← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

عليه. فأقرأنى ذلك وقلت: - «السمع والطاعة.» وانصرفت وأنا خائف من أن يكون هذا المطلوب قد ضاع فيما ضاع لنا وتشاغلت بالتفتيش عنه فوجدته وحملته من غد وسلّمته. فلما حمل إلى حضرة الخليفة أطال الله بقاءه، رده وقال للرئيس: - «سله هل حفظ على والده إقراره بما أسجل به.» فسألنى عن ذلك فقلت: - «نعم قد كان أقرّ عندي به.» ورسم إحضار القضاة والشهود والفقهاء، ففعل ذاك. وحضر القوم ومنهم القاضي أبو محمد ابن الأكفانى والقاضي أبو الحسن الخرزي وأبو حامد الإسفراينى والشهود بأسرهم وعمل كتاب على سجلّ والدي بإنفاذى ما سمعته من حكمه به وأشهدت الجماعة المذكورة على نفسي فيه. وكان ذلك فى جملة ما أنفذ الى خراسان وجرح الواثقى به. وحكى القاضي أبو القاسم: انّ هذا الواثقى دخل بغداد بعد ما جرى له بخراسان ونزل دارا وراء داره بباب البصرة. ثم انتقل عنها لما عرف خبره وشاع أمره وانه رآه فى بعض الأيام بالكرخ وهو لا يعرفه [قال] فرأيت رجلا عليه قباء [٦٠] واذارى [١] وعمامة شاهجانية وهو يمشى منحنيا ويداه معقودتان من ورائه كفعل الخراسانية. وكان معى أبو العباس المالكي. فلما رآه سلم عليه وقبّل كتفه فنهره وزبره بلفظ الفارسية الخراسانية فقال له المالكي: - «إنّما سلّمت عليك وعندي أنّك صديقنا الذي يعرفنا ونعرفه. فإذا

стр. 3502

أنكرت ذلك فالله معك.» والتفت إلىّ وقال: - «تعرف هذا الرجل؟» قلت: «لا.» قال: «هذا الواثقى الذي ادّعى ولاية العهد بخراسان.» ذكر ما جرى عليه أمر الواثقى بعد ذلك على ما عرفته من القاضي أبى جعفر السمناني [١] لم يسمع بغراخاقان فيه قول قائل ولا أحاله عن العناية به والعصبية له محيل. فلمّا توفّى وملك أحمد بن على قراخان كاتبه الخليفة أطال الله بقاءه، بإبعاده. فلم يكن عنده الموضع الذي كان له عند بغراخاقان. فأنفذه إلى موضع يعرف بأسفاكند وجعله كالمحبوس فيه بعد أن أقام له ما يحتاج اليه وأقام هناك مدة ثم صار الى بغداد كاتما نفسه ونزل بباب البصرة وانتهى الى الخليفة أطال الله بقاءه خبره فتقدم بطلبه، وانتقل الى التوثة ولقيه جماعة من الفقهاء فأعطاهم وبرّهم ووصلهم. ثم انحدر الى البصرة ومضى منها الى فارس وكرمان وعاود بلاد الترك فلم يتم له ما حاوله من قبل ونفذت كتب الخليفة أطال الله بقاءه بتتبعه وأخذه فهرب من هناك وصار إلى خوارزم وأقام بها. ثم فارقها وقصد الأمير يمين الدولة أبا القاسم محمودا وأخذه وأصعد به الى بعض القلاع فكان فيها محبوسا محروسا موسعا عليه الى أن مات. وفى شهر ربيع الأول توفى أبو شجاع بكران بن بلفوارس [٦١] بواسط.

стр. 3503

وفى يوم الأربعاء لليلة بقيت منه قبل القاضي أبو عبد الله الضبّى شهادة أبى الحسن على بن الحسن بن العلاف الواسطي. وفى سحرة يوم الجمعة لليلة خلت من شهر ربيع الاول توفّى أبو القاسم عيسى بن على بن عيسى بن داود بن الجراح [١] وصلّى عليه القاضي أبو عبد الله الضبّى وقد كان أبو القاسم جلس وحدث وصار اليه أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي [٢] وخلق كثير. فسمعوا منه وكتبوا عنه وكان رجلا فاضلا يعرف علوما كثيرة من علوم الدين والمنطق والفلسفة. وفى هذا اليوم توفى أبو النضر كعب بن عمرو البلخي المحدث. وفى يوم الخميس السابع منه قلد القاضي أبو حازم محمد بن الحسن الواسطي القضاء بواسط وأعمالها وقرئ عهده فى الموكب بدار الخلافة. وفى يوم الخميس لسبع بقين منه توفى أبو حفص عمر بن وهب المقرئ وكان شيخا صالحا. ذكر قتل علىّ بن طاهر الكاتب وفى ليلة السبت لسبع بقين منه قتل أبو الحسن على بن طاهر الكاتب. شرح الحال فى ذلك قد كان مضى إلى مصر هاربا من أبى الحسن محمد بن عمر، فأقام بها

стр. 3504

مدة وعاد فى هذا الوقت مع الحاج، وتحدث الناس بأنه ورد بموافقة من صاحب مصر وللشروع له فى الفساد على الدولة العباسية. فلما كان فى الليلة المذكورة كبسه العيارون فى داره بدرب المقير من سوبقة [١] غالب وعلوه بالسيوف ليقتلوه فقامت جاريته من دونه للمدافعة عنه فضربوا يدها ضربة أبانتها، وضربوه عدة ضربات فاضت منها نفسه وأخذوا جميع ما وجدوه من ماله ورحله وانصرفوا. وحضر أبو الحسن محمد بن احمد بن علان من غد فتولّى تجهيزه ودفنه فى داره. وفى يوم الأحد لست بقين منه خرج أبو القاسم الحسين بن محمد بن مما إلى شيراز بمرقعة. [٦٢] ذكر السبب فى ذلك وما جرى عليه أمره فى خروجه إلى حين رجوعه لما انحدر أبو نصر سابور من بغداد مستترا على ما قدمنا ذكره، وأخذ المال المجموع للتجريد وأطلق فى الاقساط كتب أبو نصر إلى بهاء الدولة وأحال فى جميع ما جرى على أبى الحسن ابن يحيى وأبى يعقوب أخيه وأبى القاسم ابن مما. وكان ينوب عن أبى القسم بفارس أبو الحسين ابن عبد الملك ابن على النقيب وبين أبى القاسم وبين أبى الخطاب والأمين أبى عبد الله مودة قديمة، وهما إذ ذاك المتقدمان والمدبران وعلى عناية بأبى القاسم ومحاماة عنه. فخرجا الى أبى الحسين [ابن] [٢] عبد الملك بما يكتب به أبو نصر سابور

стр. 3505

فيه وبما قد كوتب به أبو نصر من الاستدعاء إلى فارس ورسما له مكاتبة أبى القاسم بذلك وبأن يسبقه الى الورود والحضور. فخرج متعجلا بمرقعة ووصل فى يوم الثلاثاء لخمس بقين من جمادى الاولى قبل أبى نصر سابور ونزل على الأمين أبى عبد الله، فتكفل بامره وخاطب بهاء الدولة فيه ونضح هو عن نفسه فيما كان قرف به، وعاونته الجماعة عداوة لأبى نصر سابور وعناية به، واستقامت حاله ورسم له المقام الى أن يحضر أبو نصر ويصلح ما بينه وبينه ويعود الى بغداد فى جملته. فأقام ووصل أبو نصر وأبو جعفر الحجاج، فقرر لهما النظر فى أعمال العراق وأصلح أمر ابى القاسم معهما على دخل من رأى أبى نصر وباطنه فيه وأخرج امامهما لتوطئة ما يجب توطئته قبل موردهما. تقليد الحسن بن أستاذ هرمز أعمال الأهواز وفى هذا الوقت ورد الخبر بتقليد الصاحب أبى على الحسن بن أستاذ هرمز أعمال الأهواز وأنه أخرج إليها ولقّب بعميد الجيوش. ذكر ما جرى فى ذلك حدثني أبو الحسين فهد بن عبيد الله كاتب عميد الجيوش [٦٣] قال: لما دخل الصاحب أبو على فى طاعة بهاء الدولة بالسوس وسلّم الأمر إليه اعتزل الأمور وسار فى صحبته إلى فارس وأقام على بابه. فلما مضت له سنة وكسر استأذن فى المضىّ إلى خراسان، فمنع من ذلك وروسل بما سكن منه به ووعد الوعد الجميل فيه. وقبض على الموفق أبى على ابن إسماعيل وكان نافرا منه فردّت إليه

стр. 3506

الأمور بعده ومشّاها بحسب طاقته ووسعه وأفرج عن أبى غالب ابن خلف وجعل خليفته فتولى العمل وكان متدربا به واستعفى الصاحب أبو على وأقام فى داره. ثم راسل بهاء الدولة بعد مدة يخطب إليه تقليده أعمال خوزستان ويعلمه أنه خبير بها وبما فيه استقامة أمرها وقد كانت اختلّت بمقام ابى جعفر الحجاج فيها ونظر ابى القاسم ابن عروة فى عمالتها واستعماله المجازفة التي كانت عادته جارية بها. فأجيب إلى ذلك وقلد وخوطب على قبول الخلع واللقب واستعفى من الخلع وقبل اللقب بعميد الجيش وسار إلى الأهواز فى روز ديبمهر من ماه اسفندارمذ الواقع فى شهر ربيع الأول، وقد كان أبو جعفر فارقها وتوجّه الى واسط. وأقام عميد الجيوش على أحسن سيرة وأقوم طريقة فأصلح الفاسد وضم المنتشر وتألف الرعية ورفع المصادرة وساس الجنود أفضل سياسة وجمع فى أقرب مدة مالا حمله إلى بهاء الدولة وأكّد موضعه عنده به. حوادث عدّة وفى يوم الثلاثاء الرابع من جمادى الأولى قبل القاضي أبو عبد الله الضبّى شهادة أبى القاسم عمر بن ابراهيم بن الحسن بن اسحق البزاز. وفى يوم الأربعاء الخامس منه توفى أبو عبد الله محمد بن اسحق ابن المنجم المغني العواد بشيراز ولم يخلف [٦٤] بعده من يقاربه فضلا عمن يشاكله. وفى يوم السبت الثامن منه خرج أبو الحسن ابن علان العارض عائدا الى فارس وبطل ما ورد فيه من أمر التجريد. وفى يوم الأحد التاسع منه استحجب ابو القاسم على بن أحمد الأمين

стр. 3507

أبا [١] عبد الله للخليفة أطال الله بقاءه. ورود الحجاج بن هرمز واسطا ثمّ خروجه منها سائرا إلى شيراز وفى يوم الخميس الثالث عشر منه ورد أبو جعفر الحجّاج بن هرمز فيه واسطا منصرفا عن الأهواز، ثمّ خرج منها سائرا إلى شيراز. ذكر ما جرى عليه أمره فى ذلك لما عرف ابو جعفر حال عميد الجيوش فى تقلده الأهواز سار إلى بصنّى [٢] يوم الأحد الثاني من الشهر وأنفذ أبا الحسن رستم بن أحمد كاتبه برسالة إلى بهاء الدولة يتألم فيها من صرفه عن بلد بعد بلد وكسر جاهه فى أمر بعد أمر ويعدد ما عومل به بالموصل وبغداد ويسأل الإذن له فى اللحاق ببلد الديلم. فلما أعاد أبو الحسن على بهاء الدولة من ذلك ما أعاده ثقل عليه نفوره واستيحاشه ورده وأنفذ معه أبو سعيد زاد انفروخ بن آزاد مرد بجواب يسكنه فيه ويعرّفه تأكد خاله عنده ولطف منزلته فى ... [٣] ويرسم له التوجه إلى شيراز ليقرر معه أمر بغداد ويردّه إليها مع أبى نصر سابور فسار ليلة يوم الاثنين لأربع بقين من شعبان ووصل وقد حصل أبو نصر سابور هناك وورد أبو نصر إلى حضرة بهاء الدولة فخلا به وأورد عليه فى جماعة من بمدينة السلام من أبى الحسن ابن يحيى العلوي وأبى يعقوب أخيه وأبى القاسم ابن

стр. 3508

مما كل ما أوغر به صدره وضمنهم بمائتي ألف دينار. فأذن له فى القبض عليهم واستخراج المال منهم وقرر عليه ما يحمله إلى خزانته منه [٦٥] وخلع عليه وعلى أبى جعفر الحجاج ولقبه القسيم ذا الرئاستين، وذلك فى روز آبان من ماه مهر الواقع فى آخر شوال وسارا. فكان وصولهما إلى واسط يوم الأربعاء سلخ ذى الحجة ونحن نذكر ما جرى عليه أمرهما بعد ذلك فى أخبار سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. حوادث عدّة وفى يوم الجمعة الخامس من جمادى الآخرة توفى القاضي أبو الحسن عبد العزيز بن أحمد الخرزي [١] وأقر ابنه أبو القاسم على عمله وقرئ عهده بذلك فى يوم الاثنين لليلة بقيت منه. ثم تعقب الرأى فى بابه وصرف بعد مديدة قريبة. وفى يوم السبت السادس منه قتل المعروف بأرسلان الذي كان يتصرف فى الوقوف. قتله العامة بالآجر وفدغوا رأسه. مقتل بهستون بن ذرير وفى يوم الخميس الثامن عشر منه قتل بنو سيّار أحد بطون بنى شيبان أبا الفوارس بهستون بن ذرير. شرح الحال فى ذلك كان بهستون صديقا لأبى الفتح محمد بن عناز وممائلا له ومسارعا إلى

стр. 3509

معونته فى كل أمر ينوبه: فاتفق أن سار اليه من الجبل من يقصده ويطلبه فاستصرخ بجند الحضرة وسألهم الإنجاد والمعاضدة وخرج بهستون فى جملة من خرج ومعه جماعة من أهله وأصحابه. فلما عاد نزل بالخالدية وهي إقطاعه وأغارت الخيل من بنى سيّار على بقر بهذه الناحية وطردت بعضها وعبرت بها الى شرقى ديالى وسلكت طريق براز الروز. فركب بهستون فى الوقت ومعه أخواه الفاراضى والأعرابى وثلاثة نفر من الديلم وطلبوا الخيل الغائرة فأدركها بهستون سابقا ولحق به أخواه وأصحابه وعرفه القوم فأخرجوا له الطرد ومضوا [٦٦] فحمله من كان معه على اتباعهم والإيقاع بهم. فسار ولحقهم وجرت بينه وبينهم مطاردة فطعنه أحدهم طعنة فاضت منها نفسه فى موضعه وطعن الفاراضى أخوه طعنة أخرى فى إحدى عينيه فذهبتا جميعا عند علاجها. وحمل أبو الفوارس إلى الخالدية على ترس وجعل على بغل وأدخل الى داره ببغداد فأقيمت عليه المناحات وعملت له المواتيم العظام وحضر جنازته والصلاة عليها سائر الوجوه والأكابر. وفاة الحجّاج شاعر السخف وفى يوم الثلاثاء لسبع بقين منه توفى أبو عبد الله الحسين بن أحمد الحجاج الشاعر فى طريق النيل وهو عائد منها. وورد تابوته الى بغداد فى يوم الخميس بعده. ذكر حاله وطرف من أمره هذا الرجل من أولاد العمال وكان أول أمره مرتسما بالكتابة وكتب بين

стр. 3510

يدي أبى اسحق ابراهيم بن هلال الصابىّ جدّى مدة فى أيام حداثته ثم تأتّى له من المعيشة بالشعر ما عدل إليه وعوّل عليه وكان أكسب له مما كان متشاغلا به. وتفرّد بفن من السخف لم يسبقه إليه سابق وكان مع تعاطيه هذه الطريقة مطبوعا فى غيرها. وقد اختار الرضى أبو الحسن الموسوي من شعره السليم قطعة كبيرة فى غاية الحسن والجودة والصنعة والرقة. ولم يزل أمره يتزايد وحاله تتضاعف حتى حصل الأموال وعقد الأملاك وصار محذور الجانب متقى اللسان مخشى التسكر مقضي الحاجة مقبول الشفاعة. وحمل اليه صاحب مصر عن مديح مدحه به ألف دينار مغربية على سبيل الصلة وشعره مدون مطلوب فى البلاد. ووجدت له رقعة الى أبى اسحق جدّى قد صدّرها بأبيات فاستحسنت مذهبه فيها [٦٧] ونسختها لذاك وهي: «فداك الله بى وبكلّ حىّ ... من الدّنيا دنىّ أو شريف يحلّ لك التغافل عن أناس ... تولّوا ظلم خادمك الضعيف ولست بكافر فيحلّ مالي ... ولا الحجاج جدّى من ثقيف فمر بدراهمي ضربا وإلّا ... جعلت سبال قوفا فى الكنيف قوفا هو أبو الحسن محمد بن الهمانى. «هوذا يبلغ هؤلاء السّفّل منى مرادهم إضرارا بى أطال الله بقاء سيدنا ويدفعون عن إزاحة علّتى عنادا وقصدا. وو الله لو كان مكان هذه الدريهمات ارتفاع بادوريا [١] ما داهنتهم ولا داجيتهم ولا احتملتهم.

стр. 3511

«وقد سار ما مضى من القول واتصل بهم وقوفا متعلق الحشاشة بالقدرة بين أوداجه وحلقومه وهو يوصى بأذاى ويعهد إلى ابن العلاف فى مكروهي. فإن أخذ سيدنا بيدي وتولى مطالبتهم ببعض الغلمان وأرهقهم حتى لا يجدوا منه محيصا طمعت فيها وإلّا استشعرت الإياس وبعت الأشهب واشتريت بثمنه ورقا وحبرا وزيتا للسراج وأحييت ليلتي بهجاء القرود. فإنّ القائل يقول: ما لي مرضت ولم يعدني عائد ... منكم ويمرض كلبكم فأعود «سمّى شاعر الكلب، وسأسمّى أنا بسبب قوفا شاعر القرد. واليوم الثالث من ضمان ابن العلاف الدراهم لسيدنا وعرفني من رآه عند قوفا يستأمره فأظنه منعه من الإطلاق وأعوذ بالله من أن أكون أنا فى طمع هذين النذلين وأبو جوّال [١] بالسواء. حسبي بهذا تحريصا على صفع القوم وتحريكا فى مناجزتهم. «وأنا منذ الغداة قرين الزبزب فى مشرعة دار صاعد حتى نزل محمد الدواتى وعرفت خبر انحداره راكبا فانصرفت والله تعالى يودعنى فيه السلامة. وقد أنفذت الأشهب [٦٨] بهذه الرقعة وتقدمت اليه ان لم ير وجها لتحريك أمره فى تسببه ان يشد نفسه مع البغال ويعتلف الى ان يفرج الله تعالى ثم يعود الى اصطبله ثم لم يكن فيه نهوض للحضور فان تأخر هذا الباب طرحته على الماء حتى ينحدر الى المشرعة وربطته مع الزبزب ان شاء الله تعالى.» وله إلى أبى اسحق من جملة مدائح له فيه كثيرة أبيات وجدتها فى نهاية

стр. 3512

الرقة والطبع فذكرتها وهي: يا من وقفت عليه ... هواى سرّا وجهرا الله يعلم أنّى ... مذ غبت لم أعط صبرا ولا عصيت لداعي ال ... أسى ولا الوجد أمرا ولا لله اطّرحت بثأيى ... عليك نظما ونثرا ولا رأيت بعيني ... فى الأرض بعدك بدرا قدمت قبلك حتّى ... تكون أطول عمرا هذا لغيبة عشر ... وكيف لو غبت شهرا ومما يغنّى فيه وان كان كثيرا: يا من مواعيد رضاه ظنون ... ما آن أن تخرج ممّا تخون سألت عن حالي يا سيّدى ... كلّ عدوّ لك مثلي يكون ومنه: ومدلّل أمّا القضيب فقدّه ... شكلا وأمّا ردفه فكثيب يمشى وقد فعل الصّبى بقوامه ... فعل الصّبا بالغصن وهو رطيب متلوّن يبدى ويخفى شخصه ... كالبدر يطلع مرّة ويغيب أرمى مقاتله فتخطى أسهمى ... غرضي ويرمى مقتلى فيصيب نفسي فداؤك إنّ نفسي لم تزل ... يحلو فداؤك عندها ويطيب ما لي وما لك لا أراك تزورنى ... إلّا ودونك حاسد ورقيب ومنه: أيا مولاي طاب لك اجتنابى ... وقلبي باجتنابك لا يطيب

стр. 3513

وصرت إذا دعوتك من قريب ... تصيخ إلى الدعاء ولا تجيب وأصدق ما أبثّك أنّ قلبي ... بعهدك لا عدمتك مستريب [٦٩] ومنه: قل لمن رفقته مس ... ك وندّ ومدام والذي حلّل قتلى ... وهو محظور حرام أيّها النائم غمزا ... [١] عينه ليس تنام كلّ نار عند ناري ... فيك برد وسلام ومنه: باحت بسرّى فى الهوى أدمعى ... ودلّت الواشي على موضعي يا معشر العشّاق إن كنتم ... مثلي وفى حالي فموتوا معى ومنه سخفه قوله فى بعض قصائده: رأيت أيرا مغلّسا سجدا ... يرفل فى حلّتى دم وخرا فقلت من أين؟ قال: من شرح ... أفلتّ منه كما ترى وأرا ومنه فى قصيدة: جلس الأير سرمها فى خراها ... ذات يوم على سبيل اللّجاج فقصدت النواة فى ذاك حتّى ... أخذت لى التوقيع غير [٢] فراج وهو كثير وفيما أوردناه من أنموذج كل فن كفاية. حوادث عدّة وفى يوم الخميس العشر من رجب توفى أبو الحسين أحمد بن الحسين ابن احمد بن الناصر العلوي.

стр. 3514

وفى يوم الخميس لثمان بقين من شعبان قلد القاضي أبو محمد ابن الأكفانى ما كان الى أبى الحسن الخرزي من الجانب الشرقي فتكامل له جميعه. وفى يوم السبت الثاني من شهر رمضان توفى أبو الحسن على بن نصر الشاهد بالجانب الشرقي. وفى يوم الإثنين الحادي عشر منه قبل القاضي أبو عبد الله الضبّى شهادة أبى الحسن على بن أحمد بن صبح. وفى يوم السبت السادس عشر منه توفى القاضي أبو الحسن محمد بن محمد بن جعفر الأنبارى صهر ابن سيار القاضي وكاتبه. وفى يوم الاثنين العاشر من شوال قبل القاضي ابو عبد الله الضبّى شهادة [٧٠] أبى القاسم ابن علان وأبى على ابن العلاف وأبى عبد الله ابن طالب. وفى يوم الخميس الثالث عشر منه قبض أصحاب قراد بن اللديد على أبى الحسن ابن الحسن محمد بن يحيى النهرسابسى بباقطينا وحملوه الى حلّة قراد ثم أفرج عنه وعاد الى بغداد. شرح الحال فى ذلك كان الديلم قد طالبوا أبا الحسن ابن يحيى بإطلاق أقساطهم لأنّ المعاملات التي كانت المادة منها انتقلت الى نظره بعد هرب أبى نصر سابور فمنعهم واعتصم بالكرخ والعلويين والعيارين.... [١] وجرت بين الفريقين حروب لأجل ذلك. واتفق أن دخل الديلم طاق الحراني فأحرق العامة ما وراءهم وأمامهم

стр. 3515

واحترق منهم جماعة وعظمت الفتنة واستحكمت الوحشة. فخرج أبو الحسن إلى باقطينا وهي من العمريات التي يدبر أمرها وعرف أصحاب قراد خبره فطمعوا فيه وصاروا اليه وأخذوه وحملوه الى صاحبهم وعمل قراد على مطالبته بالمال والسوم عليه فيه. فركب قراوش وغريب اليه ولم يفارقاه إلّا بعد استخلاصه وانتزاعه من يده وسيّراه إلى المحول فوصل إليها يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شوال. وقد كان أبو القاسم ابن مما عاد من شيراز فتوطأ [١] ما بينه وبين الديلم حتى صلح واستقام، وأعطاهم ما رضوا به ودخل داره يوم الاثنين لثامن من ذى القعدة. وفى الساعة الثالثة من يوم الخميس الثامن عشر من ذى الحجة ولد الأمير أبو جعفر عبد الله ابن القادر بالله أطال الله بقاءه، والطالع العقرب على كدح والشمس فى الميزان على كالو. وفى يوم الإثنين الرابع عشر منه قبض [٧١] معتمد الدولة أبو المنيع على أبى الحسن ابن العروضي. وفى يوم الأحد لعشر بقين منه توفيت زبيدة بنت معز الدولة بأصبهان. وفى يوم الأحد السادس منه تقلد يوانيس الجاثليق [٢] . وحج بالناس فى هذه السنة أبو الحارث محمد بن محمد بن عمر العلوي. سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة أولها يوم الخميس والعشرون من تشرين الثاني سنة ثلاث عشرة

стр. 3516

وثلاثمائة وألف للإسكندر وروز إسفندار من ماه آذر سنة سبعين وثلاثمائة ليزدجرد. قد ذكرنا ورود أبى جعفر الحجاج وأبى نصر سابور الى واسط عائدين من شيراز ووعدنا بذكر ما جرى عليه أمرهما بعد ذلك. ولما ورد الخبر بنزولهما واسطا انحدر أبو القاسم الحسين بن محمد بن مما إليهما متلقيا لهما ومعتدا بما فعله فى إصلاح الجند وتوطئة الأمر. واستمال أبا جعفر بما حمله اليه ولاطفه به وعقد بين أخيه أبى على وبين أبى شاكر أحمد بن عيسى كاتب أبى جعفر عقدا على بنت أبى شاكر استظهر لنفسه فيه وأعطى أبا عبد الله أستاذ هرمز داره وملك أمره بما حصله فى كفته به وعلم أنّ رأى أبى نصر سابور لا يخلص له فاعتضد بهذه الجهة وأظهر مداخلتها ومخالطتها. وكان أبو الحسن ابن اسحق قد فارق أبا الحسن ابن يحيى على وحشة ومضى ليقصد شيراز فردّه أبو نصر سابور من طريقه وعوّل عليه عند حصوله بواسط فى خلافته وأنفذه الى بغداد أمامه وردّ معه أبا القاسم ابن مما وقرر معهما القبض على أبى يعقوب العلوي النقيب [٧٢] وأصحاب أبى الحسن ابن يحيى عند نفوذ كتابه إليهما بذلك وأصعدا. وانحدر أبو الحسن ابن يحيى لخدمة أبى جعفر وأبى نصر والاجتماع معهما وقد كانت نفسه نافرة منهما لتقريره سوء الاعتقاد فيه منهما ولمّا وصل نزل داره بالزيدية وكان أبو نصر سابور نازلا فى دار أبى عبد الله ابن يحيى أخيه المجاورة لها. وكتب على الطائر بالقبض على أبى يعقوب فى يوم عين لأبى القاسم ابن مما وأبى الحسن ابن اسحق عليه وأمرهما بالمبادرة اليه بذكر ذلك ليقبض هو على أبى الحسن وأصحابه بواسط. فخرج أبو القاسم الى أبى يعقوب بالسرّ وراسله بالإنذار لمعاهدة كانت بينهما ولأنه لم يأمن أبا نصر متى استقامت حاله ومشى أمره واطرد له ما

стр. 3517

يريده. واستظهر أبو يعقوب وكبست [داره] [١] فلم يوجد فيها وشاع الخبر وكتب أصحاب الشريف أبى الحسن اليه بالصورة على الطيور. وأخر أبو نصر إمضاء ما يريد أن يمضيه فى أبى الحسن إلى أن يعرف حصول أبى يعقوب لأن أكثر غيظه كان عليه وأحسّ أبو الحسن فهرب ليلا ومضى على بغلة متعسفا إلى الزبيدية وأصبح أبو نصر وقد أفلت أبو الحسن. وورد عليه الكتاب بإفلات أبى يعقوب. فقامت قيامته وتحير فى أمره وندم على تفريطه وراسل أبا جعفر واستشاره فيما يفعله فقال له: - «لو عملت بالحزم لبدأت بمن عندك وكان بين يديك من غاب عنك ولكنك استبددت برأيك» . وشرع أبو نصر فى تتبع أموال أبى الحسن وتحصيل غلاته والاحتياط على معامليه ومعاملاته وختم على الدور والحانات واعتقد تفتيشها وأخذ ما يجده لأبي الحسن واخوته ووكلائه وأسبابه فيها ثم عدل عن ذلك الى [٧٣] تأنيسه ووافق أبا جعفر على مراسلته وتردد فى ذلك ما انتهى الى إجابة أبى الحسن الى العود على أن يوثق له أبو جعفر من نفسه ويحلف له على التكفل بحراسته ومنع كل أحد عنه. فأذكر وقد ورد أبو احمد الحسين بن على ابن أخت أبى القاسم ابن حكار رسولا عن ابى الحسن من الزبيدية الى أبى جعفر ليحلفه له فقال لى أبو جعفر: - «اجتمع معه على عمل نسخة لليمين.» فقال أبو أحمد:

стр. 3518

- «قد عملها الشريف وأصحبنيها وها هي ذه.» وأخرجها من كمّه وأخذها أبو جعفر من يده وأعطانيها ورسم لى قراءتها عليه فقرأتها وكان يفهم العربية ولكنّه يجحدها. وخرج أبو أحمد من حضرته على أن يجتمع أبو جعفر مع أبى نصر ويقفه عليها ثم استدعاني أبو جعفر وأعطانى النسخة وقال لى: - «امض إلى أبى نصر سابور فأعرضها عليه وقل له: ما الذي تراه فى هذا الأمر فإنّنى إن حلفت [١] لهذا الرجل وأعطيته عهدي لم أمكنك منه وحلت بينك وبينه.» فمضيت الى أبى نصر سابور ووقفته على النسخة وأوردت عليه الرسالة فقال: - «أنا أروح العشية اليه ونتفاوض ما يجب أن يعمل عليه.» فعدت الى أبى جعفر بهذا الجواب وركب اليه أبو نصر آخر النهار واجتمعا وخلوا ثم استدعيا أبا احمد وحلف له أبو جعفر وعاد. وأصعد ابو الحسن ابن يحيى وبات فى داره ليلة ثم خرج ورجع الى الزبيدية فيقال: إنه أخذ دفينا كان له فى الدار وانحدر به حتى استظهر فى أمره وعاد بعد يومين وانحل أمر أبى نصر سابور واستطال عليه أبو الحسن ابن يحيى. ثم أصعد [٧٤] أبو جعفر وأبو نصر الى بغداد فكان وصولهما إليها آخر نهار يوم الخميس الثاني من جمادى الأولى. وصدرت الكتب الى بهاء الدولة بما جرى عليه الأمر. فغاظه سوء تدبير أبى نصر وفساده وطعن عليه من كان بحضرته من خواصه وقد كان أبو الحسن بن يحيى كاتب بهاء الدولة من الزبيدية واستعطفه وأذكره بما قدّمه

стр. 3519

فى خدمته وأسلفه وبذل له فى أبى نصر سابور بذلا يقوم بتصحيحه من جهته وذكر ما عليه الجند والرعية من بغضه والنفور من معاملته. وكتب الى أبى جعفر بالقبض عليه وإلى أبى الحسن بن يحيى بتسلمه. واستقرّ الأمر بين أبى جعفر وأبى الحسن ابن يحيى وأبى القاسم ابن مما على ذاك. فتراخى أبو الحسن وأبو القاسم فى القبض عليه لغرض اعتمداه فى بعده والخلاص منه وعرف أبو نصر الصورة فاستظهر لنفسه وعلما قوته [١] فكبسا عليه دار بنى المأمون بقصر عيسى ولم يوجد فيها وأراد ابو الحسن بما أغفله وأهمله من أخذه الاحتجاج على بهاء الدولة بهر به فيما كان بذله فيه وأبو القاسم ابن مما الاستراحة من حصوله [٢] وما عسى أن يحمل عليه من ركوب الفشخ معه. ومضى أبو نصر الى البطيحة ونظر فى الأمر ببغداد بعده ابو الحسن على بن الحسن البغدادي ثم أبو الفتح القنّائى ثم أبو الحسين عبيد الله بن محمد بن قطرميز وخوطب بالوزير فتقبل ذلك وصار أضحوكة عند أبى جعفر والناس به وكان العمل كله أخذ الأموال من المصادرات والتسلق على التجار بالتأويلات. لا جرم أنّ البلد خرب وانتقل أكثر اهله [٧٥] عنه فمنهم من مضى إلى البطيحة ومنهم من اعتصب بباب الأزج ومنهم من بعد إلى عكبرا والأنبار. ولقد حدثني جماعة من الناس أنهم شاهدوا صينية الكرخ فيما بين طرف الحذائين والبزازين والفواخت والعصافر تمشى فى أرضها انتصاف النهار وفى الوقت الذي جرت العادة بازدحام الناس فيه بهذا المكان. فلما ورد أبو نصر وأبو جعفر الى واسط كتبا وأعادا أبا الحسن على بن

стр. 3520

أبى على إلى النظر فى المعونة. وفى يوم السبت العاشر من المحرّم توفّى ابو القاسم إسماعيل بن سعيد ابن سويد الشاهد. وفى يوم الأربعاء الثامن عشر [١] منه انحدر أبو الحسن ابن يحيى إلى واسط لانحدار المقدم ذكره. وفى هذا الوقت توفى أبو الطيب الفرّخان بن شيراز بجويم السيف وخرج الوزير أبو غالب محمد بن على بن خلف من شيراز لطلب أمواله وتحصيلها. شرح حال أبى الطيب منذ ابتداء أمره وإلى حين وفاته وما جرى فى طلب أمواله وذخائره على ما عرّفنيه أبو عبد الله الحسين بن الحسن الفسوي كان الفرّخان بن شيراز من أهل بعض القرى بكرّان وتصرف أوّل أمره فى الداريجية وما شاكلها من الأعمال القريبة وتدرج إلى أن ولى كتابة الديوان بسيراف وانتقل عنها إلى عمالتها وبقي على ذلك زمانا طويلا ثم قلد عمان فعبر إليها وحسنت حاله فيها وجمع الأموال التي لم يسمع لمثله بمثلها [٧٦] وبنى بنائبنذ الدار المعروفة به وكانت من الدور التي تضرب الأمثال بها وحصل فيها من أصناف الفرش والأثاث والرحل الشيء الكثير الجليل ورتّب بها من الحفظة والحراس وحملة السلاح خلقا كثيرا لأن نائبنذ على ساحل البحر وليس بها من الناس كثير أحد. وتحدث فى البلاد بما جمعه فى هذه الدار من الأموال فرمقتها العيون وتعلقت بها الأطماع وهمّ بقصدها وطلبها الخوارج وأصحاب الأطراف وكان

стр. 3521

فى يد أبى العباس ابن واصل [١] عبادان والبحر وفى يد لشكرستان بن ذكى البصرة وفى يد السيفية والزطّ السواحل وقصب البلاد التي تجاورها. وكانت أكثر مادة صمصام الدولة بفارس من الفرّخان لأنه كان يمده بالأموال والحمل فى كل وقت فسعى قوم فى إفساد أمره عنده وقالوا له: إنه على العصيان. ومنع جانبه وقطع ما جرت عادته بحمله والإمداد به. فكاتبه صمصام الدولة بالورود إلى بابه مختبرا بذاك ما عنده وقد كان الخبر انتهى الى الفرّخان بما تكلم به فيه. فصار اليه بهدايا واموال حسن موقعها منه فخلع عليه واستحجبه ورده الى موضعه وجرى على رسمه فى الخدمة والتزام شرائط الطاعة. وتوفى العلاء بن الحسن بعسكر مكرم، فلم يكن فى مملكة صمصام الدولة أوجه من الفرّخان ولا أوسع حالا وأعظم هيبة فى نفوس الجند منه. فاستقرت الوزارة له على أن يتوجه إلى الأهواز ويدبر أمورها وأمور الأولياء الذين بها ويستخلف له بشيراز أبو اسحق ابراهيم بن أحمد ومنصور بن بكر. فأقام أبو اسحق بحضرة صمصام الدولة وصار منصور إلى فسا لتقرير أعمالها ولم [٧٧] يطل مقامه بها حتى استعيد وأنفذ إلى شقّ الروذان ثم لم يثبت هناك وانصرف من غير إذن الى الباب فأنكر صمصام الدولة فعله وأمر بإحضاره وضربه. فضرب وانصرف عن شركة أبى اسحق وتفرد أبو اسحق

стр. 3522

بالنظر. وورد الفرّخان الأهواز فلم يمش الأمور بين يديه على ما كان يتقرر من ذاك وأنفذ أبو على الحسن بن أستاذ هرمز وجرى أمره على ما تقدم ذكره فى موضعه. ووصل بهاء الدولة الى فارس والفرخان فى جملة من صحبه من الناس. فتكلم عنده على حاله وعظمها وأمواله وكثرتها فقبض عليه وألزم صلحا وسلّم إلى أبى العلاء عبيد الله بن الفضل ثم إلى الصاحب أبى محمد ابن مكرم وأفرج عنه بعد أدائه إيّاه وخروجه منه. وأنفذ إلى جويم السيف لقتال الزط والسيفية وصار الى فسا واستصحب أكثر الديلم الذين بها وجرد إليه مردجاوك فى طائفة كثيرة من الغلمان العراقية وأقام بجويم مدة واستخرج أموالا من النواحي الغربية وامتنع عليه من اعتصم بقلعة او أوى إلى الجبال الحصينة. وقضى نحبه فى أثناء ذلك ووقع الاحتياط على ما صحبه من مال وتجمل وحمل بأسره إلى شيراز وكان بهاء الدولة يعتقد فى ثروته ويساره أمرا عظيما. فلمّا توفّى كثر القول عليه فيما تركه من الحال وخلفه من الودائع وأودعه داره من الذخائر، فندب الوزير أبا غالب للتوجه إلى نائبنذ وسيراف واستقضاء ذلك أجمع وإثارته وتحصيله ورسم له قصد الدار بنفسه وهي من سيراف على خمسة عشر فرسخا وأن يبالغ فى الكشف والفحص عنه ولا تقنع إلّا بأن يتولى كل [٧٨] أمر تولى المشاهدة والمباشرة. وكان للفرّخان ثقة [١] يعرف ببابان مجوسي ويحيط علمه بكل ما يملكه الفرّخان فوق الأرض

стр. 3523

وتحتها. فقبض عليه الوزير أبو غالب واستدلّه على الأموال التي للفرخان فدلّه على أموال عظم الناس قدرها وجواهر تلك حالها وحصلها الوزير ثم عاقبه بعد ذلك عقوبة شديدة حتى ذبح نفسه فى الحمام. وعاد الوزير أبو غالب الى شيراز فتحدث اعداؤه بما أخذه من مال الفرخان ودفائنه وودائعه وواصلوا الخوض فيه وادّعوا عليه أنه قتل بابان ليتستر بموته ما اخذه منه وعلى يده وأدّت هذه الأقاويل وما اتصل ببهاء الدولة منها إلى القبض على الوزير أبى غالب وسنذكر ذلك فى وقته وموضعه. عدة حوادث منها وفاة ابن جنّى وفى يوم الإثنين العاشر من صفر قبل القاضي ابو عبد الله الضبّى شهادة أبى القاسم على بن محمد بن الحسين الوراق. وفى يوم الجمعة لليلتين بقيتا منه توفى أبو الفتح عثمان بن جنّى النحوي [١] وكان أحد النحويين المتقدمين وله تصنيفات وقد فسر شعر ابى الطيب المتنبي تفسيرا استقصاه واستوفاه وأورد فيه من النحو واللغة طرفا كبيرا ولقّب ذلك بالفسر وهو من أهل الموصل وخدم عضد الدولة وصمصام الدولة وشرفها وبهاءها [٢] طرفا كبيرا فى دورهم برسم الأدباء النحويين. وفى شهر ربيع الأول قتل أبو الحسين محمد بن الحسن العروضي بالأنبار.

стр. 3524

وفى يوم الإثنين السابع من شهر ربيع الآخر ثار العامة بالنصارى ونهبوا البيعة بقطيعة الرقيق وأحرقوها فسقطت على جماعة من المسلمين رجالا وصبيانا ونساء وكان الأمر عظيما. [٧٩] وفى ليلة يوم الخميس لست بقين منه كبس ابن مطاع وأصحابه حسون بن الخرما وأخاه العلويين بفم الأسناية وقتلوهما وكانت هذه الطائفة قد أسرفت فى التبسط والتسلط وركوب المنكرات وإتيان المحظورات. وفى يوم الاثنين الخامس من جمادى الأولى وهو اليوم الثاني والعشرون من آذار وافى برد شديد جمد الماء منه. وفى يوم الجمعة التاسع منه خطب لبهاء الدولة ببغداد بزيادة قوام الدث صفى أمير المؤمنين وقد كان الخليفة أطال الله بقاءه لقبه بذلك وكاتبه به الى شيراز. وفى يوم الأربعاء لليلتين بقيتا منه استتر أبو نصر سابور الاستتار الذي ذكرناه فى سياقة خبره. وفى هذا الشهر بلغت كارة الدقيق الخشكار ثلثة دنانير مطيعية، ثم زادت فى جمادى الآخرة فبلغت خمسة دنانير ولحق الناس من ذلك شدة ومجاعة. وفى جمادى الآخرة خرج أبو طاهر يغما الكبير الى جسر النهروان هاربا من أبى جعفر الحجاج بن هرمز فيه. ذكر السبب فى ذلك وما جرى عليه الأمر فيه تأدى إلى أبى جعفر شروع يغما فى قلب الدولة وإفساد الغلمان، وتردّد مكاتبات ومراسلات بينه وبين مهذب الدولة فى ذاك ووعده إياه بحمل مال.

стр. 3525

فاستمال أبا الهيجاء الجماقى واجتذبه الى نفسه وهمّ مكاشفة يغما وأخذه وقد كان يغما وثب الغلمان عليه ووضعهم على مطالبته والخرق به. وأحس يغما باعتقاد أبى جعفر فيه وتدبيره عليه فتجعد عن لقائه والاجتماع معه ثم خاف بادرته. وكان [٨٠] أبو جعفر مهيبا متّقى فخرج إلى جسر النهروان ليفعل ما يفعله على الطمأنينة والامان وعبر ديالى لاشفاقه من أسراء أبى جعفر خلفه، وتبعه جماعة من وجوه الغلمان ثم فارقوه ورجعوا عنه. وتأخر المال الذي وعده مهذب الدولة بإنفاذه اليه ووعد هو الغلمان به فبطل أمره بذاك ومضى وعبر من الصافية إلى الجانب الغربي ولحق بأبى الحسن على بن مزيد وأقام عنده وأقطع أبو جعفر إقطاعه وما كان فى يده ببادوريا لأبى الهيجاء الجماقى. وفيه فاض ماء الفرات على سكر قبين وغرق سواد الأنبار وبادوريا وبلغ الى المحول وقلع حيطان البساتين واسود فى الصراة. وفى يوم الأحد لست بقين منه صلب أبو حرب كاتب بكران على باب حمام بسوق يحيى وجد فيه مع مزيّة جارية بكران على حال ريبة. وفى يوم السبت مستهل رجب أخرج أبو جعفر الحجاج أبا الحسن على ابن كوجرى فى جماعة من الديلم والأكراد إلى المدائن لدفع أصحاب بنى عقيل عنها. شرح ما جرى عليه الأمر فى ذلك وما اتصل به من خروج أبى اسحق إبراهيم أخى أبى جعفر وهزيمته سار أبو الحسن على بن كوجرى إلى المدائن فنزلها وانصرف دعيج

стр. 3526

صاحب قرواش وأصحابه عنها وقبض ببغداد على أصحاب بنى عقيل ومعامليهم وأخرج العمال إلى بادوريا ونهر الملك. ونفذت الكتب الى مرح بن المسيب وقرواش بن المقلد وقراد بن اللديد وهم بنواحي الموصل بما جرى، فإلى أن يجمعوا العرب وينفذوهم [١] جمع دعيج الى نفسه جمعا كثيرا وقصد [٨١] أبا الحسن بن كوجرى وحصره بالمدائن وكتب أبو الحسن إلى أبى جعفر يستمده ويستنجده فجرد المنجب أبا المظفر بارسطغان لأنه كان والى البلد وخرج فى عدة من الغلمان فاندفع دعيج من بين يديه وكتب الى أبى الحسن على بن مزيد يلتمس منه المعونة على أمره. وقد كان أبو الحسن استوحش من أبى جعفر وخافه فأنجده بأبى الغنائم محمد أخيه واجتمع دعيج وجمعه وأبو الغنائم بن مزيد ومن معه ونزلوا ساباط. وكتب المنجب أبو المظفر بارسطغان وأبو الحسن على بن كوجرى الى أبى جعفر بتكاثر القوم وقوة شوكتهم واستنهض الغلمان للخروج فتقاعدوا وتثاقلوا وتأخر المدد عن المنجب أبى المظفر وعلى بن كوجرى فانكفئا إلى باقطينا [٢] وندب أبو جعفر أبا اسحق أخاه للخروج وأنهض معه الديلم وساروا جميعا مع المنجب أبى المظفر وعلى بن كوجرى وتوجهوا طالبين للعرب. وكتب أبو الغنائم ابن مزيد ودعيج الى أبى الحسن على بن مزيد بذلك فصار إليهما واجتمع معهما ووقعت الوقعة بباكرمى يوم الأربعاء الثامن من شهر رمضان فانهزم أبو اسحق واستبيح العسكر وأسر كثير من الديلم والأتراك وقتل أبو منصور ابن حليس وشابا بن اوندا وجماعة، وعاد الفلّ إلى بغداد

стр. 3527

على أسوإ حال وغاظ ذاك أبا جعفر وأزعجه. ذكر ورود ابن ثمال وورد أبو على الحسن بن ثمال الخفاجي بعقبه فى يوم الثلاثاء الرابع عشر من شهر رمضان فى عدة قريبة من أصحابه فلم يشعر به حتى نزل صرصر. ذكر الحال فى وروده كان أبو جعفر لاعتقاده ما يعتقده فى بنى عقيل وما عاملوه به قديما لا يحلم إلّا بهم ولا يفكر [٨٢] إلّا فى قصدهم وحربهم وأخذ الاهبة لشفاء صدره منهم واجتذاب من يجعله خصما لهم. وكاتب أبا على بن ثمال وحرص على أن يستدنيه وكان يبعد فى الظنّ أن ينزل الشام ويرد إلى العراق. فأذكر وقد حضر عندي أبو القاسم ابن كبشة وهو رجل كثير الدهمسة حامل نفسه على الأخطار العظيمة وممن خدم عضد الدولة فى الترسل والتجسس المدة الطويلة وقال لى: - «أراكم تكاتبون الحسن بن ثمال وتستدعونه وهو يعدكم ويعللكم، ولو أنفذنى صاحب الجيش ببعض كتبه إليه لما فارقته حتى آخذه وأجيئكم به.» فذكرت ذلك أيضا لصاحب الجيش فقال: - «ابن كبشة كثير الكذب والفضول، ولكن اكتب على يده وأنفذه وأرحنا منه.» فكتبت له كتابا واستطلقت له نفقة من الناظر فى الأمور ومضى وليس عند صاحب الجيش أبى جعفر أنّه يفلح ولا يرجع. فلم تمض مديدة قريبة حتى ورد وقال:

стр. 3528

- «هذا أبو على بن ثمال قد نزل صرصر.» فسرّ أبا جعفر ذاك وكان عقيب ما لحق أبا اسحق أخاه من ابن مزيد وبنى عقيل وأنفذ إليه من تلقّاه وأنزله فى الدار التي كانت للمعروفى وحمل إليه الإقامات وأطلق لأصحابه النفقات. وورد على أبى جعفر خبر عميد الجيوش أبى على فى تقلده العراق وما هو عليه من المسير إليه فزادت هذه الحال فى غيظه وشاعت بين الناس. فتبسط عليه الأتراك وأساءوا معاملته واجتمعوا فى بعض الأيام على بابه ورموا روشنه بالآجر والنشاب فضجر وضاق صدرا بأمره وخرج إلى جسر النهروان فى يوم الأحد لأربع بقين من شهر رمضان ومعه أبو إسحق أخوه والظهير بن جستان وخسروشاه [٨٣] وخسر فيروز [١] أخواه وأبو الحسن على ابن كوجرى وأبو على ابن ثمال وأبو الحسين ابن قطرميز ومن تبعه من الديلم الباراوحية وغيرهم. وراسل النجيب أبا الفتح محمد بن عناز وسأله المسير معه إلى أبى الحسن على بن مزيد وبنى عقيل فدافعه وعلله ثم أجابه وساعده وسار إليه واجتمع معه وعبرت الجملة دجلة وكان انفصال أبى جعفر عن جسر النهروان يوم الأحد لعشر خلون من شوال، وعبوره فى يوم السبت مستهلّ ذى القعدة، وتوقّفه إلى أن لحق به أبو الفتح. وورد إلى دعيج أبو بشر بن شهرويه مددا من الموصل فى عدة كثيرة من بنى عقيل واجتمع أبو الحسن بن مزيد معهم فى خيله ورجله ووقعت الوقعة بينهم فى يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى القعدة فقتل أبو بشر بن شهرويه وأسر دعيج وانهزم أبو الحسن بن مزيد وتفرقت جموعهم ونهب

стр. 3529

سوادهم وكراعهم وذلك فى الموضع المعروف ببزيقيا. فحدثني الحاجب أبو طاهر الحسين بن على الظهيرى قال: لما انهزم ابن مزيد وبنو عقيل من الوقعة ببزيقيا تمم صاحب الجيش أبو جعفر إلى القصر ونزل بباشمسا ورتّب فى البلد من منع من نهبه والتعرض لأهله وسار من غد طالبا للنيل ومقتصا أثر ابن مزيد. فكان قد مضى الى موضع يعرف بشق المعزى بحلله وأهله. فنزل أبا الحسن على بن كوجرى بالنيل ومعه أثقاله ودعيج والرجالة الديلم وسار ومعه أبو الفتح بن عناز وأبو على ابن ثمال. فلما قاربوا ابن مزيد وشاهدوا حلله وقفوا لأخذ أهبة الحرب وضرب المضارب، وبرز ابن مزيد للقتال. وقد كان راسل أبا الهوا اسود بن سوادة الشيبانى وهو فى عدة كثيرة من بنى شيبان مع أبى [٨٤] الفتح ابن عنّاز ووعده وخدعه ووافقه على أن ينهزم إذا وقعت العين على العين ويفلّ أبا جعفر ففعل وانصرف وتبعه قوم من الأكراد وبقي أبو جعفر فى ثلاثين رجلا من أهله وأقاربه لأنّه كان تقدم بالنيل أن يحمل بعض الديلم الرجالة على البغال والجمال فأغفل ذاك وأبو الفتح ابن عنّاز فى مائتي فارس من الشاذنجانية ومائتي فارس من الجاوانية كانوا صحبوا أبا جعفر. واتفق أن مضى حسان بن ثمال أخو أبى على مع أكثر بنى خفاجة فى طريق غير الطريق التي سلكها أصحابنا فبقى أبو على فى عدة قليلة. ولما تبين أبو جعفر ما هو فيه وشاهد قلة ما بقي معه وحمل أبو الحسن ابن مزيد عليه وكثره بخيله ورجله وعبيد الحلة وإمائها وملك عليه خيمه تحير فى أمره. وأحس من أبى الفتح ابن عنّاز بعمل على الهرب والانصراف. فقال للظهير

стр. 3530

ابى القاسم وأهله: - «احفظوا لى أبا الفتح ولازموه ولا تفارقوه لئلّا يخاتلنا ويتركنا لأنّنى [١] أعول على النصرة به، ولكنه متى رجع فلّنا وكسرنا وأطمع عدونا.» فلازمه الظهير وهجم أبو جعفر لما ضاق به الأمر على البيوت وعلا على تلّ كان فى وسطها وعرف أبو الحسن ابن مزيد ذلك وقد كان ملك مضارب أبى جعفر ونزل وصلّى فى أحدها شكرا للَّه تعالى على الظفر. فركب وقصده وحمل حملة نكس فيها نفرا من غلمان دار أبى جعفر وداسهم بحوافر خيله حتى سطح رؤوسهم ووجوههم وخلطها بأجسادهم واستظهر كل الاستظهار. وثبت أبو جعفر وحمل حملات متتابعة وطرح النار فى بعض البيوت وحمل فى أثر ذاك فانهزم ابن مزيد وملكت حلله وبيوته وأمواله وذلك فى يوم السبت لثمان بقين من [٨٥] ذى القعدة. قال الحاجب أبو طاهر: ونهب أصحابنا ذلك فأخذوا من العين والورق والحلي والصياغات والثياب الشيء الذي تجاوز الحصر وأرسل أبو جعفر إلى أبى على ابن ثمال: بأنك أحق بالنساء [٢] والحرم فاحرسهن وامنع العجم منهن. فتشاغل أبو على بجمعهن إلى بيوت أفردها لهن ولم يتعرض لشيء من النهب على وجه ولا سبب. واستغنى الشاذنجان والجاوان ومن حضر من بنى خفاجة بما حصل من الغنائم وامتلأت أيدى الجميع وحقائبهم بالمال والجلال من الأثاث وانكفأ أبو جعفر إلى النيل. وقد كان أبو الحسن على ابن كوجرى لما رأى بنى شيبان عائدين

стр. 3531

ومظهرين للهزيمة وسمع عنهم أنهم قالوا: قد كسر صاحب الجيش، خاف وجمع الديلم الرجالة وحمل الأثقال وصار إلى الجبل وضرب رقبة دعيج وصلبه بالمدائن وعرف من بعد حقيقة الأمر واستحيا ودخل إلى بغداد كالمستوحش من أبى جعفر ثم كاتبه وعذره فرجع اليه. وصار أبو جعفر بعد ذاك إلى الكوفة ومعه أبو على ابن ثمال ورجع أبو الفتح ابن عنّاز إلى طريق خراسان. قال الحاجب أبو طاهر: - «ولما حصل صاحب الجيش أبو جعفر بالكوفة نزل فى دار ابى الحسن محمد بن عمر ثم لم يبعد أن وردت الأخبار بانحدار قرواش ورافع بن الحسين وقراد بن اللديد وغريب ورافع ابني محمد بن مقن فى جمرة بنى عقيل ومن استجاشوا به من طوائف الأكراد ونزولهم الأنبار عاملين على قصد الكوفة ولقاء أبى جعفر وأبى على بن ثمال. وعرف بنو خفاجة ذاك ففارقوا أبا على وتوجهوا منصرفين. فقال أبو على لأبي جعفر: - «يا صاحب الجيش، أنفذ معى من يردّهم [٨٦] .» فأنفذ معه الظهير أبا القاسم وخرجا حتى انتهيا إلى قريب من القادسية والقوم متفرقون قد أخذ كل قوم منهم طريقا ومنهم من يريد البصرة ومنهم من يريد البرية. فقال أبو على للظهير لمّا شاهدهم: - «تقدم بضرب البوقات.» ففعل ذاك. فلما سمعوا الصوت وكل إنسان منهم قد أخذ وجهته لووا رؤوس خيلهم واجتمعوا إلى أبى علىّ وقالوا له: - «ما الذي تريده منا.» فقال لهم:

стр. 3532

- «يا قوم تخلونى وتخلون هذه البلاد وقد نزلناها وأخذناها بالسيف وصارت لنا طعما ومعايش.» فقالوا: «نريد المال والعوض عن إسلام النفوس للرماح والسيوف.» ولم يزل هو والظهير بهم حتى رجعوا على أن يفسح لهم فى نهب النواحي عوضا عن العطاء والإحسان واستعملوا من ذاك ما جرت عادتهم به وعظمت المعرّة منهم. وبرز صاحب الجيش الى الموضع المعروف بالسبيع من ظاهر الكوفة وأراد أن يجعل انتظاره لبنى عقيل ولقاءه لهم فيه. فقال له ابو على بن ثمال: - «يا صاحب الجيش قد أسأنا معاملة أهل البلد وثقّلنا الوطأة عليهم وهم كارهون لنا وشاكون منّا، ومتى كانوا فى ظهورنا عند وقوع الحرب لم نأمن ثورتهم من ورائنا ومعاونتهم لأعدائنا علينا. والصواب أن نجعل بيننا وبينهم بعدا.» فساروا ونزلوا فى القرية المعروفة بالصابونية على فرسخين من الكوفة ومع أبى على بن ثمال نحو سبعمائة فرس ومع صاحب الجيش أبى جعفر نحو العدة من الديلم. ولما خرج صاحب الجيش الى هذا الموضع لم يتبعه من الديلم إلّا دون ثلاثمائة رجل وتأخر الباقون عنه وطالبوه بالمال وإطلاقه لهم، وقد كان عميد الجيوش وأبو القاسم ابن مما راسلاهم وأفسداهم [٨٧] فردّ أبو جعفر الظهير أبا القاسم إليهم حتى أخرج اكثر المتأخرين لأنهم استحيوا منه وتذمّموا من الامتناع عليه. وورد بنو عقيل فى سبعة آلاف رجل بالعدد والمنجانيقات والأسلحة والقزاغندات، وطلعت راياتهم وضربت بوقاتهم ودبادب مواكبهم وزحفوا كما تزحف السلطانية.

стр. 3533

وقد كان أبو على بن ثمال قصد المشهد بالغرىّ على ساكنه السلام، وزار وصلّى وتمرّغ على القبر وسأل الله تعالى العون والنصر وقال لأصحابه: - «هذا مقام الموت والذل بالفشل والخور ومقام الحياة والعز بالثبات والظفر.» فوعدوه المساعدة وبذل نفوسهم فى المدافعة. ورتب صاحب الجيش مصافّه بين يدي بيوت الحلّة وجعل الظهير أبا القاسم فى ميمنته وخسروشاه فى ميسرته ووقف هو فى القلب وبرز النسوان فى الهوادج على الجمال وبين أيديهن الرجالة بالدرق والسيوف. وتقدم أبو على فى الفرسان وصار بيننا وبينه مدا بعيدا ووقع التطارد فلم يكن إلّا كلا ولا، حتى وافتنا الخيل المغنومة مجنونة والرجال المأسورون يقادون والعرب من بنى خفاجة وفى أيديهم الرماح المتدفقة [١] . وأرسل أبو على ابن ثمال الى صاحب الجيش بأن: سر وتقدم إلينا. فقال له: - «ما هذا مكان التقدم لمثلي ولا يجوز أن أفارق مصافى وأصحر للخيل فى هذا البرّ.» فراجعة دفعات وهو يجيبه بهذا الجواب حتى قال له أبو على فى آخر قوله: - «فأنفذ الى جماعة من العجم ليشاهدهم القوم فتضعف نفوسهم ويعلموا أنك وراءنا.» فأنفذ إليه الظهير أبا القاسم فى عدة من فرسان الديلم وأتراك كانوا بالكوفة وخرجوا مع صاحب الجيش فما وصلوا إلى موضع المعركة حتى انهزم بنو

стр. 3534

عقيل وأسر منهم نحو ألف رجل وحملوا إلى البيوت بعد أن أخذت ثيابهم ودوابهم [٨٨] وأسلحتهم. وكف أبو على عن القتل ومنع منه. فلم يقتل إلّا أبو على ابن القلعي كاتب رافع بن محمد. وقد كان نساء بنى خفاجة وعبيدهم وإماؤهم عند تلاقى الجمعين ركبوا الخيل والجمال وصاروا إلى معسكر بنى عقيل وبينه وبين موضع الحرب بعد، وكبسوه ونهبوه وولّى بنو عقيل لا يلوى أول منهم على آخر، وغنم بنو خفاجة أموالهم وسلاحهم وكراعهم وسوادهم. فحدثني أبو على الحسن بن ثمال: انه اتبع بنى عقيل فى عرض البرية مع فوارس من أصحابه إلى المشهد بالحائر على ساكنه السلام، وهم منقطعون. فلمّا تجاوزوه بات وزار وعاد إلى حلّته من غد. فذكرت ذاك للحاجب أبى طاهر فقال: قد كان. ولما فقده أبو جعفر قلق قلقا شديدا به وظنّ أنّ حادثا حدث فى بابه. فقال له أصحابه: - «لو لحقه لاحق لعادت بنو عقيل.» حتى إذا كانت صبيحة تلك الليلة وافى ومعه اثنا عشر فارسا. وحكى انه اتبع المنهزمين حتى تجاوزوا المشهد بالحائر وباتوا هناك وانه لو كان فى عدة قوية لكشف نفسه وأخذ أموالهم ورؤساءهم. وعاد أبو جعفر وابو على إلى الكوفة فأقاما بها وسنذكر ما جرى عليه أمرهما من بعد فى موضعه بإذن الله تعالى [١] . وفى شعبان قبض على الموفق ابى على ابن إسماعيل وأعيد إلى القلعة.

стр. 3535

شرح الحال فى هربه من القلعة عند اعتقاله أولا فيها وحصوله عند الديواني [١] وعوده الى شيراز بعد التوثقة التي أعطيها وما جرى عليه أمره الى أن قبض عليه ثانيا وردّ الى القلعة وكلّ ذلك على ما [٨٩] حدّثنى به أبو نصر بشر بن إبراهيم السنى كاتب الموفق قال أبو نصر: لما حصل الموفق فى القلعة أولا ردّ الأمر فى التوكل به وحفظه، إلى أبى العباس أحمد بن الحسين الفراش وكانت فيه غلظة وفظاظة وقد عرف من رأى بهاء الدولة ووسطائه فيه ما يدعو إلى التضييق عليه وإساءة المعاملة له. فاعتقله فى حجرة لطيفة وتركه فى وسط الشتاء وشدة البرد بقميص واحد وكساء طبرى حتى أشفى على التلف. ولما فعل هذا الفعل به اختار الموت على ما يقاسيه وحمل نفسه على الأشدّ فى طلب الخلاص منه واستمال الموكلين المقيمين معه من قبل أبى العباس الفراش وخدعهم ووعدهم وأرغبهم وراسلني على أيديهم واستدعى منّى طعاما أمدّه به وثيابا ونفقة وكان يأتيه من جهتي ما يريده شيئا شيئا. وكان يتقدم الموكلين فراش يختصّ بأحمد الفراش ويتميز بفضل الثقة عنده ونفسه ساكنة إلى موضعه فطاوع الموفق وساعده وتردّد فى رقاعه وأجوبتها بيني وبينه واستقرت الموافقة معى على أن أحضر جماعة من أصحاب الديواني وأقيمهم ليلا تحت القلعة ويتدلى الموفق والفراش فى نقب ينقبانه فى بيت ما يتصل بالحجرة التي هو فيها ففعلت ذلك وأحضرت الفرسان بعد ان حصلت عند الموفق على يدي الفراش مبردا يبرد به قيده

стр. 3536

وزبيلا وحبلا ينزل فيها وبرد القيد ونقب النقب ونزل الموفق والفراش بعده ليلة النوروز الواقع فى شهر ربيع الآخر يوم الإثنين لليلتين بقيتا منه وقد أعددت له ما يركبه. فركبه وسرنا فلم يصبح إلا ببلاد سابور وخرج الديواني [١] فاستقبله [٩٠] وخدمه. قال أبو نصر: فلما نزل وسكن جأشه قلت له: - «قد خلصت وملكت أمرك، إلّا أنّ بهاء الدولة خصمك والبلاد له والناس فى طاعته، واعتقاده فيك الاعتقاد الذي تعرفه. والصواب أن تأخذ لنفسك وتسبق خبرك إلى حيث تأمن فيه من طلب يلحقك.» وقال له الديواني قريبا من هذه المقالة، ووعده أن يسير به حتى يوصله الى أعمال بدر بن حسنويه وأعمال البطيحة، فلم يقبل وقال: - «بل أراسل الملك واستصلح رأيه.» وراجعناه وبيّنّا له وجه الرأى فيما أشرنا به. فأقام على المخالفة وألزمنى أن أعود الى شيراز واجتمع مع أبى الخطاب واستعلم رأيه له فيما يدبّر به أمره. وكتب كتابا الى بهاء الدولة ب: - «انّنى لم أفارق اعتقالك خروجا عن طاعتك ولا عدولا عن استعطافك من تحت قبضتك ولكنّنى عوملت معاملة طلبت بها نفسي فحملني الإشفاق من تلفها [٢] على ما طلبت به خلاصها وها أنا مقيم على ما يرد به أمرك وما أريد إلّا رعاية خدمتي فى استبقاء مهجتي» .

стр. 3537

إلى غير ذلك من القول الجاري فى هذه الطريقة. قال أبو نصر: وكلّفنى من هذا العود والرسالة ما حملني فيه على الغرر والمخاطرة ثم لم أجد بدا من القبول والطاعة ورجعت إلى شيراز وقصدت دار أبى الخطاب ليلا فقال لى: - «ما الخبر؟ فإنّ القيامة قد قامت على الملك بهرب الموفق وتصور له أنه سيتمّ عليه به فساد عظيم.» فأعلمته ما جئت فيه فقال: - «ليس يجوز أن أتولّى إيصال الكتاب وإيراد ما تحملته فى معناه على الملك وهو يعلم ما بيني وبينكم. ولكن امض إلى المظفر أبى العلاء عبيد الله بن الفضل واسأله أن يكتم خبرك فى ورودك وأن يوصل الكتاب كأنه وصل مع بعض الركابية ويستر الأمر [٩١] ويعرف ما عند الملك فيه.» فصرت إليه ووافقته على ما وافقنى عليه أبو الخطاب فلشدة حرص المظفر على اعلام بهاء الدولة الخبر وازالة قلقه به ما باكر الدار وعرض الكتاب ولم يكتم ورودي بل ذكره فسكنت نفس الملك إلى هذه الجملة فقال: - «فما الذي يريد.» قال: «التوثقة على يدي الشريف الطاهر أبى أحمد الموسوي.» فأجاب إليها ووعد بها. وراسلني أبو الخطاب بأن أقتصر فيها ولا أستوفيها ووعدت بذاك ثم لم أفعله وعملت لليمين نسخة استقصيت القول فيها وحضرت الدار بها وحضر الشريف الطاهر أبو أحمد والمظفر أبو العلاء فخرج إلىّ الأمين أبو عبد الله وقال لى: - «الملك يقول: ما الذي تقترحه من التوثقة؟» فأخرجت النسخة من كمّى وسلّمتها إليه وقلت:

стр. 3538

- «هذه نسخة أصحبنيها الموفق ورسم لى الرغبة إلى الكرم الفائض فى أن تحرر بخط مولانا الأمين وأن تشرف بتلفظ الحضرة العالية بها بمحضر من الشريف الطاهر.» فقال: «أقوم وأعرضها.» ودخل وعرضها. فلمّا رأى الملك طولها وتأكّد الإستيفاء فيها، قال لأبى الخطاب: - «أليس رسمنا لك مراسلة أبى نصر بالاقتصار والتخفيف؟» قال: «قد فعلت.» ووعد ثم لم يفعل. فتقدم إلى الأمين بتحريرها فحررها حرفا حرفا وأحضرت المجلس وحضر الشريف الطاهر أبو أحمد والمظفر أبو العلاء وأبو الخطاب والأثير أبو المسك عنبر والأمين أبو عبد الله، وبدأ الملك بقراءتها. فلما مضى شطرها قطعها بأن قال قولا استفهم به شيئا منها ثم عاد لاستتمامها [١] فقبّلت الأرض ورفع رأسه وقال: - «مالك؟» قلت: «الخادم الغائب يسأل الإنعام بأن يكون قراءة هذا التشريف بغير عارض يقطعه.» فاغتاظ غيظا بان فى وجهه، ثم [٩٢] أعاد قراءتها من أولها إلى آخرها. فلمّا فرغ منها قبّلت الأرض. فقال: - «أىّ شيء تريد أيضا؟» قلت: «التشريف بالتوقيع العالي فيها.» فاستدعى دواة وكتب: «حلفت بهذه اليمين والتزمت الوفاء بها على ما

стр. 3539

اقترحه من ذلك» . وأخذتها وخرج الشريف الطاهر أبو أحمد والمظفر أبو العلاء وخرجت الى الموفق ليرد معنا. وقد كان بهاء الدولة جرّد مع أبى الفضل ابن سودمند [١] عسكرا إلى سابور لطلب الديواني ودخل الديواني الماهور وأقام ابو الفضل على حصاره. فلما وصلنا أقام المظفر أبو العلاء عند العسكر ودخلت أنا والشريف أبو أحمد وصرنا إلى الموفق ومعى خيل وبغال وثياب ورحل أنفذ ذلك المؤيد أبو الفتح اذكوتكين والمظفر أبو العلاء اليه على سبيل الخدمة له به واجتمعنا معه وعرف من الشريف الطاهر جملة الأمر ومنّى شرحه. وسار وسرنا وسار المظفر أبو العلاء الى شيراز وكان وصولنا فى روز آبان من ماه أرديبهشت [٢] الواقع فى جمادى الآخرة. وأظهر الموفق لبس الصوف وخرج إلينا أبو الخطاب والأمين أبو عبد الله متلقّين. فلما أراد الانصراف قال لأبى الخطاب: - «أريد الخلوة معك.» فقال له: - «لا يمكنني ذلك مع كون الأمين معى، ولكن أنفذ إلىّ أبا نصر الكاتب الليلة.» ودخل الموفق البلد ونزل دارا أعدّت له فيه.

стр. 3540

ذكر ما جرى عليه أمره بعد دخوله قال ابو نصر: وصرت الى أبى الخطاب وقلت له: - «يقول لك الموفق بأى شيء ترى إن أدبر أمرى؟» قال: قل له: - «قد كنت أشرت عليك بآراء خالفتها فلم تحمد عقبى خلافها، وأنا أعرف بأخلاق بهاء الدولة منك. [٩٣] والصواب الآن أن تنفذ جميع ما حصل عندك من الدواب والبغال التي قادهما الأولياء إليك وتراسل الملك وتقول له: من كان مثلي على الحال التي أنا معتقدها من اعتزال الأموال والرغبة عن العمل، فلا حاجة به إلى دوابّ وبغال. وقد قدت ما قاده الأولياء إلىّ إلى الاصطبل. لأنه أولى به ومتى أردت مركبا أركبه استدعيت منه ما أريده فى وقت الحاجة إليه وإنّ من شروط ما اعتزمته أيضا ان أقلّ الاجتماع مع الناس وانفرد بنفسي والدعاء للملك وأسال أن يختار أحد ثقات الستريين ويرتّب على بابى لردّ من يقصدني ومنع من يحاول الدخول إلىّ. فإنّه إذا رأى مثل هذا الفعل وسمع عنك مثل هذا القول سكن وأنس وأمكنك وأمكننا ان نتلطف لك من بعد فى اخراجك الى منزلك ببغداد او الاستئذان لك فى قصد بعض المشاهد وتملك حينئذ نفسك فتصرفها على اختيارك.» قال أبو نصر: فلما سمعت من أبى الخطاب هذه المشورة علمت أنها صادرة عن النية الصحيحة وعدت إلى الموفق فأخبرته بما كان. فكان من جوابه: أبو الخطاب يريد أن يردني إلى الحبس ردا جميلا. ولم يقبل هذا الرأى ولا دخل له قلبا ولا خالط فكرا. وأقام الدواب بين يديه الى المراود والكرداخورات يسمنها ويضمرها وفتح بابه وقعد فى ثلثة مخادّ بين اثنتين منها سيف والى جانبه ترس وزوبينات وعليه قميص صوف وكان يدخل إليه
следующие страницы →