← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

ويعتمد الرفق [١] ويسلك طريق المفارقة فعرف عند آل سامان بالمداهنة والصغو إلى غيرهم وسعى بفساد ذات البين وأغمار حتى آل الأمر إلى ازالة قدمه عن مستقرها. وأخبرنا من نثق به عن صدر عظيم فى زماننا هذا انّه قال وضربه مثلا فى غرض له: - «انّ ابن سمجور كان كالسد لبلاد سامان يوارى عوراتهم ويغطّى هناتهم وكان يصرف ما يحصل من مال البلاد التي فى يديه فى مسالحها [٢] ومحارسها وأنفذوا يلتمسون منه مالا ويتجنون عليه أقوالا وأفعالا.» فقال فى الجواب: - «اعلموا أنّ مثلي معكم مثل ستر من خرق على باب دار خراب، فدعوه بحاله مسبلا على الباب [٤٣] فإنّكم ان رفعتموه بانت آثار الخراب.» فلم يقبلوا منه وكان الأمر كما زعم. ونعود إلى سياقة التاريخ: ودخلت سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة عدّة حوادث منها الحرب بين المؤيّد والفخر على باب جرجان وفيها أخرج أبو القاسم [٣] سعد الحاجب وقراتكين مددا لمؤيد الدولة عند ورود فخر الدولة وقابوس وعساكر خراسان.

стр. 3082

شرح الحال فى ذلك قد تقدّم ذكر اجتماع فخر الدولة وقابوس بنيسابور، ولمّا حصلا بها أقام قابوس ومضى فخر الدولة إلى صاحب خراسان فاستجار به وسأله المعونة وأقام عنده إلى أن جرد معه ناس وجماعة من أكابر القوّاد وسارت الجماعة حتى نزلت على باب جرجان ومؤيد الدولة بها. ووقعت الحرب بين الفريقين أياما كانت بينهم سجالا، ثم وقع الخلف بين عساكر خراسان وانصرفوا، ورجع فخر الدولة وقابوس إلى نيسابور مفلولين. وفيها خرج أبو الفوارس [٤٤] ابن عضد الدولة من بغداد الى كرمان للمقام بها والولاية عليها والإبعاد عن الحضرة، وقد كانت علّة عضد الدولة قويت واستحكمت. وفيها ورد أبو اسحق محمد بن عبد الله بن محمد بن شهرام ومعه رسول ملك الروم. ذكر ما جرى بين عضد الدولة وملك الروم فيما تردّدت به الرسالة كان سبب هذه الرسالة ما تقدم ذكره من دخول ورد إلى بلد الإسلام فخاف ملك الروم وأنفذ رسولا إلى عضد الدولة فى أمره. فأخرج أبو بكر محمد ابن الطيب الأشعري المعروف بابن الباقلاني بجواب الرسالة فعاد ومعه رسول يعرف بابن قونس فأعيد وأنفذ معه أبو اسحق بن شهرام فاستثنى على ملك الروم بعدّة حصون ووصل معه رسول يعرف بنقفور الكانكلى بهدية جميلة.

стр. 3083

نكت من جملة مشروح [١] وجد بخط [٤٥] ابن شهرام دلت منه على دهاء وحزم وقوّة رأى قال: لما حصلت بخرشنة عرفت انّ الدمستق خرج من القسطنطينية آخذا فى الاحتشاد والاستعداد ومعه رسول حلب المعروف بابن مامك وكليب حمو أبى صالح السديد. فأمّا كليب فإنّه كان مع ورد وحصل فى جملة العصاة الذين أومنوا وأقرّوا فى بلد الروم بعد ان صودروا وهّم الروم بمصادرته أسوة بغيره وارتجاع الضياع التي سلمت اليه حين سعى فى تسليم قلعة برزوية إليهم، فتوصل كليب إلى البركموس والدمستق بما أرضاهما به وضمن لملك الروم فى أمر حلب وغيرها ضمانات دفع بها الشر العاجل وبذل تعجيل ما يتعلق بخراج حلب وحمص لما كان صهره وأنّه لا يخالفه، فتخلص بهذه الحجة. وأما رسول حلب فإنّه لم يفعل معه أمر الّا انّه طولب بخراج ما مضى من السنين. وحصل الدمستق بموضع عادل عن جادّة البريد فعدل ابن قونس بى اليه ووجدته حدث السن معجبا بنفسه لا يؤثر تمام الهدنة لا حوال منها أنّه يستغنى عنه فى العاجل فتبطل سوقه [٤٦] ومنها أن يقع الطمع فيه من ملك الروم «ولا نأمن بوائقه» والثالثة ما يرجوه ويشتهيه لنفسه، الّا انه أظهر جميلا وقبل الهدنة وشكر عليها. ثم سألنى عما وردت فيه، فذكرت جملته وواقفه ابن قونس على نسخة الشرط فلما وقف عليه قال: - «لو تمّ للرؤساء ان نخلّى لهم عما يريدونه من البلدان والحصون باللطف

стр. 3084

والرفق لكان كل رئيس يتلطف ويستغنى بذلك عن جميع الرجال وبذل الأموال.» قلت: «إذا كان اللطف والرفق من وراء قوّة وقدرة فهو دليل الفضل ويجب تلقيه بالقبول.» قال: «أما حلب فليست ببلدكم ولا يريدكم صاحبها وهذا رسوله وكليب يبذلان لنا خراجها ويسألان الذبّ عنها، وأما الحصون فإنّها أخذت فى زمان عمّى نقفور وغيره من الملوك ولا فسحة فى النزول عنها، فإن كان معك غير هذا وإلّا فلا تتعب نفسك بطول الطريق.» فقلت: «ان كان أمرك ملك الروم بانصرافي فعلت، وإن كنت قلته من تلقاء نفسك فيجوز أن يسمع الملك كلامي وأسمع جوابه وأعود بحجة.» فأذن لى فى السير. فسرت إلى القسطنطينية ودخلتها بعد أن تلقّانى من أصحاب [٤٧] ملكها من أحسن صحبتي إليها فأكرمت وأنزلت فى دار نقفور الكانكلى الذي وصل الآن معى رسولا وهو خصيص بملك الروم، ثم استدعيت فدخلت إلى البركموس فقال: - «قد وقفنا على الكتب وقد أحيل فيها على ما تقوله، فاذكر ما عندك.» فأخرجت الشرط الظاهر فلما وقف عليه قال: - «أليس قد تقرر الأمر مع محمد بن الطيب (يعنى أبا بكر الباقلاني) على ما طلبتموه من ترك خراج بلد أبى تغلب الماضي والمستأنف ورضى بما شرطناه عليه من رد الحصون التي أخذت منّا والقبض على ورد وقد رضى مولاك بما شرطنا وفعل ما أردنا وطلبنا، إنّ خطه معك بتمام الهدنة.»

стр. 3085

فقلت: «ما عقد محمد بن الطيب معكم شيئا [١] .» فقال: «ما خرج من عندنا الّا على تقرير ما شرطناه عليه وان ينفذ خطّ مولاكم بإتمامه.» فقد كان أحضر كتابه بالرضا بجميع ما يمضيه هو، فاحتجت إلى أن أتطلب مجالا أقاوم به مجالهم. ذكر بديهة جيّدة انقدحت لابن شهرام فى دفع حجّة الخصم فقلت: «ما عقد محمد بن الطيب شيئا [٢] ولكن ابن قونس قرر هذا الشرط [٤٨] وأخذ نسخته بالرومية.» فاشتطّ البركموس وقال لابن قونس: - «من أمرك بهذا؟» فقال: «ما قررت شيئا [٣] ولا محمد بن الطيب قرر شيئا [٤] .» وانصرفت. فاستعادنى بعد أيام وعاود قراءة الشرط ووقف عند فصل كان قيل فيه «ما تقرر مع شهرام على ما فى النسخ الثلاث» فقال: - «هذه واحدة وأين الأخريان؟» فرجعت إلى الموضع فوجدت السهو قد وقع فى ترك ذلك فقلت: - «معنى هذا اللفظ أن يكون الشرط على ثلاث نسخ، إحداها تكون عند

стр. 3086

الملك [١] وأخرى بحلب والثالثة تكون بالحضرة.» قال ابن قونس: - «ليس كذا قيل لى «أمل علىّ تفسير الشرط» .» قال البركموس: - «لا ولكن هذه النسخة هي الظاهرة والأخرى بترك الحصون والثالثة بترك ذكر حلب وإمضاء الشرط على ما قرره محمد بن الطيب، وانما أنفذ هذا ليأخذ خطّ الملك وخاتمه بذلك.» فقلت: «هذا محال، وما عندي الا ما ذكرته من حال حلب والحصون على ما تضمّنه الشرط الذي وقفت عليه.» فقال: «لو كان ورد فى عسكره وقد [٤٩] أخذتمونا كلنا أسرى ما زاد على هذا، فكيف ذاك أسير.» جواب سديد لابن شهرام فقلت: «أمّا قولك: لو كان ورد فى عسكره، فهو غلط لأنك تعلم أنّ أبا تغلب- وأقل تابع لعضد الدولة أكبر منه- عاون وردا فأهلك ملك الروم سبع سنين فكيف لو أمدّه عضد الدولة بعساكره! وهو اليوم وان كان أسيرا فى أيدينا فإنّنا لم نفعل به ما تفعلون أنتم بأسراكم من المثلة، وكونه بالحضرة أحوط لنا لأنّنا لم نستأسره، لربما كان يضيق صدره بمدافعتنا ايّاه أو ييأس [٢] منّا فيستوحش ويمضى.» والآن فهو متصرف على أمرنا وساكن إلى ما شاهده بالحضرة من العز والأمن والحبل فى أيدينا بأطرافه.»

стр. 3087

فاشتد عليه خطابي ووجم منه وعرف صحّته وقال: - «الذي تطلبه لا طريق اليه فان أردت إمضاء ما تقرر مع محمد بن الطيب والّا فانصرف.» فقلت: «ان أردت أن أنصرف من غير أن أسمع كلام ملك الروم فعلت.» فقال: «ما أقوله أنا عنه، ولكن استأذنه فى ذلك.» ثم استدعيت [٥٠] بعد أيام فحضرت فاستعاد ملك الروم ما جرى فأعيد عليه بمحضرى فقال: - «يا هذا قد جئت بأمر منكر لانّه جاءنا رسول لكم فشرط علينا ما أجبناه اليه وشرطنا عليه ردّ الحصون التي أخدت أيام العصيان وتريد حصونا أخر وبلادا أخذها الملوك من قبلي، فإن رضيتم بما تقرّر أولا، والا فامض بسلام.» فقلت: «اما محمد بن الطيب فما قرر شيئا وأما الشرط الذي قد ورد معه فقد قطعتم فيه نصف بلدنا فكيف يجوز أن نقرّر علينا أمرا، فانّ الحصون التي فى ديار بكر منها شيء فى قبضك وإنّما هو فى أيدينا وليس لك فيها غير المنازعة ولا تدرى ما يحصل منها.» فقال البركموس: - «هذا رجل ذو جدل وتمويه للأقوال، والموت خير من الدخول تحت هذا الحكم، فدعه ينصرف الى صاحبه.» وقام فانصرفت. فاستدعاني البركموس بعد أن تكاملت مدة مقامي شهرين فى القسطنطينية وأحضر القربلاط والد الدمستق وهو مكحول وعددا من البطارقة وتناظرنا فى أمر الحصون، وبذلوا خراج حصن كيفا الذي فى يد والدة أبى تغلب وهو يؤدى الخراج إليها فقلت:

стр. 3088

- «أنا أدع لكم [٥١] خراج سمند [١] .» فقالوا: «ما معنى هذا؟» فقلت: «إنّما نذكر الأطراف فى الشرط لتعلموا أنّ ما وراءها داخل فى الهدنة معها وحصن كيفا داخل من دون آمد بخمسة أيام فكيف تذكرونه؟» وجرى جدل فى أمر حلب حتى قال القربلاط: - «إن حمل صاحب حلب الخراج إلينا علمنا حينئذ أنّك مبطل فى قولك، وأنّه يريدنا دونكم.» قلت: «وما يؤمنني أن تحتالوا على كاتبه كليب حميه حتى يعطيكم شيئا تجعلونه حجة؟ فأمّا بغير حيلة فأنا أعلم أنّه لا يكون.» وانصرفت. ثم أحضرنى ملك الروم بعد ذلك وقد وصل خراج حلب، فوجدت كلامهم غير الاول قوة وتحكّما فقالوا: - «هذا خراج حلب قد حضر وصاحبها قد سألنا أن نشارطه على حرّان وسروج ومعاونته عليكم وعلى غيركم.» فقلت: «أما الخراج وأخذكم ايّاه فأنا أعلم أنّه بحيلة، لأنّ عضد الدولة ظنّ أنكم لا تستجيزون ما قد فعلتموه، فلم ينفذ عسكرا يمنع عسكركم، وأما ما تحكونه عن صاحب حلب، فأنا أعرف بما عنده وكلّ ما يقال لكم عنه غير صحيح، والدعوة فيها فهي قائمة لعضد الدولة.» قالوا: «هل معك شيء غير هذا؟» قلت: «لا.» قالوا: «فتودّع الملك [٢] وتنصرف مصاحبا.» [٥٢]

стр. 3089

قلت: «الساعة.» وأقبلت بوجهي نحوه لتوديعه. رأى سديد رآه ابن شهرام فى تلك الحال قال: ثم تأمّلت الحال فوجدت البركموس والقربلاط وجماعة معهما ليس يؤثرون الهدنة، وأصحاب السيوف يخافون لئلّا تبطل سيوفهم وتنقص أرزاقهم على رسم الروم إذا هادنوا، ولم يبق لى طريق سوى مداراة ملك الروم والرفق به فقلت: - «أيها الملك يجب أن تتأمّل ما فعله عضد الدولة معك ولم يعاون عليك عدوّك ولم يتعرض لبلادك أيام اشتغالك بمن عصى عليك، وتعلم أنّك إن أرضيته وحده وهو ملك الإسلام والا احتجت أن ترضى ألوفا من أصحابك، ثم لا تدرى هل يرضون أم لا، ثم إن لم يرضوا ربما احتجت الى رضائه [١] من بعد، وتعلم أنّ كل من حول عضد الدولة لم يرغبوا فى هدنتك وانّما هو وحده أراد ففعل ما أراد، ولم يقدم أحد على مراجعته، وأراك تريد هدنته ولعلّ من حولك لا يساعدونك على مرادك.» فاهتزّ لخطابى وبان فى [٥٣] وجهه الامتعاض من علمي بالاعتراض عليه من أصحابه، وقام وانصرفت. وكان المشرف علىّ الخصيص بملك الروم، وهو الذي يوقع عنه بالحمرة ولا يمضى أمر دونه، نقفور الكانكلى الذي وصل معى رسولا فسألته أن ينصرف معى ففعل.

стр. 3090

ذكر ما رتّبه ابن شهرام مع خصيص ملك الروم حتى بلغ به غرضه فلما خلوت به قلت: - «أريد أن تتحمل عنى رسالة الى ملك الروم فقد طال مقامي وتعرّفنى آخر ما عنده، فان فعل ما أريده والّا فلا وجه لمقامى.» ولا طفت هذا الكانكلى بشيء حملته اليه ووعدته عن عضد الدولة بجميل وكان مضمون رسالتي: «انّه يجب عليك أولا أن تحفظ أيها الملك نفسك ثم ملكك ثم أصحابك، ولا تثق بمن صلاحه فى فسادك. فانّ بمعاونة أبى تغلب عليك تمّ فى بلد الروم ما جرى، وكيف تكون الحال مع عضد الدولة ان عاون عليك أيها الملك؟ وانّى [٥٤] أرى أصحابك لا يريدون تمام الهدنة بينك وبين أوحد الدنيا وملك الإسلام، والإنسان لا يخفى عليه إلّا ما لم يجرّبه، وأنت فقد جربت سبع سنين عند عصيان من [١] عصى عليك لملكك وملكك لا نفسك يبقى [٢] الروم فما يبالون هذا ان لم يتحرك هو بنفسه. وقد نصحت لمّا رأيت من ميل صاحبي إليك وإيثاره لك، فتأمل خطابي واعمل بعد ذلك برأيك.» فعاد نقفور وقال: - «يقول لك: الأمر كما ذكرت، ولكن ليس يمكن مخالفة الجماعة ويرونى بصورة من قد خانهم وأهلكهم ولكن سأتمم الأمر وأفعل ما يمكن فعله.» ومن الاتفاق الحميد أنّ البركموس مرض مرضا شديدا فتأخر عن الركوب

стр. 3091

وتردّدت الرسالة بيني وبين ملك الروم. ثم استدعاني أيّاما متوالية وتولى خطابي بنفسه وساعدني الكانكلى بغضا للبركموس ومنافسة له، الى أن أجاب الى الهدنة على جميع ما تضمنه الشرط بعد مراجعات جرت لإخراج حلب فإنّه ما أجاب اليه. فلمّا ضايقته فيه وقلت: - «هذا كله بغير حلب لا يتم.» فقال:- دع هذا فلا نسلّم غير ما سلّمنا ولا نخلّى عن بلد نأخذ خراجه إلّا بالسيف، ولكنّى أحملك رسالة الى صديقي [٥٥] ومولاك فإنى أعلم أنّه فاضل وإذا عرف الحق لم يعدل عنه.» ثم قال لمن حوله: - «تباعدوا.» وقال لى سرّا من كل أحد: - «قل له: والله إنى اشتهى رضاك ولكنّى أريد حجّة فيه، فإن أردتم أن نحمل إليكم الخراج عن حلب أو أتركه لكم تأخذونه على أن تصرفوا ابن حمدان عنها فافعلوا ما بذلتموه على لسان ابن قونس.» اشارة الى تسليم ورد. فقلت: «ما سمعت هذا ولا حضرته وإننى أستبعد فعله.» فتنكّر علىّ وقال: - «دع التطويل فما بقي شيء تراجعني فيه.» وأمر أن تكتب جوابات، فكتبت وأحضرت لتوديعه. واقع جيّد وقع لابن شهرام وأشفقت أن يعرض من المقادير فى موت من قد طلبوا تسليمه ما يعرض مثله فنخرج من الجميع بغير منية وتحصل الهدنة عن بلدنا الى دون الفرات وبلد باد بغير حلب فقلت:

стр. 3092

- «أنتم تعلمون أنّى عبد مملوك ولست مالكا وما أقدر أن أزيد على ما أمرت به وقد صدقتك عنه والذي شرطته الآن فى أمر حلب فقد حلفت لك أننى ما [٥٦] سمعته بالحضرة. فهل لك أيها الملك فى أمر قد وقع لى أنّه صواب؟» قال: «ما هو؟» قلت: «تكتب كتابا بالهدنة بيننا وبينك عن جميع ما [فى] أيدينا من حمص الى بلد باد ولا نذكر فيه حديث من قد التمست تسليمه ولا غيره وتحلف بدينك وتوقع فيه خطّك وتختمه بخاتمك بحضرتى ويخرج به صاحبك معى الى الحضرة فإن رضى به وإلّا عاد صاحبك.» قال: «فاكتب أنت شرطا مثله.» قلت: «إنّ سلّمت أنت شرطك بما طلبت.» قال: «ان ذكرت فى خطك تسليم الرجل.» قلت: «لا أقدم على ذكر ما لم يرسم لى.» قال: «فإنّنى أكتب شرطين: أحدهما عما قطع الفرات وبلد باد والآخر بذكر حمص وحلب على الشرط، فإن اختار مولاك ما قطع الفرات على إبعاد ورد كان إليه، وان اختار الآخر فعل ما يختاره.» قلت [١] : «فيكتب الشرط ولا يذكر فيه شيء من هذا.» قال: «فتكتب أنت أيضا ما أعطى خطّا بغير خط آخذه.» قلت: «ولكن يكتب ترجمانك نسخة ما أقوله، فإذا رضى عضد الدولة بما تقوله كتبته بحضرته ووقع فيه بخطّه.» فرضي بهذا وكتبت الشروط والكتب عليه، وتقررت الهدنة على عشر

стр. 3093

سنين. ولما فرغت من ذلك قلت له: [٥٧]- «لا تجعل رسولك مثل فيج، ووافقه على ما تحبّ أن يفعله بعد ما تقرّر معى بحسب ما يشاهده وأمض كلّما يمضيه. فقال: «قد فعلت.» وكتب ذكر ذلك فى الكتب. وركب البركموس من داره لما برئ وقامت قيامته لأحوال: منها انفراد الكانكلى بصاحبه، ومنها إتمام الأمر بغير حضوره، ومنها أمر حلب وحمص وما ضمنه له كليب. كلام لملك الروم استمال به قلب البركموس قال له على ما حدّثنى به بعض خواصّهم: - «يا بركموس ما معى أحد يشفق علىّ مثلك ولا من يحل منى محلك، لأنّك منّى بأدنى نسب وسبب وهؤلاء فكما قال الرسول لا يبالون من كان ملكا، كنت أنا أو غيرى، ويجب أن تحفظ نفسي ونفسك ولا تسمع كلام القربلاط ولا تثق به ولا برأيه لنا، فقد علمت ما حدّثنا به ابراهيم عنه وعن ابنه [١] من إضمار الغشّ لملكنا وخبث نيّاتهما فى أمرنا.» قلت لمن حدثني: - «ومن ابراهيم؟» قال: «رسول كان للدمستق إليكم جاء الى الملك ناصحا وعرفوا أنّه [٥٨] أنفذه إليكم يطالب منكم إعانته على العصيان.» فقبل البركموس [٢] هذا القول من ملك الروم واستدعاني ورأيت من

стр. 3094

خطابه وانبساطه معى غير الأول إلّا أنّه لم تكن تخفى على وجهه كراهية لهذا الأمر ورتّب معى هذا الكانكلى رسولا بعد امتناعه، لكن ملك الروم لم يجد أحدا يجرى مجراه فى ثقته، فألزمه وساعده البركموس عليه، فقال له: - «ليس بحضرة الملك أكبر منّى ومنك فإمّا أن تسير أو أسير.» وجدّ فى الأمر حتى ظننت أنّه فعل ذلك إيثارا لابعاده وحسدا لما رأى من اختصاصه. موت عضد الدولة وحضور رسول ملك الروم مجلس صمصام الدولة فهذه نكت معان من ألفاظ ابن شهرام وعضد الدولة عليل والناس عنه محجوبون فأمر بشرح ما جرى عليه أمره ليعرض- فإنّ علّة عضد الدولة التي توفّى فيها كانت فى هذا الوقت- وحضر رسول ملك الروم المذكور مجلس صمصام الدولة بعد وفاة عضد الدولة، وتسلمت الهدايا منه، وتمّم معه ما ورد فيه وكتب شرطان: أحدهما الهدنة التي قرّرها ابن شهرام على إتمام مبانيها وإلقاء مراسيها، والشرط الآخر بما تقرّر آنفا مع نقفور. [٥٩] ذكر ما تقرّر فى أمر ورد وأخيه وولده جرت مخاطبات تقرّر آخرها على أن يقيم نقفور وينفذ صاحبا له مع رسول من الحضرة ليأخذ خط ملك الروم وخاتمه لأخى ورد وابنه والأمان والتوثقة لهما بضمان الإحسان وإعادتهما الى مراتبهما القديمة وأحوالهما المستقيمة. فإذا وصل ذلك أقدما حينئذ على ملك الروم مع نقفور ويكون ورد مقيما فى هذه البلاد ممنوعا من طروق بلد الروم بإفساد، فإذا عرف ما يعاملان به من الجميل فى الوفاء بالعهد المبذول لهما اتبعا حينئذ وردا فى

стр. 3095

السنة الثالثة بعد أخذ التوثقة لهما بما يرضيهم حسب ما فعل مع ابنه وأخيه، وأن يكون ما يحمله الآن ابن حمدان من حمص وحلب الى ملك الروم من مال المفارقة عنهما محمولا على استقبال إطلاق ورد الى بلد الروم الى خزانة صمصام الدولة، فإن دافع ابن حمدان حينئذ عن حمل، ألزمه ملك الروم ذلك لئلا يتكلف صمصام الدولة [٦٠] تجهيز عسكر اليه، وأن يجرى أمر بلد باد على ما كان عليه من الملاطفة التي كان يحملها الى ملك الروم على أن لا يعاون بادا ولا يجيره إن التجأ الى الروم. وأنفذ الشرطان جميعا وعاد الجواب عنهما بإمضاء ما تقرّر ثمّ تجدّد فى أمر ورد وإطلاقه من الاعتقال ما سيأتي ذكره من بعد [١] . وفى الثامن من شوال من هذه السنة توفى عضد الدولة وأخفى خبره. وفى التاسع منه قبض على أبى الريّان. فلمّا قبض عليه أخذت من كمّه رقاع مشدّدة ومنها رقعة فيها: أيا واثقا بالدّهر غرّا بصرفه ... رويدك إنّى بالزّمان أخو خبر ويا شامتا مهلا فكم ذى شماتة ... تكون له العقبى بقاصمة الظّهر فلمّا وقف أبو عبد الله ابن سعدان عليها قال لحاجبه: - «امض وسله عنها.» ففعل فقال: - «هذه رقعة أنفذها أبو الوفاء طاهر بن محمد الىّ عند القبض عليه ولست أحسن قول الشعر ولكن أقول إنّها [٢] كانت من أبى الوفاء من قبل.

стр. 3096

ونختار الآن طرفا من سيرة عضد الدولة ونورده هاهنا عن ذكر خاتمة أيامه فإنّه أحفظ لترتيب القول ونظامه. [٦١] أخبار من سيرة عضد الدولة كان ملكا كامل العقل، شامل الفضل، حسن السياسة، كثير الإصابة، قليل السقطة، شديد الهيبة، بعيد الهمة، ثاقب الرأى، صائب التدبير، محبّا للفضائل، مجتنبا للرذائل، باذلا فى مواطن العطاء كأن لا سخاء بعده، مانعا فى أماكن الحزم حتى كأن لا جود عنده، يستصغر الكبير من الأمر ويستهون العظيم من الخطب. وكان يقول على ما يحدّث عنه: - «الأرض أضيق عرصة من أن تسع ملكين.» فأمّا أفعاله فى تدبير نفسه وترتيبه فى قسمة زمانه فإنّه كان يباكر دخول الحمام، فإذا خرج منه ولبس ثيابه أدى فرض الصلاة، ودخل اليه خواصه وحواشيه، فجلس منهم أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف بحضرته ويضع دواته بين يديه، ثم يؤذن لأبى القاسم المطهر بن عبد الله وزيره ومن قام مقامه بعده [٦٢] فيسأله عما عمله فيما سبق التقدم به اليه، فيخبره بذلك ثم يذكر له ما عرض من الأمور ويستأذنه فى كلّ أمر فيوعز اليه بما يعتمده فيه. ويفعل مثل ذلك مع أبى الحسن على بن عمارة وأبى عبد الله ابن سعدان عارضى الجيش ذاك للديلم وهذا للاتراك والاعراب والأكراد. فإذا ترحّل النهار سأل عن ورود النوب المترددة بالكتب ولها وقت معلوم

стр. 3097

تصل فيه وتراعى من ساعات النهار فإن اتفق أن تتأخر قامت القيامة ووقع البحث عن العارض العائق، فإن كان بعائق ظاهر فيه عذر قبل، أو عن أمر يحتاج الى إزالته أزيل أو من تقصير النوبيين أنزل العذاب بهم. ولقد ذكر بعض الطراد أنّ أحد المرتبين قالت له امرأته: - «قد طبخنا أرزا فتوقف لتأكل منه وتمضى.» فتوقف بقدر ما أكل وتأخرت النوبة ذلك المدى فضرب الطراد والمرتبون ما بين شيراز الى بغداد أكثر من ثلاثة آلاف عصا. لا جرم أنّ النوب كانت تصل من شيراز فى سبعة أيام وكان يحمل مع المرتبين بواكير الفواكه والمشموم من نواحي فارس وخوزستان فتصل طريّة سليمة. وقيل: إنّ بعض أصاغر الحواشي حمل فى النوبة [٦٣] من همذان فى كتانتة [١] دنانير يسيرة الى منزله وقد كان عادتهم جارية بذاك فقصرت عن أهلها وعرف عضد الدولة الخبر فلم يزل يكشف عن ذلك إلى أن ظهر للخرائطى آخذ الدنانير فأمر بقطع يده. فإذا وصلت النوبة كان فضّ ختومها وفتح خرائطها وأخرج [٢] الكتب منها بحضرته ويأخذ منها ما كان الى مجلسه ويخرج الباقي الى ديوان البريد فيفرّق على أربابه. ثم يقرأ الكتب اليه كتابا كتابا ويطرحه الى أبى القاسم عبد العزيز، فإذا تكامل وقوفه عليها جدّد أبو القاسم قراءتها عليه فيأمره فى جواب كل فصل بما يوّقع به تحته، وأخرج منها ما يأمر بإخراجه ليواقف عليه المطهر بن عبد الله أو من يجرى مجراه فى تذكرة وهي أبدا بين يديه يعلق فيها ما يعرض له.

стр. 3098

ثم يسأل عن الطعام عند فراغه من ذلك فإذا حضر الوقت الذي رسمه بالأكل فيه استدعاه فأصاب منه وطبيب النوبة قائم على رأسه وهو يسئله عن شيء شيء من منافع الأغذية ومضارّها ثم يغسل يده وينام، فإذا انتبه جدد الوضوء وصلى الصلاة الوسطى وخرج الى مجلس الشرب فجلس وحضر الندماء والملهون. ووافى أبو القاسم عبد العزيز فقعد [٦٤] بحضرته على رسمه وعرض عليه ما كتبه الكتّاب أو كتبه هو بنفسه من أجوبة الكتب الواردة، فربّما زاد فيها أو نقص منها ثم تصلح وتختم وتجعل فى اسكدارها وتحمل الى ديوان البريد فتصدر فى وقتها. ومتى غاب أبو القاسم ابن عبد العزيز لأمر يقطعه أو تأخّر فى داره واحتيج الى كتاب يكتب، يستدعى كاتب النوبة فأجلس بين يديه وتقدم بما يريده اليه أو أملاه عليه وهو مع ذلك يشرب ويسمع الغناء ويسأل عمّا يمضى من أشعاره وما يجب معرفته من اخباره ولا يزال على ذلك الى أن يمضى صدر الليل ثم يأوى الى فراشه. وإذا كان يوم موكب برز للأولياء ولقيهم ببشر وتأنيس تعلوهما هيبة ووقار وأجاب كل ذى حاجة بما يجب فى السياسة من بذل ومنع، وتفرق الناس عند انتصاف النهار وأقام أصحاب الدواوين وكتّابهم الى حين غروب الشمس. فأمّا عموم الأيام فإنّ الأمر يجرى على ما تقدّم ذكره. عضد الدولة والجارية فيقال: إنّه مال فى بعض الأيام الى جارية ميلا دعاه إلى أن خلا معها خلوة أطالها وانقطع بها عن مراعاة ما كان يراعيه من الأعمال، فلمّا حاول النظر فى ذلك من غد وجده قد [٦٥] تضاعف فشقّ عليه تلافى ما مضى.

стр. 3099

ثم دعاه الشغف بالجارية الى أن خلا معها نوبة ثانية كالأولى فى الإطالة فوقف من الأمور أكثر مما كان، وتأمّل الصورة فرأى الخلل قد استمر، فأحضر شكر الخادم وتقدم اليه بأخذ الجارية وتغريقها فأخذها شكر وراعى ما عرفه من شدة وجده بها فاستبقاها ولم يحدث حدثا فى بابها. فلمّا مضت على ذلك أيام قال له: - «يا شكر لقد عجّلنا على تلك الجارية وكان التثبت أولى.» فقال: «يا مولاي قد والله تثبتّ فى أمرها خوفا من ندمك على ذهابها فاستبقيتها.» قال: «فردّها الى موضعها.» فردّها وعاود عضد الدولة الخلوة بها والانقطاع إليها وعاد الخلل الى حاله السالفة، فاستدعى شكرا وأمره بتغريقها وقال: - «ما يساوى طاعة النفس فى شهوتها ترك الدنيا وإفساد سياستها.» فغرقت ومضت الى حال سبيلها. هذه الحكاية وجدناها فى كتاب التاريخ كما سطرناها وهي حكاية مستفاضة قد سمعناها مختلفة النسبة الى عدة ملوك والله أعلم بالصحيح [١] . وكان ضبطه لداره أشدّ ضبط ونظره فى أمر الصغير من أمر الخزائن والمطابخ والاقامات [٦٦] والوظائف مثل نظره الى الكبير من أمور الممالك، فلا يطلق درهما فى غير وجهه، ولا يمنع أحدا مما يستحقّه. تدبيره لجنده فأمّا ما ذكر فى أمر تدبيره لجنده فقد كانت أموالهم مطلقة فى أوقاتها

стр. 3100

متتبعة فى تصرفاتها وأكثر كتّابهم وأصحابهم عونا له عليهم. وطبل العطاء يضرب فى كل يوم ويحضر من ينتهى اليه الدعوة من القوّاد ومعه أصحابه بأحسن رتبة فقبض ماله والزيادات فى الأصول محظورة على العموم إلّا عند الفتوح وما تدعو السياسة اليه من استمالة القلوب. فقيل إنّ طغان الحاجب- وكان أكبر الأتراك فى دولته- راسل عضد الدولة وقد جرده الى بعض الثغور وسأله زيادة عشرة أرطال خبزا فى خزانته، فدفعه عن ذلك وحمل اليه خمسة آلاف درهم صلة وقال له: - «هذا ثمن ما استزدتناه للسنين الكثيرة ولو أجبناك الى مرادك على ما طلبتنا به لا تفتح علينا باب لا يمكننا سدّه.» قصّته مع الوارد من الديلمان وحدث أبو الحسن ابن عمارة العارض قال: - ورد الى عضد الدولة فلان الديلمي [٦٧]- وأسماه- من أرباب البيوتات المذكورة بديلمان فأكرمه وعظّمه وخلع عليه وحمله على فرس بمركب ذهب. واتفق أن دعا قائدا من أقاربه بالحضرة كانت له مروءة حسنة فشاهد من آلته ومروءته وزيّه وتجمّله ما كثر فى عينه، فاستقصر حاله عند ما شاهده فأحضر كتابا كان عضد الدولة قد استخدمه له وقال له: - «قد دعاني ابن عمى ورأيت من مروءته ما استحسنته وشاهدت عليه فرجية ورداء من حالهما كيت وكيت وأريد ان تبتاع لى مثلها.» فقال: «نحتاج لثمن ذلك الى ما تقصر عنه أيدينا فى هذا الوقت.» فقال: «خذ المركب الذهب فارهنه.» فصار الكاتب الى عضد الدولة فعرّفه ما جرى، فاستدعاني- يعنى أبو

стр. 3101

الحسن ابن عمارة العارض نفسه- وقال لى [١] : - «أحضر فلانا القائد الذي دعا الديلمي الوارد من ديلمان.» فأحضرته وعرّفته حضوره، فقال: - «اخرج اليه وقل له: ليس يكفيك بطرك بالنعمة الخالصة لك وتشاغلك بالتترّف عن الجندية وشروطها حتى تريد أن تفسد عسكرنا علينا وتعمل الدعوات وتظهر الزينة. الآن قد ندبناك للخروج الى البلد الفلاني فتأهّب واخرج.» [٦٨] قال: «فلما أوردت عليه هذا القول قبّل الأرض وتنصّل وكاد يموت، وانصرف على عزم الخروج.» ثمّ رسم بعد ذلك إحضار الديلمي الوارد من ديلمان، فلمّا حضر أمر أن يفرش له بساط منجرد ويطرح عليه صدر مثله وثلاث مخادّ مخلقة ولبس جبّة رثّة وعمامة شهجانى [٢] وجلس وأوصل الديلمي وتشاغل عنه ساعة، الى أن علم أنّه قد شاهد فرشه وثيابه وسأله عن حاله وخاطبه خطاب مؤانس له: - «أراك يا فلان تتأمّل فرشنا وثيابنا ولعلك تقول- كيف يقنع ملك الدنيا بهذا؟ نعم إنّ الشرف والجمال بالأصول والأفعال والمواقف فى التدبير والحروب، والثياب الحسان والترفّه، والنعمة للنساء والمخانيث، وتالله إنّ الرجل ليدخل علىّ وهو متصنّع متعمّل، فأتصور أنّه فارغ عاطل، ويدخل وهو مقتصد مسترسل، فأراه بصورة من له نفس وهمّة.» ثمّ حادثه بعد ذلك ساعة وانصرف. [قال] وعاد الكاتب فقال له عضد

стр. 3102

الدولة: - «أى شيء جرى بعد انصراف صاحبك؟» قال: لما عاد من حضرة مولانا سألنى عما كان واقفنى على ابتياعه من الرداء والثوب للفرجية فأحضرتهما له. فقال: - «ردّهما على صاحبهما [٦٩] وارتجع المركب وردّه الى موضعه.» فتبسّم عضد الدولة. وحدث أبو نصر خواشاذه قال: رأيه فى دفع المشاهرات «كان بالقصر جماعة من الغلمان تحمل إليهم مشاهراتهم من الخزانة بالحضرة. فلمّا كان فى آخر شهر قد بقي منه ثلاثة أيام استدعاني وقال لى: - «تقدم الى الخازن فى بيت المال بأن يزن كذا وكذا ألف درهم ويسلّمها الى أبى عبد الله ابن سعدان ليحملها الى نقيب الغلمان بالقصر. فقلت: «السمع والطاعة.» فأنسيت ذلك وسألنى عنه بعد أربعة أيام، فاعتذرت بالنسيان فخاطبني بأغلظ خطاب فقلت: - «أمس كان استهلاك الشهر والساعة تحمل المادة وما ههنا ما يوجب شغل القلب بهذا الأمر.» فقال: «المصيبة بما لا تعلم، ما فى فعلك من الغلط أكثر منها فيما استعملته من التفريط، ألا تعلم أنّا إذا أطلقنا لهؤلاء الغلمان ما لهم وقد بقي فى الشهر يوم كان الفضل لنا عليهم، وإذا انقضى الشهر واستهلّ الآخر حضروا عند عارضهم فأذكروه فيعدهم، ثم يحضرونه فى اليوم الثاني فيعتذر إليهم ثم فى الثالث فتبسط فى اقتضائه ومطالبته ألسنتهم، فتضيع المنّة وتحصل الجرأة

стр. 3103

ونكون الى الخسارة أقرب منّا الى الربح.» ولعل عضد الدولة نظر [٧٠] فى هذا الوقت الى ما وجد فى سيرة المعتصم رضوان الله عليه، وهل ينكر لبنى هاشم أن يقتدى بأقوالهم أو يهتدى بأفعالهم وهم الأصدقون أقوالا، والأكرمون أفعالا، والأشرفون أنسابا، جبال الحلوم، وبحار العلوم، وأعلام الهدى، وساسة الدين والدنيا، وفرسان الحروب والمحاضر، وأملاك الاسرّة والمنابر، الى مكارمهم ينتهى الكرم، وبمآثرهم تنجلي الظلم، المعتصم بينهم المعتصم. خبر مأثور فى سياسة جند يقال: إنّ جندا كانوا بدمشق فطالبوا عاملها برزق استحقّوه وشكوا اليه ضيقة وحاجة، فاحتج بأنّ المال الحاصل للحمل، وأنّه لا يقدم على أخذ شيء منه، وسيقيم لهم وجوها من بعد، ودعتهم حاجتهم الى أن مدّوا أيديهم وأخذوا بعض ما يستحقّون وكتب العامل على البريد الى الحضرة بذلك. وكان المعتصم بنيّة الغزو وقام يكتب جوابه وقال: - «انتفيت من الرشيد لئن لم يعيدوا المال الذي أخذوه ساعة وصول هذا الأمر لأجعلنّ وجه الغزاة إليهم [٧١] ولأجعلنّهم حصائد السيوف.» فعاد الجواب أسرع ما يكون إلى العامل فأحضر الجند وقرأ عليهم الكتاب ونظر بعضهم الى بعض وقالوا: - «هو المعتصم وإنّه يقول ويفعل.» وتبادروا الى ردّ ما أخذوه، فما كان طرفة عين حتى اجتمع المال كأنّه لم يبرح وسألوا العامل التنصل عنهم الى المعتصم وذكر صورتهم التي أحلّت فى أمثالها المحرّمات فكتب بذلك الى الحضرة فأمر المعتصم بالجواب وذمّ فعل العامل وتبيّن خطيئته كيف جنى على السياسة وجرّأ الجند بتأخير أعطيتهم

стр. 3104

عن أوان وجوبها، ويحذّره أمثالها، وأمره بإطلاق ما اجتمع لهم من مال استحقاقهم وإسلافهم عطاء آخر لحسن طاعتهم. ونعود الى ذكر ما نختاره من كتاب التاريخ [١] وحدّث أبو الحسن ولد عمارة قال: دخل بعض الأتراك الخواصّ الى ديوان الجيش ومعه صكّ يريد أن يثبته، فقال للكاتب: «أثبته.» فقال: «أنا مشغول بعمل استدعاه الملك وما أنا متفرغ لعمل صكّ [٢] [٧٢] اليوم.» فأخذ الحساب من يده ووضعه فى الأرض وقال له: - «قدّم أمرى أولا.» فكتب صاحب الخبر بذلك فى وقته فلم يستتمّ الكاتب اثبات الصكّ حتى استدعاني عضد الدولة وقال: - «قد جرى من فلان الديلمي كذا وكذا، فاخرج الى ديوانك واستدع الصكّ من كاتبك وحرّقه بين يديك، وتقدّم بأن تجرّ رجل الديلمي من موضعه الى باب العامة ووكّل به من النقباء من يطالبه بالخروج الليلة من البلد الى ديلمان.» ففعلت ذلك، وتقدّم فيما بعد ألّا تعمل أعمال الجند إلّا فى أيدى المديرين.

стр. 3105

عضد الدولة وأسفار والتنّاء وقيل: إنّه كان رفع أسفار بن كردويه عن قبول الظلامات فيه ومطالبة كتّابه بحضور مجالس الحكم فيما يتعلق به إجلالا له، وأنّ أحد التنّاء [١] تظلّم منه فى معاملة ورفع قصّته [٢] الى عضد الدولة فوقّع على ظهرها: أخونا [أبو] زهير يرتفع عن مثل هذا الفعل والدعوى عليه بذلك باطلة، وإنّ التوقيع حمل الى أسفار، فأنصف الرجل. وحكى عن بعض التنّاء أنّه قال: - حصلت ضيعتي فى أيام عضد الدولة فى إقطاع أسفار بن كردويه، وكان من الظلم على حال معروفة، وكان عضد الدولة قد رفع عنه وعن زيار بن شهراكويه العدوى [٧٣] فى كل فعل وتتابعت علىّ جوائح ولم تحصل لى ما يفي بالخراج، فاجتمع لأسفار على ثلاثة آلاف وستمائة درهم اعتقلنى بها وأساء الىّ وقيّدنى وأدخل يده فى نيابتي فأقمت فى حبسه سبعة أشهر. فأنس بى الموكّل وعلم أنّى لا أتمكّن من الهرب مع القيد الذي فى ساقى فكان يستخلفنى موضعه عند خلوّ الباب وانتصاف النهار ويمضى الى منزله فيتشاغل بشغله ويعود. وضاق صدري، فانتهى بى سوء الحال وشدّة القنوط الى أن اخترت الموت على الحياة فحملت نفسي فى بعض الأيام عند مضّى البواب وخلوّ الباب على أن خرجت أمشى بالقيد. وكان أسفار ينزل فى دار صاعد بن مخلد بدرب الريحان والزمان صائف والماء ناقص، فلزمت شاطئ دجلة حتى وصلت الى الميدان الذي تحت دار

стр. 3106

عضد الدولة والناس يرونى فى طريقي، فمن منكر لى يقول: «مجنون وقد أفلت» ومن عارف بى قد علم أنّى هارب. فلمّا وقفت فى الميدان رأيت الستائر ممدودة وعضد الدولة قائم على الروشن وأنا لا أعلم، وعلى ابن بشارة الفراش على قرب منه، فصحت ودعوت، فبادر الىّ على بن بشارة وأومى الىّ «أن اسكت وصر الى باب [٧٤] البستان» . فصرت اليه وخرج الىّ وقال: - «من أنت وما قصتك؟» فشرحت له حالي وظلامتي من أسفار، فأجلسنى عند البوابين وعاد، وإذا به قد خرج فأدخلنى وقال: إنّ الملك كان واقفا وقت مجيئك وهو الذي رآك فإذا رأيته فقبّل الأرض بين يديه وأكثر الدعاء له. فمشيت وأنا أحجل فى القيد حتى قربت منه فى الموضع الذي شاهدته أولا فيه، فتداخلني من الهيبة والجزع ما لم أملك نفسي معه، فقبّلت الأرض مرارا ودعوت له دعاء كثيرا وبكيت وسكتّ. فقال لعلى بن بشارة: - «قل له حتى يشرح صورته.» فقلت: «ما لى لسان يطاوعني على القول لعظم ما قد تداخلني من الرهبة والخوف.» فقال: «تكلم ولا تخف.» فقلت: «إنّ أسفار قبض ضيعتي وطالبني بما لا قدرة لى عليه وحبسني فى القيد منذ سبعة أشهر.» فأطرق ساعة ثم قال لى: - «عد الى دار أبى زهير وأعلمه أنك جئتنا وشرحت حالك لنا وأنّا أمرناك بالعود اليه.»

стр. 3107

فقلت: «يا مولانا أخافه.» وجهلت فى قولي هذا. فقال: «لا تخف فأنا من ورائك وعد لتعرف ما ينتهى اليه أمرك.» فقبّلت الأرض وخرجت أجرّ نفسي وأحجل فى قيودي حتى وافيت باب أبى زهير، فإذا البوّاب [٧٥] قد عاد فلم يجدني وبثّ الركابية والغلمان فى طلبى، وعرف أبو زهير خبري فضرب البواب مائة مقرعة والدنيا قائمة على ساق. فلمّا رآني الغلمان صاحوا: - «ها هوذا» وقالوا: - «أين مضيت؟» فقلت: - «مضيت الى الملك عضد الدولة فأوصلنى وشكوت اليه أمرى فأمرنى بالعود الى القائد وعدت.» فلمّا سمع الغلمان ذلك ذكروه لأسفار فأحضرنى وقال: - «أين كنت؟» قلت: «يا صاحب الجيش لما ضاق صدري وغلب يأسى صبري، قصدت باب الملك، فوجدته قائما على الروشن وبين يديه الأستاذ على بن بشارة، فدعوت له وشكوت اليه حالي فأوصلنى [١] وحدّثته حديثي فأمرنى بالعود إليك. فقلت: أخاف أن أعود. فقال: «عد فإنّنا من ورائك. وقد جئت.» فقال أسفار: - «تؤاخذ إذا.»

стр. 3108

وأحضر من فكّ القيد وأعطانى عمامة وثوبا ومائة درهم وقال: «انصرف مصاحبا.» فقلت: «ضيعتي.» فقال: «اخرج إليها وتصرّف فيها ولا تطمع مستأنفا فى كسر خراجها.» فدعوت له وخرجت من عنده فمضيت من فورى ذلك الى روشن عضد الدولة وصحت ودعوت له. فدنا خادم من الروشن وأومى الىّ أن- «تقدّم الى الباب» فتقدمت اليه وجاءني الخادم فقال: [٧٦]- «من أنت؟» فقلت: «المحبوس الذي كان منذ ساعة بحضرة مولانا.» وتقدم الىّ بالعود فدخل وخرج الىّ علىّ بن بشارة فأدخلنى، ورأيت الملك جالسا على عتبة البيت الذي بناه على دجلة، وغلمان وقوف بالقرب منه، فقبّلت الأرض ودعوت له، فقال: - «كيف جرى الأمر؟» فشرحت له الحال وأريته الثياب والدراهم التي أعطانيها أسفار. فاستدنى علىّ بن بشارة وأسرّ اليه شيئا [١] لم أسمعه، ثم قال لى: - «كم عليك لأبى زهير؟» فقلت: «ثلاثة آلاف وستمائة درهم.» قال: «نحن نؤدّيها اليه عنك لتبرأ منها فى ديوانه وتكون مقابلة له على الجميل الذي عاملك به.» فقبّلت الأرض ودعوت له، وأخذ علىّ بن بشارة بيدي ودخلت الى الخزانة فأخذ ثلاثة آلاف وستمائة درهم فى كيس، واستدعى أحد نقباء

стр. 3109

النوبة وقال له: - «امض مع هذا الرجل فاحمل هذا الكيس الى أبى زهير أسفار وقل له: هذه الدراهم التي أنفذناها إليك لعوض عملك على هذا الرجل، فأثبتها فى ديوانك باسمه.» فخرجت والنقيب معى والكيس معه، وصرنا الى دار أبى زهير ودخلنا اليه. فلمّا وضع النقيب الكيس بين يديه وأدّى الرسالة قام قائما وقبّل الأرض ثلاث [٧٧] دفعات وقال: - «أنا عبد وخادم وهذا مال مولانا.» وهب لى خمسمائة درهم وللنقيب خمسمائة وانصرفنا.» الذي مضى فى هذين الخبرين هو تدبير لطيف وتوصّل جميل الا أنّ رفع العدوى عن أحد الاتباع وإن كان عظيم القدر مضر بالسياسة أىّ إضرار، والقاعدة إذا وضعت على ذلك كانت «عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ» ٩: ١٠٩. [١] ولقد رأينا فى زماننا من سياسة ملك الإسلام عضد الدولة البارسلان ﵀ وكان أقوى جندا، ما هو أوفى جدّا. وأين كان من الملوك من يصول كصولته ويهاب كهيبته! ونقتصر هاهنا على إيراد خبر واحد من أخباره التي ينتهى القول بنا [٢] الى ذكر أيامه بمشيئة الله سبحانه. ذكر خبر فى إقامة سياسة حكى أنّ غلاما خصيصا بسنكلو أخذ من بعض المزارعين بطّيخا على قارعة الطريق بغير رضاه وانتهى الخبر الى عضد الدولة ﵀، فطلبه

стр. 3110

فأخفى شخصه رجاء أن يسكن غضبه ويعفو عنه أو يقتصر من عقوبته على السوط دون السيف. فاستدعى بسنكلو الى بين [٧٨] يديه وأقسم لئن لم يحضر الغلام ليقيمن السياسة فيه بدلا عنه- وسنكلو يومئذ صاحب الجيش ومعه جمرة العسكر وأمره قوى وجانبه منيع وهو أشد الترك بطشا وأخشن الجند جنبا- فملكه الرعب وكان قصاراه البدار بإحضار الغلام. فلمّا أحضر وسّطه بالسيف وأجرى الفرس بين شلويه على سنّة لهم فى قتالهم. قياس العضد بالمعتضد فى سياسة الجناة ويوشك أن يكون لهذه السياسة باطن بأن تكون قد سبق للغلام جريمة يستحقّ بها القتل وأتبعها بهذه الصغيرة التي يجرى فى مثلها التعزير فقتله عضد الدولة ﵀، بالجريرة الكبيرة التي أوجبت قتله، وأظهر للعامة أنّه قتله بصغيرته الظاهرة لهم اقتداء بخبر وجدته فى بعض الكتب مرويّا عن المعتضد بالله رضى الله عنه، وهو أنّه كان سائرا فى موكبه فتظلم أحد الرعية من بعض الجند فيما يقارب قصّة البطيخ، فأمر بإحضاره وسحبه الى السجن وحبسه الى أن يعود الى مستقرّ عزّه فيأمر فيه. فلمّا كان فى اليوم الثاني وأصبح الناس رأوا رجلا مصلوبا فتحدثوا بقتل الجاني بالأمس وصلبه. فدخل أحد خواص [١] المعتضد اليه وقال له [٧٩] عند خلوّ مجلسه: - «يا أمير المؤمنين قد كان التعزير فيما جرى يقنع من غير صلب.

стр. 3111

فقال له: - «أتعرف الرجل.» قال: «نعم.» قال: «فامض الى السجن فانظر. فلمّا دخل رأى الرجل حيّا وهو مقيد فعاد وقال: - «قد وجدته حيّا.» قال المعتضد: - «إنّما أمرت بإخراج غيره من المفسدين الذين قطعوا الطريق وأخذوا المال وقتلوا ووجب صلبهم، فهو الذي رأيتموه مصلوبا وظهر للعامة أنّ المصلوب هو الجاني بالأمس إيداعا للرهبة فى قلوبهم، فما تعديت حدود الله.» ولقد وفّق المعتضد بالله رضى الله عنه، وهل يدافع عن حسن سياسة يضرب بها المثل؟ وبلغني أنّ بعض أمراء مصر كثر المفسدون فى أيامه فقتل وتعدّى حدود الله التي أتت بها الشريعة فتضاعف الفساد حتى وقف أمره، فأشير عليه باتباع الشرع فأحضر أحد الفقهاء المجتهدين وشاوره واستفتاه وعرض عليه من فى السجون وذكر له أحوالهم، فأفتاه بما أمر الله تعالى به، فأقام الحدود فيهم بالعدل من غير زيادة ولا نقصان وسلك هذه الطريقة الحميدة فيمن ظفر به من المفسدين، فما مضى من الزمان إلّا قليل حتى استقامت له الأحوال فانقطع الفساد فأمنت البلاد [٨٠] وليس للمخلوقين أن يحتاطوا بصلاح الأمّة بزيادة على أمر الخالق ربّ العالمين، . وما أحسن سيرة هذه الدولة التركية، فإنّ مندوبا للمظالم قد وسموه ب «أميرداذ» معناه أمير العدل يجلس للمظالم والى جانبه حاكم من أهل العلم

стр. 3112

يرجع ذلك الأمير الى رأيه وكلمه وينفذ ما تأمر الشريعة فى الجند والرعية. وكلّ عبد من عباد الله تعالى فى إمداده بحسن التوفيق لم يهذّب بسياسة الأقرب فالأقرب ولم يذلّل بهيبته الأصعب فالأصعب، نسب [١] الى إحدى خطتين: إمّا ظلم فى طبعه وإمّا عجز فى نفسه، وكلتاهما غير حميدة. ولم يكن مثل ذلك يخاف على عضد الدولة بن بويه مع كمال فضله، ولعله سمح لأسفار وزيار بهذا الفعل. ان الخبر صحيح [٢] لمداراة عاجلة، ليتلافاها من بعد بسياسة شاملة، فإنّ غوره كان بعيدا وصبره لمداواة كل خطب عتيدا. وهو من الملوك الذين لا يقدح الثلم فى سياستهم بحال، ولا يجد العيب فى سيرهم أدنى مجال. ونعود الى سياقة الأخبار حدّث أبو إسحاق ابراهيم بن هلال [٣] الصابي قال: «لمّا ورد عضد الدولة فى [٨١] الدفعة الثانية خرجت لاستقباله الى المدائن وخدمته، وخفت أن يتطرّق على دارى الشاطئة [٤] الترك فى سورة الدخول لأننى من حواشي البختيارية وسألته إنفاذ من يحرسها فأنفذ معى أحد النقباء الأصاغر وتقدّمت عائدا والنقيب معى. فكان يمضى أكثر النهار فى أشغاله. فاتفق أن هجم على الدار أحد القوّاد الأكابر وطرح أصحابه أحمالهم وفرشوا فرشهم وربطوا دوابّهم وتقدّموا إلينا بالانتقال فأيسنا من دورنا ومضى غلماني يطلبون النقيب. فلمّا حضر سلّم

стр. 3113

على القائد وقبّل يده ووقف بين يديه وأخذ يحادثه ثم قال له الديلمي: «فيم جئت؟» قال: «أنفذنى الملك لأحفظ هذه الدور ممن يتعرّض لها.» فقال له: - «هذا كاتب من أصحاب بختيار فأىّ شيء بينه وبين الملك؟» قال: «كان يخدمه وله موضع عنده.» قال أبو اسحق: - فو الله ما استتمّ النقيب كلامه حتى نهض القائد الديلمي ورمى بكرسي كان جالسا عليه وقال لغلمانه: ارفعوا. وركب فى الحال وخرجوا بعده فما رأيت هيبة أعظم من هيبته.» وأمّا ذكر ما فعله فى أمر الحماية [٨٢] فإنّه حمى البلاد من كل مفسد وحفظ الطرق من كل عائث وهابه الحواضر والبوادي. وكان منه فى قتل داود بن مصعب العقيلي آمر بنى عقيل وسيدها بأبى القاسم ابن الباهلي ما شاع ذكره. ذكر مكيدة فى قتل داود بن مصعب وكان من خبره أنّ عضد الدولة أنفذ أبا القاسم ابن الباهلي الى داود برسالة يدعوه فيها الى الطاعة والدخول الى بغداد وضمّ اليه عشرين رجلا من الحمدانية وواقفه على الفتك ان وجد غرّة منه. فلمّا حصل عنده وكان نازلا بالقرب من سنجار أورد عليه ما تحمله ورغّبه فى الخدمة فقال له داود:

стр. 3114

- «أما الطاعة فأنا ألزمها، وأما الدخول الى الباب فما جرت لى عادة به.» فلم يزل يراوضه وهو مقيم على أمره فيما بذله وامتنع عنه. وعوّل ابن الباهلي على اغتياله وواقف فراشا كان معه على ذلك، وطلب الغرّة فوجدها عند رواح الجمال والبقر والغنم، فإنّ الصياح يكثر والرجال والنساء مشغولون بإبلهم ومواشيهم وضمّها إلى [٨٣] بيوتهم وحلب ألبانها فعمل على فعل ما يريد فعله فى هذا الوقت واستأذن على داود فى بعض العشايا وحضر عنده وأخذ فراشه معه- وقد خرج اليه بسره- ورسم له أن يمسك داود إذا خلا مجلسه وغمزه بعينه واستصحب سكّينا ماضية فى كمّه. وراحت الإبل والمواشي فارتجّت الحلّة بأصواتها وضوضاء الناس وحادثه ساعة ثم غمز الفراش فوثب وأخذ يدي داود ومسكهما وضربه ابن الباهلي بالسكّين فى صدره وكرر ذلك حتى أصاب مقتله وخرج غير عجل ولا مضطرب والفراش خلفه طالبا للصحراء والعبد عن البيوت كأنّه قاضى حاجة وقد أعدّ له وللفراش [١] فرسين فركباهما وسارا سيرا رفيقا حتى أوغلا فى الصحراء ثم حثّا وعدلا عن طريق الموصل وتعسفا الطريق الى برقعيد [٢] ونزلا منها الى دجلة وانحدرا فى سفينة. ودخل أصحاب داود عليه بعد ساعة فوجدوه طريحا قتيلا ولم يجدوا ابن الباهلي فعلموا أنّ الفعل له. ومضى قوم من الفرسان يتبعون أثره فى الطريق المؤدية الى الموصل فلم يجدوه فأخذ من كان معه من كان معه من الحمدانية فقتلوا صبرا، ومضت على ذلك السنون وقتل ابن الباهلي بالكوفة قتله بنو عقيل. [٨٤]

стр. 3115

وقد قيل: «كل قاتل مقتول» وهو أسهل الأمرين، لأنّ ما جاء من الوعيد فى القرآن وفى الآثار عن رسول الله ﷺ ، لمن قتل نفسا بغير حقّ مع ما يلقاه فى الدار الآخرة أشدّ نكالا وأعظم عقابا وأدوم عذابا، نسأل الله تعالى العفو والعافية فى الدنيا والآخرة. إطماع المطلوب فى الصفح عنه ثمّ الغدر به وذكر أبو الحسن محمد بن عيسى الهيتى قال: «أخرجت الى هيت لتقرير ارتفاعها وارتفاع الأنبار على أبى العلاء الحسن بن محمد الإسكافي، فورد علينا فى بعض الأيام كتاب من عضد الدولة يرسم فيه المسئلة عن أعرابى من بنى عقيل تناول شيئا [١] من بعض زواريق المعادن والمطالعة باسمه وحاله. فأحضرت الملاحين وسألتهم عن هذه الحال فلم يعرفوها، فكتبت بذلك وورد الجواب بأن نزيد فى البحث، فلم أزل أتعرف وأسأل كل واحد حتى ذكر لى بعض الملّاحين أنّ فلانا العقيلي اعترض سفينة من سفن المعادن وهي مصعدة والتمس من بعض المدادين قطعة من شاروفة فأخذها قهرا من صدره وأنّه لم يجر سوى ذلك فأحضرنا المسيّب بن رافع وطالبناه بالأعرابى فقال: - «ما تريدان منه.» فأعلمناه أنّ الملك طلبه. قال أبو الحسن الهيتى: وكان بيني وبين [٨٥] المسيب أنسة ومودة فأقسم على أن اطلعه على الصورة فذكرتها له فانصرف واجما وغاب عنّا يومين ورجع ومعه جماعة من أهل المطلوب وبنى عمّه

стр. 3116

وسألونا الإمساك عنه وانتهى الأمر فيما بيننا وبينهم الى أن تصححوا ذنبه. قال أبو الحسن: - فلم أتجاسر على مكاتبة عضد الدولة بذلك. وكتب به أبو العلاء وعنده أنّه قد أثر أثرا منه فعاد الجواب اليه بإنكار ما كان منه فى قبول ما قبله من المال وإطماع القوم فى الرضاء [١] عنهم وأنّ الغرض حسم مواد الفساد فى الطرق وقيل له فيما خوطب به: - «لولا أنّها أول جناية لك لأنفذنا من يحسن تقويمك وتأديبك.» وكوتبت أنا بالتماس الأعرابى وأخذ المسيب بتسليمه وإطماعه واطماع بنى عمّه فى الصفح عنه إذا سلّموه فاعدتّ خطاب المسيب والقوم فى إحضار الرجل فأحضروه وسلّموه فاعتقلته وكتبت بحصوله. فورد الكتاب بأن أطالبه بالشاروفة التي أخذها فإذا أحضرها خنق بها فى الموضع الذي أخذها منه وصلب ففعلت ذلك. ثم راسل عضد الدولة المسيب ووجوه بنى عقيل بأنّه: متى لم يضمن أكابركم أصاغركم ويلزموا عهدتهم ويضبطوا الطرق [٨٦] ويحموا مواد الفساد صرفناكم من ممالكنا. فحملهم الخوف على العبور الى الجانب الشامي وأوغلوا فى البرية.» ومن العجب من حسن سياسة عضد الدولة إطماع المطلوب فى الصفح عنه إذا حضر وإطماع بنى عمه فى مثل ذلك إذا أحضروه ثم الغدر به بعد تسليمه. قال الله تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ» ٥: ٣٤ [٢] . واستجابة الرجل الى الحضور طمعا فى الأمان قبل القدرة عليه هو توبة

стр. 3117

فالغدر به بعد بذل الأطماع فى العفو قبيح إن كان ما ذكر فى هذه القصة صحيحا. قتل القطّاع بالحلاوات المسمومة ومن بعض توصله ما وجدنا فى عين التاريخ وهو أنّ عضد الدولة أنفذ أحمالا من الأمتعة الى مكة مع تجار أو حاج. فلمّا انتهوا الى بعض الطريق عند بعض أحياء العرب خرج عليهم قوم منهم فقطعوا عليهم فقال المأخوذ: - «هذه الأحمال لعضد الدولة الملك.» فسبّوه عند ذكره وعاد المأخوذ الى حضرة عضد الدولة وحكى ذلك. فتقدّم بعمل شيء كثير من الحلاوات المسمومة وأعاد المأخوذين وأصحبهم أمتعة وجعل تلك الحلاوة المسمومة فى جملتها وقال: - «تعمدوا لقاء القوم فإذا وقعوا [٨٧] عليكم فقولوا: إنّ هذه الامتعة والحلاوات أنفذها عضد الدولة لفقراء مكة. فإذا أخذوا الأحمال فعودوا لوقتكم. ففعلوا ذلك وصادفوا القوم فأخذوا ما صحبهم وأكلوا من تلك الحلاوات فهلكوا. [١] فإن كان هذا الخبر صحيحا فإنّه كيد يأباه كلّ ذى دين ويأنف منه كل سلطان مكين. فذو الدين يراه من أعظم الآثام وذو السلطان يراه عجزا وضعفا فى الانتقام. وفيه تغرير نفوس من لا ذنب له. فهل كان يأمن أن يأكل من ذلك النساء والولدان ومن عسى أن ينزل بالحىّ من ضيف بريء الساحة؟ قال الله تعالى:

стр. 3118

«وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ٦: ١٦٤. [١] واستفتى رجل ابن عباس رضوان الله عليه فى قتل أولاد المشركين فقال: - «ان علمت منهم ما علمه الخضر ﵇ من الغلام الذي قتله فاقتلهم» إيجابا عليه بأنّه لا يجوز له قتل من لم يبلغ الحلم منهم. ومن غريب مكايد عضد الدولة ومن غريب مكايده التي تتداولها الألسن ما كاد به طائفة من القفص والبلوص حين أوغل فى بلاد كرمان لتنظيفها منهم [٢] فإنّه انتهى اليه أنّ قوما منهم بيوتهم من وراء جبل بحيث لا يمكن الوصول إليهم إلّا بعد سلوك مضيق، إذا وقف فيه عدد قليل [٨٨] منع عسكرا كثيرا. فلمّا أيس من الوصول إليها بالقوة أعمل الفكر فى الحيلة وراسلهم: بأنّى لا أنصرف عنكم إلّا باتاوة. فقالوا: «ما لنا مال نؤديه إليك.» فقال: «أنتم أصحاب صيد وأريد من كل بيت كلبا.» فهان عليهم ذلك فأنفذ من عدّ بيوتهم فأخذ منهم كلابا بعددها. ومن شأن الكلب أن يلوذ بصاحبه ويبصبص له وحوله، ويحتكّ به ويألف بيته حتى إنّه إذا أفلت من فراسخ كثيرة عاد الى مربضه. فأمر بأن يشدّ فى أعناقها حلق النفط الأبيض وتجتمع عند مضيق الجبل ثم تضرب النار فى النفط ويخلّى سبيلها ويتبعها العسكر. ففعلوا ذلك وأسرعت الكلاب عدوا وأحس القوم بركوب العسكر فلقوهم فى المضيق وطلب كل كلب صاحبه لائذا به من حرق النار. فكلّما احتكّ بالرجل أسرت

стр. 3119

النار اليه وأفرجوا عن الطريق والكلاب تتبعهم، وتعدّت النار إليهم فاحترق عدد كثير منهم. وهجمت الكلاب على البيوت فخلا أهلها وأسرع العسكر وراءهم ووضعوا السيف فيهم واستأصلوا شأفتهم. إيداع الرهبة فى صدور الرعيّة فأمّا ما أقامه من الهيبة وأودعه [٨٩] صدور الرعية من الرهبة فإنّه كان قد منع كل واحد من حمل السلاح بالحضرة إلّا من كان مستخدما فى المعونة أو مرتبطا فى جملة الرجالة المرتزقة، فإن وجد مع غيرهم سلاح أخذ وحبس وألزم جناية. وحظر أيضا أن يضرب واحدا أو يمدّ اليه يده، فمن فعل ذلك أخذ وعوقب وحبس واغرم فكانت أيدى الناس مقبوضة. قال صاحب التاريخ: وإنّنى لأذكر فى درب أبان من الجانب الشرقي وأبو اسحق جدّى [١] إذ ذاك فى الاعتقال وكان فى هذا الدرب رجل شيرازى رث البزّة يذهب فى أمره مذهب التطايب ويضحكنا إذا جلس معنا. فبينما هو فى بعض الأيام قاعد مع والدي على باب دارنا ومعنا رجل يعرف بابن مواتة من أولاد الشهود والجيران إذ اجتاز بائع رمان، فدعاه ابن مواتة وسامه وجرى بينهما ما رفع له ابن مواتة يده فلطمه. فقبض الرجل الشيرازي يده على كمّ ابن مواتة وقال: - «قم الى دار الملك.» قال له: - «أصنع ماذا؟»

стр. 3120

قال: «أطالع بما فعلته من لطم الطوّاف ويؤخذ بحقّه منك ثم يجرى [٩٠] حكم السياسة فيك.» لقد مات ابن مواتة خوفا وجزعا وعطف والدي على الشيرازي يسأله الإمساك والطوّاف يقول عند ما شاهده من الحال: - «قد وهبت وسامحت.» وهو يقول له: - «إذا وهبت حقّك وهب السلطان حقّه.» ويقول لوالدي: - «لا أتمكن من الإمساك لأنّ خبرنا قد رفع الساعة الى الحضرة وإذا أمسكت صار لى ذنب أهلك به وتنقطع معيشتي وأنا أرتزق رزقا سلطانيا على نقل هذه الأشياء.» وانتهت الحال الى أن قبّل والدي وابن مواتة يده فخلى عنه وقال: - «قد دخلت معكم فى خطر أسأل الله تعالى السلامة منه.» وصرنا بعد ذلك نخافه ونرهبه. وكان معلمو الصبيان مواقفين على أن يسألوا أولاد الجند الذين فى مكاتبهم عن أمور آبائهم ومتصرفات أحوالهم فى منازلهم ويكتبون بذلك الى ديوان البريد ولهم على ذلك رزق دارّ. ذكر حيلة لطيفة عادت باقامة هيبة عظيمة بين رعية بعيدة خبر الحلاوىّ [٩١] كان أحد جواسيس عضد الدولة العائدين من مصر ذكر لعضد الدولة فى جملة ما أخبر به أنّه تقدّم الى شيخ حلاوي فى زقاق القناديل بمصر فدفع
следующие страницы →