شرح هذه الأسباب وذكرها على التفصيل
قد كان أبو الفضل قبل صرفه عن الوزارة الأخيرة أطمع بختيار فى الموصل وقدّر أنّ خروجه إليها يشغله عن نفسه وقصده ويدفعه عن نكبته وليتغلّل بما يتناوله من تلك الأعمال غلّة [١] وما لا يستعين بها فى القضيم والأقوات. فلمّا تقلد محمد بن بقية الوزارة سلك هذه السبل فى بعثه على الخروج، وحرص ابن بقية على الموصل. [٤٠٠] ذكر سبب ذلك وردت كتب أبى تغلب على ابن بقيّة مع علىّ بن عمرو كاتب أبى تغلب ووزيره بمخاطبة دون ما كانت تكاتب به الوزراء قبل ذلك لانحطاط منزلته فى نفوس الناس وأبت نفس أبى تغلب أن يوفيه جميع ذلك الحق فاغتاظ ابن بقيّة من ذلك وذكر علىّ بن عمرو وصاحبه أبا تغلب بالقبيح وتوعّدهما بالمسير، فتلافاه بالمكاتبة المستوفاة فلم ينصرف ابن بقيّة عن عزيمته.
وأحب بختيار الخروج إلى الموصل للأمور التي ذكرناها وقد كان أبو المظفر حمدان وأبو طاهر ابراهيم ابنا ناصر الدولة حصلا ببغداد وطمع أبو تغلب فى استصلاح أخيه إبراهيم ولم يطمع فى حمدان لوكيد العداوة بينهما فكاتب إبراهيم وأرغبه ليقطعه عن مضامّة حمدان وصادف ذلك تقصيرا من بختيار.
ونظر إبراهيم فإذا أحوال أخوته الذين أقاموا مع أبى تغلب مستقيمة منتظمة وكاتبه: «يأتى صائر [٢] إليك» واستدعى منه نفرا من الفرسان
стр. 2942
والأعراب ليصحبوه فأنفذهم إلى قرب بغداد على سمت البرية فهرب إليهم وأخذ معه أخاه المسمى ذا القرنين [١] وكان رهينة فى يد معزّ الدولة ثم فى يد بختيار وهرب من محبسه ليلا وخرج مع أخيه. فلمّا كان الصبح عرف بختيار الخبر فلم يكن له فيه حيلة وجعل ذلك سببا ظاهرا للخروج إلى الموصل والباطن ما تقدّم [٤٠١] ذكره.
وكان حمدان ابن ناصر الدولة من أشد الناس بعثا له على الشخوص إلى تلك البلاد وطمعا فى التشفّى من أبى تغلب. فاستحلفه بختيار بغموس الأيمان بعد هرب إبراهيم على الثبات معه والنصيحة له وتمّت العزيمة.
فخرج بختيار وسبكتكين الحاجب ومحمد بن بقيّة الوزير وذلك فى شهر ربيع الأول من سنة ثلاث.
ذكر الحال فى هذه الخرجة وما آل إليه الأمر
وقع التدبير على أن يخرج سبكتكين فى الجانب الشرقي على المقدمة ويتلوه بختيار سائرا على أثره وبينهما مرحلة واحدة فإذا صاروا بإزاء تكريت عبر بختيار وسار فى الجانب الغربي واستمرّ سبكتكين سائرا فى الشرقي ففعلا ذلك وسبق بختيار إلى الموصل وقد رحل عنها أبو تغلب إلى سنجار بعسكره كلّه وأخلاها من كل ميرة وكل كاتب ومتصرّف، ثمّ توجه من سنجار إلى مدينة السلام وهو من الجانب الغربي.
وتأخر سبكتكين بالحديثة وأظهر التشاغل بعبور السفن فاتصل خبر أبى تغلب وخروجه إلى بغداد ببختيار فكتب إلى سبكتكين يرسم له العبور إلى الجانب الغربي والمسير فى أثر أبى تغلب وأنفذ إليه شطر عسكره وحمدان بن
стр. 2943
ناصر الدولة وجمهور العسكر وأنفذ محمد ابن بقية فى الطيارات والزبازب راجعا إلى بغداد بعد أن استخلف [٤٠٢] بحضرته محمد بن أحمد الجرجرائى.
فسبق أبو تغلب وانتهى إلى قرية تعرف بالفارسية [١] على نهر الدجيل بينها وبين بغداد نحو ثلاثة فراسخ فعسكر بها وعامل من اجتاز به من أهل السواد بالجميل ولم يأخذ منهم شيئا إلّا بالثمن الوافر وأظهر العدل والإنصاف.
وصارت طلائعه ترد إلى بغداد وخرج إليه جماعة من عوامّ الناس وأوباشهم مستقبلين له مظهرين السرور بمقدمه وبرز أبو إسحاق ابن معز الدولة وكان يخلف أخاه بختيار إلى باب الشماسية وانتقل المطيع لله ووالدة بختيار وجماعة الحرم والأولاد إلى القصر الذي بناه معزّ الدولة بباب الشماسية على طريق التحصن وعقد أبو إسحاق جسرا فى هذا الموضع على دجلة وعبر بطائفة من الجيش الذي كان معه وأظهر أنّه يريد الحرب والمدافعة من غير عزيمة صحيحة وإنّما أراد التماسك إلى أن يصل سبكتكين الحاجب.
فتعجّل وصول محمد بن بقية سابقا فى آلات الماء فشد من أبى إسحاق وافتتن الجانب الغربي وعاد العوام إلى حمل السلاح والحرب وطلب الطوائل واستتر التجار وتعطلت الأسواق وعبر أهل النباهة من الغربي إلى الشرقي ونزل سبكتكين بأوانا بإزاء عكبرا.
فعدل أبو تغلب من موضعه راجعا إليه فنزل فى قرية بينهما نحو نصف فرسخ [٤٠٣] وتصافّ العسكران ووقع الطراد بين سرعان الخيل وطوائف من الاعراب ثم تكافّا وجنحا إلى الصلح.
стр. 2944
ذكر مكيدة جرت فى هذه الحرب واجتماع من سبكتكين وأبى تغلب على بختيار وحيلة بينهما لم يتمّمها سبكتكين وضيع فرصته فيها
كانت الموافقة فى السرّ تجرى بين أبى تغلب وسبكتكين على الموادعة واظهار الخلاف إلى أن يتمكّن سبكتكين من القبض على الخليفة ووالدة بختيار وحرمه ومحمد بن بقيّة وإظهار العصيان عند ذلك ثم يعود إلى بغداد ويعود أبو تغلب إلى الموصل قاصدا بختيار وهو فى عدد قليل فيتمكن منه ويقلب دولته سريعا. ففكّر سبكتكين فى سوء السمعة ولم يقدم على حرم مولاه وعلى الخليفة وخاف عاقبة ذلك.
وبادر محمد بن بقية من بغداد إلى سبكتكين فاجتمع معه وحضرهما رسل أبى تغلب وتقرر الصلح على المبلغ الاول وزيادة ألف كرّ من الحنطة فى كل سنة وعلى أن يطلق أبو تغلب لبختيار ثلاثة آلاف كرّ حنطة عوضا عن مؤونة سفره.
وانكفأ أبو تغلب إلى الموصل قاصدا بختيار وهو فى خفّ [١] من عسكره فأيقن الناس أنّ أبا تغلب لم يقدم على القرب من سبكتكين إلّا على ثقة من أنّه لا يحاربه وأنّ ذاك الطراد الذي وقع بين أوائل العسكرين إنّما كان [٢] تمويها.
ودخل سبكتكين وجميع [٤٠٤] العسكر بغداد وأسلم بختيار وقامت القيامة على محمد بن بقية من ذلك وطالب سبكتكين بمعاودة المسير واللحاق بصاحبه بختيار فتثاقل عن ذلك واحتجّ بأنّ الرجال لا يستجيبون
стр. 2945
للعود ثم فكر فى العواقب فانكفأ على مضض ورحل وقد ظهر للناس ما كان همّ به الا أنّه ما فعل ولو همّ وفعل لكانت فرصة عجيبة وكان لا يمتنع عليه شيء من التدبير الذي ذكرناه.
ثم جدّ سبكتكين وابن بقيّة وسائر الجند فى المسير مصعدين وقد كان بختيار حين عرف خبر رجوع أبى تغلب إليه جمع إليه أطرافه وردّ قواده من النواحي التي كان فرّقهم فيها وخاف خوفا شديدا وعبّى مصافّه فى الموضع المعروف بالدير الأعلى من ظاهر الموصل وقرب أبو تغلب ونزل أسفل الحصباء [١] على حالة الأهبة والتعبئة ولم يبق بينهما فى المسافة إلّا طول قصبة الموصل فقط وأحجم كل واحد عن صاحبه وعن المناجزة الّا أنّ أبا تغلب كان الأظهر لكثرة عدده وتعصّب أهل الموصل له.
وخاض الناس بينهما فى حقن الدماء وتتميم الصلح الذي تقدم ذكره فاشتطّ أبو تغلب فى الحكم والتمس النقصان والحطيطة وطالب بتسليم زوجته بنت بختيار إليه وأن يلقّب لقبا سلطانيا. فأجابه بختيار إلى ذلك كلّه تفاديا من اللقاء.
وجرى كلام فى معنى حمدان وأن يفرج عن ضياعه وأملاكه [٤٠٥] بغلّاتها وعن القلعة المفردة له المسماة وهي قلعة ماردين. وكانت هذه القلعة مسماة لحمدان ومفردة له منذ أيام أبيه وقد رتّب أخاه من أمّه مع ثقات له فيها فاحتال أبو تغلب على هذا الأخ حتى رغب فى مال يتعجله وخان أخاه وسلّمها.
فامتنع أبو تغلب من ذلك كله ولم يدخل فى شرائط الصلح شيئا منه وكان غائبا عن هذا الأمر وحاصلا ببغداد مع سبكتكين الحاجب. فضعف بختيار
стр. 2946
عن الاستيفاء وكان غرضه المفالتة وان يفرج له أبو تغلب فخرج الى موضع يقال له: قرن الآئل، على خمسة فراسخ من معسكره فى عرض الموصل بعد ان حلف كل واحد منهما لصاحبه يمينا أخذها عليهما أبو أحمد الموسوي وجماعة من السفراء وانحدر بختيار الى الحديثة وأهل الموصل يتبعونه باللعن والدعاء عليه ويتبعون أصحابه ويتوثبون عليهم. وذاك أن محمد بن أحمد الجرجرائى خليفة ابن بقيّة ظلمهم وعسفهم فكان انصراف بختيار عن هزيمة ظاهرة. فلمّا تحرّك من موضعه وانحدر دخل أبو تغلب الموصل وظفر بجماعة كانوا مالوا إلى بختيار من أصحابه وأهل الموصل فسمل عيونهم [١] .
ووجد رجلا عقيليا يعرف بابن العجّاج كان استأمن من عسكره إلى بختيار ولم يخرج عن البلد تعويلا على ما جرى من الصلح فضرب رقبته.
ولما وصل سبكتكين ومحمد بن بقيّة وحمدان والجيش واجتمعوا مع بختيار اضطرب حمدان من خروجه عن الصلح وأنف محمد بن بقيّة من الحال التي انصرف عليها بختيار واتفقوا على أن يجعلوا ضرب رقبة هذا العقيلي وسمل العمال [٤٠٦] ووثوب أهل الموصل على حاشية بختيار وأتباعه عذرا فى الرجوع وحجّة على أبى تغلب فى الفسخ. فعطفت الجماعة بجميع العسكر إلى الموصل. فهرب أبو تغلب عنها الى ناحية يقال لها: تلّ أعفر [٢] ، وردّ كاتبه المعروف بأبى الحسن على بن عمرو بن ميمون برسالته إلى بختيار يعاتبه فيها على النقض وينسبه إلى الغدر فقبض محمد بن بقيّة عليه واعتقله وامتهنه واحتجّ عليه بما ذكرنا فجحد أن يكون ما جرى من القتل والسمل بأمر أبى تغلب وأحال فيه على بعض غلمانه.
ثم تقرّر الأمر بعد خطوب جرت على إتمام الصلح وقوّمت الغلة وردّت
стр. 2947
إلى الورق ووضع عنه ما استخرجه بختيار من الموصل وأعمالها ونجم الباقي على تعجيل وتأجيل وشرط الإفراج عن ضياع حمدان خاصّة دون قلعة ماردين ودون ما أخذ منها ومن ارتفاع الضياع وأن يسلّم القوم الذين قتلوا العقيلي وسملوا العمال لينفذ فيهم بختيار حكمه، فأنفذهم أبو تغلب اليه على ثقة بأنه لا يسيء إليهم لعلمهم جميعا أنهم مأمورون فعفا عنهم بختيار- وعلى أن يلقّب أبو تغلب ويزفّ إليه زوجته وجدّدت الأيمان والعهود على الفريقين وانصرف بختيار وتشاغل فى طريقه بالتصيّد وكان وروده مدينة السلام لعشر خلون من رجب من هذه السنة وورد كاتب أبى تغلب فأنجز له بختيار المواعيد وسأل المطيع لله فى تقليبه فلقّب عدّة الدولة، وأنفذ اليه [٤٠٧] خلع سلطانية ونقلت اليه زوجته ووقع البدار به ليصح المال.
وفى هذه السنة هلك محمّد بن أحمد الجرجرائى وتلف فى المصادرة ذكر السبب فى ذلك
كان ابن بقيّة لا يبقى على أحد يتّهمه أو يسبق إلى قلبه منه شيء بل يعاجله قبل التأمّل ويقتله من غير تثبّت. وكان أهلك قوما من أهل الكفاية والكتابة بالظنّ والتهمة وأنهم سيصلحون لمكانه. ولما أفضت إليه الوزارة وكان المتولى للبصرة على بن الحسين الشيرازي المعروف بأبى القاسم المشرف [١] وكان يعاديه ويعتقد أنه ذو كفاية فأراد القبض عليه واستصفاء ماله وإتلافه فتدافع ذلك إلى أن عاد من الموصل فعمل على أن ينفذ محمد بن أحمد الجرجرائى فى ذلك طلبا لإبعاده عن الحضرة ولأن حاله كانت تمهدت عند بختيار لتقدّمه على ابن بقية فى الكتابة ولأنه عقد بينه وبين
стр. 2948
قهرمانة بختيار التي يقال لها: تحفة، فكانت تحامى عليه وتتعصب له وكان مع ذلك يتكلّم بالفارسية، وابن بقيّة لا يعرف منها شيأ، فتطاول بهذه الأشياء على ابن بقية واستهان ببعض ما كان يأمره به، ثم بلغه أنّه مهد لنفسه حالا عند بختيار أيام تفرّده بخدمته بالموصل.
فلما اجتمعت عليه هذه الأشياء أراد إبعاده عن الحضرة وإخراجه فى القبض على على بن الحسين والنظر فيما كان ينظر فيه. فلما خاطبه فى ذلك نفر منه وأحس بتغيّر نيّته له واجتهد [٤٠٨] فى أن يعفيه فلم يفعل فانحدر وقد نبا كلّ واحد منهما عن صاحبه. ولو صبر على أن يكون عامل البصرة لما خرج به ابن بقيّة إلى ما خرج ولكنّه لما رءاه يأبى [١] إلا التشبّث بالحضرة والتمسك بما كان ناظرا فيه دون ما سواه اتهمه وازداد شكّا فيه.
وكان ابن بقية قدّم كتّابه إلى صاحب له ينوب عنه بالبصرة يقال له:
عبد العزيز بن محمد الكراعى، وهو من الأوغاد الأصاغر الذين ارتفعوا بارتفاعه وأمره يعرّفه نيّته فى على بن الحسين ويأمره بالقبض عليه. فانحدر الجرجرائى على أن يصادره وينصب مكانه ضامنا له أو عاملا غيره ويعود فلما استقر بالبصرة وافق على بن الحسين على مال التزمه وأضافه إلى أصل ضمان البصرة وجدد إيقاع العهد عليه وردّه إلى عمله من غير استئذان لمحمد بن بقيّة وكتب إليه بأنّ الصواب أوجب ذلك عنده وأنه مصعد إلى الحضرة فاغتاظ من فعله ورآه بصورة من يستهين به ويؤثر المقام بالحضرة فكتب الى عبد العزيز بن محمد الكراعى بالقبض عليه وعلى علىّ بن الحسين ففعل ذلك.
فأما علىّ بن الحسين فإنّه قرّر أمره على بعض المقاربة وردّه إلى العمل
стр. 2949
بعد خطوب جرت فيه. وأمّا الجرجرائى فإنّه أخذ خطّه بمال ثقيل فصحّ له بالبصرة شيء يسير واشترط لنفسه أن يحمل إلى بغداد ليصحّ المال إذ كان وطنه بها وفيها نعمته وإنّما كان غرضه [١] [٤٠٩] بالقهرمانة التي كانت تعزّه.
فسابقه محمد بن بقيّة إليها فاشتراه بخمسين ألف درهم منها فأسلمته وخلّت بينه وبينه. وكتب بحمله وتقدّم إلى عامله بواسط وهو محمد بن أحمد المكنى أبا غالب الصريفيني، بأن يتسلّمه حتى يصل إليه ويتولّى من أمره ما الله مسائله عنه. فتسلّمه أبو غالب ومكث فى يده أياما وأظهر أنّه اعتلّ ومات وحساب الجماعة على الله الحكم العدل.
وفى هذه السنة بدأت فتنة الأتراك بالأهواز ثمّ عمّت جميع العراق ذكر السبب فى هذه الفتنة كيف نشأت
قد كانت الإضاقة فى المال والتسحّب من الرجال زاد على بختيار حتى نبت به الديار وتعذّر عليه الاستقرار. فكان وزراؤه وكتّابه يحتالون له فلا يجدون طريقا لمصلحة ولا يتّجه لهم وجه الصواب. وكلما أمّلوا أملا خابوا، أو قصدوا عدوّا نكبوا ونكصوا. لأنّ الأبنية كانت توضع على أصول غير مستقرّة وقواعد غير قويّة فلا يبعد أن يتقوّض فيعتاص عليهم المذاهب.
فاعتقد بختيار ومحمد بن بقية عند منصرفهم من الموصل بالخيبة أن يخرجا الى الأهواز فيستقصيا على بختكين آزاذرويه ويصرفاه عن البلد ويعملا له أعمالا ويطالباه بمال ويمرّا عليه النكبة ثم يفرّقا الأتراك عن سبكتكين ويخفّفا عدد من يبقى منهم ببغداد [٤١٠] ويحتالا عليه من البعد ليستريحا منه ويحصّلا أمواله واقطاعه ونعمته ويتّسعا بذلك.
стр. 2950
فانحدرا إلى الأهواز فى شعبان سنة ثلاث وستّين. فلما صارا بواسط أنفذ إليهما بختكين ثلاثمائة ألف درهم ثم نزلا الأهواز فحمل إليهما ما يحمل إلى الأصحاب وخدمهما وبذل من نفسه الطاعة فى المحاسبة والموافقة. فلم تمض على ذلك أيام حتى ثارت فتنة بين الأتراك والديلم فى سبب صغير قد كان يجوز أن يستدرك قبل أن يستفحل ويستصعب. فاغتنماه وجعلاه ذريعة إلى إتمام ما كانا همّا به، وأجرياه على تخليط وفساد من غير تحرّز ولا احتياط.
ذكر الخطأ الفاحش والتخليط الذي استعمل فى التدبير حتى انعكس وعاد وبالا
إنّ بختيار خلف ببغداد والدته وإخوته وأولاده وحرمه وخزائنه وأكثر سلاحه وقطعة من خيله فى قبضة سبكتكين عدوّه الذي هو فى طريق التدبير عليه ومكاشفته بالعداوة. ثمّ أخذ يتطلّب عورة الأتراك الذين معه وينتهز الفرصة الضعيفة فيهم ليفسدهم على نفسه وينبّه سبكتكين على تدبيره عليه.
فكان مبدأ هذا الفساد أنّ غلاما من الأتراك نزل بسوق الأهواز دارا تجاور بعض الديلم وكان على بابها لبن مشرّج فأراد أن يبنى به معلفا لدوابّه. واحتاج ذلك الديلمي أيضا إلى شيء منه فوجّه غلامه ليأخذه فمنعه غلام التركي فلم يمتنع وخرجا [٤١١] إلى التنازع والتهاتر فخرج التركىّ من داره لينصر صاحبه ويمنع صاحب الديلمي. وخرج ايضا الديلمىّ لنصرة غلامه فأربى على التركي واستطال عليه فركب فى الوقت واستنهض الأتراك.
فثاروا بالديلم وتبادر الديلم وحملوا السلاح واجتمعوا على باب بختيار وبالباب ساحة واسعة قد ضرب فيها وجه من وجوه الأتراك مضاربه وذلك
стр. 2951
لعزة المنازل فأحاطوا به وهو سكران وسمع الصياح فنهض وركب وعمل على أن يلحق برفقائه فعارضه أحد الديلم وشتمه فثنّى عنانه إليه وهو بغير جبّة فرماه الديلمي فقتله فاستحكمت حينئذ الفتنة وطالبت الأتراك بثأر صاحبهم هذا ورموا الديلم بنشّاب كثير حتى قتلوا رجلا وجرحوا عدّة، وبرزوا بأسرهم عن البلد إلى الصحراء وتبعهم غلمانهم وأتباعهم وقعد عنهم القوّاد والأكابر فى منازلهم على طريق التوقف عن الفتنة والتمسك بالطاعة.
واجتهد بختيار فى تسكين النائرة [١] فلم يمكنه ذلك بعد التهابها [٢] فاستدعى قوّاد الديلم وشاورهم وقد كانوا يعرفون اعتقاده فى سبكتكين الحاجب والأتراك فقالوا:
- «هذا أمر قد انتشر وفى نفك منه ما فيها والصواب أن تقبض على رؤساء الأتراك المقيمين وتستولى على هذه البلاد التي كانت فى يد بختكين وتنهض إلى بغداد لتقلع عنها [٤١٢] سبكتكين وتستريح منه ومن الأتراك.» وكانت عادة بختيار أن يسمع من كل مخاطب ويتحدّث مع كل كاذب.
فتسرّع إلى قبول ما رأوه ووجّه إلى بختكين آزاذرويه وسهل بن بشر كاتبه وسباشى الخوارزمي وبكتيجور وكان حما لسبكتكين الحاجب فأحضرهم من منازلهم وقبض عليهم وقيّدهم وأدخل يده فى إقطاعات سبكتكين بالأهواز وصرف أسبابه عنها وكتب إلى البصرة بالنداء فى الأتراك والإيقاع بهم فنودي فيهم ونهبت منازلهم وهربوا عنها.
ذكر حيلة احتالها بختيار فلم تتمّ له
كان بين بختيار وبين والدته اتفاق على أن تظهر عند بعده عن بغداد إلى
стр. 2952
الأهواز وخفّة الأتراك المقيمين بحضرة سبكتكين أنّ بختيار قد توفى ليصير سبكتكين إليه معزّيا ومشاركا فى المصيبة ووافق أخاه أيضا على مثل ذلك، فإذا حضر أوقعا به وقبضا عليه. فكتب إليهما ساعة قبض على رؤساء الأتراك على الأطيار بالعمل على ذلك الاتفاق. فأشاعا ورود نعيه وظنّا أنّ سبكتكين لا يتأخر عنهما وكان أرزن وأرجح من أن يصير إليهما ولو صار إليهما لما حضر إلّا على نهاية الاستظهار. فإنّ غلمان داره المماليك أربعمائة سوى أتباعهم وسوى الديلم برسمه وسوى حجّابه ومن فى جملتهم. [٤١٣] وكان هذا الرأى من بختيار بعيدا من الصواب خليقا بالانتفاض. فاقتصر سبكتكين على مراسلتهم بالمسألة عن الخبر ومن أين صحّ، وتوقّف عن الركوب إلى أن وردت رسل أصحابه وكتبهم بشرح ما جرى على حقيقته.
فجمع حينئذ الأتراك المقيمين ببغداد وأعلمهم ما عومل به رفقاؤهم وأنّ الستر قد انخرق وانهتك وأنّ دماءهم قد أحلّت وأبيحت. فدعوه إلى أن يتأمّر عليهم ليطيعوه، فتوقف عن ذلك وراسل أبا إسحاق ابن معزّ الدولة يعلمه أنّ الحال بينه وبين بختيار أخيه منفرجة انفراجا لا التئام له وأنّ أكثر الجيش نافر عنه وأنّه ليس يستحسن أن يعدل عن طاعة مواليه وإنّ عقّوه وباينوه وأنّه يعقد الأمر له ويجمع الأتراك على متابعته وينقل الديلم عن بختيار إليه ويتكفل له بالأمر حتى يستقرّ عليه.
ذكر انتقاض [١] هذا التدبير بعد استمراره حتى ثارت الفتنة العظمى
لما قبل أبو إسحاق ابن معزّ الدولة هذا الرأى ودخل تحته، علم أنّ بختيار
стр. 2953
إمّا أن يصير جالسا فى بيته مزاح العلل فيما يحتاج إليه أو يصير إلى حضرة عمه ركن الدولة. فذهب إلى والدته وقصّ عليها القصة فمنعته من هذه الحال وأشفقت من أن يؤول إلى هلاك أحد ولديها. وصار إليها من كان مقيما بمدينة السلام من الديلم فأطمعوها فى الاستقلال بمحاربة سبكتكين [٤١٤] ومن معه من الأتراك، فجمعتهم إلى دارها بالسلاح وأصبح سبكتكين وقد نقض عليه إبراهيم ذلك الاتفاق.
فركب فى يوم الجمعة لثمان خلون من ذى القعدة من سنة ثلث مع جميع الأتراك قاصدا الحرب وناصبا، لها فبقى يومين يحاربهم تباعا، فلمّا كان فى الثالث أحرق جوانب الدار بعد أن حاصرها ونفد زاد من كان فيها واستسلم إبراهيم ووالدته وكذلك أبو طاهر ومن كان معه وسألوه أن يفرج لهم عن الطريق لينحدروا إلى واسط ولا يفضح حرم مولاه وأولاده فاستحيا وتذمّم فاجتمعوا جميعا فى حديدىّ وانحدروا وتفرّق الديلم هاربين فى مرقعات إلى بختيار وأقامت منهم شرذمة فى طاعة سبكتكين.
وكان المطيع لله أعدّ لنفسه حديديا استظهر به عند حدوث الفتنة فانحدر مع المنحدرين فأنفذ سبكتكين عدّة من الزبازب حتى ردّوه إلى داره ووكل به فيها توكيلا جميلا. واستولى على ما كان لبختيار بمدينة السلام من السلاح والدوابّ والآلات والمنازل [١] فنزل الأتراك فى دور الديلم وتتبعوا حرمهم وودائعهم وسائر أسبابهم.
وثارت العامّة من أهل السنة ناصرة لسبكتكين فقوّد من رؤسائهم القوّاد وعرّف العرفاء ونقّب النقباء وخلع عليهم وحملهم على الدواب [٤١٥] واستصحبهم وبسطهم وصار له منهم جند.
стр. 2954
خلافة الطائع لله
ذكر خلع المطيع وتسليم الأمر إلى ولده
كان المطيع لله بعقب علّة من الفالج يسترها وقد ثقل لسانه وتعذّرت الحركة عليه فانكشف حاله لسبكتكين فدعاه إلى تسليم الأمر إلى ولده الطائع [١] لله ففعل وعهد إليه فبرئ من الخلافة وخلعها وأشهد على نفسه سنة ثلاث وستّين يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من ذى القعدة. [٢]
ذكر اسباب الفتن الهائجة بين العامة حتى أدّت إلى بوار بغداد
لما انبسطت العامة الذين ذكرنا حالهم مع سبكتكين وهم الفرقة المعروفة بالسنة استضاموا الشيعة وناصبوهم لحرب وتحزّب الفريقان وكانت عدة الشيعة قليلا فتحصّنوا في أرباض الكرخ من الجانب الغربي واتصلت الحروب حتى سفكت الدماء واستبيحت المحارم وأحرق الكرخ حريقا ثانيا بعد الحريق الأول فى وزارة أبى الفضل.
стр. 2955
فافتقر التجار وغلبهم العيارون على أموالهم وبضائعهم وحرمهم ومنازلهم واحتاجوا أن يتخفّروا منهم وأى فريق كان الخفارة له قصد الفريق الآخر.
وانتثر [١] النظام وانخزل السلطان وصارت العصبية بين هذين الصنفين فى أمر الدين والدنيا بعد أن كانت فى أمر الدين خاصة وذلك أنّ الشيعة ثاروا بشعار بختيار والديلم وأهل السنة ثاروا بشعار سبكتكين والأتراك. [٤١٦]
شرح الحال فيما تأدّى إليه أمر بختيار بالأهواز وما دبر به أمره
أدخل يده فى إقطاعات جماعة الأتراك وظفر بذخيرة كانت لبختكين آزاذرويه بجنديسابور واجتمع الأتراك المشغّبون بسواد الأهواز ثم صار بعضهم الى سبكتكين وتلافى بختيار بعضهم.
ذكر السبب فى ضرورة بختيار إلى استصلاح الأتراك بعد استفسادهم
استوحش غلمان دار بختيار منه واضطربوا عليه وقصده الأتراك الذين هربوا من البصرة وعاتبوه على ما ارتكب منهم من غير ذنب وقال له الديلم:
- «إنّه لا بدّ لنا فى الحرب من فرسان وأتراك.» فاضطرب بختيار فى الرأى وترجح فيه ثم قرّره على أن أطلق بختيار آزاذرويه وجعله فى موضع سبكتكين وسمّاه حاجب الحجاب وقدّر أنّ الأتراك يأنسون به ويعدلون عن سبكتكين إليه وكتب إلى البصرة بإيقاع النداء بأنهم آمنون وألّا يعرض لهم وان يردّ ما أخذ منهم، وأطلق سباشى
стр. 2956
الخوارزمي وأقرّ بكتيجور على حمله [١] الاعتقال لمصاهرته سبكتكين. وبلغه خبر والدته واخوته وعياله فى انحدارهم إلى واسط فسار إليها.
وكتب إلى الحضرتين بفارس والرىّ يشكو ما نزل به ويسئل أن يكشف عنه وتابع المكاتبات وزاد فى تأكيدها بحسب تزايد الفتنة وكتب إلى أبى تغلب ابن حمدان فسأله إنجاده بنفسه وعسكره وعمل على أن يعتصم بعمران بن شاهين فانفذ إليه خلعا وفرسا بمركب ذهب وتوقيعا بإسقاط ما بقي عليه من مال الصلح الذي كان صالحه عليه [٤١٧] وخطب إليه احدى بناته وسأله أن ينفذ إليه عسكرا فى الماء يستعين به على حرب الأتراك وترسّل إليه فى ذلك حاجب له يعرف بإبراهيم بن إسماعيل. فلما أدّى اليه الرسالة قال له:
- «يا هذا قد جئتنا فى أمور غير متوجهة عندنا ولا لائقة بأحوالنا.»
جواب عمران بن شاهين عن رسالته وإتباعه إيّاه بكلام وافق قدرا فجرى كما قال وقدّر
- «أما هذا الدين المتروك فالتحمد علينا به مع علمنا بأنّه ساقط باطل لا يحسن لكنّا نقبل ذلك.
«وأما الوصلة فأنا رجل لا أواصل [٢] أحدا من خلق الله إلّا أن يكون الذكر من عندي والأنثى من عنده وقد خطب إلىّ الطالبيون مع أنّهم موال فما أجبت أحدا منهم الى ذلك لأنّ نفسي لا تسمح له وهؤلاء أولاد أخى هم أكفاء بناتي ما واصلت أحدا منهم ولكن إن شاء أن نتصاهر على السبيل الأخرى فعلت.
- «وأما الخلعة والفرس فلست ممن يلبس لباسكم ولا أركب الخيل لأنّ
стр. 2957
دوابّي هذه السفن لكن أبا محمد ابني يقبل ذلك ولا يردّه.
- «وأما عسكري وإنفاذه فليس تسكن رجالي الى مخالطتكم لكثرة من قتلوا من رجالكم على مرّ السنين والوقائع.» ثم قال للرسول:
- «قل له: ينبغي أن تتوقّر [١] وتترزّن ولا تستعمل هذه الخفة والنزق فقد قصدتني محاربا لى فرجعت عنى منهزما وقصدت الأهواز فرجعت منهزما على هذه الحال والصورة من الفتنة [٤١٨] وأنا أعلم أنّ أمرك سيتأدّى الى أن تجيئني وتلوذ بى وتحصل عندي وسأذكّرك هذا وتعلم حينئذ أنّى أعاملك بالجميل وبخلاف ما عاملتنى به أنت وأبوك قبلك.» فتعجّب الناس من موافقة كلام عمران هذا المقدور [٢] الكائن فإنّ الحال ببختيار آلت إلى المصير اليه والحصول عنده مستجيرا به ومستذمّا على ما سنذكره إن شاء الله.
جواب ركن الدولة عن رسالته إليه
فأمّا ركن الدولة فإنّه أجاب بجواب صدر عن نيّة صحيحة وشفقة عليه وهو أن قال:
- «إنّ الفتق الذي انفتق عليه عظيم يحتاج إلى رجال ومال وسلاح وتدبير وهيبة وطاعة وإنّه قد شاخ وثقلت عليه الحركة وإنّه بإزاء أشغال عائقة وأمور قاطعة ولكنه قد عول فى هذه الحال على ابنه عضد الدولة إذ كانت تلك الأدوات التي عددتها مجتمعة له وحاصلة عنده وإنّه سائر من فارس إليه مع جيش كثيف ويخرج إلى نصرته من عنده الوزير أبو الفتح ابن أبى
стр. 2958
الفضل ابن العميد.
وإنّما بنى ركن الدولة هذه الرسالة على ما كان يكاتبه به ابنه عضد الدولة فإنّه كان يعرف أخبار العراق يوما يوما ويطمع أن يملكها لما يرى من سوء تدبير بختيار لها ولاضطراب الأمور [٤١٩] هناك بسوء تأتّى الوزراء وسقوط الهيبة وانتشار الحيل وفساد الرعية وكان مع ذلك فاسد الرأى فى بختيار مضطغنا أشياء كان تقدّم [١] بينهما من مناقشة جرت فى وقت ومنافسة فى مرتبة ومنع مما كان يلتمسه عضد الدولة منه خاصة من دفاتر عزيزة وكان يضنّ بها بختيار وجوار صوانع محسنات كان لا يسمح بها ومن خيل عراب كان يمنع من شرائها له ويحبّ أن يستبدّ بها من البادية وكانت هذه الأشياء مجتمعة فى نفس عضد الدولة فهو يحبّ أن تستحكم الفتن ويستشرى البلاء حتى يزول أمر بختيار ثم يقصد بنفسه وخيله وأمواله ويدبّر أمر تلك الممالك لنفسه ويضمّها إلى ممالكه.
فراسل أباه ركن الدولة: «بأنّك قد كبرت عن لقاء الحروب ولا مال عندك. وعندي منه كيت وكيت فى القلاع والخزائن» . وعظّم عليه ما جمعه.
ولعمري لقد كانت عظيمة وكانت له مع ذلك هيبة فى أصحابه وتدابير مصيبة ولكنه أحبّ أن يبذلها فى خاصة نفسه لا فى معاونة ابن عمه الذي يتصوره بصورة التخلّف [٢] وتضييع الأمور وإهمالها وتفويض الوزارة وتدابير المملكة إلى من لا يرجع منه إلى رؤيّة صادقة ولا تدبير صائب ولا صناعة قوية ولا ذكر بين الناس جميل وهو [٤٢٠] مع ذلك يظهر له المنافسة ويمنعه من مطالبه ويغضّ [٣] من أقدار أصحابه الواردين عليه فى مهمّاته.
стр. 2959
وكان يكاتب أباه ركن الدولة بمثل ذلك الظاهر الجميل الذي يجمع الشفقة عليه والمحاماة عنه وتفديته بنفسه ورجاله فى نصرة ابن أخيه الذي هو ابن عمه وباطن رأيه إنّ ذلك الأمر سيضطرب اضطرابا لا تبقى معه بقية إلا باستصلاحه لنفسه دون غيره.
جواب عضد الدولة عن رسالته إليه
قد كان حبس أباه ركن الدولة عن الحركة بنفسه وأطمعه فى النيابة عنه وكفايته هذا الشغل فأجاب بختيار يشير عليه بأن يقف حيث انتهى وإلّا يزيد الأمر فسادا ولا يبرح من واسط حتى يلحقه ويدبّر نواحيه وأقبل يماطله بالمسير وزحف إليه الأتراك ومن انحاز إليهم من سائر أنواع الجند فحوصر وبلغ منه كل جهد.
ولعمري لقد صبر لهم وطاولهم ولكن مصابرة من يحتشمه عدوّه ويبقى عليه وذلك أنّه لما اشتدّ به الحصار وكان نازلا بين النخيل لا مجال لخيل الأتراك فيه وأصحابه ديلم ورجاله يستندون إلى النخيل ويراوغون فيه ولا يخلو فى خلال ذلك من مواقف يصل إليه فيها التركي المداخل المصالت فإذا علم أنّه قد تمكن منه عدوّه يذكّره بالله وبالنعمة [٤٢١] وأنّه صنيعته وصنيعة أبيه ويخاطبه بما يرقّ له القلب وتستحي منه العين فينصرف عنه التركي بعد التمكن منه ويحبّ أن يجرى قتله على يد غيره.
فلم تزل هذه حاله من الصبر على الجوع والعرى ونفاد السلاح والخوف من إقدام من لا يقبله ولا يحتشمه عليه ويكاتب عمه وابن عمه، وعضد الدولة يتوقف ويعده بالمسير مدافعة المماطل المنتظر به الهلاك وركن الدولة يضجّ من ذلك ويبعث ابنه ويستبطئه إلى أن لم يجد عضد الدولة من المسير بدّا، فسار من فارس وسار أبو الفتح ابن العميد من الرىّ وكانت عدّة أبى
стр. 2960
الفتح الوزير التي استصحبها يسيرة بالإضافة إلى ما استظهر به عضد الدولة كثرة وقوة ومددا وذلك أنّه بالغ جدّا ولم تبق بقية فى الاحتشاد ولم تكن صورته فى ذلك صورة من ينصر ابن عمه على طريق المعاونة والإنجاد ثم الانصراف، بل صورة من يجاهد ويدافع ويقيم بعد الظفر.
ولم تخف على الناس هذه الحال منه لكثرة ما استصحبه من آلات خيم المقيم التي يريد أن يستقرّ بها ويتمكن فى كل بلد بالآلات المعدّة لها من الفرش الكثير والزينة التامّة التي لا يستعملها المتوجّه [١] الى معاونة [٢] المنصرف بعد الفراغ من نصرة من توجه لنصرته.
جواب أبى تغلب
فأمّا جواب أبى تغلب ابن حمدان عن رسالته [٤٢٢] فإنّه أجاب بالمسارعة والإنعام وأنفذ أخاه أبا عبد الله الحسين بن ناصر الدولة إلى تكريت فى جمع من جيشه فأقام بها مدة طويلة انتظارا بما يكون من انحدار الأتراك عن بغداد إلى محاربة بختيار فيردّها. ولمّا تمادى الأمر وانحدر بعد ذلك سبكتكين كما سنحكيه، سار أبو تغلب بجميع جيشه إلى مدينة السلام ليوجب على بختيار الحجة فيما بذل له خطّه من إبطال ما تقرر بالموصل وعمل ببغداد ما سنصفه إن شاء الله.
ذكر الرسائل التي تردّدت بين سبكتكين وبختيار
ثم إنّ سبكتكين راسل بختيار ب:
- «انّك قد جنيت على نفسك جناية عظيمة بما ارتكبته ودبّرته وإنّ كل ما
стр. 2961
تعمله وتتصرف فيه خطأ وغلط وإنّ الأمر الآن قد خرج عن اليد فاخرج لى عن واسط حتى تكون هي وبغداد فى يدي بإزاء أموال الأتراك التي قد حصلت علىّ وتكون البصرة والأهواز ونواحيها فى يدك بازاء أموال الديلم واجعل أمرى وأمرك واحدا ولا تدخلنّ بيننا أحدا ولا تفتح للحرب بابا فلست من رجالها وأنا ناصح لك مشفق عليك. حافظ وصيّة مولاي فيك التي ما حفظت مثلها فىّ.» فعرض بختيار هذه الرسالة على الديلم فأنكروها وأكبروها واستخفّوا بقائلها والمتحمّل [١] [٤٢٣] لها وردّوه بالخيبة والمنابذة فجدّ سبكتكين واستعدّ للحرب وقدم كتابا من الخليفة إلى بختيار ينذره فيه وأجيب عنه بما ليس هذا موضعه ووصل جواب هذا الكتاب إلى الطائع لله وإلى سبكتكين وقد انحدرا عن بغداد وانتهيا إلى دير العاقول ومع وصوله توفّى المطيع لله وكان انحدر مع ابنه الطائع لله وحدث بسبكتكين علّة الموت فمكث فيها بدير العاقول أربعة أيام وتوفّى فحمل إلى مدينة السلام.
اجتماع الأتراك على ألفتكين بعد موت سبكتكين
وتماسك الأتراك وثبتوا واجتمعوا على ألفتكين مولى معزّ الدولة وكان يتلو سبكتكين عند معزّ الدولة وله رئاسة فى الأتراك وحشمة قديمة [٢] ولقاء فى الحروب للأعداء فعقدوا له الرئاسة عليهم وعمل على إتمام العزيمة فى اللقاء. وكان عبر بختيار إلى جانب واسط الغربي وأخلى الشرقي وجمع السفن والزواريق إليه ولم يترك من آلات الماء شيئا فى الجانب الشرقي ونقل التنّاء وطبقات الناس إليه وضرب مصافّه فى منازل واسط وعمل على
стр. 2962
مناجزة الأتراك ولقائهم بالديلم إمّا مناجزة ان ثبتوا له وإمّا مصابرة الى أن يأتيه الغوث من الرىّ وشيراز. وكان استبشر بما اتفق على الأتراك من موت زعيمهم وقدّر أنّهم يضطربون وينتشر أمرهم ثم عرف انتظام أمرهم فتوقف [٤٢٤] عن الإصعاد.
واجتمع الأتراك وزحفوا وعقدوا جسرا بسفن كانت معهم من بغداد وكانت معهم أيضا زبازب كثيرة وجيش للماء وعلى مقدمتهم حمدان بن ناصر الدولة فاستأمن حمدان إلى بختيار بكلّ من معه وعبر من الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي فأكرمه بختيار ووصله.
ذكر السبب فى تسييرهم حمدان مقدمة والسبب فى استئمانه إلى بختيار
كان حمدان بن ناصر الدولة ببغداد عند حدوث هذه الفتنة. فدعاه سبكتكين إلى طاعته فأجابه وأخذ عليه العهود والمواثيق بالنصيحة والموالاة وإنّما سكن إليه للعداوة التي بينه وبين أبى تغلب ولأنّ أبا تغلب حافظ على مودة بختيار وواصله ونصره وظاهره فأنفذه سبكتكين على مقدمته.
فلمّا توفى سبكتكين كتب إليه ألفتكين يعرفه وفاته وانتصابه فى موضعه ويستدعيه إليه ليستأنفا إيقاع التدبير ويتفقا على المسير.
فاعتقد حمدان حين وقف على هذا الكتاب أنّ أمر الأتراك قد اختلّ نظامه بوفاة سبكتكين وعزم على المصير إلى بختيار وكان عرف أيضا مسير عضد الدولة وخيول ركن الدولة. فأنفذ كتاب ألفتكين الوارد عليه إلى بختيار وأعلمه أنّه سيعود إلى ألفتكين ثم ينحدر إليه واشترط شروطا واقترح اقتراحات. فورد ذلك على بختيار وقد عبر إلى الجانب الغربي ولمّا اجتمع حمدان مع ألفتكين ردّه [٤٢٥] على مقدّمته كما كان فى أيام سبكتكين.
стр. 2963
فوافى بمن معه من غلمانه وأسبابه وعبر مستأمنا إلى بختيار فتلقّاه وأكرمه وحمل إليه مالا كثيرا وثيابا فاخرة وعدّة وافرة من الخيل والمراكب والبغال والجمال. وضعفت نفوس الأتراك فتوقفوا يوما ثم زحفوا بأسرهم ونزلوا على دون الفرسخ من واسط وعبروا على جسرهم وتقدموا إلى مصاف بختيار فكانوا يواقعونه بنوائب [١] واتصل ذلك نحو خمسين يوما.
وتجاسر العوامّ من الجانبين على استعمال المشاتمة الفاحشة والمسابّة المقذعة. واتفق على حمدان أنّه حمل على الأتراك فى بعض هذه الأيام فرموه ووقع بعض سهامهم فى سماخ [٢] فرسه فرمى به ونهض ليركب غيره وعليه الحديد فلم يتمكن من ذلك وعرفه الأتراك فأكبوا عليه بالدبابيس حتى أثخنوه وكاد يتلف. ثم أخذوه أسيرا لا فضل فيه فعولج وبرأ إلّا أنّه لحقه عرج ظاهر من وركه الأيمن وبقي على ذلك بقية عمره ثم من عليه ألفتكين وأطلقه وأخذ منه رهينة وأعاده إلى حاله فشهد معه الحرب يوم ديالى إلى أن انهزم الأتراك وانحاز إلى عضد الدولة.
ولم تزل الحرب بين الديلم والأتراك متصلة بواسط والاستظهار للاتراك [٤٢٦] وأشرف الديلم على الانكسار والهرب دفعات وقتل من الديلم خلق كثير لنقصان جننهم واستظهار الأتراك عليهم بالاسلحة واشتد على بختيار الحصار وأحدق به وصار فى مثل كفّة الحابل [٣] وأحاط به الأتراك من كل وجه وكانت صورته كما ذكرت فيما تقدم.
واتصلت كتبه إلى أبى تغلب يسأله الانحدار، وإلى عضد الدولة يسأله اللحاق ويعلمه أنّ مملكته قد خرجت من يده وأنّه أحق بها ممن غلب عليها
стр. 2964
حتى إنّه كتب إليه فى بعض كتبه البيت الذي كتب به عثمان إلى أمير المؤمنين علىّ صلوات الله عليه: [١] فإن كنت مأكولا فكن خير آكل وإلّا فأدركنى ولمّا أمزّق فأمّا أبو تغلب فسار بجميع عسكره بعد أن كان قدّم أخاه الحسين كما كتبنا خبره فيما تقدّم، وصار إلى مدينة السلام فألفاها مفتتنة بالعيارين فقمعهم وقتل جماعة منهم وحمل من بغداد إلى الموصل أشياء كثيرة ظفر بها من آلات فاخرة وأنقاض جليلة وذخائر وودائع.
وأمّا عضد الدولة فإنّه سار بعد ما ذكرته من التوقف والإبطاء، واجتمع مع أبى الفتح ابن العميد بالأهواز.
ذكر السبب فى رجوع ألفتكين إلى بغداد وهرب أبى تغلب عنها إلى الموصل
لما سمع ألفتكين بخبر عضد الدولة وحصوله بالأهواز نخب قلبه ورأى أن يحصل ببغداد ويجعلها [٤٢٧] وراء ظهره وتكون حربه على ديالى.
قال صاحب هذا الكتاب:
كنت فى جملة السائرين من الرىّ فى صحبة أبى الفتح ابن العميد وما كان إشفاقنا ولا حذرنا كلّه إلّا من سبق الأتراك إيانا إلى أسفل واسط إلى الموضع المعروف بباذبين وأن يجعلوا النهر وراءهم مع المدينة والميرة وأن يتركونا حتى نقطع إليهم مفازة بنج وبنج [٢] ونلقاهم على إعياء وكلال وليس وراءنا عمارة ولا نجد ما ننزل عليه فإن طاولونا أياما كان الهلاك وإن ناجزونا حين ورودنا كانوا جامّين مستريحين ونحن على حال تعب وضعف
стр. 2965
وكنّا من كثرة العدد على ما وصفت فيما تقدم.
فلم يوفّق الأتراك لذلك وانصرفوا إلى بغداد ورأوا من الصواب لهم أن يملكوا بغداد ويجعلوها وراء ظهورهم وتكون حربهم على ديالى فكانت الخيرة لنا فيه ودخلنا واسطا بغير مانع. وقد كان بختيار وأخواه ومحمد بن بقيّة تلقّوا عضد الدولة لما انصرف الأتراك عنهم وترجّلوا له وأعظموه كما يستحق وسار عضد الدولة فى الجانب الشرقي وتقدم إلى بختيار أن يسير بإزائه من الغربي ممتدين إلى بغداد.
فأمّا ألفتكين فإنّه لما توسط فى مسيره إلى بغداد أنفذ سرية فى أربعمائة غلام من الأتراك لكبس أبى تغلب فأرهقوه وشغب مع ذلك جنده عليه فهرب [٤٢٨] إلى الموصل هربا قبيحا وتقطع عسكره. وحصل ألفتكين ببغداد فى حصار شديد قد أحدقت به الخيول من كل وجه وذاك أن بختيار كاتب [١] ضبّة بن محمد الأسدي وهو رجل من أهل عين التمر كثير العشائر وقد جرت عادته بالتبسط بأن يشنّ الغارات على أطراف بغداد ويمنع من جلب الميرة إليها ففعل ووجد الطريق إلى بغيته فنهب السواد وقطع السبل.
ثم أنفذ فى الجانب الشرقي ابن أخ لمحمد بن بقية وزيره يعرف بأبى الحمراء وهو لقب غلب عليه، مع طائفة من بنى شيبان ليتطرف بغداد ويحاصرها من ذلك الوجه وكانت خيول عضد الدولة والرىّ وبختيار متوجهين إليه سائرين لحروبه وكان أبو تغلب من ناحية الموصل يمنع الميرة وينفذ إليه سراياه ورجاله. فاشتد الحصار به وعزّت الميرة وانحسمت موادّها وثارت الرعية فنهبت الموجود فى المدينة وامتنع الناس بالفتنة أن يتسوقوا أو يتعيشوا [٢] وأعيت ألفتكين الحيلة فى التماس ما يحتاج إليه وصار يتتبع
стр. 2966
المواطن التي يظن فيها قوتا أو بذرا أو عدة يتناول ذلك حتى انتهى به الأمر إلى أن ركب بنفسه إلى منزل بعض الأشراف فكبسه وأخذ ما فيه.
وسار عضد الدولة كما حكينا فى الجانب الشرقي وبختيار بازائه فى الغربي فلما صار بدير [٤٢٩] العاقول عبّى عسكره تعبئة اللقاء وجعل موكب خاصته فى القلب وفى ميمنته أبا الفتح ابن العميد وجيش الري وفى ميسرته أبا إسحاق ابراهيم بن معزّ الدولة ومحمد بن بقية وطائفة من عسكر بختيار ونزل المدائن على هذه الحالة من الترتيب. وورد خبر الفتكين بأنه برز إلى ديالى ونزل عليه مستعدا للحرب وعقد عليه جسورا ليعبر عليها واعتقد أن يلقى العساكر فى فضاء بين ديالى والمدائن وظن أنّه يتمكن بالجولان فيه مما يريده وذلك فى سنة أربع وستين وثلاثمائة.
وعبر ألفتكين تلك الجسور ولم يقع فى الظن أنّه يعبر ديالى ولا أنّه يترك التحصن به والقتال من ورائه فسار عضد الدولة على تعبئة وهيئة حتى انتهى إلى قرية هناك وتراءت مواكب ألفتكين وقد عبّاها كراديس واعترض نهر صغير فى هذه القرية فوقع التشاغل به إلى أن عبرته العساكر وصاروا مع تلك الكراديس فى أرض واحدة [١] .
ذكر عجلة وقعت وحرص ظهر من جيش بختيار الذين كانوا فى ميسرة عضد الدولة فكانوا يكسرون العسكر
تقدم الجيش البختيارى المرتب فى الميسرة مع أبى إسحاق وابن بقية زحفا بغير أمر وفارق المصافّ وخرج عن النظام حرصا على إظهار فضل
стр. 2967
وغناء، وتشوّقا إلى اللقاء فراسلهم عضد [٤٣٠] الدولة ونهاهم فلم ينتهوا على ما اعتادوه من الاستبداد حتى لحّجوا [١] واستجرّهم الأتراك حتى صاروا بالبعد من العسكر فعطف الأتراك عليهم وقتلوا خلقا منهم وتابعوا [٢] الحملات عليهم وأكثروا النكاية فيهم فحينئذ عرفوا الخطأ الذي ركبوه وأنفذ عضد الدولة طائفة من الرجال إليهم فلم يغنوا عنهم وحصلوا فى مثل حالهم.
فلمّا رأى ذلك زحف على نظامه وهيأته حتى اتصلوا بهم بعد أن أشرفوا على الهلاك. فلمّا قرب من جمرة القوم ومجتمعهم حمل عليهم فلم يثبتوا واستأمن بعضهم وحكم السيف فى الباقي فقتل خلق منهم وألجأتهم الهزيمة إلى تلك الجسور التي عقدوها على ديالى فازدحموا عليها وأرهقهم الأمر فهلك منهم ومن العيّارين الذين وازروهم بالقتل والغرق خلق كثير وركب عسكر عضد الدولة أكتافهم وعبروا تلك الجسور على آثارهم فاستباحوا عسكرهم وسوادهم وألقوا النار فى خيمهم وخركاهاتهم وأدركهم الليل فبات هؤلاء وهرب أولئك لا يلوى أحدهم على صاحبه.
وأنفذ عضد الدولة فى ساعة الفتح بشيرا إلى بختيار وذلك يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الاولى سنة أربع وستّين وثلاثمائة وأقام على ظاهر [٤٣١] المدينة إلى أن عرف خبر الأتراك ثم دخل المدينة فى أحسن زىّ وعدّة وطواه متجاوزا إلى باب الشماسية وبختيار يسير بإزائه ويعسكر بحياله وأقام بموضعه إلى أن بعد الأتراك وورد عليه خبرهم من تكريت وأنّهم وصلوا إليها على حال قبيحة من التقطع والتمزق واختلاف الكلمة فحينئذ انثنى الى النزول فى داره. واشتغل قلبه بالطائع لله وحصوله مع الأتراك وتصرّفه على ما يحبون والتنقل معهم فبث إليه رسله وقد كان راسله
стр. 2968
قبل ذلك ولم يزل معه بالتلطف والرفق حتى ردّه إلى دار الخلافة ومواطن الائمة.
ذكر ما جرى بين بختيار وبين جيشه وما كان من اعتزاله إياهم وما كان من إنكار ركن الدولة لذلك وما تمّ من الحيلة عليه من انتقاضه وعوده إلى منزلته [١] وحالته
لما تمّ هذا الفتح لعضد الدولة لم يشكّ أحد ممن دنا وبعد فى أنّه يستولى على هذه المملكة ويضيفها الى مملكته لضعف بختيار عنها واشتغاله بضروب اللهو واللعب وتجاسر الديلم والأتراك عليه. ففكّر فى حديث الناس وعلم أنّ أباه ركن الدولة لا يصبر على ذلك ولا يحتمله له. فاتخذ دعوة دعا إليها بختيار وإخوته ومحمد بن بقية وسائر عسكر بغداد وخلع عليهم ضروب الخلع على مقدار مراتبهم وجعل ذلك كالوداع وأظهر [٤٣٢] الرحيل إلى فارس وأمر بإعداد الميرة فى المنازل.
ووافق فى السر رؤساء الجند أن يثوروا ببختيار ويشغبوا عليه ويطالبوه بأن يطلق أموالهم ويغير أحوالهم ويحسن [٢] مجازاتهم عن صبرهم عليه وثباتهم معه وبذلهم الأنفس فى محاربة الأتراك دونه. ففعلوا ذلك وبالغوا فى الشغب والاقتراحات وبختيار صفر اليد لا يملك ذخيرة ولا تصل يده مع خراب النواحي واتصال الفتن إلى درهم واحد.
فراسله عضد الدولة سرّا وواقفه على مقابلتهم بالتشدد والغلظة والصدق عن الحال وانّه لا يعدهم بما لا يقدر عليه وأن يفصح لهم بالاستعفاء عن
стр. 2969
الرئاسة وأنّه قد برئ إليهم منها ووعده أن يتوسط حينئذ بينهم ويقرره على ما يحب.
فلم يجد بختيار عدولا عن ذلك ولا عرف وجه حيلة سوى ما أشار به عليه فبادر إليه واستعفاهم من رئاسته وأغلق أبوابه وصرف كتّابه وأسبابه وراسله فى الظاهر بمقاربة القوم وتدبيرهم فأجابه: بأنّى لست أميرا عليهم ولا معاملة بيني وبينهم فلينظروا لأنفسهم وليعقدوا لمن شاءوا.
واتصلت هذه الرسائل ثلاثة أيام والشغب يزيد إلى أن أعلنوا بالقبيح وكادوا يزحفون إليه ويأتون عليه فاستعاذ بعضد الدولة وطلب منه ما كان وعده به [٤٣٣] من التوسط فراسلهم عضد الدولة بما سكن منهم وأمرهم بالتفرق ووعدهم بالنظر فى أمرهم.
ثم استدعى بختيار إلى داره وقد كان خائفا مرعوبا واستدعى أخويه على طريق الإشفاق عليهم والحذر من أن ينصبوا أحدهما علما للفتنة فيفتحوا به بابا إلى الفرقة وراسلهما بختيار أيضا بمثل ذلك حتى حضرا جميعا.
ثم جمع الرجال وجماعة الجند وأعلمهم أنّ استيفاء بختيار من النظر واعتزاله إيّاهم وافق محبة منه للنظر فى أمورهم وضمهم إلى نفسه وأنّه يخلطهم بعسكره ويشملهم بإحسانه وأنّه المتولى للأمر وأنّ بختيار إنّما كان خليفة له ولركن الدولة وأنّه الآن قد استعفى فاعفى وبرئ فأبرى. فسكنوا وتفرقوا ووثقوا بوفائه وأنّه من وراء ذلك. وأمر باستظهار على بختيار وأخويه ووكل بهم ثقاته وذلك يوم الجمعة لأربع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وستّين وثلاثمائة وجمع بينهم وبين الوالدة.
فأمّا الخليفة الطائع لله فإنّه كان نافرا من بختيار للحروب التي جرت بينه وبينه ولأنّ انتصابه فى الخلافة جرى على يد غيره فى غير أيّامه وسكن إلى عضد الدولة وذمامه.
стр. 2970
فلمّا اتصل به ما اختاره بختيار لنفسه من الخلع سكنت نفسه وهو حينئذ مع الأتراك وعند ألفتكين بتكريت [٤٣٤] فجرت بينه وبينهم مناظرات فى الرجوع الى بغداد فسألوه الامتداد معهم إلى الشام فلم يمكن ذلك لأنّ القوم منهزمون وعلى حال اضطراب فوعدهم من نفسه إذا ثبتت أقدامهم وكان له قوة وفيهم منعة أن يحتال لهم ويعود إليهم أو يدبر لهم فى الاجتماع معهم.
فاتفقوا على ذلك وانكفأ الطائع لله إلى داره ورحل الأتراك الى الشام [١] .
عضد الدولة يأمر بعمارة دار الخلافة
وتقدم عضد الدولة بعمارة دار الخلافة وتطرئتها وتجديد فرشها وآلتها وترتيب أسباب الخدمة فيها والتزم فى ذلك مالا جليلا وأخرج الجيش إليه متلقّين واستقبله بنفسه يوم الخميس لثمان خلون من رجب سنة أربع وستّين وكان أول اجتماعهما وانحدر معه فى حديدىّ كان أنفذه إليه ودخلا بغداد.
وكان طرح لعضد الدولة بين يديه كرسىّ وقد كان قبّل عضد الدولة الأرض له وجلس على الكرسىّ وأطافت بهما الزبازب والطيارات فى الماء وسار الجيش على شاطئ دجلة ودخل الخليفة داره واستقرّ على سريره.
وأنفذ عضد الدولة إلى خزائنه مالا كثيرا وثيابا وفرشا جليلا من جميع الأصناف وعدة من الخيل والمراكب والرقيق [٢] والآلات وقرّر يده فى ضياع الخدمة المرسومة بالخلفاء وقد كانت متشذبة قد تحيفها أسباب [٤٣٥] معز الدولة ثم أسباب بختيار فمنهم من تغلب على حدودها ومنهم من استقطع الخيلفة بعضها ومنهم من ضمن منها ما لم ينصفه من نفسه فيه ولم يسهل إخراج يده عنه فردّ عضد الدولة ذلك كله إلى حقّه.
стр. 2971
فأمر الطائع لله بإنشاء الكتب عنه إلى النواحي باستقامة أحوال السلطان وتعفّى آثار الفتنة وتألف الشمل وكتبت وفرّقت فى الممالك كلها.
خبر عصيان المرزبان ابن بختيار بالبصرة وعصيان ابن بقية بواسط
أما المرزبان فإنّ عضد الدولة سام بختيار أن يكاتبه بالاصعاد وكان متوليا البصرة ليرضى بما رضى به أبوه من خلوّ الذرع من تدبير الجند والرعية فكاتب وأنفذ كتابه على يد ثقة من ثقاته يعرف بعلى بن محمد الجوهري وكان صحبه من شيراز ووصّاه بموافقة محمد بن دربند وكان اسفهسلار جيش البصرة وهو قريب للحسين بن ابراهيم وهو متقدم فى جيش عضد الدولة.
ولم يقع فى نفس أحد أنّ المرزبان يمتنع ويحدث نفسه بالعصيان لصباه وصغر سنه ولأنّ جيشه من الديلم وهذا المدبر للجيش الذي ذكرناه يهوى هوى عضد الدولة ويرى رأيه.
فلقى على بن محمد الجوهري فى طريقه صاحب دواة لعز الدولة بختيار يقال له: عيسى بن الفضل الطبري، قد كان أصعد عن البصرة فعرّفه الصورة واستعمل فى إخراج هذا الحديث إليه غير الحزم والصواب [٤٣٦] فثنى وجهه عائدا إليه إلى البصرة وسبق إلى المرزبان بالخبر فأشعره الوحشة وأعلمه أن أتاه مكرهة ولقّنه العصيان.
فلمّا ورد الجوهري على أثره البصرة بدأ بمحمد بن دربند وأوصل ما كان معه من الكتب إليه فصار به وبها إلى المرزبان وعندهما أنّه غافل فوجده مستعدا للخلاف وقبض عليهما جميعا وأظهر الخلاف وكاتب ركن الدولة بالبكاء والنوح وأعلمه ما جرى على أبيه بختيار وعمومته وأنّ جميع ما
стр. 2972
يكاتب من جهة عضد الدولة ووزيره أبى الفتح ابن العميد عن بختيار إنّما هو تمويه وأنّ الحيلة استمرت وتمت لهما على القبض على أبيه وأنّه امتنع ثقة بتداركه إياه ومعه وأنفذ قاصدين عدّة بكتب متوالية.
وكان لمحمد بن بقية خليفة بالأهواز من جنسه فى الانسلاخ من صناعة الكتابة [١] يقال له محمد بن عبدان الأهوازي. فلمّا بلغه ما جرى احتوى على ما قدر عليه من المال وأثبت عدة من الرجال وصار الى البصرة داخلا فى سواد [٢] أهل العصبية فغلب على المرزبان وشحذ بصيرته فى العصيان ودخل فى وزارته ووعده الكفاية.
وأما محمد بن بقية فقد ذكرنا حاله فى البعد من كل فضيلة وكان يتموّه أمره فى أيام بختيار فأما فى دولة عضد الدولة فما كان أبعده من أن يكون عريفا من عرفاء الرجالة ببابه فضلا عن أن يختلط بوزرائه وكتّابه. ولكن أظهر مساعدة كثيرة [٤٣٧] لعضد الدولة فيما كان يدبره وخدمة فيما كان يراه، وإنّما فعل ذلك حذرا على نفسه وخوفا أن يردّ الى مرتبته وعلما بأن بختيار إن عادت يده فى التدبير قبض عليه وطمع فيه وعامله بما عامل به وزراءه الكفاة عند حاجته إلى المال وكره عضد الدولة أن يخلطه بوزرائه الكفاة مثل نصر بن هارون وكان معه فى هذه الوقعة وهو شيخ الكتّاب قد سلّم له صناعة الحساب خاصة فينسبه الناس الى قلة المعرفة بالرجال ونقصان الرعاية لأهل السابقة والتقدم فى الكفاية وكره أيضا أن يصرفه صرفا قاطعا فيكون قد خيّب ظنه وأكذب تأميله فاستوزره لابنه أبى الحسين ابن عضد الدولة وعرض عليه ما يشاء أن يتقلده من الأعمال فاختار واسطا وتكريت وعكبرا وأوانا وقاطع على هذه الأعمال ووفّر على ما كان العمال
стр. 2973
يدخلون فيه زيادة عظيمة، فأمر عضد الدولة أن يعقد عليه جميع ذلك.
واقترح ابن بقية إقرار اللقب والتكنية السلطانية ولباس القباء عليه.
فأجيب الى ذلك وخلع عليه خلعا نفيسة وحمل على دواب بمراكب ذهب وأقطع خمسمائة ألف درهم ورسم له حضور مجالس المؤانسة والمنادمة ولم ينقصه من جميع عاداته إلّا اسم الوزارة لأنّه بالحقيقة لم يكن يتولاها على رسوم الوزراء فيخاطب بها فأظهر سرورا عظيما وشكرا كثيرا ودعاء متصلا وكل ذلك على دخل [١] [٤٣٨] وغلّ قد أضمره وانحدر الى واسط.
وقد كان عمران صاحب البطائح مستوحشا فأحبّ أن يتعلق مع تجدد ملك عضد الدولة بذمام، فأنفذ كاتبه يلتمس عهدا ومنشورا وعقدا وتقريرا، فأجيب إلى ذلك.
والتمس أبو تغلب ابن حمدان صاحب الموصل مثل ذلك وضمن حمل المال الذي كان يحمله قديما إلى بختيار فأجابه عضد الدولة الى ما سأل وأعفاه من حمل المال لمكاتبة قديمة كانت بينهما ومودة سالفة، وعقدت أعمال الأهواز على سهل بن بشر النصراني وخلع عليه فشخص إليها وكان محبوسا فى يد بختيار وقد جازفه وصادره. وفرقت أعمال السواد على العمال ودبر الأمور كلّها أبو منصور نصر بن هارون.
ولم يبق فى نفس عضد الدولة شيء يتعلق به نفسه إلّا انتزاع البصرة من يد المرزبان. فلمّا حصل ابن بقية بواسط خلع الطاعة وأظهر الخلاف وقبض على من ضم اليه من القواد وأظهر أنّه امتعض لصاحبه بختيار وكان هو المشير [٢] بجميع ما جرى متابعة لرأى عضد الدولة.
ثم كاتب عمران بن شاهين يستدعى منه المعاضدة ويحذّره تدابير
стр. 2974
عضد الدولة وأنّه ليس ممن يصبر له [١] على محاورته بتلك الحال فأجابه عمران الى ما سأل.
وكاتب المرزبان ابن بختيار يلتمس منه أن يمدّه بالرجال والمال والسلاح فلم يجد عنده ما يحبّ، لتهمته بالانحراف عنه وعن أبيه [٤٣٩] وعلم أنّه يريد أن يقيم سوقا لنفسه وأحجم ابن بقية عن المصير إليه لتقلد الأهوازي وزارته فبنى أمره على أنّه متى وقع الطلب له هرب إلى عمران وقصد أعمال نهر الفضل فيتغلب عليها. وكتب إلى سهل بن بشر ما أغواه حتى استجاب له وسلك سبيل إرادته. وقد كان عضد الدولة عزم على إنفاذ عسكر الماء لفتح البصرة فلمّا عصى ابن بقية جعل همّه كله واسطا فأنفذ إليه عسكرا قويا فخرج إليه فى آلات الماء فيمن أمدّه بهم عمران من رجاله.
ووردت كتب ركن الدولة على المرزبان بأن يتماسك بالبصرة وشجّعه على مقاومة عضد الدولة ووعده بالمصير إلى بغداد بنفسه لإزعاجه وتمكين بختيار وكذلك فعل فى مكاتبة ابن بقية وأبى تغلب ابن حمدان فاضطربت هذه النواحي على عضد الدولة وضاق به الأمر وتجاسر عليه الأعداء من كل وجه وانقطعت عنه موادّ فارس والبحر ولم يبق فى يده إلّا قصبة بغداد وتجاسرت العامة عليه وأشرف على صورة قبيحة.
فرأى أن ينفذ أبا الفتح ابن العميد إلى أبيه ركن الدولة متحملا [٤٤٠] رسالة عنه يصدقه فيها عما جرى ويعلمه فيه بعده عن ممالكه وتضييعه الأموال التي أنفقها، وأنّه قد خاطر مع ذلك بنفسه وجنده كما خاطر هو بوزيره وأكثر جنده، وأنّه قد هذّب [٢] مملكة العراق واستعاد الخلافة إلى ممالكه، وأنّ بختيار ليس ممن تستقر بنظره دولة ولا تعتدل على يده مملكة،
стр. 2975
وأنّه إن خرج عن العراق على تلك الصورة لم يبعد أن تضطرب الممالك كلها ثم لا يمكن تلافيها، ويسأله المدد والإمساك عن نصرة من تفسد على يده مملكته وممالكنا معا وقال لأبى الفتح ابن العميد:
- «انظر فإن تيقظ للأمر ونجع فيه هذا القول وأشباهه فاقتصر عليه، وإن رأيته مقيما على رأيه فزد فى الرسالة وقل له: إنّى أقاطعك على أعمال العراق وأحمل إليك عنها ثلاثين ألف ألف درهم وأنت فقير لا مال لك ولا عدة عندك لمثل هذه الحال إن عادت إليك وأنا أعجل لك من جملتها عشرة آلاف ألف درهم وأبعث بختيار وأخوته إليك لتجعلهم بالخيار فإن شاءوا أقاموا فى أوساط ممالكك ومكّنتهم من أى البلدان اختاروه، وإن شاءوا أن يصيروا إلى فارس فيختاروا من أعمالها أى البلدان أحبوه إلى ذلك ووسعت عليهم فى النفقات وأرغدت عيشهم فى أوساط ممالكنا ولم تتركه فى هذه الديار التي استضعفه أهلها وعرف جنده سيرته [٤٤١] فيها وانّ الخلافة تخرج عن يده وأيدينا وهو يضعف عن سياسة جنده ويعتمد فى التدبير على الجبايات والمصادرات وتمكين من يرتفع له فى الوقت على يده مالا يقع موقعا من حاجته ثم يضطر إلى نكبته واعتماد غيره. على أنّ هذا الباب أيضا قد انسدّ ولم يبق فيه بقية مما عمله قديما وقد عرف ذلك من نفسه ولذلك استعفى من الأمر. وان أحببت أن تحضر بنفسك العراق لتلى التدبير وتكون سائس الخلافة وبيت الملك ووليت الأمر وتردّ بختيار الى الرىّ فأنصرف الى فارس، كان ذلك وجها من الرأى صحيحا.» وقال لابن العميد:
- «وينبغي أن تتبسط فى هذا المعنى فإنّك تجد فيه مقالا واسعا فإن لان لك وعرف صواب قولك وإلّا فزد فى الرسالة فصلا ثالثا تجبهه به وهو: إنّك أيّها الوالد السيد مقبول القول والرأى والحكم، ولكن لا سبيل الى إطلاق
стр. 2976
القوم بعد مكاشفتهم والقبض عليهم وإظهار العداوة لهم. فإنّهم لا يصلحون لى أبدا ولا تنقى جيوبهم ولا تصحّ نياتهم وسيقابلوننى بغاية ما يقدرون عليه فيضطرب الحبل وتنتشر كلمة أهل هذا البيت أبدا. وإن أبيت أن تقبل أحدى الخصال التي عددتها لك وخيرتك فيها وحكمت بانصرافي على هذه الجملة فإنّى سأضرب أعناق هؤلاء [٤٤٢] الثلاثة الأخوة- يعنى بختيار وأخويه- وأقبض على من أتهمه من حزبه وأخرج وأترك العراق شاغرة ليدبرها من اتفقت له.» فقال له أبو الفتح ابن العميد:
- «هذه رسائل صعبة لا يمكنني أن أتلقى ركن الدولة بها وأنا صاحبه ومدبر أمره فإنّى أعرف نصرته لمن ينصره من الغرباء وتصميمه عليه وبلوغه غاية جهده فيه فكيف لبنى [١] أخيه! ولكن الصواب أن يتقدمني إليه من يفرغ جميع ذلك فى أذنه من جهتك ثم أتلوه شافعا له ومتمما ومشيرا.» فتقرر الأمر على ذلك ونفذ فيه من جهة عضد الدولة [ونفذ فيه] [٢] ومن جهة أبى الفتح ابن العميد أبو العباس ابن بندار وكان الأمير ركن الدولة يأنس به قديما فتوجهت الرسل وشخص ابن العميد على جمازات عددها مائة يتلوهما.
فلمّا بلغ الرسولان الأولان إلى ركن الدولة وشرعا فى تأدية الرسالة وعرف الغرض الأخير منهما لم يمكنهما من إتمام الرسالة ووثب إلى الحربة التي تلى مجلسه فتناولها وهزّها وهرب الرسولان إحضارا من بين يديه.
فلمّا سكن غضبه استعادهما وقال:
- «قولا لفلان- يعنى عضد الدولة وسمّاه بغير اسمه-: خرجت إلى نصرة
стр. 2977
ابن أخى أو الطمع فى مملكته؟ أما عرفت أنى نصرت الحسن بن الفيروزان وهو غريب منى مرارا كثيرة أخرج فيها كلها عن [٤٤٣] ملكي وأخاطر بنفسي وأحارب وشمكير وصاحب خراسان حتى إذا ظفرت وتمكنت من البلاد سلّمتها إليه وعدت من غير أن أقبل منه ما قيمته درهم فما فوقه طلبا للذكر الجميل ومحافظة على الفتوّة؟ أتريد أن تمتنّ أنت علىّ بدرهمين انفقتهما علىّ وعلى أولاد أخى ثم تطمع فى ممالكهم!» وخرج هؤلاء الرسل لا يملكون أرواحهم إشفاقا مما رأوا منه ومما ظهر من غيظه وغضبه.
ابن العميد يحجب عن دار الإمارة
وبلغ ابن العميد الرىّ وهو الوزير المقرب والأمين المتمكن وعند نفسه أنّ صورته كما كانت فحجب عن دار الامارة وردّ عنها أقبح ردّ وروسل به:
- «إنّك خرجت من عندنا ناصرا لبختيار ومدبرا عسكرنا وعسكر فناخسره حتى يستقيم أمر أولاد أخى ثم تأتينى الآن فى صورة فيج [١] تتحمل رسالة فناخسره فيما يهواه حتى يكون مكان أخى وأولاده ويطمع منّى فى أن أرخص له فى القبض عليهم وإزالة نعمهم ويتهددني بالعصيان! أمّا أنت فقد عرفت أنّك اخترته علىّ وسوّلت لك نفسك وزارة العراق ونزهة دجلة! ارجع اليه على حالك فو الله لأصلبن أمّك وأهلك على باب دارك ولأبيدنّ عشيرتك ومن يتصل بك عن وجه الأرض ولأتركنّك وذلك الفاعل (يعنى ابنه) تجتهدان ثم لا أخرج إليكم إلّا بنفسي فى ثلاثمائة جمّازة لا يصحبنى إلّا من عليها [٤٤٤] من الرجال ثم اثبتوا لى إن شئتم.»
стр. 2978
وحلف ركن الدولة محلوفة:
- «إنّى إذا بلغت بعض طريقي فى قصدي إياكم لا يبقى معكم رجل واحد إلّا تلقّانى وحصل عندي وإنّه لا يتقرب بك وبعضد الدولة إلّا أخص أوليائكما وأوثق عبيدكما فى أنفسكما وإنّما أتركك الآن وأنت فى يدي لتعود إلى موضعك وتعيد رسالتي وكلامي وتنتظر صحة وعدي ووعيدي.» وأمرّ من هذا الكلام ما هذا جملته وإن كان أكثر من هذا وأشنع.
وكان ركن الدولة قبل هذه الحال وعند سماع حال أولاد أخيه من القبض عليهم رمى بنفسه عن سريره وأقبل يتمرّغ ويزبد [١] ويمتنع من الأكل والشرب أياما ومرض من ذلك مرضا لم يستقل [٢] منه باقى حياته وكان يقول:
- «إنّى أرى أخى معز الدولة متمثلا إزائى يعضّ علىّ أنامله ويقول: يا أخى هكذا ضمنت لى أن تخلفني فى أهلى وولدي!» .» وكان ركن الدولة يعزّ أخاه عزّا شديدا فيراه بصورة الولد لأنّه ربّاه ومكّنه مما تمكّن منه.
وتوسط الناس بينه وبين أبى الفتح ابن العميد يشفعون له ويقولون:
- «إنّه لم يرد فيما ظننته وإنما احتال فى الخلاص من عضد الدولة بتحمل رسالته، وغرضه أن يجتمع معك لتدبير الأمر بما تراه و [هو] يضمن ضمانا يدخل فى تبعته أنّه يقرر الأمر على رضاك بعد أن تسمع كلامه وتمضى له بما يعمل به فى هواك.» فأذن له [٤٤٥] حينئذ وجرى بينهما خطاب طويل تقرر على أن يعود ويفرج عن بختيار وإخوته ويقرر الملك فى أيديهم وينصرف كل واحد من
стр. 2979
عسكر الرىّ وعسكر فارس إلى مركزه وموضعه على صورة جميلة وعلى أكثر مما يمكن أن يعمل من الحيلة فى مثل هذه الحال.
فأذن له حينئذ ورجع إلى عند عضد الدولة بخلاف ما خرج وخلا به وعرّفه حقيقة الأمر وأنّه ليس ممن يطمع فى إصلاحه من جهة ركن الدولة.
فلمّا رأى عضد الدولة انخراق الأمر عليه من كل وجه ونفد ما صحبه من الأموال ولم يصل إليه شيء من ممالكه اضطر إلى الخروج إلى فارس والإفراج عن بختيار وأخويه ففعل ذلك.
وتوسط ابن العميد بينه وبين بختيار وخرج من دار عضد الدولة بعد أن خلع عليه وقبل بساطه وشرط عليه أن يخلفه فى تلك الأعمال ويخطب له وخلع على أبى إسحاق ابن معزّ الدولة على أن يلي أمر الجيش وذلك لما كان اعتقده الجند من ضعف بختيار وسوء تدبيره لهم وزوال هيبته مرة بعد أخرى عن قلوبهم. فلمّا خرجوا من داره وأصعدوا إلى منازلهم فى طيّاره خلعوا الطاعة من غير انتظار ساعة.
واجتمع الى بختيار جيشه وعوامّ البلد والعيّارون وأثاروا الفتنة وارتفع عياطهم وصياحهم وقد كان عضد الدولة حفظ [١] عليهم خزائنهم وجميع ما وجد [٤٤٦] لهم من الدواب والأثاث فما شذّ منها شيء حتى تسلموها كهيئتها يوم فارقوها.
وبرز عضد الدولة يوم الجمعة لخمس ليال خلون من شوال سنة أربع وستّين وثلاثمائة عن مدينة السلام قاصدا أعماله بفارس ووافق ابن العميد على المسير فى أثره وألّا يقيم ببغداد بعده أكثر من ثلاثة أيام.
стр. 2980
ذكر ما جناه أبو الفتح ابن العميد على نفسه وميله الى الهوى واللعب حتى تأدى أمره إلى الهلاك
لما خرج عضد الدولة إلى فارس طابت بغداد لأبى الفتح ابن العميد وأحب الخلاعة والدخول مع بختيار فى أفانين لهوه ولعبه ووجد خلوّ [١] ذرع من أشغاله وراحة من تدبير أمر صاحبه ركن الدولة مدة وحصلت له زبازب ودور على الشط وستّارات غناء محسنات وتمكن من اللذات.
وعرف بختيار له ما صنع من الجميل فى بابه وأنّه خلصه من مخاليب السبع بعد أن افترسه وأن سعيه بين ركن الدولة وبينه هو الذي ردّ عليه روحه وملكه فبسطه وعرض عليه وزارته وتمكينه من ممالكه على رسمه وألّا يعارضه فى شيء يدبره ويراه فلم يجبه إلى ذلك وقال:
- «لى والدة وأهل وولد ونعمة قد ربّيت منذ خمسين سنة وهي كلها فى يد ركن الدولة ولا أستطيع مفارقته ولا يحسن بى أن يتحدث عنى بمخالفته ولا يتم أيضا لك ذلك مع ما عاملك به من الجميل ولكنى [٤٤٧] أعاهدك إذا قضى الله على ركن الدولة ما هو قاض على جميع خلقه أن أصير إليك مع قطعة عظيمة من عسكره فإنّهم لا يخالفوننى وركن الدولة مع ذلك هامة اليوم أوغد وليس يتأخر أمره.» واستقر بينهما ذلك سرا لا يطّلع عليه إلّا محمد بن عمر العلوي فإنّه توسط بينهما وأخذ عهد كل واحد منهما على صاحبه ولم يظهر ذلك لأحد حتى حدثني به محمد بن عمر بعد هلاك أبى الفتح ابن العميد.
ولكن الغلط القبيح من أبى الفتح كان أنّه أقام مدة طويلة ببغداد وطمع فى