← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 3536–3569 · переход к 3541.

стр. 3536

وزبيلا وحبلا ينزل فيها وبرد القيد ونقب النقب ونزل الموفق والفراش بعده ليلة النوروز الواقع فى شهر ربيع الآخر يوم الإثنين لليلتين بقيتا منه وقد أعددت له ما يركبه. فركبه وسرنا فلم يصبح إلا ببلاد سابور وخرج الديواني [١] فاستقبله [٩٠] وخدمه. قال أبو نصر: فلما نزل وسكن جأشه قلت له: - «قد خلصت وملكت أمرك، إلّا أنّ بهاء الدولة خصمك والبلاد له والناس فى طاعته، واعتقاده فيك الاعتقاد الذي تعرفه. والصواب أن تأخذ لنفسك وتسبق خبرك إلى حيث تأمن فيه من طلب يلحقك.» وقال له الديواني قريبا من هذه المقالة، ووعده أن يسير به حتى يوصله الى أعمال بدر بن حسنويه وأعمال البطيحة، فلم يقبل وقال: - «بل أراسل الملك واستصلح رأيه.» وراجعناه وبيّنّا له وجه الرأى فيما أشرنا به. فأقام على المخالفة وألزمنى أن أعود الى شيراز واجتمع مع أبى الخطاب واستعلم رأيه له فيما يدبّر به أمره. وكتب كتابا الى بهاء الدولة ب: - «انّنى لم أفارق اعتقالك خروجا عن طاعتك ولا عدولا عن استعطافك من تحت قبضتك ولكنّنى عوملت معاملة طلبت بها نفسي فحملني الإشفاق من تلفها [٢] على ما طلبت به خلاصها وها أنا مقيم على ما يرد به أمرك وما أريد إلّا رعاية خدمتي فى استبقاء مهجتي» .

стр. 3537

إلى غير ذلك من القول الجاري فى هذه الطريقة. قال أبو نصر: وكلّفنى من هذا العود والرسالة ما حملني فيه على الغرر والمخاطرة ثم لم أجد بدا من القبول والطاعة ورجعت إلى شيراز وقصدت دار أبى الخطاب ليلا فقال لى: - «ما الخبر؟ فإنّ القيامة قد قامت على الملك بهرب الموفق وتصور له أنه سيتمّ عليه به فساد عظيم.» فأعلمته ما جئت فيه فقال: - «ليس يجوز أن أتولّى إيصال الكتاب وإيراد ما تحملته فى معناه على الملك وهو يعلم ما بيني وبينكم. ولكن امض إلى المظفر أبى العلاء عبيد الله بن الفضل واسأله أن يكتم خبرك فى ورودك وأن يوصل الكتاب كأنه وصل مع بعض الركابية ويستر الأمر [٩١] ويعرف ما عند الملك فيه.» فصرت إليه ووافقته على ما وافقنى عليه أبو الخطاب فلشدة حرص المظفر على اعلام بهاء الدولة الخبر وازالة قلقه به ما باكر الدار وعرض الكتاب ولم يكتم ورودي بل ذكره فسكنت نفس الملك إلى هذه الجملة فقال: - «فما الذي يريد.» قال: «التوثقة على يدي الشريف الطاهر أبى أحمد الموسوي.» فأجاب إليها ووعد بها. وراسلني أبو الخطاب بأن أقتصر فيها ولا أستوفيها ووعدت بذاك ثم لم أفعله وعملت لليمين نسخة استقصيت القول فيها وحضرت الدار بها وحضر الشريف الطاهر أبو أحمد والمظفر أبو العلاء فخرج إلىّ الأمين أبو عبد الله وقال لى: - «الملك يقول: ما الذي تقترحه من التوثقة؟» فأخرجت النسخة من كمّى وسلّمتها إليه وقلت:

стр. 3538

- «هذه نسخة أصحبنيها الموفق ورسم لى الرغبة إلى الكرم الفائض فى أن تحرر بخط مولانا الأمين وأن تشرف بتلفظ الحضرة العالية بها بمحضر من الشريف الطاهر.» فقال: «أقوم وأعرضها.» ودخل وعرضها. فلمّا رأى الملك طولها وتأكّد الإستيفاء فيها، قال لأبى الخطاب: - «أليس رسمنا لك مراسلة أبى نصر بالاقتصار والتخفيف؟» قال: «قد فعلت.» ووعد ثم لم يفعل. فتقدم إلى الأمين بتحريرها فحررها حرفا حرفا وأحضرت المجلس وحضر الشريف الطاهر أبو أحمد والمظفر أبو العلاء وأبو الخطاب والأثير أبو المسك عنبر والأمين أبو عبد الله، وبدأ الملك بقراءتها. فلما مضى شطرها قطعها بأن قال قولا استفهم به شيئا منها ثم عاد لاستتمامها [١] فقبّلت الأرض ورفع رأسه وقال: - «مالك؟» قلت: «الخادم الغائب يسأل الإنعام بأن يكون قراءة هذا التشريف بغير عارض يقطعه.» فاغتاظ غيظا بان فى وجهه، ثم [٩٢] أعاد قراءتها من أولها إلى آخرها. فلمّا فرغ منها قبّلت الأرض. فقال: - «أىّ شيء تريد أيضا؟» قلت: «التشريف بالتوقيع العالي فيها.» فاستدعى دواة وكتب: «حلفت بهذه اليمين والتزمت الوفاء بها على ما

стр. 3539

اقترحه من ذلك» . وأخذتها وخرج الشريف الطاهر أبو أحمد والمظفر أبو العلاء وخرجت الى الموفق ليرد معنا. وقد كان بهاء الدولة جرّد مع أبى الفضل ابن سودمند [١] عسكرا إلى سابور لطلب الديواني ودخل الديواني الماهور وأقام ابو الفضل على حصاره. فلما وصلنا أقام المظفر أبو العلاء عند العسكر ودخلت أنا والشريف أبو أحمد وصرنا إلى الموفق ومعى خيل وبغال وثياب ورحل أنفذ ذلك المؤيد أبو الفتح اذكوتكين والمظفر أبو العلاء اليه على سبيل الخدمة له به واجتمعنا معه وعرف من الشريف الطاهر جملة الأمر ومنّى شرحه. وسار وسرنا وسار المظفر أبو العلاء الى شيراز وكان وصولنا فى روز آبان من ماه أرديبهشت [٢] الواقع فى جمادى الآخرة. وأظهر الموفق لبس الصوف وخرج إلينا أبو الخطاب والأمين أبو عبد الله متلقّين. فلما أراد الانصراف قال لأبى الخطاب: - «أريد الخلوة معك.» فقال له: - «لا يمكنني ذلك مع كون الأمين معى، ولكن أنفذ إلىّ أبا نصر الكاتب الليلة.» ودخل الموفق البلد ونزل دارا أعدّت له فيه.

стр. 3540

ذكر ما جرى عليه أمره بعد دخوله قال ابو نصر: وصرت الى أبى الخطاب وقلت له: - «يقول لك الموفق بأى شيء ترى إن أدبر أمرى؟» قال: قل له: - «قد كنت أشرت عليك بآراء خالفتها فلم تحمد عقبى خلافها، وأنا أعرف بأخلاق بهاء الدولة منك. [٩٣] والصواب الآن أن تنفذ جميع ما حصل عندك من الدواب والبغال التي قادهما الأولياء إليك وتراسل الملك وتقول له: من كان مثلي على الحال التي أنا معتقدها من اعتزال الأموال والرغبة عن العمل، فلا حاجة به إلى دوابّ وبغال. وقد قدت ما قاده الأولياء إلىّ إلى الاصطبل. لأنه أولى به ومتى أردت مركبا أركبه استدعيت منه ما أريده فى وقت الحاجة إليه وإنّ من شروط ما اعتزمته أيضا ان أقلّ الاجتماع مع الناس وانفرد بنفسي والدعاء للملك وأسال أن يختار أحد ثقات الستريين ويرتّب على بابى لردّ من يقصدني ومنع من يحاول الدخول إلىّ. فإنّه إذا رأى مثل هذا الفعل وسمع عنك مثل هذا القول سكن وأنس وأمكنك وأمكننا ان نتلطف لك من بعد فى اخراجك الى منزلك ببغداد او الاستئذان لك فى قصد بعض المشاهد وتملك حينئذ نفسك فتصرفها على اختيارك.» قال أبو نصر: فلما سمعت من أبى الخطاب هذه المشورة علمت أنها صادرة عن النية الصحيحة وعدت إلى الموفق فأخبرته بما كان. فكان من جوابه: أبو الخطاب يريد أن يردني إلى الحبس ردا جميلا. ولم يقبل هذا الرأى ولا دخل له قلبا ولا خالط فكرا. وأقام الدواب بين يديه الى المراود والكرداخورات يسمنها ويضمرها وفتح بابه وقعد فى ثلثة مخادّ بين اثنتين منها سيف والى جانبه ترس وزوبينات وعليه قميص صوف وكان يدخل إليه

стр. 3541

أبو طالب زيد بن علىّ صاحب الصاحب أبى محمد ابن مكرم وأبو العباس أحمد بن على الوكيل فيحدثهما ويحدثانه ويباسطهما ويباسطانه ويعيدان عليه ما يتسوقان عنده به ويعيدان عنه ما يتسوقان به عليه. وورد الوزير أبو غالب قادما [٩٤] من سيراف وقد كان خرج إليها بعد وفاة الفرّخان بن شيراز لتحصيل أمواله وإثارة ودائعه وترددت المراسلات بينه وبين الموفق بالجميل الذي كنت أسدى وألحم فيه وأخذت لكل واحد منهما عهدا على صاحبه ومضى على ذلك زمان. فأعاد أبو العباس الوكيل وأبو طالب زيد على الوزير أبى غالب على الموفق ما أوحشاه به وكان مخالفا لما أورده عليه عنه وشكّ فى قولهما وقولي وأراد امتحان صدقهما أو صدقى. فاستدعى أستاذ الأستاذين أبا الحسن علمكار، وكان الموفق شديد الثقة به والوزير أبو غالب على مثل هذا الرأى فيه. فقال: - «أريد ان أخرج إليك بسرّ أشرط عليك أولا كتمانه ثم استعمال الفتوة والنصيحة فيه.» فقال: «ما هو؟» قال: انّ أبا نصر الكاتب يجيئني ويورد علىّ عن الموفق الجميل الذي يسكن إلى مثله يجيئني بعده أبو طالب وأبو العباس فيحدّثانى عنه ما يناقض ذلك ويقتضينى والنفور منه [١] وأريد أن تمتحن ما فى نفسه وتطاوله مطاولة يستخرج بها ما عنده وتصدقني عما تقف عليه لأعمل بحسبه. فوعده أبو الحسن وصار الى الموفق وأقام عنده طويلا وجاراه من الحديث ضروبا. ثم أورد فى عرض ذلك ذكر الوزير أبى غالب فخرج اليه بالشكر له وسوء الرأى فيه وعاد أبو الحسن الى الوزير أبى غالب فقال له:

стр. 3542

- «قد صدقك أبو طالب وأبو العباس ونصحا لك.» فانقبض الوزير أبو غالب حينئذ منه وعلم أنه على خطر متى ثاب أمره. قال أبو نصر: ومضت مديدة أخرى وأبو الفضل بن سودمند [١] مقيم مع العسكر على حرب الديواني ومضايقته لأنّه طولب بعد خروج الموفق من عنده بقصد الباب ووطء البساط فلم يفعل وعول على أنّ أمر الموفق يستقيم فيمنع منه ويردّ العسكر عنه. فوضعت [٩٥] موضوعات وكتبت ملطفات على أنها من الموفق إلى الأولياء الذين بإزاء الديواني وروسلوا بالشغب وإظهار العود الى شيراز وحملت الملطفات الى بهاء الدولة وقيل له: إن العسكر المقابل للديوانى قد هنجم وعمل على الانكفاء الى الباب وهذا أمر قد قرره الموفق ورتبه وفيه من الخطر عليك وعلى دولتك ما لا خفاء به، وإن ورد هؤلاء القوم أخرجوا الموفق وكاشفوا بالخلاف. فاغتاظ بهاء الدولة وشكّ شكا شديدا فظن ما قيل وعمل حقا فتقدم عند ذاك بالقبض على الموفق وردّه الى القلعة. فانفذ اليه أبو طالب الصغير فى وقت العشاء من روز أمرداذ من ماه تير [٢] الواقع فى يوم الأحد السابع من شعبان حتى أخذه وحمله إلى القلعة. ذكر ما جرى عليه أمره عند ردّه إلى القلعة وكّل به أبو نصر منصور بن طاس الركابسلار، فأحسن معاملته ووسع عليه مقعده وملبسه ومأكله ومشربه وتحمل عنه جميع مؤنه وكلفه. وكان يدخل اليه ويقول له:

стр. 3543

- «أنا خادمك ونفسي ومالي مبذولان لك.» ومضت على ذلك أيّام ثم جاءه وخلا به وقال: - «أيها الموفق قد عرفت مخالفتي للسلطان فى كل ما أعاملك به وأخدمك به ونفسي معرضة بك معه وإن وثقت إلى من نفسك بانه لا تسلّمنى وأن تكون الحافظ لها دوني كنت على جملتي فى خدمتك وتولّى أمرك. وان كنت تحاول أمرا آخر فاخرج إلى بسرك لأكون بين أن أساعدك عليه أو ان استعفى استعفاء لطيفا أتخلص به.» فقال الموفق له: - «لك علىّ عهد الله أننى لا أفارق موضعي [٩٦] ولا أخرج منه إلا بأمر سلطاني وما فارقته فى الدفعة الأولى إلا لسوء معاملة أحمد الفراش لى وطلبه نفسي.» فشكره أبو نصر ووثق بهذا الوعد منه وكان يتردّد بينه وبين أبى الخطاب فى رسائل يتحملها من كل واحد منهما إلى صاحبه ومضت مدة على هذه الحال. ورتّب فى القلعة اللشكرى بن حسان لمانكيمح (كذا) فراسل الموفق يقول له أنت على هذه الصورة ورأى السلطان فيك فاسد وأعداؤك بين يديه كثيرون والأمر الآن فى يدي وأنا آخذك وأخرجك معى إلى الرىّ فإذا حصلت بها ملكت أمرك وبلغت هناك معما شاع من ذكرك وتحصل فى نفوس الديلم لك أكثر مما بلغته هاهنا. فقال له: - «قد عاهدت أبا نصر الركابسلار على ألّا أغدر به ولا أفارق موضعي وأسلمه.» فعاود مراسلته وقال له: - «دع هذا القول عنك واقبل رأيى. فإنّ النفس لا عوض عنها وترك

стр. 3544

الفرصة إذا عرضت عجز.» فلم يقبل. قال أبو نصر: ثم إنّ أبا الخطاب أراد امتحان ما عند الموفق. فقال لأبى نصر المجرى: - «أريد أن تذمّنى إذا خلوت أنت والموفق وتستكتمه ما خرجت به إليك فى أمرى وتنظر ما يقوله لك فتعرّفنيه.» فجاءه أبو نصر وقال له فى بعض ما يجاريه إياه: - «لك أيها الموفق علىّ حقوق إحسان أوليتنيه ومن حكم ذلك أن أصدقك. أراك تعوّل من أبى الخطاب على من هو سبب فساد أمرك وتغير الملك عليك وسوء رأيه فيك. فلو عدلت عنه لكان أولى وأصلح لك ومتى أردت أن أوصل لك رقعة الى الملك سرّا فعلت.» فصادف هذا القول منه شكّا فى أبى الخطاب وتهمة له وحمله الاسترسال واطراح التحفظ على أن اطلق لسانه [٩٧] فيه بكل ما كان مكنونا فى صدره وسأله أن يوصل له رقعة إلى الملك فبذل له ذاك. وكتب بخطه إليه كل ما استوفى اليمين على نفسه به فى أنه الخادم المخلص الذي لم يتغير عن مناصحته ولا هم بخيانة وأنه وأنه ... وذكر ابن الخطاب بما طعن عليه فيه وقال: - «اننى لم أهرب لمّا هربت إلّا برأيه وموافقته وعلمه ومعرفته.» قال أبو نصر السنى: وكان الأمر كذلك وأخذ أبو نصر الركابسلار الرقعة وجاء بها إلى أبى الخطاب. فلمّا وقف عليها كتمها ولم يعد قولا فى معناها أدت الحال الى ما سيرد ذكره فى موضعه من قتله [١] .

стр. 3545

وفى شعبان توفّى أبو عبد الله ابن أيوب الشيرازي الكاتب. وفى شهر رمضان عظمت الفتنة ببغداد بعد خروج أبى جعفر الحجاج عنها وزاد أمر العلويين العيّارين وقتلوا النفوس وواصلوا العملات [١] وأخذوا الأموال واشراف الناس منهم على خطة صعبة. وفيه ورد الأمين أبو عبد الله الحسين بن أحمد إلى واسط برسائل إلى أبى جعفر الحجاج فى معنى أمر عميد الجيوش أبى على وخروجه إلى العراق. فلمّا عرف حصول أبى جعفر بسقى الفرات وتشاغله بحرب أبى الحسن ابن مزيد وبنى عقيل توقف. وفى ليلة الأربعاء لثمان بقين منه طلع كوكب الذؤابة. مسير بهاء الدولة من الأهواز وفى هذا الشهر تواترت الأخبار بتعويل بهاء الدولة على عميد الجيوش فى أمور العراق. ثم سار من الأهواز فى يوم الجمعة الثاني من شوال. شرح الحال فى ذلك لما استقام بعميد الجيوش ما استقام من أمور الأهواز وأعادها إلى حال السكون [٩٨] والعمارة وساس الجند والرعية فيها السياسة الشديدة واضطربت أمور بغداد وانحلّ نظامها وعظمت أسباب الفساد والفتن فيها كوتب بقصد العراق وإصلاح أحوالها وإزالة ما عرض من انتشارها واختلالها وأنفذ الأمين أبو عبد الله إلى أبى جعفر الحجاج لتطييب قلبه واستدعائه إلى فارس.

стр. 3546

وورد عميد الجيوش واسطا بعد أن أقام أبا جعفر أستاذ هرمز بالأهواز والده ناظرا فى الحرب ورتّب أبا عبد الله الحسين بن على بن عبدان فى مراعاة الأمور والأعمال. فاستبشر الناس به لما بلغهم من حسن سياسته وزوال المجازفة والظلم عن معاملته، وكتب إلى الفقهاء وأماثل التجار بمدينة السلام كتبا يعدهم فيها بالجميل ومحو أثار ما تقدم من المصادرات وتضاعفت المحبة له وتزايدت المسرة به. وكاتب أبا القاسم الحسين بن محمد ابن مما مما تألفه وأمره بحفظ البلد وضبطه إلى حين وصوله وأنفذ اليه تذكرة بأسماء جماعة ورسم له قتلهم وأخذهم وكان منهم مرتوما ابن ققى (كذا) النصراني التاجر لأنه ذكر عنده بالسعاية والغمز فاقتصر أبا القاسم على أخذ المعروف بابن دجيم وقتله فى وسط الكرخ. وكان أحد الملاعين السعاة وأنذر الباقين لأنهم خدموه من قبل. وسار عميد الجيوش من واسط فتلقاه أبو الفوارس قلج سابقا الى خدمته ثم تلاه الأولياء على طبقاتهم والناس على ضروبهم فبسط لهم وجهه ووفى كلامهم حقه. ورأوا من لين جانبه وقرب حجابه وسهولة أخلاقه وعذوبة ألفاظه مع عظم هيبته ما لم يعهدوا مثله. وعرف الأشرار والدعار [١] قوته وما يأخذ به نفسه فذهبوا كل مذهب وهربوا [٩٩] كل مهرب. ونزل النجمى فزينت له الأسواق ونصبت القباب وأظهر من الثياب والفروش الفاخرة والأواني والصياغات الكثيرة ما كان مخبوءا للخوف، ودخل يوم الثلاثاء السابع عشر من ذى الحجة وقد أقيم له فى الأسواق الجواري

стр. 3547

والغلمان فى أيديهم المداخن بالبخور وخلقت وجوه الخيل ونثرت عليه الدراهم فى عدة مواضع ودعى له من ذات الصدور وعدل من طاق الحراني الى دجلة ونزل فى زبزبه وعبر إلى دار المملكة وخدم الأميرين أبا الشجاع وأبا طاهر وعاد فصعد الى الدار بباب الشعير وهي التي كانت لأبى الحسن محمد بن عمر. وطلب العيارين من العلويين والعباسيين وكان إذا وقعوا تقدم بأن يقرن العلوي بالعباسى ويغرقان نهارا بمشهد من الناس. وأخذ جماعة من الحواشي الأتراك والمتعلقين بهم والمشتهرين بالتصرف والتشصص معهم فغرقهم أيضا. وهدأت بذلك الفتن المستمرة وتجددت الاستقامة المنسية وأمن البلد والسبل وخاف الغائب والحاضر. وكان ممن قتل المعروف بأبى على الكرامى العلوي وقد هتك الحريم وارتكب العظائم ونجا إلى أبى الحسن محمد بن الحسن بن يحيى وظنّ أنه يعصمه ويمنع منه فركب أبو الحسن علىّ بن أبى علىّ الحاجب الى داره حتى قبض عليه من بين يديه وهو يستغيث به فلا يجيبه وحمله إلى دار عميد الجيوش وقتله. وقد كان المعروف بابن مسافر العيار حصل فى دار الأمين أبى عبد الله فآواه وستره ولم يزل ابو الحسن على بن أبى على يراصده حتى عرف أنه يجلس فى دهليزه ثم كبس الدهليز والأمين أبو عبد الله غائب. فأخذه [١٠٠] وضرب عنقه. وامتعض الأمين أبو عبد الله من ذلك فلم ينفعه امتعاضه وشكا الى عميد الجيوش فلم يكن منه إلّا الاعتذار القريب منه. وتتبعت هذه الطوائف فى النواحي والبلاد فلم يبق لهم ملجأ ولا معقل ومضت إلى الأطراف البعيدة وكفى الله شرها وأزال عن الناس ضرّها.

стр. 3548

وحدثني أبو الحسن على بن عيسى صاحب البريد قال: كان ابن ابى العباس العلوي ممن سلك الطريق الذميمة وارتكب المراكب القبيحة. فلمّا ورد عميد الجيوش هرب إلى ميافارقين وبلغه خبر حصوله فيها ومقامه فيها فبذل مائة دينار لمن يفتك به ويقتله ووسط ذاك بعض من أسر إليه وعوّل فيه عليه وأنهى الأمر الى تعديل الدنانير عند بعض التجار فى ذلك البلد، وتقدّم عميد الجيوش بأخذ سفتجة بها وإنفاذها. وبينما هو في ذلك عرض عليه كتاب بوفاة ابن أبى العباس هذا. فضحك وقال لى: - «قد بلغنا أيّها الأستاذ المراد وربحنا الغرم ونحن نصرف الآن هذه الدنانير فى الإراحة من مفسد آخر.» وسلك مثل هذه الطريقة مع أهل الشر من الكتّاب والمتصرفين وغرق منهم جماعة فى أوقات متفرقة ومن جملتهم طاهر الناظر كان فى دار البطيخ وله صهر من الأتراك يعرف بالأعسر من وجوههم ومفسديهم، وأبو على ابن الموصلية عامل الكار. فأذكر وقد جاءني ابن الموصلية هذا ليلا وكان هاربا مستترا وقال لى: - «قد خدمتك الخدمة الطويلة وأوجبت عليك الحقوق الكثيرة وفى مثل هذه الحال أريد ثمرة ذلك ورعايته.» فقلت: «ما الذي تريده لأبذل جهدي فيه.» قال: «عرفت حالي فى وقوع الطلب لى ومتى ظفر بى قتلت أو بقيت على جملتي فى التوقّى والتخفّى لم يكن لى مادة أمشّى بها أمرى وأستر من ورائي وأريد أن تخاطب الصاحب أبا القاسم بن مما فى بابى وتذكره بخدمتى وحرمتي [١٠١] وتسأله خطاب عميد الجيوش فى إظهارى وإيمانى. قلت: «أفعل ولا اترك ممكنا فى ذلك.» فشكرنى وانصرف وباكرت أبا القسم فقلت:

стр. 3549

- «جاءني البارحة أبو على ابن الموصلية ورأيته على صورة يرحم فى مثلها الأعداء فضلا عن الخدم والأولياء وله عليك حقوق وإنما أعدّها لمثل هذا الوقت ومتى لم [١] تخلصه وتلطف فى أمره هلك فى وقوعه واستتاره. فقال لى: - «لو كنت غائبا عن هذه الأمور لعذرتك. فاما وأنت حاضرها فلا عذر لك.» فراجعته وقال لى: - «أنت تلقى عميد الجيش دائما وهو يميل إليك ويتوفّر عليك فخاطبه وتحمل رسالة عنّى بما تورده عليه.» فسررت بذلك وظننت أننى سأبلغ الغرض به ودخلت إلى عميد الجيوش فى آخر نهار وهو خال. فخاطبته فى أمر ابن الموصلية ورققته وسألته كتب الأمان له. فقال: أفعل. وتبسّم. ثم قال لى: - «لست عندي فى منزلة من أعده ثم أخلفه وأقرر معه ما يقتضيه وأنا أصدقك عما فى نفسي. ليس لهؤلاء الأشرار عندي أمان ولا أرى استبقاءهم على كلّ حال. فإن أردت أن تتنجز الأمان على هذا الشرط فما أمنعك بعد أن يكون [٢] على بينة من رأيى واعتقادي.» فقبلت الأرض بين يديه وشكرته على صدقه فيما صدقنى عنه ورجعت الى أبى القاسم فعرّفته بما جرى فقال: - «قد كنت أعلمه وإنما أحببت أن تشركني فيه وتسمعه بغير إسناد منّى وربما اتهمته.» وعاد إلى ابن الموصلية من بعد فى مثل الوقت الذي قصدني أوّلا فيه.

стр. 3550

فشرحت له الحال على حقيقتها وقلت له: - «ما توجب الديانة ولا المروءة أن أغرّك.» وفارقنى وهو عاتب مستزيد على ما حدثت به من بعد ومضى الى أبى عمرو بن المسيحي وأبى اسحق صاحب أبى القاسم بن مما، فسألهما مثل ما كان سألنيه [١٠٢] وعاودا خطاب أبى القاسم وتنجّزا له الأمان. فما مضت مديدة حتى أخذه أبو الحسين بن راشد. وكان لعمري من أهل الشر إلّا أنّ التأول عليه كان بمكاتبته أبا جعفر الحجاج عند حصوله بالنعمانية، ولأن أبا القاسم بن مما أغرى به للعداوة السابقة بينه وبينه. وأخذ أيضا أبو الحسن محمد بن جابر وأبو القاسم علىّ بن عبد الرحمن ابن عروة ليفعل بهما مثل ما فعل بمن قدمنا ذكره. فتلطف مؤيد الملك أبو على الحسين بن الحسن فى خلاصهما واستنقاذهما وكان ذلك فيما بعد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، إلّا أننا أوردناه فى هذا الموضع لاتصال بعض الحديث ببعض. وتقدم عميد الجيوش عند مورده بسمل أبى القاسم بن العاجز وقد كان قبض عليه وأنفذ اليه الى واسط فسمل وضربت رقبته بعد السمل وطيف برأسه فى جانبي مدينة السلام وطرحت جثّته فى دجلة وذلك فى يوم الأحد لثمان بقين من ذى الحجة. ذكر ما عمله عميد الجيوش وأجرى أمور الأعمال والدواوين عليه فوّض إلى مؤيد الملك أبى على أمور الأعمال وتقليد العمال وتحصيل الأموال وكان ورد معه نائبا عنه وله فى الكتابة والكفاية القدم المتقدمة وفى

стр. 3551

العفة والامانة الطريقة المعروفة. فاستقام بنظره ما كان مضطربا وانحرس بحفظه ما كان متشذبا واستمرّ على الخلافة له فى مقامه وسفره. وجعل أمر الديلم الى أبى القاسم الحسين بن محمد بن مما وأبو نصر سعيد بن عيسى على الديوان وأمر الأتراك إلى أبى محمد عبد الله بن عبد العزيز، وأبو غالب سنان ابن عبد الملك يتولى الديوان. وأقرّ أبا على الحسن بن سهل الدورقي على ديوان السواد، وأبو منصور [١٠٣] الاصطخرى خليفته عليه، وأبا الحسن محمد ابن الحسين بن سابلويه على ديوان الزمام وأبا الحسن سعيد بن نصر على ديوان الخاصة وأبا منصور يزدانفادار [١] بن المرزبان على الأشراف فى ديوان الجيشين. وقلّد أبا نعيم المحسن بن الحسن واسطا وضرب ضربا قرّر قيمة الدينار الصاحبى به على خمسة وعشرين درهما وباقى النقود على حسب ذلك واستعرض الجرائد وميز الناس وأسقط كثيرا من الحشوة وردّ جميع الاقساط لسائر الطوائف الى سبعة آلاف دينار فى كل خمسة وثلاثين يوما وامتنع من تسليم ما ينحل من الإقطاعات إلّا بالأقساط وأقطع جماعة على هذه القاعدة فلو تمادت به المدة على خلو الذرع والطمأنينة لسقطت الأقساط بالواحدة لكنّه منى من أبى جعفر الحجاج بمن أفسد نظام أمره وأبطل عليه جميع ترتيبه وتدبيره. وسيأتي ذكر ذلك فى أوقاته ومواضعه. وما رأيت رجلا أعف ولا أظلف نفسا من عميد الجيوش ولقد رفع المصادرات وأزال المجازفات رفعا وإزالة اقتدى به جميع ولاة بهاء الدولة على بلاده فيها، وصار له الإسم الكبير والذكر الجميل بها [٢] .

стр. 3552

ونعود الى ذكر الحوادث فى الشهور الداخلة فى هذه السياقة وفى يوم الأربعاء السابع من شوال توفّى أبو محمد عبد الله بن أبى أحمد يحيى الجهرمى القاضي. وفى هذا الشهر توفى أبو بكر محمد بن محمد بن جعفر الدقاق الشافعي العارض المعروف بخياط. وفيه توفّى أبو الفتح القنّائى الكاتب. مقتل ابن شهرويه وأبى عبد الله المستخرج وابنه وفى يوم الإثنين لأربع بقين منه قتل أبو عبد الله بن الحيرى أبا الحسين ابن شهرويه وأبا عبد الله المستخرج وابنه فى داره بالموصل. [١٠٤] ذكر الحال فى ذلك حدثني أبو الحسين بن الخشاب البيع الموصلي قال: كان ابن الحيرى يبيع الخزف بالموصل ثم ضمن كوازكه وتنقل من حال الى حال حتى نظر فى جميع أبواب المال وتجاوز ذاك الى ان كتب لأبى عامر الحسن بن المسيب.

стр. 3553

وكان ارتفاع البلد مشتركا بين الحسن وبين معتمد الدولة ابى المنيع قراوش وكاتبه أبو الحسين بن شهرويه. وكان ابن الحيرى يستطيل على أبى الحسين بالإسلام وبأنّ صاحبه الأمير ويتبسط عليه فى المعاملة والمناظرة. فأقام أبو الحسين أبا عبد الله المستخرج فيما يتعلق بمعتمد الدولة من البلد والارتفاع ورمى ابن الحيرى منه بمن هو أشد قحة وثقل عليه أمره فعمل على الفتك به وبابن شهرويه وشرع فى ترتيب أسباب ذلك. وكان معه جماعة من الرجالة الذين يحملون السلاح ويسلكون سبيل العيارة فواقف قوما منهم على أن يلازموا داره- وكانت فى بنى هائدة- ليلا ونهارا ويترقبوا حضور ابن شهرويه وابى عبد الله المستخرج، فإذا حضرا أوقعوا بهما ووضعوا عليهما. وتقدم إليهم بأن يظهروا فى منازلهم وعند رفقائهم أنهم مقيمون فى الحلّة، وكان الحسن بن المسيب فى حلّته بظاهر الموصل ومعتمد الدولة مخيم بالحصباء يريد الانحدار إلى سقى الفرات وهو عليل قد بلغت العلّة منه، وأظهر ابن الحيرى العلة وشكر له [١] وتأخر فى منزله. فركب اليه أبو الحسين بن شهرويه وأبو عبد الله لعيادته على عادة كانت لأبى الحسين فى مغالطته ومنافقته. فلما صاروا قريبا من داره فارقهما أبو ياسر النصراني وكان معهما فقال [١٠٥] له أبو الحسين: - «لم لا تساعد على عيادة هذا الصديق؟» فقال له مازحا: - «يجوز أن يسلم منا من يعرف خبرنا.» وتمم أبو الحسين وأبو عبد الله ونزلا ودخلا الى الدار ومنها إلى حجرة

стр. 3554

عليها باب حديد وثيق وتأخر عنهما ابن أبى عبد الله المستخرج فى الدار الاولى ونزل الرجالة من الغرفة التي كانوا فيها ووضعوا عليهما وقتلوا أبا الحسين وأبا عبد الله وأفلت ابن أبى عبد الله وصعد إلى السطح ورمى نفسه الى دار قوم حاكة فاتبعه أصحاب ابن الحيرى وأخذوه وقتلوه وأخرج الثلاثة من الدار وطرحوا على الطريق. وحلّ ابن الحيرى رجله وخرج من سرداب قد عمله تحت الأرض فى داره إلى درب يعرف بفندق عروة على بعد من بنى هائدة واستتر وأخفى شخصه وقد كان استظهر بإخلاء داره وتحويل ما كان فيها من ماله وثيابه. وبلغ الخبر معتمد الدولة فركب فى الحال على ما به وهاج الناس بين يديه وطلب ابن الحيرى فلم يجده. وأظهر الحسن بن المسيب الإنكار لما فعله صاحبه وراسل معتمد الدولة يعده بالتماسه والأخذ بالحقّ منه. وكان كمال الدولة أبو سنان غريب قد نزل فى ليلة ذلك اليوم على ابن الحيرى كالضيف له. فلما جرى ما جرى بادر هاربا على وجهه إلى البرية وانحدر معتمد الدولة إلى العراق. وظهر ابن الحيرى وخرج إلى حلّة الحسن وأقام عذره عنده فيما فعله وقبض على شيوخ أهل الموصل وصادرهم. واعتلّ الحسن علة قضى فيها وقام مرح أخوه فى إمارة بنى عقيل بعده وانتقل إليه النصف من معاملة الموصل وتوسط بينه وبين ابن الحيرى حتى أذم له [١٠٦] وعاهده واستكتبه وكانت بينه وبين أبى الحسن ابن ابى الوزير عداوة لأنه سعى به إلى مرح حتى قبض عليه ونكبه. فاجتمع أبو الحسن وأبو القاسم سليمان بن فهد وأبو القاسم ابن مسرّة الشاعر على ابن الحيرى وأغروا مرحا به أوغروا صدره عليه وأفسدوا رأيه فيه فقبض عليه ووجدوا له تذكرة تشتمل على نيف وخمسين ألف دينار،

стр. 3555

فأثاروا ذلك وحصّلوه، ثم سملوه فمات ودفن، ونبشه أهل البلد من بعد وأحرقوه لسوء معاملته لهم وما قدّمه من القبيح إليهم. حديث طريف وحدّثنى أبو الحسن ابن الخشاب عن ابى الحيرى بحديث استطرفته فأوردته قال: أراد أن يقتل الحسن بن المسيب بسمّ يطعمه إياه ويهرب الى الشام. فسأله أن يحضر فى دعوته فحضر فقدّم إليه بطّيخا مسموما. فقال له الحسن: - «تقدم يا با عبد الله وكل.» فأظهر له الصوم وقال لأبى الفتح ابنه: - «اجلس وكل مع الأمير.» فجلس وأكل ومات وتراخت مدّة الحسن فعاش قليلا ومات. وتجدّدت بين أبى الحسن ابن أبى الوزير وأبى القسم بن مسرة وحشة فوقع فيه أبو الحسن عند مرح بن المسيب وكثر عنه حاله وماله وأغراه بنكبته ومصادرته فقبض عليه وقرر أمره على جملة أخذها منه وخاف عاقبة ما عامله به فقال لمرح: - «هذا شاعر وقد أسأت إليه وإن أفلت من يدك هجاك ومزّق عرضك.» فقتله وشقّ بطنه وملاه حصى ورمى به فى دجلة. فاتفق أن وجدته امرأة كانت تغسل على الشاطئ فأخرج ودفن بالموصل. انقضاض كوكب وتشقّقه وفى ليلة يوم الاثنين الثالث من ذى القعدة انقضّ [١٠٧] كوكب فى برج الحمل والطالع آخر الثور أضاء كضوء القمر ليلة التمام ومضى الضياء وبقي

стр. 3556

جرمه يتموّج نحو ذراعين فى ذراع برأى العين وتشقق بعد ساعة. وفى آخر يوم الأحد التاسع من ذى القعدة كبس العيارون دار ابى عبد الله المالكي للفتك به وكان ينظر فى المواريث وبعض معاملات أبواب المال وفيه جزف فى المعاملة. فلم يجدوه ووجدوا أبا طالب بن عبد الملك أخا أبى غالب سنان وكان صهر أبى عبد الله على ابنته فقتلوه. وقتل العيارون فى هذا اليوم أيضا حماد بن السكر الشهرونى وكان وجها من وجوه الرستاقية وأهل الرفق والعصبية. دخول الحاجّ الخراسانية بغداد وعودهم إلى بلادهم وفى يوم الثلاثاء الحادي عشر منه تكامل دخول الحاج الخراسانية بغداد وعبروا بأسرهم إلى الجانب الغربي، ثم وقفوا عن التوجه لخلّو البلد من ناظر وفساد الطرق ومقام أبى جعفر الحجاج بالكوفة وانتشار العرب من بنى خفاجة وبنى عقيل فى البلاد، وعادوا إلى بلادهم فى يوم الخميس لعشر بقين منه، وبطل الحج من المشرق فى هذه السنة. ذكر ورود علىّ بن عبد الرحمن مطلقا من أسر بنى عقيل وفى يوم الإثنين الثاني من ذى الحجة ورد أبو القاسم على بن عبد الرحمن بن عروة مطلقا من أسر بنى عقيل. ذكر الحال فى أسره وإطلاقه كان قد خرج مع أبى اسحق إبراهيم أخى أبى جعفر الحجاج ناظرا فى

стр. 3557

الأعمال وتمشية أمور العسكر. فلمّا وقعت الوقعة بينه وبين أبى الحسن بن مزيد ودعيج وبنى عقيل بباكرما وانهزم، أسره أحد العرب وبقي فى يده مدة. وابتاعه [١٠٨] أبو الحسن رشا بن عبد الله الخالدي منه بمال قرّره عليه وضمن أبو بكر الخوارزمي المال لرشا وأطلق. حوادث عدّة وفى يوم الأحد الثامن منه قتل ابن بندار المستخرج والحسين بن بركسه غلام ابن كامل وقبض على أبى طالب الصياد الهاشمي وابن زيد العلوي وغرقا. وفى يوم الاثنين التاسع منه ولد الأميران أبو على الحسن وأبو الحسين ابنا بهاء الدولة توأمين وعاش أبو الحسين ثلث سنين وشهورا ومضى لسبيله وبقي الأمير أبو على وملك الأمر بالحضرة ولقّب بشرف الدولة. وأخباره تأتى فى موضعها بإذن الله تعالى. وفى يوم الأحد لثماني بقين منه ورد الأمين أبو عبد الله بغداد عائدا عن أبى جعفر الحجاج بن هرمز فيه ومعه أبو شاكر أحمد بن عيسى كاتبه وقد كان الأمين توقّف بواسط لما وردها على ما قدمنا ذكره. فلما وصل عميد الجيوش أبو على وأصعد، أصعد معه وعدل من النعمانية الى أبى جعفر فلقيه بالكوفة. وفى يوم الإثنين لسبع بقين منه خرج الصاحب أبو القاسم بن مما إلى أبى الفتح محمد بن عنّاز، فدعاه إلى طاعة عميد الجيوش وخدمته وقاده إلى الدخول فى جملته، ووعده عنه بما طابت نفسه به، وعاد من عنده وقد أصلحه ونسج ما بين عميد الجيوش وبينه. وفى يوم الثلاثاء لست بقين منه توفّى أبو يعقوب محمد بن الحسن ابن

стр. 3558

يحيى العلوي الحسيني النقيب. وفى هذه السنة هرب أبو العباس الضبّى من الرىّ وصار إلى بروجرد لاجيا إلى بدر بن حسنويه. شرح الحال فى ذلك وفيما جرى عليه أمر الوزارة بالرىّ بعده على ما أخبرني به القاضي [١٠٩] أبو العباس أحمد بن محمد البارودى قد ذكرنا من قبل صلاح أمر أبى العباس مع الجند بالري ونزوله من القلعة فى اليوم الرابع من القبض عليه وحمله إليها وعوده إلى النظر والتدبير ولمّا كان ذلك أقام مدّة سنة والاستقامة جارية والأمور مترخية والحال بينه وبين بدر بن حسنويه عامرة والعصبية له منه واقفة. وكانت فى أبى العباس شدّة تغلب على طبعه وشحّ يفسد عليه كثيرا من أمره. فاتفق أن توفّى الإصفهبذ الأكبر ابن أخى السيدة والدة مجد الدولة وفاة أتهم أبو العباس بأنه دبّر عليه وسمّه. وطلبت السيدة منه ما قدره مائتا دينار لإقامة رسم العزاية. فقال فى جوابها: - «لو اشتغلت بما يعطاه الجند المطالبون لكان أولى من تشاغلها بعمل المواتيم للموتى الماضين.» فاغتاظت وقالت: - «صدق، وكيف يقيم مأتمه من قتله. وبلغه قولها فأسرّ الاستيحاش منها وعلم ما وراءه من تغير رأيها. فراسل أبا القاسم بن الكج القاضي بالدينور واستدعى منه مطالعة بدر بن حسنويه بأمره واستئذانه فى خروجه إلى بلاده وتجديد التوثقة عليه له. فخاطب ابن كج بدرا على ذلك فقال: - «الرأى له أن يقيم بموضعه ولا يفسد حاله بيده ويتلطّف فى إصلاح السيدة.»

стр. 3559

فلم يقبل أبو العباس هذا الرأى، لأنه خاف السيدة، وعاود بدر بن حسنويه فقال: - «أمّا ما عندي من المشورة والنصيحة فقد قلتها، وأمّا ما يراه لنفسه من غير ذلك فله عندي فيه كل ما يحبّه ويؤثره.» وأقام أبو [١١٠] العباس بعد السنة الاولى سنة أخرى حتى حرز أموره وأنجز علائقه وأحرز أمواله. وكان يعتقد الثقة بأبى على الحسين بن القاسم العارض الملقب بالخطير، ففاوضه أمره وما قرّر عليه عزمه. وكان أبو على ذا حيلة ومكيدة وكراهية له وعداوة. فقال له: - «الصواب فيما رأيته. فإنّ أحدا لا يقوم مقامك فيما تقوم فيه وإذا فارقت مقامك تلقّاك بدر بن حسنويه بساوة وقام بمعونتك ونصرتك وتشييد أمرك، وخاف السيدة والجند منه، فنزلوا على حكمك وعدت جديد الجاه قوىّ الأمر.» قال القاضي أبو العباس: فحدثني أبو الحسن البندارى وكان كاتب أبى العباس الضبّى على مكاتباته وسرّه. قال: - «جارانى الكافي أبو العباس ما أشار به عليه الخطير أبو على.» فقلت: «قد غشّك وما نصح لك، ومتى زالت قدمك عن موضعك تغيرت الأمور وحالت عن تقديرك.» فقال: «ما كان أبو على ليشير بغير الصواب مع إحسانى إليه وتوفّرى عليه.» فلما كانت ليلة خروجه ترك داره بما فيها من فرشه وآلاته ورحله وأثقاله وغلمانه وكانوا سبعين غلاما وخرج ومعه أبو القاسم ابنه وأبو الحسن البندارى كاتبه وغلام تركي من غلمانه ونفر من حواشيه ممن احتاج إليهم لخدمته ونزل على فرسخ من البلد.

стр. 3560

وأصبح الناس وقد شاع الخبر. فماجوا واجتمع الجند وانتدب الجند الخطير أبا على لخطابهم وقال: - «قد هرب هذا الرجل بعد أن فرغ الخزائن وأخذ الأموال ومزّق الأعمال وحلّ النظام. والمواد اليوم قاصرة والإضاقة ظاهرة والاستحقاقات كثيرة. فإن قنعتم بما كان فخر الدولة يطلقه لكم [١١١] قمت به وبذلت الاجتهاد فيه وفى تحصيله وتفرقته عليكم، وإن أردتم غير ذلك فانظروا لنفوسكم واختاروا من يتولّى أموركم.» فلمّا سمعوا من هذا القول ما سمعوا وعرفوا من صحته ما عرفوه قالوا له: - «قد رضينا بتدبيرك وقنعنا بما بذلته لنا من نفسك ولك علينا السمع والطاعة والانقياد والمساعدة.» فتولّى الأمر وأخذ ما كان فى دار الكافي أبى العباس وكان كثيرا وتتبع أمواله وأموال أصحابه وأقطع أملاكه وإقطاعه وذكره فى الكتب بأحمد بن إبراهيم المخلّ، وعلى المنابر بالطعن والقدح والوقيعة والجرح، بالغ فى كلّ ما اعتمد مساءته به والغضّ منه فيه ومشت الأمور بين يديه. ووصل أبو العباس الضبّى إلى بروجرد فلم يستقبله بدر بن حسنويه ولا احد من أصحابه لكنه أنفذ اليه بمن يقيم له اقامة فكان يأخذ من ذلك يسيرا وينفق من عنده كثيرا حتى أخذ نحوا من خمسة آلاف درهم سودا. ثم سأل إعفاءه مما يقام له من جهة بدر بن حسنويه فأعفى. ووافاه أصحابه من البلاد لاحقين وانكسر جاهه وانتشر أمره وندم [١] الندم الشديد على فعله. قال القاضي أبو العباس: وكنت إذ ذاك ببروجرد. فاستشارني أبو الحسن البندارى عنه فى أمره فقلت:

стр. 3561

- «يريد أن يطيب نفسا عمّا أقطع من أملاكه وإقطاعاته وينزل عنه لمن جعل له فيلاطف السيدة ومجد الدولة ووجوه القواد بما يستميلهم فيه ويقلّهم عن ابى على الخطير به. فإنّه إذا فعل ذلك أطاعه القوم وبلغوا له مراده.» فقال أبو الحسن: - «يحتاج لهذا إلى نحو مائتي ألف دينار ونحن فارقنا [١١٢] مكاننا وأفسدنا أمرنا من أجل مائتي دينار وامتناعنا من إطلاقها.» ومضت للخطير مدة سبعة عشر شهرا ثم قبض عليه فبادر أبو سعد محمد بن إسمعيل بن الفضل من همذان إلى الرىّ مدلّا بوصلة بينه وبين السيدة وبماله من الحال الكبيرة والضياع الكثيرة والمادة الواسعة والمكنة التامة. وكره بدر بن حسنويه أن يتم له أمر لسوء رأيه فيه، وأنه كان ينقم عليه قبيحا عامله به. فأنفذ أبا عيسى شأذى بن محمد ومعه أبو العباس الضبي الى الرىّ فى ثلاثة آلاف رجل ليعيده الى نظره ويردّه فى الوزارة إلى أمره، وكتب فى ذلك بما أكّده وأشار بالعمل عليه وترك خلافه فيه. فلما نزلوا بظاهر البلد ووصلت الكتب من بدر بن حسنويه- وقد تردّد فى معناها ما تقدم من قبل- راسلت السيدة ومجد الدولة ووجوه القواد أبا العباس بأن: - «أدخل فان الأمر ممهد لك والرضا واقع بك» . وأنفذت إليه ثقات كانوا له فى القوم بأن: - «الباطن فيك غير الظاهر لك وقد رتّب الأمر على الغدر بك والقبض عليك» . فخاف ورجع. ذكر تقلّد أبى الفضل الوزارة ثمّ عود الخطير إليها وتقلّد أبو سعد بن الفضل الوزارة وتوسع فى نظره بماله واستغلال أملاكه

стр. 3562

وهادي مجد الدولة والسيدة بما ملأ عيونهما به وأعطاهما وأعطى الأكابر ما استخلص نيّاتهم فيه. وكان شديد العجرفة عسوفا فى المعاملة متهجّما على الجند بالمخاطبة الوحشة فكرهوه واجتمعوا وقصدوه. فهرب الى بروجرد بعد أن استصلح بدر بن حسنويه، وعاد الخطير أبو على إلى الوزارة، وسام بدرا ان يخاطبه بالوزير، فامتنع من ذلك وامتنع أبو على من خطابه [١١٣] بسيدنا، وانتهى ما بينهما إلى الشرّ والمباينة والمكاشفة بالقبيح والعداوة وكتب الخطير إلى أصحاب الأطراف يبعثهم على بدر بن حسنويه ويغريهم به ويهون عليهم أمره وواصل هلالا ابنه وأفسده عليه وحمله على مباينته ومقاطعته فكان ذلك من أقوى الأسباب فيما خرج اليه معه. وسنذكر شرح هذه الجملة وما انتهت إليه الحال بين الخطير وبين بدر فيما نورده آنفا بمشيئة الله تعالى. ذكر السبب فى فساد رأى بدر بن حسنويه على أبى سعد ابن الفضل وما عامله به عند هزيمته من الرىّ وقصده إياه حدثني القاضي أبو العباس البارودى قال: كان أبو سعد ابن الفضل ينظر فى أعمال همذان والماهين وسهرورد وأبهر من قبل مجد الدولة ويعطى شمس الدولة من ارتفاع ذلك مالا معينا ومبلغا مقننا. فشرع بدر بن حسنويه فى أن يبتاع خانا بهمذان ويفرده باسمه ويقيم فيه بيعا يبيع ما يرد من الأمتعة المختارة فى أعماله وكانت الحمولات كلها واصلة منها ومحمولة فيها وبذل له فى ارتفاع هذا الخان إذا تقرّر أمره ألف

стр. 3563

ألف ومائتا ألف درهم. وأنفذ أبا غالب بن مأمون الصيمري إلى همذان لترتيبه وعقده على الراغب فى ضمانه. وشقّ على أبى سعد ابن الفضل تمام ذلك وتصور أنه طريق إلى خروج ارتفاع البلد عن يده. فوضع قوما من الديلم على أن يقصدوا أبا غالب ويوقعوا به وكان نازلا فى دار أبى عبد الله محمد بن على بن خلف النيرمانى لأنه برسم النيابة عن بدر بهمذان. [١١٤] فقصدوه وكبسوا الدار وهرب من بين أيديهم وعاد إلى بروجرد. وادّعى أنّه قد نهب منه جملة كثيرة من المال الذي كان معه، وكتب إلى بدر بالصورة واستأذنه فى الاعتراض على ضياع أبى سعد ابن الفضل وأن يأخذ منها عوض ما أخذ منه. فأذن له فى ذلك واستخرج ما قدره خمسون ألف دينار. فقال أبو سعد لما بلغه الخبر: - «احسب ان يحيى بن عنبر [لرجل قاطع طريق] [١] أخذ مالي واعترض على ضياعي.» وبلغ بدرا ذلك فأحفظه. وقبض على الخطير أبى على بالرىّ فبادر أبو سعد ابن الفضل طامعا فى الوزارة وكره بدر أن يتمّ له أمره فأنفذ أبا العباس الضبّى مع أبى عيسى شاذى فى ثلاثة آلاف رجل لتقرير الوزارة له وجرى فى ذلك ما قدّمنا ذكره. وتولّى النظر أبو سعد ابن الفضل فأقام عليه سنتين ثم وقف أمره وشغب الجند عليه. فهرب وقيل إنّه دلّى فى هربه فى زبيل من سطح دار وقصد بدر بن حسنويه فما شعر به حتى حصل بالكرج [٢] وتمّم إليه الى سابور خواست

стр. 3564

فأحسن تقبّله وأكرم منزله وحمل اليه ثلاثمائة رأس غنما وأصنافا كثيرة فيها حمل سكر أبيض ولم يكن حمل مثل ذلك إلى أبى العباس الضبّى، لأنّه علم أنّ أبا سعد واسع المروءة كثير التجمل، ووصل إليه من هذا المحمول ما وصل، فما انقضى يومه حتى فرّقه واستعمله. وأقام عنده أياما ثم صار إلى بروجرد. قال القاضي أبو العباس: فتأخر أبو العباس الضبّى عن استقباله واحتج بنقرس كان عرض له وأنفذ أبا القاسم سعيدا ابنه للنيابة عنه فى قضاء حقه وخرجت معه فسلم كل واحد من ابن أبى العباس وأبى سعد على صاحبه وسارا [١١٥] داخلين إلى البلد فتقدم عليه ابن أبى العباس. فلما كان فى آخر ذلك اليوم ركب إليه أبو العباس الضبّى فى محفّة، ودخل داره وهو يخرج من بيت الماء ويشدّ سراويله، وتلقاه وقبّل صدره فى المحفّة وخاطبه أبو العباس بالوزير وقد كان أبو سعد كاتب أبا العباس من الرىّ عند وزارته وخاطبه بالأستاذ الرئيس. فلما التقيا هذا الالتقاء اعتمد أبو العباس فى خطابه بالوزارة أن يعلمه ان الصرف لا يزيل اسمه من الوزارة. ولم يجتمعا بعد هذه الدفعة. وفى هذه السنة أنشأ مهذب الدولة داره بالصليق فوسّع صحنها وعظّم أبنيتا وكبّر مجالسها وسلك مسالك الملوك فيها ونقل إليها من الآلات والساج الشيء الكثير. فجاءت أحسن دار وأفخمها وأجلها وأعظمها. وقد رأيتها فى أيامه وكانت من أبنية الملوك وذوى الهمم الكبيرة منهم، وما شاهدت صحنا كصحنها فى انفساحه واتساعه، وكانت راكبة لدجلة ولها روشن وشبابيك عليها. ونقضت هذه الدار فى سنة سبع عشرة وأربع مائة حتى قلعت

стр. 3565

أساساتها وجعلت دكة فى تعفّى آثارها. وكان سبب ذاك أن باع العمال فى أيام الفترة بعضها على أرباب الاقساط وطمع الجند بهذا الابتداء فأتوا على جميعها. استتار وفيها خرج أبو الحسن ابن اسحق كاتب أبى الحسن محمد بن عمر كان الى فارس على استتار. شرح الحال فى ذلك وفيما جرى عليه أمره الى أن قتل لما أصعد أبو الحسن الى بغداد مع الصاحب أبى القاسم بن مما على القاعدة التي قدمنا ذكرها بدا [١١٦] من أمره ما كان مستورا خافيا وقبض على جماعة من التجار وصادرهم وتأول عليهم وجازفهم واعتقل الجاثليق ووكل به وبالغ فى الغضّ منه واستعمال القبيح معه. وحاول فى القبض على أبى يعقوب العلوي ما حاوله. فلما لم يتم له وعرف خبر أبى الحسن بن يحيى فى عوده الى واسط وانحلال أمر أبى نصر سابور وانتقاض قواعده استتر وخرج الى أوانا وأقام بها مديدة. ثم توصّل الى الحصول بالبطيحة وتوجّه منها الى فارس بمرقعة تعويلا على حال كانت بينه وبين أبى الخطاب. ونزل على أبى العلاء عبيد الله بن الفضل فأكرمه وشرع فى مراسلة بهاء الدولة من داره فى أمور كثر الكلام فيها عليه. فتجعد أبو العلاء منه وخاف أن يتطرق عليه سوء به وانتقل أبو الحسن عنه متغضبا عليه. وقبله بهاء الدولة واعتقد فيه تأدية الأمانة فيما يقوم له به. فأنفذه الى ناحية شق الروذان وكانت يومئذ مفردة للخاص فدبّرها وقرّر ارتفاعها وحمل

стр. 3566

إلى بهاء الدولة منه ما قامت سوقه عنده به وثقل ذلك على أبى غالب محمد بن على وهو إذ ذاك ناظر فى الوزارة وعلى أبى الفضل ابن سودمند [١] بعده. وتوجه بهاء الدولة الى الأهواز لقتال أبى العباس بن واصل فقبض الوزير أبو غالب على أبى الحسن وحبسه فى دار المملكة مدة حتى بلغت منه الضغطة والشدة. ثم بلغ الوزير ان بهاء الدولة سأل عنه وقال ما فعل ذلك البائس ابن اسحق. فاشفق ان يكاتبه بإنفاذه الى حضرته فاحتال عليه بان استدعاه من محبسه [١١٧] وخلا به وقال له: - «قد استولى أبو غالب الحسن بن منصور [٢] على كرمان واستأكل أموالها ومنعني مما كنت أرجو حصوله منها وعملت على أن أخرجك إليها كالمقرّر لارتفاعها. فإذا ثبتت قدمك واستقرت الدار بك قلّدتك وسلّمت أبا غالب إليك لتستقصى أمره وترتجع منه ما أخذه واحتجنه. وأعلم أن المحنة قد بلغت منك وأنك محتاج إلى ما تعيد به تجملك وقد وقّعت لك الى أبى عبد الله بن يوسف الفسوي بعشرين ألف درهم تصرفها فى ذلك وينبغي أن تسبقني الى فسا وتستوفى هذا المال وتبتاع به رحلا وبهائم. فإننى سأتبعك إلى هناك وأقرر ما بيني وبينك وأنفذك.» وحمل اليه ثيابا من خزانته ونفقة. فاغترّ أبو الحسن وقدر هذا القول حقا وما وراءه من الاعتقاد سليما.

стр. 3567

وواقف قوما من الزطّ على اتباعه والفتك به. فمضوا واعترضوا القافلة التي كان فيها ومعهم من يعرف أبا الحسن. فلما بصر به دلّهم عليه فأرجلوه من دابته وقالوا له: - «أنت قريب الوزير ولنا عنده رهائن ونحن نأخذك ونعتقلك الى أن يفرج عنهم.» وعدلوا به عن الطريق الى بعض الشعاب وذبحوه وخلوا عن القافلة ولم يعرضوا لها. وكان أحمد حاجب ابن اسحق معه فأطلع على باطن القصة وتحدّث به وبلغ الوزير أبا غالب فحاول [١] فخاف أن يتصل ببهاء الدولة من جهته فأحضره ووعده الجميل ومعاملته به وأطلق له نفقة سابغة وكان يراعيه مدة كونه بفارس. وهذا الخبر أرويه عن أبى عبد الله الفسوي وحدّثنى معه أنه بلغ من [١١٨] مراعاة بهاء الدولة لأمر ابن اسحق وعنايته به أن أنفذ إليه بأحد خواصه من الفراشين وقد هنجم غلمان الخيول بشيراز وكانوا ألفا ومائتي غلام، وانضاف إليهم الخارجون عن الدار وقال له: - «احرس نفسك من أبى غالب ابن خلف واحذر ان يتم له عليك حيلة. وَكانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَقْدُوراً» ٣٣: ٣٨. [٢] سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة أولها يوم الإثنين والتاسع من تشرين الثاني سنة أربع عشرة وثلاثمائة

стр. 3568

وألف للإسكندر وروز مار إسفند من ماه آبان [١] سنة احدى وسبعين وثلاثمائة ليزدجرد. منع عميد الجيوش أهل الكرخ وباب الطاق فى عاشوراء من النوح فى المشاهد وتعليق المسوح فى الأسواق. فامتنعوا. ومنع أهل باب البصرة وباب الشعير من مثل ذلك فيما نسبوه إلى مقتل مصعب بن الزبير. وفى رشن من ماه آذر الواقع يوم الخميس لخمس بقين من المحرم قبض على أبى غالب محمد بن على بن خلف وتقلد الوزارة أبو الفضل محمد بن القاسم بن سودمند فى روز خرداد من ماه ... [٢] الواقع فى يوم الأربعاء الرابع عشر من شهر ربيع الاول. ذكر حال أبى الفضل وما جرى عليه الأمر فى تقليده أبو الفضل هذا أحد الكتاب الذين وردوا العراق من فارس مع أبى منصور بن صالحان فى أيام شرف الدولة وكان يكتب بين يديه فى جملة كتّاب الإنشاء. ثم قلّده عمالة عكبرا وانتقل منها إلى النظر فى بعض الأعمال بالأهواز [١١٩] وتدرجت به الأحوال بعد ذلك الى أن تقلد عرض الديلم وتقدم فى أيام الموفق وخرج بعد وفاته الى كرمان على ما قدمنا ذكره. ولما عاد الوزير أبو غالب بن خلف من سيراف وعرف عوده من كرمان بعد أن فعل فى تقرير أمورها ما فعله وحمل إلى الخزانة من مالها ما حمله ووقوع ذلك من بهاء الدولة موقعه وتأكد حاله عنده به وموضعه، شقّ عليه

стр. 3569

أمره وأغراه المفسدون به. فقبض عليه ونكبه واضطره إلى التبذل والتسلّم فى تصحيح ما قرره عليه وطالبه به. وخرج من النكبة، فكتب الى بهاء الدولة رقعة جعل سفيره ووسيطه فيها الحسين المزين وامرأته وسعى بالوزير أبى غالب وبذل فيه بذلا كثيرا. وقد كان تحصل فى نفس بهاء الدولة منه ما تكلم عليه به فى أمر تركة الفرّخان وما أخذه منها فأجابه إلى ما أراده ووافقه على القبض عليه، فسلّمه النظر فى الأمور بعده. فلمّا كان فى يوم القبض دخل أبو الفضل دار الوزير أبى غالب بقميصين ورداء على زىّ المتعطلين والمنكوبين وحضر مجلسه وخدمه ثم خرج من بين يديه وقعد فى الدهليز. وكان قد رتّب أمر القبض من الليل وواقف كل رجل من أصحابه على أخذ كل واحد من أصحاب الوزير أبى غالب فقبض عليه وعلى حواشيه وأصحابه وألزم الجماعة من المصادرة على قدر حاله وموجب تصرفه، وقرر على أبى غالب مائة ألف دينار قاسانية قيمتها أربعة آلاف ألف درهم من نقد الوقت وجدّ به فى الأداء والتصحيح جدّا. فخرج فيه إلى بعض العسف والإرهاق من غير أن يمكنه.... [١] _________