إلى حيث أريد، وأخرج الرجال فلا يدرون إلى أين مضوا ولا من أين رجعوا، واستغنى عن القتل.
واستوزر المتقى لله أبا الحسين أحمد بن محمّد بن ميمون وخلع عليه واستحلف أبا عبد الله الكوفي وطلب تكينك فاستتر.
وقدم الترجمان من واسط، فأقرّه المتقى لله على الشرطة ببغداد.
وفيها أصعد البريديون من البصرة بعد قتل بجكم. ذكر الخبر عن إصعادهم وما آلت إليه أمورهم
لمّا قتل بجكم اختلف أهل عسكره. فأمّا الديلم فعقدوا الرئاسة لبلسوار ابن مالك بن مسافر الكنكرى، فهجم عليه الأتراك وقتلوه. فانحدر الديلم بأسرهم إلى البصرة مستأمنين إلى أبى عبد الله البريدي وكانوا ألفا وخمسمائة رجل مختارين منتجبين ليس فيهم حشو. فقوى البريدي بهم وعظمت شوكته واستظهر بهم على السلطان وانضاف عسكرهم إليهم فبلغوا سبعة آلاف رجل.
فأصعد البريديون من البصرة إلى واسط، فراسلهم المتقى لله وأمرهم ألّا [٤٢] يصعدوا وأن يقيموا بواسط فأرسلوا:
- «إنّا محتاجون إلى مال الرجال فانفذ إلينا ما نرضيهم [١] به ونحن نقيم.» فوجّه المتقى لله أبا جعفر بن شيرزاد بعد أن ردّ عليه ضيعته مع عبد الله بن يونس صاحب بيت المال وانحدر فى جملته تكينك سرّا من المتقى لله.
وقال الأتراك البجكمية والجنكاتى [٢] الذي كان استأمن من جهة البريدي
стр. 2627
للمتقى لله:
- «نحن نقاتل بنى البريدي إن جاءوا، فأطلق لنا مالا وانصب لنا رئيسا.» فأنفق فيهم وفى رجال الحضرة القدماء أربعمائة ألف دينار من المال الذي وجد لبجكم وجعل الرئيس عليهم سلامة الطولونى الحاجب وبرزوا مع المتقى لله إلى نهر ديالى.
وعاد عبد الله بن يونس بجواب الرسالة من البريديين يلتمسون المال.
فحمل إليهم معه من مال بجكم أيضا مائة وخمسين ألف دينار فأخذها وقال:
- «أنا أحتاج إلى خمسمائة ألف دينار للديلم. فإن حملت إلىّ وإلّا فإنّ الديلم لا يمهلونى، وعلى كلّ حال أنا سائر، فإن تلقّانى المال انصرفت، وإلّا دخلت الحضرة.» فقال المتقى لله لمّا أدّيت رسالته:
- «أنا قد أنفقت فى الأتراك أربعمائة وخمسين ألف دينار وفى غيرهم جملة فمن أين أعطيه ما طلب؟ دعه يرد الحضرة ويعمل ما شاء، فانّى أرجو أن أكفى أمره.» وسار أبو عبد الله البريدي [٤٣] من واسط نحو الحضرة. فلمّا قرب منها اضطرب الأتراك البجكمية وقلعوا خيمهم [١] واستأمن بعضهم إلى البريدي وسار بعضهم إلى الجنكاتى [٢] إلى الموصل ودخل سلامة بغداد واستتر أبو عبد الله الكوفي وسلامة الحاجب ومحمّد بن ينال الترجمان، وتقلّد الشرطة
стр. 2628
مكان الترجمان أحمد بن خاقان، وتأسّف الوزير أبو الحسين على أربعمائة ألف دينار ذهبت ضياعا. ورهب الناس البريدي رهبة عظيمة لعسفه وتهوّره وطمعه، فهمّ أرباب النعم بالانتقال.
فتحدّث بعض المختصّين بأبى الحسن علىّ بن عيسى قال:
كنت بين يديه أنا وأولاده وأخوه وخواصّه فى تلك الأيّام ونحن نتحدّث بأمر البريدي وموافاته الحضرة ونتجارى جرأته وإقدامه وقلّة اكتراثه وأنّه ينعل الناس بنعال الدوابّ وأشارت الجماعة عليه بألّا يقيم ببغداد وأن يخرج هو وعياله إلى الموصل إلى أبى محمّد الحسن بن عبد الله بن حمدان وفزّعناه وهوّلنا عليه وهو لا يصغى إلى رأينا، فلمّا أكثرنا عليه ترجّح رأيه. ثمّ أطلق لى مائتي دينار على أن أبكّر وأكترى له بها زواريق ليصعد هو فيها وعياله إلى الموصل. فباكرنى رسوله مع السحر يأمرنى بالمصير إليه [٤٤] وجئت وسألنى فعرّفته أنّى ما مكّنت من امتثال أمره بمباكرة رسوله واستدعائه إيّاى.
فقال:
- «ويحك لفكّرت البارحة فيما أشرتم به فوجدته خارجا عن الصواب مفسدا للدين. أيهرب مخلوق إلى مخلوق؟ اصرف تلك إلى وجوه الصدقة فإنّى مقيم.» فرددتها إلى خزائنه وأقام. فلمّا قرب البريدي انحدر إليه وتلقّاه فأكرمه أبو عبد الله غاية الإكرام ووفّاه حقّه وأعظمه ومنعه من أن يخرج من طيّاره وانتقل هو إليه وشكر برّه وخاطبه بنهاية الإكرام والتعظيم.
ودخل أبو عبد الله البريدي بغداد ومعه أخوه أبو الحسين وابنه أبو القاسم وأبو جعفر ابن شيرزاد يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان. فنزلوا البستان الشفيعى وتلقّاه الوزير أبو الحسين ابن ميمون والكتّاب والعمّال والقضاة والوجوه وكان معه من الشذاءات والطيارات والحديديات والزبازب
стр. 2629
ما لا يحصى كثرة. فوجّه المتقى إليه يعرّفه أنسه بقربه وحمل له الطعام والشراب والألطاف عدّة ليال وكان يخدم فى ذلك كلّه خدمة الخلافة. وظهر محمّد بن ينال الترجمان وكان الناس يخاطبون أبا عبد الله البريدي بالوزارة ويخاطبون أبا الحسين ابن ميمون أيضا بالوزارة ويصير [٤٥] أبو الحسين إليه بسيف ومنطقة وقباء ويخاطب كلّ واحد منهما صاحبه بالوزارة ثمّ لبس أبو الحسين الدرّاعة وأزال عن نفسه اسم الوزارة بمواطأة الخليفة وذلك لستّ خلون من شهر رمضان فكانت مدّته فيها ثلاثة وثلاثين يوما وتفرّد أبو عبد الله البريدي باسم الوزارة.
فلمّا كان يوم الأربعاء لعشر خلون من شهر رمضان حضر أبو الحسين ابن ميمون ومعه ابنه أبو الفضل مجلس الوزير أبى عبد الله وكان الوزير قد واطأ القوّاد إذا حضر [١] أبو الحسين مجلسه أن يجتمعوا ويكلّموه ويتوثبوا عليه ويتهددوه بالقتل ويقولوا أنّه يضرّب [٢] علينا الخليفة ويفسد علينا رأيه.
ففعل الديلم ذلك فى هذا اليوم. فما زال الوزير يسكّنهم ويعرّفهم كذب ما بلغهم عنه، ثمّ قال لأبى الحسين وابنه:
- «قوما ادخلا الرواق.» يوهمهما أنّه يريد أن يخلّصهما من القتل. فدخلا الرواق ووكّل بهما، وانصرف القوّاد وحصلا فى قبضه. ثمّ قال لهما بعد أيّام:
- «يا أبا الحسين قد قلدتك الإشراف على واسط وأجريت لك ألف دينار فى كل شهر، فامض إلى عملك مع ابنك.» فحملا إلى واسط ومنها إلى البصرة. ولمّا قبض عليه استكتب المتقى لله على خاص أمره أبا العبّاس أحمد ابن عبد الله الإصبهانى واعتلّ أبو الحسين
стр. 2630
بعد مدّة [٤٦] بالبصرة ومات بها.
ولم يلق الوزير أبو عبد الله طول مقامه ببغداد المتقى لله ولا دخل دار السلطان وذهب إليه الأمير أبو منصور ابن المتقى لله وهو فى النجمى ليسلّم عليه فلبس أبو عبد الله البريدي قباء أسود وعمامة سوداء وتلقّاه فى أحسن زىّ وأوفر عدّة ونثر عليه دنانير ودراهم. وراسل الوزير أبو عبد الله البريدي المتقى لله على يد القاضي أحمد بن عبد الله بن إسحاق الخرقى وأبى العبّاس الاصبهانى يطالبه بحمل مال، فحمل إليه مائة وخمسين ألف دينار. فأخذها وراسله بأنّه لا بدّ من خمسمائة ألف دينار.
فالتوى المتقى لله فقال للقاضي:
- «انصحه وقل له: أما سمعت خبر المعتز بالله والمهتدى بالله والمتوكّل على الله؟ والله لئن خلّيتك والأولياء لتطلبنّ نفسك فلا تجدها وأنت أبصر.
إنّما الديلم وافوا لأجل المال الذي أخذته لا إلى بغداد وعندهم أنّهم أحق به منك ولا يعرفون البيعة ولا يمين [١] لك فى رقابهم.» وكان الجواب عن هذه الرسالة الإنعام، وحمل إليه خمسمائة ألف دينار.
فاستوفاها عن آخرها فى سلخ رمضان ووهب للقاضي الخرقى [٢] منها خمسة آلاف دينار. ولمّا حصلت الأموال عند البريديين انصرفت أطماع الجند كلّهم. إليه وكان البريدي [٤٧] يبعث الجند على طلب الأموال من الخليفة ويحملهم على الشغب. فلمّا استصفى مال السلطان رجعت المكيدة عليه وتشغب الجند عليه. وكان الديلم قد اجتمعوا يوم الأحد لليلتين بقيتا من شهر رمضان فرأسوا على أنفسهم كورنكيج بن الفاراضى [٣]
стр. 2631
الديلمي فرأس الأتراك على أنفسهم تكينك غلام بجكم وانحاز الديلم بأجمعهم إلى دار السلطان وأحرقوا دار أبى الحسين البريدي التي كان ينزلها.
ونفر الجيش عن أبى عبد الله البريدي وصار تكينك إلى الديلم وتضافروا وكان سبب ذلك أنّ تكينك لم يكن كبيرا فى نفوس الأتراك. فأرسل إليه كورنكيج وخدعه وقال له:
- «إن تفرّد كلّ واحد منّا عن صاحبه ضعف، وأرى أن نجتمع وتصير أيدينا واحدة.» فانخدع له وصار إليه فاجتمعوا فلمّا تمكّن منه عاجله بالقبض عليه إلّا أنّه استعان به فى العاجل لمّا اجتمعوا وواقفه [١] على قصد البريدي ونهب ما حصل عنده. فاتّفقوا على ذلك وقصدوا بأجمعهم النجمى وعاونهم العامّة فقطع الوزير أبو عبد الله الجسر ووقعت الحرب فى الماء ووثبت العامّة. فى الجانب الغربي بأسباب أبى عبد الله البريدي وقتل نعجة [٢] القرمطى.
فهرب الوزير أبو عبد الله البريدي وأخوه وابنه وانحدروا إلى واسط فى [٤٨] الماء ونهبت داره فى النجمى ودور قوّاده ونهب بعض المال الذي كان حمله إليه المتقى فى ذلك اليوم. لأنّ هربه كان يوم الإثنين سلخ رمضان وآخر ما حمل إليه من بقيّة المال فى ذلك اليوم. واستتر أبو جعفر ابن شيرزاد ونهبت داره وظهر سلامة الطولونى وبدر الخرشنى. فكانت مدّة وقوع اسم الوزارة عليه أربعة وعشرين يوما. ولمّا هرب البريدي حصلت الإمارة لكورنكيج يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شوّال.
стр. 2632
ذكر إمارة كورنكيج
فلمّا كان يوم الخميس لثلاث خلون منه لقى كورنكيج المتقى لله فقلّده إمارة الأمراء وعقد له لواء وخلع عليه. وكان يكتب له رجل من أهل إصبهان يعرف بأبى الفرج ابن عبد الرحمن واستدعى المتقى لله أبا الحسن علىّ بن عيسى وأخاه عبد الرحمن فدبّر الأمر عبد الرحمن من غير تسمية بوزارة.
وقبض الأمير أبو شجاع كورنكيج على تكينك يوم السبت لخمس خلون من شوّال وغرّقه ليلا.
وفى يوم الجمعة اجتمعت العامّة فى الجامع من دار السلطان وضجّوا وتظلّموا من الديلم ونزولهم فى دورهم بغير أجرة وتعدّيهم عليهم فى معاملاتهم. فلم يقع إنكار لذلك. فمنعت العامّة الإمام من الصلاة وكسرت المنبر وشغب الجند. فمنعهم الديلم من ذلك [٤٩] فقتل بين الفريقين جماعة.
واستوزر أبو إسحاق محمّد بن أحمد الإسكافى المعروف بالقراريطى للمتقى لله فكانت مدّة نظر علىّ بن عيسى وأخيه عبد الرحمن تسعة أيام.
ذكر السبب فى وزارة القراريطى
حكى أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي قال: كنت بحضرة كورنكيج مع كاتبه أبى الفرج وفى مجلسه علىّ بن عيسى وعبد الرحمن أخوه والقراريطى فطالب كورنكيج أبا الحسن علىّ بن عيسى بالمال وعرّفه حاجته إليه لإعطاء الرجال فبلّح [١] هو وأخوه وذكر أنّ المال قد استنظف من
стр. 2633
النواحي وأنّه لا وجه له. قال: فقال القراريطى ونحن فى المجلس فيما بيني وبينه:
- «إن ردّ الأمر إلىّ أقمت به واستخرجت ما يدفع إلى الرجال ويفضل بعده جملة وافرة.» فاجتمعت مع أبى الفرج كاتب كورنكيج وعرّفته ما خاطبني به. فالتمس أن يصير إليه فى خلوة ليسمع كلامه. فأحضرته فى غد فأعاد عليه ما قاله لى وأراه وجوها لجملة من المال فذهب إلى صاحبه كورنكيج فعرّفه أن علىّ بن عيسى وأخاه قد بلّحا وأنّ القراريطى قد حضر وذكر أنّه يقوم بالأمر ويزيح علل الرجال حتّى لا يقع إخلال بشيء يحتاج إليه. فاستروح كورنكيج إلى ذلك وأمره بإحضاره ليلا فأحضره وخلا به وبكاتبه وجعله على ثقة من القيام [٥٠] بكلّ ما يحتاج إليه ولم يبرح حتّى انعقد له الأمر ووقّف المتقى لله عليه.
وأخرج إصبهان الديلمي إلى واسط من قبل الأمير أبى شجاع كورنكيج لمحاربة البريدي وكان أبو يوسف قد أصعد من البصرة إلى واسط.
فلمّا سمعوا بانحدار إصبهان الديلمي انحدر البريديّون إلى البصرة وظهر ابن سنجلا وسلفه على بن يعقوب من استتارهما وصارا إلى دار الوزير أبى إسحاق القراريطى ليسلّما عليه. فقبض عليهما من داره قبل أن يصلا إليه وحملهما إلى دار السلطان وكتب فيهما رقعة إلى المتقى لله وأمر بحبسهما ونالهما مكروه غليظ بالضرب والتعليق وصودرا على مائة وخمسين ألف دينار.
وفى هذه السنة سار محمّد بن رائق من الشام إلى مدينة السلام لمّا بلغه قتل بجكم.
стр. 2634
ذكر الخبر عن مسير ابن رائق من الشام ودخوله بغداد وما آل إليه أمره
كان الأتراك البجكمية مثل توزون [١] وخجخج ونوشتكين وصيغون وكبارهم لمّا انصرفوا من بغداد بعد قتل بجكم وإصعاد البريدي صاروا إلى الموصل.
فحاد عنهم أبو محمّد الحسن بن عبد الله بن حمدان وراسلوه فى إطلاق نفقاتهم فأطلق لهم ربع رزقة، فتقدّموا إلى ابن رائق بالشام فصحّ عنده قتل بجكم بمصير الأتراك إليه، وكتب إليه المتقى يخبره بقتل بجكم ويخاطبه [٥١] بخطاب جميل ويستدعيه إلى الحضرة فسار من دمشق. فلمّا قرب من الموصل كتب كورنكيج إلى إصبهان الديلمي بأن يصعد من واسط فأصعد ودخل بغداد وخرج لؤلؤ إلى واسط متقلّدا لها ولم يتمّ أمره ورجع من الطريق. ولمّا وصل ابن رائق إلى الموصل حاد عنه أبو محمّد الحسن بن عبد الله بن حمدان وجرت بينهما مراسلة تقرّر فيها أن يحمل أبو محمّد إلى ابن رائق مائة ألف دينار. فأخذها وانحدر إلى بغداد وعاد أبو محمّد بن حمدان إلى الموصل.
ولمّا كان يوم الأحد لخمس بقين من ذى القعدة قبض كورنكيج على القراريطى. فكانت مدّة وزارته ثلاثة وأربعين يوما وقلّد الوزارة أبا جعفر محمّد بن القاسم الكرخي ولقى المتقى لله فى هذا اليوم وخلع عليه.
وورد الخبر بدخول بنى البريدي واسطا لمّا انصرف عنها إصبهان الديلمي وخطبوا بواسط والبصرة لابن رائق وكتبوا اسمه على أعلامهم.
وفيها دخل ابن رائق بغداد وانهزم كورنكيج واستتر.
стр. 2635
ذكر الخبر عن هزيمة كورنكيج واستتاره باتّفاق وحرب
لمّا قرب ابن رائق من بغداد خرج كورنكيج منها وانتهى إلى عكبرا وقلّد لؤلؤ الشرطة ببغداد وخلع عليه وانتهى ابن رائق إلى كورنكيج وابتدأت الحرب واتّصلت أياما متتابعة كانت [٥٢] على ابن رائق.
فلمّا كان يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجّة دخل ابن مقاتل بغداد ومعه قطعة من جيش ابن رائق. وفى ليلة الخميس لتسع بقين منه دخل ابن رائق بجميع جيشه من الجانب الغربي ونزل فى النجمى وعبر فى غداة غد هذا اليوم إلى دار السلطان ولقى المتقى لله وسلّم عليه واستركبه فركب معه فى دجلة إلى زقّة الشمّاسية [١] وانحدرا من وقتهما إلى دار السلطان فصعد المتقى لله إليها وعبر ابن رائق إلى النجمى.
ولمّا كان بعد الظهر من هذا اليوم وافى كورنكيج فى جيشه من عكبرا على الظهر بغداد هو وأصحابه وهم فى نهاية التهاون بابن رائق ومن معه وكانوا ينهرون ويقولون: «أين نزلت هذه القافلة الواردة من الشام.» ولمّا وصل كورنكيج إلى دار السلطان دفع عنها وكان فيها لؤلؤ وبدر الخرشنى فانصرف كورنكيج ونزل فى الجزيرة التي بين يدي إصطبل مربط الجمال وخزانة الفرش ويعرف اليوم بدار الفيل.
فتحدّث أبو بكر ابن رائق بعد ذلك أنّه كان عمل على الانصراف والرجوع إلى الشام لمّا دخل كورنكيج بغداد وأنّه حمّل ثقله وابتدأ بالمسير.
стр. 2636
قال: ثمّ قلت فى نفسي أنصرف وأسلّم هذا الأمر. فلم تطب نفسي وقلت لفاتك حاجبي: استوقف الناس. فاستوقفهم فلم يقفوا حتّى بادر إلى بغل من بغال النقل فعرقبه. [٥٣] فوقف حينئذ الناس وعبرت نحو من مائة رجل من أصحابى مع محمّد بن جعفر النقيب على الظهر إلى الجانب الشرقي وعبرت أنا فى سميريّة ومعى سباشى الخادم التركي ونحو من عشرين سميريّة فيها غلمان، واتفق مجيئي مجيء أصحابى على الظهر فى وقت واحد. فلمّا رشقنا [١] الديلم بالنشاب سمعوا من ورائهم الزعقات من أصحابى ومن العامّة، فاضطربوا ونخبت قلوبهم وقدّروا أنّ الجيش قد وافاهم من خلفهم وأنّهم قد ملكوا ظهورهم فانهزموا وأخذهم الرحمة من العامّة وطرحت السُّتر عليهم وهرب كورنكيج واستتر. وقيل: ما عرف أصحابه أىّ طريق أخذوا وثبت أمرنا.
ذكر الخبر عن قتل الديلم وإمارة ابن رائق
لمّا استتر كورنكيج وتقطّع جيشه وبطل أمره ظهر أبو عبد الله أحمد بن علىّ الكوفي لابن رائق وعاد إلى خدمته. وأمر ابن رائق بقية الديلم المستأمنة بطرح أسلحتهم وأنفذ خاتمه إلى جماعة منهم كانوا تحصّنوا فى حصن بالقرب من جسر النهروان فرجعوا ودخلوا الدار المعروفة بدار الفيل فكانوا نحو أربعمائة رجل لم يجسروا أن يتفرّقوا.
فلمّا كان يوم الإثنين لخمس بقين من ذى الحجّة وجّه ابن رائق برجّالته [٢] السودان إلى دار الفيل ووضعوا السيف فيمن اجتمع هناك من الديلم فقطعوهم
стр. 2637
فلم يسلم منهم [٥٤] إلّا رجل يقال له: خذاكرد، [١] وقع بين القتلى وحمل فى جملة المقتولين فى الجوالقات إلى دجلة ورمى به مع غمرة [٢] فعاش مدّة طويلة بعد ذلك.
وكان ابن رائق استأسر [٣] من قوّاد الديلم بضعة عشر قائدا. فوجّه بهم إلى دار فاتك حاجبه وأمره بضرب أعناقهم فضربت أعناقهم صبرا فى داره.
وكان من المنهزمين من الديلم قوم مضوا فى الهزيمة إلى طريق خراسان.
فلمّا تجاوزوا جسر النهروان باتوا فى بعض الخانات، فسقط عليهم الخان بالليل فمات أكثرهم.
ولمّا كان يوم الثلاثاء لأربع بقين من ذى الحجّة خلع المتقى لله على ابن رائق وطوّقه وسوّره بطوق وسوار مرصّعين بالجوهر وعقد له لواء وقلّده إمرة الأمراء وألزم أبو جعفر الكرخي بيته وكانت وزارته هذه ثلاثة وخمسين يوما.
ودبّر الأمور أبو عبد الله أحمد بن علىّ الكوفي كاتب الأمير أبى بكر ابن رائق من غير تسمية بوزارة وأطلق أبو إسحاق القراريطى إلى منزله، ووجد كورنكيج فأخذ وحمل إلى دار السلطان.
ودخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة
واستوحش ابن رائق من بنى البريدي لأنّهم ما حملوا شيئا من مال واسط والبصرة. فلمّا كان يوم الثلاثاء لعشر خلون من المحرّم انحدر ابن رائق وهرب البريديون إلى البصرة وسفر بينهم [٥٥] الكوفي إلى أن ضمن البريدي
стр. 2638
البقايا بواسط بمائة وسبعين ألف دينار ثمّ بستمائة ألف دينار فى كلّ سنة مستأنفة وأصعد ابن رائق إلى بغداد.
وفيها دخل العبّاس بن شقيق ومعه رأس ما كان بن كاكى [١] الديلمي مع هدايا صاحب خراسان إلى المتقى لله من غلمان أتراك وطيب وشهابى، وشهر رأس ما كان فى شذاءة وكان على الرأس خوذة وفيه سهم قد نفذ فى الخوذة والرأس ومرّ من الجانب الآخر من الخوذة.
وفيها شغّب الأتراك على ابن رائق وخرجوا إلى المصلّى ومعهم توزون ونوشتكين وأخذوا فى طريق التجنّى عليه ورحلوا سحر يوم الأحد لخمس خلون من شهر ربيع الآخر إلى البريدي بواسط. فلمّا وصلوا إليه قوى بهم جانبه واحتاج ابن رائق إلى مداراته.
ذكر وزارة أبى عبد الله البريدي
فكاتب أبا عبد الله البريدي بالوزارة للنصف من شهر ربيع الآخر وأنفذ إليه الخلع مع الطيب ابن سوسن، واستخلف له أبا جعفر ابن شيرزاد بالحضرة وأوصله إلى المتقى لله إلّا أنّ المدبّر للأمور كلّها أبو عبد الله الكوفي.
ووردت الأخبار بعزم البريدي على الإصعاد إلى بغداد. فأزال ابن رائق عنه اسم الوزارة وعزله بأبى إسحاق القراريطى ولزم أبو جعفر [٥٦] ابن شيرزاد منزله واستتر.
وركب المتقى على الظهر ومعه ابنه أبو منصور وابن رائق والوزير أبو
стр. 2639
إسحاق القراريطى والجيش. وساروا على الظهر وبين أيديهم المصاحف المنشورة والقرّاء واستنفر العامّة لقتال البريديين. ثمّ انحدروا إلى داره فى دجلة من باب الشماسية واجتمع خلق من العيّارين بالسكاكين المجرّدة فى جميع محالّ الشرقي من بغداد. وفى يوم الجمعة لعّن بنو البريدي على المنابر فى المساجد الجامعة ببغداد.
ذكر أبى الحسين البريدي فى إصعاده إلى بغداد
خرج أبو الحسين من واسط مصعدا فى الجيش إلى بغداد ومعه غلمان أخيه أبى عبد الله والأتراك والديلم. فلمّا قرب من بغداد استأمن كلّ من كان معه من القرامطة إلى ابن رائق واستعدّ ابن رائق للقتال وعمل على أن يتحصّن فى دار السلطان فسدّ أكثر أبواب دار السلطان والثلم فى سورها ونصب العرّادات والمنجنيقات على السور وعلى شاطئ دجلة فى فناء الدار وطرح حول الدار الحسك والحديد واستنهض العامّة وفرض بعضهم. فصار ذلك سببا لتوزّع العصبيات بينهم واتصال الحروب وافتتن الجانب الغربي وأحرق نهر طابق ممّا يلي دار البطيح واتصلت الكبسات بالليل والنهار على قوم ذوى أموال واستقفى [١] الناس نهارا وليلا وقتل بعضهم [٥٧] بعضا قتلا ظاهرا وفتح الحبس ودامت الفتنة.
وبرزت خيم السلطان إلى نهر ديالى وخرج ابن رائق إلى الحلبة والقوّاد معه. فلمّا كان يوم الإثنين للنصف من جمادى الآخرة عبر أصحاب أبى الحسين البريدي نهر ديالى وكان لؤلؤ مقيما على شاطئ النجمى وبدر
стр. 2640
الخرشنى بالمصلّى وما زالت الحرب بين البريدي وابن رائق إلى وقت الظهر وما زالت الحرب فى الماء منذ ذلك اليوم إلى يوم السبت لتسع بقين من جمادى الآخرة، فاشتدّت الحرب على الظهر وفى الماء، وأوقع الديلم بالعامّة الذين فرصوا [١] ودخل الديلم من أصحاب البريدي دار السلطان من جهة الماء وملكوا الدار فخرج المتقى وابنه منها هاربين فى نحو عشرين فارسا فخرجا إلى باب الشمّاسية ولحق بهما ابن رائق وجيشه ولؤلؤ ومضوا إلى الموصل.
واستتر القراريطى الوزير فكانت مدّة وزارته أحدا [٢] وأربعين يوما.
وقتل الديلم من وجدوا فى دار السلطان ونهبوها نهبا قبيحا ودخل الديلم دور الحرم. وأقام البريدي أبو الحسين فى حديدية أيّاما على باب الخاصّة ووجد فى دار السلطان ابن سنجلا وعلىّ بن يعقوب فأطلقا. وأمّا كورنكيج فقيّده وحدره إلى أخيه أبى عبد الله فكان آخر العهد به. ووجد القاهر فى محبسه فأقرّ فيه من دار السلطان.
فلمّا كان بعد أيّام صعد أبو الحسين البريدي [٥٨] ونزل فى دار مونس وهي التي كان ينزلها ابن رائق وقلّد أبا الوفاء توزون الشرطة فى الجانب الشرقي ونوشتكين الشرطة فى الجانب الغربي وأخذ الديلم فى النهب والسلب وكبست الدور وأخرج أهلها ونزلت ولم يزل الناس على ذلك إلى أن تقلّد توزون ونوشتكين الشرطة، فإنّ الفتنة سكنت قليلا. وأخذ أبو الحسين البريدي حرم توزون وابنيه وعيالات أكثر القوّاد والأتراك وأنفذهم إلى أخيه ليكونوا رهائن فى يده.
وغلت الأسعار ببغداد وظلم البريدي الظلم المعروف لهم وافتتح الخراج
стр. 2641
فى اذار فخبط التنّاء حتّى تهاربوا وافتتح الجوالى وخبط أهل الذمة وأخذ الأقوياء بالضعفاء ووظف على كرّ من الحنطة سبعين درهما وعلى سائر المكيلات وعلى الزيت وقبض على نحو خمسمائة كرّ كان للتجار ورد من الكوفة وادعى أنّه للحسن بن هارون المتقلّد كان للناحية وهرب خجخج إلى المتقى لله وكان أخرج إلى برزج سابور والراذانين.
وكان توزون ونوشتكين والأتراك تحالفوا على كبس أبى الحسين البريدي فغدر نوشتكين بتوزون ونمى الخبر إلى أبى الحسين البريدي فتحرّز وأحضر الديلم داره واستظهر بهم. وقصد توزون دار أبى الحسين فحاربه من كان فيها من الديلم وغلّقت الأبواب دونه وانكشف لتوزون غدر نوشتكين [٥٩] فلعنه وانصرف ضحوة يوم الثلاثاء ومضى مع قطعة وافرة من الأتراك إلى الموصل واضطرب العامّة وقاتلوا البريدي.
ولمّا صار توزون وخجخج والأتراك إلى الموصل وقوى بهم ابن حمدان عمل على أن ينحدر مع المتقى لله إلى بغداد وبلغ ذلك أبا الحسين البريدي وكتب إلى أخيه يستمدّه فأمدّه بجماعة من القوّاد والديلم وأخرج أبو الحسين مضربه إلى باب الشمّاسية وأظهر أنّه يحارب ابن حمدان إن وافى. وذلك كلّه بعد أن قتل محمّد بن حمدان ابن رائق وسنشرح خبره على إثر هذا الحديث.
فلمّا قرب المتقى وأبو محمّد بن حمدان من بغداد انحدر أبو الحسين هاربا وجميع جيشه وأخذ معه من كان معتقلا فى يده يطالبه مثل ابن قرابة وأبى عبد الله بن عبد الوهّاب وعلىّ بن عثمان بن النفّاط ومن أشبههم.
فاضطرب العامّة ببغداد زيادة اضطراب ونهبت الدور وتسلّح الناس فى الطرقات ليلا ونهارا وكانت مدّة أبى الحسين البريدي ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يوما.
ولمّا وصل المتقى لله وابناه ومحمّد بن رائق ومن معهم إلى تكريت وجدوا
стр. 2642
هناك وهم مصعدون إلى الموصل بعد، أبا الحسن علىّ بن عبد الله بن حمدان. وذاك أن ابن رائق لمّا قرب البريدي من بغداد كتب إلى أبى محمّد ابن حمدان يسأله مددا ومعاونة على قتاله. فأنفذ أبو محمّد أخاه فلم يلحقهم إلّا بتكريت [٦٠] وقد انهزموا وأخذوا طريق الموصل.
فلمّا التقوا أقام علىّ بن حمدان للمتقى لله وابنه وابن رائق والقوّاد كلّ ما يحتاجون إليه من الميرة والثياب والفرش والدراهم وما قصر فى أمرهم وساروا بأجمعهم إلى الموصل. فلمّا وصلوا إليها حاد عنها أبو محمّد الحسن بن عبد الله بن حمدان وعبر إلى الجانب الشرقي ومضى إلى نواحي معلثايا [١] .
فما زالت الرسل تتردّد بينه وبين محمّد بن رائق إلى أن توثّق بعضهم من بعض بالأيمان والعهود والمواثيق حتّى أنس أبو محمّد وعاد فنزل فى الشرقي بإزاء الموصل.
ذكر الخبر عن مقتل ابن رائق
فعبر إليه الأمير أبو منصور ابن المتقى لله ومعه أبو بكر ابن رائق [٢] يوم الإثنين لتسع بقين من رجب ليسلّموا عليه. فلقيهم أجمل لقاء ونثر على الأمير أبى منصور الدنانير والدراهم. فلمّا أراد الانصراف من عنده ركب الأمير أبو منصور ثمّ قدّم فرس ابن رائق ليركب من داخل المضرب فأمسك أبو محمّد بن حمدان كمّه وقال له:
- «تقيم اليوم عندي لنتحدّث، فإنّ بيننا ما نتجاراه.» فقال له ابن رائق:
стр. 2643
- «اليوم لا يجوز لأنّى أن أرجع مع الأمير ولكن يكون يوما آخر.» فألحّ عليه ابن حمدان إلحاحا استراب به ابن رائق فجذب كمّه من يده حتّى تخرّق، وكان رجله فى الركاب فشبّ به الفرس فوقع [٦١] وقام ليركب فصاح أبو محمّد بغلمانه وأمرهم بالإيقاع به وقال:
- «ويلكم لا يفوتكم.» فوضعوا عليه السيوف وقتلوه.
وأرسل أبو محمّد ابن حمدان إلى المتقى لله أنّه وقف على أنّ ابن رائق أراد أن يغتاله ويوقع [١] به فجرى فى أمره ما جرى فردّ المتقى عليه الجواب يعرّفه أنّه الموثوق به ومن لا يشكّ فيه ويأمره بالمصير إليه فعبر ولقيه.
ذكر إمارة أبى محمّد الحسن بن عبد الله بن حمدان
فخلع عليه المتقى وعقد له لواء ولقّبه ناصر الدولة وجعله أمير الأمراء وكنّاه، وكان ذلك مستهلّ شعبان، وخلع على أخيه علىّ وعلى أبى عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان وكتب إلى القراريطى بتقليده الوزارة وذلك فى شوّال وجلس فى داره وقلّد وعزل وأمر ونهى وضبط الأمر إلى أن وافى المتقى وناصر الدولة أبو محمّد.
خبر محاربة البريدي مع ابن حمدان
دخل المتّقى بغداد [٢] مع ناصر الدولة أبى محمّد وأخيه علىّ وجميع الجيوش وعملت لهم العامّة القباب ونزل ناصر الدولة وأخوه فى البستان
стр. 2644
الشفيعى. ولقى الوزير القراريطى المتقى لله وناصر الدولة. وتقلّد أبو الوفاء توزون الشرطة فى جانبي بغداد وخلع المتقى على الوزير أبى إسحاق القراريطى [٦٢] خلع الوزارة يوم الإثنين لليلتين خلتا من ذى القعدة وفى يوم الخميس خلع المتقى لله على ناصر الدولة وأخيه وطوّقا وسوّرا بطوقين طوقين وأربعة أسورة ذهبا وعلى أبى عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان وطوّق بطوق واحد وسوارين ذهبا.
وورد الخبر بأنّ أبا الحسين علىّ بن محمّد البريدي قد أصعد من واسط يريد الحضرة. فاضطرب الناس ببغداد وعبر المتقى إلى الزبيدية ليكون مع ناصر الدولة وقدّم حرمه إلى سرّ من رأى وهرب جماعة من وجوه أهل بغداد وعبر جيش ناصر الدولة من الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي منها وسار أبو الحسن علىّ بن عبد الله بن حمدان فى الجيش وكان مع أبى الحسين البريدي لمّا أصعد من واسط أبو جعفر ابن شيرزاد وأبو بكر ابن قرابة والديلم وجيش عظيم.
فكانت الوقعة بين أبى الحسن علىّ بن حمدان وبين البريدي يوم الثلاثاء انسلاخ ذى القعدة ويوم الأربعاء مستهلّ ذى الحجّة ويوم الخميس ويوم الجمعة لثلاث وأربع خلون من ذى الحجّة فى القرية المعروفة بكيل أسفل المدائن بفرسخين ومع ابن حمدان توزون وخجخج والأتراك. فكانت أولا على علىّ بن عبد الله بن حمدان وانهزم أصحابه فردّهم ناصر الدولة وكان ناصر الدولة بالمدائن. ثمّ صارت على أبى الحسين البريدي. [٦٣] فانهزم واستؤسر من أصحابه يانس غلام البريدي أبى عبد الله وأبو الفتح ابن أبى طاهر ومحمّد بن عبد الصمد ومذكر البريدي والفرج كاتب جيش البريدي واستأمن إلى ابن حمدان محمّد بن ينال الترجمان وإبراهيم بن أحمد الخراساني وحصل له جمع الديلم الذين كانوا فى عسكر البريدي وقتل
стр. 2645
جماعة من قوّاد [١] البريدي وعاد البريدي إلى واسط مهزوما مفلولا ولم يبق فى علىّ ابن حمدان وأصحابه فضل لأتباعه لعظم ما مرّ بهم ولكثرة الجراح فيهم.
ولسبع خلون من ذى الحجّة عاد المتقى لله من الزبيدية إلى دار الخلافة على ثلاث ساعات ونصف وعاد الحرم من سر من رأى ومن كان هرب إليها من بغداد.
ودخل ناصر الدولة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذى الحجّة بغداد وبين يديه يانس [٢] غلام البريدي وأبو الفتح بن أبى طاهر والمذكر البريدي مشهرين على جمال وعلى رؤوسهم برانس وكتب عن المتقى كتاب الفتح إلى الدنيا ولقّب المتقى لله أبا الحسن علىّ بن عبد الله بن حمدان لما فتح هذا الفتح: سيف الدولة، وأنفذ إليه خلعا وكتب فيه كتابا. وانحدر سيف الدولة إلى واسط فوجد البريديين قد انحدروا منها إلى البصرة وأقام بها ومعه الأتراك والديلم وسائر الجيش.
ذكر حيلة ابن مقاتل على ناصر الدولة [٦٤]
وراسل أبو بكر محمّد بن علىّ بن مقاتل ناصر الدولة على يد أبى زكريّا السوسي، فأخذ له أمانا من ناصر الدولة واشترط فيه ابن مقاتل أنّه إن [٣] استقرّ بينه وبين ناصر الدولة مصادرة ينهض بها ويطيب نفسه لها أقام على ظهوره. وإن لم يستقرّ عاد إلى استتاره. فلمّا ظهر تباعد ما بينهما. فقال له ناصر الدولة:
стр. 2646
- «عد إلى استتارك.» فقال ابن مقاتل:
- «لم أحدّ لذلك حدا، فإذا شئت فعلت.» فضجّ ناصر الدولة من ذلك لأنّه مضطرّ إلى الوفاء بعهده وعلم أنّ الحيلة قد تمّت عليه. فاضطرّ إلى أن فصل أمره على مائة وثلاثين ألف دينار.
ونظر ناصر الدولة فى أمر النقد والعيار فأمر بتصفية العين والورق وضرب دنانير سمّاها: الإبريزيّة، [١] من أجود عيار وكتب فى ذلك كتابا.
وفى هذه السنة استولى الديلم على أذربيجان ذكر السبب فى ذلك
إنّ ديسم بن إبراهيم لمّا تمكن من أذربيجان- وقد كتبنا خبره فيما تقدّم- كان معظم جيشه الأكراد إلّا طائفة يسيرة من بقية عسكر وشمكير اختاروا المقام معه حين ردّ عسكر وشمكير إليه. فتبسّط عليه الأكراد وزاد أمرهم فى الإدلال والتحكّم إلى أن صاروا يتغلّبون على حدود أعماله فنظر فى أمره فلم يجد من يستظهر عليهم بهم إلّا الديلم، فاجتذب جماعة من أكابرهم [٦٥] منهم صعلوك بن محمّد بن مسافر وأسفار بن سياكولى [٢] وجماعة من أمثالهم وصار إليه جماعة من الموصل وفيهم رجل كان من قوّاد بجكم فنفاه بجكم من عسكره لشيء أنكره منه يقال له: علىّ بن الفضل الصولي، فأفضل عليه ديسم وموّله وعظّم محلّه فاجتذب الديلم إليه. فلمّا قويت شوكة ديسم بهم انتزع من يد الأكراد ما كانوا تغلّبوا عليه وقبض على جماعة من
стр. 2647
رؤسائهم وازداد من عدّة الديلم واستظهر بهم.
وكان يتولّى [١] وزارته أبو القاسم علىّ بن جعفر وكان من كتّاب أذربيجان وكثرت سعاية أعدائه به. فأخافه ديسم وأوحشه حتى هرب منه إلى الطرم ليعتصم بمحمّد بن مسافر فوافق وصوله إليه الوقت الذي استوحش فيه ابناه منه: وهسوذان والمرزبان، وملكا عليه قلعته المعروفة بسميران [٢] وكان السبب فى وحشتهما قبح سيرته وسوء معاملته لأهل بيته وقبضه عليهم لغير ذنب كبير وذلك لشرّ كان فى طبعه. وكان استوحش منه وهسوذان فصار إلى أخيه المرزبان وكان فى قلعة من قلاع أبيه بالطرم فعلم محمّد بن مسافر أنّه لا يتمكن من القبض عليه إلّا بعد أن يفرّق بينه وبين أخيه فكتب إلى المرزبان يستدعيه فقال وهسوذان له:
- «انى لا أقيم فى القلعة بعدك.» وأعلمه أنّه إن [٦٦] فارقه تمكّن منه وقبض عليه فقال له المرزبان:
- «فاخرج معى.» فلمّا صاروا فى بعض الطريق ظفرا برسول لأبيهما كان أنفذه سرّا إلى المقيمين فى القلعة يأمرهم إذا خرج المرزبان أن يقبضوا على وهسوذان والاحتياط عليه وعلى القلعة. فعجبا من ذلك وجمعهما الاستيحاش من أبيهما، فوصلا إلى قلعة أبيهما وقد خرج أبوهما إلى قلعة أخرى، فعرّفا أمّهما خراسوية ما كتب أبو هما فيهما وكانت أمهما هذه جزلة فساعدتهما على القلعة وفيها ذخائر محمّد بن مسافر وأمواله فاستوليا عليها وتمكّنا منها. فلمّا
стр. 2648
عرف محمّد بن مسافر ذلك تحيّر فى أمره وحصل فى القلعة التي كان قصدها وحيدا قد فرّق بينه وبين نعمته.
فلمّا وصل علىّ بن جعفر كاتب ديسم إلى هذه الصورة اعتصم بالمرزبان وأطمعه فى أذربيجان فضمن له أن يملكه إيّاها فيوصله إلى أموال جليلة من ارتفاعها من وجوه يعرفها. فنفق عليه وقرب من قلبه وقلّده وزارته واتّفقا مع ذلك على عصمة فى الدين. وذاك أنّ علىّ بن جعفر كان من دعاة الباطنية وكان المرزبان معهودا فيهم فأذن له المرزبان أن يدعو إلى هذا المذهب ظاهرا. فاجتمع له كل ما أراده.
وكاتب عسكر ديسم وكان يعرف من استوحش من ديسم [٦٧] ومن هو غير راض عنه ومن لا يرضى مذهب ديسم لأنّ ديسما كان يرى رأى الشراة وكذلك كان أبوه وكان يصحب هارون الشاري أعنى أباه. فلمّا قتل هرب إلى أذربيجان وتزوّج إلى رئيس من أكرادها فولد ديسم فاصطنعه ابن أبى الساج وارتقى معه إلى ما ارتقى إليه.
ولم يزل علىّ بن جعفر يضعضع [١] أركانه ويفسد قلوب أصحابه وخاصة الديلم إلى أن استجاب له أكثر أصحابه وكاتبوه وقالوا:
- «إن صار إلينا المرزبان فارقنا ديسما بأجمعنا.» فلمّا وثق المرزبان بذلك من ثبات أصحاب ديسم سار إلى أذربيجان وسار إليه ديسم. فلمّا صافّه الحرب قلب الديلم تراسهم فى وجهه وصاروا إلى المرزبان وكانوا نحو ألفى رجل واستأمن معهم كثير من الأكراد وحمل عليه المرزبان ففرّق عنه من بقي معه وانهزموا وهرب فى طائفة يسيرة إلى أرمينية واعتصم بجاجيق بن الديراني لمودّة كانت بينهما، فأحسن ضيافته
стр. 2649
وحمل إليه ما يحمل إلى مثله. فاستأنف ديسم يألف الأكراد وعرف خطأه فى الاستكثار من الديلم وكان أشار عليه بعض النصحاء الفضلاء أن لا يرتبط من الديلم أكثر من خمسمائة رجل فعصاه [١] .
وملك المرزبان أذربيجان وجرى أمره على سداد بتدبير كاتبه علىّ بن جعفر إلى أن أفسد ما بينه وبينه. [٦٨] ذكر السبب فى ذلك
كان له كاتب يعرف بأبى سعيد عيسى بن موسى ويعرف بعيسكويه، فسعى عليه وأطمع المرزبان فى ماله، وكان علىّ بن جعفر قد أوحش جماعة من حاشية المرزبان فتضافروا عليه وعارضوه فى تدبيره وأحس علىّ بن جعفر بذلك فاحتال على المرزبان بأن أطمعه فى أموال عظيمة يثيرها له من بلد تبريز- وتبريز هذه مدينة جليلة وعليها سور حصين وحواليها غياض وأشجار مثمرة وهي حصينة وأهلها ذو بأس ونجدة ويسار- فضمّ إليه المرزبان جستان بن شرمزن ومحمّد بن إبراهيم ودلير بن أورسفناه [٢] والحاجب الحسن بن محمّد المهلبي فى جماعة من ثقاته فسار علىّ بن جعفر إلى تبريز.
فلمّا تمكّن بها استمال أهل البلد وكتب إلى ديسم يتلافاه ويستدعيه ويعده من نفسه أن يقتل الديلم ويوازره حتى يعود إلى مملكته. فأجابه ديسم بأنّه لا يثق به إلّا بعد أن يوقع بالديلم فواطأ أهل البلد على الإيقاع بهم وأعلمهم أنه إنّما حضر لطمع المرزبان فيهم وأنّ الديلم لا يساعدونه على صلاح أمرهم وهم لا يرضون إلّا باستئصالهم. فواطأه أهل البلد على الوثوب بهم فى
стр. 2650
يوم ذكره وأحضر القوّاد المذكورين فى ذلك اليوم فقبض فى داره عليهم وقتل الديلم فصار إلى ديسم فى العسكر الذي اجتمع [١] له.
وكان المرزبان أساء إلى [٦٩] الأكراد الذين استأمنوا إليه. فوافق ذلك ظهور ديسم بتبريز فصاروا بأجمعهم إليه واتصل بالمرزبان ما جرى على الديلم فندم على إيحاش علىّ بن جعفر واستماع كلام أعدائه فيه، واستوزر أبا جعفر أحمد بن عبد الله بن محمود وخلع عليه ولقّبه: المختار.
ثمّ استعدّ وسار إلى تبريز وقد سبقه ديسم فجرت بينهما حروب وثبت الديلم وانهزم الأكراد. فعاد ديسم إلى تبريز متحصنا بها وحامى أهلها عليه وذلك لما سبق من فعلهم بالديلم، وحاصرهم المرزبان وابتدأ فى استصلاح علىّ بن جعفر ومراسلته وإعطائه عهد الله وميثاقه والعصمة التي بينهما من الدين على أن يعود له. فأجابه علىّ بن جعفر بأنّه لا يريد من جميع ما بذله له إلّا السلامة وأنّه ما فارق ديسما حين فارقه إلّا هربا من المكروه ولا فارقه الآن وعاد إليه إلّا هربا من مثل ذلك وأنّ الذي يلتمسه منه أن يعفيه من العمل ويصونه فى نفسه وحاله ليلزم منزله ويروح ويغدو إليه. فأجابه إلى ذلك وسفر بينهما من الثقات الذين يجمعهم الدين من وثق له بجميع ما أراد فسكن إليه.
واشتدّ الحصار على ديسم فثلم ثلمة فى سور المدينة ليلا وخرج منها هو وأصحابه إلى أردبيل ولم يجسر المرزبان على اتّباعه فى الوقت، خوفا من أن يعطف عليه فى صعاليكه [٧٠] ويخرج من ورائه أهل تبريز. فتأخّر عنه وخرج إليه علىّ بن جعفر فوفى له وأقام أهل تبريز على ممانعته.
стр. 2651
ذكر ما آل إليه أمر ديسم بعد حصوله بأردبيل
لمّا عرف المرزبان حصول ديسم بأردبيل خلف على تبريز بعض جيشه وصار فى معظم العسكر إليه واستدعى أخاه وهسوذان إليه فى جماعة من أطاعه وجدّ فى محاصرة ديسم. وكان ديسم استوزر بعد مفارقة علىّ بن جعفر أبا عبد الله محمّد بن أحمد النعيمي، فراسله المرزبان وتلطّف له ووعده أن يستوزره، فاستجاب له وآثره على ديسم وواطأه على التدبير عليه.
ذكر حيلة النعيمي على ديسم حتى فارق الحصار وخرج إلى المرزبان
أخذ النعيمي فى المشورة على ديسم بأن ينفذ إلى المرزبان وجوه أردبيل ليسألوه الصلح ويعاهدوه ويستوثقوا منه بالأيمان المؤكدة على أن يؤمنه ليدخل فى طاعته وخوّفه من طول الحصار واستيحاش أهل البلد وأنّهم سيواطئون المرزبان ويسلمونه بأن يفتحوا له الباب وأعلمه أنه قد وقف من ذلك على أمر سيظهر له إن لم يبادر بالصلح. ونظر ديسم فى أمره فوجد الصورة قريبة ممّا خوّفه منه وذلك أنّ الحصار كان قد اشتدّ وانقطعت الميرة عنه [٧١] وعن جنده وعن أهل البلد فالجميع فى شدة والدمدمة كثيرة والناس مستوحشون وعلى يأس من الصلاح وخوف من زيادة المكروه.
وأنفذ ديسم إليه وجوه البلد وأعيانهم ومذكوريهم ليتوثقوا له نهاية التوثيق.
وراسل أبو عبد الله النعيمي المرزبان بأن يحتبس هؤلاء الوجوه ولا يردّهم إلى البلد إلّا بعد خروج ديسم إليه، لئلا يتغيّر الأمر أو يحدث ما ينقض رأيه ولأنّ أهل البلد إذا حبس عنهم وجوههم ورؤساؤهم اجتمعوا عليه ولم
стр. 2652
يمهلوه، وعرّفوه أنّه قد أمن على نفسه بالأيمان التي سألها وسكن إلى ما بذل له وليس لتأخره عن الخروج وجه ويشيّد هو أيضا كلامهم ويؤيّده ولا يقنع منه إلّا بالخروج إليه فى أسرع وقت وأقربه.
ففعل المرزبان ذلك واضطرب أهل البلد على ديسم لحصول رؤسائهم فى يد المرزبان فخرج إليه. فلما أتاه خبره تلقّاه وأكرمه وأعظمه ووفى له بكل ما واقفه [١] عليه وقلّد أبا عبد الله النعيمي وزارته وقبض على ابن محمود وسلّمه إليه فصادره وجميع أصحابه وصادر وجوه البلد واستخرج أموالا عظيمة. واستقامت أمور المرزبان وخطب له [٧٢] على جميع منابر أذربيجان.
حثّ على الإعتبار بما كان
فليعتبر الناظر فى هذا الكتاب هل أوتى هؤلاء الملوك إلّا من سوء تحفّظهم واشتغالهم عن ضبط أمورهم وتفقّدها بلذّاتهم وشهواتهم، وإغفالهم [٢] أمر أصحاب الأخبار وتركهم تعرّف نيات وزرائهم وقوّادهم وأمور عساكرهم، وتعويلهم على الاتّفاقات والدول التي لا يوثق [٣] بها، وقلّة تصفّحهم أحوال الملوك قبلهم ممّن استقامت أمورهم كيف كانت سيرتهم وكيف ضبطوا ممالكهم ونيّات أصحابهم بضروب الضبط: أولا بالدين الذي يحفظ نظامهم ويملك سرائهم ثمّ بأصحاب الأخبار الثقات والعيون المذكاة على مدبّرى أمورهم والتفقّد لهم يوما يوما
стр. 2653
وحالا فحالا، وترك إيحاشهم ما أمكن، ومداراة من تجب مداراته، والبطش بمن لا حيلة فى استصلاحه ولا دواء لسريرته.
وقد كان حصفاء الملوك يخرجون من خزائنهم الأموال العظيمة جدا إلى أصحاب الأخبار ولا يستكثرونها فى جنب ما ينتفعون به من جهاتهم.
فأما ما انتهى إليه أمر ديسم فإنّه خاف بعد ذلك على نفسه وسأل المرزبان أن يخرجه إلى قلعته بالطرم ليقيم فيها مع أهله ويقبض على ارتفاع ضياعه وهو ثلاثون ألف دينار فى السنة وهو دون ما كان يبذله المرزبان له ويتكلّفه من مؤونته. [٧٣] فأجابه إلى ذلك وحصل فى القلعة مصونا فى أهله ونفسه وضياعه.
ودخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة
وفيها وافى الأمير أبو الحسين أحمد بن بويه إلى عسكر أبى جعفر بإزاء البصرة وأظهر أنّ السلطان كاتبه فى حرب البريدي. فأقام مدّة يحاربهم ثمّ استأمن جماعة من قوّاده إلى البريديين مثل روستاباش وغيره. فاستوحش من المقام وعاد إلى الأهواز بعد أن استأمن إليه جماعة من عسكر البريدي.
وفيها زوّج ناصر الدولة ابنته من الأمير أبى منصور ابن المتّقى ووقّع الأملاك والخطبة بحضرة المتقى ولم يحضر ناصر الدولة وجعل العقد إلى أبى عبد الله محمّد بن أبى موسى الهاشمي. وكان الخاطب القاضي الخرقى فلحن فى مواضع وجعل الصداق والنحلة واحدا وجعلها صداقا وكان الصداق خمسمائة ألف درهم والنحلة مائة ألف دينار ولم يحسن أن يعقد التزويج
стр. 2654
فعقده ابن أبى موسى.
القبض على القراريطى وجعل اسم الوزارة على أبى العباس الإصفهانى
وفى رجب من هذه السنة عبر الوزير أبو إسحاق القراريطى إلى ناصر الدولة على رسمه، فقبض عليه وعلى جماعة معه. فكانت مدّة وزارته ثمانية أشهر وستة عشر يوما وجعل اسم الوزارة على أبى العباس أحمد بن عبد الله الإصفهانى وخلع عليه المتقى خلع الوزارة [٧٤] فى دار السلطان لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب وانصرف بها إلى دار الأمير ناصر الدولة.
فكان يلبس القباء والسيف والمنطقة فى أيام المواكب والمدبر للأمور أبو عبد الله الكوفي وصودر القراريطى والكتّاب والمتصرّفون.
استيفاء عدد الأيدى والأرجل المقطوعة
وكان ناصر الدولة ينظر فى قصص أصحاب الجنايات من العامّة وفيما ينظر فيه صاحب الشرطة وتقام الحدود الواجبة عليهم من ضرب وقطع يد ورجل بحضرته وتعرض عليه الأيدى والأرجل إذا قطعت وتعد بحضرته ويستوفى العدد عليهم لئلا يرتفق أصحاب الشرطة من الجناة ويطلقوا من غير علمه.
ذكر ما آل إليه أمر سيف الدولة بواسط مع الأتراك وما اتصل بذلك من خبر ناصر الدولة ببغداد
كان سيف الدولة أبو الحسن مقيما بواسط مفكرا فى أن يسير بالجيش
стр. 2655
والأتراك إلى البصرة ليفتحها. وكان أخوه ناصر الدولة يدافعه بحمل المال ويضايق الأتراك خاصة وكان توزون وخجخج يسيئان الأدب على سيف الدولة بواسط ويتحكّمان عليه حتّى ضاق ذرعا بهما.
وكان ناصر الدولة قد أنفذ أبا عبد الله الكوفي إلى سيف الدولة أخيه ومعه ألفى ألف درهم وخمسين ألف دينار لينفق فى الأتراك. فوثب توزون وخجخج به بحضرة سيف الدولة وأسمعاه مكروها. فضمّه [٧٥] سيف الدولة إلى نفسه ثمّ ستره فى بيت وقال لهما:
- «أما تستحيان منّى فتجاملانى فى كاتبي.» ثمّ واقف [١] سيف الدولة كاتب خجخج أن يسير خجخج إلى المذار ويسوّغه ارتفاعها إذا حماها وواقف [٢] أبا علىّ المسيحي كاتب توزون على المسير بتوزون إلى الجامدة ويوهب له ارتفاعها وعليه حمايتها. وانتظم هذا التدبير وعاد الكوفي إلى مجلسه بحضرة سيف الدولة ورهب أن يعود إلى منزله وعبر خجخج إلى غربي واسط للمسير واستعدّ توزون أيضا للمسير إلى الجامدة.
فوافى أبو عمرو المسيحي وقت الظهر لثلاث بقين من شوّال هاربا من ناصر الدولة إلى أخيه أبى علىّ المسيحي وكان معه توقيع من ناصر الدولة بخطه إليه يقول فيه:
- «قد اتّصل طمعك فىّ وانبساطك علىّ وأنا محتمل وأنت مغترّ. وبلغني إدخالك يدك فى وقف فلان. وو الله لئن لم تخلّصها وتقصر عن فعلك المذموم لأقطعنّ يديك ورجليك.» فزعم أبو عمرو المسيحي أنّه قرأه وانحدر وذكر أنه قال له قبل ذلك
стр. 2656
بأيام:
- «يا مسيحىّ، أنت مجتهد فى أن تجعل توزون أميرا وعلى رأسك تحثو التراب. إن بلغ ما تؤمّله له لم يرضك كاتبا لنفسه وطلب ابن شيرزاد أو مثله وشبهه فاستكتبه وأنف منك فصادرك.» فتلافى سيف الدولة أبا عمرو [٧٦] المسيحي وواراه وراسل توزون وسكّنه. وكان سيف الدولة كثيرا يزهّد الأتراك فى العراق ويحملهم على قصد الشام معه والاستيلاء عليه وعلى مصر ويضرّب بينهم وبين أخيه فكانوا يصدقونه فى أخيه ويأتون عليه فى البعد من العراق وكانوا يستحبّون [١] على سيف الدولة ويطالبونه باستحقاقاتهم وينصّون على أن يوفيهم يوم الستين من أيامهم استحقاقهم ويستصغرونه وأخاه.
فلمّا وافى أبو عمرو المسيحي قالوا له:
- «نحتاج أن تحمل مال قائد قائد ورجاله وتوفّينا ذلك بالقبّان وزنة واحدة مالا مالا.» فأجاب إلى ذلك قطعا للحجّة، وساموه أن يكون الوزن بالليل والنهار فصبر على ذلك كلّه وأذن فيه.
وأخرج سيف الدولة أبا عبد الله الكوفي ليلا وضمّ إليه ابن عمّه أبا وليد فى جماعة من العرب وأصعد معه بنفسه إشفاقا عليه ثمّ وصّى العرب حتّى بلغوا به المدائن. فلمّا كان ليلة الأحد انسلاخ شعبان كبس الأتراك سيف الدولة بالليل وهرب من معسكره ولزم نهرا بقرب معسكره، فأدّاه إلى قرية تعرف ببرقة ولزم البريّة حتّى وافى بغداد. وأضرم الأتراك النار فى عسكره وقد كان بقي من المال المحمول إليه مع الكوفي من عند أخيه شيء لم يفرّق
стр. 2657
فيهم فنهبوه ونهب جميع سواده [٧٧] فهذا خبر سيف الدولة بواسط.
خبر ناصر الدولة ببغداد
فأمّا خبر ناصر الدولة ببغداد فإنّ أبا عبد الله الكوفي وصل إلى بغداد ولقى ناصر الدولة ووصف له الصورة فبرز ناصر الدولة إلى باب الشمّاسية وركب إليه المتقى لله فى دجلة يسأله التوقّف عن الخروج من بغداد فعبّر ناصر الدولة غلمانه إلى الجانب الشرقي من بغداد وأكثر جيشه ليوهم الأتراك أنه يعبر ويسير فى الجانب الشرقي.
فلمّا حصل جيشه فى الجانب الشرقي قطع الجسر وسار ناصر الدولة فى الجانب الغربي فنهبت داره، وأفلت يانس غلام البريدي وأبو الفتح ابن أبى طاهر من الحبس وعادا إلى البصرة، واستتر أبو عبد الله الكوفي، وخرج من بقي من الديلم ببغداد إلى المصلّى وعسكروا هناك، وضبط الأتراك الذين كانوا ببغداد دار السلطان، ورحل الديلم من المصلّى ودبّر الأمور بالحضرة أبو إسحاق القراريطى من غير تسمية بوزارة، وانعقدت الرئاسة بواسط لتوزون.
فكانت مدّة إمارة ناصر الدولة أبى محمّد ابن حمدان ثلاثة عشر شهرا وثلاثة أيام.
ذكر ما جرى من أمر توزون بواسط مع الأتراك بعد هزيمة سيف الدولة حتّى تمّت له الإمارة
لمّا انصرف سيف الدولة من واسط على تلك الصورة وعاد توزون وخجخج إلى معسكرهما وقع الخلاف [٧٨] بينهما وتنازعا الرئاسة ثمّ استقرّت الحال على أن يكون توزون الأمير وجيء بالآس والريحان إليه
стр. 2658
على رسم العجم إذا ترأّس واحد منهم، وعلى أن يكون خجخج صاحب جيش وهو الاسفهسالار، وأمضى القوّاد ذلك عليهما بغير رضى جماعة. ثمّ صاهر القوّاد بينهما وطمع البريدي بواسط فأصعد إليها وتقدّم توزون إلى خجخج أن ينحدر إلى نهر أبان ويراعى من يرد من أصحاب البريدي ويطالعه فنفذ.
ووافى عيسى بن نصر برسالة البريدي إلى توزون يهنّئه بالإمارة ويسأله أن يضمّنه أعمال واسط ويعرّفه عنه أنّ الرأى تعجّله إلى الحضرة لإخراج ابن حمدان عنها. فأجابه جوابا جميلا وامتنع من التضمين وقال:
- «إذا استقرّت الأمور تخاطبنا فى الضمان فأمّا وأنا بصورتي هذه وأنت تظنّ انى مطلوب خائف من بنى حمدان فلا وعسكري عسكر بجكم الذي قد جرّبت وخبرت وطائفة منهم تفي لك.» وانصرف عيسى بن نصر وأتبعه توزون جاسوسا.
ذكر سبب قبض توزون على خجخج وسملة إيّاه
فعاد إليه الجاسوس وأعلمه أنّه اجتمع مع خجخج وتخاليا طويلا وأنّ خجخج على الاستئمان إلى البريدي. فسار إليه توزون للثاني عشر من رمضان ومعه مائة غلام من الأتراك [٧٩] ومائة من الخاصة واشكورج [١] وجماعة من الكبار وكبسه فى فراشه. فلمّا أحسّ به ركب دابة النوبة بقميصه وفى يده لتّ ودفع عن نفسه سويعة ثمّ أخذوه وجاءوا به إلى واسط وسملة توزون وهدأت نار خجخج.
وسعى أبو الحسين علىّ بن محمّد بن مقلة فى الوزارة وراسل المتقى لله
стр. 2659
واستصلح قبل ذلك الترجمان وضمن له مالا فبعث المتقى إليه:
- «إنى راغب فيك مائل إليك محبّ لتقليدك، ولكن ليس يجوز أن أبتدئ بذكرك فأصلح أمرك مع الترجمان وقل له يسمّيك مع جماعة فإنّى أختارك من بينهم.» ففعل ذلك ولقى المتقى لله وقلّده وزارته وانصرف إلى منزله.
وورد الخبر بنزول سيف الدولة المورفه [١]
ذكر الخبر عن مصير سيف الدولة إلى بغداد بعد هزيمته وما انتهت إليه حالته
لمّا بلغ سيف الدولة خلاف توزون وخجخج بواسط طمع فى بغداد فوافى المورفة [٢] وظهر المستترون من أصحابه من الجند وخرجوا إليه. وانحدر أبو عمرو المسيحي كاتب توزون إلى واسط مستترا هاربا إلى صاحبه وانحدر أيضا الترجمان. وأرجف الناس بانحدار المتقى واضطرب الناس وأصبحوا على خوف شديد، فأمر المتقى لله بالنداء ببراءة الذمة ممّن أرجف بانحداره.
[٨٠] وجاء سيف الدولة فى يوم الإثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان إلى باب حرب، فنزل فى المضارب وعليه وعلى أصحابه أثر الضرّ الشديد لما لحقهم فى البرّية، وخرج إليه أصحابه ومن يريد الإثبات وجرت بينه وبين المتقى لله رسائل على يد أبى زكرياء السوسي وطالب بأن يحمل إليه مال، ووعد أن يقاتل توزون إن ورد الحضرة. فحمل إليه المتقى أربعمائة ألف درهم فى دفعات وانضمّ إليه كلّ من بقي بالحضرة من القوّاد وما زال
стр. 2660
يقول فى مجلسه:
- «ما أنصفنا أبو الوفاء توزون حيث كبسنا فى الليل ونحن نيام وإلّا فليحضر نهارا ونحن مستيقظون.» ونحو هذا من الكلام.
وخلع المتقى لله على الوزير أبى الحسين بن مقلة يوم السبت لاثنى عشر [١] بقيت من شهر رمضان.
ولمّا بلغ توزون وصول سيف الدولة الى بغداد خلّف بواسط كيغلغ فى ثلاثمائة غلام وأصعد مبادرا من واسط إلى بغداد. ولمّا اتصل بسيف الدولة خبر إصعاده رحل من باب حرب مع من انضمّ إليه من قوّاد الحضرة وفيهم أبو علىّ الحسن بن هارون. ومضى على وجهه.
ودخل محمّد بن ينال الترجمان آذنا [٢] لتوزون إلى بغداد لستّ بقين من شهر رمضان ودخل توزون من الغد ونزل دار مونس [٨١] واغتنم البريدي بعد توزون من واسط، فوافاها لثلاث بقين من شهر رمضان، فنهب وأحرق واحتوى على الغلات وأخذ جميعها وقبض توزون على أبى عمرو المسيحي كاتبه وقلّد كتابته أبا جعفر الكرخي وسلّم أبو إسحاق القراريطى إلى الوزير أبى الحسين ابن مقلة فصادره.
ذكر الخبر عن تقليد توزون إمرة الأمراء
لمّا حصل توزون ببغداد خلع المتقى عليه وعقد له لواء وقلّده إمرة الأمراء. وصار أبو جعفر الكرخي كاتب توزون ينظر فى الأمور كما كان الكوفي ينظر فيها. فأمّا الكوفي فإنّه لحق بسيف الدولة وهرب معه فكان
стр. 2661
مدّة نظر الوزير أبى الحسين ابن مقلة فى الأمور إلى أن ينظر فيها أبو جعفر الكرخي نحو شهر.
وقد كان كيغلغ لمّا استخلفه توزون بواسط أمره بقتال أبى الحسين البريدي فعجز عنه، فأصعد إلى بغداد ولم يمكن توزون المبادرة بالرجوع إلى واسط إلى أن تستقرّ الأمور بالحضرة، وتدبير [١] جميع ما يحتاج إليه. فأقام مدّة شوّال وأكثر ذى القعدة إلى أن توطّأت الأمور واستقامت.
وكان وقت هزيمة سيف الدولة من واسط أسر غلاما له يقال له: ثمل، عزيزا على سيف الدولة فأطلقه ووهبه لسيف الدولة وأكرمه وأنفذه إليه [٨٢] فى هذا الوقت لما حصل ببغداد، فحسن موقع ذلك منه ومن ناصر الدولة حتّى قال بالموصل:
- «توزون صنيعتي وقد قلّدته الحضرة واستخلفته بها» .
فسكنت نفس توزون إلى ذلك، وكان مغيظا على البريدي لقبح ما عامله به.
فانحدر توزون إلى واسط وخلّف الترجمان ببغداد وتقدّم إلى أبى جعفر الكرخي أن يلحق به، وضمّن ضياعه أبا الحسين ابن مقلة برغبة منه إليه بمائة وثلاثين ألف دينار فى السنة.
ووافى فى هذا الوقت أبو جعفر بن شيرزاد إلى توزون هاربا من البريدي فتلقّاه توزون فى دجلة وسرّ به وقال له:
- «يا أبا جعفر كملت إمارتى بك وتمّت النعمة عندي لأجلك. أنت أبى وهذا خاتمي- فنزعه من يده وأعطاه إليه- فدبّرنى وصرّفنى على رأيك.» فقبّل أبو جعفر يده وسأله أن يمهله، فلم يجبه. وكان أبو الحسن الأسمر [٢]
стр. 2662
واقفا وجماعة فقال الأسمر:
- «بالله يا سيدي، أجب الأمير وتصدّق بصدقة وانظر فى أمره.» ففعل ونظر فى أمره وأنفذ طازاد ابن عيسى آخر ذلك اليوم إلى الحضرة لخلافته.
فكان مدّة كتابة أبى جعفر الكرخي ونظره نيّفا وعشرين يوما.
ذكر سبب مفارقة ابن شيرزاد البريدي والاتّفاق الغريب له فى ذلك
كان يوسف بن وجيه صاحب عمان وافى فى ذى الحجّة فى مراكب وشذاءات يريد البصرة فيحارب [١] بنى البريدي [٨٣] وكان معه من يحارب بقوارير النار فأحرق شذاءاتهم وزبازبهم. فملك الأبلّة وضغطهم. فهرب فى تلك الوهلة أبو جعفر ابن شيرزاد ومعه طازاد وغيره.
فأما سبب هزيمة يوسف بن وجيه بعد تمكّنه فسنذكره.
ذكر حيلة تمّت على يوسف بن وجيه
كان قد استظهر استظهارا شديدا وقارب أن يملك البصرة وكان مع البريدي ملّاح يعرف بالزيادى. فلمّا ضغط يوسف بن وجيه البريديين وأشرفوا على الهلاك قال هذا الملّاح:
- «إن أنا هزمت العدوّ وأحرقت مراكبه ما تصنع بى؟» فوعده الإحسان إليه إن فعل ذلك.
ولم يعرّفه الملّاح ما يريد أن يعمل وكتم أمره ومضى. فأخذ بالنهار
стр. 2663
زورقين وليس يعلم أحد لماذا يريدهما ولم يأخذ معه أحدا من أسباب البريدي ومضى فملأ الزورقين سعفا- ومثل هذا لا ينكر بالبصرة- وحدرهما فى أوّل الليل- ومثل ذلك بالبصرة كثير لا يستراب به- وكان رسم مراكب ابن وجيه أن تشدّ بعضها إلى بعض بالليل فى عرض دجلة فيصير كالجسر.
فلمّا كان فى الليل ونام الناس وكلّ من فى المراكب، أشعل ذلك الملّاح السعف وأرسل الزورقين والنار فيهما، فوقعا على تلك المراكب والشذاءات فاشتعلت واحترقت قلوسها [١] وتقطّعت واحترق [٨٤] من فيها ونهب الناس منها مالا عظيما. وانقلع يوسف ابن وجيه ومضى هاربا على وجهه، وانكشف وجه البريدي ووفى للملّاح بما وعد له.
وفيها استوحش المتقى من توزون. ذكر السبب فى الوحشة بين توزون والمتقى وما آل إليه الأمر [٢]
كان الترجمان قد نفر من توزون لشيء بلغه عنه وكان أبو الحسين ابن مقلة خائفا من توزون لأنه خسر فى مال ضمانه وأشفق أن يطالبه به ويهلكه وزاد فى نفوره. وتقلّد أبى جعفر ابن شيرزاد كتبة توزون وما شكّ أحد أنّ أبا جعفر ابن شيرزاد وافى عن موافقة البريدي فطارت نفس ابن مقلة خوفا من ابن شيرزاد وأن يطالبه بمال ضمانه واقطاع توزون وخاف الترجمان وغيره وساءت الظنون وغلب القنوط على الكافّة من أهل الحضرة. فوقع التدبير بين أبى الحسين ابن مقلة وبين الترجمان على مكاتبة ناصر الدولة فى إنفاذ من يشيّع المتقى ويخرجه إليه.
стр. 2664
وقيل للمتقى:
- «ثبتّ للبريدى بالأمس فجرى ما ندمت عليه وأخذ منك خمسمائة ألف دينار وخرجت إلى ناصر الدولة فى دفعته الثانية فأظفرك الله وعدت موفورا وقد ضمنك بخمسمائة ألف دينار أخرى.» وقال لتوزون:
- «هي باقية فى يدك من تركة بجكم وهذا ابن شيرزاد وارد لتسليمك [١] بعد خلعك.» فانزعج واعتبر بما مضى على [٨٥] مستأنف أمره. وأصعد بعد ذلك أبو جعفر ابن شيرزاد إلى الحضرة فى ثلاثمائة غلام.
موت نصر بخراسان وانتصاب نوح ابنه
وفيها ورد الخبر بموت نصر بن أحمد بخراسان وانتصاب نوح ابنه مكانه.
ودخلت سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة
موافاة ابن شيرزاد بغداد
ووافى أبو جعفر ابن شيرزاد لخمس بقين من المحرّم فدخل بغداد. فلم يشكّ المتقى لله والجماعة فى أنّه إنما وافى لما أرجف به. ولقى المتقى لله فى اليوم الذي وصل إلى بغداد فيه وحمل الوزير أبو الحسين والترجمان المتقى لله على القبض عليه فلم يفعل. وبادر أبو جعفر بالانصراف وأمر ونهى وأطلق القراريطى من الاعتقال ونظر فيما كان ينظر فيه الوزير.
ووافى أبو عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان فنزل باب حرب فى
стр. 2665
جيش كثير فخرج إليه المتقى لله وحرمه والوزير وأبو الحسين ابن مقلة والترجمان واستتر ابن شيرزاد وخرج وجوه أهل الحضرة وكتّابها فلمّا بلغ المتقى تكريت ظهر ابن شيرزاد وطالب الناس وخبطهم [١] .
اشتباك الحرب بين سيف الدولة وتوزون
وانحدر سيف الدولة من الموصل ومعه الجيش وبلغ توزون وهو بواسط ما جرى بالحضرة من خروج المتقى والوزير من بغداد. فجرّد موسى ابن سليمان فى ألف رجل وبادر به إلى بغداد. وامتدّ موسى إلى باب الشمّاسية وعسكر [٨٦] هناك. وأقام توزون حتّى عقد واسطا على البريدي ثمّ أصعد ودخل بغداد وقلّد الشرطة غلامه صافيا.
وانحدر ناصر الدولة ومعه الجيش ووصل إلى تكريت فتلقّاه الخليفة وسار توزون إلى عكبرا وعبر من الجانب الشرقي إلى قصر الجصّ [٢] بسرّ من رأى وصاعد المتقى لله إلى الموصل ومعه أبو الحسين الوزير وأبو إسحاق القراريطى وأبو زكريا السوسي.
وسار سيف الدولة للقاء توزون فاشتبكت الحرب بينهما أسفل من تكريت بفرسخين وناصر الدولة بتكريت. فدامت الحرب بين سيف الدولة وتوزون يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء. فلمّا كان يوم الخميس انهزم سيف الدولة وأصعد معه ناصر الدولة ونهب الأعراب بعض سوادهما وملك توزون وشغّب أصحاب توزون فانحدر إلى بغداد.
وتأهّب سيف الدولة للقاء توزون ثانية فانحدر إلى تكريت وخرج توزون إلى باب الشماسية ثمّ سار إلى ناحية أخرى وواقعه هناك فانهزم سيف الدولة