غلبة الفالج على المطيع لله
ثمّ غلبت علّة الفالج على المطيع لله [١] فثقل لسانه وجانبه الأيمن وذلك فى يوم السبت لليلة خلت من صفر سنة ستّين وثلاثمائة، ثمّ تماثل وتماسك وعاش على هذه الحال إلى الوقت الذي سلّم فيه الأمر الى أمير المؤمنين الطائع لله.
وفى هذه السنة ورد الحاجب لأبى تغلب ابن حمدان وهو عدّة الدولة.
فعقد مصاهرة بين أبى تغلب بإحدى بناته وبين عزّ الدولة بختيار على صداق مائة ألف دينار، وجدد على أبى تغلب عقد [٣٦٠] أعماله لأربع سنين حساب كل سنة ستة آلاف ألف درهم ومائتا ألف درهم وأنفذت إليه الخلع.
وزارة أبى الفضل العباس الثانية لعزّ الدولة
وفى هذه السنة كانت وزارة أبى الفضل العباس بن الحسين الثانية لعزّ الدولة والقبض على أبى الفرج محمد بن العباس.
ذكر السبب فى ذلك قد كنّا ذكرنا فيما تقدم أنّ معزّ الدولة كتب إلى آزاذرويه بالقبض على أبى الفرج ومن معه فى يوم وصولهم إلى الأهواز وأنّه كتب أيضا إلى أبى قرّة بمثل ذلك وأنّه قبض على أبى محمد الخازن أخى أبى الفرج فى مجلسه وكان يحضره للمنادمة وأطلق أبو الفضل العباس بن الحسين من محبسه
стр. 2907
وخلع عليه للوزارة وذلك يوم الثلاثاء آخر ليلة بقيت من رجب سنة ستين وثلاثمائة.
فلمّا تمكّن من الوزارة لم تكن له همة إلّا استصلاح سبكتكين وعوّل عليه وعلى كاتبه أبى عمرو ابن أدمى [١] وصاحبه أبى بكر محمد بن عبد الله الاصبهانى وتقرب إليه فى مظاهرة أبى قرة ومساعدته.
وقلد أخاه الحسن بن محمد القنائى [٢] خزانة عزّ الدولة مضافا إلى ما كان يتولاه من خلافة أخيه أبى قرّة على الدواوين، وقلد أبا أحمد ابن حفص ديوانا كانت تجرى فيه نواح اختصها بختيار لنفسه وسماه ديوان الخاص وكتب إلى أبى قرة يستدعيه من الأهواز إلى الحضرة وأمر بإنفاذ أبى الفرج محمد بن العباس [٣٦١] إلى البصرة موكّلا به.
فورد أبو قرّة بغداد ومعه أسباب أبى الفرج المقبوض عليهم فبلغ الوزير أبو الفضل فى إكرامه كلّ مبلغ وعظّمه وتجددت بينهما معاهدة ومحالفة بأمر عز الدولة وسبكتكين إيّاهما واتفقت كلمة الجماعة.
ثم نظر الوزير أبو الفضل فى أمره وزيادة خرجه على دخله وقلبه ظهرا لبطن، فلم ير وجها غير إطماع عزّ الدولة فى أموال عمران فحرّضه عليه وقرّب عليه أمره واتفق ورود أبى قرّة وقد تمت العزيمة.
فشخص بختيار متقدما وسار فى الجانب الغربي على الظهر والوزير أبو الفضل وأبو قرّة انحدرا فى الماء، واجتمعت الجماعة بواسط وذلك فى شوال سنة ستّين وثلاثمائة.
وفى هذه السنة ارتفع امر ابن بقيّة مع عز الدولة وعلا شأنه حتى بلغ الوزارة كما سنحكيه بإذن الله.
стр. 2908
ذكر ارتفاع ابن بقية
كان هذا الرجل من القرية المعروفة بأوانا وكان أبوه مزارعا وجدّه بقية واليه كان ينتسب، ونشأ فى أيام الفتنة وغلبه أهل الرستاق على طريق دجلة العليا ودخل فى غمارهم وانتسب إلى بعض عيّاريهم وكان جرى رسمه بتقلّد المآأصير [١] (؟) .
واتفق له أن اتصل بصاحب مطبخ معزّ الدولة المعروف بممله [٢] وكان ضامنا لتكريت [٣٦٢] وما يجرى معها من المآأصير العليا وأبواب المال فلما خدم ممله توجه معه وخفّ على قلبه فتدرج من حال إلى حال حتى استعمله على هذه الأعمال كلها وفوضها إليه. وكان فيه سماحة نفس وخفّة مع إقدام وتهوّر استفادهما من الحال التي نشأ عليها.
واتفق على ممله اتفاق سيىء من علل اتصلت به وإعراض من معزّ الدولة عنه. فشرع أبو طاهر ابن بقية فى ضمان أعماله وعنى به جماعة من الكتّاب لأجل ما كان يبذله لهم فعقدت الأعمال عليه إلّا أنّه لم ينفق على معزّ الدولة ولا وثق به على مطبخه فقلده غيره ووفى بمال ضمانه وأقبلت حاله تتزايد وصدره يتسع للبذل حتى غلب على الوزير أبى الفضل وقرب منه وتعلّق منه بعناية.
وتوفى معزّ الدولة فنفق على عزّ الدولة بختيار وبذل له مرفقا يوصله إليه مما ينظر فيه. فقبل بختيار منه ذلك وردّت إليه الوكالة وقلد المطبخ فبلّغ بالمرفق الذي بذله لبختيار عشرة آلاف درهم فى كل شهر واشترط أن ينصره على الكتّاب وأصحاب الدواوين ومنعهم من الاستقصاء عليه ويشدّ
стр. 2909
على يده فى استيفاء أموال تسبيباته من الوكالة، فوفى له وكان يحمل إليه هذا المرفق الذي ذكرته مشاهرة. ثم أنس به فى خلواته ومجالس لهوه وانبسط إليه بأنواع من المزاح [٣٦٣] كان يستعملها فى مجالسه مع ندمائه.
فلطف موقفه ودخل معه كلّ مدخل.
ثم صار يهاديه بالخيل والبغال والجوارح والألطاف والجواري والعبيد ودخل فى جلالة العزّ فعرض جاهه عنده حتى صار يتوسط بينه وبين كل رافع ظلامة وطالب حاجة. فلمّا أفضت هذه الوزارة الثانية التي نحن فى ذكرها إلى أبى الفضل كان ابن بقية قد استولى غاية الاستيلاء وصار فى مثل منزلة شيرزاد اختصاصا ومنزلة وغلبة على أمره واحتاج [١] الوزير أبو الفضل إليه ليحفظ غيبه وانحدرت الجماعة إلى واسط لحرب عمران.
واستدعى الوزير أبو الفضل أبا الفرج محمد بن العباس إلى واسط وكان معتقلا بالبصرة وأخذ خطه بمال عظيم لا ينهض به وأنفذه إلى بغداد ليصححه هناك وكذلك فعل بأخيه أبى محمد فجرى عليهما ببغداد أمر قبيح يجرى مجرى التشفي من غير ضرب ولا مكروه فى الجسم بل بضروب من الاستخفاف والإهانة والإسماع فتم لهما الهرب واستترا عند بعض أسباب سبكتكين.
فعادت الوحشة بين أبى الفضل وبين سبكتكين واتهم بأنّه يسفر له فى العود إلى الوزارة وألجأته الحال إلى مطالبة عزّ الدولة بختيار باليمين الغموس على ألّا يستوزره أبدا ولا يستعين به فى شيء من الأعمال إن لم يظهر بعد شهر من تاريخ اليمين [٣٦٤] فحلف له عزّ الدولة بحضرة القوّاد والقضاة والشهود ووجوه الحاشية وكان فى اليمين كل ما يكون فى أيمان البيعة ولقّنه
стр. 2910
بنفسه حرفا حرفا وبقي الأمر كذلك وأبو الفرج مستتر، إلى أن عاد عزّ الدولة إلى بغداد بعد سنتين وأخذ له ولأخيه أمان فظهر بعناية سبكتكين.
وضعف أمر الوزير أبى الفضل وضعفت منّته وتأدّى أمره إلى النكبة التي هلك فيها ووفى بختيار باليمين وقلد أبا طاهر ابن بقيّة الوزارة فكفّ عن أبى الفرج لأنّه علم أنّه لا يستوزر ولا يشرع فى شيء من فساد حاله، ونفى أخاه أبا محمد إلى واسط وأجرى عليه رزقا.
ثم إنّ أبا محمد أصعد إلى بغداد بغير أمره وذلك لإرجاف أرجف عنده بالقبض على ابن بقيّة فاغتاظ لذلك وقبض عليه ونفاه إلى البطيحة فحصل عند عمران مدة ثم أصعد سرّا واستتر ببغداد فى عرض الفتن التي كانت تجرى ثم تمكن ابن بقية منه ومن أخيه وطالبهما ثم نفاه ونفى أبا الفرج إلى سرّ من رأى واعتقله بها.
ذكر ما انتهى إليه أمر أبى قرّة بعد حصوله بواسط وقوة أمره وعناية سبكتكين وأصحابه به
لما أنس أهل واسط بقرب عزّ الدولة منهم وطال مقامه بينهم، تظلموا إليه سرّا ولقيه نفر منهم، فأعلموه أنّه قد أخرب بلادهم وأفقرهم وظلمهم وغشمهم وصادرهم وملك [٣٦٥] عليهم ضياعهم وأنّه استحلّ منهم ما حرّمه الله وصححوا عنه سعة حاله وكثرة ماله وجلالة ضياعه. فاستعظم بختيار ذلك وغاظه فعله وتمكّنه من النعم الكثيرة حتى أزالها واستبدّ بها، فصرفه عن واسط وتقدّم إلى ابن بقيّة أن ينظر فيها على سبيل الأمانة.
فاتهم أبو قرّة الوزير أبا الفضل بأنّه عن رأيه ومساعدته ولم يكن كما ظن فكتب إلى سبكتكين الحاجب يعرفه ما جرى ويحرضه على أبى الفضل ويعلمه أنّه قد حنث فى يمينه وعقوده التي بينهما وعاد إلى أسوأ فعله
стр. 2911
واعتقاده.
ثم عطف أبو قرة على أبى طاهر ابن بقية فخاطبه بكل ما كره وتوعده وهدده بالنكبة وطالبه بالحسبانات لما يجرى على يده دخلا وخرجا فاستطال عليه ابن بقيّة وانتصف منه ونصره بختيار فانخزل أبو قرّة.
واتصل بسهل بن بشر النصراني كاتب بختكين آزاذرويه وهو بالأهواز ما جرى على ابى قرة وضعف أمره وكانت بينهما عداوة قديمة فكتب إلى بختيار يضمنه بمال عظيم وساعده ابن بقيّة فقبض على أبى قرّة وأسبابه واستبيح ماله وقبضت ضياعه وغلّاته فسارع إلى التزام مصادرة ثقيلة عن نفسه وأسبابه وبذل بعد ذلك أموالا عظيمة يثيرها من محاسبات الضمناء، واستمال ابن بقية وعاهده على أن يكون كل [٣٦٦] واحد منهما ناصرا لصحابه.
ثم إنّ بختيار مال إلى ما بذله أبو قرة فأمر بأن يخلع عليه ولم يكره الوزير أبو الفضل ذلك لتزول التهمة التي سبقت إلى سبكتكين فى أمره.
ذكر السبب فى انتقاض [١] أمر أبى قرّة بعد تملّكه وبعد إشرافه على الخلاص من النكبة
كانت الخلع أحضرت ليلبسها فكره المنجمون له الوقت وأشاروا عليه بالتوقف ليختار له يوم. فورد للوقت غلام لسهل بن بشر على البريد برسالة منه ومن بختكين آزاذرويه صاحبه يسألان تسليم أبى قرة إليه بزيادة بذلها وضمنه بها وصادف ذلك خوف الناس من عوده بعد سعايتهم به وأنّه عدوّ لهم يستأصلهم فسعوا إلى ابن بقية به حتى أشار على عزّ الدولة بتسليمه إلى
стр. 2912
سهل بن بشر وعرفه أنّه إنّما ضمن تلك الأموال حيلة فى الخلاص والعود إلى التعزز عليه بسبكتكين. فسلّمه إلى رسل سهل بن بشر وحمل من ليلته إلى الأهواز وصودر هناك وتشفى منه وتلف فى أنواع المكاره التي جرت عليه وقلّد ديوانه أبو أحمد ابن حفص [١] .
ثم أفضت الوزارة إلى ابن بقية فضعفت يده وقلّ نظره لاستيلاء ابن بقية على المملكة فلم يبق من هذا الديوان إلّا الاسم.
وفى هذه السنة قتل حمدان أخاه أبا البركات ذكر السبب فى ذلك والاتفاق الحادث عن قصد وغير قصد [٣٦٧]
كنا ذكرنا ورود حمدان ورجوعه إلى الرحبة وتمام الصلح بينه وبين أخيه أبى تغلب ولم يلبث الأمر بينهما أن عاد إلى فساده فأنفذ أبو تغلب أخاه المكنى بأبى البركات إليه حتى دفعه عن الرحبة فسلك طريق البرية يريد دمشق وملك أبو البركات الرحبة فخلف بها طائفة من جيشه مع غلام من غلمانه وعامل من عماله ورحل منصرفا.
وانتهى حمدان إلى بعض طريق البرية ولحقه وأصحابه عطش ولم يمكنه الإتمام فرجع مخاطرا بنفسه ووصل إلى باب الرحبة ليلا والقوم الذين فيها غافلون نيام وتهيأ لنفر من غلمانه أن دخلوا البلد من ثلمة فى السور غامضة كانوا يهتدون إليها وفتحوا له باب الرحبة فدخلها واستتر وراء السور وضرب بالبوق فبادر القوم إلى الباب متقطعين متفرقين وليس يعلمون بحصول حمدان من داخله فكان يوقع بهم أولا أولا وأسر عاملي الخراج والمعونة
стр. 2913
ووجد فى أيديهم غلات قد وردت فى السفن فغنمها وغنم سوادهم وآلاتهم وسلاحهم وكراعهم وصادرهم وأصعد على الفرات فى الجانب الشامي إلى قرقيسيا.
واتصل خبره بأبى البركات وهو سائر إلى الموصل فعطف عليه وحاذاه [١] من الجانب الجزري وتخاطبا وتراسلا فلم يتم بينهما صلح ولا اتفاق ولم يمكن أبا البركات [٣٦٨] المقام لضيق الميرة على عسكره، فرجع يريد الخابور.
فاتفق أن صار إلى حمدان مائتا فارس من بنى نمير مستأمنة وكانت عدته ثلاثمائة غلام فصار فى خمسمائة فارس فتتبعت نفسه العبور فى أثر أخيه والتصعلك على عسكره وكان فيه جرأة وإقدام. فخاطر وعبر فى جريدة خيل وسار حتى أدركه بمنزل يقال له ماكسين [٢] وهو راحل مجتاز فنزل منه على فرسخين وبكّر فى الغلس فزحف إليه فصادفه قد سبق بسواده وبعض جيشه وهو ماض على غير استعداد لأنّه لم يقع فى ظنّه أنّ حمدان يقدم عليه مع التفاوت بين عدّتيهما.
فلمّا قيل له إنّه قد وافى، عطف إليه فى طائفة من الرجال ليتلاحق به الباقون فبثّ حمدان أولئك العرب فى الإغارة على سواده ومنع العسكر أن ينتظم شمله وحقق على أبى البركات فى الحملة مع غلمانه فوجده متسرعا فى أول الناس فاجتمعا متصادمين وعرف كل واحد منهما صاحبه فتضاربا بالسيوف ولم تكن على أبى البركات جنّة فضربه حمدان على رأسه فسقط إلى الأرض وأخذه أسيرا وبه رمق.
واستباح سواده واستأمن إليه جماعة من أصحابه وأسر جماعة وقتل
стр. 2914
بعض الأسارى واستبقى البعض وانكفأ إلى قرقيسيا ليعالج أخاه من ضربته وظنّ أنّه ينجو فتلف بعد ثلاث [٣٦٩] فأنفذه فى تابوت إلى الموصل واستحكمت العداوة بينه وبين أخيه أبى تغلب.
واختلف باقى الإخوة وتخاذلوا وتنافسوا وكانوا متفرقين فى أعمالهم. فبلغ أبا تغلب أنّ محمدا من بينهم المكنى أبا الفوارس وكان يتولى نصيبين قد كاتب حمدان وعمل على اللحاق به والاجتماع معه عليه فاحتال عليه واستدعاه وأطمعه فى الإحسان والزيادة. فاغترّ محمد وصار إليه فقبض عليه واعتقله فى قلعة أردمشت [١] وضيّق عليه هناك وثقّله بالحديد حتى أطلقه عضد الدولة لمّا ملك تلك الديار [٢] .
وكنت مندوبا لنقل ما فى تلك القلعة من الذخائر مأمونا على ما فيها فجرى ما سأذكره إذا انتهيت إليه.
واستوحش باقى إخوة أبى تغلب لما جرى على أخيهم محمد وأقبل أبو تغلب يستميلهم فخدعهم واحدا واحدا فصاروا إليه بعد أحوال تتقلب بهم سوى أبى طاهر ابراهيم فإنّه لم يسكن إليه ورحل إلى بغداد مستأمنا إلى عزّ الدولة بختيار على طريق دجلة.
وسار أبو تغلب إلى قرقيسيا وأنفذ منها أخاه أبا القاسم هبة الله سريّة فى جيش كثيف إلى الرحبة تقديرا أن يكبس أخاه ويأخذه أسيرا فما أحس به حتى أطلّ عليه فخرج هاربا واتبعه ابنه وطائفة من غلمانه ولحقه هبة الله فابقى عليه حتى نجا.
ثم وقعت [٣٧٠] عليه سريّة للقرامطة كانت سائرة إلى الشام لقتال صاحب المغرب فأرادوا الإيقاع به فتعرف إليهم وكان متعلقا بينهم بذمام فكفّوا له
стр. 2915
وبذلوا له من نفوسهم ما أحبه فسألهم أن يسير معه نفر منهم إلى طريق عانة ففعلوا وعدل إلى مدينة السلام فاستقرّ الأخوان بها فى ذى الحجة سنة ستّين وثلاثمائة وكتب بختيار إليهما بالانحدار إليه إلى واسط فانحدرا ووصلا إليه فى صفر سنة إحدى وستّين وثلاثمائة وتلقاهما وأكرمهما وأمر بحمل أنزال كثيرة إليهما وردّهما إلى بغداد بعد أن حمل إلى كل واحد عند رحيلهما هدايا كثيرة من الثياب والورق والطيب والدواب والبغال والمراكب.
وسنذكر ما انتهت إليه أحوالهما بعد ذلك إن شاء الله.
ذكر تدبير دبّره الوزير أبو الفضل على سبكتكين لما استوحش منه فانعكس عليه
قد قلنا انّ أبا الفضل اتهم سبكتكين بأنّه ستر أبا الفرج وأبا محمد وحامى عليهما وأنّه يريد أن يسعى لأبى الفرج فى الوزارة وكان سبكتكين اتهم أبا الفضل بأنّه دبر على أبى قرّة حتى قتل بعد ذلك بالعذاب الطويل فشرع أبو الفضل فى استصلاح سبكتكين بكل وجه وحيلة فلم يجد إلى ذلك سبيلا فصبر حينئذ على عداوته وأخذ فى التدبير عليه.
فكان من ذلك أن أشار على بختيار بأن يستدعى آزاذرويه من الأهواز ويزيد فى حاله ومحله ويقيمه كالضد لسبكتكين لينجذب الأتراك [٣٧١] إلى هذا ويفلّهم عن ذلك فقبل بختيار بما أشار به عليه.
وورد بختكين واسطا فعظم أتم تعظيم وفخّم أمره أشد تفخيم وعقدت عليه واسط مضافة إلى الأهواز فلم يتم ما قدر من انفضاض [١] الأتراك عن سبكتكين وذاك أنّهم تنبهوا على المقصد وعلموا أنّه إنّما دبر على تفريق
стр. 2916
شملهم وإيقاع التنافر بينهم وكانوا قد تحالفوا على المعاضدة وألّا يتفرقوا.
واشفق بختكين آزاذرويه من أن يعتزلهم وينفرد عنهم فصار واحدا منهم فانعكس تدبير الوزير أبى الفضل واضطر إلى العود إلى بابه والنزول تحت حكمه وطلب سلمه بعد معاتبات ومراسلات.
ولمّا عاد بختيار إلى بغداد زاد فى منزله سبكتكين وأمر بأن يخاطب بالاسفهسلّار وتموهت الوحشة واندرجت على غير وثيقة. ولما عزم بختيار والوزير على الإصعاد عن واسط قدّما أبا طاهر ابن بقية إلى سبكتكين ليصلح ما تشعث بينه وبين الوزير أبى الفضل ويستعيد له جميل رأيه. فجرى الأمر ايضا فى ذلك على نفاق ووحشة فى السر واندمل الجرح على فساد إلى أن تم على الوزير الصّرف والنكبة واتصل بقتله وإبادته.
هلاك أبى طاهر عامل البصرة وكلّ من اتّصل به
وفى هذه السنة هلك أبو طاهر الحسين بن الحسن عامل البصرة وكل من اتصل به وعفت آثارهم وزالت نعمهم ولم يبق منهم على وجه الأرض نافخ ضرمة. [٣٧٢]
ذكر السبب فى اجتياح الزمان له ولهم
كان هذا الرجل فيه شهامة وكفاية وتهور مع ذلك ومخاطرة، ولما حصل بختيار بواسط أكثر الناس من حديثه وما وصل إليه من الأموال حتى اتسعت فيه الظنون.
وكان الوزير أبو الفضل يعلم أنّ ذلك باطل وليس يجب أن يفسد نظام أمور البصرة بصرفه والطمع فى يسير ماله وكانت البصرة معتدلة الحال مستقيمة الأمور. فأغرى بختيار بالمصير إلى البصرة وأقيم فى نفسه أنّه يصل
стр. 2917
منها إلى مال كثير ولم يكن وراءها.
فسار إليها ولم يجد بها ما كان مولعا به من المتصيدات ولا تمكنت البزاة والجوارح من الصيد لكثرة نخلها وشجرها ولاطفه هذا العامل بالهدايا والتحف وواقفه على مرفق يرفقه به ومشاهرة يقيمها له وتجاوز ذلك إلى أن ضمن له إثارة مال من البصرة على طريق التأويلات على التجار والمعاملين وأراد بذلك الدفع عن نفسه.
ووافى الوزير أبو الفضل البصرة بعد أن رتّب عساكره على طفوف البطيحة لأنّ المد وافى وكثر فلم يمكن طلب عمران بن شاهين واحتيج إلى الانتظار إلى وقت النقصان فأمره بختيار بالخلع على أبى طاهر العامل وتقبّل ما بذله له. ولم يستطب البصرة لعدم الصيد الذي ذكرته فعاد إلى واسط ووصى الوزير بتقوية يد العامل والزيادة فى بسطه [٣٧٣] والرفع منه. فاضطرّ الوزير إلى امتثال ما رسم له وهو لا يختاره ولا يستصوبه.
فبسط أبو طاهر العامل يده فى القبض على التجار والعوامّ وتأول عليهم بالمحال واستخرج منهم أموالا كثيرة وظنّ أنّه قد تمسك من بختيار بعهد يثق به وأنّه ممن يعتمد على قوله وذمامه وحدّث نفسه بمنزلة أبى قرّة وأن يرتقى منها إلى منزلة الوزارة.
فساء رأى الوزير أبى الفضل فيه وأخذ فى التدبير عليه والسعى على دمه فكتب إلى بختيار يعرفه أنّه قد أخرب البصرة وأفسد نيّات أهلها وأنّهم عرب لا يحملون ما يحمله غيرهم ويزعم أنّ أموالهم الآن قد حصلت والصواب يقتضى إرضاءهم بالقبض على هذا العامل والاستبدال به ومصادرته على مال ينضاف إلى مصادرتهم. ثم دس إلى عزّ الدولة من يغريه به ويعظّم عليه جناياته ويطمعه فى ماله إلى أن أمر بالقبض عليه فقبض الوزير عليه وعلى أخيه والمتصلين به حتى زوجته وعياله وأقاربه وأسبابه كلّهم.
стр. 2918
عقد البصرة على رأس أبى القاسم المشرف
وعقد البصرة على علىّ بن الحسين المعروف بأبى القاسم المشرف وسلّمه إليه لعداوة كان يعرفه بينهما، وأخذ خطه بأن يستخرج منه ومن أسبابه مالا عظيما وأصعد عن البصرة لاستتمام منازلة عمران بن شاهين.
وكان هذا العامل- أعنى أبا طاهر- من أهل الشر فكثر خصماؤه [٣٧٤] وطلاب الطوائل عنده فعسفه علىّ بن الحسين وسلّمه إلى مستخرج كان قد وتره، فنالته منه مكاره عظيمة خاف معها أن يسلم فيكون بواره على يده.
فأتى على نفسه ثم ألحق به أخاه وأقاربه وزوجته فأتلف الجماعة بأسرها وعفى آثارها.
ثم عطف علىّ بن الحسين على معامليه ومخالطيه [١] وقوم تأول عليهم فصادرهم لصحة المال الذي ضمنه فما صحّ له من جميع الجهات إلّا البعض وانكسر الباقي وانمحت آثار أبى طاهر من الأرض فلم يبق له بقيّة.
ذكر سوء تدبير بختيار لأمر عمران منذ انحدر من بغداد إلى أن خرج عائدا إليها وما تمّ لعمران من الطمع فيه والاستظهار عليه
كان بختيار لما خرج عن بغداد لمحاربة عمران أظهر أنّه يريد الخروج إلى التصيّد بناحية النعمانية مغالطة لعمران وظنّ أنّه يرهقه عن التحرز منه والاستعداد له.
وقد تفعل الملوك مثل هذا ولكن مع إتمام العزائم والصبر على مطاولة
стр. 2919
العدو بالمكايد التي تشبه هذا الابتداء، لا بأن يكون مبدأ التدبير صوابا يشبه الآراء الوثيقة ثم يتبعه باللعب والاشتغال عنه بالعبث وبترك الاستظهار وإهمال الجند حتى تخرق الهيبة وتزول الحشمة ويظهر للعدو عصيان الجند وقلة النظر فى الحرب والتعويل على الجدّ [١] دون الجدّ حتى يطلع على الحيرة والتبلّد ومكان [٣٧٥] العورة والضرورة الداعية إلى مقاربته فى طلب الصلح منه والجنوح إلى السلم بعد النزاع إلى الحرب. فإنّ بختيار عمل فى المبدء ذلك العمل الواحد ثم أتبعه بجميع ما ذكرته وذلك أنّه استطاب التصيد الذي أظهره مكيدة لعدوّه وأقام بالنعمانية شهرا مع عساكره التي علم معها عمران أنّ قصده بهم إيّاه لا غير.
ثم أمر وزيره أبا الفضل أن ينحدر إلى الجامدة وطفوف البطيحة وبنى أمره معه على أن يسدّ أفواه الأنهار ومجاري المياه إلى البطيحة ويعدل بها إلى غيره وأن يبنى مسنّاة عظيمة يمكن سلوك الديلم عليها مشيا إلى معقله وهذا ضد ما بنى عليه أمره فى الابتداء ولا يشبه الحيلة التي تؤدى إلى إرهاق العدوّ ومنعه من الفكر. فإنّ الهجوم والكبس والبيات يتم بالمعاجلة والركض إلى الغاية دون التمهل والأخذ والتدابير البعيدة والأعمال الطويلة.
فلما طالت المدة فى عمل هذه السدود وجرت فى أضعافها وقائع لحقت المدود وغلب الماء والسيل علاج السكور فاحتيج إلى الإمساك عنها والانصراف عن إتمامها إلى حفظ ما عمل منها بالرجال حتى لا يفسدها العدو، لا سيما وعمران متدرب بذلك قد اعتاد فى جميع حروبه أن يمسك عن عدوه حتى ينفق ماله ويكذ رجاله فإذا أحسّ بالمد ومجيء السيول [٣٧٦] احتال فى تخريب ما يبنى له من السكور وإنّما يكفيه إيقاع ثلمة
стр. 2920
يسيرة فى أحد نواحي السد ثم يحمل الماء فيتولى كفايته فى الهدم والتخريب. فربما أفسد فى ساعة من الليل أو النهار تعب سنة أو نحوها.
وذلك أنّ هذه السدود تكون من قصب وتراب يقام فى وجوه المياه الجاريه عند ضعف جريانها وغاية نقصانها فإذا وردت المياه القوية ومنعت من حدورها كفى منها اليسير من المعونة حتى تنبعث ويدفع بعضها بعضا وربما كان سبب انبثاق الماء نقب فأرة ثم يوسعه الماء وينتهى فيه إلى حيث لا حيلة فى سده. ولما عمل بختيار ووزيره ما ذكرته من السدود وأتى المد كان قصاراهما حفظ ما عمل بالرجال حتى لا يتم لعمران حيلة فى هدمه فعدل عمران عن هدم سكوره إلى الانتقال إلى معقل آخر من معاقل البطيحة ونقل غلّاته وزواريقه وجميع أمتعته إلى هناك. فلما انحسر الماء وجاءت ايام الجفاف من السنة الثانية وجد مكان عمران خاليا منه ولم تكن له آلة يطلبه بها فطلب غلّاته فلم يجد فيها شيئا فانصرف خائبا.
وضجر العسكر من المقام على الشقاء ولم يصبروا على أذيّة البقّ وحرّ الهواء وانقطاع المواد التي ألفوها [١] فشغبوا عليه وتناولوا الوزير بألسنتهم وهموا بالإيقاع به وتحالف الديلم والأتراك [٣٧٧] على التعصب واتفاق الكلمة وأبوا أن يقيموا أكثر مما أقاموا. فاضطر بختيار إلى طلب مصالحته على مال يلتمسه منه- وقد كان هابه فى أول الأمر فبذل له خمسة آلاف ألف درهم- فلمّا طلب هذا المال بعد اضطراب الجند وطول المقام وانقطاع الحيلة امتنع عليه منها وبذل ألفى ألف درهم بوساطة سهل بن بشر كاتب بختكين آزاذرويه وكانت بينه وبين عمران صداقة فنجّم عليه هذا المبلغ ثم تماسك عمران وامتنع من التوثقة بما وافق عليه واقتصر منه على اليمين أيضا
стр. 2921
فاضطرّ الوسائط إلى أن يقولوا لبختيار أنّه قد حلف وما حلف. وانصرف بختيار عنه مع عسكره خائبين عليهم الزلّة.
وحدث للعسكر زيادة على المعهود من سوء الخدمة وقلّة الطاعة والاستطالة حتى وثبوا على سهل بن بشر مرّة لأجل مال كان حمله معه فأحسوا به وطمعوا فيه ونهبوه واجتهد بختيار فى ارتجاع شيء منه، فما أمكنه ذلك.
ذكر الوثوب على الجرجرائى
ثم وثبوا أيضا على محمد بن أحمد الجرجرائى- وكان ينظر فى أمورهم ويخلف الوزير عليهم- لأشياء كانوا نقموها عليه وأبوا أن يكون متوليا عليهم فأرضاهم الوزير بصرفه عنهم ووجد السبيل إلى مصادرته فاستخرج منه عشرة آلاف دينار كانت سبب حقده حتى صار فى جملة من سعى به ودبر فى هلاكه. [٣٧٨]
عضد الدولة يندب كوركير لمحاربة سليمان بن محمد بن إلياس
وقد كان قبل هذه السنة ندب عضد الدولة كوركير بن جستان لمحاربة سليمان بن محمد بن الياس وكان سليمان هذا بخراسان وأطمع صاحبها فى كرمان والقفص والبلوص فى طاعته. فضم إليه صاحب خراسان جيشا وجاء إلى كرمان فاستغوى هاتين الطائفتين وغيرهم من الأمم المفارقة لطاعة السلطان الأكبر فصارت هذه الطوائف يدا واحدة فى شقّ العصا.
فلقيه كوركير بين جيرفت وبمّ وجرت بينهما حرب أجلت عن قتل سليمان وبكر والحسين ابني اليسع أخيه وعدد كثير من قواد خراسان
стр. 2922
والرجال المضمومين إليه وحملت رؤسهم إلى شيراز وأنفذها عضد الدولة إلى حضرة أبيه ركن الدولة.
واجتمعت المنوجانيّة [١] وسائر القفص والبلوص وفيهم أبو سعيد البلوصى وأولاده وغيرهم من الرؤساء على كلمة واحدة فى الخلاف وتحالفوا على الثبات والاجتهاد فضمّ عضد الدولة إلى كوركير عابد بن علىّ فسارا إلى جيرفت فيمن معهما من العساكر فوقعت الوقعة يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من صفر سنة ستّين وثلاثمائة وأجلت عن هزيمتهم وقتل خمسة آلاف رجل من أشدائهم ووجوههم وقتل ابنان لأبى سعيد البلوصى وحصل المعروف بأبى الفوارس المنوجانى فى الأسر وابن أخيه [٣٧٩] أبو الليث وجماعة يجرون مجراهم.
ثم صمد عابد بن علىّ لقصّ آثارهم والتولج إلى مكانهم ليبيد غضراءهم.
فتابع الإيقاع بهم والإثخان فيهم وانتهى إلى هرموز فملكها واستولى على بلاد التيز [٢] ومكران وحصل فى يده بعد من هلك فى الحروب ألفا أسير من رجالهم ونسائهم وذراريّهم. فلاذوا بطلب الأمان وبذلوا تسليم المعاقل والجبال على أن يدخلوا فى السلم وينزعوا شعار الحرب ويقتنعوا بالأقوات التي تحل وتطيب ويتحلّوا بسيماء المسلمين ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويصوموا شهر رمضان ويتمسكوا بسائر شروط الإيمان. فعقدوا على أنفسهم بذلك عقدا وثيقا.
стр. 2923
عدول عابد بن علىّ إلى الخرّميّة والجاسكيّة
ثم عدل عابد بن علىّ إلى طوائف أخر من الأمم المخالفة فى حال تصاقبهم يعرفون بالخرّمية والجاشكية يخيفون السبل فى البر والبحر وكانوا ضاموا سليمان بن محمد بن الياس فأوقع بهم وقتل كثيرا منهم وحصل فى يده رئيسهم أبو على بن كلاب فضرب عنقه وقبض على خلق منهم فأنفذهم إلى شيراز فتوطأت تلك الأعمال وصلحت مدّة من الزمان.
عضد الدولة يصير بنفسه إلى كرمان
ثم لم يلبث البلوص وكانوا أشد هذه الطوائف بأسا وأوعدهم جانبا وأشدهم كفرا أن اشتاقوا إلى عاداتهم من إخافة السبل وسفك الدماء الحرام ونقض [٣٨٠] ما كانوا تمسكوا به من تلك العهود. فلمّا فعلوا ذلك اعتقد عضد الدولة ألّا حيلة فى صلاحهم ويئس منهم فرأى ألّا يبقى عليهم وعزم على المسير بنفسه إلى كرمان فسار فى ذى القعدة سنة ستّين وثلاثمائة.
فلمّا انتهى إلى السيرجان وجد البلوص قد تبسطوا فى الأعمال وسعوا فيها بالفساد ونصبوا للرئاسة عليهم علىّ بن محمد البارزى [١] ولقى الناس منهم عنتا شديدا فى جميع طرقات كرمان وسجستان وخراسان فجرّد عابد بن علىّ فى عسكر كثيف من الديلم والجيل والأتراك والأعراب والأكراد والزطّ والرجال السّيفية وأنفذه إليهم فلمّا أحسّوا بإطلاله عليهم أوغلوا فى الهرب وسلكوا طرقا ضيقة شاقة ظنّوا أنّ العسكر لا يمكنه سلوكها ولا اتباعهم فيها.
стр. 2924
ثم إنّ عابدا أنفذ أخاه فى سريّة قوية خلفهم وسار هو فى باقى الجيش من طريق آخر إلى بلادهم التي يأوونها إلى جبال البارز ففتحها [١] عنوة واستنزل عنها محمد بن علىّ البارزى وظفر بصهره أبى دارم وقد كانوا أنفذوا طلائع لهم وعيونا ليأتيهم بالأخبار فنذر بهم وقبض على جماعتهم فلم يرجع إليهم مخبر منهم.
فكانوا ساكنين غارّين إلى أن أطلّ الجيش فى الموضع الذي ظنّوا أنّهم آمنون فيه فلم يجدوا مهربا ولا معدلا عن المجاهدة، فثبتوا سحابة [٣٨١] يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وستّين وثلاثمائة، منذ طلوع الشمس إلى غروبها. ثم انجلت الوقعة عن قتل الرجال المقاتلة إلّا القليل وعن الاحاطة بحرمهم وذراريّهم وأملاكهم ونجا فى الوقت رئيسهم المعروف بابن أبى الرجال البلوصى مع جماعة من الوجوه ثم ظفر بهم من بعد فقتلوا جميعا ودخل نفر يسير ممن بقي تحت الأمان وتشبثوا بالعهد والذمام فنقلوا عن تلك الجبال. وأسكن عضد الدولة مكانهم الأكرة المزارعين والمستورين من أجناس الرعية حتى طبّقوا تلك المواضع بالعمارات وطهرت تلك الجبال من معرّة أولئك المفسدين.
ثم عاد عابد بن علىّ إلى الامة المعروفة بالجاشكية [٢] ومن يجرى مجراها من الدعّار وكانوا وراء جبال القفص مما يلي التيز ومكران والسواحل إلى حدود عمان ولهم معرّة شديدة وفساد كثير وجنايات عظيمة على الناس وأنفذ عابد أخاه فى عسكر قوى من الديلم والأتراك والعرب وغيرهم وحمل معه الزاد على الجمازات فى البرّ وعلى الشذاآت والمراكب فى البحر من سيراف إلى مكلّى هرموز وسواحل كرمان فقطع عدّة مضايق
стр. 2925
حتى وصل إليهم وهم غافلون لا يظنّون أنّ أحدا يصل إليهم. فأوقع بهم وقتل وأسر واصطلم ولم يبق من طبقات [٣٨٢] الدعّار فى تلك النواحي أحدا.
وفى هذه السفرة تنكّر عضد الدولة لكوركير فقبض عليه وردّه إلى سيراف واعتقله اعتقالا جميلا فيه بقية للصلح.
ودخلت سنة احدى وستين وثلاثمائة
وزارة أبى الفتح ابن أبى الفضل ابن العميد
وفيها تمكن الأستاذ الجليل أبو الفتح ابن أبى الفضل ابن العميد رحمهما الله من الوزارة بعد أبيه وفوض إليه ركن الدولة تدبير ممالكه ومكّنه من أعنة الخيل فصار وزيرا وصاحب جيش على رسم والده، إلّا أنّ والده باشر هذه الأمور فى كمال من أدواته وتمام من آلاته على ما شرحناه فيما تقدم، وكان لوفور عقله يدارى أمره مع صاحبه ومع عسكره ثم يسوس رعيّته والممالك التي يراعيها ويدبر الجميع تدبيرا ملائما لوقته موافقا لزمانه فلا يظهر من الزينة وأبّهة الوزارة إلّا بمقدار ما يقيم به مرتبته ولا يجاوز ذلك إلى ما يحسد عليه وينافس، ثم يتواضع تواضعا لا يخرج به إلى غضاضة تلحقه فى جاهه أو تحطّه عن المنزلة العالية التي يرقى إليها وكانت سلامته طول مدته على أصناف الناس وطبقاتهم وقيام هيبته وتمام سياسته متصلة تزيد على الأيام ثناء وثباتا.
ذكر خصائص أبى الفتح فى خلقه وسياسته
فأما ابنه أبو الفتح فكان فيه [١] مع رجاحته وفضله فى أدب الكتابة وتيقّظه
стр. 2926
وفراسته [٣٨٣] نزق الحداثة وسكر الشباب وجرأة القدرة، فتطلعت نفسه إلى اظهار الزينة الكثيرة واستخدام الديلم والأتراك والاحتشاد [١] فى المواكب التي يركب فيها واتخاذ الدعوات لصاحبه وسائر عسكره التي يلتزم فيها الخلع والحملان على الدواب والمراكب والإسراف فى الصلات والنفقات تشبّها بوزراء عزّ الدولة بختيار الذين لا خبرة لهم بعواقب الأمور ولا نظر لهم فى مصالح الملك وإنّما همة أحدهم فى تناول شهواته والوصول إلى لذّاته وإثارة غيظ حسّادهم بإظهار الزينة التي فوق طاقته.
وليس يعلم أنّ أول من ينكر ذلك فى نفسه وإن لم يبده له صاحبه فهو يحسده على مساواته له وعلى تمكنه مما يتمكن هو منه ثم مزاحمته له فى الاستظهار والجمع وتبذير الأموال التي يرى أنّه أحق بها منه ثم خوفه من ميل الجند إليه وإجماعهم على جوده وسخائه واعتدادهم بما يصل إليهم له دون صاحبهم وولىّ نعمهم.
فكان أبو الفتح ابن العميد يسرف فى ركوب هذه الأهواء ويحب أن يبلغ غاية ما يقدر عليه منها فجلب عليه ذلك ضروب الحسد من ضروب السلاطين وأصحاب السيوف والأقلام فكان صاحبه ركن الدولة قد شاخ وسئم ملابسة أمور الجند وأحب الراحة والدعة ففوض إليه الأمور ورآه شابّا [٣٨٤] قد استقبل الدنيا استقبالا فهو يحب التعب الذي قاساه ركن الدولة ثم ملّه ويستلذّ فيه الانتصاب للأمر والنهى ومخالطة الجند والركوب إلى الصيد ومشى خواص الديلم وكبار الجند بين يديه ثم مشاربتهم [٢] ومؤانستهم والإحسان إليهم بالخلع والحملان.
فأول من أنكر عليه هذا الفعل عضد الدولة ومؤيد الدولة ابنا ركن الدولة
стр. 2927
وكتّابهم ثم سائر مشايخ الدولة ورأوه يركب فى موكب عظيم ويغشى الدار والديوان فإذا خرج تبعه الجميع وخلت دار الامارة حتى لا يوجد فيها إلّا المستخدمون من الاتباع والحاشية فقط.
ثم ترقّى أمره فى قيادة الجيش والتحقق بها إلى أن ندب للخروج إلى العراق فى جيش كثيف من الرىّ والإجماع [١] مع عضد الدولة لنصرة بختيار بن معز الدولة فى الخلاف الذي وقع بينه وبين الأتراك المستعصين عليه كما سنشرحه فيما بعد بإذن الله. فأقام هناك ونظم أمور بختيار وتلقّب بذي الكفايتين من جهة الطائع لله وأخذ الخلع وواطأ بختيار على أمور خالف فيها عضد الدولة وأوحشه وتأدّى أمره إلى الهلاك.
وإنّما ذكرنا هاهنا جملة من سوء تدبيره لنفسه ونحن نشرحها مفصلة فى الأمور التي حدثت فى سنة خمس وستّين وثلاثمائة ليعتبر بها المعتبرون [٣٨٥] ويجرى مجرى تجارب الأمم التي يتكرر مثلها فيتحرّز منها.
فأمّا الآن فإنّا نشرع فى الأمور التي حدثت فى هذا الزمان الذي نحن فى ذكره ونستقصى أخبار بختيار وما عمله فى عوده من البصرة إلى واسط ليتصل حديثه ولا ينقطع بدخول حديث غيره فيه.
ذكر السبب فى تجاسر العامة على السلطان والفتن الثائرة بهم حتى خربت بغداد .
وذاك أنّ الكتب وردت عليه بأنّ الروم غزوا نصيبين فملكوها وأحرقوها وقتلوا الرجال وسبوا الذراري ثم ورد خلق من ديار ربيعة وديار بكر مدينة السلام واستنفروا المسلمين فى المساجد الجامعة والأسواق وحكوا انفتاح
стр. 2928
الطريق للروم وأنّه لا مانع لهم من تورّد ديارهم وهي متصلة بالعراق.
محاولة الهجوم على دار المطيع لله وإسماعه ما يقبح ذكره
فلمّا تجمّع معهم خلق من أهل بغداد صاروا إلى دار المطيع لله وحاولوا الهجوم عليها وقلعوا البعض من شبابيكها فأغلقت الأبواب دونهم بعد أن كانوا يصلون إليه ويأتون عليه فأسمعوه ما كره ونسبوه إلى العجز عمّا أوجب الله على الائمة وتجاوزوا ذلك إلى ما يقبح ذكره.
وكان بختيار فى هذا الوقت بالكوفة مظهرا زيارة المشهد وغرضه التصيّد [١] فخرج إليه وجوه أهل بغداد منكرين عليه اشتغاله عن مصالح المسلمين [٣٨٦] وانصرافه عن تدبيرهم إلى مجاهدة عمران وهو من أهل القبلة، وإمهاله الروم وهم أعداء الملة، ثمّ تشاغله بالصيد واللهو عن جميع مهمّات المملكة. ووعدهم بالعود إلى واسط ومصالحة عمران والانكفاء إلى الثغور فسكنوا وانصرفوا.
فلمّا عاد كاتب أبا تغلب وهو صاحب الموصل، يعلمه فيه أنّه عامل على الغزو ويلزمه أن يعدّ له من الزاد والعلوفة ما يسعه وجنده فى الطريق وأنفذ فى ذلك بعض خواصه فقضى ابن حمدان حقّه وردّه بالإنعام والمسارعة إلى ما سأل وهو يعلم أنّه لا يفي بوعد ولا وعيد وأنّه يقول ولا يفعل.
ثم أنفذ محمد بن بقيّة برسالته إلى سبكتكين الحاجب وهو ببغداد يستصلحه لوزيره العباس بن الحسين ويستنهضه للغزو معه ويأمره بأن يستنفر من يرغب فى الجهاد. فتقبّل سبكتكين ذلك تقبل المنافق ثم ركب ببغداد فى
стр. 2929
الجيش واستنفر المسلمين فثار من العامة عدد كثير بأصناف السلاح والسيوف والرماح والقسىّ حتى استعظم ما شاهده منهم ولم يوفق لتربيتهم وضمهم إلى رئيس يقوم بهم بل جعلهم كالعدة لنفسه فصاروا وبالا عظيما وضروا على المحارمات [١] بينهم وأظهروا ضروب العصبية وأثاروا الفتن وأقدم بعضهم على بعض بالقتل واستباحة الأموال والهجوم [٣٨٧] على الحرم والفروج وتفاقم الأمر بينهم وبلغ كل المبلغ فى الشر وعجز السلطان عن إصلاحهم وإطفاء ما أثاره من نائرتهم حتى صار ذلك سببا لخراب بغداد.
وسنذكر شرح هذه الأحوال عند دخول سنة ستّ [٢] بعون الله.
بختيار يصالح عمران ويعود إلى بغداد
وصالح بختيار عمران كما حكينا أمره فيما تقدم وطمع فى مال الصلح واستضعفه. ورجع بختيار إلى بغداد وهي خراب بكثرة الفتن واستطالة العامة وحدوث الحروب فيها وإغارة بعضها على بعض وكثرة رؤسائهم الناجمين فيهم حتى حصل فى كل محلة عدة رؤساء من العيّارين يحامون على محلتهم ويجبونهم الأموال ويحاربون من يليهم فهم لذلك متحاقدون يغزو بعضهم بعضا نهارا وليلا ويحرق بعضهم دور بعض ويغير كل قوم على إخوانهم وجيرانهم.
تسحّب الأتراك
فأمّا الأتراك فمتسحّبون مقترحون ما لا يتمكّن [٣] منه متجاوزون حدود
стр. 2930
العامة فى سفك الدماء والطمع فى الأموال والفروج حتى قتلوا صاحب شرطة كان لبختيار يقال له خمار، لشيء حقير كان حقده على بعض أصاغر الأتراك فلقيهم راكبا فى موكبه فحملوا عليه وألجئوه إلى الهرب والدخول إلى دار بختكين المعروف بجعدمويه وكان رئيسا معظما فى الأتراك فهجموا عليه وأخرجوه وقتلوه قتلة الكلاب خفقا بالسيوف واللتوت [٣٨٨] ثم سلموا جثته إلى العامة ففصلوه آرابا حتى أخذ كبده بعض السفهاء وقلبه آخر وكل جارحة منه وجد فى يد سفيه ثم أحرقوا باقى جثته بالنار.
وفتحوا السجون وأطلقوا أهل الدعارة منها وقلعوا أبوابها ونقضوا حيطانها وعجز بختيار عن تدبير أمرهم وخاف معرة الأتراك فاستدعى الديلم إلى داره فحضروه بالسلاح وتكلموا فى أمر المقتول أعنى خمار وأنكروا تبسط الأتراك وتحركت الأحقاد بينهم وعمل الديلم على قصد دار سبكتكين الحاجب ومنازل الأتراك وأحسوا بهم فتحرزوا واستعدوا وتعصب العامة معهم فسكّن بختيار تلك الثورة وأغضى عن قتل صاحبه خمار.
تعصّب سبكتكين للسنّة على الشيعة
ثم عوّل على الحاجب سبكتكين فى تسكين العامة لأن هيبته كانت فى نفوسهم أكبر وقلّد سبكتكين الشرطة ببغداد حاجبا له فسكنت الفتنة مدة أيامه إلا أنّه تعصّب للطائفة المنتسبة إلى السنّة على الشيعة فثار أهل التشيع وعادت الحروب والفتن كأعظم ما كانت. فكانت الأموال تنتهب والقتل بين العامة يستمرّ فى كل يوم حتى صار لا ينكر ولا يمكن حسمه، وظهر نقصان الهيبة وعجز السلطان.
وعطف بختيار على وزيره أبى الفضل العباس بن الحسين بمطالبة الأموال وإعطاء الرجال وإرضاء طبقات [٣٨٩] الجند وكان لا ينظر فى دخل ولا
стр. 2931
خرج وإنّما يلزم وزيره تمشية الأمور من حيث لا يعينه ولا ينصره ولا يمنع أحدا من جنده شيئا يلتمسه ولا يقبض يده ولا لسانه عن كلّ ما يفسد حاله وشأنه ويحبّ أن تقضى أوقاته فى الصيد والأكل والشرب والسماع واللهو واللعب بالنرد وتحريش الكلاب والديكة والقباج. فإذا وقفت أموره قبض على وزيره واستبدل به فلا يلبث الأمر أن يعود من الالتياث والانحلال إلى أسوأ ما كان.
فلمّا بلغ الأمر بوزيره أبى الفضل هذا المبلغ ولم تبق له حيلة فى درهم يأخذه من وجهه عدل إلى طلب الأموال من الوجوه المذمومة التي تقبح [١] الأحدوثة بها وتحرم ولا تحلّ فى شيء من الأديان.
فبعث بختيار على مطالبة المطيع لله بمال يوهمه أنّه من وراء ثروة ومال وأنّه يحتاج إلى إخراجه فى طريق الغزو وأنّ ذلك واجب على الإمام.
ذكر الرسائل والجوابات التي دارت بين المطيع وبين بختيار وما آل إليه أمر أبى الفضل من الهلاك
أجابه المطيع لله بانّ:
«الغزو يلزمني إذا كانت الدنيا فى يدي والىّ تدبير الأموال والرجال وأمّا الآن وليس لى منها إلّا القوت القاصر عن كفايتي [٢] وهي فى أيديكم وأيدى أصحاب الأطراف فما يلزمني غزو ولا حجّ ولا شيء مما تنظر الأئمة فيه وإنّما لكم منّى هذا الاسم الذي يخطب به [٣٩٠] على منابركم تسكنون به
стр. 2932
رعاياكم. فإن أحببتم أن أعتزل اعتزلت عن هذا المقدار أيضا وتركتكم والأمر كلّه.» وتردّدت المخاطبات فى ذلك والمراسلات حتى خرجت إلى طرف من أطراف الوعيد واضطر إلى التزام أربعمائة ألف درهم باع بها ثيابه وبعض أنقاض داره.
وشاع الخبر ببغداد بين الخاصّ والعام وعند من ورد من حاجّ خراسان وغيرهم من الواردين عن الأقطار:
- «إنّ الخليفة صودر.» وكثرت الشناعات. [١] وعوّل أبو الفضل الوزير فيما يحتاج إليه من مال الجند والإقامات التي تلزمه للأتباع والحاشية على مصادرات الرعية والتجار والتأويل عليهم بالمحال. وابتدأ بأهل الذمّة ثم ترقّى إلى أهل الملّة فأخذ أموال الشهود ووجوه البلد من أهل السّتر وبثّ السعاة والغمازين وسمّاهم العمال وأجرى عليهم الأرزاق وكثر الدعاء عليه فى المساجد الجامعة وفى الكنائس والبيع وفى المحافل والمجالس وزادت العامة على ما ذكرت من حالها فى الإغارة والإقدام على النهب والحرق وأسرفت فى ذلك حتى بطلت الأسواق وانقطعت المعايش وتعذّر على أكثر الناس الوصول إلى ماء دجلة حتى شربوا ماء الآبار وحصلوا [٢] فى شبه الحصار.
стр. 2933
ورام الوزير أبو الفضل تسكينهم فتعذّر عليه حتى أركب إليهم طائفة من الجيش فواقعوهم [٣٩١] وكسروهم ونقصت الهيبة أكثر مما كانت عليه وركب أبو الفضل بنفسه لقتال العيارين وواقعهم فلم يقدر عليهم.
وكان فى حجابه رجل يعرف بصافى ذميم الأخلاق دنىّ النفس يتعصب لأهل السنة. فضرب محلة الكرخ وهي مجمع الشيعة ومعظم التجار بالنار فعظم الحريق وتلفت البضائع وصارت المضرّة على الرعية فيما دبّره سلطانها أعظم مما جناه سفهاؤها.
الوزير يصرف نقيب الطالبيين
وكان بين أبى أحمد الموسوي- وهو الحسين ابن موسى ويتولى نقابة الطالبيين- وبين أبى الفضل الوزير مناظرة فيما جرى على الشيعة فأظهر امتعاضا وخرج فى المناظرة إلى المهاترة. فصرفه الوزير عن النقابة بأبى محمد بن الناصر وهو الحسن بن أحمد العلوي وحصل أبو أحمد الموسوي من أعداء أبى الفضل المكاشفين له المثربين عليه وحصل أبو الفضل فريدا لا ناصر له.
سبب عداوة سبكتكين للوزير أبى الفضل
أمّا سبكتكين فيطلب عنده ثأر أبى قرّة وفى نفسه عليه ما كان منه فى استدعاء بختكين آزاذرويه من الأهواز إلى واسط ليقيم مقامه ويجعله ضدّا له، وشيء آخر كان عظيما عنده قبيحا وهو أنّ سبكتكين كان يختصّ غلاما تركيا من غلمانه، فغضب عليه وأمر ببيعه فى السوق فنصب الوزير أبو
стр. 2934
الفضل من اشتراه له بضعف قيمته وتحظّاه ونزل عنده [١] منزلة من كان فى نفسه منه عشق ثم موّله وأعطاه [٣٩٢] شيئا كثيرا حتى صار أجلّ وأيسر من غلمان سبكتكين. فلحقت سبكتكين من ذلك غيرة شديدة وفسد عليه غلمانه الذين فى داره بما وصل إليه هذا الغلام.
فهذه أسباب عداوة سبكتكين وقد حكينا عداوة الجرجرائى له، وعداوة أبى أحمد الموسوي النقيب له، ثم عداوة محمد بن بقية له. وكان ابن بقية قد ملك قيادة بختيار وكان سبب عداوته له أنّ أبا نصر المعروف بابن السراج- واسمه ابراهيم بن يوسف وهو من الأشرار المعروفين بالسعاية- قد جمع بالمكسب الخبيث مالا عظيما وأعتقد [٢] ضياعا جليلة فشعثها أبو الفضل تشعيثا يسيرا أخرجه به إلى عداوته والسعى على دمه وكان يجتمع مع المعروف بمحمد بن أحمد الجرجرائى كاتب شرمزن الذي قدمنا خبره وسبب عداوته لأبى الفضل، ويداخلان محمد بن بقية ويعرضانه للمكاسب الجليلة والفوائد العظيمة ولم يزالا به حتى غيّرا رأيه فى الوزير أبى الفضل وأوهماه أنّه ساع عليه وأنّه لن يبعد أن يضمنه من بختيار بمال عظيم ثم تجاوزا ذلك إلى أن أشارا عليه بتقلّد الوزارة وأن يسبقه إلى القبض عليه والراحة منه.
ذكر السبب فى تقلّد ابن بقيّة الوزارة
لم يكن ابن بقية يستقلّ ولا يكمل لحمل دواة بين يدي وزير ولا يطمع فى شيء من هذه المراتب [٣٩٣] ولكنه تقدم عند بختيار وقت خلافته لصاحب المطبخ فى توفير وفّره، وخدمة فى جملتها تمسخر. وكان مستخرجا عسوفا شديد القسوة جاهلا وفيه مع ذلك سماحة وسعة صدر
стр. 2935
وهو فى هذه السيرة متشبه بأهل الشطارة والفتاك والدعار وليس يسلك طريقة أهل الكرم والرياسة ولما أشار عليه هذان بالدخول فى الوزارة والقبض على أبى الفضل قبل أن يسبقه إلى ذلك، دهش وعلم أنّه يعجز عمّا أشارا به عليه.
ذكر كلام سديد لابن بقيّة فى تلك الحال
إنّه أجابهما بأن قال:
«لا صناعة لى ولا توجّه فيما تدعوانى إليه ولى عند صاحبي منزلة كبيرة تحتاج الوزراء إلىّ معها وأخاف أن أدخل فيما ليس من عملي واتهجّن ويقدح فى منزلتي وأحطّ عنها من غير أن أنتفع بالوزارة.» فشجّعاه وجسّراه، وضمن له محمد بن أحمد الجرجرائى أن يخلفه [١] ويكفيه العمل كله ثم صارا إلى سبكتكين الحاجب وذكراه بأفعال الوزير أبى الفضل وحملاه على الشروع فى صرف أبى الفضل ونكبته فقال لهما:
- «إنّى لم أزل معتقدا لذلك وإنّما كان توقفى عنه طلبا لمن يقوم مقامه ويسدّ مسدّه. إذ كان محمد بن العباس [٢] قريب العهد بالصرف ولم يكن مرضيّا فى وزارته ولا [٣٩٤] ناهضا بها وقد حفظت على الأمير بختيار أيمان البيعة بأن لا يقلّده وزارته.» فخاطباه فى تقليد ابن بقيّة وضمنا عنه أن ينهض ويغنى ويكفى وأنّهما يعضدانه ويشدّان منه فى التدبير والنظر فى الأمور. فاستروح سبكتكين إلى ذلك وجمع به التشفي من أبى الفضل وفساد أمر بختيار، وتجشّم احتمال الغضاضة فى توفية محمد بن بقية حقوق الوزارة بعد أن لم يكن ممن يجوز
стр. 2936
أن يعدّه من أصاغر خدمه ولا يطمع فى دخول داره وإنّما تجرّع ذلك وطابت به نفسه لعظيم ما كان فى قلبه من أبى الفضل. فراسل بختيار فى ذلك وقد كان بختيار ساء رأيه فى أبى الفضل جدّا فاستجاب إليه.
وقد كان أبو سهل ديزويه العارض مرموقا بمال عظيم ولم يتمكن منه لمصاهرة كانت بينه وبين شيرزاد بن سرخاب. فلما نفى شيرزاد احتيج إليه فى تسكين الجند مديدة فتدافعت نكبته. ثم إنّ أبا الفضل همّ فى هذا الوقت بالقبض عليه فأحبّ ابن بقية أن يتولى أبو الفضل القبض عليه ثم يتسلمه هو ويستخرج أمواله.
فجرى الأمر على ذلك فقبض أبو الفضل على أبى سهل ديزويه [١] فى يوم الخميس وقبض ابن بقية على أبى الفضل يوم الأحد. فكان بينهما ثلاثة أيام واستتمّ القبض على جميع [٣٩٥] كتّابهما ومن يتصل بهما من أسبابهما وكان ذلك فى سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة.
الصلح والمصاهرة بين عضد الدولة وبين منصور بن نوح صاحب خراسان
وفى سنة إحدى وستّين وثلاثمائة وقع الصلح بين عضد الدولة وبين أبى صالح منصور بن نوح صاحب خراسان ووقعت المصاهرة فتزوج منصور بن نوح بابنة عضد الدولة ونفذ فى ذلك عابد بن على مع عشرة أنفس مختارين من الأشراف والقضاة والشيوخ المذكورين وتكلّف صاحب خراسان مؤونة عظيمة للرسل والشيوخ وحمل هدايا كثيرة لم تحمل مثلها قطّ إلى عضد الدولة وكتب بينهما كتاب اتفاق بين الجهتين وكتب فيه شهود العراق
стр. 2937
الحاضرون وشهود خراسان خطوطهم.
ابن معزّ الدولة يلقّب عمدة الدولة
وفى سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة خلع المطيع لله على أبى إسحاق ابراهيم بن معزّ الدولة وكنّاه ولقبه عمدة الدولة. [١]
ذكر وقعة بين الدّمستق وبين هبة الله بن ناصر الدولة
وفى هذه السنة جرت وقعة بين الدّمستق وبين هبة الله بن ناصر الدولة بناحية ميّافارقين وكانت عدة الدمستق عظيمة كثيفة لكنه اتفق أن لقيه فى مضيق لا تجول فيه العساكر وكان الدمستق فى أول عسكره على غير أهبة تامّة فانهزم الروم وأخذ الدمستق أسيرا وتمكن المسلمون منهم وأعزّ الله دينه وكثر القتل والأسر حتى أنفذ إلى بغداد الرءوس والأيدى وكانت كثيرة فشهرت وكانت [٣٩٦] هذه الوقعة فى آخر يوم شهر رمضان سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة وحبس أبو تغلب الدمستق إلى أن جرح به جراح عظيم فبطّ وتأدت الحال به إلى الموت بعد أن كان أحسن ضيافته واجتهد فى علاجه وقدّر أن يبلغ به من ملك الروم ما يريد.
وزارة محمد بن بقيّة
وفى هذه السنة خلع ثانى يوم قبضه على أبى الفضل وهو يوم الاثنين السابع من ذى الحجة سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة على محمد بن بقيّة وكان
стр. 2938
إلى هذا اليوم يقدم الطعام إليه ويحمل الغضائر بيده ويتشح [١] بمناديل الغمر ويذوق الألوان عند تقديمه [٢] ايّاها على رسم من يخدم فى المطبخ خدمته.
فلما وزر عاد يريد الخدمة فى ذلك فنهاه بختيار.
وتعجّب الناس من وزارته. كان دنيّا لا يقع عينه إلّا على من كان فوقه ولا يرى نفسه إلّا دون كلّ أحد فازدادت دولة بختيار به سقوطا وإخلاقا وتضاحك صغار الناس به قربا وبعدا.
واستخلف حين وزر محمد بن أحمد الجرجرائى وناط الأمور به وبالمعروف بأبى نصر السرّاج واستقصى على أبى الفضل فى المطالبة بالمال حتى تقرر أمره على مائة ألف دينار. فلمّا صحّ أكثرها سلّم إلى أبى الحسن محمد بن عمر بن يحيى العلوي الكوفي على أن يخرجه [٣٩٧] إلى الكوفة ويحبسه عنده فتسلّمه وعاش عنده مديدة وتلف فلم يشكّ أحد أنّه مات مسموما.
وقبل ذلك توفّيت زينة بنت أبى محمد المهلّبى- ﵀ وقد كان أخوها أبو الغنائم تقدمها وأكثر أهلها وانقرضت [٣] الجماعة ثم تبعهم [٤] جميع من اشترك فى دم أبى الفضل قتلا من غير أن طال بهم الأعمار وسنذكر ذلك فى موضعه إن شاء الله.
ذكر ما دبّر به ابن بقيّة أمره حتى تماسك مديدة
إنّه جدّ فى مطالبة أبى الفضل وأسبابه من خلفائه وحجّابه وغلمانه وكل
стр. 2939
من انتسب إليه وإلى ديزويه العارض حتى استصفى أموالهم واتسع بما وصل إليه مديدة ومشت الأمور بين يديه فتبجّح بذلك وادعى حسن الأثر وتوصل إلى أن كنّاه المطيع ولقّبه الناصح فخلع عليه الخلع السلطانية بأمر بختيار وإذنه. وكثر ذمّه لأبى الفضل والطعن عليه وادّعى العدل والإنصاف فلم تمض إلّا أيام حتى ارتكب من الظلم والغشم وإثارة الفتن ما صارت أيام أبى الفضل بالقياس إلى أيّامه جارية مجرى أيام العمرين [١] وكل ذلك لسوء نظر بختيار وإهماله الأمور وإقباله على الشهوات واستثقاله مباشرة [٣٩٨] التدبير حتى سقطت الهيبة وانبسطت العامة وأغار بعضها على بعض وظهرت الأهواء المختلفة والنيّات المتعادية وفشا القتل حتى كان لا يعدم فى كل يوم عدة قتلى لا يعرف قاتلوهم وان عرفوا لم يتمكّن منهم فانقطعت مواد الأموال وخربت النواحي المتباعدة بخراب دار المملكة وظهر فى كل قرية رئيس منها مستول عليها وتباغوا بينهم وحصل السلطان صفر اليد والرعية هالكون والدور خراب والأقوات معدومة والجند متهارجون.
ذكر تدبير دبّره الترك وأكابر الحاشية والجند حتى سكن أمرهم مديدة ثم عادت الحال كأسوأ ما كانت
شرع ابن بقيّة فى إصلاح ما بين بختيار وسبكتكين وتوسّطه الوجوه والأكابر فتردّدت المراسلات ووجوه الكتّاب والقوّاد وأخذ لكل واحد منهما على صاحبه يمين مؤكدة على التصافي والتآلف.
فلمّا تمّ الاتفاق بينهما ركب سبكتكين إلى بختيار مع جماعة من الأتراك
стр. 2940
فلقيه وسلّم عليه وانصرف، ولم يعد إليه ولا اجتمعا إلّا فى الموكب وعلى سبيلهما الأولى فى التحرز ونشأت بينهما ظنون سيئة وبلاغات منكرة ووجد الأعداء والمتسوقون [١] طريقا سهلا فى الشر فسلكوه فعادا إلى التنافر.
[٣٩٩]
ذكر سبب قوىّ فى عودهما إلى الحال الأولى من العداوة
اجتاز ديلمى من سقط الجند سكران فى فناء [٢] دار سبكتكين الحاجب فيما يلي دجلة وهو نائم فرمى الديلمي أحد صوالجة الروشن بزوبين كان معه فأثبته فيه على سبيل العبث فظنّ سبكتكين أنّه مدسوس عليه ليرميه فتقدم بأخذه فأخذ وسئل واستقصى عليه فلم يكن لذلك الظنّ أصل فأمر بإنفاذه إلى بختيار وتعريفه ما كان منه فلمّا حصل بحضرته أمر بقتله فقتل، وتحرك الديلم وأنكروه واستشنعوا فعله وشغبوا وحملوا السلاح ولزموا موضع الشغب ثلاثة أيام ثمّ استعطفوا فرجعوا إلى منازلهم والقلوب نافرة.
ودخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمائة
خروج بختيار إلى الموصل
وفيها خرج بختيار إلى الموصل طمعا فى تناول بعض ما فى تلك الأعمال والاتّساع به وحرصا على التصيّد فى طريقه.
стр. 2941
شرح هذه الأسباب وذكرها على التفصيل
قد كان أبو الفضل قبل صرفه عن الوزارة الأخيرة أطمع بختيار فى الموصل وقدّر أنّ خروجه إليها يشغله عن نفسه وقصده ويدفعه عن نكبته وليتغلّل بما يتناوله من تلك الأعمال غلّة [١] وما لا يستعين بها فى القضيم والأقوات. فلمّا تقلد محمد بن بقية الوزارة سلك هذه السبل فى بعثه على الخروج، وحرص ابن بقية على الموصل. [٤٠٠] ذكر سبب ذلك وردت كتب أبى تغلب على ابن بقيّة مع علىّ بن عمرو كاتب أبى تغلب ووزيره بمخاطبة دون ما كانت تكاتب به الوزراء قبل ذلك لانحطاط منزلته فى نفوس الناس وأبت نفس أبى تغلب أن يوفيه جميع ذلك الحق فاغتاظ ابن بقيّة من ذلك وذكر علىّ بن عمرو وصاحبه أبا تغلب بالقبيح وتوعّدهما بالمسير، فتلافاه بالمكاتبة المستوفاة فلم ينصرف ابن بقيّة عن عزيمته.
وأحب بختيار الخروج إلى الموصل للأمور التي ذكرناها وقد كان أبو المظفر حمدان وأبو طاهر ابراهيم ابنا ناصر الدولة حصلا ببغداد وطمع أبو تغلب فى استصلاح أخيه إبراهيم ولم يطمع فى حمدان لوكيد العداوة بينهما فكاتب إبراهيم وأرغبه ليقطعه عن مضامّة حمدان وصادف ذلك تقصيرا من بختيار.
ونظر إبراهيم فإذا أحوال أخوته الذين أقاموا مع أبى تغلب مستقيمة منتظمة وكاتبه: «يأتى صائر [٢] إليك» واستدعى منه نفرا من الفرسان
стр. 2942
والأعراب ليصحبوه فأنفذهم إلى قرب بغداد على سمت البرية فهرب إليهم وأخذ معه أخاه المسمى ذا القرنين [١] وكان رهينة فى يد معزّ الدولة ثم فى يد بختيار وهرب من محبسه ليلا وخرج مع أخيه. فلمّا كان الصبح عرف بختيار الخبر فلم يكن له فيه حيلة وجعل ذلك سببا ظاهرا للخروج إلى الموصل والباطن ما تقدّم [٤٠١] ذكره.
وكان حمدان ابن ناصر الدولة من أشد الناس بعثا له على الشخوص إلى تلك البلاد وطمعا فى التشفّى من أبى تغلب. فاستحلفه بختيار بغموس الأيمان بعد هرب إبراهيم على الثبات معه والنصيحة له وتمّت العزيمة.
فخرج بختيار وسبكتكين الحاجب ومحمد بن بقيّة الوزير وذلك فى شهر ربيع الأول من سنة ثلاث.
ذكر الحال فى هذه الخرجة وما آل إليه الأمر
وقع التدبير على أن يخرج سبكتكين فى الجانب الشرقي على المقدمة ويتلوه بختيار سائرا على أثره وبينهما مرحلة واحدة فإذا صاروا بإزاء تكريت عبر بختيار وسار فى الجانب الغربي واستمرّ سبكتكين سائرا فى الشرقي ففعلا ذلك وسبق بختيار إلى الموصل وقد رحل عنها أبو تغلب إلى سنجار بعسكره كلّه وأخلاها من كل ميرة وكل كاتب ومتصرّف، ثمّ توجه من سنجار إلى مدينة السلام وهو من الجانب الغربي.
وتأخر سبكتكين بالحديثة وأظهر التشاغل بعبور السفن فاتصل خبر أبى تغلب وخروجه إلى بغداد ببختيار فكتب إلى سبكتكين يرسم له العبور إلى الجانب الغربي والمسير فى أثر أبى تغلب وأنفذ إليه شطر عسكره وحمدان بن
стр. 2943
ناصر الدولة وجمهور العسكر وأنفذ محمد ابن بقية فى الطيارات والزبازب راجعا إلى بغداد بعد أن استخلف [٤٠٢] بحضرته محمد بن أحمد الجرجرائى.
فسبق أبو تغلب وانتهى إلى قرية تعرف بالفارسية [١] على نهر الدجيل بينها وبين بغداد نحو ثلاثة فراسخ فعسكر بها وعامل من اجتاز به من أهل السواد بالجميل ولم يأخذ منهم شيئا إلّا بالثمن الوافر وأظهر العدل والإنصاف.
وصارت طلائعه ترد إلى بغداد وخرج إليه جماعة من عوامّ الناس وأوباشهم مستقبلين له مظهرين السرور بمقدمه وبرز أبو إسحاق ابن معز الدولة وكان يخلف أخاه بختيار إلى باب الشماسية وانتقل المطيع لله ووالدة بختيار وجماعة الحرم والأولاد إلى القصر الذي بناه معزّ الدولة بباب الشماسية على طريق التحصن وعقد أبو إسحاق جسرا فى هذا الموضع على دجلة وعبر بطائفة من الجيش الذي كان معه وأظهر أنّه يريد الحرب والمدافعة من غير عزيمة صحيحة وإنّما أراد التماسك إلى أن يصل سبكتكين الحاجب.
فتعجّل وصول محمد بن بقية سابقا فى آلات الماء فشد من أبى إسحاق وافتتن الجانب الغربي وعاد العوام إلى حمل السلاح والحرب وطلب الطوائل واستتر التجار وتعطلت الأسواق وعبر أهل النباهة من الغربي إلى الشرقي ونزل سبكتكين بأوانا بإزاء عكبرا.
فعدل أبو تغلب من موضعه راجعا إليه فنزل فى قرية بينهما نحو نصف فرسخ [٤٠٣] وتصافّ العسكران ووقع الطراد بين سرعان الخيل وطوائف من الاعراب ثم تكافّا وجنحا إلى الصلح.
стр. 2944
ذكر مكيدة جرت فى هذه الحرب واجتماع من سبكتكين وأبى تغلب على بختيار وحيلة بينهما لم يتمّمها سبكتكين وضيع فرصته فيها
كانت الموافقة فى السرّ تجرى بين أبى تغلب وسبكتكين على الموادعة واظهار الخلاف إلى أن يتمكّن سبكتكين من القبض على الخليفة ووالدة بختيار وحرمه ومحمد بن بقيّة وإظهار العصيان عند ذلك ثم يعود إلى بغداد ويعود أبو تغلب إلى الموصل قاصدا بختيار وهو فى عدد قليل فيتمكن منه ويقلب دولته سريعا. ففكّر سبكتكين فى سوء السمعة ولم يقدم على حرم مولاه وعلى الخليفة وخاف عاقبة ذلك.
وبادر محمد بن بقية من بغداد إلى سبكتكين فاجتمع معه وحضرهما رسل أبى تغلب وتقرر الصلح على المبلغ الاول وزيادة ألف كرّ من الحنطة فى كل سنة وعلى أن يطلق أبو تغلب لبختيار ثلاثة آلاف كرّ حنطة عوضا عن مؤونة سفره.
وانكفأ أبو تغلب إلى الموصل قاصدا بختيار وهو فى خفّ [١] من عسكره فأيقن الناس أنّ أبا تغلب لم يقدم على القرب من سبكتكين إلّا على ثقة من أنّه لا يحاربه وأنّ ذاك الطراد الذي وقع بين أوائل العسكرين إنّما كان [٢] تمويها.
ودخل سبكتكين وجميع [٤٠٤] العسكر بغداد وأسلم بختيار وقامت القيامة على محمد بن بقية من ذلك وطالب سبكتكين بمعاودة المسير واللحاق بصاحبه بختيار فتثاقل عن ذلك واحتجّ بأنّ الرجال لا يستجيبون
стр. 2945
للعود ثم فكر فى العواقب فانكفأ على مضض ورحل وقد ظهر للناس ما كان همّ به الا أنّه ما فعل ولو همّ وفعل لكانت فرصة عجيبة وكان لا يمتنع عليه شيء من التدبير الذي ذكرناه.
ثم جدّ سبكتكين وابن بقيّة وسائر الجند فى المسير مصعدين وقد كان بختيار حين عرف خبر رجوع أبى تغلب إليه جمع إليه أطرافه وردّ قواده من النواحي التي كان فرّقهم فيها وخاف خوفا شديدا وعبّى مصافّه فى الموضع المعروف بالدير الأعلى من ظاهر الموصل وقرب أبو تغلب ونزل أسفل الحصباء [١] على حالة الأهبة والتعبئة ولم يبق بينهما فى المسافة إلّا طول قصبة الموصل فقط وأحجم كل واحد عن صاحبه وعن المناجزة الّا أنّ أبا تغلب كان الأظهر لكثرة عدده وتعصّب أهل الموصل له.
وخاض الناس بينهما فى حقن الدماء وتتميم الصلح الذي تقدم ذكره فاشتطّ أبو تغلب فى الحكم والتمس النقصان والحطيطة وطالب بتسليم زوجته بنت بختيار إليه وأن يلقّب لقبا سلطانيا. فأجابه بختيار إلى ذلك كلّه تفاديا من اللقاء.
وجرى كلام فى معنى حمدان وأن يفرج عن ضياعه وأملاكه [٤٠٥] بغلّاتها وعن القلعة المفردة له المسماة وهي قلعة ماردين. وكانت هذه القلعة مسماة لحمدان ومفردة له منذ أيام أبيه وقد رتّب أخاه من أمّه مع ثقات له فيها فاحتال أبو تغلب على هذا الأخ حتى رغب فى مال يتعجله وخان أخاه وسلّمها.
فامتنع أبو تغلب من ذلك كله ولم يدخل فى شرائط الصلح شيئا منه وكان غائبا عن هذا الأمر وحاصلا ببغداد مع سبكتكين الحاجب. فضعف بختيار