فقلت: أهذا وحده أبطلت؟ وقد أبطلت ما ارتفاعه في العام خمسمائة ألف دينار، ولم أستكثر هذا القدر في جنب ما حَطَطْتَهُ عن أمير المؤمنين من الأوزار. ولكن أنظر مع ما حططت إلى ارتفاعي وارتفاعك [١] . فقدم الخادم قبل أن يجيب.
تولية محمد بن يوسف القضاء
وفي صَفَر سألَ عليُّ بنُ عيسى أن يقلّد القضاء أبا عُمَر محمد بن يوسف [٢] وعرَّفه فضله ومحلّه، فقلّده قضاء الجانبين.
وبقي على قضاء مدينة المنصور أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البُهْلُول.
ركوب المقتدر إلى الشمّاسية
وفيها ركب المقتدر من داره إلى الشّمّاسّية، وهي أوّل رَكْبه ظهر فيها للعامّة [٣] .
محنة الحلاج
وفيها أُدْخلَ حسين بن منصور الحلاج مشهورًا على جَمَلٍ إلى بغداد، وكان قد قُبض عليه بالسوس وحُمِل إلى عليّ بن أحمد الراسبيّ، فأقدمه إلى الحضرة، فَصُلِبَ حيًّا، ونُودي عليه: هذا أحد دُعاة القرامطة فاعرفوه. ثم حُبِس في دار السّلطان [٤] .
وظهر عنه بالأهواز وببغداد أنّه أدّعى الإلهيّة، وأنّه يقول بحلول اللّاهوت في الأَشراف، وأنّ مكاتباته تُنْبِئ بذلك.
وقيل: إن الوزير عليّ بن عيسى أحضره وناظَرَه، فلم يجد عنده شيئًا من القرآن ولا الحديث ولا الفقه، فقال له: تَعَلُّمكَ الوضوء والفرائض أولى بك من
стр. 11062
رسائل لَا تدرى ما فيها- وكانوا قد وَجدوا في منزله رقاعًا فيها رموز- ثم تدَّعي، وَيْلَكَ، الإلهيّة، وتكتب إلى تلاميذك: «من النّور الشَّعشعانيّ» ! ما أحْوَجك إلى الأدب.
وحبُس. فاستمال بعضَ أهلِ الدّار بإظهار السنة، فصاروا يتبرَّكون به، ويسألونه الدّعاء. وستأتي أخباره فيما بعد [١] .
تقليد ابن المقتدر أعمال مصر والمغرب
وفيها قُلِّد أبو العبّاس بن المقتدر أعمالَ مصر والمغرب، وله أربعُ سِنين، وأستُخْلِفَ له مؤنس الخادم [٢] .
تقليد عليّ بن المقتدر الريّ
وَقُلِّدَ عليّ بن المقتدر الرِّيَّ ونواحيها، وأسْتُخْلٍفَ له عليها [٣] .
اعتقال ابن ثَوَابة الكاتب
ونفذ محمد بن ثَوَابة الكاتب إلى الكوفة، وَسُلِّمَ إلى إسحاق بن عِمَران، فاعتقله حتى مات.
стр. 11063
مقتل أحمد بن إسماعيل الساماني]
وفيه ورد الخبرُ أنّ غلمان أحمد بن إسماعيل قتلوه على نهر بَلْخ [١] ، وقام ابنه نصر بن أحمد، فبعثَ إليه المقتدر عهده بولاية خُراسان [٢] .
[مقتل أبي سعيد الْجَنَّابيّ]
وفيها قُتِلَ أبو سعيد الْجَنَّابيّ القَرْمطيّ المتغلّب على هَجَر، قتله غلامه الخادم الصّعلبيّ، لكونه أراده على الفاحشة، فلمّا دخل إليه قتله [٣] . قال: وما زال يفعل ذلك بواحدٍ واحدٍ حتّى قتل أربعة من الأعيان، ثمّ دعا بالخامس، فلمّا رأى القتلى صاح، فصاح النّساء، واجتمعوا على الخادم فقتلوه [٤] .
وكان أبو سعيد الْجَنِّابيّ قد هزم جيوش المعتضد، ثمّ وَادَعَ المعتضد القتالَ فكفِّ عنه، وبقي بهَجَر من ناحية البرّيّة إلى هذا الوقت [٥] .
قال ثابت: وكان عليّ بن عيسى أشار بمكاتبة أبي سعيد الحَسَن بن بهرام الْجَنَابيّ والإعذار إليه وحضّه على الطّاعة، ووبّخه على ما يُحكى عنه وعن أصحابه مِن ترك الصّلاة والزّكاة واستباحة المحرِّمات، ثمّ توعّده وتهدّده. فبلغ
стр. 11064
الرُّسُلَ وهم بالبصرة مقتلُهُ، فكتبوا إلى الوزير، فكتبَ إليهم: أَنْ سِيروا إلى مَن قامَ بعده. فساروا وأوصلوا الكتابَ إلى أولاده، فكتبوا جوابه، فكانَ: للوزير أبي الحسن مِن إخوته، سلامُ على الوزير، فإنا نَحْمد إليه اللَّه الذي لَا إله إلا هو، ونسأله أن يصلّي على سيّدنا محمد.
وفيه: فأمّا ما ذُكر عنّا من انفرادنا عن الجماعة، فنحن، أيّدك الله، لم نَنْفرد عن الطّاعة والجماعة، بل أفرِدْنا عنها، وأُخْرِجْنا من ديارنا، واستحلّوا دماءَنا، ونحنُ نشرح للوزير حالنا: كان قديمُ أمرنا أنّا كنّا مستورين مُقْبلين على تجارتنا ومعايشنا، نُنَزَّه أنفسنا عن المعاصي، ونحافظ على الفرائض، فَنَقَمَ علينا سُفهاء النّاس وفُجّارهم ممّن لَا يُعْرَف بِدِين، وأكثروا التَّشنيعَ علينا حتّى جمع النّاس علينا، وتظاهروا وشهدوا علينا بالزُّور، وأنّ نِساءَنا بيننا بالسَّويّة، وأنّا لَا نحرِّم حرامًا، ولا نحلِّل حلالًا، فخرجنا هاربين، ومَن بقيَ منّا جعلوا في رقابهم الحبال والسّلاسل. إلى أن قال: فأجْلونا إلى جزيرة، فأرسلنا إليهم نطلب أموالنا وحُرمنا، فمنعوناها، وعزموا على حربنا، فحاكمناهم إلى الله، وقال تعالى: وَمن [عاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ] [١] ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ الله ٢٢: ٦٠ [٢] ، فنصرنا الله عليهم. وأمّا ما أدُّعى علينا من الْكُفْرِ وترك الصّلاة فنحن تائبون مؤمنون باللَّه.
فكتب الوزير يعدهم الإحسان [٣] .
مسير المهدي صاحب إفريقية إلى لِبْدة
وفيها سار المهديّ صاحب إفريقية يريد مصر في أربعين ألفًا من البربر في البر والبحر، ونزل لِبْدَة، وهى من الإسكندريّة على أربعة مراحل. وكان بمصر تَكين الخاصّة، ففجّر النّيل، فحال الماء بينهم وبين مصر [٤] .
стр. 11065
وقعة برقة
قال المُسَبّحيّ: فيها كانت وقعة بَرْقَةَ، وكان عليها المنصور، فسلّمها وانهزم إلى الإسكندرية [١] .
حرب حَبَاسة الكُتامّي والعباسيّين بمصر
وفيها سار أبو داود حَبَاسَة بن يوسف الكتاميّ البربريّ في جيشٍ عظيم قاصدًا إلى مصر مقدّمةً بين يدي القائم محمد، فوصل إلى الجيزة، وهَمّ بالدُّخول إلى مصر فغلط المخاضة ونُذِر به، فخرج إليه عسكر، فحالوا بينه وبين الدخول، وأعانهم زيادة النيل، فردّ إلى الإسكندرية، فَقَتَلَ وأفسدَ [٢] .
ثم سار جيش المقتدر إلى بَرْقَةَ، وجرت لحباسة ولهم حروب.
وقلَّد المقتدرُ مصرَ أبا عليّ الحسين بن أحمد، وأبا بكر محمد بن عليّ [٣] المادرائيّين، وأضاف إليهما جُنْدَ دمشق وفلسطين، فسارا إلى مصر، فكان بينهم وبين الفاطميّ وقْعات. ثم رجع إلى بَرْقة، وأقام المادرائيّ بمصر.
وملك الفاطميّ الإسكندرية والفيّوم، ثمّ ترك ذلك وردّ [٤] .
стр. 11066
تقليد ابن بسّام حمص وقنّسرين والعواصم
وقلد المقتدرُ حمصَ وقنّسرين والعواصم أبا القاسم عليّ بن أحمد بن بسّام [١] .
وفاة الراسبيّ
وفيها تُوُفّي عليّ بن أحمد الرّاسبيّ أمير جُنْدَيْسابور والسُّوس، وكان شجاعًا جوادًا. تُوُفّي في جُمَادَى الآخرة، وخلف من الذَّهَب ألف ألف دينار، وألف فرس، وألف جَمَلٍ، وغير ذلك [٢] .
وفاة القاضي ابن أبي الشوارب
وفيها تُوُفّي القاضي عبد الله بن علي بن محمد بن أبي الشوارب. وتُوُفّي بعده بثلاثة وسبعين يومًا ابنه القاضي محمد المعروف بالأحنف [٣] .
стр. 11067
سنة اثنتين وثلاثمائة
تغلُّب نصر بن أحمد الساماني على عمّه
في أوّلها وردَ كتاب نصر بن أحمد أمير إقليم خُراسان أنّه وَاقَعَ عمَّه إسحاق بن إسماعيل [١] ، وأنّه أسره، فبعث إليه المقتدر بالخِلع واللّواء [٢] .
مقتل حَبَاسة الكتامّي
وفيها عاد المسمّى بالمهديّ الفاطمي إلى الإسكندريّة ومعه صاحبه حَبَاسة، فَجَرَت بينه وبين جيش الخليفة حروب قُتِل فيها حَبَاسة، وعاد مولاه إلى القَيْروان [٣] .
طهور أولاد المقتدر
وفيها طهَّر المقتدر خمسةً من أولاده، فغرمَ على الطُّهور ستّمائة ألف دينار، وطهَّر معهم طائفةً من الأيتام، وأحسنَ إليهم [٤] .
стр. 11068
القبض على ابن الجصّاص ومصادرته
وفيها قبضَ المقتدر على أبي عبد الله الحسين بن عبد الله بن الجصّاص الْجَوْهري وكُبِسَتْ داره، وأخَذَ له من المال والجواهر ما قيمته أربعة آلاف ألف دينار [١] .
وقال أبو الفَرَج بن الْجَوْزيّ [٢] : أخذوا منه ما مقداره ستّة عشر ألف ألف دينار عينًا ووَرقًا، وقماشًا وخيْلًا.
وقال غيره: أكثر أموال ابن الجصّاص من قطر النَّدى بنت خمارُوَيْه صاحب مصر، فإنه لمّا حملها من مصر إلى المعتضد كان معها أموال وجواهر عظيمة، فقال لها ابن الجصّاص: الزّمان لَا يدوم ولا يؤمن في حال، دعى عندي بعضَ هذه الجواهر تكون ذخيرةً لك. فأودعته، ثمّ ماتت. فأخذ الجميع.
وقال بعضهم: رأيت بين يدى ابن الجصّاص سبائك الذَّهب تُقَبَّن بالقبّان.
وقال التَّنُوخيّ: حدَّثني أبو الحسين بن عيّاش أنه سمع جماعةً من ثقات الكتاب يقولوَن إنهم حضروا ما ارتفعت به مصادرة ابن الجصّاص زمن المقتدر، فكانت ستّة آلاف ألف دينار، هذا سوى ما قُبض من داره، وبعد الَّذي بقى له من ظاهره [٣] .
خروج الأطروش ودعوته الدَّيلم للإسلام
وفيها خرج الحسن بن عليّ العلويّ الأطروش، وتلقَّب بالدّاعي. ودعا الدَّيْلم إلى الله، وكانوا مجوسًا، فاسلموا. وبنى لهم المساجد. وكان فاضلًا
стр. 11069
عاقلًا له سيرة مدّوَّنة، وأصلحَ الله الدَّيْلَمَ به [١] .
تقليد أبي الهيجاء الموصل والجزيرة
وفيها قلّد المقتدر أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان المَوْصِل والجزيرة [٢] .
بناء المارستان بالحربيّة
وفيها بنى الوزير عليّ بن عيسى المارسْتان بالحربيّة، وأنفق عليه أمواله [٣] .
قطع طريق وفد الحجَّاج
وفيها في الرجعة قطع الطريق على رَكب العراق الحسن بن عمر الحسنيّ مع طيِّئ وغيرهم، فاستباحوا الوفد، وأسروا مائتين وثمانين امرأة، ومات الخلق بالعطش والْجُوع في البرّيّة [٤] .
حرب العبّاسيّين والفاطميّين في مصر
وفيها وصل إلى مصر القاسم بن سِيما في جيشٍ مَدَدًا لتَكين، ونوديَ في مصر بالنَّفير إلى الغَزَاة، فلم يتخلّف كبيرُ أحدٍ، فقدِم حَبَاسة حتّى نزل الجيزة فكان المُصافُّ في جُمَادَى الآخرة، ثمّ أصبحوا على القتال، وتعبّئوا للحرب، وكثر القتل في الفريقين، ثمّ تراجع حَبَاسة وولّى، فاتَّبعه العامّة حتّى عَدَوْا خليجَ نُزْهة، فكرَّ عليهم حَبَاسة، فيُقال: قتل منهم عشرة آلاف.
وخرجوا من اليوم الثالث، فلم يكن. قتال [٥] .
стр. 11070
قدوم مؤنس الخادم إلى مصر
وفيها قِدم مؤنس الخادم إلى مصر مددًا وأميرًا عليها، وخرج عنها تكين الخاصّة [١] .
صلاة العيد في جامع مصر
وفيها صُلِّيَ العيد في جامع مصر، ولم يكن يُصَلَّى فيه العيد قبلَ ذلك فصلى بالنّاس فيه عليّ بن أبي شيحة، وخطب من دفتر نَظَرًا، وكان من غَلَطِه أنْ قال: «اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلّا وَأَنْتُمْ مشركون» [٢] . نقلها يحيى بن الطّحّان، عن أبيه، وآخر [٣] .
стр. 11071
سنة ثلاثٍ وثلاثمائة
تألف الوزير ابن عيسى للقرامطة
فيها راسل عليّ بن عيسى الوزير القرامطة وهاداهم، وأطلق لهم ليتألفهم، فنفع ذلك [١] .
ولادة على بن عبد الله بن حمدان
وفي ذي الحجة ولد عليّ بن عبد الله بن حمدان سيف الدّولة [٢] .
القبض على أبي الهيجاء بن حمدان
وفيها خلَع الطّاعة الحُسين بن حمدان، وكان مؤنس مشغولًا بمصر بحرب المغاربة، فندبَ الوزير رائقًا الكبير لمحاربته، فالتقى معه، فهزمه ابن حمدان، فصار إلى مؤنس، فسار مؤنس مُجِدًّا، وجرت له ولابن حمدان خطوب، وراسله واستعمال جُنده، فتسرَّبوا إلى مؤنس. ثمّ سار وراء الحسين وقاتله، فأسرَهُ ونهَبَ أمواله. ودخل به بغداد وهو على جمل، وأصحابه على الْجِمال، فحبسهم المقتدر، ثمّ قبض على أبي الهيجاء بن حمدان وإخوته [٣] .
стр. 11072
ولاية ذكاء الرومي مصر
وفيها قلّد مصر ذكاء الرّومي، وعزل مؤنس الخادم [١] .
стр. 11073
سنة أربع وثلاثمائة
حبْس العلويّ
في المحرَّم عادَ نصر الحاجب من الحجّ ومعَه العلويّ الّذي قطع الطّريق على الرَّكْب عام أوّل، فَحُبس في المُطْبق [١] .
غزوة مؤنس الخادم بلاد الروم
وفي ربيع الآخر غزا مؤنس الخادم بلاد الروم من ناحية مَلَطْية، فوافاه جنود الأطراف، فافتتح حصونًا وأثَّر أَثَرَةً حسنة [٢] .
وفاة ابن كنداجق
وفيها مات محمد بن إسحاق بن كنداجق بالدَّيَنَور، وكان متقلّدها، وصادرَ عليّ الوزير وَرَثته، فصالحهم على ستّين ألف دينار مُعَجَّلَة.
الخوف ببغداد من حيوان الزبزب
وفيها وقعَ الخوف ببغداد من حيوان يقال له الزَّبْزَب [٣] ، ذكر النّاس أنّهم يَرَونْه بالّليل على الأسطحة، وانّه يأكل الأطفال، ويقطع ثَدْيَ المرأة، فكانوا يتحارسون، ويضربون بالصّواني والطّاسات ليهرب، واتّخذَ النّاس لأطفالهم مكابّ، ودام عدة ليالٍ، فأخذ الأعيان حيوانًا أبلق كأنّه من كلاب الماء. فذكر
стр. 11074
أنّه الزَّبْزَب، وأنّه صِيد، فَصُلِبَ على الجسر، فلم يُغْنِ ذلك إلى أن انبسط القمر، وتبيّن للنّاس أنَّ لَا حقيقة لما توهّموه [١] .
القبض على عليّ بن عيسى الوزير
وفى آخرها قبض المقتدر على عليّ بن عيسى الوزير، وكان قد استعفى مِرارًا وضجر من سوء أدب [الحاشية] ، فتنكّر المقتدر عليه لذلك [٢] .
واتَّفق أنّ أم موسى القَهْرَمانة جاءت إليه لتُوَافقَه على ما يطلق في العيد للحُرَم من الضّحايا، فصرفها حاجبه، فغضبت وأغْرت به السَّيِّدة والمقتدر، فَصُرف ولم يتعرّض لشيءٍ من ماله، واعتُقل [٣] .
إعادة ابن الفرات إلى الوزارة
وأُعيد أبو الحسن بن الفُرات، وخُلع عليه سبع خلع يوم التّروية [٤] .
وركب مونس والقُوَّاد بين يديه، ورُدَّت عليه ضِياعُه [٥] .
إطلاق علي بن عيسى ومصادرة أخويه
ثمّ أُطلق ابن عيسى ولكن صودر أخواه إبراهيم وعُبَيْد الله، وأُخذ منهما مائة ألف دينار وعزلا [٦] .
стр. 11075
عصيان ابن أبي الساج وأسْره
وفيها عصى يوسف بن أبي السّاج بأَذْرَبَيْجان، فسار مؤنس، فظفر به وأسره بعد حرب طويل [١] .
وفاة زيادة الله بن الأغلب
وتوفيّ فيها زيادة الله بن عبد الله بن الأغلب الّذي كان صاحب القيروان، وكان هو وأبوه من أمراء القيروان.
وردّ زيادة الله منهزمًا من المهديّ الخارجيّ إلى مصر فأْكرم. وقيل إنّه مات بالرّقة، وقيل: بالرملة [٢] .
стр. 11076
سنة خمس وثلاثمائة
قدوم رُسُل ملك الروم بالهدايا
فيها قدمت رُسُل ملك الروم بهدايا تطلب عقْد هُدنة، فأُشحنت رِحاب دار الخلافة والدّهاليز بالْجُنْد والسّلاح، وفُرشت سائر القصور بأحسَن الفرش، ثمّ أحضر الرَّسولان والمقتدر على سريره، والوزير ومؤنس الخادم قائمان بالقرب منه [١] .
إظهار المقتدر عظمة الخلافة أمام رُسُل الروم
وذكر الصُّوليّ وغيره احتفال المقتدر، فقالوا: أقام المقتدر العساكر، وصفّهم بالسّلاح، وكانوا مائة وستّين ألفًا، وأقامهم من باب الشّمّاسيّة إلى دار الخلافة، وبعدهم الغلمان، وكانوا سبعة آلاف خادم، وسبعمائة حاجب.
ثمّ وصف أمرًا مَهُولًا فقال: كانت السُّتْور ثمانية وثلاثين ألف ستر من الدّيباج، ومن البُسُط اثنان وعشرون ألفًا.
وكان في الدّار قِطْعان من الوحش تأنَّست، كان فيها مائة سبْعٍ في السّلاسل.
ثمّ أُدْخلا دار الشَّجَرَة، وكان في وسطها بِرْكة والشجرة فيها، ولها ثمانية عشر غُصْنًا، عليها الطُّيور مذهّبة ومُفضُّضَة، وورقها مختلف الألوان، وكلّ طائر من هذه الطّيور المصنوعة يصفّر.
стр. 11077
ثمّ أُدْخِلا إلى الفِرْدَوْس، وبها من الفرش ما لَا يُقَوَّم، وفي الدهاليز عشرة آلاف جَوْشن مذهَّبة مُعِلَّقة [١] .
ورود هدايا صاحب عُمان
وفيها وردت هدايا صاحب عُمان، فيها طير أسود يتكلّم بالفارسيّة وبالهنديّة أفصح من البَبّغاء، وظِباءُ سُود [٢] .
رضاء المقتدر على أبي الهيجاء وإخوته
وفيها رضي المقتدر على أبي الهيجاء بن حمدان وإخوته، وخلع عليهم [٣] .
وفاة الأمير غريب
وفيها تُوُفّي الأمير غريب خال المقتدر بعلّة الذَّرَب [٤] .
الحج هذا الموسم
وفيها حجّ بالنّاس الفضل بن عبد الملك الهاشميّ، وهي تمام ستّ عشرة حجّة حجّها بالنّاس [٥] .
стр. 11078
سنة ستّ وثلاثمائة
فتح مارستان والدة المقتدر
في أوّلها فُتِح مارستان السيدة والدة المقتدر ببغداد، وكان طبيبه سِنان بن ثابت. وكان مبلغ النَّفقة فيه في العام سبعة آلاف دينار [١] .
وفاة القاضي وكيع
وفي ربيع الأول مات القاضي محمد بن خلف وكيع [٢] ، فأضيف ما كان يتولاه من قضاء الأهواز إلى أبي جعفر بن الْبُهْلُولِ قاضي مدينة المنصور [٣] .
قتل الحسين بن حمدان
وفي جُمَادَى الأوّل أمر المقتدر بقتل الحسين بن حمدان، فقُتل في الحبس [٤] .
القبض على الوزير ابن الفرات
وفيها قُبِض على الوزير أبي الحسن بن الفرات لكونه أخّر أرزاق الْجُنْد، واعتلّ بضيق الأموال، فقال المقتدر: أين ما ضمنتَ من القيام بأمر الْجُنْد؟
وعزله [٥] .
стр. 11079
ولاية حامد بن العباس الوزارة
وكتب إلى حامد بن العّباس كاتب واسط، فقدِم في أبّهة عظيمة، وخلفه أربعمائة مملوك بالسلاح، فخلع عليه، وجلس في الدّيوان أيّامًا، فظهرَ منه قلّة معرفة وسوء تدبير وحِدَّة، فضُمّ معه عليّ بن عيسى في الأمر، فمشى الحال، وبقي الرَّبْط والحَلّ والدَّسْتُ لعَليّ [١] ، فعزلَ عليُّ بنُ عيسى عليَّ بنَ أحمد بن بِسْطام مِن جُنْد قِنَّسْرين والعواصم، وقلّد الشام ومصر أبا عليّ الحسن بن أحمد المادرائيّ، وقرَّر عليه الخراج عن الإقليمين، ثلاثة آلاف ألف دينار، سوى نَفقات الجيوش وغيرهم تُحمل إلى المقتدر [٢] .
ازدياد تدخّل النساء في أمور الحكم
وكثُر أمرُ حُرَم الخليفة ونهيهم لركاكته، وآل الأمرُ إلى أن أمرت السّيّدة أمُّ المقتدر على القهْرمانة أن تجلس بتُربتها للمظالم، وتنظر في رقاع النّاس كلّ جمعة. فكانت تجلس وتُحْضِر القُضاة والأعيان، وتبرز التّواقيع وعليها خطّها [٣] .
وفاة الفقيه ابن سُرَيج
وفيها تُوُفّي أبو العبّاس بن سُرَيْج الفقيه [٤] .
قال الدّار الدّارَقُطْنيّ: كان فاضلًا لولا ما أحدثَ في الإسلام من مسألة الدّور في الطّلاق.
стр. 11080
استيلاء القائم المهديّ على الإسكندريّة
وفيها عاد القائم محمد بن عبد الله [١] إلى مصر، فأخذ الإسكندريّة وأكثر الصّعيد، ثمّ رجَع [٢] .
بناء المهديّة
وبنى أبوه المهديّة وسكنها [٣] .
стр. 11081
سنة سبع وثلاثمائة
وفاة الفضل بن عبد الملك
في صفر تُوُفّي أمير الموسم الفضل بن عبد الملك الهاشميّ ببغداد، فولى ابنه مكانه [١] .
ولاية نازوك دمشق
وفيها خلع المقتدر على نازوك وولاه دمشق، فسارَ إليها [٢] .
دخول القرامطة البصرة
وفيها دخلت القرامطة البصْرة، فقتلوا وسَبَوا ونهبوا [٣] .
دخول عسكر القائم المهديّ الإسكندريّة
وفي صفر دخلت مقدّمة القائم الإسكندريّة، فاضطّرب أهل الفُسْطاط ولحِق كثيرُ منهم بالقُلْزُم والحجاز، فتمسّك ذَكَاء أمير مصر بالجيزة، ثمّ إنّه مرِض وتُوُفّي في ربيع الأوّل [٤] .
ولاية تكين على مصر للمرّة الثانية
ثمّ قدِم مصرَ تكينُ الخاصّة واليًا عليها الولاية الثّانية، فنزل الجيزة وحَفَر خندقًا [٥] .
стр. 11082
مسير مؤنس الخادم ومحمد بن طغج إلى مصر
وسار مؤنس الخادم في جيوشه حتّى نزل المنْية [١] . وسار محمد بن طُغْج في عسكرٍ إلى مَنُوف [٢] .
اعتلال القائم المهديّ
واعتلّ القائم محمد بن عبد الله [٣] بالإسكندريّة علّةً صَعْبَة، وثار المرض في جُنْده، فمات داود بن حباسة ووجوه من القوّاد [٤] .
стр. 11083
سنة ثمان وثلاثمائة
فتنة الغلاء ببغداد
فيها غلت الأسعار ببغداد، وشغبت العامّة ووقع النَّهْب، فركبت الْجُنْد فهاوَشَتْهم العامّة.
وسببه ضمان حامد بن العبّاس السَّواد وتجديد المظالم، فقصدوا دار حامد، فخرج إليهم غلمانه فحاربوهم، ودام القتال أيّاما، ثمّ انكشف عن جماعة من القتلى. ثمّ تجمعّ من العامّة عشرة آلاف، فاحرقوا الجسر، وفتحوا السّجون، ونهبوا النّاس، فركب هارون بن غريب الخال في العساكر، وركب حامد في طيّارٍ فرجموه، واخْتلّت أحوال الدّولة العبّاسيّة، وعَلَت الفِتَن، ومُحِقَتِ الخزائن [١] .
استيلاء المهديّ على بلاد المغرب
واستولى عُبَيْد الله الملقّب بالمهديّ على بلاد المغرب [٢] .
وفاة إبراهيم بن كَيَغْلَغ
وتُوُفّي إبراهيم بن كَيَغْلَغ [٣] الأمير في ذي القعدة بالجيزة، فعظم ذلك على
стр. 11084
أهل مصر، وحُمِل إلى بيت المقدس فَدُفِن بها.
قتل ابن المديني القاصّ
وفيها أخذ ابن المَدِينيّ القاصّ في جماعة يدعو إلى المهديّ، فَضَرَبَ نكينُ عُنقه [١] .
وفاة بنت المتوكّل
وفيها ماتت ميمونة بنت المتوكّل عمّة المقتدر [٢] .
امتلاك القائم المهديّ للفسطاط
وفيها ملكت جيوش القائم الجزيرة من الفُسْطاط، فاشتدّ قلق أهل مصر وتأهّبوا للهروب وكثُر البكاء، وجرت أمورُ يطول شرحها [٣] .
وفاة إمام جامع المنصور
وفيها تُوُفّي إمام جامع المنصور محمد بن هارون بن العبّاس بن عيسى بن أبي جعفر المنصور، وكان مُعْرِقًا في النَّسَب. أَمَّ بجامع المنصور خمسين سنة.
ولى ابنه جعفر بعده، فعاش تسعة أشهرُ بعد أبيه [٤] . واللَّه أعلم.
стр. 11085
سنة تسع وثلاثمائة
خلاف الطبريّ المؤرّخ والحنابلة
جري بين أبي جعفر محمد بن جرير الطِّبَريّ وبين الحنابلة كلام، فحضَر أبو جعفر عند عليّ بن عيسى لمناظرتهم، فلم يحضروا [١] .
تلقيب مؤنس الخادم بالمظفّر
وفيها قدِم مؤنس من حرب صاحب القيروان، فخلع عليه المقتدر، ولقَّبهُ بالمظفَّر [٢] .
استرجاع الإسكندرية من المغاربة
وسار ثمل الخادم من طرسُوس في البحر إلى الإسكندريّة فأخذها من جيش المغاربة [٣] .
عزل تكين عن مصر وإعادته
وفيها عُزِل تكين عن مصر بأبي قابوس محمود بن حمك [٤] ، فأقام ثلاثة أيام، ثمّ عزل وأعيد تكين [٥] .
стр. 11086
خروج القادة لقتال عسكر القائم المهديّ
وفيها عسكر مؤنس وتَكِين والقوّاد وساروا إلى الفيّوم لحرب عساكر القائم، فرجع القائم إلى إفريقيّة مِن غير قتال، وذلك في أوائل السنة [١] .
مقتل الحلاج
وفيها قُتل الحلاج، وقد مرّ من أخباره في سنة إحدى وثلاثمائة، وهو أبو عبد الله الحسين بن منصور بن مَحْمِيّ، وقيل: أبو مغيث.
وكان محميّ مجوسيًّا فارسيًّا. نشأ الحلاج بواسط، وقيل: بِتُسْتَر، وتتلمذ لسهل بن عبد الله التستري. ثم قدم بغداد وأخذ عن الجنيد والنوري، وابن عطاء، وأخذ في المجاهدة ولبْس المُسُوح. ثمّ كان في وقتٍ يلبس الأقبية، وفي وقت يلبس المصبوغ [٢] .
وقيل: كان أبوه حلاجًا.
وقيل: أنّه تكلَّم على النّاس، فقيل: هذا حلاج الأسرار [٣] .
وقيل: إنّه مرَّ على حلاجٍ، فبعثه في شغلٍ له، فلمّا عاد الرجل وجده قد حلجَ كلّ قطنٍ في الدُّكّان [٤] .
وقد دخل الهند وأكره الأسفار وجاور.
قال حَمَدٌ ابْنُه: مولد أبي بطور البيضاء [٥] ، ومنشأه بِتُسْتَر. ودخل بغداد فكان يلبس المُسُوح، ومرّةً يلبس الدّرّاعة والعمامة، ومرّة القباء، ووقتًا يمشي بخرقتين [٦] .
стр. 11087
وخرجَ إلى عُمَرو بن عثمان المكّيّ وإلى الْجُنَيْد وصحِبَهما. ثمّ وقع بين الْجُنَيد وبين أبي لأجل مسألة، ونسبه الْجُنَيد إلى أنّه مدَّعي. فرجع بأمّي إلى تُسْتَر، فوقع له بها قَبُولٌ. ولم يزل عُمَرو بن عثمان المكّيّ يكتب الكُتُب فيه بالعظائم، حتّى غضب ورمى بزِيّ الصُّوفيّة ولبس قباءٍ، وصحِبَ أبناء الدّنيا. ثمّ سافر عنّا خمس سِنين، بلغ إلى ما وراء النّهر، ثمّ رجع إلى فارس، وأخذ يتكلَّم ويدعو إلى الله. وصنَّف لهم، وتكلَّمَ على الخواطر، ولُقِّبَ حلاج الأسرار [١] .
ثمّ قدِم الأهواز فحُمِلت إليه، ثمّ خرج إلى البصرة ثمّ إلى مكّة، ولبس المرقَّعَة، وخرج معه خلْق، فتكلّم فيه أبو يعقوب النهْرَجُوريّ وحسده، فقدِم الأهوازَ، وحمل أمّي وجماعة من رؤسائها إلى بغداد، فبقي بها سنة، ثمّ قصدَ الهند وما وراء النهّر ثانيًا، ودعا إلى الله، وصنَّف لهم كُتُبًا، ثمّ رجع، فكانوا يكاتبونه من الهند بالمُغِيث، ومن بلاد تُرْكستان ب «المُقِيت» ، ومن خُراسان، ب «المميّز» ، ومن فارس ب «أبي عبد الله الزّاهد» ، ومن خُوزسْتان ب «الشّيخ حلاج الأسرار» . وكان ببغداد قوم يسمّونه: «المصْطَلِم» ، وبالبصرة «المحيّر» [٢] .
ثمّ كثُرت الأقاويل عليه بعد رجوعه من هذه السَّفْرة، فحج وجاوَرَ سنتين رجاءً. وتغيّر عمّا كان عليه في الأوّل، واقتنى العقار ببغداد، وبنى دارًا ودعا النّاس إلى معنًى لم أقف عليه، بل على شطر منه، حتّى خرج عليه محمد بن داود وجماعة من أهلِ العلم، وقبَّحوا صورته [٣] .
ووقع بين عليّ بن عيسى وبينه لأجل نصر القُشُوريّ، ثمّ وقع بينه وبين الشِّبْليّ وغيره من المشايخ، فقيل: هو ساحر، وقيل: هو مجنون، وقيل: بل له كرامات، حتّى حبسه السّلطان [٤] .
روى هذا ابن باكُوَيْه الشِّيرازيّ، قال: أخبرني حمد بن الحلّاج، فذكره.
стр. 11088
وقال الحسين بن محمد المذاريّ: سمعت أبا يعقوب النَّهْرَجُوري يقول:
دخل الحسين إلى مكّة فجلس في صحن المجلس سنة لَا يبرح من موضعه الّا لطهارةٍ أو طواف، ولا يُبالي بالشّمس ولا بالمطر، ويُفْطر على أربع عضّات مِن قُرصٍ يؤتَى به، ثمّ إنّه سافر إلى الهند، وتعلَّم السِّحر [١] .
وقال أحمد بن يوسف التّنُوخيّ الأزرق: كان الحلاج يدعو كلّ وقتٍ إلى شيء على حسب ما يَسْتَبْله طائفة. أخبرني جماعة من أصحابه أنّه لمّا افتتن النّاس به بالأهواز ونواحيها لِما يُخْرجه لهم من الأطعمة في غير حِينها والدّراهم، ويسمّيها «دراهم القُدرة» . حُدِّث أبو عليّ الْجُبَّائيّ بذلك فقال: هذه الأشياء تمكن الحِيَل فيها، ولكنْ أدخِلُوه بيتًا من بيوتكم، وكلّفوه أن يُخرج منه خرْزتين [٢] شَوْك. فخرج عن الأهواز [٣] .
وعن محمد بن يحيى الرّازيّ قال: سمعت عُمَرو بن عثمان المكّيّ يلعن الحلاج ويقول: لو قدرت عليه لقتله، قرأت آية فقال: يمكنني أن أؤلّف مثله [٤] .
وقال أبو يعقوب الأقطع: زوّجت بنتي من الحلاج، فبانَ لي بعد مُدَيدة أنّه ساحر محتال [٥] .
وقال أبو عُمَر بن حَيَّوَيْه: لما أُخْرِج الحلاج لِيُقْتَلَ مَضَيْتُ وزاحَمْتُ حتّى رأيته، فقال لأصحابه: لَا يَهُولَنَّكُم، فإنّي عائد إليكم بعد شهر [٦] .
هذه حكاية صحيحة توضح أنّه ممخرق حتّى عند القتل [٧] .
стр. 11089
وقال أبو بكر الصولي: جالسْت الحلاج، فرأيت جاهلًا يتعاقل، وعييًا يتبالغ، وفاجرًا يتزهد. وكان ظاهره أنّه ناسك، فإذا علم أن أهل بلدته يرون الاعتزال صار معتزليًا، أو يرون التشيع تشيع، أو يرون التسنن تسنن. وكان يعرف الشعبذة والكيمياء والطب. وكان حينًا ينتقل في البلاد، ويدعي الربوبية، ويقول للواحد من أصحابه: أنت آدم، ولذا: أنت نوح، ولذا: أنت محمد.
ويدعي التناسخ، وأن أرواح الأنبياء انتقلت إليه.
وروى عليّ بن أحمد الحاسب، عن أبيه قال: وجَّهني المعتضد إلى الهند، وكان معنا في السفينة رجل يقال له الحسين بن منصور، قلت: فيم جئت؟ قال: أتعلم السِّحْر، وأدعو الخلق إلى الله [١] .
وقال أبو بكر الصوليّ: قبضَ عليّ بن أحمد الراسبيّ الأمير الحلاج وأدخله بغداد وغلامًا له على جمل مشهورين سنة إحدى وثلاثمائة. وكتب يذكر أن البينة قامت عنده أنه يدعي الربوبية ويقول بالحلول. فأحضره عليّ بن عيسى الوزير، وأحضر العلماء فناظروه، فأسقط في لفظه، ولم يجده يُحسن من القرآن شيئًا ولا من غيره. ثمَّ حُبِس مدّة.
قال الصولي: كان يري الجاهل شيئًا من شعبذته، فإذا وثق به دعاه إلى أنه إله، فدعا فيمن دعا أبا سعيد بن نوبخت، فقال له، وكان أقرع: أَنْبِت في مقدم رأسي شعرًا [٢] .
ثم ترقت به الحال، ودافع عنه نصر الحاجب لأنه قيل إنّه سني، وإنما يريد قتله الرافضة.
قال: وكان في كتبه: إني مغرق قوم نوح ومهلك عاد وثمود [٣] .
وكان حامد بن العبّاس الوزير قد وجد لهُ كتبًا فيها أنّه إذا صام الإنسان وواصل ثلاثة أيّام وأخذ في اليوم الرابع ورقات هنْدباء فافطر عليها أغناه عن صوم رمضان [٤] .
стр. 11090
وإذا صلّي في لَيْلَةٍ واحدةٍ رَكْعَتَين طول اللّيل أغنته عن الصّلات ما بقي [١] .
وإذا تصدَّق في يومٍ بجميع ما يملكه أغناه عن الزّكاة [٢] .
وإذا بنى بيتًا وصامَ أيامًا وطاف به أغناه عن الحجّ [٣] .
فأحضر حامد القضاة وأحضره وقال: أتعرف هذا الكتاب؟
قال: هذا كتاب «السُّنَن» للحَسَن البصْريّ.
فقال: ألست تدين بما فيه؟
قال: بلى. هذا كتاب أدين الله بما فيه.
فقال له أبو عُمَر القاضي: هذا فيه نقض شرائع الإسلام.
ثمّ جاراه في الكلام إلى أن قال له أبو عُمَر: يا حلال الدّم، من أيَّ كتابٍ نقلت هذا؟
قال: من كتاب «الإخلاص» للحَسَن البصْريّ.
قال: كذبت يا حلال الدّم، فقد سمعنا الكتاب، وليس فيه شيء من هذا [٤] .
فقال حامد لأبي عُمَر القاضي: قد أفتيت أنه حلال الدّم، فضع خطَّك بهذا. فدافعَ ساعةً، فمدّ حامد يده إلى الدَّواة وقدّمها للقاضي وألحّ عليه، فكتب بأنّه حلال الدّم، وكتب الفُقَهاء والعُلماء بذلك خطوطهم، والحلاج يقول: يا قوم، لَا يحلّ لكم إراقةُ دمي.
فبعث حامد بخطوطهم إلى المقتدر، وأستأذنه في قتله، فتأخّر عنه الجواب، فخاف أن يبدو للمقتدر فيه رأي لِما قد استماع من الخواصّ بزُهْده وتعبُّده في الحبْس، فنفَّذ إلي المقتدر أنّه قد ذاع كُفْره وادّعاؤه الرُّبوبيّة، وإنْ لم يُقتل افتتن النّاس، وتجرَّى قومُ على الله تعالى وَالرُّسُلِ. فأذِن المقتدر في قتله.
وطلبَ حامدُ صاحبَ الشرطة محمد بن عبد الصَّمد، وأمره أن يضربه ألف سوط،
стр. 11091
فإنْ ماتّ وإلّا يقطع يديه ورِجْليه.
فلمّا كان يوم الثلاثاء لستِّ [١] بقين من ذي القعدة أُحضِر الحلاج مقيَّدًا إلى باب الطّاق وهو يتبختر بقيده ويقول:
حبيبي غير منسوب ... إلى شيء من الحيفِ
سقاني مثل ما يشربُ ... فعلَ الضيف بالضيف
فلما دارت الكاسُ ... دعا بالنطع والسيف
كذا من يشرب الراح [٢] ... مع التّنّين في الصيف
[٣] .
فضُرب ألف سوط، ثم قطعت يده ورجله، ثم حز رأسه وأحرقت جثته [٤] وذكر أن حوقل قال: ظهر من إقليم فارس الحسين بن منصور الحلاج، زعم أنه من هذب في الطاعة جسمه، وشغل بالأعمال الصالحة قلبه، وصبر على مفارقة اللذات، ومنع نفسه عن الشهوات يترقى في درج المصافاة حتّى يصفو عن البشرية طبعُه، فإذا صفى حلّ فيه روح الله الّذي كان منه إلى عيسى بن مريم ﵇، فيصير مطاعًا، يقول للشيء: كن فيكون فكان الحلاج يتعاطى ذلك، ويدعو إلى نفسه، حتّى استمال جماعة من الوزراء والأمراء وملوك الجزيرة والجبال والعامة.
وقال أبو الفرج بن الجوزي [٥] : «قد جمعت كتابًا سمّيته «القاطع لِمُحَال اللّجاج بحال الحلاج» ، وقال: قد كان هذا الرجل يتكلّم بكلام الصّوفيّة فتندر له
стр. 11092
كلمات حِسان، ثمّ يخلطها بأشياء لَا تجوز.
وكذلك أشعاره، فقال: فمنها:
سبحان من أظهر ناسوتُهُ ... سِرَّ سَنا لاهُوتِه الثّاقبِ
ثمّ بدا في خلقِه ظاهرًا ... في صورة الآكل والشارب
حتّى لقد عايَنَهُ خَلْقُهُ ... كَلَحْظَةِ الحاجِبِ بالحاجِبِ
[١] .
قال: ولمّا حبس ببغداد استغوى جماعةً، فكانوا يستنشقون بوله، ويقولون: إنّه يُحيي الموتى [٢] .
وقال ثابت بن سنان: انتهى إلى حامد بن العبّاس في وزارته أمرُ الحلاج، وأنّه قد موَّه على جماعةٍ من الخَدَم والحَشَم وأصحاب المقتدر، وعلى خَدَم نصر بن الحاجب بأنّه يُحْيِي الموتى، وأنّ الْجِنّ يخدمونه ويُحْضرون إليه ما يريد [٣] . وأنّ حَمْد بن محمد الكاتب قال: إنّه مرض فشربَ بَوْلَه، فعُوفي، وكان محبوسًا بدار الخلافة.
وَسُعِيَ إلى حامد برجل يُعرف بالسّمّريّ وبجماعة، فقبض عليهم وناظرهم، فاعترفوا أنّ الحلاج إله وأنّه يُحْيِي الموتى. ووافقوا الحلاج وكاشفوه فأنكر [٤] .
وكانت ابنة السمّريّ صاحب الحلاج قد أقامت عنده في دار السّلطان مدّة، وكانت عاقلة حسنة العبارة. فدعاها حامد فسألها عن أمره فقالت: قال لي يومًا: قد زوّجْتُك من سليمان ابني وهو بنَيْسابور، وليس يخلو أن يقع بين المرأة وزوجها [خلاف] [٥] ، فإنْ جرى منه ما تكرهينه، فصومي يومك، واصعدي آخر
стр. 11093
النّهار إلى السطح، وقومي على الرماد، وأَفْطري على المِلْح، وأذكُري ما أنكرتيه منه، فإنّي أسمع وأرى [١] .
قالت: وكنتُ نائمةً لَيْلَةٍ وهو قريب منّي، وابنته عندي، فما حسست به إلّا وقد غشيَني، فانتبهتُ فَزعةً فقلت: ما لك؟
قال: إنّما جئت لأوقظك للصّلاة [٢] .
وقالت لي بنته يومًا: اسجدي له.
فقلت: أَوَ يسجد أحدُ لغير الله؟ وهو يسمع كلامنا، فقال: نعم إله في السّماء وإلهُ في الأرض [٣] .
وذكر القصّة إلى أن قال: فسلّمه حامد الوزير إلى صاحب الشرّطة وقال:
اضربه ألف سَوْط، فإنْ ماتَ فحُزّ رأسه وأحرِق جثَّته، وإنْ لم يتلف فاقطع يديه ورجليه، وأحرق جسده، وانصب رأسه على الْجِسْر. فَفُعِلَ به ذلك، وبعث برأسه إلى خُراسان، وطيف به، وأقبل أصحابه يعدّون أربعين يومًا ينتظرون رجوعه [٤] .
وزعم بعضهم أنّه لم يُقْتَلْ، وأنّ عدوًا له ألقي عليه شبهة [٥] .
وبعضهم ادَّعى أنّه راه في غد ذلك اليوم في طريق النّهْروان راكبًا على حمار وهو يقول: قولوا لهؤلاء البقر الّذين ظنُّوا أنّني أنا الّذي قتلت ما أنا ذاك [٦] .
стр. 11094
وأحضر حامد الورّاقين واستحلفهم أن لَا يبيعوا شيئًا من كُتُب الحلاج ولا يشترونها [١] .
وقيل: إنّ الحلاج لم يتأوه في ضربه [٢] .
وقيل: إنّ يده لمّا قطعت كتبَ الدّم على الأرض: الله الله [٣] وليس ذلك بصحيح.
وسائر مشايخ الصُّوفيّة ذمّوا الحلاج إلّا ابن عطاء، ومحمد بن خفيف الشِّيرازيّ، وإبراهيم بن محمد النَّصْراباذيّ، فصححّوا حاله ودوّنوا كلامه [٤] .
ثمّ وقفت على الجزء الّذي جمعه ابن باكُوَيْه في الحلاج فقال: حدَّثني حمد بن الحلاج، وذكر فصلًا قد تقدم قطعة منه، إلى أن قال: حتى أخذه السّلطان وحبَسه، فذهب نصر القُشُوريّ واستأذن الخليفة أن يبني له بيتًا في الحبْس، فبنى له دارًا صغيرة بجنْب الحبْس، وسدّوا باب الدّار، وعملوا حواليه سُورًا، وفتحوا بابه إلى الحبْس، وكان الناس يدخلون عليه سنة، ثمّ مُنِعوا، فبقي خمسة أشهر لَا يدخل عليه أحد، إلا مرة رأيت أبا العباس بن عطاء الأدميّ دخل عليه بالحيلة. ورأيت مرّةً أبا عبد الله عبد الله بن خفيف وأنا برًّا [٥] عند والدي باللّيل والنّهار عنده. ثمّ حبسوني معه شهرين، وعُمَري يومئذٍ ثمانية عشر عامًا.
فلمّا كانت اللّيلة الّتي أخرج من صبيحتها، قام فصلّى رَكعات، ثمّ لم يزل يقول: مَكْر مَكْر، إلى أن مضى أكثر اللّيل. ثمّ سكت طويلًا ثم قال: حقّ، حقّ. ثمّ قام قائمًا، وتغطّى بإزارٍ، واتّزر بمئزر، ومدّ يديه نحو القِبْلة، وأخذ في المُنَاجاة. وكان خادمه حاضرًا، فحفظْنا بعضها. فكان من مناجاته:
نحن شواهدك، نَلُوُذ بَسَنا [٦] عِزَّتك، لَتُبْدِي ما شئتَ من شأنك ومشيئتك،
стр. 11095
أنتَ الّذي في السّماء إله وفي الأرض إله، يا مُدَهّر الدُّهور، ومصوَّر الصُّوَر، يا من ذَلّتْ له الجواهر، وسجدت له الأعراض، وانعقدت بأمره الأجسام، وتصوَّرت عنده الأحكام. يا مَن تجلّى لما شاء، كما شاء، كيف شاء، مثل التجلّي في المشيئة لأحسن الصُّورة.
وفي نسخة: مثل تجلّيك في مشيئتك كأحسن صورة.
والصّورة هي الرّوح النّاطقة الّتي أفردته بالعلم والبيان والقدرة.
ثمّ أوعزت إلى شاهدتك [لأنّي] في ذلك [الهُويّ] [١] اليسير لمّا أردت بدايتي، وأظهرتني عند عقيب كراتي، ودعوت إلى ذاتي بذاتي، [وأبديت] [٢] حقائق علومي ومعجزاتي، صاعدًا في مَعَارجي إلى عُروش أوليائي [٣] ، عند القول من برياتي، إنّي أحتضر وَأُقْتَلُ وأُصلب وأُحرق، وأُحمل على السّافيات الذّاريات. وإنّ الذَّرّة من [ينجوج] [٤] مظَانّ هيكل [متجلّياتي] [٥] لأعظم من الرّاسيات.
ثم أنشأ يقول:
أنْعى إليك [نفوسًا] [٦] ماج [٧] شاهدها فيما وراء الغيب وفي [٨] شاهد القِدَم.
أنْعى إليك قلوبًا [٩] طالما هطلت ... سحائب الْوحْيِ لها أو بحر الْحِكَمِ [١٠]
أنْعى إليك لسان الحقّ من [١١] زمن ... أوْدَى وتَذْكَارُهُ في الوهم كالعدم [١٢]
стр. 11096
أنْعى إليك بيانًا تستبشر [١] له ... أقوال كلِّ فصحٍ مَقُول فَهم
أنْعى إليك إشارات العُقول معًا ... لم يَبْق مِنْهنّ الّا دارسُ الْعِلْمَ [٢] .
أنْعى- وحقَّك- أحلامًا [٣] لطائفةٍ ... كانت مطاياهم من مكمد الكِظَمِ
مضى الجميعُ، فلا عَيْنُ ولا أثرُ ... مُضِيّ عادٍ وفِقْدَانَ الأُولَى إرَم
وخلفوا معشرًا يَجْدُون [لِبستَهم] [٤] ... أعمى من البَهْم بل أعمى من النَّعَمِ
[٥] ثم سكت، فقال خادمه أحمد بن فاتك: أوْصِني يا سيّدي.
فقال: هي نفسُك إنّ لم تَشْغلْها شَغَلتْك [٦] .
فلمّا أصبحنا أُخرج من الحبْس، فرأيته يتبخْترَ في قَيده ويقول:
نديمي غير منسوبِ [٧] .
الأبيات.
ثمّ حُمِل وقُطِّعت يداه ورِجْلاه، بعد أن ضُرِب خمسمائة سوط، ثم صُلب، فسمعته وهو على الْجِذْع يناجي ويقول: إلهي، أصبحتُ في دار الرّغائب انظر إلى العجائب، إلهي إنّك تتودّد إلى مَن يؤذيك، فكيف لَا تتودّد إلى من لَا يؤذَى فيك [٨] .
ثمّ رأيتُ أبا بكر الشِّبْليّ وقد تقدَّم تحت الْجِذْع، وصاح بأعلى صوته يقول: أَوَلم أَنْهَكَ عن العالَمين [٩] .
ثمّ قال له: ما التَّصوّف؟ قال: أهون مرقاةٍ عندي [١٠] ما ترى.
стр. 11097
قال: فما أعلاه؟ قال: ليس لك إليه سبيل، ولكنْ سترى غدًا ما يجري، فإنّ في الغَيْب ما شهدتَه وغابَ عنك.
فلمّا كان بالعِشيّ جاء الإذْن من الخليفة بأن تُضرب رَقَبَتُه، فقالوا: قد أمسينا ويؤخّر إلى الغَداة. فلمّا أصبحنا أُنْزل وقُدِّم لتُضْرب رقبته، فسمعتُه يصيح ويقول بأعلى صوته: حَسْب الواحِد إفرادُ الواحد له [١] . وقرأ هذه الآية:
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ ٤٢: ١٨ [٢] . وهذا آخر كلامه.
ثم ضُربت رَقَبَتُه، وعُلِّق في بارية [٣] ، وصب عليه النِّفْط وأُحْرِق، وحُمل رماده إلى رأس المنارة لتسْفيه الرّياح [٤] .
وسمعت أحمد بن فاتك تلميذ والدي يقول بعد ثلاثٍ من قتل والدي، قال: رأيتُ ربّ العزّة في المنام، وكأنّي واقفُ بين يديه قلت: يا ربّ ما فعلَ الحسين بن منصور؟
قال: كاشفته بمعنى، فدعا الخلْقَ إلى نفسه، أنزلتُ به ما رأيت [٥] .
قال ابن باكُوَيْه: سمعتُ أبا القاسم يوسف بن يعقوب النُّعْمَانيّ يقول:
سمعت الإمام ابن الإمام أبا بكر محمد بن داود الفقيه الإصبهانيّ يقول: إن كان ما أنزل الله على نيّته حقّ فما يقول الحلاج باطل. وكان شديدًا عليه [٦] .
قال: وسمعت أبا الفوارس الْجُوزَقانيّ بقَرْمِيسِين: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: من أحب أن ينظر إلى ثمرات الدّعاوى فلينظر إلى الحلّاج وما جرى عليه [٧] .
стр. 11098
سمعتُ عيسى القَزْوينيّ سأل أبا عبد الله بن خفيف: ما تعتقدون في الحلاج؟
فقال: اعتقد فيه أنّه رجل من المسلمين فقط.
فقال له: قد كفّره المشايخ وأكثر المسلمين! فقال: إن كان الّذي رأيته منه في الحبْس لم يكن توحيدًا، فليس في الدّنيا توحيد.
قلت: قول ابن خفيف لَا يدّل على شيء، فإنّه لَا يلزم أنّ المبطِل لَا يعمل بالحقّ، بل قد يكون سائر عمله حقّ وعلى الحقّ، ويكفر بفِعْلةٍ واحدة، أو بكلمة تحُبِط عمله.
قال ابن باكُوَيْه: سمعت عليّ بن الحسن الفارسيّ بالمَوْصل قال:
سمعت أبا بكر بن [أبي] سَعْدان يقول: قال لي الحسين بن منصور: تؤمن بي، حتّى أبعث إليك بعُصْفورة تطرح من ذرَقها وزن حبّةٍ على كذا مَنًّا من نُحاس، فيصير ذَهَبًا؟
قلت: بل أنت تؤمن بيَ حتّى أبعث إليك بفيلٍ يستلقي، فتصير قوائمه في السّماء، فإذا أردت أن تُخفيه أخفَيتَه في عينك؟
قال: فبهُت وسكت [١] .
ثم قال ابن [أبي] سعدان: هو مُمَوّه مُشَعْوِذ [٢] . سمعت عيسى بن بزول القَزوينيّ، وسأل أبا عبد الله هذه الأبيات:
سبحان من أظهر ناسوتُهُ [٣] .
الأبيات الثلاثة، فقال ابن خفيف: على قائلها لعنة الله. فقال عيسى: هي للحلاج. فقال: إن كانت اعتقاده فهو كافر، الّا أنّه لم يصح أنّه له، ربّما يكون مقولا عليه [٤] .
стр. 11099
سمعتُ محمد بن عليّ الحضرمي بالنّيل يقول: سمعتُ والدي يقول:
كنتُ جالسًا عند الْجُنَيْد، إذ ورد شابُّ حَسَن الوجه، عليه خِرْقتان، فسلّم وجلس ساعةً، ثمّ أقبل عليه الْجُنَيْد فقال: سل ما تريد.
فقال: ما الذي بائن الخليفة عن رسوم الطَّبْع؟
فقال الْجُنَيْد: أرى في كلامك فضولًا، لِم لَا تسأل عمّا في ضميرك من الخروج والتّقدّم على أبناء جنسك؟
فسكت، وسكت الْجُنَيْد ساعةً، ثمّ أشار إلى أبي محمد الجريريّ أنْ قمْ، فقمنا، وتأخّرنا قليلًا، فأقبل الْجُنَيْد يتكلّم عليه، وأقبل هو يعارضه، إلى أن قال:
أيّ خشبة تُفْسِد؟
فبكى وقام، فتبِعه الجريريّ إلى أن خرج إلى مقبرةٍ وجلس، فقال لي أبو محمد الجريريّ: قلت في نفسي: هو في حدّة شبابه واستوحش منّا، وربّما به فاقة. فقصدتُ صديقًا لي فقلت: اشترِ خُبزا وشِواءً وفالوذج بسُكَّر، واحمله إلى موضع كذا وكذا، مع ثلّجية ماء وخلال، وقليل أشنان. وبادرت إليه، فسلّمت وجلست عنده، وكان قد جعل رأسه بين رُكبتيه، فرفع رأسه وانزعج، وجلس بين يديّ، وأخذتُ أُلاطفه وأداريه إلى أن جاء صديقي. ثمّ قلتُ له: تفضّل.
فمدّ يده وأكل قليلًا.
ثمّ قلت له: من أين القصد ومن أين القصر؟
قال: من البيضاء، إلّا أنيّ رُبيت بخوزسْتان والبصرة.
فقلت: ما الاسم؟
قال: الحسين بن منصور.
وقمتُ وودَّعته، ومضى على هذا خمسُ وأربعون سنة، ثمّ سمعت أنّه صُلِب وفُعِل به ما فُعِل.
وقد ذكره السُّلَميّ في تاريخه، ثمّ قال: فهذه أطراف ممّا قال المشايخ فيه من قبولٍ وردٍ، واللَّه أعلم بما كان عليه. وهو إلى الرّدّ أقرب.
وقد هتك الخطيب حال الحلاج في «تاريخه الكبير» ، وشفى وأوضح أنّه
стр. 11100
كان ساحرا مموّها سيّئ الاعتقاد.
فصل من ألفاظه
عليك بنفسك، إن لم تشغلها بالحقّ، شَغَلَتْكَ عن الحقّ [١] .
وقيل إنّه لمّا صلب، يعني سنة إحدى وثلاثمائة، قال: يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ ٤٢: ١٨ [٢] .
وقال: حجبهم الاسم فعاشوا، ولو أبرز لهم علوم القُدرة لطاشوا، ولو كشف لهم عن الحقائق لماتوا.
وقال: علامة العارف أن يكون فارغًا من الدّنيا والآخرة.
قيل: هذا كلام نجس، لأنّ الله تعالى يقول: وَمن أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها ١٧: ١٩ [٣] الآية.
وقال: لأَفْضَلُ الأمّة الصّحابة وهم الصّحابة. مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخرة، فهو واللَّه مدّعٍ فشّار وأحمق بطّال، بل مُريد للدّنيا والآخرة.
وكتبَ الحلاج مرةً إلى أبي العبّاس بن عطاء كتابًا فيه من شِعْره:
كتبتُ ولم أكتب إليك وإنّما ... كتبتُ إلى روحي بغير كتابِ
وذاك لأنّ الروح لَا فَرْق بَيْنَها ... وبين مُحبّيها بفضْل خِطاب
فكُّلُّ كتابٍ صادرٍ منكَ واردُ ... إليكَ بلا رَدِّ الجواب جوابي
[٤] .
وله:
مُزِجَتْ روحُك في روحي كما ... تُمزُج الخمرةُ بالماء الزُّلال
فإذا مسّكَ شيءُ مَسَّني ... فإذا أنت أنا في كلّ حال
[٥]