مدّة نظر الوزير أبى الحسين ابن مقلة فى الأمور إلى أن ينظر فيها أبو جعفر الكرخي نحو شهر.
وقد كان كيغلغ لمّا استخلفه توزون بواسط أمره بقتال أبى الحسين البريدي فعجز عنه، فأصعد إلى بغداد ولم يمكن توزون المبادرة بالرجوع إلى واسط إلى أن تستقرّ الأمور بالحضرة، وتدبير [١] جميع ما يحتاج إليه. فأقام مدّة شوّال وأكثر ذى القعدة إلى أن توطّأت الأمور واستقامت.
وكان وقت هزيمة سيف الدولة من واسط أسر غلاما له يقال له: ثمل، عزيزا على سيف الدولة فأطلقه ووهبه لسيف الدولة وأكرمه وأنفذه إليه [٨٢] فى هذا الوقت لما حصل ببغداد، فحسن موقع ذلك منه ومن ناصر الدولة حتّى قال بالموصل:
- «توزون صنيعتي وقد قلّدته الحضرة واستخلفته بها» .
فسكنت نفس توزون إلى ذلك، وكان مغيظا على البريدي لقبح ما عامله به.
فانحدر توزون إلى واسط وخلّف الترجمان ببغداد وتقدّم إلى أبى جعفر الكرخي أن يلحق به، وضمّن ضياعه أبا الحسين ابن مقلة برغبة منه إليه بمائة وثلاثين ألف دينار فى السنة.
ووافى فى هذا الوقت أبو جعفر بن شيرزاد إلى توزون هاربا من البريدي فتلقّاه توزون فى دجلة وسرّ به وقال له:
- «يا أبا جعفر كملت إمارتى بك وتمّت النعمة عندي لأجلك. أنت أبى وهذا خاتمي- فنزعه من يده وأعطاه إليه- فدبّرنى وصرّفنى على رأيك.» فقبّل أبو جعفر يده وسأله أن يمهله، فلم يجبه. وكان أبو الحسن الأسمر [٢]
стр. 2662
واقفا وجماعة فقال الأسمر:
- «بالله يا سيدي، أجب الأمير وتصدّق بصدقة وانظر فى أمره.» ففعل ونظر فى أمره وأنفذ طازاد ابن عيسى آخر ذلك اليوم إلى الحضرة لخلافته.
فكان مدّة كتابة أبى جعفر الكرخي ونظره نيّفا وعشرين يوما.
ذكر سبب مفارقة ابن شيرزاد البريدي والاتّفاق الغريب له فى ذلك
كان يوسف بن وجيه صاحب عمان وافى فى ذى الحجّة فى مراكب وشذاءات يريد البصرة فيحارب [١] بنى البريدي [٨٣] وكان معه من يحارب بقوارير النار فأحرق شذاءاتهم وزبازبهم. فملك الأبلّة وضغطهم. فهرب فى تلك الوهلة أبو جعفر ابن شيرزاد ومعه طازاد وغيره.
فأما سبب هزيمة يوسف بن وجيه بعد تمكّنه فسنذكره.
ذكر حيلة تمّت على يوسف بن وجيه
كان قد استظهر استظهارا شديدا وقارب أن يملك البصرة وكان مع البريدي ملّاح يعرف بالزيادى. فلمّا ضغط يوسف بن وجيه البريديين وأشرفوا على الهلاك قال هذا الملّاح:
- «إن أنا هزمت العدوّ وأحرقت مراكبه ما تصنع بى؟» فوعده الإحسان إليه إن فعل ذلك.
ولم يعرّفه الملّاح ما يريد أن يعمل وكتم أمره ومضى. فأخذ بالنهار
стр. 2663
زورقين وليس يعلم أحد لماذا يريدهما ولم يأخذ معه أحدا من أسباب البريدي ومضى فملأ الزورقين سعفا- ومثل هذا لا ينكر بالبصرة- وحدرهما فى أوّل الليل- ومثل ذلك بالبصرة كثير لا يستراب به- وكان رسم مراكب ابن وجيه أن تشدّ بعضها إلى بعض بالليل فى عرض دجلة فيصير كالجسر.
فلمّا كان فى الليل ونام الناس وكلّ من فى المراكب، أشعل ذلك الملّاح السعف وأرسل الزورقين والنار فيهما، فوقعا على تلك المراكب والشذاءات فاشتعلت واحترقت قلوسها [١] وتقطّعت واحترق [٨٤] من فيها ونهب الناس منها مالا عظيما. وانقلع يوسف ابن وجيه ومضى هاربا على وجهه، وانكشف وجه البريدي ووفى للملّاح بما وعد له.
وفيها استوحش المتقى من توزون. ذكر السبب فى الوحشة بين توزون والمتقى وما آل إليه الأمر [٢]
كان الترجمان قد نفر من توزون لشيء بلغه عنه وكان أبو الحسين ابن مقلة خائفا من توزون لأنه خسر فى مال ضمانه وأشفق أن يطالبه به ويهلكه وزاد فى نفوره. وتقلّد أبى جعفر ابن شيرزاد كتبة توزون وما شكّ أحد أنّ أبا جعفر ابن شيرزاد وافى عن موافقة البريدي فطارت نفس ابن مقلة خوفا من ابن شيرزاد وأن يطالبه بمال ضمانه واقطاع توزون وخاف الترجمان وغيره وساءت الظنون وغلب القنوط على الكافّة من أهل الحضرة. فوقع التدبير بين أبى الحسين ابن مقلة وبين الترجمان على مكاتبة ناصر الدولة فى إنفاذ من يشيّع المتقى ويخرجه إليه.
стр. 2664
وقيل للمتقى:
- «ثبتّ للبريدى بالأمس فجرى ما ندمت عليه وأخذ منك خمسمائة ألف دينار وخرجت إلى ناصر الدولة فى دفعته الثانية فأظفرك الله وعدت موفورا وقد ضمنك بخمسمائة ألف دينار أخرى.» وقال لتوزون:
- «هي باقية فى يدك من تركة بجكم وهذا ابن شيرزاد وارد لتسليمك [١] بعد خلعك.» فانزعج واعتبر بما مضى على [٨٥] مستأنف أمره. وأصعد بعد ذلك أبو جعفر ابن شيرزاد إلى الحضرة فى ثلاثمائة غلام.
موت نصر بخراسان وانتصاب نوح ابنه
وفيها ورد الخبر بموت نصر بن أحمد بخراسان وانتصاب نوح ابنه مكانه.
ودخلت سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة
موافاة ابن شيرزاد بغداد
ووافى أبو جعفر ابن شيرزاد لخمس بقين من المحرّم فدخل بغداد. فلم يشكّ المتقى لله والجماعة فى أنّه إنما وافى لما أرجف به. ولقى المتقى لله فى اليوم الذي وصل إلى بغداد فيه وحمل الوزير أبو الحسين والترجمان المتقى لله على القبض عليه فلم يفعل. وبادر أبو جعفر بالانصراف وأمر ونهى وأطلق القراريطى من الاعتقال ونظر فيما كان ينظر فيه الوزير.
ووافى أبو عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان فنزل باب حرب فى
стр. 2665
جيش كثير فخرج إليه المتقى لله وحرمه والوزير وأبو الحسين ابن مقلة والترجمان واستتر ابن شيرزاد وخرج وجوه أهل الحضرة وكتّابها فلمّا بلغ المتقى تكريت ظهر ابن شيرزاد وطالب الناس وخبطهم [١] .
اشتباك الحرب بين سيف الدولة وتوزون
وانحدر سيف الدولة من الموصل ومعه الجيش وبلغ توزون وهو بواسط ما جرى بالحضرة من خروج المتقى والوزير من بغداد. فجرّد موسى ابن سليمان فى ألف رجل وبادر به إلى بغداد. وامتدّ موسى إلى باب الشمّاسية وعسكر [٨٦] هناك. وأقام توزون حتّى عقد واسطا على البريدي ثمّ أصعد ودخل بغداد وقلّد الشرطة غلامه صافيا.
وانحدر ناصر الدولة ومعه الجيش ووصل إلى تكريت فتلقّاه الخليفة وسار توزون إلى عكبرا وعبر من الجانب الشرقي إلى قصر الجصّ [٢] بسرّ من رأى وصاعد المتقى لله إلى الموصل ومعه أبو الحسين الوزير وأبو إسحاق القراريطى وأبو زكريا السوسي.
وسار سيف الدولة للقاء توزون فاشتبكت الحرب بينهما أسفل من تكريت بفرسخين وناصر الدولة بتكريت. فدامت الحرب بين سيف الدولة وتوزون يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء. فلمّا كان يوم الخميس انهزم سيف الدولة وأصعد معه ناصر الدولة ونهب الأعراب بعض سوادهما وملك توزون وشغّب أصحاب توزون فانحدر إلى بغداد.
وتأهّب سيف الدولة للقاء توزون ثانية فانحدر إلى تكريت وخرج توزون إلى باب الشماسية ثمّ سار إلى ناحية أخرى وواقعه هناك فانهزم سيف الدولة
стр. 2666
وتبعه توزون. فلمّا وصل سيف الدولة إلى الموصل سار منها وسار ناصر الدولة والمتقى والوزير وسائر من معهم إلى نصيبين ودخل توزون الموصل ومعه ابن شيرزاد وأبو عبد الله بن أبى موسى الهاشمي واستخرج [٨٧] ابن شيرزاد من الموصل نحو مائة ألف دينار.
ورحل المتقى وحرمه ومن معه من نصيبين إلى الرقّة ولحق بهم سيف الدولة، وقد كان توزون عند خروجه من بغداد زوّج ابنته من أبى عبد الله البريدي وعقد الاملاك بالشمّاسية وأنفذ المتقى لله أبا زكريّا السوسي إلى توزون فى رسالة يقول فيها:
- «إنّى استوحشت منك لأجل البريديين لقبح ما يفعلونه دفعة بعد دفعة وأبلغت أنكما اجتمعتما وصرتما يدا واحدة فخرجت من الحضرة والآن فقد مضى ما مضى. فإن آثرت رضاي فصالح ناصر الدولة وارجع إلى الحضرة.
فإنّى إذا رأيتك مطيعا لى عدت واستقامت لك الأمور بى وبرضاي وكان الله عونك.» قال أبو زكريّا: فلمّا وردت حضرة توزون اتّهمنى وهمّ بقتلى، فخلّصنى ابن شيرزاد وقال:
- «أيها الأمير أنا والله سألت أبا زكريا الخروج مع الخليفة لميله إلينا وليكون خليفتنا بحضرته فإن كان متّهما فأنا متّهم.» ثمّ أدّيت الرسالة فتقبّلها ابن شيرزاد وأشار على توزون بالإجابة وسفرت فى الصلح إلى أن تمّ وصحّ لأبى جعفر ابن شيرزاد قبل الصلح وبعده زيادة على مائتي ألف دينار، وعقد البلد على ناصر الدولة ثلاث سنين كلّ سنة بثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف درهم [٨٨] وانصرف توزون إلى بغداد.
وتواترت الأخبار بنزول الأمير أبى الحسين أحمد بن بويه واسطا وكان على وعد من البريديّين بعسكر الماء فأخلفوه وانحدر إليه توزون محاربا له
стр. 2667
والتقيا فى الموضع المعروف بقباب حميد وطالت الحرب بينهما بضعة عشر يوما على اجتهاد شديد بين الفريقين إلّا أنّ توزون كان يتأخّر كلّ يوم ويتقدّم الديلم على سبيل الزحف وعلى عادتهم فى مثل ذلك وكثر القتلى من الجانبين إلى أن عبر توزون نهر ديالى وحصل [١] فى الجانب الذي يلي بغداد وقطع جسورا كان عقدها عليه.
فلمّا صار بينهما النهر ثبت الأتراك وكان مع توزون زبازب وخيل فى الماء فيها غلمان رماة. فكانوا يستولون فى كلّ يوم على قطعة من خزائن أحمد بن بويه وزواريق عسكره ثمّ يحولون بين العسكر وبين الماء فيعطشون [٢] هم ودوابّهم. فرأى معزّ الدولة أن يصعد على ديالى إلى نحو جسر النهروان ليبعد عن دجلة ويقرب من الماء ويحتال للميرة. فقد كانت ضاقت عليه وأحسّ توزون بذلك.
ذكر حيلة تمّت على معزّ الدولة حتّى انهزم بعد استظهار منه
وعبر توزون بخمسمائة من الأتراك مع تكين الشيرازي وألف فارس من العرب فيهم إبراهيم المطوّق وقطينة وأمثالهم من حيث [٨٩] لم يشعر بهم معزّ الدولة. فلمّا سار وسار سواده فى أثره خرج عليهم القوم فحالوا بينه وبين السواد ووقعوا فى العسكر على غير تعبئة. وتعجّل توزون فعبر بجماعة من أصحابه سباحة ولم يزل يقتل ويأسر حتّى ملّ وأفلت معزّ الدولة مع الصيمري ونفر يسير معه بأسوأ حال وحصل بالسوس واجتمع إليه نفر من الفلّ بعد أيام وعاد توزون إلى بغداد.
стр. 2668
ابن شيرزاد يخلع على اللصّ
وفى صفر من هذه السنة ظهر لصّ يقال له: ابن حمدي وكان أعيا السلطان. فخلع عليه ابن شيرزاد وأثبته برسم الجند ووافقه على أن يصحّح فى كلّ شهر خمسة عشر ألف دينار ممّا يسرقه وأصحابه، وأخذ خطّه بها فكان يستوفيها منه ويأخذ البراءات وروزات الجهبذ بما يؤدّيه أوّلا أوّلا.
وفى هذه السنة قتل أبو عبد الله البريدي أخاه أبا يوسف. ذكر السبب فى قتل البريدي أخاه وما جرى بعد قتله إياه وعاقبة أمره
كان أبو عبد الله البريدي لمّا حاصره سيف الدولة أيام مقامه بواسط أحد عشر شهرا ثمّ توزون بعده ضاقت به الأمور فاضطربت رجاله وعملوا على الاستئمان إلى أبى يوسف أخيه ليساره واستقرض من أبى يوسف قرضا بعد قرض. فكان يعطيه النزر اليسير وذكر تخلّفه وتضييعه وأنه بالإقبال تمّ له ما تمّ لا لتدبير. ثمّ تعدّى ذلك فصار يذكر جنونه وعجلته. وصحّ عند أبى عبد الله أنّ أبا يوسف يريد القبض عليه واعتقاله لأن يجرى عليه جراية على تقتير [١] . فاستوحش كلّ واحد منهما من صاحبه.
فحكى إسرائيل الجهبذ وكان خصيصا بأبى عبد الله أنه استدعاه وشكا إليه حاله فى الإضاقة ثمّ قال:
- «قم إلى أبى يوسف أخى- وأومأ إلى درج بين يديه وفتحه فإذا فيه حبّ لؤلؤ وياقوت أحمر وأزرق يبهر الناظرين- وقال: احمل هذا إليه وسله
стр. 2669
أن يقرض [١] عليه عشرة آلاف دينار.» وكان ما فى الدرج قد وهبه بجكم لابنته سارة التي تزوّج بها. وكان بجكم أخذه من دار الخليفة فأخذه أبو عبد الله منها.
قال إسرائيل: فمضيت إلى أبى يوسف وحدّثته بجميع ما خاطبني به أخوه وأخرجت الدرج إليه.
فقال لى:
- «يا أبا الطيّب من سوء تحصيله يرى، ولو مدّت دجلة مالا لبددّه هذا رجل حصّل له من واسط فى كرّاته التي تولّاها ثمانية آلاف ألف دينار أما وجب أن يستظهر بألف ألف دينار.» فقلت: «يا سيدي ومن أولى به منك على تصرّف كل حال؟ فتفضّل بما طلب.» فقال: «إنّى قد أعطيته إلى هذا الوقت ومنذ انصرف من واسط خمسين ألف دينار وما تمتلئ عينه. ابعث إلى الجوهريّين [٩١] وأحضرهم حتّى يقوّموا هذا الجوهر وأعطيه قيمته.» فوجّه إليهم وحضروا وأخرجه إليهم فقالوا:
- «لا قيمة له تحدّ، وإذا حضر ملك يرغب نحكّم [٢] صاحبه ولو انتهى فى السوم إلى أقصى غاية.» فاشتطّ وقال:
- «يا جهّال، من قال لكم إنّى مروان الأموى- فإنه كان راغبا فى الجوهر وحضر للابتياع- أو خمارويه بن أحمد وابن الجصّاص؟ قوّموه بما إذا
стр. 2670
طالبتكم به بكرة صحّحتموه [١] العصر.» فقوّموه خمسة آلاف دينار. فقال:
- «أعطونى خطوطكم بها.» فثبّتوا ثمّ ردوها إلى خمسين ألف درهم وضمنوها فقال:
- «هذا أعطيك.» فقلت: «يا سيدي، اجعلها خمسة آلاف دينار.» فقال: «قم ودع فى القيمة فضلا لطلبه فإنّه سيعاود ويطلب.» فانصرفت بخمسين ألف درهم إلى أبى عبد الله وحدّثته الحديث، فقال:
- «لا إله إلّا الله قل له: يا أبا يوسف جنوني الذي ذكرته وقلّة تحصيلى أقعدك هذا المقعد وصيّرك كقارون.» ثمّ عدّد ما عمله معه ودمعت عينه وتبيّن الشرّ فى وجهه.
فلمّا كان بعد أيام نحو العشرة أقام غلمانه وفيهم يانس وإقبال وربيب وملّاح يانس فى مخترق قد سقّف بين باب داره- وكانت دار فضلان الساجي- بالأبلّة وبين الشطّ فتمكّن له هؤلاء ووثبوا عليه بالسكاكين وما زال يصيح:
- «يا أخى قتلوني قتلوني.» وأبو عبد الله [٩٢] يقول:
- «إلى لعنة الله.» فخرج أبو الحسين أخوه وكان ينزل فى جواره إلى روشن دجلة وقال:
- «يا أخى قتلته؟» فقال: «يا فاعل خربت اسكت وإلّا ألحقتك به.»
стр. 2671
فجمع أبو الحسين نفسه وشغّب الجند وظنّوه حيّا فنبشه وأظهره لهم فسكنوا. ثمّ أعاده إلى قبره.
وانتقل إلى الدار بمسماران. فساعة ملكها طلب الجوهر فأحضره.
قال إسرائيل: دخلت إليه فقال لمّا رآني:
- «يا غلام هات الدُّرج.» فأحضره إيّاه فقال لى:
- «يا أبا الطيّب أخذنا المال والجوهر ومضى الفاعل بن الفاعل إلى لعنة الله.» ثمّ أودع أبو عبد الله هذا الجوهر ابنه أبا القاسم سرّا وأمره أن يستره. فلمّا توفّى أبو عبد الله وملك الأمر بعده أخوه أبو الحسين طلب هذا الجوهر طلبا شديدا فلم يجد له أثرا. وقيل: أودعه من لا يعرف.
ولمّا خرج ابنه إلى هجر أخذه معه فسأله الهجريّون أن يريهم إيّاه ففعل ذلك ووهب لهم منه حبّة [١] واحدة.
فلمّا حضر مدينة السلام فى أيّام أبى الحسين معزّ الدولة طلبه منه ليراه فأحضره عنده ووسّط أبا مخلد عبد الله بن يحيى ليبتاعه منه فامتنع من بيعه ثمّ رأى الوجه فى بيعه. فاستجاب فقوّم بما قوّمه تجّار البصرة.
فقال أبو مخلد:
- «حطّ منه ثمن الحبّة التي أخذها الهجريّون.» فأعطى ثلاثة آلاف دينار عن قيمة خمسة [٩٣] وأربعين ألف درهم وأحاله بذلك على كار التمر واستوفاه.
وكان أبو عبد الله البريدي يتّهم أبا الحسن ابن أسد بالتضريب بينه وبين
стр. 2672
أخيه وقيل له:
- «إنّ عنده ستة عشر ألف ألف درهم.» فلمّا ملك الأمير أخرج إليه دفتر فيه ثبت ودائع أبى يوسف بخطّه، فلم يجد فيه وديعة عند أحد إلّا ما عند ابن أسد، فطالبه بها وبسط منه وأقرّه [١] على ما كان يتولّاه فمضى إلى منزله وحمل إليه ألفى ألف درهم وخمسمائة ألف درهم، ولم يظهر له، وعرّفه أنه لا وجه للباقي وأنّ أخاه حصّل عليه ذلك من عجز بعد عجز لحقه فى مدّة سنة معه وأخذ خطّه بها أنها وديعة له عنده. وكان فى أسفل الثبت الذي وجد له: «عمل لكلّ سنة عملا بالضمان وما صحّ منه بالأمانة وما تحصّل من العجز الذي أخذ خطّه به» .
وجمع ذلك وكان بإزاء العجز وهو ثلاثة عشر ألف ألف وخمسمائة ألف درهم.
فقامت قيامة أبى عبد الله وقال:
- «دم أخى فى رقبة ابن أسد فإنّى قتلته طمعا فى المال.» فمضى ولم يصل إليه. ثمّ آمنه فظهر وقام بحجّته شفاها وذكر أنّ له بقايا هذه السنة فى النواحي زيادة على أربعة آلاف ألف وله أصحاب منهم أبو العلاء صاعد بن ثابت وأبوه وأخوه وأبو على الأنبارى وقد هرب فتوسّط أمره القاضي أبو الحسين بن نصرويه. [٩٤] وصحّ لأبى عبد الله جميع الوجوه على أحوال قبيحة مع الألفى الألف والخمسمائة الألف الدرهم الموجودة عشرة [٢] آلاف ألف درهم وتاه الباقي وذهبت نفس أبى يوسف.
стр. 2673
وفيها قبض أبو العباس اشكورج الديلمي وكان توزون قلّده [١] الشرطة ببغداد على ابن حمدي اللصّ وضرب وسطه فخفّ مكروه اللصوص عن الناس وانقطع شرّهم بعد أن تحارس الناس بالليل بالبوقات وامتنع عنهم النوم خوفا من كبساته.
وفيها ورد الخبر بدخول الأمير أبى الحسين أحمد بن بويه واسط وانحدر من كان بها من أصحاب البريدي إلى البصرة.
وفيها صار محمد بن ينال الترجمان إلى سيف الدولة وهو بالرقّة فعاتبه سيف الدولة على أشياء بلغته عنه وكان اتهم بأنه عقد الرئاسة لنفسه على العجم وواطأه المتقى لله على الإيقاع بسيف الدولة فجحد محمّد بن ينال ذلك، فلمّا خرج من حضرته بعد العتاب وثب به غلمان سيف الدولة بسيوفهم فقتلوه.
وفيها ورد الخبر بموت سليمان بن الحسن أبى طاهر القرمطى وأنه جدّر ومات وصار الأمر لإخوته بعده.
ذكر الخبر عن الإصبهانى الذي احتال لقتل القرامطة بأيديهم حتى كاد يفنيهم
كان ابن سنبر يعادى المعروف بأبى حفص الشريك، فاحتال فى حياة أبى طاهر بأن أحضر رجلا [٩٥] من أهل إصبهان فكشف له أسرارا كان أبو سعيد الجنّابى [٢] كشفها له فى حياته ولم يكشفها لغيره وعرّفه مواضع دفائن له لم يعلم [٣] بها غيره ولم يعلم أبو طاهر أن أباه أبا سعيد كشف ذلك لابن سنبر
стр. 2674
فقال ابن سنبر لهذا الرجل الإصبهانى:
- «امض إلى أبى طاهر وعرّفه أنّك الرجل الذي كان أبوه وهو يدعوان إليه فإذا هو سألك عن العلامات والدليل أظهرت له هذه الأسرار.» وشرط ابن سنبر على هذا الإصبهانى أن يكون إذا تمكّن من الأمر قتل أبا حفص الشريك فضمن له الإصبهانى ذلك فمضى إلى أبى طاهر وأعطاه العلامات وحدّثه بالأسرار فلم يشكّ فى صحة تلك العلامات فوثب أبو طاهر وقام بين يديه وسلّم الأمر إليه وقال لأصحابه:
- «هذا هو الذي كنت أدعوكم إليه والأمر له.» فتمكّن الرجل من الأمر وثبت ووفى بما كان ضمنه لابن سنبر وقتل أبا حفص الشريك.
ثمّ كان يأمر أبا طاهر وإخوته بقتل من يشاء ويقول: «قد مرض» يعنى أنه قد شكّ فى الدين فيقتل وأخذ يقتل واحدا واحدا من رؤساء القوم وأهل البصائر منهم والنجدة وأمره ممتثل مطاع لا يخالف إلى أن أتى على عدد كثير منهم. وكان إذا أمر الرجل أن يقتل أخاه أو أباه أو ابنه لم يتوقّف وبادر إلى امتثال أمره فخافه أبو طاهر [٩٦] وبلغه أنه عمل على قتله فقال لإخوته:
- «قد وقع علىّ غلط وشبهة فى أمر هذا الرجل وليس هو صاحب الأمر الذي يعرف ضمائر القلوب ولا تخفى عليه الأسرار ويمكنه أن يبرئ المريض ويعمل كل ما يريد.» وجاءوا إلى الرجل فعرّفوه أنّ والدتهم عليلة وسألوه أن يدخل إليها ونوّموا والدتهم على فراش وغطّوها بإزار فدخل إليها فلمّا رآها قال لهم:
- «هذه علّة لا يبرأ صاحبها فطهّروها» معناه اقتلوها.
فلمّا قال لهم ذلك قالوا لأمّهم:
- «اجلسي.»
стр. 2675
فجلست. وقالوا:
- «إنها لفى عافية وأنت كذّاب.» فقتلوه.
وكان لهم سبعة من الوزراء أكبرهم ابن سنبر وكان أبو طاهر له إخوان:
أبو القاسم سعيد بن الحسن وأبو العباس الفضل بن الحسن ولهم أخ آخر لا يدخل معهم فى أمورهم يقال له أبو يعقوب إسحاق مقبل على الشرب [١] والقصف وأمر الثلاثة واحد وكلمتهم واحدة لا يخلفون فكانوا إذا أرادوا عقد أمر أو ورد عليهم أمر ركبوا وأصحروا واتفقوا على ما يعملون ولا يطلعون أحدا على أمرهم فإذا انصرفوا أمضوا ما اتفقوا عليه.
موت أبى عبد الله البريدي
وفى هذه السنة مات أبو عبد الله البريدي بحمّى حادّة مكث فيها سبعة أيام فكان بين قتله أخاه أبا يوسف وبين موته ثمانية أشهر وثلاثة أيام فتبارك الله ربّ العالمين. [٩٧] فتحدّث أبو القاسم ابن أبى عبد الله البريدي بعد زوال أمره ومصيره إلى بغداد أنّ أباه لمّا مات بالبصرة انتصب أخوه أبو الحسين مكانه وكان لأبى عبد الله عسكر مقيم بنهر الأمير بإزاء الأمير أبى الحسين أحمد بن بويه وعسكر آخر بمطارا وكان ديلم أبى عبد الله مضمومين إلى يانس غلامه وكانوا يميلون إليه وكان بين يانس وبين أبى الحسين مباينة فى الباطن وعداوة ولمّا تمكّن أبو الحسين من الرئاسة أخذ فى الاستطالة على الديلم والأتراك ويستخفّ بهم فنفرت قلوبهم منه وأحسّ يانس بذلك فمضى إلى أبى
стр. 2676
القاسم مولاه وابن مولاه أبى عبد الله فقال له:
- «إن كان عندك مال أصلحت لك قلوب الرجال وعقدت لك الرئاسة.» فاعترف له أبو القاسم أن عنده ثلاثمائة ألف دينار فأصلح له قلوب الديلم والرجال وواطأهم على الإيقاع بأبى الحسين وعقد الرئاسة لأبى القاسم وضمن لهم عنه الإحسان فسار الجيش الذي كان بنهر الأمير إلى مسماران وكان أبو الحسين بها فكبسوه وهو نائم فخرج من تحت الكلّة [١] ومضى ماشيا متنكرا إلى الجعفرية وكاتب الهجري يستجير بهم [٢] وقصدهم فقبلوه أحسن قبول وسألهم أن يعاونوه على الرجوع إلى البصرة وردّه إلى أمره فضمنوا له ذلك وأقام عندهم [٩٨] نحو الشهر وتقررت الرئاسة بالبصرة لأبى القاسم ابن أبى عبد الله.
ثمّ سار أبو الحسين من هجر ومعه من إخوة أبى طاهر اثنان وصاروا إلى سور البصرة فوجدوا أبا القاسم قد حفظه بالرجال واحترس منه فلم تكن لهم حيلة فى الوصول إلى البلد وطال مقامهم فضجر الهجريون وكاتبوا أبا القاسم وسفروا بينه وبين عمّه فى الصلح وسألوه أن يؤمنه ويأذن له فى الدخول إلى البصرة واحتاط أبو القاسم فى أمره إلى أن تأهّب واختار الشخوص إلى بغداد فأذن له وأطلقه فخرج وصار إلى مدينة السلام.
طمع يانس فى الرئاسة وتمكّن أبى القاسم منها
ثمّ طمع يانس فى الرئاسة وإزالة أبى القاسم عنها فواطأ روستاباش فلمّا انعقد الأمر بينهما تحرّك روستاباش والديلم واجتمعوا فى دار روستاباش وآثر روستاباش الإيقاع بيانس والتفرّد بالرئاسة فلمّا خرج يانس من عنده
стр. 2677
أتبعه بمن يوقع به فتحرّك يانس ورماه الديلمي بزوبين ووقع فى ظهره وهرب وصار إلى خراب بقرب دار أبى القاسم ولم يعرف له أحد خبرا وكان ليلا وسار روستاباش إلى دار لشكرستان وكان نقيب الديلم والمدبّر ليأنس.
وكان قد جزع أبو القاسم لمّا عرف الخبر وهمّ بالجلوس فى طيّاره [٩٩] والخروج عن داره فلمّا عرف لشكرستان أنّ روستاباش قد أوقع بيانس وعزم على التفرّد بالرئاسة لم يطعه وصاح الديلم وزبرهم فتفرّقوا ومضى بعضهم فى الوقت معتذرا وهرب روستاباش بالليل عند تفرّق الناس عنه واستتر وأصبح أبو القاسم وقد استقام أمره وعرف خبر يانس فحمله إلى داره مكرما ووجد روستاباش فنفاه إلى حيدة [١] وعولج يانس إلى أن برأ وأبو القاسم متهم له فلمّا كان بعد أيام قبض عليه وعلى لشكرستان وصادر يانسا على مائة ألف دينار ثمّ نفاه إلى عمان فلمّا حصل على الحديدى لينزل به خرج إليه بعض غلمان أبى القاسم فقتله وقتل لشكرستان وتمكّن أبو القاسم من الرئاسة.
وفيها عرض لتوزون يوما وهو جالس للسلام والناس وقوف بين يديه صرع فوثب ابن شيرزاد وموسى بن سليمان ومدّا فى وجهه رداء كان على رأس موسى وحجزوا بينه وبين الناس لئلّا يروه على تلك الصورة وصرف الناس وقيل لهم:
- «إنّ الأمير قد ثار المرار به من خمار لحقه.» وفى هذه السنة خرج عسكر الأمّة المعروفة بالروس إلى أذربيجان
стр. 2678
وقصدوا برذعة وملكوها وسبوا أهلها. [١٠٠]
شرح أخبار الروسية وما آل إليه أمرهم
هؤلاء أمة عظيمة لهم خلق عظام ولهم بأس شديد لا يعرفون الهزيمة ولا يولّى الرجل منهم حتى يقتل أو يقتل. ومن عادة الواحد منهم أن يحمل آلة السلاح ويعلق على نفسه أكثر آلات الصنّاع من الفاس والمنشار والمطرقة وما أشبهها ويقاتل بالحربة والترس ويتقلد السيف ويعلق عليه عمودا وآلة كالدشنىّ ويقاتلون رجالة لا سيما هؤلاء الواردين.
وذلك انهم ركبوا البحر الذي يلي بلادهم وقطعوه الى نهر عظيم يعرف بالكرّ [١] يحمل من جبال آذربيجان وأرمينية ويصبّ الى البحر وهو نهر برذعة الذي يشبّهونه بدجلة. فلما وصلوا إلى الكرّ توجه إليهم صاحب المرزبان [٢] وخليفته على برذعة وكان معه ثلاثمائة رجل من الديلم ونحو من عددهم صعاليك وأكراد واستنفر العامة فخرج معه من المطوّعة نحو خمسة آلاف رجل لجهاد هؤلاء وكانوا مغترّين لا يعرفون شدتهم وحسبوا أنّهم يجرون مجرى الأرمن والروم.
فلمّا صافّوهم الحرب لم تكن إلّا ساعة حتى حملت الروسية حملة منكرة فهزموا العسكر وولّت المطوّعة بأسرهم وسائر العسكر إلّا الديلم. فإنّهم ثبتوا ساعة فقتلوا كلّهم [١٠١] إلّا من كان بينهم فارسا، واتبعوا الفلّ الى البلد فهرب كل من كان له مركوب بجملة من الجند والرعية وتركوا البلد فنزلته الروسية وملكوه.
стр. 2679
فحدثني أبو العبّاس ابن ندار [١] وجماعة من المحصّلين أنّ القوم بادروا إلى البلد ونادوا فيه وسكنّوا الناس وقالوا لهم:
- «لا منازعة بيننا وبينكم فى الدين وانما نطلب الملك وعلينا ان نحسن السيرة وعليكم حسن الطاعة.» ووافتهم العساكر من كل ناحية فكانوا يخرجون إليهم ويهزمونهم وكان أهل برذعة [٢] يخرجون معهم فإذا حملوا [٣] عليهم المسلمون كبّروا ورجموهم بالحجارة فكانت الروسية تتقدم إليهم بأن يضبطوا أنفسهم ولا يدخلوا بين السلطان وبينهم فيقبل أهل السلامة منهم خاصّة فأمّا العامة ومعظم الرعاع فكانوا لا يضبطون أنفسهم ويظهرون ما فى نفوسهم ويتعرضون لهم إذا حمل عليهم أصحاب السلطان.
فلمّا طال ذلك عليهم نادى مناديهم بألّا يقيم فى البلد أحد من أهله وأجلوهم ثلاثة أيام من يوم ندائهم فخرج كل من كان له ظهر يحمله ويحمل حرمه وولده وهم نفر يسير وجاء اليوم الرابع والأكثر مقيمون فوضعت الروسية فيهم سيوفهم فقتلوا خلقا عظيما لا يحصى عددهم وأسروا بعد القتل بضعة عشر ألف رجل وغلام [١٠٢] مع حرمهم ونسائهم وبناتهم وجعلوا النساء والصبيان فى حصن داخل المدينة وهي شهرستان القوم وكانوا نزلوه وعسكروا به وتحصنوا فيه. ثم جمعوا الرجال الى المسجد الجامع ووكلوا بأبوابه وقالوا لهم:
- «اشتروا أنفسكم» .
стр. 2680
ذكر تدبير صواب أشار به بعضهم فلم يقبلوا منه حتى قتلوا بأجمعهم واستبيحت أموالهم وذراريهم
كان بالبلد نصرانىّ له رأى سديد يعرف بابن سمعون وكان يسعى فى السفارة بينهم ووافق الروسية ان يبتاع كل رجل منهم بعشرين درهما فتابعه على ذلك عقلاء المسلمين وخالفه الباقون وقالوا:
- «إنّما يريد ابن سمعون أن يلحق المسلمين بالنصارى فى أداء الجزية.» فأمسك ابن سمعون وتوقف الروسية عن قتل الرجال طمعا فى هذا القدر اليسير أن يحصل لهم من جهتهم فلما لم يحصل لهم شيء وضعوا فيهم السيوف فقتلوهم عن آخرهم الا عددا يسيرا خرجوا فى قناة ضيقة كانت تحمل الماء الى المسجد الجامع والّا من افتدى [١] نفسه بذخيرة كانت له.
فربما وافق الواحد من المسلمين الروسىّ على مال يفدى [٢] به نفسه فحضر معه إلى منزله أو حانوته فإذا استخرج ذخيرته وكانت زائدة على مال موافقته [٣] لا يمكن صاحبها منها وإن كانت [١٠٣] أضعافا مضاعفة عليه وعطف بالمطالبة حتى يجتاحه فإذا علم أنّه لم يبق له عين ولا ورق ولا جوهر ولا فرش ولا كسوة أفرج عنه وأعطاه طينا مختوما يأمن به من غيره فاجتمع لهم من البلد شيء عظيم يجلّ قدره ويعظم خطره وكانوا قد حازوا
стр. 2681
النساء والصبيان ففجروا بهنّ وبهم واستعبدوهم.
فلمّا عظمت المصيبة وتسامع المسلمون فى البلدان بخبرهم تنادوا بالنفير وجمع المرزبان بن محمد عسكره واستنفر الناس وأتاه المطوّعة من كل ناحية فسار فى ثلاثين ألف رجل فلم يقاوم الروسية مع إجماع هذه العدّة ولا أمكنه أن يؤثّر فيهم أثرا فكان يغاديهم القتال ويراوحه وينقلب عنهم مفلولا واتصلت الحرب بينهم على هذه الصورة أياما كثيرة فكانت الدبرة أبدا على المسلمين.
فلمّا أعيا المسلمين أمرهم ورأى المرزبان الصورة التجأ الى الحيلة والمكيدة واتفق له أن الروسية لما حصلوا بالمراغة تبسّطوا فى الفاكهة وهناك أنواع كثيرة منها فمرضوا ووقع فيهم الوباء لأنّ بلادهم شديدة البرد ولا ينبت فيها شجر وإنّما يحمل إليهم الشيء اليسير من البلاد الشاسعة عنهم.
فلمّا تمحّق [١] عددهم وفكر المرزبان فى الحيلة وقع له أن يكمن لهم ليلا وواطأ عسكره [١٠٤] ان يبادروا الحرب فإذا حمل عليهم القوم انهزم هو وانهزموا معه وأطمعهم بذلك فى العسكر والمسلمين فإذا تجاوزوا موضع الكمين عطف المرزبان ورجاله عليهم وصاحوا بالكمين بشعار اتفقوا عليه فإذا حصل الروسية فى الوسط تمكنوا منهم.
فلمّا أصبحوا على هذه المكيدة تقدّم المرزبان وأصحابه وبرز الروسية وأميرهم راكب حمار وخرج رجاله واصطفّوا للحرب فجروا على عادتهم وانهزم المرزبان والمسلمون واتبعهم الروسية حتى تجاوزوا موضع الكمين واستمر الناس على هزيمتهم.
فحكى المرزبان بعد ذلك أنّه لمّا رأى الناس كذلك وصاح بهم واجتهد بهم
стр. 2682
أن يراجعوا الحرب فلم يفعلوا لما تمكن فى قلوبهم من هيبتهم علم أنّه ان استمر الناس على هزيمتهم عاد القوم فلم يخف عليهم موضع الكمين فيكون ذلك هلاكهم. قال:
- «فرجعت وحدي مع من تبعني من أخى وخاصّتى وغلماني ووضعت فى نفسي الشهادة فحينئذ استحيا أكثر الديلم فرجعوا وكررنا عليهم ونادينا «الكمين» فخرجوا من ورائهم فصدقناهم الحرب وقتلنا منهم سبعمائة نفس فيهم أميرهم وحصل الباقون فى الحصن الذي كانوا فيه من البلد وقد كانوا نقلوا اليه غلّات كثيرة [١٠٥] وميرا عظيمة وحصّلوا فيه السبي والأموال.» فبينما المرزبان فى منازلتهم وهو لا يقدر لهم على حيلة سوى المصابرة إذ ورد عليه الخبر بدخول أبى عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان آذربيجان وانتهائه الى سلماس واجتماعه مع جعفر بن شكّويه الكردي [١] فى جماهير الهدايانية [٢] واضطرّ الى أن خلف على حرب الروسية أحد قوّاده فى خمسمائة من الديلم وألف وخمسمائة فارس من الأكراد وألفين من المطوّعة وسار إلى أوران ولقى أبا عبد الله فاقتتلا قتالا خفيفا وسقطت ثلجة عظيمة واضطرب أصحاب أبى عبد الله لأنّ معظمهم أعراب وساروا عنه فسار بسيرهم إلى بعض المدن الحصينة فلقيه فى طريقه كتاب من ابن عمه ناصر الدولة يعلمه فيه وفاة توزون بمدينة السلام واستئمان رجاله إليه وأنّه قد عمل على الانحدار معهم إلى بغداد ومحاربة معزّ الدولة لأنّه كان دخلها فاستولى عليها بعد إصعاد توزون عنها ويأمره بالتخلية عن أعمال آذربيجان والانكفاء إليه ففعل.
стр. 2683
سنّتهم فى دفن موتاهم
فلم يزل أصحاب المرزبان عن قتال [١] الروسية وحصارهم إلى أن ضجروا واتفق أن زاد الوباء عليهم فكان إذا مات الرجل منهم دفنوا معه سلاحه [١٠٦] وثيابه وآلته وزوجته أو غيرها من النساء وغلامه إن كان يحبه على سنة لهم.
فاستثار المسلمون بعد زوال أمرهم مقابرهم فاستخرجوا منها سيوفا يتنافس فيها إلى اليوم لمضائها وجودتها.
فلمّا قلّ عددهم خرجوا ليلا من الحصن الذي كانوا فيه وحملوا على ظهورهم كل ما أمكنهم من المال والجواهر والثياب الفاخرة وأحرقوا الباقي وساقوا من النساء والصبيان والصبايا ما شاءوا ومضوا إلى الكرّ وكانت السفن التي خرجوا فيها من بلادهم معدّة فيها مع ملّاحهم وثلاثمائة رجل من الروسية كانوا يمدونهم بإقساطهم من غنائمهم فجلسوا فيها ومضوا وكفى الله المسلمين أمرهم.
شاهد يروى ما رءاه
فسمعت ممن شاهد هؤلاء الروسيّة حكايات عجيبة من شدّتهم وقلّة مبالاتهم بمن يجتمع عليهم من المسلمين فمن ذلك خبر شاع فى الناحية وسمعته من غير واحد أنّ خمسة نفر [٢] من الروسية اجتمعوا فى بستان ببرذعة وفيهم غلام أمرد وضيء الوجه من أولاد رؤسائهم ومعهم نسوة من السبي وأنّ المسلمين لمّا عرفوا خبرهم أحاطوا بالبستان واجتمع عدد كثير
стр. 2684
من الديلم وغيرهم على حرب أولئك النفر الخمسة واجتهدوا فى أن يحصل لهم أسير واحد فلم يكن إليه سبيل لأنّه كان لا يستسلم أحد منهم ولم يمكن [١٠٧] قتلهم حتى قتلوا من المسلمين أضعافا كثيرة لعدّتهم وكان ذلك الأمرد آخر من بقي. فلمّا علم أنّه يؤخذ أسيرا صعد شجرة كانت بالقرب منه ولم يزل يجرح نفسه بخنجر معه فى مقاتله إلى أن سقط ميّتا.
وفى هذه السنة ظهر للمتقى من بنى حمدان ضجر به وبمقامه عندهم وشهوة لمفارقته فراسل توزون فى الصلح فتلقّى توزون ذلك بنهاية الرغبة فيه والحرص عليه ووردت رسالة المتقى لله إلى توزون مع الحسن بن هارون وأبى عبد الله بن أبى موسى الهاشمي وتوثّقا من توزون واستحلفاه أيمانا مؤكدة للمتقى وللوزير أبى الحسين ابن مقلة وأحضر توزون القضاة والعدول والعباسيين والطالبيين ومشايخ الكتّاب حتى حلف بحضرتهم للمتقى لله وكتب بذلك كتاب وأحكم ووقعت فيه الشهادة من جميع من حضر على توزون.
ودخلت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة
ولمّا كان يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من المحرّم وصل الأخشيد إلى حضرة المتقى لله وهو بالرقة ولقيه بها وأعظمه المتقى نهاية الإعظام ووقف الأخشيد بين يديه وقوف الغلمان وفى وسطه سلاح ثم ركب المتقى فمشى بين يديه الأخشيد فأمره أن يركب فلم يفعل [١٠٨] ولم يزل على تلك الحال مختلطا بالغلمان إلى أن نزل من ركوبه وحمل إليه هدايا ومالا وحمل إلى أبى الحسين ابن مقلة عشرين ألف دينار ولم يدع كاتبا ولا حاجبا إلّا برّه.
واجتهد بالمتقى لله أن يسير معه إلى مصر والشام فيكون بين يديه فلم
стр. 2685
يجبه إلى ذلك وأشار عليه بالمقام مكانه فلم يقبل فلمّا امتنع عليه من الأمرين عدل إلى الوزير أبى الحسين وأشار عليه بأن يسير معه إلى مصر وضمن له إنفاذ أمره وترك الاعتراض عليه فى شيء يدبّره فخالفه.
وكان أبو الحسين بعد ذلك يظهر التندّم ويقول:
- «نصحنى الأخشيد فلم أقبل.» وكانت دنانير الأخشيد فى صندوق أبى الحسين إلى أن انتهبت لمّا قبض على المتقى لله.
ولمّا توثّق المتقى لله من توزون انحدر من الرقّة يريد بغداد فى الفرات ومعه غلامان من غلمان الأخشيد ومحمد بن فيروز ونقط فلمّا وصل إلى هيت أقام بها وأنفذ القاضي الخرقى وابن شيرزاد حتى جدّدا على توزون الأيمان والعهود والمواثيق وأكرم المتقى لله توزون ولقّبه المظفّر وعاد القاضي إلى هيت وعرّف المتقى أنه قد أحكم الأمر مع توزون.
وخرج توزون لليلة بقيت من صفر إلى البثق الذي كان بالسندية ونزل الوزير أبو الحسين على شاطئ الفرات وبين توزون والمتقى [١٠٩] نحو فرسخ فلمّا همّ بالانحدار استقبله توزون وترجّل له وقبّل الأرض بين يديه ووكّل به وبالوزير وبالجماعة وأنزل بهم فى مضرب نفسه مع حرم المتقى لله وارتجّت الدنيا فسمله [١] . وحكى ثابت أنّ توزون سملة [٢] بحضرة قهرمانة المستكفى بالله.
وانحدر توزون من الغد وفى قبضه الجماعة فكانت مدّة وزارة أبى الحسين ابن مقلة سنة واحدة وخمسة أشهر واثنى [٣] عشر يوما.
стр. 2686
خلافة المستكفى بالله
ذكر السبب فى القبض على المتقى وخلافة المستكفى بالله
قال ثابت: حدثني أبو العبّاس التميمي الرازي [١] وكيله، قال: وكان خصيصا بتوزون مستوليا عليه، قال:
كنت أنا السبب فيما جرى على المتقى وذاك أنّ إبراهيم بن الربنبذ [٢] الديلمي لقيني يوما وسألنى أن أصير إلى دعوته فاستأذنت توزون فى ذلك فأذن لى فيه ومضيت إليه وهو ينزل فى دار القراريطى على دجلة فوجدت داره مفروشة منضّدة فسألته عن السبب فى ذلك وقلت: أحسبك قد تزوّجت.
فقال: أنا أحدّثك عن أمرى:
اعلم أنّى خطبت إلى قوم وتجمّلت عندهم بأن ادّعيت أنّ لى محلّا من الأمير واختصاصا به فقالت لى المرأة: إذا كنت بهذه المنزلة فهل لك أن تسفر فى شيء يجمع صلاح الأمير وصلاحك وصلاح المسلمين؟ فقلت لها: نعم.
قالت: هذا [١١٠] الخليفة (يعنى المتقى لله) قد عاداكم وعاديتموه وكاشفكم
стр. 2687
وكاشفتموه وليس يجوز أن تصفو نيته لكم آخر الدهر وقد اجتهد فى بواركم فلم يتم له فمرّة ببني حمدان ومرّة ببني بويه وهاهنا رجل من ولد الخلافة من فهمه وعقله ودينه ورجلته كيت وكيت تنصبونه فى الخلافة وتزيلون المتقى لله وهو يثير لكم أموالا جليلة لا يعرفها غيره ولا يقدر عليها سواه وتكونون أنتم قد استرحتم من عدوّ تريدون أن تحرسوه وتحترسون منه وتخافونه ويخافكم وتقيمون رجلا من قبلكم يرى أنّكم قد أحسنتم إليه وأنّ روحكم مقرونة بروحه.
وأطالت الكلام فى هذا المعنى فهوّستنى ودار كلامها فى نفسي وعلمت أنّ محلى لا يبلغ الكلام فى مثله والسفارة فيه وكرهت أن اكذّب نفسي عندها لما ادّعيته من المحلّ والمنزلة فاطمعتها فى ذلك وعلمت أنّ هذا الأمر لا يتمّ إلّا بك ولا يقدر عليه غيرك وقد أطلعتك عليه فأىّ شيء عزمك أن تعمل؟
فقلت: أريد أن أسمع كلام المرأة. فجاءني بامرأة تتكلم بالعربية والفارسية من أهل شيراز جزلة شهمة فهمة فخاطبتني بنحو ما خاطبني به الرجل فقلت لها: لا بد من أن ألقى الرجل وأسمع كلامه. فقالت: تعود غدا إلى ههنا حتى أجمع بينك وبينه. فلمّا كان من غد عدت فوجدت الرجل قد أخرج [١١١] من دار ابن طاهر فى زي امرأة وحصل فى دار ابن الربنبذ فلقيته وعرّفنى أنّه عبد الله بن المكتفي بالله. وخاطبني رجل حصيف فهم ووجدته مع هذا يتشيّع ورأيته عارفا بأمر الدنيا وضمن لى ستمائة ألف دينار يستخرجها ويمشّى بها الأمر ومائتي ألف دينار للأمير توزون وقال: أنا رجل فقير وإنّما أعرف وجوه أموال لا يعرفها غيرى وأعرف من ذخائر الخلافة فى يد قوم لا يعرفهم غيرى. وذكر [١] أنّ وجوهها صحيحة لا شك فيها ولا يقدر غيره
стр. 2688
عليها. فلمّا سمعت ذلك وعرفت صحته صرت إلى توزون. وفكرّت فى أنّ الأمر لا يتمّ بى وحدي فلقيت فى طريقي وأنا أصعد إلى توزون أبا عمران موسى بن سليمان فى الحديدى الذي على باب توزون فأخذت بيده واعتزلنا. واستحلفته على كتمان ما أطلعه عليه فحلف ثم حدثته به كلّه وسألته معاونتى على تمامه فقال:
هذا أمر عظيم لا أدخل فيه. فلمّا آيسنى من نفسه سألته أن يمسك ولا يعارضني فقال: افعل. فدخلت إلى توزون وأدخلته إلى حجرة وخلوت به واستحلفته بالمصحف وبأيمان مؤكّدة أن يكتم ما أحدّثه به فحلف فلمّا حلف حدّثته الحديث من أوله إلى آخره فوقع بقلبه وقال: صواب ولكنّى أريد أن أرى الرجل وأسمع كلامه. فقلت: علىّ ذلك ولكن إن أردت [١١٢] تمام هذا الأمر فلا تطلع عليه أبا جعفر ابن شيرزاد فإنّه يفثأ عزمك ويصرفك عنه.
فقال: افعل.
وبلغ أبا جعفر خلوتي بالأمير فاتّهمنى أنى سعيت عليه ومضيت إلى القوم ووعدتهم بحضور الأمير ليرى الرجل ويكون الاجتماع فى منزل موسى بن سليمان.
قال: وتشددنا فى الطوف بالليل فى دجلة فلمّا كان ليلة الأحد لأربع عشرة خلت من صفر وافى عبد الله بن المكتفي بالله إلى دار موسى بن سليمان ولقيه توزون هناك وخاطبه وبايع له فى تلك الليلة وكتمنا القصة.
فلمّا وافى المتقى لله من الرقّة ولقيه توزون وسلم عليه قلت لتوزون:
- «عزمك على ما كنا اتفقنا عليه صحيح؟» فقال: «بلى.» قلت: «فافعله الساعة فانّه إن دخل داره بعد عليك مرامه.» قال: فوكّل به وجرى ما جرى.
стр. 2689
وكانت المرأة التي سفرت فى هذا الأمر المعروفة بحسن الشيرازية حماة أبى أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي فلمّا تمت للمستكفى الخلافة غيرت اسمها وجعلته «علم» [١] وصارت قهرمانة المستكفى واستولت على أمره كلّه.
ذكر مصير الأمير أبى الحسين إلى ديالى
وقد كان قبل خلافة المستكفى صار الأمير أبو الحسين أحمد بن بويه إلى واسط وقت مصير توزون إلى الموصل. فلمّا صالح توزون إبن حمدان [١١٣] وعاد إلى الحضرة عمل على الانحدار لدفعه.
فخرج فى ذى القعدة من سنة اثنتين وثلاثين وورد عليه خبر الأمير أبى الحسين ابن بويه بانه نزل بسيب [٢] بنى كوما ولقيه جيش توزون وما زالت الحرب بينهما تسعة أيام فى قباب حميد وهي فى كل يوم على توزون يتأخّر توزون إلى خلف ويتقدّم الأمير أبو الحسين إلى قدّام إلى أن بلغ توزون نهر ديالى وعبره إلى جانب بغداد وقطع الجسر الذي عليه وأقام.
ووافاه أحمد بن بويه إلى الجانب مقابلا له وبينهما الماء. فلمّا كان يوم الأحد لأربع خلون من ذى الحجة انصرف الأمير أبو الحسين راجعا إلى الأهواز.
ذكر السبب فى انصرافه مع استظهاره وبعد ما هزم توزون
كان مع الأمير أبى الحسين سواد عظيم وكراع كثير وجمال وافرة فكان إذا
стр. 2690
سار جعل سواده بينه وبين دجلة وله خيمة تضرب على رسم لهم فما دامت الخيمة منصوبة فالقتال واقع ومتى قلعت كان ذلك علامة الهزيمة.
فلمّا كان يوم مسيره إلى ديالى أخذ السواد يسير على طول ديالى واجتهد أن يضبطه ويستوقفه فلم يمكن ذلك.
وأراد أن يضرب الخيمة على الرسم فلمّا تباعد الديلم وصار بين السواد والديلم فرجة دخل أصحاب توزون وأعرابه [١١٤] بين السواد والديلم وأوقعوا بالسواد ولم يكن عنه دافع فدفعت الضرورة إلى أن ينصرف وصارت هزيمة، واضطرّ الديلم إلى أن يستأمنوا إلى توزون لأنّهم رحالة فاستأمن أكثرهم إلى توزون وأخذ الأمير على طريق بادرايا [١] ، وباكسايا إلى الأهواز.
وقد كانت الميرة أيضا ضاقت على الأمير أبى الحسين حتى اضطر فى الليلة التي انصرف فيها من غد إلى أن ذبح خمسين جملا من جماله وفرق لحمها على أصحابه ورجاله وأخذ له بقر فذبحها ونهب فى وقت هزيمته نهبا عظيما.
واستؤسر من وجوه قوّاده سبعة عشر قائدا فيهم أبن الداعي العلوي [٢] وأسر أبو بكر أبن قرابة واستأمن من الديلم أكثر من ألف رجل.
وأقام توزون وعاوده الصرع يوم هزيمة الأمير أبى الحسين وشغل بنفسه عن الطلب فعاد إلى داره.
ونعود إلى تمام خبر المستكفى بالله.
стр. 2691
قلّة وزارته أبا الفرج محمد بن على السامرّىّ ولم يكن له من الوزارة إلّا أسمها والمدبر للأمور أبو جعفر ابن شيرزاد.
وخلع على توزون وطوّق ووضع على رأسه تاج مرصّع بجوهر وجلس بين يدي المستكفى بالله على كرسىّ وانصرف بالخلع والتاج والطوق والسوار الى منزله.
وطلب المستكفى بالله الفضل بن المقتدر طلبا شديدا فاستتر [١١٥] وأمر بهدم داره [١] وكان الفضل طول أيام المستكفى بالله مستترا.
شرح قصة أبى الحسين البريدي ومصيره إلى بغداد مستأمنا إلى توزون وما آل إليه أمره من القتل
كنا ذكرنا حاله إلى وقت خروجه إلى بغداد ولما وصل إلى بغداد ولقى توزون وأنزله أبو جعفر بالقرب من داره فى دار طازاذ التي فى قصر فرج [٢] على شاطئ دجلة.
ثمّ شرع أبو الحسين فى مسئلة توزون أن يعاونه على فتح البصرة وضمن له إذا فتحها أن يحمل إليه مالا رغبة عن كثرته فكان يطمع فى المال ويعلل بالمواعيد.
وسأل أن يوصل إلى المستكفى بالله فوصل إليه مع توزون وابن شيرزاد فخلع المستكفى بالله عليه خلعة الرضا وأنصرف إلى منزله.
وبلغ الخبر إبن أخيه أبا القاسم وأنّ عمه يسعى فى أمر البصرة فوجّه بمن
стр. 2692
أصلح أمره مع توزون وابن شيرزاد وحمل مالا فأقرّ على عمله وأنفذت الخلع اليه.
ووقف عمه أبو الحسين على ذلك ويئس مما كان شرع فيه ولم يقطع توزون أطماعه فيه.
ذكر الخبر عن قتل أبى الحسين البريدي
لما يئس أبو الحسين البريدي من معاونة تلحقه فى فتح البصرة سعى فى أن يكتب لتوزون ويقبض على ابن شيرزاد وصح ذلك عند [١] [١١٦] ابن شيرزاد فاستوحش من أبى الحسين ومن توزون فجلس فى منزله أياما وما زال توزون يراسله ويترضاه حتى كتب إليه وأخذ فى التدبير عليه.
فلمّا كان يوم السبت لستّ خلون من ذى الحجة أنفذ أبو العباس وكيله وصافى حاجب توزون إلى أبى الحسين البريدي فقبضا عليه وأحدراه إلى دار صافى وضرب هناك ليلة الأحد ضربا عنيفا وقيّد وأحدر إلى دار السلطان وبسط ابن شيرزاد لسانه فيه أقبح بسط وذكر معايبه وأذكر بذنوبه.
وكان أبو عبد الله محمد ابن أبى موسى الهاشمي أخذ فى أيام ناصر الدولة فتوى الفقهاء والقضاة بإحلال دمه فأظهرها فى هذا الوقت فلمّا كان بعد أسبوع من القبض عليه استحضر الفقهاء والقضاة وأحضر أبو الحسين البريدي وجمعوا بين يدي المستكفى بالله وأحضر السيف والنطع ووقف السيّاف بيده السيف وحضر ابن أبى موسى الهاشمي ووقف فقرأ ما أفتى به واحد واحد من إباحة دمه على رؤوس الأشهاد وكلما قرأ فتوى واحد منهم سأله هل هي فتواه فيعترف بها حتى أتى على جماعتهم وأبو الحسين البريدي يسمع ذلك
стр. 2693
كلّه ويراه ورأسه مشدود والسيف مسلول بإزائه فى يد السيّاف.
فلمّا اعترف القضاة والفقهاء بالفتوى أمر المستكفى [١١٧] بالله بضرب عنقه فضربت من غير أن يحتجّ لنفسه بشيء أو يعاود بكلمة أو ينطق بحرف وأخذ رأسه وطيف به فى جانبي بغداد ورد إلى دار السلطان وصلبت جثّته حيث كان حديديّه مشدودا فيه لما ظفر بدار السلطان فبقى مصلوبا هناك أياما.
ثم قرأت صكا على الجهبذ بثمن بواري ونفط اشتريت بتسعة دراهم لإحراق جثّته فأحرقت للنصف من ذى الحجة.
وقبض على الوزير أبى الفرج السامرّىّ وصودر على ثلاثمائة ألف درهم فكانت مدة وقوع اسم الوزارة عليه اثنتين وأربعين يوما.
وفى هذه السنة طالب المستكفى بالله القاهر بأن يخرج من دار السلطان ويرجع إلى دار ابن طاهر فامتنع فسأل فيه أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن وهو يومئذ يكتب للمستكفى بالله على خاصّ أموره ورفق بالقاهر وضمن أن ينزله عنده ولا يردّه إلى دار ابن طاهر.
قال أبو أحمد: فلمّا قلت له ذلك استجاب بعد أن سألنى عن منزلي فى أى جانب هو فقلت: فى الشرقي ناحية سوق يحيى. فسكنت نفسه إلى ذلك واستجاب حينئذ وأنزلت به إلى طيّارى بعد أن غيّرت زيّه فإنّى وجدته ملتفّا فى قطن حشو جبّة [١] وفى رجله نعل خشب مربعة. فلمّا حصل فى الطيّار عبرت به [١١٨] من إزاء دارى وأومأت إلى الملاحين إيماء من غير أن أنطق بحرف.
стр. 2694
فلمّا وضع صدر الطيار للعبور فطن وقال «هوذا يعبر بى إلى دار ابن طاهر» وأراد أن يرمى بنفسه إلى الماء فتقدمت إلى غلماني بضبطه فضبطوه إلى أن أصعدت به إلى داره من دار ابن طاهر فأقام فيها مدة ثم خرج فى يوم جمعة إلى المسجد الجامع فى مدينة المنصور وأخذ فى أن يتصدق فرآه أبو عبد الله ابن أبى موسى الهاشمي فمنعه من ذلك وأعطاه خمسمائة درهم وردّه إلى داره.
وفى هذه السنة ورد الخبر بأن قوما يعرفون بالروس يكونون وراء بلدان الخزر خرجوا إلى آذربيجان وملكوا برذعة. وهم قوم لا دين لهم وإنّما طلبوا الملك وليس يعرفون الهزيمة وسلاحهم وزيّهم تشبه سلاح الديلم وفيهم قوة شديدة ولهم أبدان عظام.
ثم أوقع بهم المسلمون فلم يبق منهم كبير أحد وكان للمرزبان بن محمد بن مسافر فى ذلك أثر كبير وعناء عظيم وقد ذكرناه فى موضعه.
ودخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة
موت توزون
وفى المحرم منها مات توزون فى داره ببغداد فكانت مدة إمارته سنتين وأربعة أشهر وسبعة عشر يوما ومدة كتابة ابن شيرزاد له سنتان وستة عشر يوما.
وورد الخبر على ابن شيرزاد وهو بهيت [١١٩] وكان خرج إليها لمواقفة [١] ابى المرجّى ابن فيان [٢] على مال ضمانه وكان قد أخّره وطمع فى ناحيته بموت توزون واضطرب العسكر ثم اجتمعوا على عقد الرياسة
стр. 2695
لابن شيرزاد.
وكان أبو جعفر قد عزم على عقد الأمر لناصر الدولة فانحدر ابن شيرزاد فلمّا وصل إلى باب حرب وذلك فى مستهلّ صفر أقام هناك فى معسكره وخرج إليه الأتراك والديلم وأنفذ إليه المستكفى بالله خلع ثياب بياض وحمل إليه طعاما عدّة أيام.
فلمّا كان يوم الجمعة لليلتين خلتا من صفر أجمع الجيش بأسره على عقد الرياسة له وحلفوا له وأخذ البيعة عليهم لنفسه وحبوه بالريحان على رسم العجم.
ووجّه ابن شيرزاد إلى المستكفى بالله يسأله ان يحلف له يمينا بحضرة القضاة والعدول تسكن نفسه إليها ففعل المستكفى ذلك ثم سأله إعادة اليمين بحضرة وجوه الأتراك والديلم فاشتد ذلك عليه ثم فعله.
فدخل ابن شيرزاد من معسكره على الظهر بتعبية إلى دار السلطان ووصل إلى الخليفة وانصرف مكرّما.
وزاد ابن شيرزاد الأتراك والديلم فى أرزاقهم زيادات كثيرة فاشتدّت الإضافة فأنفذ إلى ناصر الدولة يطالبه بحمل المال ويطمعه فى رد الامارة اليه فحمل إليه [١] [١٢٠] دقيقا وسفاتج بخمسمائة ألف درهم فلم يكن لها موقع مع الإضاقة [٢] فنقض ما عزم عليه من عقد الإمارة لناصر الدولة وأقام على أمره وقلّد أبا السائب القاضي مدينة المنصور وقلّد جماعة القضاة فى نواحي بغداد وأخذ فى المصادرات وقسط على الكتّاب والعمّال والتجار وسائر طبقات الناس ببغداد مالا لأرزاق الجند.
стр. 2696
هاروت وماروت
وكان الغمازون يغمزون بمن عنده قوت من حنطة أو عدّة لعياله فكبسه وأخذه [١] وكان قد انتصب للغمز بذلك وغيره وبمن يرمق بنعمة رجلان من السعاة يعرفان بهاروت وماروت فكانا يصلان إلى ابن شيرزاد فى الأسحار والخلوات ويمضيان أيضا إلى دار المستكفى بالله فلحق الناس منهما أمر عظيم وكذلك من الضرائب فإنّها كثرت حتى تهارب التجار من بغداد وعاد هذا الفعل بالخراب [٢] وفساد الأمر وزيادة الإضاقة فاحتيج إلى مصادرة ابن عبد العزيز الهاشمي وإخوته.
وكثرت كبسات اللصوص فكان إذا ظفر السلطان بلصّ قتلته العامّة قبل أن يصل إلى الوالي.
وقلد أبو جعفر ابن شيرزاد ينال كوسه [٣] أعمال المعاون بواسط والفتح اللشكرى أعمال المعاون بتكريت فأمّا الفتح اللشكرى فإنّه خرج إلى عمله بتكريت فلمّا وصل إليها [١٢١] امتدّ إلى ناصر الدولة فقبله وأكرمه وقلّده تكريت من قبله وردّه إليها.
وأما ينال كوسه فكاتب الأمير أبا الحسين ابن بويه.
وأخرج ابن شيرزاد تكين الشيرزادى إلى الجبل فهزمه أصحاب أبى على أبى محتاج وانصرف إلى بغداد.
стр. 2697
ذكر الخبر عن مسير أبى الحسين أحمد بن بويه إلى بغداد
ورد الخبر بدخول ينال كوسه فى طاعة الأمير أبى الحسين أحمد بن بويه وأنّ الأمير قد تحرّك من الأهواز يريد الحضرة فاضطرب الأتراك والديلم ببغداد وأخرجوا مضاربهم إلى المصلّى وعسكروا هناك وأخرج أبو جعفر مضربه معهم.
ثم ورد الخبر بنزول الأمير أبى الحسين أحمد بن بويه باجسرى [١] فزاد الاضطراب ببغداد واستتر ابن شيرزاد واستتر المستكفى بالله فكانت امارة ابن شيرزاد ثلاثة أشهر وعشرين يوما.
فلمّا وقف الأتراك على استتارهما عبروا إلى الجانب الغربي وساروا إلى الموصل فلمّا سار الأتراك ظهر المستكفى بالله وعاد إلى دار الخلافة.
وورد أبو محمد الحسن بن محمد المهلّبى صاحب الأمير أبى الحسين أحمد بن بويه ولقى ابن شيرزاد حيث هو مستتر وفاوضه ثم انحدر إلى دار السلطان ولقى [١٢٢] المستكفى بالله فأظهر المستكفى بالله سرورا بموافاة الأمير أبى الحسين أحمد بن بويه وأعلمه أنّه إنّما استتر من الأتراك لينحلّ أمرهم فيحصل الأمر للأمير أحمد بن بويه بلا كلفة.
المستكفى يلقّب الإخوان بمعزّ الدولة، وعماد الدولة، وركن الدولة
فلمّا كان يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة نزل
стр. 2698
الأمير أبو الحسين فى معسكره بباب الشمّاسية ووصل إلى المستكفى بالله ووقف بين يديه طويلا وأخذت عليه البيعة للمستكفى بالله واستحلف له بأغلظ الأيمان وأدخل فى اليمين الصيانة لأبى أحمد الشيرازي كاتبه، ولعلم قهرمانته، ولأبى عبد الله ابن أمّ موسى وللقاضي أبى السائب ولأبى العباس أحمد بن خاقان الحاجب ووقعت الشهادة على المستكفى بالله وعلى الأمير أبى الحسين.
فلمّا فرغ من اليمين سأل الأمير أبو الحسين المستكفى بالله فى أمر ابن شيرزاد واستأذنه فى أن يستكتبه فآمنه وأذن له فى ذلك.
ثم لبس الأمير الخلع وكنّى ولقّب بمعز الدولة ولقّب أخوه أبو الحسن على بن بويه بعماد الدولة وأخوه أبو على الحسن بن بويه بركن الدولة وأمر أن تضرب ألقابهم وكناهم على الدنانير والدراهم وانصرف بالخلع إلى دار مونس.
ونزل الديلم والجيل والأتراك دور الناس فلحق الناس من ذلك شدة عظيمة وصار رسما عليهم إلى اليوم. [١٢٣]
ذكر كتابة ابن شيرزاد لمعزّ الدولة أبى الحسين
ظهر أبو جعفر ابن شيرزاد من استتاره ولقى معزّ الدولة ودبّر أمر الخراج وجباية الأموال. وقبض الأمير أبو الحسين على أبى عبد الله الحسين بن على بن مقلة وذلك لوصول رقعة له إليه يطلب فيها مكان ابن شيرزاد.
стр. 2699
ذكر الخبر عن قبض معزّ الدولة على المستكفى بالله
كان السبب الظاهر أنّ علما قهرمانته دعت دعوة عظيمة حضرها جماعة من قواد الديلم فاتهمها الأمير معز الدولة أنها فعلت ذلك لتأخذ عليهم البيعة للمستكفى بالله وأن ينقضوا رياسة معز الدولة عليهم ويطيعوه دونه فساء ظنّه لذلك ولما رأى من جسارتها وإقدامها على قلب الدول.
ثمّ قبض المستكفى بالله على الشافعي رئيس الشيعة من باب الطاق فشفع فيه اصفهدوست فلم يشفّعه فأحفظه ذلك وذهب إلى معز الدولة وقال:
- «راسلني الخليفة فى أن ألقاه متنكرا فى خفّ وإزار.» فنتج من ذلك وغيره مما لم يظهر خلعه من الخلافة.
فلمّا أن كان يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة انحدر الأمير معز الدولة إلى دار السلطان وانحدر الناس على رسمهم.
فلمّا جلس المستكفى بالله على سريره ووقف الناس على مراتبهم دخل أبو جعفر الصيمري وأبو جعفر ابن شيرزاد [١٢٤] فوقفا فى مرتبتهما ودخل الأمير معز الدولة فقبّل الأرض على رسمه ثم قبّل يد المستكفى بالله ووقف بين يديه يحدثه ثم جلس على كرسىّ وأذن لرسول كان ورد من خراسان ورسول ورد من أبى القاسم البريدي. فتقدّم نفسان من الديلم فمدّا أيديهما إلى المستكفى بالله وعلا صوتهما فارسية فظنّ أنهما يريدان تقبيل يده فمدّها إليهما فجذباه بها وطرحاه إلى الأرض ووضعا عمامته فى عنقه وجرّاه.
فنهض حينئذ معز الدولة واضطرب الناس وارتفعت الزعقات وقبض الديلم على أبى أحمد الشيرازي وعلى ابن أبى موسى الهاشمي ودخلوا إلى دار الحرم فقبضوا على علم القهرمانة وابنتها وتبادر الناس إلى الباب من الروشن
стр. 2700
فجرى أمر عظيم من الضغط والنهب.
وساق الديلميان [١] المستكفى بالله ماشيا إلى دار معز الدولة واعتقل فيها ونهبت دار السلطان حتى لم يبق فيها شيء وانقضت أيام خلافة المستكفى بالله.
وأحضر معز الدولة أبا القاسم الفضل بن المقتدر بالله إلى دار الخلافة فى يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وخوطب بالخلافة وبويع له ولقب المطيع لله.