← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

الدولة فى قصده ومقابلته على ما كان منه فى مكاشفته والاجتهاد فى تشتيت شمل الدولة وتفريق الكلمة ومعاضدة بختيار وابن بقيّة، وقد كان أظهر مباينة مؤيد الدولة وكاتب قابوس بن وشمكير. رسائل عضد الدولة إلى مؤيّد الدولة، وإلى فخر الدولة، وإلى قابوس بن وشمكير ولما هلك حسنويه بن الحسين أمّل [١] عضد الدولة أن يكون الشيطان الذي نزغ بينه وبين اخوته قد زال. وأنفذ أبا نصر خرشيد يزديار [٢] الخازن برسائل إلى مؤيد الدولة، وإلى فخر الدولة، وإلى قابوس بن وشمكير. أمّا إلى مؤيد الدولة فبإحماده على طاعته التي ما غيّرها ولا كدّرها. وأمّا إلى فخر الدولة فبالمعاتبة والمداراة والزيادة فى الأخذ بالحجة. وأمّا إلى قابوس بن وشمكير فبالمشورة عليه بحفظ الذمّة التي تعلّق بها وحفظ نعمته وترك التعرّض لما يورطه ويهلكه. أجوبتهم عن تلك الرسائل فأمّا مؤيد الدولة فإنّه أجاب جوابا سديدا وأنّه واقف على حدود طاعته وتابع له فى رضاه وغضبه. وأمّا فخر الدولة فأجابه جواب النظير الذي لا يرى لرتبة [٣] الملك مزيّة ولا لكبر السن وعهد الأب فضيلة ولا فى المعاودة إلى جميل الطاعة نيّة. وأمّا قابوس فأجاب جواب المتهيّب المحجم المراقب.

стр. 3047

افتراق أولاد حسنويه وافترق أولاد حسنويه فرقا واختلفت بهم المذاهب وهم: أبو العلاء وعبد الرزاق وأبو النجم بدر وعاصم وأبو عدنان وبختيار [٥١٩] وعبد الملك. فطائفة منهم انحازت إلى فخر الدولة مظهرة لمشاقّة عضد الدولة، وطائفة وردت حضرته. فأمّا بختيار من بينهم فإنّه نافر إخوته وكان مقيما فى قلعة سرماج ومعه الأموال والذخائر، فابتدأ بمكاتبة عضد الدولة وبذل تسليم ذلك إليه وذكر رغبته فى الاعتصام به والدخول فى كنفه ثم تلوّن ولم يف. فتشوّف [١] عضد الدولة للمسير إلى الجبل وتهذيب أعمالها فابتدأ فقدّم عساكره يتلو بعضها بعضا: فجرد أبا الفتح المظفّر بن محمد الحاجب وأبا نصر خواشاذه وأبا الوفاء طاهر بن محمد، وبرز عن داره إلى المعسكر بالمصلى من الجانب الشرقي بعد أن أقرّ أبا الريان بالحضرة على جملته من خلافة الوزارة، ولكن زاد فى منزلته وناط به جميع أمور المملكة، وطال مقامه بالمعسكر الذي برز إليه إلى أن أوغلت تلك الجيوش السائرة على مقدمته. وقد كان أبو نصر خواشاذه [٢] وطّأ الأمور عند خروجه لتأدية الرسائل. فواقف القواد والوجوه أن يخدموا عضد الدولة بنيّاتهم، فإذا سار استأمنوا إليه وضمن لهم الإقطاعات السنيّة وحمل إلى بعضهم الهدايا والألطاف فى السرّ. فلما سار تلقّته فى طريقه البشائر بدخول جيشه همذان واستئمان العدد الكثير من قوّاد [٥٢٠] فخر الدولة ورجال حسنويه وتلقّيهم رايته منحازين إليها. وتلقّاه أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن حمدويه وزير فخر الدولة

стр. 3048

ومعه جماهير حاشيته وبقية قوّاده وغلمانه فانحلّ أمر فخر الدولة واحتاج إلى مفارقة موضعه واللحاق ببلد الديلم [١] ، فمضى ونزل دارا كان بناها معزّ الدولة بهوسم، ولجأ إلى الداعي العلوي المستولى على ذلك الصقع. وعرّج عضد الدولة إلى نهاوند وافتتح قلعة سرماج واحتوى على ما فيها، وملك غيرها من قلاع تلك البلاد، وألقت إليه الحصون مقاليدها، وأخرجت الأرض أثقالها. ولحقته فى هذه السفرة علّة عاودته مرارا وكانت شبيها بالصرع وتبعه مرض فى الدماغ يعرف بليترغس [٢] وهو النسيان، إلّا أنّه أخفى ذلك. ويقال: إنّ مبدأ ذلك به كان بالموصل إلّا أنّه لم يظهر أمره لأحد. وهذا آخر ما عمله الأستاذ أبو على أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه رضى الله عنه والحمد لله وصلواته على محمد النبي وآله أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل فرغ من انتساخه محمد بن علىّ بن محمد أبو طاهر البلخي فى منتصف شهر ربيع الأول سنة ستّ وخمسمائة نقله وقابله علىّ بن حنظلة سنة عشرين وخمسمائة فرغ من نقله الحسن بن منصور فى مستهلّ المحرم سنة ثمان وثلاثين حامدا لله ومصليا على نبيه فرغ ابنه محمد بن الحسن فى ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة

стр. 3049

[المجلد السابع] ذيل كتاب تجارب الأمم للوزير أبى شجاع محمد بن الحسين الملقّب ظهير الدين الروذراورى (حوادث سنة ٣٦٩ إلى ٣٨٩ هجرية) ويليه: الملحق بذيل الروذراورى وهو الجزء الثامن، من تاريخ هلال الصابي (حوادث سنة ٣٨٩ إلى ٣٩٣ هجرية)

стр. 3050

مقدّمة صاحب الذيل بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي أمّا بعد حمد الله سبحانه والثناء عليه، أهل الحمد والثناء، المفرد بالوحدانية والبقاء الذي لا يحيط به مكان، ولا يغّيره زمان، لا إله إلّا هو مبدع المكان وموجده، ومحدث الزمان ومنفده، خالق الخلق أطوارا، وجاعل الظلمة والضياء ليلا ونهارا، كتب على الخلائق تقلّب الأحوال لأنّه لا يحول، وقضى على الأزمنة حكم الزوال لأنّه لا يزول. والصلاة على رسوله محمد الذي بعثه بالرسالة، وهدى به من الضلالة، وأنفذ بمعرفته من الجهالة، ودلّ على نبوّته بأفضل الدلالة، واختاره من أشرف البلاد وطنا ودارا، واصطفاه من أكرم العباد حسبا ونجارا، حيث المشعر الحرام والمعشر الكرام، وجعله آخر الأنبياء بعثا فى الدنيا إلى العباد، وأولهم بعثا إلى المعاد، وجعلنا من أمّته الذين جعلهم أمّة وسطا، وأبان لهم من الإسلام منهجا جددا، ووفقهم فى الدين فتحرّوا رشدا. فقولهم سديد، وفعلهم رشيد، وهم شهداء على الناس والرسول عليهم شهيد، وعلى آله الذين سبقوا إلى مصاحبته وسعدوا بمرافقته، [٣] وشرفوا بمتابعته فى هجرته، وكرموا بإيوائه ونصرته، فهم معالم

стр. 3051

الهدى، ومصابيح الدجى [١] ، كدرارى النجوم تهدى الساري بنورها، وتقى الغاوي من فتنة الدنيا وغرورها. والدعاء لخليفته الإمام المقتدى بأمر الله أمير المؤمنين صاحب العصر المؤيد بالنصر المختار من شجرة طيبة للشرف [٢] والعلاء، «أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها في السَّماءِ» ١٤: ٢٤ [٣] شربت من ماء النبوة الطاهرة عيدانها، وتفرّعت بالخلافة الظاهرة أفنانها. كما قال جدّه العباس لبعض أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين: كان رسول الله دوحة نحن أغصانها وأنتم جيرانها، وهو المنصب العظيم، من المحتد الصميم، والبيت الكريم، الذي أول درجاته النبوّة والكرامة، وثانيهما [٤] الخلافة والإمامة. ولا ثالث لها بعد ذلك إلى القيامة. توارثها إمام عن امام. وقام بها أمير المؤمنين المقتدى بأمر الله خير قيام. إنّ الذي رفع السماء بنى لهم ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول [٥] شدّ الله عضده بذخر الدين، وولّى عهده فى المسلمين، وباخوته الغرّ الميامين، وجعلها كلمة باقية فى عقبه إلى يوم الدين، [٤] وأيّد دولته بجلالها الذابّ عن حماها، المناضل عن علاها، جمال الملة مغيث الأمّة معزّ الدنيا والدين يمين أمير المؤمنين الملك العادل المحبب إلى القلوب، والركن الشديد المعدّ لدفع الخطوب، ودّبر ملكه بنظامه المبارك فى أيامه، قوام الدين رضىّ

стр. 3052

أمير المؤمنين الوزير الظهير، الموفق بحسن التدبير. وبعد أداء الفروض المقدمة الواجبة، والسنن المؤكدة الراتبة، وقضاء حقوقها المستثبتة الأزلية وسلوك طرقها المستقيمة اللاحبة، فإنّ أولى ما صنفه المفيد، وعنى بقراءته المستفيد، جمع أخبار الأمم الخالية، وحفظ تواريخ الأزمان الماضية، لأنها أوفى المصنفات فائدة وأكثرها عائدة، وأحسنها أثرا، وأطيبها ثمرا، إذ كان أنفع العلوم ما أدّت مقاصده إلى التوحيد، ووقفت موارده على تثبيت قدرة الخالق فى نفوس العبيد، وفى تدبير اختلاف الليل والنهار، وتأمّل مجاري الأقدار وتقلّب الأدوار، فى توالى الأمم وتعاقبها، وتداول الدول وتناوبها. قال الله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ٣: ١٤٠ [١] اكبر دليل على وحدانية من ينبتهم ثم يحصدهم [٥] ويشقيهم ويسعدهم، وينشئهم ويبيدهم، ويعيدهم، ويحييهم ويميتهم «وهو على جمعهم إذا يشاء قدير» تبارك اسمه وجلّ ثناؤه، وعظمت قدرته وكثرت آلاؤه، مرجع الخلق والأمر إليه و «بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ» ٢٣: ٨٨ [٢] له الحمد كله وبتوفيقه يتضح فى الرشاد سبيله، فلا عبادة إذا أرقى من التوحيد فموقعه من العبادات موقع الرأس من الجسد به اعتداله وبقاؤه، ومحله من الاعتقادات محل الروح من الجسم بها حياته ونماؤه. ولو لم يكن علم القصص عظيما لما من الله تعالى به على نبيه ﵇ فقال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ من قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ ١٢: ٣ [٣] وقال سبحانه:

стр. 3053

طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ، نَتْلُوا عَلَيْكَ من نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ٢٨: ١- ٣ [١] وقال تعالى: كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ من أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ من لَدُنَّا ذِكْراً ٢٠: ٩٩ [٢] ولو لم يكن فى ذلك الا ما ينتفع به المعتبر من قلّة الثقة بالدنيا الفانية، وكثرة الرغبة فى الآخرة الباقية، لكفى ما تنتجه هذه البصيرة من جميل الأفعال، وتحثّ عليه هذه النتيجة من صالح [٦] الأعمال. فكيف وأولى ما يعتمده أولو الأمر وأصحاب الزمان، ومن بأيديهم مقاليد الملك والسلطان، وأوجب ما يتشاغل به من إليهم أزمّة الأمور، وعليهم سياسة الجمهور، إدمان النظر فى كتب التاريخ وإحسان التتبع للأخبار، والآثار والتفكر فى حال من مضى من الأخيار والأشرار، ليعلموا ما بقي للمحسن من الصيت الحميد الذي صار له حياة مخلّدة بالأجر [٣] الذي اكتسبه، وللمسىء من الذكر القبيح الذي جعل صحيفته مسودّة بالوزر الذي احتقبه، ويتصفّحوا حال الحازم فى حزمه وعقله، والمضيع فى تفريطه وجهله، فيسلكوا من الطرائق أوضحها وأمثلها، ويتقبّلوا من الخلائق أشرفها وأفضلها، ويردوا من المشارب أصفاها وأعذبها، ويرعوا من المراتع أمرأها وأخصبها، ويأخذوا من الأمور بأحزمها، ومن التجارب بأحكمها. فمهما يكن من حسنة اقتبسوا منها، ومهما يكن من سيئة ارتدعوا عنها. فالسعيد من انتفع بالأدب فيما دأب غيره فيه من التجارب، والرابح من حظى بالراحة فيما تعب به سواه من المطالب. لأنّ العقل غريزة فى الإنسان، والتجارب مكتسبة فى الزمان، والرأى [٧] لقاح العقل والتجربة نتاجه، والخير مقصد الحجى والاجتهاد منهاجه، ومن أين للإنسان من العمر الطويل، ما يحصل فيه على تجربة الدقيق والجليل. وقيل: العمر قصير

стр. 3054

والعلم كثير [١] فخذوا من كلّ شيء أحسنه. فإذا تأمّل المرء سيرة الماضين من الأقوام، جنى مع تقارب الشهور والأيّام، ثمرة ما غرسوه على تطاول الدهور والأعوام، وعلم علل الأحوال وفوائدها، وحيل الرجال ومكايدها، وعرف مبادئ الأمور ومصائرها، وقاس عليها أشباهها ونظائرها، وعمل بأنفع ما حبى به من الفهم والعلم، وانتفع بأصوب ما عمل به فى الحرب والسلم، وأقدم على المواطن التي يرتجى فى أمثالها الظفر، وأحجم عن الأماكن التي يتوقّى فى أشكالها الحذر، وتسلّى بمن تدرّع الجلد عند حدوث النوائب، وتأسّى بمن توقّع الفرج حين ظهور العجائب، وذكر مصير العاقبة إذا أرخت يد الغفلة عنان أشره، ونظر بالبصيرة الثاقبة إذ غطى غرور الدنيا على بصره. فهذان القسمان يجمعان الدين والدنيا، ويبلغان بصاحبهما الدرجة العليا. فأمّا ما فى ذلك من حسن المفاوضة والمذاكرة، وأنس المحادثة والمسامرة، فقد [٨] خفّفت القول فيه لأنّه يصغر فى جنب ما قدّمت ذكره من القسمين العظيمين، والأمرين الجسيمين. كما قال النبي ﷺ : كل الصيد فى جوف الفرا [٢] . وإنّنى تأمّلت كتاب تجارب الأمم وعواقب الهمم، الذي صنّفه أبو على أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه، فوجدت فوائده غزيرة، ومنافعه كثيرة، وعلمه جمّا، وبحره خضمّا. فراقنى تأليفه، وأعجبنى تصنيفه. فرحم الله مصنّفه وأجزل فى الآخرة أجره كما طّيب فى الدنيا ذكره. فلقد اختار فأحسن الإختيار، ومخض فأتى بزبد الأخبار. وسلك سبيلا وسطا بين التطويل والاختصار. ثم لم يقنع بذلك حتى قرّب مسالك الطرق البعيدة، وبرز من أثناء الإختيار ذكر الآراء السديدة، ونبّه فيها على، مقامات حميدة، وبين

стр. 3055

ما جرى فى كل وقت من خدعة ومكيدة. لئلّا يبعد من يد المتناول قطف الثمرة اليانعة، ولا يطول على فكر المتأمل وجود الزبدة النافعة. وأحر به ذلك، فإنّ فضله وإن لم يدرك زمانه باقى النفع بادى الأثر، والروض ينبئ عن فضيلة الغيث وإن ولى أوان المطر. فدعاني وقوف همّتى عليه إلى اقتفاء أثره، [٩] وسلوك ما سنّه فى ورده وصدره. وصلا للسلك الذي بدأ [١] بنظامه، ونيابة عنه فى تشييد ما بناه بعد انقضاء أيّامه، وسنّة لمن بعدنا يستمرّ الآتي منها على سيرة الغابر، ويتصل بحبل الأول فيها حبل الآخر، لا تعاطيا منّا للمساجلة، ولا تماديا فى المماثلة، لا مجاراة فى المضمار، ولا مساواة فى الإختيار، ولا ما قاله زهير: هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا فهيهات كيف الطمع فى اللحاق، وقد شأى المتقدم فى السباق. لا سيما وطرف الفصاحة تحتي كاب، وحدّ البلاغة فى يدي ناب. فأين المصلى من المجلى. وأين الكهام من الحسام. وأين السنيح من المعلّى، وأين العاطل من المحلّى. أريها السها وتريني القمر ولكنى أقول ما قاله فى البيت الثاني: أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا هذا لعمري أقرب إلى الصواب، وأليق بهذا الباب. فأحسنت القياس وسلمت قصبة السباق وأعطيت القوس باريها، وأنشدت الضالّة باغيها. [١٠]

стр. 3056

فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... إذا لشفيت النفس قبل التندّم ولكن بكت قبلي فهيّج لى البكا ... بكاها فكان الفضل للمتقدّم [١] ثمّ إنّ للتصنيف رجالا عنوا بأمره وعاموا فى بحره، وأنسوا بجمع شارده، وتفرّدوا بنظم فرائده. وصاروا بصدده، واستولوا على أمده. فهم لقسيّه براة، وإلى غرضه رماة، وفى طرقه هداة. وقد ربّيت فى غير هذا الوكر، وسقيت من غير هذا الدّر، وتحليت بغير هذه الصناعة، فان قصرت عن بلوغ معانيه، فاحذوا العذر فى العجز وإن وقع سهمي دون مراميه، فأعذر فالنزع [٢] فى القوس لين، فلمن سبقنا فضيلة الجمع والاستكثار. ولنا من يمدهم وسيلة الاختيار والاختصار، وكل مجتهد مصيب، وله من حسن الذكر نصيب. فسلّمت إلى من تقدّمنا الفضل فى زمانهم لمحاسن تلك العلوم المشهورة. ولو أنهم أدركوا زماننا لسلموا الفضل إلينا بمحاسن هذه الدولة المنصورة، دولة الإمام المقتدى بأمر الله، أمير المؤمنين ذى الكرم والفخار، والحلم والوقار، والأخلاق الطاهرة، والأفعال الباهرة، والكرامات العجيبة فى المنشأ والمولد، والدلالات الصحيحة فى المغيب والمشهد. به أنقذ الله الرجاء من أسر اليأس [١١] وألقى عليه محبة قلوب من الناس، بعد أن فجعوا بذخيرة الدين، وليس للقائم رضوان الله عليهما، عقيب سواه، ولا للبيت أحد يصلح للعهد فيولّاه، فتقطّعت النفوس حسرات، وترجّعت الأنفاس زفرات. وبكت الملة واستولت الوحشة والغمّة، فأتى الحمل الميمون به لتمام، وبدا وجهه المنير فجلا كلّ ظلام، وسارت البشرى بذكره فى سائر الآفاق، وزهت أعواد المنابر باسمه حتى كادت تعود للإيراق. ثمّ كلاه فى الفتنة الحادثة أحسن

стр. 3057

كلاءة بين أعاديه، وألحفه جناحا من الحياطة ستره بين قوادمه وخوافيه. فكانت قصّته كقصّة موسى ﵇، حين القى صغيرا فى اليمّ، ونجّى [١] كبيرا من الغمّ. وأعاد القائم بأمر الله رضوان الله عليه إلى مقرّ سلطانه، وفسح فى مدّته وبارك فى زمانه لإتمام عهده وانجاز وعده حتى يسلم الأمر منه على حين السن المستحقّة لتسلم أسبابه وتقمّص جلبابه. فكان ذخيرة الدين خلفا لنجله، وكان القائم بأمر الله عاد فى تلك النوبة لأجله، فاستحقّ بنفسه وارثه شرف الخلافة العظيمة، وحوى فى شرخ الشبيبة جميع محاسن الأخلاق الكريمة، وارتقى من المجد ما لا تبلغ الأوهام ذروته، [١٢] واجتنى من الحلم ما لا تحلّ الأيام حبوته، وساس الأمور بهمّة عليّة، وسيرة رضية، وخلافة جاءت كالنصر من السماء، ولم يكن مثل ذلك لا مثاله من الخلفاء، وكأنّما عناه أبو العتاهية بقوله: أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرّر أذيالها فلم تك تصلح إلّا له ... ولم يك يصلح إلّا لها ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها فما خلا متقلّد للخلافة فى عصر ممن ينازع فى ردائها ويجاذب على عنانها، ويترشّح لمحلّها ويتطاول لمكانها، إلى أن يستقّر الرأى فى قراره، ويجتمع الأمر من أقطاره، الّا امام عصرنا المقتدى بأمر الله أمير المؤمنين، فانّه تفرّد فى عصره بهذا الاستحقاق، واجتمعت الكلمة عليه لوقتها بالاصطلاح والاتّفاق. فلم يخطر منازعته بخلد ولا بال، ولو كان الزمان ذا

стр. 3058

لسان لقال: «هذا صاحبي بلا مراء ولا جدال» ، لا جرم أن سعادته مخصوصة بأوفى كمال، محروسة بإذن الله تعالى عن نقصان وزوال، ودولته محوطة بأكرم ظهير وموال. وأنّى يكون للدول الأولى مثل جلال الدولة بن عضد الدولة الهمام ابن الهمام الملك [١٣] عضد الدولة المعظم من الأخوال والأعمام، الحامى حوزة الإسلام، الملبّي لدعوة الإمام، الذي كرم طرفاه، وعظم شرفاه، ودانت لصولته الأمم، وانكشفت بدولته الظلم، وجرت بنصرته الأقدار، وانفتحت على يديه الفتوح الكبار، أطول الملوك باعا، وأحسنهم فى الدين ذبّا ودفاعا. فهو تاج على جبين الأيام الزاهرة المفتدية [١] . يزيد فى أنوارها، وركن الدولة القاهرة العباسية يدفع عن أقطارها. زاد على أنو شروان بفضله وبمعدلته، وأوفى على بهرام ببأسه ونجدته، وفضل أردشير بتدبيره وسياسته، وساوى الإسكندر بملكه وبسطته. فالشرق والغرب [٢] مذعنان لطاعته، والبدو والحاضر منقادان لتباعته كل ذلك ببركات مخالصته لإمامه. وحسن نيته فى محبة أيامه. وأين كان لتدبير الأقاليم وزمّ أمورها، وحفظ الممالك وسدّ [٣] ثغورها مثل نظام الملك قوام الدين الذي أعدّ للخطوب أقرانها، حين عجم بالتجربة عيدانها، وجمع رياسة السيف والقلم، لما كفل بسياسة العرب والعجم، بنقيبة فى الدولة ميمونة، وسريرة فى النصيحة مأمونة، وحزم لا يشان بهفوة، وعزم لا يخان بنبوة، وخلق لا تجد فيه عنفا، ورأى لا [١٤] ترى فيه ضعفا، وهيبة مع طلعة بشر، وتواضع مع رفعة قدر. فإذا قيل له اتق الله سمع وأطاع، وإذا

стр. 3059

خوّف بالله خاف وارتاع. فأفعاله أفعال العباد، وأخلاقه أخلاق الزهاد، مع انقياد الدنيا له فى الإصدار والإيراد، ونفاذ أمره على الرعايا والأجناد، وجمعه فى منهل العدل بين الظباء والآساد. فأىّ دولة تباهي هذه الدولة القاهرة فى مناقبها ومآثرها، وأىّ أيام تضاهى هذه الأيّام الزاهرة فى محاسنها ومفاخرها، وأىّ قول ينتهى الى حدّ وصفها وان امتدّ وطال، وأىّ بليغ يبلغ أمد فضلها وإن أسهب وقال. فأعود الآن الى ذكر ما أنا قاصده من الاختيار، متبرّئا من عهدة ما أورده من الأخبار، لأنّى أتبع فى كتاب التاريخ مسطورها، فأختار بحسب المعرفة عقودها وميسورها. وما عساه يندر من خبر شاذّ تلقف من أفواه الرجال، وخلا التاريخ من ذكره إمّا بخفاء أو نسيان أو إغفال. فإنّه يثبت فى بواطنه، وينظم مع قرائنه. وإذا انتهيت، إنشاء الله سبحانه، إلى أخبار زماننا اتسع المجال، وأمكن المقال، وعمدت حينئذ إلى ما شاهدناه وخبرناه فأخبرت به على وجهه وذكرته مجتهدا فى التحرّى وبحسب الإمكان الذي لا أقدر على سواه، [١٥] وبقدر الوسع الذي لا يكلّف الله نفسا إلّا إيّاه. وأوّل ما أبدأ به الآن فى كتابي، هو آخر ما ختم أبو على مسكويه [١] ﵀، به كتابه فى سنة تسع وستين وثلاثمائة، والله تعالى ولى حسن التوفيق، والهادي فى جميع المقاصد إلى سواء الطريق، وبه أعوذ من الخطل، واعتصم من الزلل، وإيّاه أسأل خاتمة جميلة، بالمغفرة كفيلة. إنّه غفور رحيم. (انتهت المقدمة)

стр. 3060

[تتمة خلافة الطائع الله] [تتمة سنة تسع وستين وثلاثمائة] ذكر ما جرى عليه أمر عضد الدولة عند توجّهه إلى الجبل رحل بالعسكر من المصلى فى يوم السبت لثلاث خلون من ذى الحجة وقد استصحب أبا عبد الله الحسين بن سعدان ينفذ الأمور بين يدي عضد الدولة واليه عرض العسكر. فلما حصل بين حلوان وقرميسين عاده المرض الذي كان عرض له من قبل وحجب الناس عنه حجابا وقع به الإرجاف والاضطراب ثم أفاق وظهر وركب إلى قرميسين. ووافاه بنو حسنويه وقد كانوا راسلوا وبذلوا الطاعة بوساطة أبى نصر خواشاذه إلّا أنّه لم يقدر أنهم يأنسون إلى الحضور بأجمعهم. [١٦] ذكر القبض على بعض أولاد حسنويه واصطناع بعضهم حضروا المعسكر فأقعدوا فى خركاه من وراء السرادق ووكّل بهم خواص الديلم وغلمان الخيول ورتّب الأعراب والأكراد والرجالة [و] [١] الفرس من حوالى المعسكر وبظاهر البلد لئلا يفلت منهم أحد أو من أصحابهم وقبض

стр. 3061

منهم على عبد الرازق وأبى العلاء وأبى عدنان وبختيار وعلى كتّابهم وأسبابهم ووجوه الأكراد الذين معهم. واستدعى بدر وعاصم وعبد الملك ووصلوا إلى حضرة عضد الدولة وخاطبهم بما رآه من اصطناعهم [١] وحملوا إلى الخزانة فخلع على بدر القباء والسيف والمنطقة الذهب وحمل على فرس بمركب ذهب وقلد زعامة الأكراد البرزيكانى ومن يجرى مجراهم وخلع على كل واحد من عاصم وعبد الملك الدراعة الديباج والسيف بالحمائل وحملا على دابّتين بمركبين مذهّبين ووضع على كل من كان مع المقبوض عليهم من الأكراد السيف ونهبت حللهم بما فيها. ونفذ أبو الوفاء طاهر بن محمد إلى قلعة سرماج فافتتحها [١٧] وأخذ ما كان فيها من ذخائر حسنويه. ودخلت سنة سبعين وثلاثمائة وسار عضد الدولة إلى نهاوند وأقام بها ورتّب العمال فى النواحي وجدّ فى تناول الموجود لانّه كان من رأيه أن يجعل همذان ونهاوند لمؤيد الدولة ويستضيف الدينور وقرميسين وما يجرى مجراهما إلى أعمال العراق. ثم انتقل فى صفر من نهاوند إلى همذان ونزل دار فخر الدولة بها. ذكر ورود الصاحب أبى القاسم إسماعيل بن عباد فى هذا الشهر ورد الصاحب ابن عبّاد الخدمة عن مؤيّد الدولة وعن نفسه فتلقّاه عضد الدولة على بعد من البلد وبالغ فى إكرامه ورسم لأكابر كتّابه

стр. 3062

وأصحابه تعظيمه ففعلوا ذلك حتى انّهم كانوا يغشونه مدّة مقامه مواصلة ولم يركب هو إلى أحد منهم وكان غرض عضد الدولة بذلك استمالة مؤيد الدولة وتأنيس [١٨] الصاحب. ووردت كتب مؤيد الدولة يستطيل مقام الصاحب ويذكر اضطراب أموره ببعده فوقع الشروع فى تقرير ارتفاع همذان ونهاوند معهما عليه وتولّى أبو عبد الله محمد بن الهيثم عمل العمل بالارتفاع. ذكر عمل رتّب فى تكثير اعتداد بارتفاع صدر العمل بأن قال: مبلغ ارتفاع النواحي الفلانية. وتمّم الحكاية عن كذا وكذا ورقا صحاحا. من الورق ينفد الخرج كذا وكذا. وأضاف اليه الربع اعتمادا للتكثير. وأنفذ العمل مع أبى القاسم عبد العزيز بن يوسف وأبى الوفاء طاهر بن محمد وأبى عبد الله ابن سعدان إلى الصاحب أبى القاسم ورسم لأبي عبد الله الحضور معهم عنده وموافقته على أبوابه ففعل واستوفى مناظرته وكمل الارتفاع بزيادة على موجودة. ذكر عود عضد الدولة إلى مدينة السلام [١٩] برز عضد الدولة إلى ظاهر همذان فى شهر ربيع الآخر للعود إلى مدينة السلام وخلع على الصاحب الخلع الجليلة وحمله على فرس بمركب ذهب ونصب له دستا كاملا فى خركاه يتصل بمضاربه وأجلسه فيه وأقطعه ضياعا جليلة من نواحي فارس وحمل إلى مؤيد الدولة فى صحبته ألطافا كثيرة وضمّ اليه من العسكر المستأمن عن فخر الدولة عددا ليكونوا برسم خدمة مؤيّد الدولة.

стр. 3063

ذكر ما جرى عليه أحوال أولاد حسنويه بعد وما جرّه الحسد من إلقاء من نجا منهم بيده الى التهلكة لما قدم بدر وفضل بالسيف والمنطقة أحفظ ذلك عاصما وأوحشه وأقام قليلا ثم انحاز إلى الأكراد المخالفين خالعا للطاعة منابذا لبدر. فأخرج اليه أبو الفضل المظفر بن محمود فى عدة من الأولياء حتى أوقع بمحمود وأخذه أسيرا وأدخله همذان راكب جمل بدراعة ديباج ولم يعرف له خبر بعد ذلك وتفرّد بدر بالخدمة والانتساب [٢٠] إلى الحجبة، وقتل جميع أولاد حسنويه. وفى هذه السنة ورد الكتاب بأنّ أبا على الحسن بن محمان أخذ المعروف بالصيداوى وقتله. ذكر حيلة تمت على الصيداوي حتى أخذ وقتل كان هذا الرجل أحد قطّاع الطريق فى أعمال سقى الفرات فاحتال أبو على ابن محمان فى أخذه بأن دسّ عليه جماعة من الصعاليك أظهروا الانحياز اليه، فلما خالطوه قبضوا عليه وحملوه أسيرا إلى الكوفة فقتله وأنفذ رأسه إلى مدينة السلام فشهره بها. وفى هذه السنة ورد كتاب أبى على الحسن بن على التميمي بالقبض على ورد الرومي [١] .

стр. 3064

ذكر السبب فى ذلك لمّا توفّى أرمانوس ملك الروم اتّفق أن نقفور الدمستق وهو رجل ذو سياسة وصرامة كان قد خرج إلى بعض بلاد الإسلام ونكأ فيها ثم عاد فعرف خبر وفاة أرمانوس حين قرب من القسطنطينية [٢١] فاجتمع اليه وجوه الجند وقالوا له: - «ان الملك قد مضى وخلف ولدين لا غناء عندهما مع صغر سنهما وما يصلح للنيابة عنهما فى تدبير الملك غيرك ونحن نرى ذلك من المصلحة للناس والمملكة.» فامتنع فراجعوه حتى أجابهم ودخل إلى الملكين وخدمهما وأظهر الحجبة لهما والنيابة عنهما ثم لبس التاج وتزوج بوالدتهما ثم وقع منه جفاء لها استوحشت به منه. ذكر تدبير دبّرته المرأة حتى تمّ لها قتل نقفور لقلّة حزمه راسلت ابن الشمشقيق وأطمعته فى قتل نقفور وأقامته مقامه فى التدبير واستقرّ الأمر بينهما على أن صار هو وعشرة نفر من خواصه سرّا إلى البلاط التي تنزلها هي ونقفور فأدخلته ليلا وكان نقفور يجلس أكثر الليل للنظر فى الأمور وقراءة السير ويبيت على باب البيت الذي يأوى إلى فراشه فيه خادمان، فلما حصل ابن الشمشقيق داخل البلاط هجموا على الموضع وقتلوا الخادمين وأفضوا إلى نقفور وقتلوه ووقعت الصيحة وظهرت القصة واستولى ابن الشمشقيق على [٢٢] الأمر وقبض على لاون أخى نقفور وعلى ورد بن

стр. 3065

لاون [١] فأمّا لاون فإنّه كحله وأما ورد فانه حمله إلى قلعة فى البحر واعتقله. وسار إلى أعمال الشام وفعل فيها الأفاعيل وانتهى إلى طرابلس فامتنع عليه أهلها فنزل عليهم ونازلهم. [٢] فكان لأمّ الملكين أخ خصىّ وإليه وزارة الملك منذ أيام الملك أرمانوس واسمه بركموس [٣] فقيل: إنّه دس على ابن الشمشقيق سمّا فى طعام أو فى شراب فأحسّ به ابن الشمشقيق فى بدنه فسار عائدا إلى قسطنطينية وتوفى فى طريقه واستولى بركموس على الأمر. وكان ورد بن منير [٤] كبيرا من كبراء أصحاب الجيوش ومقيما فى بعض الأعمال فطمع فى الأمر وجمع الجموع واستجاش بالمسلمين من الثغور وكاتب أبا تغلب ابن حمدان وواصله وصاهره. وأخرج الملكان اليه عسكرا بعد عسكر فكسرهم واستظهر وسار إلى القسطنطينية ودهم الملكين ما ضاقا به ذرعا فأطلقا ورديس بن لاون واصطنعاه واستحلفاه على المناصحة وأنفذاه للقاء ورد فى الجيوش الكثيرة وجرت بينهما وقائع أبلى كل واحد منهما بلاء ظاهرا حتى تبارزا وتضاربا باللتوت إلى أن وقعت خوذهما عن رؤوسهما. ثم انهزم ورد ودخل إلى بلاد [٢٣] الإسلام مفلولا وحصل بظاهر ميافارقين على نحو فرسخ منها- وأبو على الحسن بن على التميمي الحاجب إذ ذاك بها- وراسل عضد الدولة وأنفذ أخاه اليه فأحسن تقبّله ووثق اليه بخطه وأعاده عليه بوعد جميل فى إنجاده.

стр. 3066

وتلاه رسول ملك الروم يلاطف عضد الدولة فى أمره [١] فقوى فى نفسه ترجيح جانب ملك الروم على ورد وبدا له رأى فى تدبير القبض عليه فكاتب أبا على التميمي بالتوصل إلى تحصيله. فخرج أبو على اليه بعد مراسلة ترددت بينهما فى الاجتماع وقبض عليه وعلى ولده وأخيه وجماعة من أصحابه وحملهم إلى ميافارقين ثم أنفذهم إلى مدينة السلام. رأى صواب رآه أصحاب ورد وأشاروا عليه فأهمله واستبدّ برأيه كان وجوه أصحاب ورد اجتمعوا اليه قبل القبض عليه وقالوا: - «لسنا نرى أمرنا مع عضد الدولة مستقرّا عن نصرة ومعونة وقد تردّد بينه وبين ملكي الروم فى معنانا وانّا لا نأمن أن يرغّباه [٢٤] فينا فيسلمنا والوجه الاستظهار وترك الاغترار وأن نفارق موضعنا عائدين إلى بلاد الروم على صلح إن أمكننا أو حرب نبذل فيه جهدنا، فامّا ظفرنا أو مضينا أعزاء كراما.» فقال: «ما هذا رأى، ولا رأينا من عضد الدولة الا الجميل ولا يجوز أن نقصده ثم نتصرف عنه من قبل أن نبلو ما عنده.» فلما خالفهم وتركهم تركه كثير منهم وفارقوه. فأقام ورد وأخوه وولده وتحصلوا فى الاعتقال إلى أن أفرج عنهم صمصام الدولة فى آخر أيامه على ما يأتى ذكره فيما بعد إن شاء الله.

стр. 3067

ذكر ما جرى عليه أمر فخر الدولة لما صار إلى قزوين بعد هزيمته من همذان قفل عنها إلى بلاد الديلم وحصل بهوسم [١] وأقام بها مدّة. وتردّدت بينه وبين قابوس بن وشمكير [٢] مراسلات وأيمان وعهود سببها الاجتماع على عداوة عضد الدولة ومؤيدها، ثم سار إلى خراسان لاستنجاد صاحبها. ودخلت سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة [٢٥] كان عضد الدولة أنفذ أبا نصر خرشيد يزديار [٣] إلى قابوس برسالة يستصلحه فيها فعاد بجواب ظاهره المغالظة وباطنه الملاينة [٤] فسأل عضد الدولة الطائع لله أن يعقد لمؤيد الدولة أبى منصور على أعمال جرجان وطبرستان وينفذ اليه العهد واللواء والخلع السلطانية فأجابه إلى ذلك. وجلس فى محرّم هذه السنة وجرّد أبا حرب زيار بن شهراكويه إلى مؤيد الدولة عدد كثير وضمّ اليه أبو نصر خواشاذه وأصحاب خزائن المال والثياب والسلاح فوصلا إلى مؤيد الدولة وهو معسكر بظاهر الرىّ وأوصلا اليه الخلع السلطانية فلبسها وركب فى العسكر وسار. فلما انتهوا إلى استراباذ وبينها وبين طبرستان عشرة فراسخ وقابوس مقيم بها حفر بظاهرها خندقا أجرى فيه المياه وبنى عليه أبراجا رتّب فيه الرماة وعمل على المطاولة ولم يهمل مع ذلك الاستعداد للمواقعة إن دعته ضرورة

стр. 3068

إليها ونزل مؤيد الدولة على فراسخ من البلد فى موضع ماء وجده، وأنفذ إلى طبرستان من دخلها وملكها لأنّ قابوس أخلاها وجمع العساكر عنده واحتشد بغاية جهده. وطلعت طلائع العسكرين وتمسّك قابوس بموضعه وتوقّف [٢٦] مؤيد الدولة عن مقاربته إشفاقا من تعذّر الماء وأقام الفريقان على هذه الحال أيّاما. ذكر حرب جرت على غير ترتيب آل عقباها الى الخير والاتفاق لم يزل مؤيد الدولة يجيل الرأى ويعمل التدبير إلى أن عرف خبر واد بظاهر البلد يجتمع اليه مياه الأمطار فى أيّام الشتاء وأنّه متى سدّت أرجاء تقاربه وأسيح ماؤها اليه أمكن النزول عليه فركب هو وجماعة من خواصه فى عدد قليل من الغلمان لمشاهدة الموضع وتقدم إلى من كان خرج للمناوشة بالتوقف فى ذلك اليوم وأقام على الجبل من يمنع ويردّ. فما هو أن بعد عن العسكر حتى زحف الديلم منازعين إلى لقاء القوم وقابلهم عسكر قابوس بمثل حالهم واشتد القتال وبلغ مؤيد الدولة ذلك فقامت عليه القيامة وأنفذ جماعة من الحجّاب والنقباء فوجدوا الأمر قد فات عن حدّ القبول، فانكفأ حينئذ إلى موضع المعسكر. ولم تزل [٢٧] الحرب قائمة على ساق إلى أن صوّبت الشمس للغروب. ذكر غلط جرى من قابوس فى ردّ أصحابه بعد أن لاح له الضعف من مؤيد الدولة وردّ قابوس أصحابه وعاد مؤيد الدولة إلى معسكره وقد قتل من أصحابه خلق وجرح أكثر ممن قتل من أصحاب قابوس وخرج فأنفذ مؤيد الدولة

стр. 3069

بدر بن حسنويه فى عدد كثير من الأتراك والأكراد إلى الجبل الحاجز بين الفريقين ليضبطه إشفاقا من أن يسير قابوس على أثرهم فانّه لو تبعهم لنكا فيهم وبلغ مراده منهم. واحتاج مؤيد الدولة إلى المقام أسبوعا حتى ثاب أصحابه واستراحوا وأجرى الماء إلى الوادي، ثم سار ونزل عليه ثم استعدّ أربعة أيام وزحف بعدها فى جميع العسكر. واشتبكت الحرب وحملت ميمنة مؤيد الدولة على ميسرة قابوس فكسرتها وفيها جمرة عسكره، فانهزم ودخل البلد مخترقا إلى جانبه الآخر وثبت القتال من ميمنة قابوس وفيها أخوه [٢٨] جركاس ساعتين بعد الهزيمة لأنّهم كانوا من وراء غيضة ولم يعلموا الصورة، فلمّا عرف جركاس هزيمة قابوس انهزم لا حقا به. وأنفذ مؤيد الدولة جماعة فرسان من عسكره لاقتصاص أثره فنكب قابوس عن الطريق وسار مارّا على القلاع معتقدا لصعود أحدها متى أرهقه طلب إلى أن حصل بنيسابور واجتمع مع فخر الدولة هناك. ولمّا ملك فخر [١] الدولة استراباذ رتّب أمورها واستخلف أحد أصحابه فيها وسار إلى جرجان فنزلها وأقام بها وأنفذ أبا نصر خواشاذه إلى الحضرة ببغداد فى رسائل ووردها فى شهر رمضان مع الأسارى من أقارب قابوس ووجوه أصحابه فأعرض عضد الدولة عنه وأظهر الشكر [٢] له وأخرج أبا على الحسن بن محمد إلى جرجان.

стр. 3070

ذكر خيانة فى مشورة جرّت نكبة كان عادة أبى نصر إذا أنفذ إلى الرىّ وقرب منها أن يتلقّاه الصاحب أبو القاسم ابن عباد وإذا رآه أبو نصر أن يترجّل له فلمّا [٢٩] خرج فى هذا الوقت مع زيار أحبّ أن يفعل مثل فعله لئلا يكون له، فى الامتناع منه زيادة رتبة عليه. فقال له زيار قول المستشير: - «ما الذي ترى أن تفعل فى خدمة الصاحب إذا لقيته؟» فقال: «أنت أعلم، إلّا أنّ عضد الدولة ينزله المنزلة الكبيرة ويؤثر أن يقضى حقّه، والذي أفعله أنا الترجل له ومتى فعلت ذلك لم تأمن أن يفعل مثل ذلك.» فحمل زيارا على أن يترجّل له عند خروجه لتلقّيه ولم يترجّل الصاحب ولا كان ممن ينقاد لهذا أو يسمح به وإنّما خدعه أبو نصر حتى تمّ غرضه. وبلغ عضد الدولة ذلك فغاظه غيظا عظيما أسرّه إشفاقا من أن يتأدّى الى الصاحب أبى القاسم فيه ما يوحشه، فلما ورد أبو نصر وفى قلب عضد الدولة من [١] هذا الأمر ما فيه اطّرحه وأعرض عنه ثم قبض عليه بعد مدة وحمله الى بعض القلاع بفارس. ولقابوس أبيات قالها بعد الهزيمة مستحسنة: قل للّذى بصروف الدّهر عيّرنا ... هل عاند الدّهر إلّا من له خطر أما ترى البحر تطفو فوقه جيف ... ويستقرّ بأقصى قعره الدّرر فان تكن نشبت أيدى الخطوب بنا ... ومسّنا من توالى صرفها ضرر [٣٠]

стр. 3071

ففي السّماء نجوم لا عداد لها ... وليس يكسف إلّا الشّمس والقمر سخط عضد الدولة على التنوخي وفيها سخط على القاضي أبى على المحسّن بن على التنوخي وألزم منزله وصرف عما كان يتقلّده. ذكر السبب فى ذلك كان التنوخي مع عضد الدولة بهمذان، فاتّفق يوما أنّه مضى إلى أبى بكر بن شاهويه وكان صديقه ومعه أبو على الهائم، فجلسا يتحدثان فى خركاه وأبو على على بابها وقال ابن شاهويه للتنوخى: - «أيها القاضي اجعل فى نفسك المقام فى هذا البلد مدة هذه الشتوة.» فقال: «لم.» قال: «لأنّ عضد الدولة يدبّر فى القبض على ابن عبّاد» وكان قد ورد إلى حضرته. فانصرف التنوخي من عنده فقال له أبو على الهائم: - «قد سمعت ما كنتما فيه وهذا أمر ينبغي أن تطويه ولا تخرج إلى أحد به ولا سيّما إلى أبى الفضل ابن أبى أحمد الشيرازي.» فقال التنوخي: - «أفعل.» ونزل إلى خيمته وجاءه من كانت عادته جارية بملازمته ومؤاكلته ومشاربته وفيهم أبو الفضل ابن أبى أحمد الشيرازي فقال له: - «ما لى [٣١] أراك أيها القاضي مشغول القلب؟»

стр. 3072

تفريط فى إذاعة سرّ عاد بوبال فاسترسل اليه وقال له: - «أما علمت أنّ الملك مقيم وقد عمل [١] على كذا فى أمر الصاحب وهذا دليل على تطاول السفر.» ولم يتمالك أن انصرف واستدعى ركابيّا من ركابيّة القاضي التنوخي وقال له: - «أين كنتم اليوم؟» فقال: «عند أبى بكر ابن شاهويه.» فكتب إلى عضد الدولة رقعة يقول فيها: - «كنت عند التنوخي فقال لى كذا وكذا- وذكر انه عرفه من حيث لا يشكّ فيه- وعرفت أنّه كان عند أبى بكر ابن شاهويه وربما كان لهذا الحديث أصل، فإذا ذاع السرّ فيه فسد ما دبّرته فى معناه.» فلما وقف عضد الدولة على الرقعة وجم وجما شديدا وقام من سماط كان عمله للديلم على منابت الزعفران مغيظا واستدعى التنوخي وقال له: - «بلغني عنك كذا وكذا.» فخجل التنوخي، ثم جمع بينه وبين أبى الفضل الساعي به، فواقفه فأنكره، وأحضر ابن شاهويه وسئل عن الحكاية فأنكرها، وسئل أبو على الهائم [٣٢] عما سمعه فقال: - «كنت خارج الخركاه وما وقفت على شيء.» فمدّ وضرب مائتي مقرعة وأقيم فنفض ثيابه وقال:

стр. 3073

- «أكثر الله خيركم.» واتّصل ذلك بعضد الدولة فأمر بضربه مائة مقرعة أخرى، واندفعت القصة فرجع التنوخي الى خيمته بعد أن ظنّ أنّه مقبوض عليه وبقي يتردّد إلى خدمة عضد الدولة مدة وهو معرض عنه حتى عاد له إلى بعض الإقبال عليه. ثم رحلوا إلى بغداد فرآه عضد الدولة وعليه ثياب جميلة وتحته بغلة بمركب ثقيل، فقال له: - «من أين هذه البغلة؟» فقال: «حملني عليها الصاحب بمركبها وأعطانى عشرين قطعة ثيابا وسبعة آلاف درهم.» فقال: «هذا قليل لك مع ما تستحقّه عليه.» فعلم التنوخي أنّه اتهمه بذلك الحديث. وورد عضد الدولة إلى بغداد فحكى له أنّ الطائع لله متجاف عن ابنته وأنّه لم يقرّبها فثقل ذلك عليه فقال للتنوخى: - «تمضى إلى الخليفة وتقول له عن والدة الصبيّة إنها مستزيدة لإقبال مولانا عليها.» فعاد التنوخي إلى داره ليلبس أهبة دار الخلافة. ذكر اتّفاق ردىء جاء بالعرض [٣٣] فاتفق أنّ التنوخي زلق عند عوده إلى داره ووثئت رجله فأنفذ إلى عضد الدولة فعرّفه عذره فلم يقبله وأنفذ اليه من يستعلم ما جرى، فرأى غلمانه روقة وفرسا جميلة وعاد اليه فقال: - «إنّه يتعلل وليس بعليل وشاهدته على صورة كذا والناس يغشونه

стр. 3074

ويعودونه.» فاغتاظ غيظا مجددا حرّك ما فى نفسه أولا فراسله بأن: - «الزم منزلك ولا تخرج عنه ولا تأذن لأحد فى الدخول إليك.» [١] إلّا نفر من أصدقائه استأذنه فيهم، واستمر السخط عليه إلى حين وفاة عضد الدولة. وفى هذه السنة أطلق أبو إسحاق ابراهيم بن هلال الكاتب [٢] من الاعتقال وكان القبض عليه فى سنة سبع وستّين وثلاثمائة. ذكر السبب فى القبض عليه والإفراج عنه كان قد خدم عضد الدولة عند كونه بفارس بالمكاتبة والشعر والقيام بما يعرض من أموره بالحضرة، فقبله وأرفده فى أكثر نكباته بمال حمله اليه، ولما ورد بغداد فى سنة أربع [٣٤] وستّين ازداد اختصاصه به حتى أشفق من المقام بها بعد عوده. فاستظهر له عضد الدولة بذكره فى الاتفاق الذي كتب بينه وبين عز الدولة وعمدتها أخيه واليمين التي حلفا بها وشرطا عليها حراسته فى نفسه وماله. فلما انحدر عضد الدولة لم يأمن على نفسه فاستتر حتى توسط أبو محمد ابن معروف أمره وأخذ له الأمان من عز الدولة وابن بقيّة وظهر، فتركه مديدة ثم قبض عليه بإغراء من ابن السراج لهما به، وما زال مقبوضا عليه حتى فسد أمر ابن السراج.

стр. 3075

ذكر اتفاق عجيب فى خلاص أبى إسحاق وهلاك ابن السراج قد تقدم فى كتاب تجارب الأمم ذكر السبب فى القبض عليه عند إفاقة ابن بقيّة من علّته التي أشفى فيها فلمّا قبض عليه نقل القيد من رجل أبى إسحاق إلى رجله وعاد أبو إسحاق إلى خدمة عز الدولة وكتب عنه فى أيام المباينة بينه وبين عضد الدولة الكتب [٣٥] التي تضمنت الوقيعة فيه [١] فنقم عليه ذلك. فلما ورد عضد الدولة فى الدفعة الأخيرة وحصل بواسط خرج أبو إسحاق بما فى نفسه من الحذر إلى أبى سعد بهرام بن أردشير وهو يتردّد فى الرسائل والوساطة، وسأله اجراء ذكره وإقامة عذره والاحتياط له بأمان يسكن اليه نفسه وكتب على يده كتابا. ففعل أبو سعد ذلك وتنجز له جواب كتابه وفيه توقيع عضد الدولة بالتوثقة والأمان، ودخل عضد الدولة بغداد فأجراه على رسمه. فلما حصل بالموصل كتب إلى أبى القاسم المطهر بن عبد الله فقبض عليه على مضض منه وكراهية. ذكر السبب فى ذلك لما أخرج إلى الديوان ما وجد فى قلاع أبى تغلب من الحسبانات والكتب لتتأمل، كان فيها الشيء الكثير من كتب عز الدولة إلى أبى تغلب بخط أبى إسحاق الصابي فحملت إلى عضد الدولة. فلمّا وقف عليها حرّكت ما فى

стр. 3076

نفسه فكتب من هناك بالقبض عليه. فبقى فى الاعتقال يكتب إلى عضد الدولة ويستعطفه بأشعاره إلى أن [٣٦] تقدم عضد الدولة إلى أبى القاسم المطهر بالانحدار إلى البطيحة فسأل حينئذ فى إطلاقه والإذن له فى استخلافه بحضرته لعناية أبى القاسم به فقال: - «اما العفو عنه فقد شفّعناك فيه وعفونا له عن ذنب لم نعف عما دونه لاهلنا- يعنى الديلم- ولا لأولاد نبينا صلى الله عليه- يعنى أبا الحسن محمد بن عمر وأبا أحمد الموسوىّ- ولكنا وهبنا إساءته لخدمته وعلينا المحافظة فيه على الحفيظة منه وأما استخلافك له بحضرتنا فكيف يجوز أن ننقله من السخط عليه والنكبة له إلى النظر فى الوزارة؟ ولنا فى أمره تدبير وبالعاجل فاحمل اليه من عندك ثيابا ونفقة وأطلق ولديه [١] وتقدم اليه بعمل كتاب فى مفاخرنا.» ففعل المطهر ذلك وعمل أبو إسحاق الكتاب الذي سماه: التاجىّ فى الدولة الديلمية. فكان إذا عمل منه جزءا حمله إلى عضد الدولة حتى يقرأه ويصلحه ويزيد فيه وينقص منه، فلما كان تكامل ما أراده حرّر وحمل كاملا إلى خزانته. وهو كتاب بديع الترصيف حسن التصنيف، فان أبا اسحق كان من فرسان البلاغة الذين لا تكبو مراكبهم [٣٧] ولا تنبو مضاربهم. ووجدنا آخره موافقا لآخر كتاب تجارب الأمم حتى إنّ بعض الألفاظ تتشابه فى خاتمتها وانتهى القولان فى التاريخ بهما إلى أمد واحد والكتاب موجود يغنى تأمّله عن الإخبار عنه.

стр. 3077

إنّ الجواد عيبه [١] فراره ومن العجب كيف نكبه عضد الدولة وهو الموصوف بحسن السيرة والإنصاف فى السياسة مع ما سبق اليه من خدمته وعرفه أولا من خلوص نيته وأعطاه أخيرا من أمانته وموثقته. إن كان الذي نقم عليه منه هو ما ذكر فى تاريخ من حال الكتب التي كتبها عن عزّ الدولة فغير مستحسن من الملوك أن ينقموا بغير حق وأن ينقضوا الأمان من غير موجب. فلو أنّ عضد الدولة أمره بمثل ما كان عزّ الدولة أمره به هل كان يقدر على خلافه مع كونه فى قبضة سلطانه؟ والله تعالى يقول: «إِلَّا من أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» ١٦: ١٠٦ [٢] . وربما خفى السبب أو أخطأ القياس والأشخاص تفنى والذكر يبقى والشاعر يقول: وكذلك الزمان يذهب بالنا ... س وتبقى الديار والآثار [٣٨] ولو قال: «ويبقى الحديث والاخبار» لكان أقرب إلى الصواب فإنّ الديار تدرس والآثار تذهب والحديث يبقى والاخبار تروى على أنّ عضد الدولة أبقى عليه فى اعتقاله وعاود الحسنى فى إطلاقه وبدأ باستئناف الجميل معه. لو أنّ المنايا أنسأته لياليا ووجدت رواية أخرى [٣] فى سبب إطلاقه وهو أنّ عضد الدولة رقّ له لما

стр. 3078

طال حبسه، وأنّ أبا الريّان وأبا عبد الله ابن سعدان تولّيا الإفراج عنه، ثم شغلت عضد الدولة علّته عن النظر فى أمره واظهار آثار الرضاء [١] عليه بالإحسان اليه وقد حكينا ما رأينا. وفى هذه السنة ورد عن أبى القاسم نوح [٢] بن منصور صاحب خراسان رسول يكنى بأبى الغنائم فخرج أولاد عضد الدولة مع سائر الجيش لتلقيه وأكرم غاية الإكرام. وفيها أخرج معه أبو الغنائم نصر بن الحسين والقضاة وأبو محمد الجهرمى وأبو عقبة وأبو محمد ابن عقبة وسالم إلى أبى الغنائم [٣] يذكّره بما يعتمده ويورده من جملتها العتاب على فخر الدولة وقابوس وايوائهما وأنّه: إن كان الوفاء بالمعاهدة التي جرت مع السلف واقعا فيجب ان يسلموها يدا بيد إلى مؤيد [٣٩] الدولة ليحمل إليكم مال الموافقة سالفا وآنفا على العادة، فإن أردتم استئناف الصلح بيننا وهدر ما تقدم وأن تجعلوا إيواء العاقّ وقابوس- يعنى بالعاق فخر الدولة- عوضا عن المال بعناكم إيّاهما بالثمن الذي استرخصتموهما به فيبين على ممرّ الأيام الرابح منا ومنكم، وإن قال أبو العباس [٤] أنّه يكلّمنا فى أمر قابوس وما كان يجب فى جواب شفاعتنا التسرع اليه، قيل له: - «قد اعترفت وقلت أنت وأبو الحسين العتبى [٥] بأنّ الرجل أحد أصحابنا وأنّه جان علينا مستحق للعقوبة وأنّكم شافعون فى بابه ومعلوم أنّ الصلح

стр. 3079

معقود عن جرجان وطبرستان وعن غيرهما من قومس [١] بدامغان وكرمان وما يلزم واحدا منا ولا من صاحبك ان شفاعتهما ... ثم إنّا نقول فى الجواب: - «إنّه ما كان يجب التسرّع فى باب أبى الحسن ابن سمجور وقد شفعنا فيه، فإن كان ذلك واجبا علينا فهذا واجب عليكم وإن كان بكم التجني فهو ما لا يستعمله أصحاب التحصيل ولسنا ممن يتجنى عليه. وإن اخترتم استئناف الصلح على أن تطردوا العاقّ وقابوس طردا على أن لا يكونا فى بلادكم ويذهبا حيث شاءا [٤٠] من أرض الله قبلنا، وان سألتم أن نرضى بمقامهما عندكم رضينا على أن ينفذا إلى بخارا وينفض عنهما أصحابهما وإن لم ينفضوا [٢] عنهم فإنّهم سينفضون من ذات أنفسهم. وان سألتم أن نؤمنهما ليعودا إلى جملنا هدرنا ما تقدم من الموافقة واستقبال الوقت الذي يقع فيه الصلح، فنحن نفعل ذلك كرامة لذلك الكبير ولكن على أن يردوا حضرتنا ويكون ما نفعله معهم تبرّعا منّا ومؤكّلا إلى رأينا من غير اشتراط فذلك خير لهما. وان اخترتم بيعنا بمقامهما عندكم، فإنّنا نسمح لكم بهذين المقبلين المباركين ومال الصلح الذي تأخذونه منّا مستأنفا، فإنه سيذهب لكم عليهما وأكثر، فليس يحسن بكم أن تعطوهما أكثر من ذلك، فان أحسنتم إليهما خسرتموهما والمال جميعا ولم تحصلوا منهما على طائل، وان لم تحسنوا إليهما فارقاكم عن قلى وعادا إلينا بلا منة لكم علينا فى بابهما وتكون مفارقتهما لكم على ما يليق بهما إلى حيث يرمى بهما جدّهما الغار اليه.» وقد كنا نقول لقابوس: - «لا تقبل العاقّ ولا تؤوه، فقد سمعت ما كان من أبى تغلب ابن حمدان

стр. 3080

حين قبل [٤١] بختيار الشقىّ ورأيت عاقبتهما، فإن كان محمودا فسترى مغبّة فعلك وسيرى العاقّ مغبة فعله.» ورأيتم فيهما ما يليق بهما ولله الحمد وقد اجتمعا عندكم وأنتم على بصيرة من أمرهما. فان استقر الصلح بنيسابور فليخرج إلى بخارا لعقد الوثيقة وإحكام الأمر على حسب ما رسمناه وبمحضر من القضاة والشهود ووجوه الحاشية والقواد والغزاة وأماثل البلدان، وإن أحبّ أن يتمّ ما خرج له القضاة الثلاثة من حضرتنا استخار الله فيه وتمّمه، وإذا عاد إلى نيسابور أحكم عقد الصلح فيها بشهادات الأماثل، وإن رأى الصواب فى أن يشهد على أبى العباس فى نسخة العهد الذي يتولى تجديده ببخارا أو يأخذ خطه فيها فعل. وقد كان عضد الدولة متوقفا عن إنفاذ أبى غنائم [١] وقال له: - «ان القوم قد غدروا ونكثوا العهد ورفضوا الودّ ولم يبق بعد إيواء فخر الدولة وقابوس هوادة.» وقد سبق منهم فى قصة ابن سمجور ما قد سبق مما يدلّ على فساد الدخائل. فما زال أبو غنائم يراجعه ويعرض عليه ما يصله من كتبهم الدالة على بذل الموافقة حتى أذن له فى الخروج على ما تقدم [٤٢] ذكره إبلاء للعذر. فأمّا قصة ابن سمجور وتنكّر آل سامان عليه فالسبب فى ذلك أنّه كان رجلا قد حنكته التجارب وهذّبته الأيام ورأى الدولة الديلمية وهي فى ابتدائها تسرى فى البلاد سرى النار فى الهشيم فكان يرقع الخرق

стр. 3081

ويعتمد الرفق [١] ويسلك طريق المفارقة فعرف عند آل سامان بالمداهنة والصغو إلى غيرهم وسعى بفساد ذات البين وأغمار حتى آل الأمر إلى ازالة قدمه عن مستقرها. وأخبرنا من نثق به عن صدر عظيم فى زماننا هذا انّه قال وضربه مثلا فى غرض له: - «انّ ابن سمجور كان كالسد لبلاد سامان يوارى عوراتهم ويغطّى هناتهم وكان يصرف ما يحصل من مال البلاد التي فى يديه فى مسالحها [٢] ومحارسها وأنفذوا يلتمسون منه مالا ويتجنون عليه أقوالا وأفعالا.» فقال فى الجواب: - «اعلموا أنّ مثلي معكم مثل ستر من خرق على باب دار خراب، فدعوه بحاله مسبلا على الباب [٤٣] فإنّكم ان رفعتموه بانت آثار الخراب.» فلم يقبلوا منه وكان الأمر كما زعم. ونعود إلى سياقة التاريخ: ودخلت سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة عدّة حوادث منها الحرب بين المؤيّد والفخر على باب جرجان وفيها أخرج أبو القاسم [٣] سعد الحاجب وقراتكين مددا لمؤيد الدولة عند ورود فخر الدولة وقابوس وعساكر خراسان.

стр. 3082

شرح الحال فى ذلك قد تقدّم ذكر اجتماع فخر الدولة وقابوس بنيسابور، ولمّا حصلا بها أقام قابوس ومضى فخر الدولة إلى صاحب خراسان فاستجار به وسأله المعونة وأقام عنده إلى أن جرد معه ناس وجماعة من أكابر القوّاد وسارت الجماعة حتى نزلت على باب جرجان ومؤيد الدولة بها. ووقعت الحرب بين الفريقين أياما كانت بينهم سجالا، ثم وقع الخلف بين عساكر خراسان وانصرفوا، ورجع فخر الدولة وقابوس إلى نيسابور مفلولين. وفيها خرج أبو الفوارس [٤٤] ابن عضد الدولة من بغداد الى كرمان للمقام بها والولاية عليها والإبعاد عن الحضرة، وقد كانت علّة عضد الدولة قويت واستحكمت. وفيها ورد أبو اسحق محمد بن عبد الله بن محمد بن شهرام ومعه رسول ملك الروم. ذكر ما جرى بين عضد الدولة وملك الروم فيما تردّدت به الرسالة كان سبب هذه الرسالة ما تقدم ذكره من دخول ورد إلى بلد الإسلام فخاف ملك الروم وأنفذ رسولا إلى عضد الدولة فى أمره. فأخرج أبو بكر محمد ابن الطيب الأشعري المعروف بابن الباقلاني بجواب الرسالة فعاد ومعه رسول يعرف بابن قونس فأعيد وأنفذ معه أبو اسحق بن شهرام فاستثنى على ملك الروم بعدّة حصون ووصل معه رسول يعرف بنقفور الكانكلى بهدية جميلة.

стр. 3083

نكت من جملة مشروح [١] وجد بخط [٤٥] ابن شهرام دلت منه على دهاء وحزم وقوّة رأى قال: لما حصلت بخرشنة عرفت انّ الدمستق خرج من القسطنطينية آخذا فى الاحتشاد والاستعداد ومعه رسول حلب المعروف بابن مامك وكليب حمو أبى صالح السديد. فأمّا كليب فإنّه كان مع ورد وحصل فى جملة العصاة الذين أومنوا وأقرّوا فى بلد الروم بعد ان صودروا وهّم الروم بمصادرته أسوة بغيره وارتجاع الضياع التي سلمت اليه حين سعى فى تسليم قلعة برزوية إليهم، فتوصل كليب إلى البركموس والدمستق بما أرضاهما به وضمن لملك الروم فى أمر حلب وغيرها ضمانات دفع بها الشر العاجل وبذل تعجيل ما يتعلق بخراج حلب وحمص لما كان صهره وأنّه لا يخالفه، فتخلص بهذه الحجة. وأما رسول حلب فإنّه لم يفعل معه أمر الّا انّه طولب بخراج ما مضى من السنين. وحصل الدمستق بموضع عادل عن جادّة البريد فعدل ابن قونس بى اليه ووجدته حدث السن معجبا بنفسه لا يؤثر تمام الهدنة لا حوال منها أنّه يستغنى عنه فى العاجل فتبطل سوقه [٤٦] ومنها أن يقع الطمع فيه من ملك الروم «ولا نأمن بوائقه» والثالثة ما يرجوه ويشتهيه لنفسه، الّا انه أظهر جميلا وقبل الهدنة وشكر عليها. ثم سألنى عما وردت فيه، فذكرت جملته وواقفه ابن قونس على نسخة الشرط فلما وقف عليه قال: - «لو تمّ للرؤساء ان نخلّى لهم عما يريدونه من البلدان والحصون باللطف

стр. 3084

والرفق لكان كل رئيس يتلطف ويستغنى بذلك عن جميع الرجال وبذل الأموال.» قلت: «إذا كان اللطف والرفق من وراء قوّة وقدرة فهو دليل الفضل ويجب تلقيه بالقبول.» قال: «أما حلب فليست ببلدكم ولا يريدكم صاحبها وهذا رسوله وكليب يبذلان لنا خراجها ويسألان الذبّ عنها، وأما الحصون فإنّها أخذت فى زمان عمّى نقفور وغيره من الملوك ولا فسحة فى النزول عنها، فإن كان معك غير هذا وإلّا فلا تتعب نفسك بطول الطريق.» فقلت: «ان كان أمرك ملك الروم بانصرافي فعلت، وإن كنت قلته من تلقاء نفسك فيجوز أن يسمع الملك كلامي وأسمع جوابه وأعود بحجة.» فأذن لى فى السير. فسرت إلى القسطنطينية ودخلتها بعد أن تلقّانى من أصحاب [٤٧] ملكها من أحسن صحبتي إليها فأكرمت وأنزلت فى دار نقفور الكانكلى الذي وصل الآن معى رسولا وهو خصيص بملك الروم، ثم استدعيت فدخلت إلى البركموس فقال: - «قد وقفنا على الكتب وقد أحيل فيها على ما تقوله، فاذكر ما عندك.» فأخرجت الشرط الظاهر فلما وقف عليه قال: - «أليس قد تقرر الأمر مع محمد بن الطيب (يعنى أبا بكر الباقلاني) على ما طلبتموه من ترك خراج بلد أبى تغلب الماضي والمستأنف ورضى بما شرطناه عليه من رد الحصون التي أخذت منّا والقبض على ورد وقد رضى مولاك بما شرطنا وفعل ما أردنا وطلبنا، إنّ خطه معك بتمام الهدنة.»

стр. 3085

فقلت: «ما عقد محمد بن الطيب معكم شيئا [١] .» فقال: «ما خرج من عندنا الّا على تقرير ما شرطناه عليه وان ينفذ خطّ مولاكم بإتمامه.» فقد كان أحضر كتابه بالرضا بجميع ما يمضيه هو، فاحتجت إلى أن أتطلب مجالا أقاوم به مجالهم. ذكر بديهة جيّدة انقدحت لابن شهرام فى دفع حجّة الخصم فقلت: «ما عقد محمد بن الطيب شيئا [٢] ولكن ابن قونس قرر هذا الشرط [٤٨] وأخذ نسخته بالرومية.» فاشتطّ البركموس وقال لابن قونس: - «من أمرك بهذا؟» فقال: «ما قررت شيئا [٣] ولا محمد بن الطيب قرر شيئا [٤] .» وانصرفت. فاستعادنى بعد أيام وعاود قراءة الشرط ووقف عند فصل كان قيل فيه «ما تقرر مع شهرام على ما فى النسخ الثلاث» فقال: - «هذه واحدة وأين الأخريان؟» فرجعت إلى الموضع فوجدت السهو قد وقع فى ترك ذلك فقلت: - «معنى هذا اللفظ أن يكون الشرط على ثلاث نسخ، إحداها تكون عند
следующие страницы →