عضد الدولة يملك كرمان
وفى هذه السنة صفت كرمان لعضد الدولة وملكها وفتح قلعة بردسير [١] وهي خزانة أبى على ابن الياس التي جمع فيها ذخائره على مرّ السنين من الأموال والجواهر والأمتعة الفاخرة.
ذكر السبب فى ذلك كان أبو على ابن الياس لما عاود كرمان بعد إبراهيم بن كاسك جرى مجرى بعض المتصعلكين وآمن ناحية عماد الدولة علىّ بن بويه لما ذكرناه فيما تقدّم فشارك اللصوص وصعاليك القفص [٢] والبلوص فحصل عنده على طول السنين من جهتهم مال عظيم فى القلعة التي وصفناها.
ولما مات علىّ بن بويه عماد الدولة وترعرع عضد الدولة فنّاخسره كان فى نفسه من هذه القلعة ما لا يظهره فلمّا استوحش اليسع بن محمد بن الياس من أبيه صار إلى عضد الدولة وأقام عنده حتى أصلح له نية أبيه وعاد إليه فوعده بولاية العهد ورياسة العسكر.
ولما كان فى هذه السنة وقع القفص [٣] على قافلة عظيمة وغنموا أموالا عظيمة للتجار فخرج إليهم محمد بن الياس يطلب نصيبه من غنيمتهم فأصابه فى الطريق علة الفالج وردّ إلى منزله واستمرت به العلة فجمع أكابر أولاده وهم ثلاثة: اليسع وسليمان والياس، فخاطبهم بما ظنّ أنّه يجمع كلمتهم واعتذر [٣١٩] إلى اليسع من النبوة التي سبقت منه حتى فارقه ثم جمع إليه
стр. 2872
تدبيره عسكره [١] وولاية عهده ومن بعده الياس.
فأمّا سليمان فإنّه أشار عليه بأن يرجع إلى بلده وهو الصغد وأظهر له تذكرة فيها ثبت دفائنه وودائعه هناك وأراد بذلك أبعاده عن اليسع لعداوة كانت بينهما فأظهرت الجماعة قبول أمره والانتهاء إلى رأيه.
وشخص سليمان نحو الصغد بما قسمه له. فلمّا صار بظاهر المدينة عدل عن ذلك السمت وقصد القفص وطلب منهم ذلك القسم الذي كان أبوه شخص لتسلمها، فتمّ له الوصول إليه وأخذ منهم مالا جليلا واستضم إلى نفسه جماعة منهم ليقوى بهم ثم عاد إلى السيرجان وكان يتولاها من جهة أبيه.
فلمّا بلغ أباه ما صنع، غضب من مخالفته إيّاه واغتاظ منه فأمر اليسع بطلبه وقوّاه بالرجال وقد كان العسكر مطيعين له وأمره إن يضطرّه إلى الخروج إلى الصغد أو معاودة حضرته ليقبض عليه ووصّاه إن خرج نحو الصغد أن يخلّى له الطريق ولا يتبعه.
فخرج اليسع إلى السيرجان وتحصّن سليمان منه واقتتلا أيّاما. ثم استظهر اليسع فحمل سليمان جميع ما كان حصل له وخرج من باب من أبواب المدينة قاصدا [٣٢٠] خراسان فتركه اليسع امتثالا لأمر أبيه وعاقب جماعة من أهلها الذين كانوا عاونوا سليمان عليه ثم صفح عنهم.
ذكر اضطراب أمر اليسع مع أبيه حتى استبدل به وما آل إليه أمره حتى أخرج أباه إلى خراسان مكرها
كان فى جملة محمد بن الياس رجل يعرف بعبد الله بن مهدى ويلقب
стр. 2873
ببسّويه شديد الغلبة عليه والتمكن منه وبينه وبين اليسع وحشة متأكدة.
فخافه على نفسه فاجتمع مع إسرائيل المتطبب وكان أيضا مكينا عنده، ومهندس كان معه يقال له: المرزبان على إفساد نية أبى على ابن الياس على ابنه اليسع وشككوه فيه وحركوا ما كان فى نفسه قديما منه وأشاروا عليه بأن ينقض ما عقده له من تدبير جيشه ويجعله لحاجب من حجابه يقال له:
ترمش [١] ، ليكون الأمر غير خارج عن يده ما دام حيّا. وليكن غلامه صاحب جيشه فيتصرف معهم على رأيه. فقبل منهم هذا الرأى وكتب إلى اليسع بأن ينكفئ إليه واستدعاه إلى القلعة وكان لا يصعدها إلّا وحده دون كل أحد على رسم القلاع.
فلمّا حصل عنده وليس فيها إلّا هو وهؤلاء الثلاثة ونفر من ثقات أصحابه وجماعة حرمه وجواريه قبض عليه وقيّده وفوّض أمر الجيش إلى ترمش الحاجب فلم يجتمعوا عليه ولا رضوا به.
فمشت والدة [٣٢١] اليسع إلى والدة الياس وقالت لها:
- «إنّ صاحبنا كان عقد لولدينا عقدا هو الصواب، لكنّه قد اختلّ عقله وعزب رأيه بهذه العلة وغلب عليه هؤلاء الثلاثة وتمّ لهم على ابني ما سيتمّ مثله على ابنك وحينئذ تخرج هذه المملكة عن آل الياس وتنتقل إليهم وإلى من نصبوه [يعنى ترمش الحاجب] والصواب أن تساعديني على تخليص ولدي ليكون الأمر جاريا مجراه الأول.» فساعدتها وقبلت رأيها.
وكان ابن الياس ربما أغمى عليه فى علّته فاتفقت المرأتان على أن جمعتا الجواري وكان عددهن كثيرا وقصدن عبد الله بن مهدى بسّويه ليوقعن به.
стр. 2874
فاتفق له أن أفلت وهرب واستنقذن اليسع وعالجن قيده فلم يكملن لكسره وخشين فوت الأمر فاتخذت له أمّه حبالا متينة من ثياب ديباج حتى تدلّى من القلعة إلى الأرض لأنّها لم تتمكن من إخراجه من باب القلعة. فلمّا حصل فى الأرض رآه بعض الجند فكسر قيده وأعطاه دابّته فركب وتوسّط العسكر فاستبشروا به وعادوا إلى طاعته وخدمته.
وهرب ترمش الحاجب وجمع اليسع الجيش ليسير بهم إلى تحت القلعة ويحاصرها ويتغلّب عليها، وكان الشيخ فى جميع ذلك [٣٢٢] مغمى عليه [١] لا يعقل شيئا مما جرى. فلمّا أفاق من غمرته وعرف الصورة راسل اليسع واطلع عليه وسأله أن يكفّ عنه ويؤمنه على نفسه وحرمه ومن معه حتى يسلم إليه القلعة مع جميع أعمال كرمان ويرحل إلى خراسان ويكون عونا له هناك متى احتاج إليه.
فأجابه ابنه إلى ذلك ومكنه من جميع ما أراد فاحتمل مائة وقر من المال والثياب والجوهر وفاخر المتاع واستصحب ثلاثمائة غلام من غلمانه وما احتاج إليه من الآلات والكراع وشعّث القلعة وأحرق بقية ما كان فيه من الآلات والكسوة ورحل فلم يؤاخذه اليسع بما فعل بل احتمله ووفّى له بالأمان الذي بذله وتركه حتى نفذ إلى مقصده [٢] .
وتسلم اليسع القلعة وظفر بأولئك النفر الثلاثة وسلّمهم إلى كاتبه ومدبر أمره أبى نصر محمد بن إسماعيل البمّى وأمره بمطالبتهم فاستخرج منهم مالا عظيما.
وتلف إسرائيل الطبيب ثم وجه للمعروف ببسّويه كتابا كتبه إلى خراسان فيه الإغراء به والذم له وكان قد عفا عنه فأعاده إلى العقوبة حتى هلك فيها.
стр. 2875
وابتدأ فنّاخسره عضد الدولة فى تخبيب [١] رجال ابن الياس فاستأمن إليه أكثر الديلم والأتراك وكان حينئذ أبو على ابن الياس بخراسان يطمع [٢] صاحبها فى مملكة [٣٢٣] الديلم فكان من عاقبته ما شرحناه من موت وشمكير وغير ذلك.
وتفرّغ عضد الدولة لقصد كرمان ودسّ إلى كلّ من له رأى أو نجدة من خبّبه وأصلح قلبه له. ثم توجّه إليها فافتتحها ودخلها فى شهر رمضان سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، واستولى على جميع أعمالها وملك قلعة بردسير وهي عظيمة فيها عدة قلاع متصلة بعضها ببعض، وانهزم اليسع إلى خراسان وصادف وصول اليسع إلى خراسان موت والده، فاحتوى صاحب خراسان على ما سلم معه من بقية ماله وكراعه.
ولما تمّ لعضد الدولة فتح كرمان واتصل خبره بصاحب سجستان كاتبه وترددت بينهما الرسل حتى صالحه وخطب له وهو أبو أحمد خلف بن أبى جعفر المعروف بابن بانويه.
وأنفذ إلى عضد الدولة من الحضرة ببغداد عهد الخليفة وخلعه من الطوق والسوارين والعقد على أعمال كرمان كلّها. فقلد عضد الدولة هذه الأعمال أكبر أولاده أبا الفوارس شيرزيل واستخلف له عليها كوركير بن جستان وكان وجه قوّاد عسكره وانصرف إلى شيراز.
ودخلت سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة [٣٢٤]
وفيها استأمن حمدان بن ناصر الدولة إلى بختيار ودخل إلى مدينة السلام. ذكر السبب فى ذلك
стр. 2876
كان ناصر الدولة قلّد حمدان ابنه الرحبة وسوّغه ارتفاعها وكان أبو تغلب وأخوه أبو البركات- وأختهما المسماة جميلة- بنى [١] زوجته فاطمة بنت أحمد الكردي وكانت مالكة أمر [٢] أبيهم. فاستولى أبو تغلب على مالها وأموال ناصر الدولة وقلاعه وكانت هي مدبّرة جميع ذلك وتطابقت الجماعة على الشيخ وغلبوه على جميع ذلك ولم يكن له بهم طاقة لتناهيه فى الكبر والضعف. فابتدأ يدبر القبض عليهم وكاتب ابنه حمدان ليستظهر به ويعتمده فيما همّ به، فظفروا بكتابه هذا ولم ينفذوه وزاد ما بينهم شروقا وانفراجا حتى خافوه، ودخل معهم فى الخوف كاتبه وأكابر غلمانه الذين تابعوا أبا تغلب، فاجتمعوا وقبضوا عليه ليلا وحملوه إلى القلعة. واتصل ذلك بحمدان فامتعض لأبيه وكان عدوّا مباينا لإخوته هؤلاء وهو أشجع [٣] أولاد ناصر الدولة وأفرسهم وكان قد سار عند وفاة عمّه سيف الدولة من الرحبة إلى الرقّة فملكها ثم سار من الرقة إلى نصيبين. واستفزّ على أبى تغلب من أطاعه [٣٢٥] من أهله وإخوته وجندهم وطالبهم بالإفراج عن أبيه وردّه إلى منزله وأمره فتوجّه إليه أبو تغلب فانهزم حمدان من بين يديه قبل اللقاء وتحصّن بالرقّة ومنها فى الرافقة ونازله أبو تغلب عليها طويلا ثم اصطلحا على دخل [٤] وعاد كل واحد منهما إلى موضعه.
стр. 2877
موت ناصر الدولة
وعاش ناصر الدولة شهورا ومات فى سنة ثمان وخمسين واستعمل أبو تغلب وعمّاله كلّ قبيح مع حمدان فى ضياعه وأملاكه وطرد عنها وكلاؤه وانخرقت الحشمة بينهما فأنفذ إليه أخاه أبا البركات فى جيش كثيف فلمّا قرب منه استأمن إليه معظم أصحاب حمدان فخرج عن البلد منهزما واحتمل حرمه وعياله وغلمانه ومن تبعه وورد هيت مستأمنا إلى بختيار وكتب إليه يستأذنه فى الدخول فأجابه بالإذن والقبول وخرج فتلقّاه ومعه سبكتكين الحاجب وجماعة جيشه وأنزله فى دار حسناء وفرشها فرشا فاخرا وحمل إليه هدايا من مال وافر وثياب فاخرة وطيب وفرش وبغال ودوابّ بمراكب ذهب وفضّة وتكفّل بالتوسّط بينه وبين أخيه أبى تغلب وأنفذ إليه أبا أحمد الحسين بن موسى الموسوي [١] نقيب الطالبيّين برسالة فى الصلح فتم بينهما وحلف لكل واحد صاحبه وشخص حمدان إلى الرحبة [٣٢٦] وحمل إليه بختيار هدية مثل الأولى وزيادة مع جمال وآلات السفر فرحل وشيّعه بختيار مع جيشه ثم عاد مستأمنا دفعة ثانية على ما سنذكره.
دخول جوهر مصر
وفى هذه السنة ورد الخبر بدخول جوهر صاحب أبى تميم العلوي صاحب المغرب مصر فاشتمل عليها وتقطع جيش كافور وجماعة الأخشيدية وتمزّقوا.
стр. 2878
وفيها نفى شيرزاد بن سرخاب كاتب الفارسية عن مدينة السلام ذكر السبب فى ذلك
كان شيرزاد مستوليا على بختيار كما حكيناه وأسرف فى التجبر وحلف بختيار على أن لا ينفذ عزما ولا يقرّر أمرا إلّا بعد مشاورته ورضاه وتحقق بالجندية وادّعى الشجاعة وأعاره الناس من ذلك ما لم يكن عنده تقرّبا إليه وكثر تعلقه بالأموال والتلاجى [١] وشره إلى اكتساب الأرباح من غير وجوهها ولم ينقبض عن شيء همّ به ولم يمكن أحدا أن يعتصم منه. ومنع بختيار من عطاياه التي كان يبذلها للديلم والأتراك وقوّى عزيمته على الثبات والتماسك وخاض معه فى إيقاع حيلة على سبكتكين الحاجب وقيل إنّه واطأ بعض الديلم على الفتك به إذا حضر الدار ليتسع [٢] بأمواله ونعمته. وعزم على تقلد الجيش والتسمية [٣٢٧] بالاسفهسلار فبلغ ذلك سبكتكين وامتنع أن يلقى بختيار أو يدخل داره إلّا فى الأحايين البعيدة على تحرّز واستظهار.
وثقل أمر شيرزاد على الجند لأنّ بختيار كان عوّدهم ألّا يردّهم عن شيء يلتمسونه من واجب ومحال وقليل وكثير، فمنعه شيرزاد من ذلك وناصبه الكتّاب أيضا العداوة للخوف من شرّه وانقباض أيديهم عمّن يلتجئ إليه وكثر الدعاء عليه من أفناء [٣] الناس.
واجتمع الأتراك على عداوته وصاروا ينسبون كلّ حال يكرهونها وينكرونها إليه. وأخذ الوزير أبو الفضل يتحرّز منه لما فسد بينه وبينه
стр. 2879
ويستمل الأتراك ويوسع عليهم فمشى بعضهم إلى بعض وتوافقوا على الفتك به، ثم رأوا أن يستأذنوا سبكتكين الحاجب فقصده جماعة لذلك.
ونمى الخبر إلى بختيار فتقدم إليه بالمصير إلى سبكتكين واستصلاحه وطرح النفس عليه ومسألته كفّ القوم وضم إليه الوزير أبا الفضل ليعاونه وبينهما إذ ذاك منافقة لم ينهتك سترها. فقصدا سبكتكين ووجدا طائفة كثيرة من الأتراك عنده يستأمرونه فى قتل شيرزاد فلم يأذن لهم ولكن أمرهم بتخويفه حتى يهرب وألّا يقارّوه بالحضرة. فأمسكوا عن قتله [٣٢٨] بعد أن همّوا به. وكان يجرى أمره مجرى صالح بن وصيف بسرّ من رأى أيام المهتدى بالله.
فلمّا وصل شيرزاد وأبو الفضل الوزير إليه وخاطباه وتضرّعا إليه صدّقهما عن الصورة وأعلمهما أنّه لولا خطره على الأتراك لقتل شيرزاد ولما تركوه أن يصل إليه وأشار عليه بالرحيل من ساعته إلى حيث شاء.
فخرج وهو يائس من صلاح حاله وخائف على مهجته فصادف الأتراك مجتمعين فى دار سبكتكين يموجون فى أمره ويتوعدونه ويغلظون له ويشتمونه، فأسرع الخروج إلى حضرة بختيار وعرّفه ما جرى، ثم التفت إلى الوزير فأسمعه غليظ ما يكره وقال له:
- «هذا من عملك وتدبيرك.» فحلف له بالطلاق على براءته مما ظنّه به فأجابه بيمين الطلاق أنّه كاذب فى جحوده.
ثم خلا بختيار بشيرزاد فحذّره شيرزاد من الوزير أبى الفضل وعقد معه عقدا وعهد إليه عهدا فى صرفه عن الوزارة والقبض عليه واستصفاء نعمته
стр. 2880
ونعم أسبابه وواقفه [١] على أن يحرس عليه بعد خروجه داره وأهله وولده وضياعه وأن يوقع عليه اسم ابنه سلّار بن بختيار لتنحسم عنها أطماع الديلم والجند إلى أن يستصلح نيّات الأتراك ونيّات سائر العسكر [٢] [٣٢٩] ثم يعود إلى حاله ويجرى على رسمه فى الخدمة وانحدر فى الوقت إلى الأهواز ثم صار منها إلى أرجان وبها يومئذ الأستاذ الرئيس أبو الفضل ابن العميد. وكان حاجبه روين [٣] قريبا لشيرزاد وكان قد توفّى ففجع به جدا ووجد به وجدا شديدا. فلمّا وصل إليه شيرزاد رأى فيه شبها منه وتخيل فيه شمائله فعطف عليه وتحفّى له وأكرمه وحمل إليه مالا وكسوة وكتب له إلى ركن الدولة كتبا مؤكّدة ووعده بتوسط أمره وأشار عليه أن يخرج إلى حضرة ركن الدولة بكتبه ويقيم ببابه إلى أن يرد بنفسه فيتوسط أمره فاتفق أن خرج إلى الرىّ وتوفّى بها.
وكان من سوء ملكة بختيار وقلة وفائه أنّه ثانى يوم خروجه قبض إقطاعه وضياعه وأملاكه وجواريه ودوره ونكب كاتبه وأسبابه واستثار أمواله وودائعه ونقل ابنه سلّار الى داره وسلّم إليه إقطاعه لا على الأصل الذي قرّره معه شيرزاد بل على أن يصير له ذلك خاصة يتوفر عليه.
القبض على الوزير أبى الفضل العباس
وحكى أيضا أنّ نفى شيرزاد كان فى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. ثم أنّه بعد شهرين من نفى شيرزاد قبض على وزيره أبى الفضل العباس بن الحسين وكتّابه وأسبابه واستصفى أموالهم وقلّد الوزارة [٣٣٠] أبا الفرج محمد
стр. 2881
بن العباس وقلّد الديوان [١] أبا قرّة الحسين بن محمد القنّائى.
ودخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة
ذكر السبب فى القبض عليه
كان أبو الفضل الوزير استخدم أبا قرّة وهو رجل من دير قنّى حسن الذكاء قد نشأ بين كتّاب واسط وعمّالها وتخرّج معهم واختصّ بأحمد ابن علىّ القنّائى فتمهّر ولم يزل يتدرّج فى التصرف حتى تقلد واسط رئاسة من قبل السلطان فاقتنى أموالا جليلة وصارت له نعمة ضخمة وكان شديد الجرأة على السلطان يقدم على أمواله إقداما لا يقدم عليها غيره هذا مع اهتداء إلى وجوه الحيل عليه ومعرفة بوجوه الارتفاق والارفاق فإنّه كان يرفق الوزراء والعمال باليسير ويتوصل به إلى الارتفاق الكثير.
فاضطرّ أبو الفضل فى وزارته لبختيار عند الحاجة والإضافة إلى معاملته وكان يسعرها فى وقت البيدر فربما قام عليه الكرّ بثلاثة أكرار. هذا إلى أمثال ذلك فى معاملات الحنطة وغيرها وعظمت نعمته وتمكن من رعيّته بواسط فانبسطت يده عليهم [٣٣١] فتأوّل عليهم وقوى بأموالهم. وكان الواحد منهم إذا تظلّم منه لم ينصف وردّ إليه أمره فيبسط المكروه عليه فصارت رعيته تشكره على طريق الخوف منه.
ولما غاب أبو الفضل الوزير إلى الموصل أيّام معز الدولة مكّنه واستخلفه ببغداد ووصل بينه وبين شيرزاد كاتب الفارسية ليعزّه ويمنع منه مراغمة أبى الفرج محمد بن العباس. فكان أبو قرّة يهدى إلى شيرزاد ويلاطفه ويكثر وجوه المرافق والمبارّ له ليمنع من الاستيفاء عليه وتأكدت الحال بينهما حتى
стр. 2882
انقطع إليه ولم يتمكّن أحد من الرجلين منه أعنى أبا الفرج وأبا الفضل وكانا يومئذ كاتبين لا يتسمى أحد منهما بالوزارة طول أيّام معز الدولة.
وكان أبو قرّة يرفع حسابه على ما يريد ولا يتمكّن أحد من الكتّاب أن يستوفيها عليه فيقرر بأكثر ارتفاع ضمانه سوى الأرباح التي ذكرناها وسوى ما يستغلّه من أملاكه وسوى ما يستخرجه من المصادرات والمصانعات.
وكان شيرزاد يطالب الوزير أبا الفضل بما كان واقفه [١] عليه إذا تمّم له الوزارة وكان أبو الفضل يعتدّ عليه بما يصل إليه من جهة أبى قرّة وقال له:
- «هذا الرجل عاملي وإنّما ضممته إليك لينوب عنّى [٣٣٢] عند غيبتي عن مدينة السلام وقد حصل لك من جهته ما ينبغي ان أحتسب به عليك وتعتدّه لى.» ويستجيبه شيرزاد بأنه لا يحتسب له إلّا بما يصل إليه من صلب ماله وخاص إقطاعه وارتفاقاته. ولم يزل ذلك يتردد بينهما حتى استوحش كل واحد من صاحبه واستوحش أبو قرة أيضا واختص زيادة اختصاص بشيرزاد.
فطمع فى المنازل العالية لما يرجع إليه من الكفاية فى نفسه ثم للحال المتأثلة واليسار العظيم واضطر الوزير إلى مغالطته عن نفسه وإيناسه والاستعانة به على شيرزاد وهو كان سبب اتصاله به. فلمّا تمّ على شيرزاد ما تمّ من النفي همّ الوزير بالقبض عليه ثم أمهله ودبّر أمره على أن تدرك غلّاته وخشي فى الحال إن مدّ يده، أن تنقطع مادة ما كان يقيمه من قضيم الكراع وواقف [٢] بختيار على أنّه يستخرج منه عند حضور الوقت مائتي ألف دينار.
وكان بختيار لا يضبط لسانه ولا يكتم شيئا من أسرار نفسه ولو فيما جرّ
стр. 2883
عليه ذهاب النفس والملك فأخرج حديثه وسرّه فبلغ أبا قرة ما جرى وكان يخشى عداوة أبى الفرج فصار يخشى عداوة الوزير ولم يكن له وزر [١] غير شيرزاد [٣٣٣] وكان قد نفى فاضطرب واحتال حتى توصل إلى سبكتكين الحاجب وبذل له على يد أبى بكر الإصبهانى صاحبه وثقته ذلك المال الذي كان يرتفق به شيرزاد بن سرخاب. فنصره سبكتكين نصرة زادت على نصرة شيرزاد فصار فى ظل أحصن من الظل الأول وتعذّر على الوزير أن يملأ عينه منه فضلا [عن] أن يمدّ يده إليه.
فحينئذ اجتمعت على أبى الفضل الوزير أمور منها: الإضاقة وانقباض يده عن استيفاء الحقوق ومنها مطالبة بختيار له بالقروض [٢] التي كان اقترضها ولم يتسع لردّها عليه ومنها: عداوة سبكتكين له وخوفه من حيله ومكايده ومنها: حسده له على ظاهر حاله وما جمع من الغلمان والحجاب والمروءة الظاهرة ومنها: استمالته وجوه الأتراك ومكاثرته إياه فى الإحسان إليهم ومنها: عداوة بختكين آزاذرويه وكاتبه سهل بن بشر إيّاه لقصده إيّاهما بالأهواز واستقصائه عليهما ومصادرته إيّاهما ومنها: عداوة صاحب الديوان أبى الفرج وأخيه علىّ بن العبّاس على قديم الأيّام ومنها: انقلاب أبى قرّة للأسباب التي ذكرناها، فخلا من كل صديق ومعين واصطلحت هذه الطائفة عليه.
ثم اضطرّ [٣٣٤] أبو الفرج محمد بن العبّاس إلى مصادقة أبى قرّة ليتعاضد على أبى الفضل لا لمودّة حقيقية فاتّفقا على أن يخاطبا سبكتكين الحاجب
стр. 2884
فى مراسلة بختيار ومواقفته [١] على القبض على أبى الفضل وضمنه أبو الفرج محمد بن العبّاس تسعة آلاف ألف درهم يستخرجها منه ومن خلفائه وكتّابه وجميع المتصلين به على أن يتقلّد الوزارة ويتقلّد أبو قرّة الديوان. ففعل ذلك وقبض على أبى الفضل كما سبق القول فيه.
فلم يلبث محمد بن العبّاس أبو الفرج فى وزارته إلّا يسيرا حتى اضطربت أموره ولم يف بما ضمنه لبختيار وتمكن أبو قرة من السعى عليه وردّ أبى الفضل إلى وزارته وضمن لبختيار تصحيح سبعة آلاف ألف من جهته بضمان سبكتكين عنه.
شرح الحال فى ذلك وسبب تمكن أبى الفضل بعد نكبه [٢] حتى أعيد إلى الوزارة ومكن من أبى الفرج
لما خلع على أبى الفرج الخلعة التي تخلع على الوزراء ومكن من أبى الفضل وسلّم إليه مع جميع أسبابه والمتصلين به اتسع بما راج له من جهاتهم وحبس أبا الفضل فى داره وضيّق عليه وبحث عن أمواله وأموال أهله وحرمه بغاية ما أمكنه.
فلمّا وقف عليه الأمير طالبه بالمال وناظره فاستقرّ ما بينهما على أن التزم ثلاثة آلاف ألف درهم يحتسب منها [٣٣٥] بما صحّ من خاص أمواله وأثمان غلّاته وآلاته وكراعه ويوفّى ما يبقى واشترط أن يوسع عليه ويسهل الاذن لمن يدخل إليه ليستسعفهم ويقرض منهم. فأحجم أبو الفرج محمد ابن العبّاس عن التنفيس عنه خوفا من نفاذ حيلته عليه وأعاده إلى الحبس
стр. 2885
والتضييق وانفسخ ما قرّره معه وعطف على أسبابه فثنّى المصادرات عليهم وعسفهم وأرهقهم وجازفهم ومات فى حبسه صهر لأبي الفضل العباس بن الحسين يقال له: إبراهيم بن محمد الدهكى، فاتهم به وأنّه قتله بالعذاب والمطالبة.
وخلع على أبى قرة لتقلّد الديوان بعد أن أرفق بختيار بمال على ذلك وأقرّت [١] واسط فى يده فصار ضامنا لها خاصة مستوفيا على غيره من الضمناء وتلقّب بالرئيس لأن أبا الفرج كان أيّام تقلّده الديوان متلقّبا بهذا اللقب فأنكر أبو الفرج ذلك على أبى قرة وأمر الناس أن يخاطبوه بالوزير الرئيس تحصينا لهذا اللقب عن أبى قرة.
ذكر فساد الحال بين الوزير وبين أبى قرّة وما تمّ له من عزله وتولية أبى الفضل
وابتدأ أبو قرّة يطالب بجميع مراتب أبى الفرج التي كانت له قبل الوزارة وزعم أنها من [٣٣٦] حقوق صاحب الديوان ويجب أن يستوفيها. فاضطربت الحال بينه وبين الوزير أبى الفرج ولم يزل يتزيد حتى ترامت إلى نهاية الفساد وضمن أبو قرّة عن هذا اللقب مالا ثانيا حتى أمضى له وخرج الأمر بأن يخاطب به.
وكان معزّ الدولة أطلق لأبي الفرج وأبى الفضل عند إخراجه إيّاهما إلى جهتي عمان والبطيحة للحرب عليهما أن يضربا على أبوابهما بالدبادب فى أسفارهما عند حضور أوقات الصلوات. فصار ذلك رسما لهما استمرّا عليه ولم يقطعاه عند انصرافهما من وجه الحرب. فلمّا تقلّد أبو قرة الديوان أجراه
стр. 2886
مجرى حقوق العمل التي تستوفى واحبّ أن يضرب على بابه بالدبادب.
فسأل بختيار ذلك فأجابه إليه ومنعه أبو الفرج الوزير منه وأنكر، ثم بذل فيه أبو قرة مالا فخرج أمر بختيار بأن يطلق له ذلك.
ثم خرج الوزير أبو الفرج وأبو قرة مالا فخرج أمر بختيار بأن يطلق له ذلك ثم خرج الوزير أبو الفرج وأبو قرة فى التنافس إلى أبعد غاية وفى العداوة إلى أقصى نهاية. وكان صاحبهما لاهيا عنهما واتصلت المنازعة بينهما فى أمثال هذه الأشياء ولم تحفظ مرتبة الوزارة وفضلها على غيرها حتى لم تتميز من سواها.
فتقدّم الوزير أبو الفرج إلى كتّابه بعمل لأبى قرة ومؤامرة تشتمل على ما يجب عليه فى مردود حسباناته التي عملها فى سنى ضمانه وإثارة جميع ما غبن فيه السلطان ومرافقه القديمة [٣٣٧] والحديثة فعملت هذه المؤامرة واشتملت على ستة آلاف ألف درهم ونسبت هذه الأموال إلى جهاتها وعرضت على بختيار وأطمع فى وجوبها وأن حاله تفي بها فأمر بمطالبته.
واعتصم بسبكتكين الحاجب فحامى عليه واغتاظ بختيار من تعززه عليه ووجد خصومه الطريق إلى إغرائه به وأقاموا فى نفسه أنّه سيحمل سبكتكين على خلع طاعته وإزالته عن مملكته. فأنفذ بختيار إليه نقيبا ووكّله به فى دار سبكتكين ثم أنفذ ثانيا يستدعيه وضعف سبكتكين عن مقاومة صاحبه بختيار ومنابذته وكان شاع عنه أنّه إنّما يحامى على أبى قرة لمرفق يأخذه منه، فترك الإغراق فى نصرته وسلمه إلى بختيار على موجدة فى نفسه وحمية فى قلبه ووعد أبا قرة أنّه سيتكلم فيه ويستنقذه.
فلمّا صار عند بختيار سلّمه إلى الوزير أبى الفرج وأمره باستخراج المال فضعف الوزير عن منابذة سبكتكين فيه ولم يقدم على عسفه ولم يسكن إلى إطلاقه فحصل معتقلا اعتقالا جميلا ووقفت الأمور التي كان ينظر فيها من
стр. 2887
إقامة القضيم للكراع ومهمات التسبيبات عليه.
وندم سبكتكين على تقليد أبى الفرج الوزارة ومساعدته على نكبة أبى الفضل وتذكر ما كان يعامله به من المجاملة والنفاق ورأى [٣٣٨] أنّه على علّاته [١] كان أصلح له من أبى الفرج وضعف قلب أبى الفرج بفساد رأيه.
وكان أخوه أبو محمد على بن العبّاس الخازن مستوليا على بختيار مالكا لقياده لا يفارق مجلسه عند الأنس والمنادمة فأشفق أن يجرى عليه من سبكتكين ما جرى على شيرزاد منه فاتفقا على إرضاء سبكتكين بإطلاق أبى قرّة وتقرير أمره على مال قليل لا يؤثر فى حاله وأن يصير إلى واسط على رسمه الأوّل ويعتزل الديوان. فلمّا أفرج عنه أقام القضيم ونفذ الأمور المتعلّقة به وانحدر إلى واسط بعد أن واطأ سبكتكين على السعى لأبى الفضل فى الوزارة وإنقاذه من محبسه والقبض على أبى الفرج وأبى محمد على بن العبّاس وأسبابهما.
وقد كان الوزير أبو الفرج عطّل ديوان أبى قرّة ونقل الأعمال عنه واستبد بمكاتبة العمال وكان له كاتب أهوازىّ يعرف بابن السكر قد اتسمت حاله فشرع فى تقلّد هذا الديوان وبذل لبختيار مالا يصحّحه له فى كلّ سنة من حقوق المحاسبات وأعلمه أنّ هذا الديوان زمام له على الوزراء وأنّ الوزير الآن مستبدّ بالجميع وفى ذلك ضياع الدخل والخرج وفساد الأصل والفرع.
واتّصل الخبر بأبى الفرج فغلظ [٢] عليه وعظم فى نفسه وراسل بختيار بأنه لا يصبر [٣٣٩] على أن يتقلّد كاتبه هذا الديوان على مراغمته فأجابه بأنّه لا بدّ من صاحب ديوان يكون معه «فاختر أنت من تحب» فهان عليه ردّ أبى قرة إلى نفسه وكان أخفّ على قلبه وأيسر محملا من نظر ابن السكر
стр. 2888
فيه فكوتب بالاصعاد فورد وجددت له الخلع وقلد الديوان.
وكانت المراسلات بينه وبين أبى الفضل متصلة وذلك أن أبا الفضل كان واسع الصدر فأفضل على الموكلين به من غلمان الوزير أبى الفرج ووسّع عليهم وأكثر فى برّهم والإحسان إليهم فلم يمنعوه من مكاتبة من يريد مكاتبته وأوصلوا إليه كتب من كاتبه فاحتال ضروب الحيل وتمّ له أكثر ما حاوله. فلمّا ورد أبو قرّة بغداد تمكن من إتمام أمره والسعى له.
واشتدت الإضاقة بأبى الفرج ووقفت عليه أموره ومطالبه. لأنّ واسط انغلقت عليه بأبى قرة والبصرة والأهواز انغلقتا عليه بالأتراك الذين استبدّوا بأموالهما فى تسبيباتهم ولم ينهض بما ضمنه عن أبى الفضل لأنّه اقتصر على أخذ ظاهره وخاف أن يطلقه ليضطرب فيحتال عليه ويسعى فى الوزارة وهو لا يعلم انه قد سعى وفرغ واجتمعت عليه مطالبات كثيرة وصارت حاله فى انحراف بختيار عنه وعداوة سبكتكين الحاجب له [٣٤٠] ولأخيه وتعصّب الجند عليهما كحال أبى الفضل لمّا قبض عليه.
ذكر ما احتال به فى هذه الحال وما عرض له من سوء الاتفاق
لمّا أحسّ باضطراب أمره خاف أن يعاجله بختيار بالقبض عليه فأحال على أموال وقفت عليه بالأهواز وأنّه يريد الشخوص إليها فمنعه بختيار من الخروج إلّا بعد إقامة الوجوه للنفقات التي بحضرته لئلا تتوجه عليه المطالبات بعد خروجه ويقع إخلال بالإقامات فاحتاج أن يستخلف أخاه بحضرته حتى ضمن له ذلك. وواقفه [١] على وجوه ظن أنّها زاجية [٢]
стр. 2889
وأضاف إليه ابن أخته المعروف بأبى القاسم علىّ بن الحسين المشرف على أنّه ناظر فى الدواوين والحسبانات وشخص إلى واسط.
وشخص أبو قرّة على أثره بعد أن قرر أمر أبى الفضل وفرغ منه ولكن تعلق طمع بختيار بالمواعيد التي وعده بها أبو الفرج والضمانات التي ضمنها أخوه. فلما حصلا بواسط ضايقه أبو قرّة فى الأمور وعارضه فى التدبير وكان مستوليا على البلد بالضمان، ثم على سائر الأعمال بحق النظر فى الديوان ثم بالعناية التي كانت له من سبكتكين. فخفف الوزير أبو الفرج المقام بواسط وبرز عنها يريد الأهواز.
فحدث عند تدبيره وعمله [٣٤١] على المسير أن توفّى رجل كان متغلبا على أسافل واسط وهي أعمال نهر الصلة ونهر الفضل وكان يعرف هذا الرجل بأحمد بن خاقان وهو جار محمد بن عمران بن شاهين واستولى على هذه النواحي وكان يقاطع عنها السلطان كما يريد ولا يمكن الاستيفاء عليه وله حال قوية ونعمة عظيمة. فقدّر محمد بن العباس الوزير أن يصل إلى أمواله فانتقل إلى هذا الوجه وسبقه ابن له يقال له: خاقان، فاحتمل غلات أبيه وأمواله ودخل إلى مضايق البطيحة.
ووجد أبو قرّة فرصته فأخذ فى مراسلته وتقويته وتشجيعه وأعلمه أنّه معه وعونه ثم عمل أعمالا أوجب بها لنفسه بحق الضمان الذي له فى واسط على هذا المتوفى شيئا كثيرا من الغلة والمال. ثم قال للوزير أبى الفرج محمد بن العباس انّه لا حقّ له فى شيء مما يصل إليه من أموال هذا المتوفى إلّا بعد أن يستوفى منه هذه البقايا أو يحتسب بها له من مال ضمانه.
فسار الوزير أبو الفرج إلى بلاد لم يجد فيها شيئا ولو وجده لنازعه فيه
стр. 2890
أبو قرّة، وحصل منازلا لخاقان بحيث لا يمكنه الدخول إليه ولم يصادف فى تلك الأعمال إنسانا بكلمة ولا حبّة من غلّة ولا أثرا من مال، فجنح إلى مراسلة خاقان والتماس مصالحته. فامتنع عليه ونازله أياما كثيرة حتى ملّ [٣٤٢] وساءت حاله وحال من معه وانقطعت عنهم الموادّ فاضطرّ إلى الرحيل ورضى بمال يسير لم يتمكن من استيفائه وحصل من هذا اليسير شيء يسير ووقعت المنازعة فيه بينه وبين أبى قرّة حتى اتفقا على اقتسامه وبادر بالخروج إلى الأهواز.
وكاتب أبو قرّة بختيار يعلمه أنّه ليس له وجه درهم واحد وأنّه خرج «مستروحا إلى البعد عنك لتندفع عنه النكبة التي خافها من جهتك» وكتب إلى بختكين آزاذرويه يحذّره منه فكتب بختكين إلى بختيار بانّه لم يبق عليه شيء وأنّ تسبيبات الأتراك وأنزالهم تستغرق الواجب وزيادة كثيرة وأنّ محمد بن العباس الوزير إنّما يصير إلى أعماله ليتأول عليه بالمحالات ويعمل له المؤامرات ويمدّ يده إلى أموال السنة المقبلة.
ووافق ذلك أن أخاه أبا محمد على بن العباس الخازن صحّح البعض من تلك الوجوه التي أقيمت بالحضرة ووقف عليه الباقي لضعف يده ولكثرة الأراجيف بأخيه وبه وبأنّ بختيار قد تمت المواقفة [١] بينه وبين أبى الفضل على إعادته إلى الوزارة وأخذ خطه فى أبى الفرج وأبى محمد أخيه وأسبابهما بسبعة آلاف ألف درهم وأنّه يطلق الاستحقاقات ويدرّ النفقات.
فكتب بختيار إلى بختكين بالقبض على أبى الفرج ومن معه فى يوم وصولهم [٣٤٣] إلى الأهواز وكتب إلى أبى قرة بمثل ذلك وبالاحتياط عليهم حتّى لا يفوت أحد منهم وقبض بختيار على أبى محمد الخازن أخيه وكان
стр. 2891
جالسا معه يشرب على رسم كان له فى منادمته وأطلق أبو الفضل العباس بن الحسين من محبسه وكان فى دار أبى الفرج وخلع عليه للوزارة.
خروج ابن العميد إلى الجبل
وفى هذه السنة خرج الأستاذ الرئيس أبو الفضل ابن العميد إلى الجبل فى خيل عظيمة لتدبير أمرها وتقرير أمر حسنويه بن الحسين الكردي.
ذكر السبب فى ذلك [١] كان حسنويه بن الحسين الكردي قد قوى واستفحل أمره لما وقع من الشغل عنه بالفتوح الكبار ولأنّه كان إذا وقع حرب بين الخراسانية وبين ركن الدولة أظهر عصبية الديلم وصار فى جملتهم وخدم خدمة يستحق بها الإحسان إلّا أنّه مع ما أقطع وأغضى عنه من الأعمال التي يتبسّط [٢] فيها والإضافات التي يستولى عليها ربما تعرض لأطراف الجبل وطالب أصحاب الضياع وأرباب النعم بالخفارة والرسوم التي يبدعها فيضطر الناس إلى إجابته ولا يناقشه السلطان فكان يزيد أمره على الأيام وتتشاغل الولاة عنه إلى أن وقع بينه وبين سهلان بن مسافر خلاف ومشاحّة تلاحّا فيها إلى أن قصده ابن مسافر بالحرب [٣٤٤] فهزمه حسنويه وكان يظن ابن مسافر أنّه لا يكاشفه ولا يبلغ الحرب بينهما إلى ما بلغت إليه فلم تقف الحرب حيث ظنّ وانتهى الأمر بينهما إلى أن اجتمع الديلم وأصحاب السلطان بعد الهزيمة إلى موضع شبيه بالحصار ونزل الأكراد حواليهم ومنعوهم من الميرة وتفرّقوا
стр. 2892
بإزائهم.
ثم زاد الأمر وبلغ إلى أن أمر حسنويه الأكراد أن يحمل كلّ فارس منهم على رأس رمحه ما أطاق من الشوك والعرفج ويقرب من معسكر سهلان ما استطاع ويطرحه هناك ففعلوا ذلك وهم لا يدرون ما يريد بذلك فلما اجتمع حول عسكر سهلان شيء كثير فى أيام كثيرة تقدم بطرح النار فيه من عدّة مواضع فالتهب وكان الوقت صيفا وحميت الشمس عليهم مع حرّ النهار فأخذ بكظمهم وأشرفوا على التلف فصاحوا وطلبوا الأمان فرفق بهم وأمسك عمّا همّ به.
وبلغ ذلك ركن الدولة فلم يحتمل هذا كلّه له وتقدم إلى وزيره أبى الفضل محمد بن الحسين العميد- وهو الأستاذ الرئيس- بقصده واستئصال شأفته، وأمره بالاستقصاء والمبالغة.
فانتخب الأستاذ الرئيس الرجال وخرج فى عدّة وزينة وخرج ركن الدولة مشيّعا له وخلع على القواد ووقف حتى اجتاز به العسكر قائد بعد قائد وكوكبة بعد كوكبة، ورضى العدة والقوة [٣٤٥] فودع حينئذ الوزير ابن العميد وعاد إلى الري.
وسار الوزير ومعه ابنه أبو الفتح وكان شابّا قد خلف أباه بحضرة ركن الدولة وعرف تدبير المملكة وسياسة الجند فهو بذكائه وحدّة ذهنه وسرعة حركته قد نفق نفاقا شديدا على ركن الدولة وهو مع ذلك لقلّة حنكته ونزق شبابه وتهوره فى الأمور يقدم على ما لا يقدم عليه أبوه ويحبّ أن يسير فى خواص الديلم ويمشون بين يديه ويختلط بهم اختلاط من يستميل بقلوبهم ويخلع عليهم خلعا كثيرة ويحمل رؤساءهم وقوّادهم على الخيول الفرّه [١]
стр. 2893
بالمراكب الثقال ويريد بجميع ذلك أن يسلموا له الرئاسة حتى لا يأنف أحد من تقبيل الأرض بين يديه والمشي قدّامه إذا ركب وكان جميع ذلك مما لا يؤثره الأستاذ الرئيس ولا يرضاه لسيرته وكان يعظه وينهاه عن هذه السيرة ويعلمه أنّ ذلك لو كان مما يترخص فيه لكان هو بنفسه قد سبق إليه.
ابن العميد يصف الديلم
ولقد سمعته فى كثير من خلواته يشرح له صورة الديلم فى الحسد والجشع وأنّه ما ملكهم أحد قطّ إلّا بترك الزينة وبذل مالا يبطرهم ولا يخرجهم إلى التحاسد ولا يتكبّر عليهم ولا يكون إلّا فى مرتبة أوسطهم حالا وأنّ من دعاهم واحتشد لهم وحمل على حالة فوق طاقته لم يمنعهم ذلك من حسد على نعمته [٣٤٦] والسعى على إزالتها وترقّب أوقات الغرّة فى آمن ما يكون الإنسان على نفسه منهم فيفتكون به ذلك الوقت.
وكان يورد عليه مثل هذا الكلام حتى يظنّ أنّه قد ملأ قلبه رعبا وأنّه سيكفّ عن السيرة التي شرع فيها. فما هو إلّا أن يفارق مجلسه ذاك حتى يعاود سيرته تلك فأشفق الأستاذ الرئيس فى سفرته هذه أن يتركه بحضرة صاحبه فيلج فى هذه الأخلاق ويغترّ بما يراه من احتمال ركن الدولة حتى ينتهى إلى ما لا يتلافاه فسيّره معه واستخلف بحضرة ركن الدولة أبا علىّ محمد بن أحمد المعروف بابن البيع، وكان فاضلا أديبا ركينا حسن الصورة مقبول الجملة حسن المخبر خلقا وأدبا.
ابن العميد وابنه ابو الفتح
فلمّا كان فى بعض الطريق- وكان يركب العماريّات ولا يستقلّ على ظهور الدوابّ لإفراط علة النقرس وغيرها عليه- التفت حوله فلم ير فى
стр. 2894
موكبه أحدا وسأل عن الخبر فلم يجد حاجبا يخبره ولا من جرت العادة بمسايرته غيرى فسألنى عن الخبر فقلت له:
- «إنّ الجماعة بأسرهم مالت مع أبى الفتح إلى الصيد.» فأمسك حتى نزل فى معسكره ثم سأل عمن جرت العادة باستدعائه للطعام وكان يحضره كل يوم عشرة من القوّاد على مائدته التي تخصّه وعدّة من القوّاد على أطباق توضع لهم وذلك على نوبة معروفة يسعى فيها نقباؤهم.
فلمّا كان فى ذلك اليوم [٣٤٧] لم يحضره أحد واستقصى فى السؤال فقيل:
- «إنّ أبا الفتح أضافهم فى الصحراء.» فاشتطّ من ذلك وساءه أن يجرى مثل هذا ولا يستأذن فيه.
وقد كان أنكر خلوّ موكبه وهو فى وجه حرب ولم يأمن أن يستمر هذا التشتت من المعسكر فتتمّ عليه حيله. فدعا أكبر حجّابه ووصّاه بان يحجب عنه ابنه أبا الفتح وأن يوصى النقباء بمنع الديلم من مسايرته ومخالطته وظنّ أنّ هذا المبلغ من الإنكار سيغضّ منه وينهى العسكر من اتباعه على هواه فلم يؤثّر كلامه هذا كبير أثر.
وعاد الفتى إلى عادته واتّبعه العسكر ومالوا معه إلى اللعب والصيد والأكل والشرب وكان لا يخليهم [١] من الخلع والألطاف. فشقّ ذلك على الأستاذ الرئيس جدّا ولم يحبّ أن يخرق هيبة نفسه بإظهار ما فى قلبه ولا أن يبالغ [٢] فى الإنكار وهو فى مثل ذلك الوجه فيفسد عسكره ويطمع فيه عدوّه. فدارى أمره وتجرّع غيظه، وأدّاه ذلك إلى زيادة فى مرضه حتى هلك بهمذان وهو يقول فى مجلس خلواته:
- «ما يهلك آل العميد ولا يمحو آثارهم من الأرض إلّا هذا الصبى.»
стр. 2895
- يعنى ابنه- ويقول فى مرضه:
- «ما قتلني إلّا جرع الغيظ التي تجرّعتها منه.» ومما حصّلته عنه فى وجهه هذا وقد سألته عن عاقبة أمر حسنويه معه وهل إلى استئصاله سبيل فقال:
- «أمّا بهذه [٣٤٨] السرعة وفى هذا الزمان فلا، ولكنا سنعود عنه ونحن كما كنّا وزيادة شيء، ويعود حسنويه وهو كما كان ونقصان شيء، ثم يدبر أمره على الأيّام.»
وفاة ابن العميد بهمذان وانتصاب ابنه أبى الفتح مكانه
فلمّا حصل بهمذان اشتدّت علته فتوفّى بها- ﵀ وانتصب ابنه أبو الفتح مكان أبيه وكان العسكر كما ذكرت مائلا إليه فزاد فى بسطهم وتأنيسهم ووعدهم ومنّاهم وبذل لهم طعامه ومنادمته وأكثر من الخلع عليهم وراسل حسنويه وأرغبه وأرهبه وحضّه على الطاعة وأومأ إلى مصالحته على مال يحمله يقوم بما أنفق على العسكر وتتوفّر بعد ذلك بقيّته على خزانة السلطان ويضمن إصلاح حاله إذا فعل [ذلك] [١] مع ركن الدولة.
وكان يشقّ على سهلان بن مسافر لما فى نفسه من حسنويه ولأنّه يحبّ الانتقام منه ويكره أن ينصرف مثل ذلك العسكر عنه ولم يؤثّر فى أمره أثرا يسمع به وليّه وعدوّه إلّا أنّ أبا الفتح كان يرى أنّ مقاربة حسنويه والعود إلى صاحبه ببابه لم يثلم عسكره ولا خاطر بهم وأن يلحق مكانه من الوزارة قبل أن يطمع فيه أولى وأشبه بالصواب- وقد كان أبو علىّ محمد بن أحمد
стр. 2896
خليفة أبيه قد تمكن من ركن الدولة وقبل ذلك ما عرفه بالكفاية والسداد- فسفر المتوسطون بينه وبين حسنويه إلى أن تقرّر أمره على خمسين [٣٤٩] ألف دينار ينكسر بعضها وجبى كورة الجبل وجمع من الدواب والبغال وسائر التحف ما بلغ مقداره مائة ألف دينار ووردت عليه كتب ركن الدولة بما قوّى نفسه وشدّ منّته وأحمد جميع ما كان دبّره وأمر بالعود إلى الحضرة بالرىّ.
وكانت وفاة الأستاذ الرئيس بهمذان فى صفر ليلة الخميس السادس منه سنة ستين وثلاثمائة ففقد به الفضل أجمع وعدمت المحاسن التي ما اجتمعت لغيره فى الإسلام.
ذكر جملة من فضائل أبى الفضل ابن العميد وسيرته
كان هذا الرجل قد أدّى من الفضائل والمحاسن ما بهر به أهل زمانه حتى أذعن له العدوّ وسلم الحسود ولم يزاحمه أحد فى المعاني التي اجتمعت له وصار كالشمس التي لا تخفى على أحد وكالبحر الذي يتحدّث عنه بلا حرج ولم أر أحدا قطّ زادت مشاهدته على الخبر عنه غيره.
فمن ذلك أنّه كان أكتب أهل عصره وأجمعهم لآلات الكتابة حفظا للغة والغريب وتوسّعا فى النحو والعروض واهتداء إلى الاشتقاق والاستعارات وحفظا للدواوين من شعراء الجاهلية والإسلام.
ما حدّثنى أبو الحسن على بن القاسم فى فضائل ابن العميد
ولقد حدثني أبو الحسن على بن القاسم ﵀ قال:
- «كنت أروّى ابني أبا القاسم القصائد الغريبة من دواوين القدماء لأنّ الأستاذ الرئيس كان [٣٥٠] يستنشده إذا رءاه وكان لا يخلو إذا أنشده من ردّ
стр. 2897
عليه فى تصحيف [١] أو لحن مما يذهب علينا. فكان ذلك يشق علىّ وأحبّ أن تصح له قصيدة لا يعرفها الأستاذ الرئيس أو لا يردّ عليه فيها شيئا.
فأعيانى ذلك حتى وقع إلىّ ديوان الكميت وهو مكثر جدا فاخترت له ثلاث قصائد غريبة ظننت أنّها ما وقعت إلى الأستاذ الرئيس وحفّظته إيّاها وتوخّيت الحضور معه. فلما وقع بصره عليه قال:
- «هات أبا القاسم أنشدنى شيئا مما حفظته بعدي.» «فابتدأ ينشده، فلمّا استمر فى قصيدة من هذه القصائد قال له:
- «قف، فقد تركت من هذه القصيدة عدّة أبيات.» «ثم أنشده إيّاها. فخجلت خجلة لم أخجل مثلها. ثم استزاد فأنشده القصيدة الأخرى فأسقط فيها كما أسقط فى الأولى واستدركه عليه أيضا.» قال: «فعلمت أنّ الرجل بحر لا ينزف ولا يوبّى [٢] ما عنده.» فهذا ما حدثني به هذا الرجل وكان أديبا كاتبا.
ما شاهدته أنا من ابن العميد من مقدرته العجيبة على الحفظ
وأما ما شاهدته منذ مدة صحبتي إيّاه- وكانت سبع سنين لازمته فيها ليلا ونهارا- أنّه ما أنشد شعر [ا] [٣] قطّ لم يحفظ ديوان صاحبه ولا غرّب عليه بشعر قديم ولا محدث ممن يستحق أن يحفظ شعره. ولقد سمعته ينشد دواوين قوم مجهولين أتعجب من تعاطيه حفظ مثلها حتى سألته يوما وقلت:
- «أيّها الأستاذ كيف تفرغ [٣٥١] زمانك لحفظ شعر هذا الرجل.» فقال: «وكأنّك تظنّ أنّى أتكلّف حفظ مثل هذا. إنّما ينحفظ لى إذا مرّ
стр. 2898
بسمعي مرّة.» وقد صدق ﵀ فإنّى كنت أنشده لنفسي الأبيات التي تبلغ عدتها ثلاثين وأربعين فيعيدها بعد ذلك مستحسنا وربما سألنى عنها ويستنشدنى شيئا منها فلا أقوم بإعادة ثلاثة أبيات منتظمة على نسق حتى يذكّرنيها ويعيدها.
وحدّثنى غير مرّة أنّه كان فى حداثته يخاطر رفقاءه والأدباء الذين يعاشرهم على حفظ ألف بيت فى يوم واحد وكان- ﵀ أثقل وزنا وأكثر قدرا من أن يتزيّد فقلت له:
- «كيف كان يتأتّى لك ذلك.» فقال: «كانت لى شريطة، وهي أن يقترح علىّ من شعر لم أسمع به ألف بيت فى يوم واحد، يكتب وأحفظ منه عشرين عشرين وثلاثين ثلاثين أعيدها وأبرأ من عهدتها.» فقلت: «وما معنى البراءة من عهدتها.» قال: «لا أكلّف إعادتها بعد ذلك.» قال: «فكنت أنشدها مرّة أو مرتين وأسلمها ثم اشتغل بغيرها حتى أفرغ من الجميع فى اليوم الواحد.»
أمّا أدبه وعلمه
وأمّا كتابته فمعروفة من رسائله المدونة ومن كان مترسلا لم يخف عليه علوّ طبقته فيها، وكذلك شعره الذي جدّ فيه وهزل. فإنّه فى أعلى درجات الشعر وأرفع منازله.
فأمّا تأويل القرآن وحفظ مشكله ومتشابهه والمعرفة باختلاف فقهاء
стр. 2899
الأمصار فكان منه فى أرفع درجة [٣٥٢] وأعلى [١] رتبة ثم إذا ترك هذه العلوم وأخذ فى الهندسة والتعاليم فلم يكن يدانيه فيها أحد.
أبو الحسن العامري يستأنف القراءة على ابن العميد
فأمّا المنطق وعلوم الفلسفة والإلهيات منها خاصة فما جسر أحد فى زمانه أن يدعيها بحضرته إلّا أن يكون مستفيدا أو قاصدا قصد التعلم دون المذاكرة.
وقد رأيت بحضرته أبا الحسن العامري [٢]﵀ وكان ورد من خراسان وقصد بغداد وعاد وعنده أنّه فيلسوف تامّ وقد شرح كتب أرسطاطاليس وشاخ فيها. فلمّا اطّلع على علوم الأستاذ الرئيس وعرف اتساعه فيها وتوقّد خاطره وحسن حفظه للمسطور برك [٣] بين يديه واستأنف القراءة عليه، وكان يعدّ نفسه فى منزلة من يصلح أن يتعلّم منه، فقرأ عليه عدّة كتب مستغلقة ففتحها عليه ودرّسه ايّاها.
وكان الأستاذ الرئيس- رضى الله عنه- قليل الكلام نزر الحديث إلّا إذا سئل ووجد من يفهم عنه فإنّه حينئذ ينشط فيسمع منه ما لا يوجد عند غيره مع عبارة فصيحة وألفاظ متخيرة ومعان دقيقة لا يتحبس فيها ولا يتلعثم [٤] .
ثم رأيت بحضرته جماعة ممن يتوسل إليه بضروب من الآداب والعلوم فما أحد منهم كان يمتنع من تعظيمه فى ذلك الفن الذي قصده به واطلاق القول
стр. 2900
بأنّه لم ير مثله ولا ظنّ أنّه يخلق.
ابن العميد وفنّ الإصغاء
وكان ﵀ لحسن عشرته وطهارة [٣٥٣] أخلاقه ونزاهة نفسه إذا دخل إليه أديب أو عالم متفرد بفن سكت له وأصغى إليه واستحسن كل ما يسمعه منه استحسان من لا يعرف منه إلّا قدر ما يفهم به ما يورد عليه حتى إذا طاوله وأتت الشهور والسنون على محاضرته واتفق له أن يسأله عن شيء أو يجرى بحضرته نبذ منه فرغب إليه فى إتمامه، تدفق حينئذ بحره وجاش خاطره وبهت من كان عند نفسه أنّه بارع فى ذلك الفن والمعنى وما أكثر من خجل عنده من المعجبين بأنفسهم ولكن بعد أن يمدّ لهم فى الميدان ويرخى من أعنّتهم ويمسك عنهم مدة حتى ينفد ما عندهم ويجزل لهم العطاء عليه.
اختصاصه بغرائب العلوم
فهذه كانت مرتبته فى العلوم والآداب المعروفة ثم كان يختصّ بغرائب من العلوم الغامضة التي لا يدعيها أحد كعلوم الحيل التي يحتاج فيها إلى أواخر علوم الهندسة والطبيعة والحركات الغريبة وجرّ الثقيل ومعرفة مراكز الأثقال وإخراج كثير مما امتنع على القدماء من القوة إلى الفعل وعمل آلات غريبة لفتح القلاع والحيل على الحصون وحيل فى الحروب مثل ذلك واتخاذ أسلحة عجيبة وسهام تنفذ أمدا بعيدا وتؤثر آثارا عظيمة ومرائى [١] تحرق على مسافة بعيدة جدّا ولطف كف لم يسمع بمثله ومعرفة بدقائق علم [٣٥٤] التصاوير وتعاط له بديع. ولقد رأيته يتناول من مجلسه الذي يخلو فيه بثقاته
стр. 2901
وأهل مؤانسته [١] التفاحة وما يجرى مجراها فيعبث بها ساعة ثم يدحرجها وعليه صورة وجه قد خطها بظفره لو تعمّد لها غيره بالآلات المعدة فى الأيام الكثيرة ما استوفى دقائقها ولا تأتّى له مثلها.
شجاعته فى الحرب
فإذا حضر المعارك وباشر الحروب فإنّما هو أسد فى الشجاعة لا يصطلى بناره ولا يدخل فى غباره ولا يناويه قرن ولا يبارزه بطل مع ثبات جأش وحضور رأى وعلم بمواضع الفرص وبصر بسياسة العساكر والجيوش ومعرفة بمكايد الحروب.
اضطلاعه بتدبير الملك
فأمّا اضطلاعه بتدبير الممالك وعمارة البلاد واستغزاز الأموال فقد دلّت عليه رسائله ولا سيما رسالته إلى أبى محمد ابن هندو [٢] التي يخبر فيها باضطراب أمر فارس وسوء سياسة من تقدمه لها وما يجب أن يتلافى به حتى تعود إلى أحسن أحوالها. فإنّ هذه رسالة يتعلم منها صناعة الوزارة وكيف تتلافى الممالك بعد تناهى فسادها وما منعه من بسط العدل فى ممالكه وعمارة ما يدبره منها.
إلّا أنّ صاحبه ركن الدولة مع فضله على أقرانه من الديلم كان على طريقة الجند المتغلبين يتغنّم [٣] ما يتعجل له ولا يرى النظر فى عواقب أمره وعواقب أمور رعيته وكان يفسح لجنده وعسكره على طريق مداراتهم ما لا
стр. 2902
يمكن أحدا [٣٥٥] تلافيه وردّهم عنه. وكان مضطرّا إلى فعل ذلك لأنّه لم يكن من أهل بيت الملك ولا كانت له بين الديلم حشمة من يمتثل جميع أمره، وإنّما يرأس عليهم بسماحة كثيرة كانت فيه ومسامحة فى أشياء لا يحتملها أمير عن مأمور.
وهذه سيرة إذا عوّدها الجند لم يمكن أن يفطموا [١] عنها بل تزداد على الأيام وتتمادى حتى ينتهى إلى ما انتهى إليه جند عصرنا من تسحّبهم [٢] على الملوك واقتراحاتهم ما لا يفي به دخل المملكة وخروجهم فى سوء الأدب إلى ما يخرج إليه السباع التي تضرأ ولا تقبل الأدب.
ثم كان الأستاذ الرئيس ابن العميد ﵀ مع هذه السيرة قد دارى جنده ورعيته وصاحبه مداراة لو ادّعى له فيها المعجزة لاشتبه على قوم.
وذلك أنّه لمّا استوزر لركن الدولة كان تقدّمه قوم عجزة وباشروا مع عجزهم أمورا مضطربة وجندا متحكمين والدنيا فى أيديهم يملكونها كيف شاءوا لا يمنعهم أحد منها وإنّما أميرهم يسمى بالأمرة ما دام يستجيب لهم إلى اقتراحاتهم ومتى خالفهم استبدلوا به.
وكان ركن الدولة وقبله عماد الدولة يوسعان عليهم فى الإقطاعات ويبذلان لهم من الرغائب ما لا يبقى لهم معها حجة ولا موضع طلبة وهم مع ذلك يتحكمون ويبسطون أيديهم ويطمعون فيما لا مطمع فيه وكان قصارى الوزير والمدبر أن يقيم [٣٥٦] كل يوم وجها لنفقة الأمير يومه ذلك من مصادرة العامة أو قرض من الخاصة أو حيلة على من يتهم بيسار كائنا من كان، وربما تعذّر عليهم قضيم الكراع يوما ويومين. فاما نفقات الحشم وجراياتهم وما يقيم أرماقهم فكانت تتمحّل وربما امتنع عليهم إقامتها أياما،
стр. 2903
ومع ذلك فإنّ هؤلاء المدبّرين كانوا لا يتمكنون من الفكر فى وجوه الحيل لكثرة من يزدحم عليهم من الجند- أعنى الديلم والأتراك- وخاصة من يطالبهم بالمحالات فيهربون منهم ويتواعدون من الليل إلى مواضع غامضة يجتمعون فيها وربما خرجوا إلى الصحراء ويجتمعون على ظهور دوابّهم ويثنون أرجلهم على أعناقها بقدر ما يديرون [١] الرأى فى وجه الحيلة واقامة وظيفة ذلك اليوم فإذا تمّ لهم ذلك فهو عيدهم ونشاطهم وغاية كفايتهم فى صناعتهم.
فلمّا تولى الأستاذ الرئيس ابن العميد- ﵀ [٢]- وزارة الأمير ركن الدولة استقام الأمر حتى رأيناه يركب إلى ديوانه من دار السلطان ولا يلقاه غير خاص كتّابه ثم يلقى صاحبه فلا يدور بينهما إلّا عوارض المهم الذي لا يخلو [٣] من مثله ملك ووزير، وضبط أعماله ونظم أموره ورتّب أسباب خدمته حتى كان أكثر نهاره مشغولا بالعلم وأهله. وبسط عدله وأقام هيبته فى صدور الجند [٣٥٧] والرعية حتى كان يكفيه رفع الطرف إلى أحدهم على طريق الإنكار فترتعد الفرائص وتضطرب الأعضاء وتسترخي المفاصل.
وقد شاهدت من ذلك مواقف كثيرة لو شرحتها لأطلت هذا الفصل إطالة تخرج عن غرض الكتاب. ولولا أنّ صاحبه كان لا يستجيب إلى عمارة نواحيه كما حكيته فى أول هذا الجزء خوفا من إخراج درهم واحد من الخزانة ويقنع بارتفاع ما يحصل للوقت ويرى أنّ دولته مقرونة بدولة الأكراد فلذلك لا يمنعهم من العيث ولا يطلق يد حماة الأطراف فى قصدهم ويرضى أن يقال له:
стр. 2904
- «قطعت القافلة وسقيت المواشي» فيقول:
- «لأنّ هؤلاء أيضا، يعنى الأكراد، يحتاجون إلى القوت» .
ولقد قيل مرة:
- «إنّ الأكراد وقعوا على بغال له خرجت للعلوفة فساقوها وذلك بالقرب من البلد وبحيث يلحقون إن طلبوا.» فقال فى الجواب:
- «كم كانت البغال.» فقيل: «ستة.» فقال: «وكم كانت عدة الأكراد.» فقيل: «سبعة.» فقال: «سيقع بينهم الخلاف. كان يجب أن تكون البغال سبعة بعددهم.» فإذا كان هذا رأيه فى الإنكار على أهل العيث وذلك رأيه فى توفير العمارات واستغزار الأموال فما حيلة وزيره ومدبّره؟ فتأمل هذه الصورة وانظر إلى سيرة ملك قد عوّد وزراءه هذه العادات ورضى منهم بما تقدمت حكايتهم من تمشية [٣٥٨] أمره يوما بيوم.
ثم آلت الحال إلى النظام الذي ذكرته واطّردت الأمور اطرادها المشهور الذي دبّره الأستاذ الرئيس ابن العميد- ﵀ أى كفاية كانت له وأى سياسة مشت بين يديه ولكنه- ﵀ لما حصل بفارس علّم عضد الدولة وجوه التدابير السديدة وما تقوم به الممالك وصناعة الملك التي هي صناعة الصناعات ولقنه ذلك تلقينا فصادف منه متعلما لقنا وتلميذا فهما، حتى سمع من عضد الدولة مرارا كثيرة أنّ أبا الفضل ابن العميد كان أستاذنا، وكان لا يذكره فى حياته الّا بالاستاذ الرئيس، وربما قال الأستاذ ولم يقل معه الرئيس، ولا يحفظ عليه أنّه ذكره قط بعد موته إلّا بالاستاذ. وكان يعتد
стр. 2905
له بجميع ما يتم من تدابيره وسياسته ويرى أنّ جميع ذلك مستفاد منه ومأخوذ عن رأيه وعلمه.
ولعلّنا نذكر منه طرفا إذا انتهينا إلى سيرة عضد الدولة وما تمّ له من حيازة الممالك وحفظ الأطراف وقمع الأعداء والحرص على العمارة مع الشدة على المريب وإطفاء نائرة الأكراد والأعراب وإعادة الملك إلى رسومه القديمة، إن أخّر الله فى الأجل.
ولعلّ من يطّلع على هذا الفصل من كتابنا ممن لم يشاهده يظن أنّا أعرناه شهادة أو ادّعينا له أكثر من قدر علمه [٣٥٩] ومبلغ فضله. لا والذي أنطقنا بالحقّ وأخذ علينا ألّا نقول إلّا به.
ودخلت سنة ستين وثلاثمائة
عقد المصاهرات بين الأتراك والديلم
وفى هذه السنة رأى بختيار ورئي له أن يعقد بين رؤساء الأتراك ورؤساء الديلم مصاهرات لتزول العداوات التي نشأت بينهم. فابتدأ بعقد مصاهرة بين المرزبان بن عزّ الدولة وبين بختكين المعروف بآزاذرويه مولى معزّ الدولة، وثنّى بمصاهرة بين سالار [١] بن عزّ الدولة وبين بكتيجور مولى معزّ الدولة. وفعل مثل ذلك بجماعة، وأصلح بين الديلم والأتراك، واستحلف كل فريق منهما لصاحبه فحلفوا جميعا على موالاة عزّ الدولة بختيار بن معزّ الدولة وسبكتكين الحاجب، وحلف بختيار لسبكتكين الحاجب وسبكتكين لبختيار بعد وحشة كانت بينهما فزال الظاهر ولم يزل الباطن.
стр. 2906
غلبة الفالج على المطيع لله
ثمّ غلبت علّة الفالج على المطيع لله [١] فثقل لسانه وجانبه الأيمن وذلك فى يوم السبت لليلة خلت من صفر سنة ستّين وثلاثمائة، ثمّ تماثل وتماسك وعاش على هذه الحال إلى الوقت الذي سلّم فيه الأمر الى أمير المؤمنين الطائع لله.
وفى هذه السنة ورد الحاجب لأبى تغلب ابن حمدان وهو عدّة الدولة.
فعقد مصاهرة بين أبى تغلب بإحدى بناته وبين عزّ الدولة بختيار على صداق مائة ألف دينار، وجدد على أبى تغلب عقد [٣٦٠] أعماله لأربع سنين حساب كل سنة ستة آلاف ألف درهم ومائتا ألف درهم وأنفذت إليه الخلع.
وزارة أبى الفضل العباس الثانية لعزّ الدولة
وفى هذه السنة كانت وزارة أبى الفضل العباس بن الحسين الثانية لعزّ الدولة والقبض على أبى الفرج محمد بن العباس.
ذكر السبب فى ذلك قد كنّا ذكرنا فيما تقدم أنّ معزّ الدولة كتب إلى آزاذرويه بالقبض على أبى الفرج ومن معه فى يوم وصولهم إلى الأهواز وأنّه كتب أيضا إلى أبى قرّة بمثل ذلك وأنّه قبض على أبى محمد الخازن أخى أبى الفرج فى مجلسه وكان يحضره للمنادمة وأطلق أبو الفضل العباس بن الحسين من محبسه
стр. 2907
وخلع عليه للوزارة وذلك يوم الثلاثاء آخر ليلة بقيت من رجب سنة ستين وثلاثمائة.
فلمّا تمكّن من الوزارة لم تكن له همة إلّا استصلاح سبكتكين وعوّل عليه وعلى كاتبه أبى عمرو ابن أدمى [١] وصاحبه أبى بكر محمد بن عبد الله الاصبهانى وتقرب إليه فى مظاهرة أبى قرة ومساعدته.
وقلد أخاه الحسن بن محمد القنائى [٢] خزانة عزّ الدولة مضافا إلى ما كان يتولاه من خلافة أخيه أبى قرّة على الدواوين، وقلد أبا أحمد ابن حفص ديوانا كانت تجرى فيه نواح اختصها بختيار لنفسه وسماه ديوان الخاص وكتب إلى أبى قرة يستدعيه من الأهواز إلى الحضرة وأمر بإنفاذ أبى الفرج محمد بن العباس [٣٦١] إلى البصرة موكّلا به.
فورد أبو قرّة بغداد ومعه أسباب أبى الفرج المقبوض عليهم فبلغ الوزير أبو الفضل فى إكرامه كلّ مبلغ وعظّمه وتجددت بينهما معاهدة ومحالفة بأمر عز الدولة وسبكتكين إيّاهما واتفقت كلمة الجماعة.
ثم نظر الوزير أبو الفضل فى أمره وزيادة خرجه على دخله وقلبه ظهرا لبطن، فلم ير وجها غير إطماع عزّ الدولة فى أموال عمران فحرّضه عليه وقرّب عليه أمره واتفق ورود أبى قرّة وقد تمت العزيمة.
فشخص بختيار متقدما وسار فى الجانب الغربي على الظهر والوزير أبو الفضل وأبو قرّة انحدرا فى الماء، واجتمعت الجماعة بواسط وذلك فى شوال سنة ستّين وثلاثمائة.
وفى هذه السنة ارتفع امر ابن بقيّة مع عز الدولة وعلا شأنه حتى بلغ الوزارة كما سنحكيه بإذن الله.
стр. 2908
ذكر ارتفاع ابن بقية
كان هذا الرجل من القرية المعروفة بأوانا وكان أبوه مزارعا وجدّه بقية واليه كان ينتسب، ونشأ فى أيام الفتنة وغلبه أهل الرستاق على طريق دجلة العليا ودخل فى غمارهم وانتسب إلى بعض عيّاريهم وكان جرى رسمه بتقلّد المآأصير [١] (؟) .
واتفق له أن اتصل بصاحب مطبخ معزّ الدولة المعروف بممله [٢] وكان ضامنا لتكريت [٣٦٢] وما يجرى معها من المآأصير العليا وأبواب المال فلما خدم ممله توجه معه وخفّ على قلبه فتدرج من حال إلى حال حتى استعمله على هذه الأعمال كلها وفوضها إليه. وكان فيه سماحة نفس وخفّة مع إقدام وتهوّر استفادهما من الحال التي نشأ عليها.
واتفق على ممله اتفاق سيىء من علل اتصلت به وإعراض من معزّ الدولة عنه. فشرع أبو طاهر ابن بقية فى ضمان أعماله وعنى به جماعة من الكتّاب لأجل ما كان يبذله لهم فعقدت الأعمال عليه إلّا أنّه لم ينفق على معزّ الدولة ولا وثق به على مطبخه فقلده غيره ووفى بمال ضمانه وأقبلت حاله تتزايد وصدره يتسع للبذل حتى غلب على الوزير أبى الفضل وقرب منه وتعلّق منه بعناية.
وتوفى معزّ الدولة فنفق على عزّ الدولة بختيار وبذل له مرفقا يوصله إليه مما ينظر فيه. فقبل بختيار منه ذلك وردّت إليه الوكالة وقلد المطبخ فبلّغ بالمرفق الذي بذله لبختيار عشرة آلاف درهم فى كل شهر واشترط أن ينصره على الكتّاب وأصحاب الدواوين ومنعهم من الاستقصاء عليه ويشدّ
стр. 2909
على يده فى استيفاء أموال تسبيباته من الوكالة، فوفى له وكان يحمل إليه هذا المرفق الذي ذكرته مشاهرة. ثم أنس به فى خلواته ومجالس لهوه وانبسط إليه بأنواع من المزاح [٣٦٣] كان يستعملها فى مجالسه مع ندمائه.
فلطف موقفه ودخل معه كلّ مدخل.
ثم صار يهاديه بالخيل والبغال والجوارح والألطاف والجواري والعبيد ودخل فى جلالة العزّ فعرض جاهه عنده حتى صار يتوسط بينه وبين كل رافع ظلامة وطالب حاجة. فلمّا أفضت هذه الوزارة الثانية التي نحن فى ذكرها إلى أبى الفضل كان ابن بقية قد استولى غاية الاستيلاء وصار فى مثل منزلة شيرزاد اختصاصا ومنزلة وغلبة على أمره واحتاج [١] الوزير أبو الفضل إليه ليحفظ غيبه وانحدرت الجماعة إلى واسط لحرب عمران.
واستدعى الوزير أبو الفضل أبا الفرج محمد بن العباس إلى واسط وكان معتقلا بالبصرة وأخذ خطه بمال عظيم لا ينهض به وأنفذه إلى بغداد ليصححه هناك وكذلك فعل بأخيه أبى محمد فجرى عليهما ببغداد أمر قبيح يجرى مجرى التشفي من غير ضرب ولا مكروه فى الجسم بل بضروب من الاستخفاف والإهانة والإسماع فتم لهما الهرب واستترا عند بعض أسباب سبكتكين.
فعادت الوحشة بين أبى الفضل وبين سبكتكين واتهم بأنّه يسفر له فى العود إلى الوزارة وألجأته الحال إلى مطالبة عزّ الدولة بختيار باليمين الغموس على ألّا يستوزره أبدا ولا يستعين به فى شيء من الأعمال إن لم يظهر بعد شهر من تاريخ اليمين [٣٦٤] فحلف له عزّ الدولة بحضرة القوّاد والقضاة والشهود ووجوه الحاشية وكان فى اليمين كل ما يكون فى أيمان البيعة ولقّنه
стр. 2910
بنفسه حرفا حرفا وبقي الأمر كذلك وأبو الفرج مستتر، إلى أن عاد عزّ الدولة إلى بغداد بعد سنتين وأخذ له ولأخيه أمان فظهر بعناية سبكتكين.
وضعف أمر الوزير أبى الفضل وضعفت منّته وتأدّى أمره إلى النكبة التي هلك فيها ووفى بختيار باليمين وقلد أبا طاهر ابن بقيّة الوزارة فكفّ عن أبى الفرج لأنّه علم أنّه لا يستوزر ولا يشرع فى شيء من فساد حاله، ونفى أخاه أبا محمد إلى واسط وأجرى عليه رزقا.
ثم إنّ أبا محمد أصعد إلى بغداد بغير أمره وذلك لإرجاف أرجف عنده بالقبض على ابن بقيّة فاغتاظ لذلك وقبض عليه ونفاه إلى البطيحة فحصل عند عمران مدة ثم أصعد سرّا واستتر ببغداد فى عرض الفتن التي كانت تجرى ثم تمكن ابن بقية منه ومن أخيه وطالبهما ثم نفاه ونفى أبا الفرج إلى سرّ من رأى واعتقله بها.
ذكر ما انتهى إليه أمر أبى قرّة بعد حصوله بواسط وقوة أمره وعناية سبكتكين وأصحابه به
لما أنس أهل واسط بقرب عزّ الدولة منهم وطال مقامه بينهم، تظلموا إليه سرّا ولقيه نفر منهم، فأعلموه أنّه قد أخرب بلادهم وأفقرهم وظلمهم وغشمهم وصادرهم وملك [٣٦٥] عليهم ضياعهم وأنّه استحلّ منهم ما حرّمه الله وصححوا عنه سعة حاله وكثرة ماله وجلالة ضياعه. فاستعظم بختيار ذلك وغاظه فعله وتمكّنه من النعم الكثيرة حتى أزالها واستبدّ بها، فصرفه عن واسط وتقدّم إلى ابن بقيّة أن ينظر فيها على سبيل الأمانة.
فاتهم أبو قرّة الوزير أبا الفضل بأنّه عن رأيه ومساعدته ولم يكن كما ظن فكتب إلى سبكتكين الحاجب يعرفه ما جرى ويحرضه على أبى الفضل ويعلمه أنّه قد حنث فى يمينه وعقوده التي بينهما وعاد إلى أسوأ فعله