فقبل منه وأطلقه وواقفه على ما يعمل به ويبذله من المال لإزالة أمر الحسين بن علىّ النوبختي. وكان أبو عبد الله الكوفي عند مقامه عند أبى عبد الله البريدي يصغّر [٢] فى نفسه أمر الحضرة ويصف له إدبارها بسوء تدبير ابن مقلة وإبطاله مال واسط والبصرة بابن رائق وبإيقاعه ببني ياقوت وما دبّر فى أمر الحسن ابن عبد الله بن حمدان وباجتثاثه أصل الخلافة دفعة واحدة وقال فى ذلك وأكثر وقال فى عرض ذلك: - «هو الذي جرّأ الغلمان الحجريّة على ابن ياقوت فهم بعد أشدّ جرأة عليه وأنّ هلاكه ليس يبعد.» فوقع ذلك من البريدي أحسن موقع واختصّ الكوفي ولم يستكتبه بل كان يشاوره ويكرمه ويعاشره. فذكر أبو الفرج ابن أبى هشام أنّ أبا عبد الله الكوفي قال له بواسط فى أيّام سيف الدولة: - «ما مرّ لى عيش أطيب من عيشي مع البريدي فإنّى أقمت عنده نحو سنة غير متصرّف ولا داخل تحت تبعة ولا تعب بنظر فى عمل ولقد عاشرنى أجمل عشرة ووصل إلىّ منه عينا وورقا ومن [٥٠٤] قيمة العروض التي أنفذها إلىّ خمسة وثلاثون ألف دينار ولم أخرج من الأهواز إلّا وأنا متقلّد

стр. 2525

كتابة ابن رائق وقد كفيت أمر ابن مقلة بالقبض عليه وكان غير مأمون. والحمد لله الذي لم يخرجه من الدنيا حتّى دمّر عليه كتدميره على الدنيا. ألحق الله ابنه به فإنّه شرّ منه لأنّ ما كان فى أبيه فهو فيه من وقاحة وقساوة وخسّة وكان الأب على عيوبه ربّما رحم وأكرم على حاشيته وأهل داره دون الغرباء ولكنّ هذا ناصر الدولة مجتهد فى أن يغرّه ويحصّله وإن حصل رجوت أن يسمله، فإنّ فى نفسه عليه وعلى ابنه العظائم.» وأطلق الكوفي لسانه بهذا كلّه فى مجلسه وليس بين يديه غيرى وغير أبى علىّ ابن صفيّة كاتبه النصراني. وأظهر أبو عبد الله البريدي بالأهواز كتابا من أبى علىّ ابن مقلة بخطّة إليه يقول فيه: - «الويل للكوفىّ العاضّ [١] منّى أنفذته ليصلحك لى فأفسدك علىّ وأطمعك وأصغيت بالشره إليه والله لأقطعنّ يديه ورجليه فأمّا أنت فأرجو ألّا تصرّ على كفر نعمتي وإحسانى إليك وأنت تنيب [٥٠٥] بك الرؤية إلى رعاية حقوق اصطناعى لك فترضينى من نفسك وتعينني فى مثل هذه الحالة الصعبة التي لم يدفع من جلس مجلسي فى دولة من الدول إلى مثلها وأن تجيرني ممّا قد أظلّنى بمال تحمله فتحفظ به نعمتك التي إحداهما فى يدي والأخرى فى يدك إن شاء الله.» ولمّا انحدر أبو علىّ ابن مقلة من الموصل عاد أبو محمّد عن الزوزان إليها وحارب ماكرد الديلمي وانهزم الحسن بن عبد الله ثمّ عاود محاربته وكانت الوقعة بينهما على باب الروم من أبواب نصيبين فانهزم ماكرد إلى الرقّة وانحدر منها فى الفرات إلى بغداد وانحدر علىّ بن خلف بن طناب وتمكّن

стр. 2526

الحسن بن عبد الله من الموصل وديار ربيعة وكتب إلى السلطان يسأل الصفح عنه وأن يضمن نواحيه فأجيب إلى ذلك وضمنها. ووافى التجّار الذين استسلف أبو علىّ مالهم ولم يوفوا الغلّات التي ابتاعوها فطالبوا أبا علىّ بردّ أموالهم عليهم فدفعته الضرورة إلى أن يسبّب لهم على عمّال السواد بعض مالهم ودافعهم ثمّ باع عليهم بالباقي ضياعا سلطانيّة فلم يحصل لخرجته كبير فائدة بعد الذي ردّ على التجّار [٥٠٦] وبعد الذي أنفق على سفره والجيش الخارج معه. اعتراض أبى طاهر القرمطىّ للحاجّ وفى هذه السنة حجّ الناس فلمّا بلغوا القادسيّة اعترضهم أبو طاهر القرمطى وكان مع الحاجّ من قبل السلطان لؤلؤ غلام المتهشّم. فظنّ لؤلؤ أنّهم أعراب فحاربهم أهل القوافل شيئا كثيرا وسأل عمر بن يحيى العلوي فيمن دخل القادسيّة فآمنهم ثمّ تسلّلوا من القادسيّة وبطل الحجّ فى هذه السنة. وصار أبو طاهر إلى الكوفة وأقام بها. انقضاض الكواكب وفى تلك الليلة بعينها انقضّت الكواكب من أوّل الليل إلى آخره ببغداد والكوفة وما والاهما انقضاض مسرفا جدا لم يعهد مثله ولا ما يقاربهما. وشغب الجند وصاروا إلى دار الوزير فنقبوا عدّة مواضع ولم يصلوا لأنّ غلمان الوزير دفعوهم ورموهم بالنشّاب من فوق السور. وفيها مات أبو بكر محمّد بن ياقوت فى الحبس فى دار السلطان بنفث الدمّ فأحضر القاضي أبو الحسين عمر بن محمّد ومعه جماعة وأخرج إليهم

стр. 2527

محمّد بن ياقوت حتّى فتّشوه ومدّوا لحيته وعلموا أنّه مات حتف أنفه. ثمّ تسلّم إلى أهله وباع الوزير ضياعه وأملاكه وقبض على أسباب محمّد بن ياقوت كلّهم. [٥٠٧] استيمان غلمان مرداويج وفى هذه السنة قلّد الوزير أعمال الجبل أبا علىّ الحسن بن هارون وخرج إليها فلمّا حصل بها استأمن إليه غلمان مرداويج الأتراك الذين قتلوه فى الحمّام فقبلهم وكانوا ثلاثمائة غلام. فلمّا كان بعد مدّة شغبوا عليه وطالبوه بالأرزاق وقبضوا عليه وقيّدوه ثمّ أطلقوه. ولمّا ورد الخبر بالقبض عليه قلّد الوزير مكانه أبا عبد الله محمّد بن خلف النيرمانى وبلغ ذلك الحسن بن هارون فخافه للعداوة بينهما واستتر وصار إلى بغداد مستترا وأقام على استتاره مدّة. ثمّ راسل الوزير أبا علىّ وقرّر أمره على مصادرة أوقعها بخمسة عشر ألف دينار فلمّا تقرّر أمره ظهر وأقام محمّد بن خلف فى الجبل مديدة [١] . وأقبل غلمان مرداويج وفيهم بجكم إلى جسر النهروان وراسلوا السلطان فأمرهم بدخول الحضرة فدخلوا وعسكروا بالمصلّى. واضطربت الحجريّة وظنّوا أنّها حيلة عليهم فاجتمعوا وطالبوا الوزير أبا علىّ بأن يرضيهم ويردّهم فاستدعى جماعة من وجوههم وواقفهم على أن ينضمّوا إلى محمّد بن علىّ غلام الراشدي ويقلّده الجبل ويطلق لهم أربعة عشر ألف دينار نفقات لهم ثمّ بسبّب مالهم [٥٠٨] على أعمال الجبل فقالوا: - «ننصرف ونعلم باقى أصحابنا ذلك.»

стр. 2528

فلمّا انصرفوا لم يقنعوا وكان خبرهم قد اتّصل بأبى بكر ابن رائق بواسط وهو متقلّد أعمال المعاون بها وبالبصرة فكاتبهم فراسلهم واستدعاهم ووعدهم الإحسان. فمالوا إليه واختاروه وساروا إليه فقبلهم وأثبتهم وأسنى لهم بالرزق ورأس عليهم بجكم وسمّاه: بجكم الرائقى، ورفع منه وموّله وأحسن إليه وأفراط فى ذلك وضمّ جميع الغلمان إليه وتقدّم إليه بأن يكاتب كلّ من بالجبل من الأتراك والديلم بالمصير إليه ليثبتهم فصار إليه عدّة وافرة منهم فأثبتهم وضمّهم إلى بجكم. ودخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة عدّة حوادث وفيها أطلق المظفّر بن ياقوت من حبسه فى دار السلطان إلى منزله بمسألة الوزير أبى علىّ فيه، وحلف الوزير بالأيمان الغليظة على أنّه يواليه ولا ينحرف عنه ولا يسعى له فى مكروه. وفيها قلّد الوزير محمّد بن طغج أعمال المعاون بمصر مضافة إلى ما يتقلّد من أعمال معاون الشام وأدخل الراضي القضاة والعدول حتّى عرّفهم تقليده محمّد بن طغج وأمرهم بمكاتبة أصحابهم وخلطائهم بذلك [٥٠٩] لئلّا ينازعه أحمد ابن كيغلغ فإنّه كان يتولّى مصر. وفيها قطع محمّد بن رائق حمل مال ضمانه عن واسط والبصرة إلى الحضرة واحتجّ باجتماع الجيش عنده وحاجته إلى صرف المال إليهم. وفيها تمّت حيلة المظفّر بن ياقوت حتّى قبض على الوزير أبى علىّ ابن مقلة لأنّه صحّ عنده أنّه هو قتل أخاه وكان السبب فى حبسهما وإزالة أمرهما.

стр. 2529

ذكر هذه الحيلة على أبى علىّ ابن مقلة لم يزل يحبّ التشفّى والأخذ بالثأر منذ أطلقه الوزير ولكنّه يكتم ذلك إلى أن واقف الحجريّة وضرّبهم عليه. وبلغ الوزير ذلك فأخذ يعتضد ببدر الخرشنى صاحب الشرطة فقوى أمر بدر وواقفه [١] على أن يستولى على دار السلطان فيحصل فيها ويمنع الغلمان الحجريّة منها لأنّه بلغه أنّهم قد عملوا على المصير إلى الدار والمقام ففعل بدر ذلك وحصل هو وأصحابه بالسلاح فى الدار ومنع الغلمان الحجريّة من دخولها ولم يظهر الوزير أنّ الذي فعله بدر كان عن رأيه. ثمّ جمع بين الساجيّة وبين بدر حتّى تحالفوا على معاونة بعضهم بعضا. فلمّا وقف المظفّر بن ياقوت على ذلك ضعفت نفسه وأشار [٥١٠] الحجريّة بالخضوع للوزير والتذلّل له ولم يزالوا يلطفون للوزير ويتحققون بخدمته إلى أن أنس بهم وسألوه صرف بدر وبذلوا له كلّ ما أراد من الطاعة والموالاة له إلى أن انخدع وصرف بدرا وأصحابه. فلمّا خلت دار السلطان منهم ومن الساجيّة تحالف الحجريّة على أن تكون كلمتهم واحدة فصاروا بأجمعهم إلى دار السلطان وضربوا خيمهم فيها وحولها وملكوها وصار الراضي فى أيديهم وحزبهم. فندم الوزير وعلم أنّ الحيلة تمّت عليه فتقدّم إلى بدر بأن يخرج إلى المصلّى فى أصحابه من غير أن يعلم أحد أنّه فعل ذلك برأى الوزير وأمره فخرج بدر وأثبت زيادة من الرجّالة. وبلغ ذلك الحجريّة فطالبوا الراضي بالله أن يخرج معهم إلى المسجد الجامع فى داره فيصلّى بالناس ليراه الناس معهم فيعلمون أنّه فى حيّزهم.

стр. 2530

فخرج الراضي يوم الجمعة إلى المسجد الجامع الذي فى داره ومشى الغلمان بأسرهم بين يديه وحوله بالسلاح رجّالة وصلّى بالناس وصعد المنبر وخطب وقال فى خطبته: - «اللهم إنّ هؤلاء الغلمان بطانتى وظهارتى فمن أرادهم بسوء فأراده به ومن كادهم فكده.» وقلّد بدر الخرشنى دمشق وأمره بالخروج إليها من المصلّى وألّا [٥١١] يدخل البدر. وكان المظفّر بن ياقوت فى هذا كلّه يظهر للوزير أنّه مجتهد فى الصلح ويظهر له الخضوع وهو فى الباطن يسعى فى حنقه [١] وقد قوى أمره بما فعله الراضي. ثمّ إنّ الصلح تمّ بين بدر الخرشنى وبين الحجريّة فدخل من المصلّى إلى منزله وأقرّ بدر على الشرطة. فلمّا انقضت هذه القصّة أشار الوزير على الراضي بالله سرّا أن يخرج بنفسه ومعه الجيش والحجريّة والساجيّة ليدفع محمّد بن رائق عن واسط والبصرة وقال له: - «قد انغلقت عليك هذه البلدان وهي بلدان المال بما فعله محمّد بن رائق من الامتناع من حمل مال ضمانه ومتى رأى غيره أنّ ذلك قد تمّ له واحتمال عليه تأسّى به فذهب مال الأهواز فبطلت المملكة. فعمل الراضي على ذلك وتقدّم إليه بالعمل عليه فافتتح الوزير الأمر مع ابن رائق بأن ينفذ إليه ينال الكبير من الحجريّة وماكرد الديلمي من الساجيّة برسالة من الراضي بالله يأمره فيها أن يبعث بالحسين بن علىّ النوبختي ليواقف على ما جرى على يده من ارتفاع واسط والبصرة.

стр. 2531

فلم يستجب ابن رائق إلى إنفاذ الحسين ووهب للرسولين مالا وأحسن إليهما وسألهما أن يتحمّلا له إلى الخليفة رسالة [٥١٢] فى السرّ وهي: أنّه إن استدعى إلى الحضرة وفوّض إليه التدبير قام بكلّ ما يحتاج إليه من نفقات السلطان وأرزاق الجند ومشّى الأمور أحسن تمشئة وكفى أمير المؤمنين الفكر فى شيء من أمره. فلمّا قدم الرسولان خلوا بالراضى بالله بعد تأدية الرسالة الظاهرة فأدّيا الرسالة السرّية فلم ينشط الراضي لتسليم وزيره وأمسك. ولمّا رأى الوزير امتناع ابن رائق من تسليم الحسين بن علىّ عمل على القاضي أبا الحسين برسالة من الراضي ليعرّفه ذلك وأنّه لم يأمن أن يقع له أنّ الخروج إنّما هو إليه فيستوحش وأنّه أنفذ القاضي ليكشف ما فى نفسه وعزمه، وتوثّق له بما يسكن إليه. فلمّا كان يوم الإثنين لأربع عشر ليلة بقيت من جمادى الأولى وانحدر الوزير إلى دار الراضي بالله ومعه القاضي أبو الحسين ليوصله فيسمع من الراضي بالله الرسالة فلمّا حصل فى دهليز التسعينى قبل أن يصل إلى الخليفة وثب الغلمان الحجريّة ومعهم المظفّر بن ياقوت به فقبضوا عليه ووجّهوا إلى الراضي بالله يعرّفونه قبضهم [٥١٣] عليه إذ كان هو المفسد المضرّب ويسألونه أن يستوزر غيره. فوجّه إليهم يستصوب فعلهم ويعرّفهم أنّهم لو لم يفعلوا ذلك لفعله هو وردّ الخيار إليهم فيمن يستوزره فذكروا [١] علىّ بن عيسى ووصفوه بالأمانة والكفاءة وأنّه ليس فى الزمان مثله. فاستحضره الراضي بالله وخاطبه فى تقلّد الوزارة فامتنع وتكرّه ذلك فراجعه الراضي بالله

стр. 2532

وخاطبه الغلمان فيه وطال الخطب معه فأقام على الامتناع فقالوا: - «فنشير بمن تراه.» فأومأ إلى أخيه عبد الرحمن. فأنفذ الراضي بالله المظفّر بن ياقوت إلى عبد الرحمن فأحضره وأوصله إلى الراضي وعرّفه أنّه قلّده وزارته ودواوينه وخلع عليه وركب فى الخلع ومعه الجيش إلى داره وأحرقت دار أبى علىّ. وزارة عبد الرحمن بن عيسى لمّا تقلّد عبد الرحمن غلب علىّ بن عيسى على التدبير فعلم أبو العبّاس الخصيبى وأبو القاسم سليمان بن الحسن وقد كنّا ذكرنا أمرهما وما كان من نفى [١] علىّ بن مقلة إيّاهما إلى عمان وتقدّمه إلى يوسف بن وجيه صاحب عمان بحبسهما وأنّ يوسف بن وجيه أطلقهما فصارا إلى بغداد واستترا بها إلى أن [٥١٤] قبض أبو علىّ ابن مقلة. فلمّا كان فى هذا الوقت أكرمهما عبد الرحمن الوزير وكانا يصلان معه إلى الراضي بالله مع أبى جعفر محمّد بن القاسم الكرخي وأبى علىّ الحسن بن هارون وعلىّ بن عيسى لا يتأخّر أيضا عن الحضور معهم وسلّم أبو علىّ ابن مقلة إلى الوزير عبد الرحمن فضربه بالمقارع وأخذ خطّه بألف ألف دينار ثمّ سلّمه إلى أبى العبّاس الخصيبى فجرت عليه من المكاره والضرب والرهق أمر عظيم وحضر أبو بكر ابن قرابة بعد مدّة فتوسّط أمره وضمن ما عليه وتسلّمه وكان أدّى إلى الخصيبى نيّفا وخمسين ألف دينار. وصرف بدر الخرشنى عن الشرطة لانحراف الحجريّة عنه وولّى أعمال المعاون بإصبهان وفارس لأنّ الحجريّة كرهوا مقامه بالحضرة فخلع عليه

стр. 2533

وأخرج مضاربه إلى ميدان الإشنان [١] وأنفذ إليه اللواء وضمّ إليه الحسن بن هارون لتدبير أمر الخراج بهذه النواحي ثمّ توقّف عن إمضاء هذا الرأى فبطل خروجه. وعجز عبد الرحمن عن تمشية الأمور وضاق المال حتّى استعفى عبد الرحمن عن تمشية الأمور للراضى بالله ومن الوزارة وسأله أن يقرضه عشرة آلاف دينار إذ كانت وجوه المال قد تعذّرت عليه فقبض عليه الراضي فى هذه السنة وقلّد وزارته الكرخي. [٥١٥] ذكر وزارة أبى جعفر محمد بن القاسم الكرخي لمّا قلّد أبو جعفر الكرخي الوزارة وخلع عليه وانصرف إلى منزله ومعه الجيش كلّف مناظرة علىّ بن عيسى وأخيه عبد الرحمن وحملا إلى داره فصادر علىّ بن عيسى على مائة ألف دينار وصادر أخاه على سبعين ألف دينار وأقاما على حال صيانة وتكرمة إلى أن أدّى علىّ بن عيسى سبعين ألف دينار وأدّى أخوه ثلاثين ألف دينار ثمّ صرفا إلى منازلهما. وكان الوزير أبو جعفر الكرخي قصيرا فاحتيج بسبب قصره إلى أن ينقص من ارتفاع سرير الملك فنقص منه أربع أصابع مفتوحة. وفيها قتل ياقوت بعسكر مكرم. ذكر مقتل ياقوت قد ذكرنا أمر ياقوت فى خروجه إلى أرجان لحرب علىّ بن بويه فى قضّه [٢] وقضيضه وديلمه وأتراكه وسائر خيله. وكان معه من الرجّالة السودان

стр. 2534

ثلاثة آلاف رجل وانهزم من بين يدي علىّ بن بويه بباب أرجان بعسكره كلّه وكان على الساقة فى الهزيمة لأنّه ثبت وسار علىّ بن بويه خلفه إلى رامهرمز وحصل ياقوت بعسكر مكرم فى غربيّها وقطع الجسر المعقود على المسرقان وأقام علىّ بن بويه برامهرمز إلى أن وقع الصلح بينه [٥١٦] وبين السلطان. وكتب أبو عبد الله البريدي إلى ياقوت أن يقيم بعسكر مكرم إلى أن يستريح ويقع التدبير لأمره من بعد وكان غرضه ألّا يجمعه وإيّاه بلد فقبل ياقوت. وأتاه أبو يوسف البريدي متوجّعا بما جرى عليه من الهزيمة ومهنّئا له بالسلامة وتوسّط بينه وبين أخيه أبى عبد الله يعلّل بها عسكره إلى أن يكتب إلى السلطان ويستأمره فيما يطلقه له ولرجاله وعرّفه أنّ الرجال المقيمين بالأهواز فيهم كثرة ويطالبون بمالهم وهم البربر والشفيعية والنازوكيّة واليلبقيّة والهارونيّة وكان أبو علىّ ابن مقلة ميّز هؤلاء وأنفذهم إلى الأهواز لتخفّ مؤونتهم عن الحضرة وتتوفّر أموال الساجيّة والحجريّة. فذكر أبو يوسف أنّ هؤلاء لا يطلقون مالا يخرج من الأهواز إلى سواهم وأنّهم إن أحسّوا شغبوا فاحتاج أبو عبد الله إلى مفارقة الأهواز إشفاقا على نفسه منهم. ثمّ تؤول الحال إلى حرب تقع بعد الهزيمة الأرجانيّة ولا يدرى كيف تكون الحال فيها وأنّ السلطان مع ذلك مطالب بحمل مال إليه [٥١٧] وقال له: - «إنّ رجالك مع سوء أثرهم وقبح بلائهم وهزيمتهم دفعة إذا أعطوا اليسير قنعوا به وصبروا عليه.» فقبل ياقوت ذلك وسبّب له بهذا المال على عسكر مكرم وتستر فأرضى ببعضه الحجريّة وببعضه وجوه القوّاد وأنفق فى سودانه فى المسجد الجامع بعسكر مكرم ثلاثة دراهم لكلّ رجل ومضى الأمر على ذلك شهورا. وأفتتح مال سنة أربع وعشرين وثلاثمائة فضجّ رجاله وطالبوه وقالوا:

стр. 2535

- «إنّه لا صبر لهم على الضرّ وإنّ المنافسة على خيرات الدنيا فى الطبع والجبلّة لو كانوا أغنياء فكيف بهم مع اختلالهم وأنّهم لا يرضون أن يقبض نظراؤهم بالأهواز على الإدرار ويحرموا هم [١] وأن يتجرّعوا الأسف والحسرات وأنّهم قد سئموا الفقر ومعاناة المجاعة.» وقد كان استأمن من أصحاب علىّ بن بويه إلى ياقوت طاهر الجيلي وكان ممّن يرشّح نفسه للأمور الكبار ويرى أنّه نظير لشيرج وطبقته واجتمع إليه نحو ثمانمائة رجل من العجم. فشغب على ياقوت ثمّ رحل مع أصحابه وانصرف عنه وقدّر أنّه يملك ماه البصرة وماه [٢] الكوفة فكبسه علىّ بن بويه ثمّ سجنه فلجأ بنفسه مع بعض غلمانه [٥١٨] وأبو جعفر الصيمري كاتبه فى الأسر وخلّصه الحنّاط فخرج إلى كرمان فكان سببا لإقباله واتصاله بالأمير أبى الحسين أحمد بن بويه فضعفت نفس ياقوت بخروج طاهر الجيلي وأصحابه واستطال باقى رجاله عليه وخاف أن يعقدوا لبعض قوّاده الرئاسة وينصرفوا عنه فكاتب أبا عبد الله البريدي بالصورة وأعلمه أنّه كاتبه ومدبّر أمره وأنّه قد فوّض إليه الرأى والتدبير فى رجاله ليمضى عليه وعليهم ما يستصوبه. ذكر الخديعة التي نفذت على ياقوت كان ياقوت واثقا برجل ساقط يعرف بأبى بكر النيلي يجريه مجرى الأب وينحطّ إلى رأيه وقوله مع ضعة فى النيلي وخساسة فى همّته وقدره. فاستصلحه أبو عبد الله البريدي ووسّع عليه فكان النيلي رسول ياقوت إلى أبى عبد الله بما قد ذكرته فكتب أبو عبد الله البريدي أنّ عسكره قد فسدوا

стр. 2536

وفيهم من ينبغي أن يميّز ويخرج لأنّ علىّ بن خلف بن طناب خانه واقتطع أموالا باسم هؤلاء القوم وزاد قوم زيادات كثيرة وأنّ الصواب أن ينفذوا إليه ليعرّفهم أنّ هذه الزيادات تفوّتهم الأصول السلطانيّة ويشافههم بأنّ الصواب أن يسقطوها ليتوفّر عليهم الأصول [٥١٩] وقال: - «إنّما يتمّ هذا بالأهواز لأنّهم يردونها أفواجا وزمرا فإن أساءوا آدابهم وامتنعوا قوّموا بالجيش [١] المقيمين بالأهواز وأنّهم إن خوطبوا بهذا الكلام وهم بعسكر مكرم تظاهروا وتضافروا وتعاقدوا فلم يتمّ عليهم ردّهم من الكثير إلى القليل.» وأكثر فى هذا المعنى حتّى قال: - «يا أبا بكر سبيل العرض أن يقع بحيث الهيبة والخوف لا بحيث الحكم والاستطالة.» فما قال له النيلي: - «الهيبة حيث يكون الأمير لا أنت ولا كانت له منّة لأن يردّ عليه شيئا.» وسأل [٢] أبو عبد الله البريدي أن ينفذ إليه أبا الفتح ابن أبى طاهر وأبا أحمد السجستانى ليشاورهما فى التقرير ويتعرّف منهما منازل الرجال واستدعى أبا بكر النقيب الذي كان مع أبى طاهر محمّد بن عبد الصمد ليعرف منه أحوالهم. وأنفذ إليه ياقوت من التمس وتقدّم إلى رجاله بالخروج للعرض. فلمّا حصلوا عند البريدي استصلح الرجال لنفسه وانتخب منهم من أراد ووعدهم أن يجريهم مجرى من معه بالأهواز فأجابوه وصاروا إلى عسكره وردّوا الأرذال إلى ياقوت بعد أن أسقط زياداتهم. فلمّا استتمّ العرض

стр. 2537

وجد نصف الياقوتيّة قد انحازوا [٥٢٠] عنه. فقيل لياقوت ذلك ووبّخ وعذّل فقال: - «قد اجتمع لى بمقام من أقام بالأهواز خفّة المطالبة عنّى وحصولهم مع كاتبي وليس يصلح ابن البريدي لما أصلح له فأخافه وإن احتجت أو احتيج إلى حرب فالجماعة بالضرورة يعودون إلىّ وهم عدّة لى عنده.» وعاد رجال ياقوت إليه فقالوا له: - «ما حصلنا من الغرض إلّا على أن خرج شطرنا وهيض جناحنا وضعفت شوكتنا فاكتب إلى البريدي أن يحمل ما قرره لنا.» فكتب ياقوت بذلك فأجابه أبو عبد الله بأنّه يحتال ويحمل. ثم زاد الإلحاح على ياقوت فخرج بنفسه إلى الأهواز فى ثلاثمائة رجل وقلّل العدّة لئلّا يستوحش البريدي وقدّر أنّه إلى كاتبه يمضى. فتلقاه أبو عبد الله البريدي بالسواد الأعظم وأخرج معه كلّ من بالأهواز من الجيش فلمّا رأى ياقوتا ترجّل [١] له وانكبّ ياقوت عليه حتّى كاد ينزل عن دابّته ثمّ سار وأنزله داره وخدمه بنفسه وقام بين يديه إلى أن طعم وغسل يده فناوله الماورد [٢] والمنديل وبخّره بيده فهو فى ذلك قبل أن يفاوضه، إذ ارتفعت ضجّة عظيمة وشغب الجند وقالوا: - «إنّما وافى ياقوت إليه.» فقال البريدي: [٥٢١]- «أيّها الأمير الله الله اخرج وبادر وإلّا قتلنا جميعا.» فخرج ياقوت من وقته خائفا يترقّب من طريق يخالف طريق المشغّبين وعاد إلى عسكر مكرم كما بدأ منها.

стр. 2538

ثمّ ورد عليه كتاب البريدي بأنّ الرجال بالأهواز قد استوحشوا منه وأنّ الوجه أن يخرج إلى تستر فإنّ بينها وبين الأهواز ستّة عشر فرسخا. وعسكر مكرم فهي على ثمانية فراسخ وإذا نأت الدار زال الاستيحاش وسبّب له على عامل تستر بخمسين ألف دينار فخرج إليها. فقال له مونس- وكان مونس هذا تربية ياقوت وثقته-: - «أيّها الأمير، إنّ البريدي يحزّ مفاصلنا مفصلا مفصلا ويسخر منّا وأنت مغترّ به وقد حاز شطر رجالنا ووجوه قوّادنا إلى نفسه وضمن لنا اليسير من المقرّر وليس يطلق ذلك أيضا ليستأمن إليه الباقون ثمّ يأتى على أنفسنا وقد اتّصلت كتب الحجريّة إليك بأنّه لم يبق لهم شيخ غيرك. فإمّا دخلت بغداد وجميع من بها يسلّم لك الرئاسة وأوّلهم محمّد بن رائق بالضرورة لسنّك وأنّك نظير أبيه، وإمّا خرجت إلى الأهواز حتّى تطرد البريدي عنها وتقيم أنت بها فإنّا وإن كانت عدّتنا يسيرة دون عدّته فهو كاتب ونحن فى خمسمائة [٥٢٢] رجل وهو فى عشرة آلاف رجل وقد أحصيت من عندنا فوجدتهم نحو خمسة آلاف رجل وفيهم كفاية والعسكر بصاحبه وأنت أنت. وقد قال عدوّك علىّ ابن بويه: لو كان فى عسكر ياقوت مائة رجل مثله ما قاومته. فالله الله يا مولاي، لم تضيّع نفسك وتضيّعنا؟» فقال: «سأنظر وأفكر.» فخرج مونس مغضبا من عنده وركب فى ثلاثة آلاف رجل شاذّا عن مولاه ياقوت ووافى عسكر مكرم يريد الأهواز وقال لنا. - «لا أعصى مولاي، فإنّه اشترانى وربّانى واصطنعني ولكنّى أفتح الأهواز وأسلّمها إليه.» فما استقرّ بعسكر مكرم ثلاث ساعات من النهار حتّى ورد كتاب ياقوت على درك- وكان والى الشرطة بعسكر مكرم- يعرّفه أنّ مونسا غلامه خرج

стр. 2539

بغير إذنه وشرح له صورته وسأله أن يجتمع معه ويخوّفه الله ويحذّره كفر نعمته ويستوقفه إلى أن يلحق به. فعبر درك من شرقىّ عسكر مكرم إلى غربيّها ووعظ مونسا وعظا كثيرا وخاطبه خطابا بليغا وكان درك شيخا مقدّما إلّا أنّ السنّ قد أخذت منه وحضر بحضوره أصحابه. فقال لمونس خادم كان معه مكينا منه وكان معقّلا: - «يا مونس إنّ مولاك [٥٢٣] قبض على ابنيه وهما تاجان ودرّتان فلم يستحلّ أن يعصى مولاه ولا يكفر نعمته [١] وسلّمهما ولم يحارب فيهما ولا طلب بهما أفأنت تعصى مولاك فترسل يدك عن طاعته؟ أما تخاف العقوبة؟ وإن تخذل فى هذه الحرب ويظفر بك فتخسر الدنيا والآخرة ولا سيّما وقد بذل أن يوافيك ويساعدك على ما تريده. انتظر ريث ورود كتابنا وورود جوابه.» فأقام مونس لما أخذه العذل والتأنيب من درك وأصحابه ووافى ياقوت فى اليوم الثاني واجتمع مع غلمانه. ووافى عسكر البريدي بأسره فنزلوا فى صحراء خان طوق [٢] ومعهم غلام البريدي يرؤسهم ومعه القوّاد الكبار وأكبرهم أبو الفتح ابن أبى طاهر. ووقعت المنازلة بين ياقوت وأبى جعفر الجمّال وتثبّت ياقوت بعسكر مكرم عن المسير إلى الأهواز وتهيّب الصورة وقال لمونس: - «السلطان لنا على النيّة التي عرفناها وكان منه إلى ابني [٣] ما لا يجوز أن يصلح لى أبدا وفارس فقد عرفت صورتنا بها ولا مذهب لنا فى الدنيا ولا لنا موضع نأويه إلّا هذا البلد والحرب سجال وقد كثر عسكر الرجل فإن

стр. 2540

نحن حاربناه وانهزمنا كنّا بين الأسر والحمل إلى الحضرة وشهرت بها وأركبت الفيل ثمّ يظنّ أنّى كفرت [٥٢٤] نعمة مولاي فيلعننى الناس وبين أن أقتل. والوجه المداراة والمقاربة لهذا الرجل وأن نعود إلى تستر ونصير منها إلى الجبل فإن استقام لنا بها أمر وإلّا لحقنا بخراسان.» وشاع هذا الكلام فضعفت نفوس أصحابه وطالت الأيّام فى منازلة عسكر البريدي فكان كلّ يوم يستأمن عدّة من أصحابه إلى البريدي فكان مونس يبكّر إليه فى كلّ يوم ويقول له: - «يا مولاي مضى البارحة من أصحابنا ثلاثمائة أو أكثر أو أقلّ.» فلا يزيده على أن يقول: - «إلى كاتبنا يمضون وإذا كانت هذه نيّاتهم لنا فما الانتفاع بهم؟ ولأن يبقى معنا ألف رجل فنمضى بهم إلى حيث نقصد أصلح من جميع هذا اللفيف الذي هم كلّ فى الرخاء وأعداء يوم اللقاء وقد جرّبناهم بباب فارس وباب أرجان.» فلم يزل كذلك حتّى بقي فى ثمانمائة رجل. فلمّا علم البريدي أنّه قد استظهر الاستظهار التامّ راسله فى الموادعة بأبى القاسم التنوخي القاضي وقال: - «إنّى لك على العهد والميثاق.» وأنّه كاتبه وأنّ الإمارة لا تصلح له وأنّ البلوى والشقاء قد حلّا به وصارت مطالبة الرجال عليه وأنّه يلاقي الموت صباح مساء ويخاف على نفسه منهم وأنّه لا رغبة له فى ارتباطهم [٥٢٥] وإنّما جرّ سبب سببا حتّى اجتمعوا عنده وأنّه يصاهره حتّى يزداد ثقة به. ووكلّ القاضي فى تزويج ابنته من أبى العباس أحمد بن ياقوت فوافاه القاضي أبو القاسم التنوخي وأدّى إليه الرسالة وقبلها وانعقد الصهر ورحل

стр. 2541

للوقت إلى تستر. ووافاه بعقب ذلك غلام للسلطان من الحجريّة ومعه المظفّر ابنه بكتاب إليه يذكر فيه أنّه قد وهب ابنه هذا له ومن به عليه. فالتقيا بتستر فأشار عليه ابنه المظفّر بالخروج إلى حضرة السلطان ليشكره على إنفاذه ويقيم بدير العاقول ويستأذنه فى الدخول. فإن أذن له فقد تمّ له ما يحبّ ووجد الحجريّة مسرعين إليه، وإن لم يأذن له تقلّد الموصل وديار ربيعة وخرج إليها، وإن منع من ذلك جعل مقصده الشام. فخالف ابنه ولم يرتض رأيه وقال: - «أنا أتأمّل ما ذكرته فأقم عندي لنتشاور.» فاستعفاه من ذلك وسأله أن يأذن له فى المقام بعسكر مكرم فأذن له. فأطمع البريدي المظفّر فى أن يجعله اسفهسلار عسكره وأن يتدبّر بتدبيره حتّى فارق أباه واستأمن إليه فحصل فى بستانه المشهور [٥٢٦] بالأهواز وأحاط بالبستان من يراعيه ويحفظه من حيث لا يعلم. ولمّا استوثق البريدي لنفسه واستظهر، تخوّف من الياقوتيّة الذين عنده وأن يراسلوه بلون من الألوان المنكرة من التدبير عليه أو أن يتداخلهم التعصّب له فيشغبوا عليه ويدعوا بشعار ياقوت. وكتب إلى ياقوت بأنّ السلطان قد أمره بالخروج عن تستر إلى الحضرة فى خمسة عشر غلاما أو النفوذ إلى الجبل متقلّدا لها وبأن يقصده إلى تستر ويخرجه منها قهرا فتحيّر ودعا مونسا غلامه فقال له: - «أىّ شيء ترى؟» فقال له: - «الآن وقد مضى ما مضى والله لا صحبك إلى الحضرة ولا إلى الجبل أحد ممّن معك ولا لهم نفقات تنهضم. فإن أردت أن تمضى فى عشرين غلاما إلى السلطان فذاك إليك.»

стр. 2542

فأجاب البريدي عن كتابه بأنّه يروى ويذكر له ما عنده بعد أن استمهله شهرا ليتأهّب للسفر الذي يقصده. فعاد إليه من جواسيسه واحد كذبه فأخبره بأنّ الجيش وافى عسكر مكرم ونزلوا الدور وانبسطوا فى المدينة فأحضر غلامه مونسا وقال له: - «ظفرنا والحمد لله بعدوّنا وكافر نعمتنا فنسير من تستر وقت عتمة ونصبّح عسكر [٥٢٧] مكرم والقوم غارّون فى الدور فنكبسهم ونشرّدهم ونمتدّ إلى الأهواز فلا يثبت لنا البريدي بل يكون همّه الهرب لوجهه.» فقال مونس: - «أرجو أن يكون هذا صوابا.» وسار ياقوت ووصل إلى عسكر مكرم وقد بدأت الشمس من مطلعها وامتدّ مشتقّا للبلد [١] إلى ناعورة السبيل ونهر جارود فلم ير لرجال البريدي أثرا فخيّم ونزل عند النهر ومضى يومه إلى آخره وهو متعجّب من الغرور الذي غرّه جاسوسه. فلمّا كان وقت العصر ظهرت الطلائع ثمّ أقبل العسكر وأميرهم أبو جعفر الجمّال فنزل على فرسخ من ياقوت وحجز الليل بين العسكرين وأصبح فكانت بينهم مناوشة ومبارزة واتّعدوا للحرب فى اليوم الذي يليه لأنّ عسكر البريدي كان منتظرا عسكرا قد سيّره البريدي على طريق دجيل ليدخل من ضفّته كمينا على ياقوت حتّى يصير وراءه. ثمّ أصبحوا فى اليوم الثالث من ورود ياقوت عسكر مكرم فابتدأت الحرب منذ وقت طلوع الشمس إلى وقت الظهر وثبت ياقوت ومعه ممّن نصره مثل مونس وآذريون ومشرق وغيرهم فى دون ألف رجل. فأعيا من بإزائه من أبى جعفر الجمال وغيره

стр. 2543

على كثرة عددهم حتّى [٥٢٨] كادت البريديّة تنهزم. وجاءت [١] الظهر وقد بلغت القلوب الحناجر فطلع الكمين وهم ثلاثة آلاف رجل جامّين [٢] . فأبلس ياقوت وقال: - «لا حول ولا قوّة إلّا بالله العلىّ العظيم.» وأومأ مونس أن يقصدهم ويكفيه إيّاهم فعدل مونس مع ثلاثمائة رجل إليهم وبقي ياقوت فى خمسمائة رجل فما مضت ساعة حتّى وافى منهزما فرمى ياقوت نفسه من دابّته ونزع سلاحه وما عليه من ثيابه حتّى بقي بسراويل وقميص سينيزىّ. ثمّ أوى إلى رباط يعرف برباط الحسين بن دبار فاستند إليه ولو دخل الرباط واستتر فيه لانستر أمره ولجنّه الليل ولجاز أن يسلم. فجلس بحيث ذكرت وهو بقرب ناعورة السبيل وغطّى وجهه ومدّ يده يسأله ليقدّر فيه أنّه من أرباب النعم افتقر وهو يطلب هديّة [٣] فركب إليه قوم من البربر ورأوه بهذه الصورة فطلبوه بكشف وجهه فامتنع وأومأ إليه أحدهم بمزراق فقال: - «أنا ياقوت احملونى إلى البريدي.» فاجتمعوا عليه وحزّوا رأسه وانهزم مونس ومشرق وآذريون إلى تستر واتّبعهم الأعراب والبربر فأسروهم وردّوهم. وأطلق أبو جعفر الجمال طائرا بالخبر إلى البريدي يستأذن [٥٢٩] فى رأس ياقوت. فردّ إليه فى الجواب مع غلام يركض بأن يجمع الرأس والجثّة ويدفن الجميع فى الموضع الذي قتل فيه.

стр. 2544

طغيان البريدي بعد مقتل ياقوت وقبض البريدي على المظفّر ابنه مدّة ثمّ أنفذه إلى الحضرة. وطغى البريدي بعد ذلك وشهّر نفسه بالعصيان وقد كانت نفسه ضعيفة فيما ارتكبه من أمر ياقوت فقوّاها أخوه أبو يوسف حتّى جهّز إليه العساكر وقتله. فحكى أبو زكريا يحيى بن سعيد السوسي أنّه سمع أبا يوسف البريدي يخاطب أبا عبد الله أخاه فقال أبو عبد الله: - «يا أخى أخاف أن تتعصّب الحجريّة علينا فيقتلونا إن دخلنا الحضرة يوما وفى العاجل لست آمن على أخى أبى الحسين وهو بالحضرة أن يقتل بثأره.» فقال أبو يوسف: - «أمّا أبو الحسين فنحن نكتب إليه بالخبر حتّى يأخذ لنفسه ويستظهر، وأمّا الحجريّة ودخولنا الحضرة، بعد أن وسمنا بمصادرة اثنى عشر ألف ألف درهم، فهيهات من ذلك. أبعد تخلّصنا من القاهر ومن الخصيبى الملعون وسلامة أرواحنا نحدّث أنفسنا بدخول الحضرة؟ بلى ستهدم منازلنا وإلى لعنة الله، ما نعود إلى الحضرة فنحتاج إليها وقد أدبرت [١] . ودع يا أبا عبد الله ما اعتدت فإنك لا ترى مثله مع خلوقة الزمان [٥٣٠] وإدبار الملك وفقر الخلافة. وقد كنّا نتكسّب من السلطان وهو اليوم مثلنا نحن بل نحن مكسب له يريد أن يجتاحنا ويأخذ مالنا ومتى لم نعتصم بهذه العساكر المجتمعة ونخرج ياقوتا منها سقطنا ثمّ يطول علينا أن نجد من أيّامنا يوما. والله ما أشرت عليك بما نسمع إلّا بعد أن استعددت له ما يعينني عليه وقد واقفتك

стр. 2545

على هذا سرّا وجهرا وأبو زكريا ممّن لا نحتشمه.» قال أبو زكريا: وإنّما أومأ أبو يوسف بهذا القول إلى مال السوس وجنديسابور فإنّ أبا عبد الله كان أجمّه عنده استظهارا وأناخ فى النفقات وأرزاق الأولياء وما كان يعلّل به السلطان على أموال كور الأهواز الباقية. وكان يجتذب القطعة فالقطعة منها ويجعل ذلك وراءه ولم يكن له نفقة ولا بذخ حينئذ. وما وهب قطّ لطارق ولا شاعر ولا ولد نعمة شيئا وكان عارفا بورود الأموال وخرجها وجميعها تجرى على يده فإن شذّ منها شيء عنه إلى إسرائيل بن صلح وسهل بن نظير الجهبذين لم يخف عليه مبلغه. قال: واستخرج أبو عبد الله وأخوه أبو يوسف من كور الأهواز بعد تقليد الراضي إيّاهما لسنى اثنتين وثلاث [٥٣١] وأربع وعشرين وثلاثمائة وإلى شعبان من سنة خمس- فإن بجكم هزمهم وأخرجهم عنها فى هذا الشهر- ثمانية آلاف ألف دينار وجميع ما خرج عنها فى جميع وجوه النفقات دون أربعة آلاف ألف دينار حاصلة. وسمعت يعقوب الصيرفي اليهودي يقول: سمعت أبا عبد الله يقول: - «نمضي إلى البصرة فإن تمّ لنا بها أمر فقد كفينا وإن حزبنا أمر [١] لا نطيقه قصدنا عمان واستجرنا بصاحبها- يعنى يوسف بن وجيه- فإنّه حرّ ودبّرنا أمرنا فإمّا أن عبرنا إلى فارس واستجرنا بعلىّ بن بويه فإنّ دولة الديلم قوية والحضرة مدبّرة، وإمّا أن عبرنا إلى التيز ومكران وقصدنا صاحب خراسان. فالطريق إليها جدد.»

стр. 2546

عود إلى ذكر أخبار الحضرة وتدبير الوزراء لها وعدنا إلى ذكر أخبار الحضرة وتدبير الوزراء لها. كان الوزير غير ناهض بالوزارة وما زالت الإضافة تزيد ومن فى يده مال من المعاملين يطمع [١] وقطع ابن رائق الحمل من واسط والبصرة والبريديون من الأهواز وعلىّ ابن بويه قد تغلّب على فارس وابن الياس على كرمان فتحيّر أبو جعفر الكرخي واعتدت المطالبات عليه وانقطعت الموادّ عنه ونقصت هيبته فاستتر بعد ثلاثة أشهر [٥٣٢] ونصف من وقت تقلّده، ووجد فى خزانته سفاتج لم تفضّ [٢] وما يجرى هذا المجرى من العجز وقلّة النفاذ فى العمل. وزارة سليمان بن يحيى ولمّا استتر الكرخي استحضر الراضي سليمان بن الحسن أبا القاسم فقلّده الوزارة والدواوين. فكان فى التحيّر وانقطاع المواد عنه على مثل حال الكرخي فدفعت الضرورة الراضي بالله إلى أن راسل أبا بكر محمّد بن رائق وهو بواسط وأذكره بما ضمن من القيام بالنفقات وإزاحة علّة الجيش والحشم ومسألته عمّا عنده من المقام على ذلك أو الانصراف عنه. فتلقّى أبو بكر محمّد بن رائق الرسول بالجميل ووصله بألف دينار وأجاب عن الكتاب بأنّه مقيم على ما ضمنه.

стр. 2547

ذكر استيلاء ابن رائق على الخلافة وسائر الممالك فأنفذ إليه الراضي ماكرد الديلمي من الساجيّة وعرّفه أنّه قلّده الإمارة ورئاسة الجيش وجعله أمير الأمراء وردّ إليه تدبير أعمال الخراج والضياع وأعمال المعاون فى جميع النواحي وفوّض إليه تدبير المملكة وأمر بأن يخطب له على جميع المنابر فى الممالك وبأن يكنّى، وأنفذ إليه الخلع واللواء مع ماكرد الديلمي وخادم من خدم السلطان وانحدر [٥٣٣] إليه أصحاب الدواوين كلّهم وجميع قوّاد الساجيّة والحسن بن هارون. فلمّا حصلوا بواسط قبض على الساجيّة وعلى الحسن بن هارون قبل أن يصلوا إليه وحبس الساجيّة ونهبت رحالاتهم وقيل للحجريّة: - «إنّما فعلنا ذلك بالساجيّة لتتوفّر أموالكم.» وورد الخبر بذلك إلى بغداد وكان قد بقي من الساجيّة ببغداد خلق فخرجوا إلى الموصل وإلى الشام. واستوحش الحجريّة ببغداد لما جرى على الساجيّة بواسط فقصدوا دار السلطان وأحدقوا بها وضربوا خيمهم حولها ووجّه ابن رائق بمونس الأفلحى وبارس الحاجب إلى بغداد فضربوا خيمهم فى باب الشمّاسيّة وقلّة لؤلؤ الشرطة ببغداد. ثمّ أصعد محمّد بن رائق من واسط يوم الجمعة لعشر بقين من ذى الحجة ومعه بجكم. فرتّب محمّد بن رائق فوق الوزير وخلع عليه وركب إلى مضربه فى الحلبة وحمل إليه من دار السلطان الطعام والشراب والفواكه عدّة أيّام وخدمه فى ذلك خدم السلطان. واجتمع إليه الغلمان الحجريّة وسلّموا عليه وأمرهم بقلع خيمهم من دار السلطان والانصراف إلى منازلهم ففعلوا.

стр. 2548

وبطل منذ [٥٣٤] يومئذ أمر الوزارة فلم يكن الوزير ينظر فى شيء من أمر النواحي ولا الدواوين ولا الأعمال ولا كان له غير اسم الوزارة فقط وأن يحضر فى أيّام المواكب. وصار ابن رائق وكاتبه ينظران فى الأمر كلّه وكذلك كلّ من تقلّد الإمارة [١] بعد ابن رائق إلى هذه الغاية وصارت أموال النواحي تحمل إلى خزائن الأمراء فيأمرون وينهون فيها وينفقون كما يرون ويطلقون لنفقات السلطان ما يريدون وبطلت بيوت الأموال. وفى هذه السنة ملك ابن الياس كرمان وصفت له بعد حروب جرت له مع جيش خراسان. إفضاء أمر أحمد بن بويه إلى ملك العراق وفى هذه السنة جرت الحادثة على أبى الحسين أحمد بن بويه وأصيب بيده ووقع بين القتلى ثمّ تخلّص وأفضى أمره إلى ملك العراق. ذكر السبب فى ذلك لمّا تمكّن علىّ بن بويه بفارس وتمكّن أخوه الحسن بن بويه بإصبهان نظر فى أمر أخيه الأصغر أبى الحسين أحمد بن بويه فتقرّر الأمر بينهما مكاتبة ومراسلة على أن يتوجّه إلى كرمان فضمّ إليه علىّ بن بويه عسكرا [٥٣٥] فيه من كبار الديلم ومذكوريها ألف وخمسمائة رجل ونحو خمسمائة رجل من الأتراك ومن يجرى مجراهم. وكان يكتب لأبى الحسين فى ذلك الوقت رجل يعرف بأبى الحسين أحمد بن محمّد الرازي وكان ممتعا بإحدى عينيه ويعرف بكوردفير [٢] ولم تكن له

стр. 2549

صناعة ولكنّه كان واسع الصدر شجاعا. فورد السيرجان واستخرج منها مالا وأنفقه فى عسكره وكان إبراهيم بن سمجور الدواتى من قبل صاحب خراسان محاصرا لمحمّد بن الياس بن اليسع الصغدي. فلمّا بلغ ابن سمجور خبر الديلم رجع إلى خراسان ونفّس عن خناق محمّد بن الياس فتخلّص وانتهز الفرصة وخرج عن القلعة التي كان فيها إلى مدينة بم وهي على مفازة تتصل بسجستان. فسار أحمد بن بويه إليه فرحل إلى سجستان من غير حرب فانصرف من هناك وتوجّه إلى جيرفت- وهي قصبة كرمان- واستخلف على بم بعض قوّاده. فلمّا أشرف على جيرفت [١] تلقّاه رسول علىّ بن الزنجي وكان رئيس القفص [٢] والبلوص وهو المعروف بعلىّ بن كلويه [٣] . وكان هو وأسلافه متغلبين على تلك الأعمال إلّا أنّهم يجاملون كلّ سلطان يرد عليهم ويذعنون له ويحملون إليه مالا [٥٣٦] معلوما ولا يطؤون بساطه. فبذل لأحمد بن بويه ذلك المال على الرسم. فأجابه بأنّ الأمر فى هذا إلى أخيه علىّ بن بويه وأنّه لا بدّ له من دخول جيرفت. فإذا دخلها كاتبه وراسله فى ذلك وأمره أن يبعد عن البلد. فاستجاب ورحل إلى نحو عشرة فراسخ من البلد فى موضع وعر صعب المسلك. وتردّدت المراسلات بينهما إلى أن تقرّر الأمر بينهما على أن ينفذ إليه رهينته ففعل وقاطعه عن البلد على ألف ألف درهم يحملها فى كلّ سنة وحمل فى الوقت مائة ألف درهم منسوبة إلى الهدية وغير محسوبة من مال

стр. 2550

المقاطعة، وأقام له الخطبة. ثمّ حمل شيئا من مال التعجيل وسلك سبيل الوفاء معه. فأشار كوردفير الكاتب على أحمد ابن بويه بأن يسرى إليه ناقضا ما بينهما من العهود فإنّه سيجده غير متحرّز وأصحابه غارّين لسكونهم إلى وقوع الاتفاق وزوال الخلاف فيفوز بأموالهم وذخائرهم ويستولى على ديارهم ويتمّ له ما لا يتمّ لأحد قبله. ذكر ما كان من عاقبة هذا الغدر والنكث أصغى أبو الحسين أحمد بن بويه إلى كاتبه ووقع بوفاقه [١] لحداثة سنّة واغتراره [٥٣٧] فحمل نفسه على مفارقة ما يجب عليه فى الدين والمروءة وجمع صناديد عسكره وخلّف سواده وما يجرى مجراه وأسرى للوقت إلى القوم وذلك عند صلاة العصر ليصبّحهم بياتا. وكان علىّ بن كلويه متيقّظا قد وضع عيونه عليه فسبق إليه الخبر فجمع أصحابه ورتّبهم على مضيق بين جبلين كان الطريق فيه. فلمّا توسّط أبو الحسين فى الليل مع أصحابه ثاروا به من جميع الجوانب فقتلوا وأسروا رجال العسكر فلم يفلت منهم إلّا اليسير. ووقعت بأبى الحسين أحمد بن بويه ضربات كثيرة كانت ظاهرة فيه وطاحت يده اليسرى وبعض أصابع يده اليمنى وأثخن بالضرب فى رأسه وسائر جسده وسقط بين القتلى. وورد الخبر بذلك إلى جيرفت فهرب كاتبه كوردفير ومن تأخّر من أصحابه. ولمّا أصبح علىّ بن كلويه أمر بتتبّع القتلى والتماس أحمد بن بويه فوجدوه حيّا. إلّا أنّه قد أشفى على التلف. فحمل إلى جيرفت وأقبل علىّ بن كلويه على علاجه وخدمته وبلغ فى ذلك كلّ مبلغ واعتذر إليه وأظهر الغمّ

стр. 2551

بما أصابه. واتّصل الخبر بعلىّ بن بويه فاشتدّ غمّه وقبض على كوردفير وأنفذ مكانه [٥٣٨] أبا العبّاس وخطلخ حاجبه فى ألفى رجل ليجمعا ما بقي من سواد معزّ الدولة- أعنى أحمد بن بويه- بالسيرجان ويضمّا من بقي من فلّ العسكر. وأنفذ علىّ بن كلويه رسله وكتبه إلى علىّ بن بويه بالاعتذار ممّا جرى ويوضّح له الصورة ويبذل من نفسه الطاعة ويذكر أنّه ما فارقها ولا خرج عنها. فأنفذ إليه علىّ بن بويه قاضى شيراز وأبا العبّاس الحنّاط وأبا الفضل العبّاس بن فسانجس وجماعة من الوجوه وأجابه بالجميل وبسط عذره وأمضى ما كان قرّره وردّ رهينته وجدّد له عهدا وعقدا. فحينئذ أطلق علىّ ابن كلويه أبا الحسين أحمد بن بويه وأطلق معه اسفهدوست وسائر من كان أسيرا فى يده بعد أن أجمل معاملتهم وخلع عليهم وحمل إليهم آلات وألطافا. فلمّا وصل أحمد بن بويه إلى السيرجان وجد كاتبه مقبوضا عليه وقد جرى عليه مكاره عظيمة أشرف منها على التلف فاستنقذه ونصره وبرّأه من الذنب وشفع إلى أخيه فيه فشفّعه وأطلقه. وتأدّى إلى أبى علىّ ابن الياس ما جرى على أبى الحسين وطمع فيه وسار من سجستان حتّى نزل البلد المعروف بخناب فتوجّه إليه أبو الحسين [٥٣٩] واشتدّت الحرب بينهما أيّاما، إلّا انّ عاقبة الأمر كانت لأبى الحسين. فانهزم ابن الياس وعاد أبو الحسين ظافرا وتتبعت نفسه التشفي من علىّ بن كلويه وطلب الثأر عنده. فتوجّه إليه واستعدّ علىّ بن كلويه واحتشد ثمّ سار إليه فلمّا صار بين العسكرين نحو من فرسخين نزل وعملوا على مباكرة الحرب فأسرى علىّ بن كلويه فى جماعة من أصحابه وهم قوم رجّالة قادرون على العدو والمصابرة فيه فوقع على عسكر أبى الحسين ليلا. واتفق أن تغيّمت السماء بمطر جود واختلط الناس فلم يتعارفوا

стр. 2552

إلّا باللعنات [١] . فأثّروا فى عسكر أبى الحسين وقتلوا ونهبوا وانصرفوا وبات عسكر أبى الحسين بقية ليلتهم يتحارسون. فلمّا أصبحوا ساروا إلى القوم فأوقعوا بهم وقتلوا منهم عدّة وانهزم علىّ بن كلويه ورجع أبو الحسين وقد نقع بعض غلّته إلّا أنّ فى صدره بعد حزازات. وكتب إلى أخيه علىّ بن بويه بالبشارة والظفر بابن الياس وانهزامه وبعلىّ ابن كلويه وهربه. فورد عليه الجواب بأن يقف حيث انتهى ولا يتجاوزه. وأنفذ إليه المرزبان بن خسره الجيلي أحد قوّاده الكبار ليبادر به إلى حضرته ويمنعه [٥٤٠] التلوّم والمراجعة وكاتب سائر القوّاد بمثل ذلك. فرجع إلى حضرته كارها لأنّه ما كان بلغ ما فى نفسه من علىّ بن كلويه وأصحابه. فلمّا وصل إلى إصطخر أقام. ذكر ما اتّفق له من الخروج إلى بلدان العراق حتّى ملكها واتفق أنّ أبا عبد الله البريدي وافى فارس فى البحر لاجئا إلى علىّ بن بويه وذلك أنّ محمّد بن رائق وبجكم استظهرا عليه فى عدّة حروب وانتزعا الأهواز من يده وأشرفا على انتزاع البصرة منه. فخلّف أخاه أبا يوسف وأبا الحسين علىّ بن محمّد بها. فلمّا ورد حضرة علىّ بن بويه مستصرخا به أكرمه وأحسن ضيافته وبذل له أبو عبد الله- إذا ضمّ إليه الرجال- أن يمكّنه من أعمال العراق ويصحّح له أموالا عظيمة من الأهواز ويسلّم إليه ولدين له رهينة. واستقدم علىّ بن بويه أخاه أبا الحسين من إصطخر فلمّا قرب منه تلقّاه

стр. 2553

فى جميع عسكره وقرّبه ورتّبه فوق ما كان فى نفسه تسلية له عن مصيبته ثمّ أنهضه مع أبى عبد الله البريدي فى عسكر قوىّ وعدّة تامّة وسار واتّصل خبره بمحمّد بن رائق وبجكم. فأمّا بجكم فإنّه عاد إلى الأهواز وكان مع ابن رائق بعسكر أبى جعفر [٥٤١] محاصرين البصرة وأراد أن يمنع الديلم من تورّد الأهواز. وأمّا ابن رائق فعاد إلى واسط والتقى عسكر بجكم وعسكر أبى الحسين بالقرب من رامهرمز وانحاز بجكم إلى عسكر مكرم بعد حروب سنذكرها إن شاء الله فى سنة ستّ وعشرين. ودخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وفيها أشار أبو بكر محمّد بن رائق على الراضي بالله أن ينحدر معه إلى واسط ليقرب من الأهواز ويراسل البريدي فإن انقاد إلى ما يراد منه وإلّا ... [١] عليه قصده. فاستجاب الراضي إلى ذلك وانحدر يوم السبت غرّة المحرّم واضطربت الحجريّة وقالوا: - «هذه تعمل علينا ليعمل بنا ما عمل بالساجيّة ونحن نقيم ببغداد.» فلم يلتفت ابن رائق إليهم وانحدر بعضهم وتأخّر أكثرهم ثمّ انحدر الجميع. فلمّا صاروا بواسط عرضهم ابن رائق وبدأ بخلفاء الحجّاب وكانوا نحو خمسمائة حاجب فاقتصر منهم على ستين وأسقط الباقين ونقص أزراق [٢] من أقرّ منهم وأخذ يعرض الحجريّة ويسقط منهم الدخلاء والبدلاء والنساء والتجّار ومن لجأ إليهم فاضطربوا من ذلك ولم يستجيبوا إليه. ثمّ استجابوا وعرضهم وأسقط منهم عددا كثيرا ثمّ اضطربوا [٥٤٢] وحملوا السلاح

стр. 2554

فحاربهم ابن رائق يوم الثلاثاء لخمس بقين من المحرّم حربا عظيمة فكانت على الحجريّة فقتل بعضهم وأسر بعضهم وانهزم الباقون إلى بغداد. فركب لؤلؤ صاحب الشرطة ببغداد وأوقع بالمنهزمين واستتروا فنهبت دورهم وأحرق بعضها وقبضت أملاكهم. فلمّا فرغ ابن رائق من حرب الحجريّة وقهرهم [١] تقدّم بقتل من كان اعتقلهم من الساجيّة فقتلوا سوى صافى الخازن والحسن بن هارون. فلمّا فرغ من الساجيّة والحجريّة عمل الراضي بالله وأبو بكر بن رائق على الشخوص إلى الأهواز ودفع البريدي عنها وأخرجت المضارب إلى باذبين [٢] وبلغ البريدي ذلك فقلق قلقا شديدا وأنفذ إلى أبو جعفر ابن شيرزاد وأبو محمّد الحسن بن إسماعيل الإسكافى برسالة من الراضي بالله ومن ابن رائق يعرّفان أنّه قد أخّر الأموال واستبدّ بها وأفسد الجيوش وحسّن لها المروق وأنّه ليس بطالبىّ يسارع على الملك ولا بجندىّ فيبتغى الإمارة ولا من حملة السلاح فيؤهّل لفتح البلاد المنعلقة وأنّه كان كاتبا صغيرا فرفع بعد خمول وعاملا من أوسط العمّال فاصطنع وأهّل لجليل [٥٤٣] الأعمال فطغى وكفر النعمة وجازى عن الإحسان بالسوء وخلع الطاعة وأنّه إن سلّم الجند وحمل المال أقرّ على العمالة وإلّا قصد وعومل بما يستحقّ. فوافياه وأخبراه بما تحمّلاه ونصحا له فعقد على نفسه كور الأهواز بثلاثمائة وستين ألف دينار يحمل منها فى كلّ شهر من شهور الأهلّة ثلاثين ألف دينار وأن يسلّم الجيش ممّن يؤمر بتسليمه إليه ممّن يؤمّر عليهم ليخرج بهم إلى فارس للحرب إذ كانوا كارهين للعود إلى الحضرة لضيق الأموال بها

стр. 2555

ولاختلاف كلمة الأولياء فيها ولأنّهم لا يأمنون الأتراك والقرامطة. وكاتبا ابن رائق بذلك فعرضه على الراضي بالله وشاور فيه الحسين بن علىّ النوبختي فأشار بألّا يقبل منه ذلك وأن يتمّم ما شرع فيه من قصده ما دام قلبه قد نخب وأن يخرج الأهواز من يده ولا يقارّ بها. وأشار أبو بكر ابن مقاتل بقبول ما بذله وإقراره فى ولايته. فمال ابن رائق إلى الهوينا وقبل رأى ابن مقاتل وكان الرأى الصحيح مع النوبختي وكتب إلى ابن شيرزاد وابن إسماعيل وأذن لهما فى العقد والإشهار [١] ففعلا وانصرفا. فأمّا المال فما حمل منه دينار [٥٤٤] واحد. وأمّا الجيش فإنّه أنفذ جعفر بن ورقاء لتسلّمه والنهوض إلى فارس به فوافى جعفر بن ورقاء الأهواز وتلقّاه أبو عبد الله البريدي فى الجيش كلّه كوكبة بعد كوكبة حتّى ملأ الأرض بهم واسودّت منهم حافّين بأبى عبد الله حوله فورد على جعفر بن ورقاء ما حيّره. ثمّ أنفذت الخلع السلطانيّة إلى أبى عبد الله البريدي بالولاية وعمالة الأهواز فلبسها فى جامع الأهواز وانصرف إلى داره فمشى العسكر قوّادهم وفرسانهم وصميمهم وعبيدهم ورجالتهم بخفاقهم وراياتهم وأسلحتهم بين يديه. فيئس جعفر بن ورقاء وكان راكبا معه وانخزل وسقطت نفسه. فلمّا بلغ داره احتبسه واحتبس القوّاد معه والناس، وكان يوما عظيما. ثمّ أقام جعفر بن ورقاء أيّاما فدسّ عليه البريدي الرجال فشغبوا وطالبوه بمال يفرّق فيهم رزقة تامّة للنهوض. فاستتر واستجار بالبريدى فأخرجه وعاد إلى الحضرة. وعنى ابن رائق بأبى الحسين البريدي قبل هذه الحال حتّى انحدر من

стр. 2556

بغداد ولحق بأخويه. ولمّا تقرّر أمر البريدي أصعد الراضي بالله وابن رائق إلى بغداد. ودخل أبو عبد الله الحسين بن علىّ كاتب الأمير ابن رائق بغداد. [٥٤٥] ذكر حيلة أبى بكر ابن مقاتل على الحسين بن علىّ النوبختي حتّى عزله عن كتابة ابن رائق وكان أبو بكر محمّد بن مقاتل متمكّنا من ابن رائق التمكّن المشهور منحرفا عن الحسين بن علىّ النوبختي بعد المودّة الوكيدة. وكان هو أوصله إلى ابن رائق وأدخله فى كتابته فلهذا ولأنّ الحسين بن علىّ فوقه ومتفرّد بابن رائق- وهو المدبّر للملك والذي بنى لابن رائق تلك الرتبة العظيمة والذي ساق إليه تلك النعمة وجمع له تلك الأموال التي كان مستظهرا بها من ضمان واسط والبصرة- أشار على ابن رائق أن يعتضد بأبى عبد الله البريدي وأن يستكتبه ليتفق الكلمة ويجتمع جيش الأهواز إلى جيشه وقال له: - «أيّها الأمير لك فى ذلك جمال عظيم لأنّه اليوم كالنظير لك فإذا تواضع وصار تابعا جاز حكمك عليه وسيقال لك: إنّ البريدي غدر بالسلطان وبياقوت فكيف تثق به؟ فالجواب عن هذا أنّه ليس يجمعكما أرض فتتمّ حيلته عليك كما تمّت على ياقوت وأنت غير قادر عليه إلّا بحرب وقد يجوز أن تظفر به أو [١] يظهر هو. فإذا كنّا قد انتهينا إلى هذه الحال معه فحطّه من الإمارة إلى الكتابة وتصييره تابعا ثمّ جذب رجاله [٥٤٦] وجيشه بالخدعة أو إنفاذه مع بجكم ليفتح لنا فارس وإصبهان أولى من دفعه عمّا

стр. 2557

سأل وإيحاشه فيحتاط لنفسه ويخبّب الرجال وقد حمل إلى الأمير مع هذا ثلاثين ألف دينار هدية هي فى منزلي.» وقال له ابن رائق: - «ما كنت لأصرف الحسين بن علىّ مع نصحه لى وتبرّكى به ولو فتح لى فارس وإصبهان وساقهما إلىّ خصوصا وأهداهما لى دون غيرى.» قال: «أيّها الأمير فإن كرهت هذا فضمّنه واسطا والبصرة.» فقال: «هذا لفعلته إن أشار به أبو عبد الله الحسين بن علىّ.» قال: «فتكتمه أيّها الأمير خوضنا فى الكتابة ولا تذكرها.» وحضر أبو عبد الله الحسين بن علىّ بعد ذلك وعرض عليه هذا الرأى فضجّ منه وعدّد مساوئ البريدي وغدره وكفره الصنائع منذ ابتداء أمرهم وإلى أن كاشفوا بالعصيان، وأعاد حديث ياقوت. ثمّ التفت إلى ابن مقاتل فقال: - «ما قضيت حقّ هذا الأمير ولا نصحته.» ثمّ قال: - «أنا عليل أيّها الأمير، فإن عشت وأنا معك فهيهات أن يتمّ عليك وإن مضى فىّ حكم الله فنشدتك [١] الله أن تأنس بالبريدى أو تسكن إليه بشيء من أصناف حيله.» فدمعت عين ابن رائق وقال: - «بل يحييك الله [٥٤٧] ويهلكه.» وكان الحسين ابن علىّ عليلا من حمّى وسعال. ثمّ انصرف الحسين بن علىّ وابن مقاتل مغضب. فقال لابن رائق:

стр. 2558

- «قد حمل الرجل إليك ثلاثين ألف دينار ولا بدّ من أن تعمل به جميلا. فاقبل أحمد بن علىّ الكوفي خليفة لنا بحضرتك ونائبا عنه إلى أن ترى رأيك.» فقال: «أمّا هذا فنعم.» وكتب ابن مقاتل إلى البريدي بما جرى وأنفذ أحمد بن علىّ الكوفي ووافى حضرة أبى بكر محمّد بن رائق بمدينة السلام واختلط به نيابة عن أبى عبد الله البريدي وثقل الحسين بن علىّ النوبختي فتأخّر عن الخدمة أيّاما. وكان له ابن أخ قد صاهره فهو يخلّفه فى مجلس ابن رائق ويوقّع عنه. فقال ابو بكر ابن مقاتل للأمير ابن رائق: - «حسن العهد من الإيمان وهو من الأمير أحسن لأنّه عائد بالسلامة علىّ ولكن إضاعة الأمور ليس من الحزم والحسين بن علىّ ميّت فانظر لنفسك فإنّ الأمور قد اختلّت.» فقال: «يا هذا، الساعة والله سألت سنان بن ثابت عنه فقال: قد صلح وخفّ النفث وأنّه أكل الدرّاج.» فقال: «سنان رجل عاقل ولا يحبّ أن يلقاك فيمن تعزّ بما تكره [١] ولا سيّما هو وزير الزمان ولكن صهره [٥٤٨] وابن أخيه خليفته أحضره وحلّفه أن يصدقك.» قال: «افعل.» وانصرف ابن مقاتل ودعا علىّ بن أحمد بن أخى الحسين بن علىّ وقال له: - «قد مهدّت لك كتبة الأمير وواقفته على تقلّدك إيّاها وهي وزارة

стр. 2559

الحضرة وعمّك ذاهب فإن سألك فعرّفه أنّه ميّت لا محالة. فإنى أعود إليه وأناجزه فيخلع عليك قبل أن يطمع فيها غيرك.» فاغترّ [١] علىّ بن أحمد وسأله محمّد بن رائق من غد بعد أن أخلى نفسه عن خبر عمّه. فكان جوابه أن بكى وقال: - «أعظم الله أجرك أيّها الأمير فى أبى عبد الله عدّه من الأموات.» ثمّ لطم وجهه. فقال ابن رائق: - «لا حول ولا قوّة إلّا بالله أعزز علىّ به، لو فدى حىّ ميّتا لفديته بملكي كلّه.» واستدعى ابن مقاتل فقال له: - «كان الحقّ معك قد يئسنا من الحسين بن علىّ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فأىّ شيء نعمل؟» فقال: «هذا أبو عبد الله أحمد بن علىّ الكوفي نظير الحسين بن علىّ وكانا صنيعتي إسحاق بن إسماعيل النوبختي، هو فى نهاية الثقة والعفاف وهو خصيص بأبى عبد الله البريدي وإن أنت استكتبته اجتمعت لك كفاية إلى عفافه واستقصائه وانضاف إلى ذلك كلّه حصول أولئك فى جملتهم وانقطاعهم [٥٤٩] إليك ونعتدّ على أبى عبد الله أنّا قد أجبناه إلى ما سأل من كتابتك واستخلفنا صاحبه أبا عبد الله الكوفي.» فقال: «استخر الله وافعل ولكن عهدة أبى عبد الله الكوفي عليك ألّا يغشّنى ويؤثر البريدي فى حال من الأحوال.» فقال: «أنا الضامن عن أبى عبد الله الكوفي كلّ ما شرطه الأمير.» فاستكتبه فدبّر الأمور كلّها كما كان يدبّرها الحسين بن علىّ وأسقط من

стр. 2560

الكتب التي تكتب عن ابن رائق وكتب: «فلان بن فلان» . وكان الحسين بن علىّ يكتب ذلك على رسم الوزارة فكانت مدّة تدبير الحسين بن علىّ النوبختي لأمور المملكة ثلاثة أشهر وثمانية أيّام. وكتب أبو بكر ابن رائق إلى أبى عبد الله البريدي يعتدّ عليه بما احتال له حتّى زحزح الحسين بن علىّ وساق الأمر إليه واستخلف له أبا عبد الله الكوفي فحمل إليه أبو عبد الله البريدي عشرة آلاف دينار وحمل [١] إلى ابن رائق عشرين ألف دينار بعد الثلاثين الألف الدينار التي قدّمنا ذكرها. واستقلّ الحسين بن علىّ النوبختي وصحّ جسمه وعوفي فكتم ذلك عن ابن رائق وتمكّن البريديون حتّى غلبوا على البصرة. ذكر الخبر عمّا احتالوا به واتفق أيضا لهم لمّا مضى [٢] شهر من استكتاب ابن رائق أبا عبد الله الكوفي [حتى] شرع لأبى يوسف البريدي فى ضمان [٥٥٠] البصرة وواسط فأشار علىّ بن رائق بذلك فقال: - «لا أفعل ولا أثق بهما.» قال له: - «ولم أيّها الأمير؟ أمّا واسط فأنا مدبّرها وليس يرد لهم إليها ولا راجل، وعلىّ توفية مالها. وأمّا البصرة فقد قرّرت أمرها على أربعة آلاف ألف درهم على أن يقيم لى بها ضمناء ثقات.»
следующие страницы →