Полный текст (24 229 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيَّ، فَقَالَ:
«اذْهَبْ فَادْخُلْ فِي الْقَوْمِ، حَتَّى تَعْلَمَ لَنَا مِنْ عِلْمِهِمْ» . فَدَخَلَ فِيهِمْ، فَمَكَثَ فِيهِمْ يَوْمًا أَوِ اثْنَيْنِ. ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فأخبره خَبَرَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: «أَلا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ» ؟ فَقَالَ عُمَرُ: كَذِبَ.
فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ: وَاللَّهِ لَئِنْ كَذَّبْتَنِي يَا عُمَرُ لَرُبَّمَا كَذَّبْتَ بِالْحَقِّ. فَقَالَ عُمَرُ: أَلا تَسْمَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ؟ فَقَالَ: «قَدْ كُنْتَ يَا عُمَرُ ضَالا فَهَدَاكَ اللَّهُ» .
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، فَسَأَلَهُ أَدْرَاعًا عِنْدَهُ، مِائَةَ دِرْعٍ، وَمَا يُصْلِحُهَا مِنْ عُدَّتِهَا. فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ. ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَائِرًا [١] . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثنا الزُّهْرِيُّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ فِي أَلْفَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، وَعَشَرَةِ آلافٍ كَانُوا مَعَهُ، فَسَارَ بِهِمْ [٢] .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ ابْنِ أُمَيَّةَ [٣] .
وَبِالإِسْنَادِ الأَوَّلِ: أَنَّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ أَقْبَلَ فِيمَنْ مَعَهُ مِمَّنْ جَمَعَ مِنْ قَبَائِلِ قَيْسٍ وَثَقِيفٍ، وَمَعَهُ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ [٤] ، شَيْخٌ كَبِيرٌ فِي شِجَارٍ [٥] لَهُ يُقَادُ بِهِ، حَتَّى
الحواشي
(٣) سيرة ابن هشام ٤/ ١٢٣.
[٤] دريد بن الصمّة: هو أبو قرّة الهوازني، واسم الصمّة: معاوية. من شعراء العرب وشجعانهم وذوي أسنانهم. عاش نحوا من مائتي سنة حتى سقط حاجباه على عينيه. وخرجت به هوازن يوم حنين تتيمّن برأيه فقتل كافرا.
انظر عنه في: المحبّر لابن حبيب ٢٩٨، الشعر والشعراء ٢/ ٦٣٥ رقم ١٧٨، المؤتلف والمختلف للآمدي ١١٤، الأغاني ١٠/ ٣، المغازي للواقدي ٣/ ٨٨٩، السمط الثمين ٣٩، المعمّرين ٢٠، أسماء المغتالين ٢٢٣، تهذيب تاريخ دمشق ٥/ ٢٢٦، الوافي بالوفيات ١٤/ ١١ رقم ١١، التذكرة السعدية ١٠٢، معجم الشعراء في لسان العرب ١٥٠ رقم ٣٤٤، خزانة الأدب للبغدادي ٤/ ٤٢٢، شعراء النصرانية ١/ ٧٥٢، الأعلام ٣/ ١٦.
[٥] الشجار: الهودج الصغير الّذي يكفي شخصا واحدا فقط، أو مركب دون الهودج مكشوف الرأس.стр. 1122
نَزَلَ النَّاسُ بِأَوْطَاسٍ [١] . فَقَالَ دُرَيْدٌ حِينَ نُزُلوِهَا فَسَمِعَ رُغَاءَ الْبَعِيرِ وَنَهِيقَ الْحَمِيرِ وَيُعَارَ [٢] الشَّاءِ وَبُكَاءَ الصَّغِيرَةِ: بِأَيِّ وَادٍ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: بِأَوْطَاسٍ. فَقَالَ: نِعْمَ مَجَالُ الْخَيْلِ، لا حَزْنٌ ضَرِسٌ، ولا سهل دهس [٣] . ما لِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ وَيُعَارَ الشَّاءِ؟ قَالُوا: سَاقَ مَالِكٌ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ فَدُعِيَ مَالِكٌ. فَقَالَ: يَا مَالِكُ، إِنَّكَ أَصْبَحْتَ رَئِيسَ قَوْمِكَ، وَإِنَّ هذا يوم كائن له ما بَعْدَهُ مِنَ الأَيَّامِ، فَمَا دَعَاكَ إِلَى أَنْ تَسُوقَ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ؟ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَجْعَلَ خَلْفَ كُلِّ رَجُلٍ أَهْلَهُ وَمَالَهُ لِيُقَاتِلَ عَنْهُمْ. فَأَنْقَضَ بِهِ [٤] دُرَيْدٌ وَقَالَ: رَاعِي ضَأْنٍ [٥] وَاللَّهِ، وَهَلْ يَرُدُّ وَجْهَ الْمُنْهَزِمِ شَيْءٌ؟ إِنَّهَا إِنْ كَانَتْ لَكَ لَمْ يَنْفَعْكَ إِلا رَجُلٌ بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْكَ فُضِحْتَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ. فَارْفَعِ الأَمْوَالَ وَالنِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ إِلَى عُلْيَا قَوْمِهِمْ وَمُمْتَنِعِ بِلادِهِمْ. ثُمَّ قَالَ دُرَيْدٌ: وَمَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلابٌ؟ فَقَالُوا: لَمْ يَحْضُرْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ. فَقَالَ: غَابَ الْحَدُّ والجدّ، فمن حضرها؟ قالوا: عمرو ابن [١٠٢ أ] عَامِرٍ، وَعَوْفُ بْنُ عَامِرٍ فَقَالَ: ذَانِكَ الْجَذَعَانِ [٦] لا يَضُرَّانِ وَلا يَنْفَعَانِ.
فَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ لِدُرَيْدٍ فِيهَا رَأْيٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ قَدْ كَبِرْتَ وَكبِرَ عِلْمُكَ، وَاللَّهِ لَتُطِيعَنَّنِي [٧] يَا مَعْشَرَ هَوَازِنَ، أَوْ لأَتْكِئَنَّ عَلَى هَذَا السَّيْفِ [٨] حَتَّى
الحواشي
(١) [١] أوطاس: واد في ديار هوازن.
[٢] اليعار: صوت الغنم أو المعزى، أو الشديد من أصوات الشاء.
[٣] الحزن: بفتح الحاء المهملة، ما غلظ من الأرض. والضرس: الأرض الخشنة. والدّهس:
المكان السهل اللين ليس برمل ولا تراب، أو هو الّذي تغيب فيه القوائم.
[٤] أنقض به: نقر بلسانه في فيه ثم صوّت في حافّتيه،. كما يزجر الدّابّة، وكل ما نقرت به فقد أنقضت به. وفي تهذيب ابن عساكر: «أنغص» .
[٥] في أوصل (ح) : «يا راعي ضأن والله» . والمثبت هو لفظ (ع) .
[٦] في الأصل، ح: ذلك الجذعان. وأثبتنا لفظ ع وهو أصح. والجذعان: مثنى جذع، وهو الشاب الحدث.
[٧] في الأصل، ح: لتطيعن. وأثبتنا لفظ ع، وبه يرد في كل المصادر التي روت هذا الخبر.
[٨] في الأصل: على سيفي هذا. وأثبتنا عبارة ع، ح. وهي كذلك في جميع مصادر الخبر.стр. 1123
يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي. فَقَالُوا: أَطَعْنَاكَ. ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ لِلنَّاسِ: إِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاكْسِرُوا جُفُونُ سُيُوفِكُمْ [١] ، ثُمَّ شُدُّوا شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ [٢] .
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ [٣] : سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ شَوَّالٍ، فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لا نُغْلَبُ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ. فَانْتَهَوْا إِلَى حُنَيْنٍ، لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوَّالٍ. وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ بِالتَّعْبِئَةِ وَوَضَعَ الأَلْوِيَةَ وَالرَّايَاتِ فِي أَهْلِهَا. وَرَكِبَ بَغْلَتَهُ وَلَبِسَ دِرْعَيْنِ وَالْمِغْفَرَ وَالْبَيْضَةَ. فَاسْتَقْبَلَهُمْ مِنْ هَوَازِنَ شَيْءٌ لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ مِنَ السَّوَادِ وَالْكَثْرَةِ، وَذَلِكَ فِي غَبَشِ الصُّبْحِ. وَخَرَجَتِ الْكَتَائِبُ مِنْ مَضِيقِ الْوَادِي وشعبه. فحملوا حملة واحدة، فانكشفت خيل بني سليم مولّية، وتبعهم أهل مكة، وَتَبِعَهُمُ النَّاسُ.
فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَا أَنْصَارَ اللَّهِ، وَأَنْصَارَ رَسُولِهِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» . وَثَبَتَ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ: عَمُّهُ الْعَبَّاسُ، وَابْنُهُ الْفَضْلُ، وَعَلِيُّ بْنُ أبي طالب، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَخُوهُ رَبِيعَةُ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَجَمَاعَةٌ [٤] .
وقال يونس، عَنِ ابن إِسْحَاق: حدّثني أُمَيّة بْن عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن عُثْمَانَ، أَنَّهُ حُدِّث أنّ مالك بْن عَوْفُ بعث عُيونًا، فأتوه وقد تقطّعت أَوْصالهم.
فقال: ويلكم، ما شأنكم؟ فقالوا: أتانا رجالٌ بيض على خيل بلق، فو الله ما تماسَكْنا أنَّ أَصابنا ما ترى. فما ردَّه ذَلِكَ عَنْ وجهه أَن مضى عَلَى ما يريد [٥] .
منقطع.
الحواشي
(١) [١] جفن السيف: غمده.
[٢] تهذيب تاريخ دمشق ٥/ ٢٢٩، ٢٣٠، تاريخ الطبري ٣/ ٧١، ٧٢، الأغاني ١٠/ ١٠، ٣١، سيرة ابن هشام ٤/ ١٢٢، نهاية الأرب ١٧/ ٣٢٤، ٣٢٥، معجم البلدان ١/ ٢٨١.
[٣] المغازي (٣/ ٨٨٩ وما بعدها) .
[٤] انظر سيرة ابن هشام ٤/ ١٢٤، الطبري ٣/ ٧٤، المغازي لعروة ٢١٥، طبقات ابن سعد ٢/ ١٥٠، ١٥١ نهاية الأرب ١٧/ ٣٢٨.
[٥] المغازي للواقدي ٣/ ٨٩٢، تاريخ الطبري ٣/ ٨٢، سيرة ابن هشام ٤/ ١٢٢.стр. 1124
وعن الربيع بْن أَنَس، أنّ رجلًا قَالَ: لن نُغَلب من قلّة. فشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النّبيّ ﷺ ، ونزلت وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ٩: ٢٥ [١] .
وقال معاوية بن سلام، عن زيد بن سَلامٍ، سَمِعَ أَبَا سَلامٍ [٢] يَقُولُ:
حَدَّثَنِي السَّلُولِيُّ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ سَهْلُ بْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ، أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَ عَشِيَّةً، فَحَضَرْتُ صَلاةَ الظُّهْرِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ فَارِسٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي انْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حَتَّى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذْ أَنَا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهِمْ، بِظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ وَشَائِهِمْ، اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «تِلْكَ غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟ قَالَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ: أنا يا رسول الله. قال: فاركب. فركب فَرَسًا لَهُ، وَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: «اسْتقبِلْ هَذَا الشّعب حتى تكون في أعلاه، ولا تغرّنّ [٣] مِنْ قِبَلِكَ اللَّيْلَةَ» .
فَلَمَّا أَصْبَحْنَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مُصَلاهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ:
أَحْسَسْتُمْ فَارِسَكُمْ؟ قَالُوا: يا رسول الله، لا. فثوّب بالصلاة [١٠٢ ب] فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَيَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ، حَتَّى إِذَا قَضَى صَلاتَهُ وَسَلَّمَ قَالَ:
«أَبْشِرْوا، فَقَدْ جَاءَ فَارِسُكُمْ» . فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى خِلالِ الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال: إِنِّي كُنْتُ انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ اطَّلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . هَلْ نَزَلْتَ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: لا، إِلا مُصَلِّيًا أَوْ قَاضِيَ حَاجَةٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قد
الحواشي
(١) [١] سورة التوبة- الآية ٢٥.
[٢] في الأصل «سمع سلام أبا سلام» ، والتصحيح من ع، ح، وسنن أبي داود.
[٣] لا تغرّنّ: لا تؤخذ على غرّة.стр. 1125
أَوْجَبْتَ [١] ، فَلا عَلَيْكَ أَنْ لا تَعْمَلَ بَعْدَهَا» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ [٢] . وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ بِمَنْ مَعَهُ إِلَى حُنَيْنٍ، فَسَبَقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهَا، فَأَعَدُّوا وَتَهَيَّئُوا فِي مَضَايِقِ الْوَادِي وَأَحْنَائِهِ. وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَانْحَطَّ بِهِمْ فِي الوادي في عماية الصبح. فلما انحطّ النَّاسُ ثَارَتْ فِي وُجُوهِهِمُ الْخَيْلُ فَشَدَّت عَلَيْهِمْ، وَانْكَفَأَ النَّاسُ مُنْهَزِمِينَ لا يُقْبِلُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ. وَانْحَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ الْيَمِينِ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا، إِنِّي أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله» . فلا ينثني [٣] أَحَدٌ. وَرَكِبَتِ الإِبِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا. فَلَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمر النَّاسِ، وَمَعُه رَهْطٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَرَهْطٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَالْعَبَّاسُ آخِذٌ بِحَكَمَةِ [٤] بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَثَبَت مَعَهُ عَلِيٌّ، وَأَبُو سُفْيَانَ، وَرَبِيعَةُ، ابْنَا الْحَارِثِ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَأَيْمَنُ بْنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وَأُسَامَةُ، وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. قَالَ: وَرَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أحمر بِيَدِهِ رَايَةٌ سَوْدَاءُ أَمَامَ هَوَازِنَ، إِذَا أَدْرَكَ النَّاسَ طَعَنَ بِرُمْحِهِ، وَإِذَا فَاتَهُ النَّاسُ رَفَعَ رُمْحَهُ لِمَنْ وَرَاءَهُ فَيَتْبَعُوهُ. فَلَمَّا انْهَزَمَ مَنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ جفاة أهل مكة، تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضّعن. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: لا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبُحُورِ. وَإِنَّ الأَزْلامَ لَمَعَهُ فِي كِنَانَتِهِ [٥] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَارَ أَبُو سُفْيَانَ إلى حنين، وإنّه ليظهر الإسلام، وإنّ الأزلام التي يستقسم بها في كنانته [٦] .
الحواشي
(٢٥٠١) .
[٣] في الأصل: «يثني» . وفي ع: «يلبي» . وأثبتنا لفظ ح.
[٤] الحكمة: ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه.
[٥] سيرة ابن هشام ٤/ ١٢٤، المغازي للواقدي ٣/ ٨٩٨، تاريخ الطبري ٣/ ٧٤.
[٦] المغازي للواقدي ٣/ ٨٩٦.стр. 1126
قَالَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَبْدَرِيُّ: الْيَوْمَ أُدْرِكُ ثَأْرِي- وَكَانَ أَبُوهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ- الْيَوْمَ أَقْتُلُ مُحَمَّدًا. قَالَ: فَأَدَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ لأَقْتُلَهُ، فَأقْبَلَ شَيْءٌ حَتَّى تَغَشَّى فُؤَادِي، فَلَمْ أُطِقْ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ [١] .
وَحَدَّثَنِي عَاصِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَأَى مِنَ النَّاسِ مَا رَأَى قَالَ: «يَا عَبَّاسُ، اصْرُخْ: يَا مَعْشرَ الأَنْصَارِ، يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ» : فَأَجَابُوهُ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ. فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَذْهَبُ لِيَعْطِفَ بَعِيرَهُ، فَلا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَقْذِفُ [٢] دِرْعَهُ مِنْ عنقه، ويؤمّ [١٠٣ أ] الصَّوْتَ، حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ مِائَةٌ. فَاسْتَعْرَضُوا النَّاسَ، فَاقْتَتَلُوا. وَكَانَتِ الدَّعْوَةُ أَوَّلَ مَا كَانَتْ لِلأَنْصَارِ، ثُمَّ جُعِلَتْ آخِرًا بِالْخَزْرَجِ، وَكَانُوا صُبُرًا عِنْدَ الْحَرْبِ، وَأَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَكَائِبِهِ، فَنَظَرَ إِلَى مُجْتَلَدِ الْقَوْمِ فقال:
«الآن حمي الوطيس» . قال: فو الله مَا رَجَعَتْ رَاجِعَةُ النَّاسِ إِلا وَالأُسَارَى عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فقتل اللَّهُ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، وَانْهَزَمَ مَنِ انْهَزَمَ مِنْهُمْ، وَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ [٣] .
وَقَالَ ابْنُ لَهْيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ [٤] . وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ:
إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ، فَخَرَجَ مَعَهُ أَهْلُ مَكَّةَ، لَمْ يَتَغَادَرْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، رُكْبَانًا وَمُشَاةً، حَتَّى خَرَجَ النِّسَاءُ مُشَاةً [٥] ، يَنْظُرُونَ وَيَرْجُونَ الْغَنَائِمَ، وَلَا يَكْرَهُونَ الصَّدْمَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عُقْبَةَ: جَعَلَ أَبُو سُفْيَانَ كُلَّمَا سَقَطَ تُرْسٌ أَوْ سَيْفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ،
الحواشي
(١) [١] سيرة ابن هشام ٤/ ١٢٤.
[٢] في الأصل: «فنفذت» . والتصحيح من ع، ح.
[٣] سيرة ابن هشام ٤/ ١٢٥، المغازي للواقدي ٣/ ٨٩٩، ٩٠٠، طبقات ابن سعد ٢/ ١٥١، تاريخ الطبري ٣/ ٧٦.
[٤] في المغازي ٢١٤.
[٥] في المغازي لعروة زيادة «على غير دين» .стр. 1127
نادى رسول الله ﷺ : أَعْطُونِيهِ أَحْمِلْهُ، حَتَّى أَوْقَرَ جَمَلَهُ.
قَالا: فَلَمَّا أَصْبَحَ الْقَوْمُ، اعْتَزَلَ أَبُو سُفْيَانَ، وَابْنُهُ مُعَاوِيَةُ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَرَاءَ تَلٍّ، يَنْظُرُونَ لِمَنْ تَكُونُ الدَّبْرَةُ [١] . وَركِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَقْبَلَ الصُّفُوفَ، فَأَمَرَهُمْ، وَحَضَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ. فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ حَمَلَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ حَمْلَةَ [٢] رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَوَلُّوا مُدْبِرِينَ. فَقَالَ حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ: لَقَدْ حَزَرْتُ مَنْ بَقِيَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَدْبَرَ النَّاسُ فَقُلْتُ مِائَةُ رَجُلٍ: وَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى صفوان فقال: أبشر بهزيمة محمد وأصحابه، فو الله لا يَجْتَبْرُونَهَا [٣] أَبَدًا. فَقَالَ: أَتُبَشِّرُنِي بِظُهُورِ الأَعْرَابِ؟ فو الله لَرَبٌّ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رَبًّ مِنَ الأَعْرَابِ. ثُمَّ بَعَثَ غُلامًا لَهُ فَقَالَ: اسْمَعْ لِمَنِ الشِّعَارُ؟ فَجَاءَهُ الْغُلامُ فَقَالَ: سَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ: يَا بَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، [يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ] [٤] ، يَا بَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ. فَقَالَ: ظَهَرَ مُحَمَّدٌ. وَكَانَ ذَلِكَ شِعَارَهُمْ فِي الْحَرْبِ. وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا غَشِيَهُ الْقِتَالُ قَامَ فِي الرِّكَابَيْنِ، وَيَقُولُونَ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَدْعُوهُ، يَقُولُ: «اللَّهمّ إِنِّي أَنْشُدُكَ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهمّ لا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَظْهَرُوا عَلَيْنَا» . وَنَادَى أَصْحَابَهُ: «يَا أَصْحَابَ الْبَيْعَةِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، اللَّهَ اللَّهَ، الْكَرَّةَ عَلَى نَبِيِّكُمْ» . وَيُقَالُ قَالَ: «يَا أَنْصَارَ اللَّهِ وَأَنْصَارَ رَسُولِهِ، يَا بَنِي الْخَزْرَجِ» [٥] . وَأَمَرَ مَنْ يُنَادِيهِمْ بِذَلِكَ. وَقَبَضَ قَبْضَةً مِنَ الْحَصْبَاءِ فَحَصَبَ بِهَا وُجُوهَ الْمُشْرِكِينَ، وَنَواصِيَهُمْ كُلَّهَا. وَقَالَ: «شَاهَتِ الْوُجُوهُ» . وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ سِرَاعًا، وَهَزَمَ الله المشركين. وفرّ مالك بن عوف
الحواشي
(١) [١] في المغازي لعروة «الدائرة» .
[٢] في الأصل «حمل» ، والمثبت من نسختي: ع، ح.
[٣] في الأصل، ح: «يحتبرونها» ، وفي ع: «يختبرونها» . ولعل الوجه ما أثبتناه، أخذا عن لفظ المقريزي في الإمتاع: والله لا يجتبرها محمد وأصحابه أبدا. من جبر الكسر والمصيبة وغيرهما، واجتبر الشيء أصلح أمره وأقامه.
[٤] سقطت من الأصل، وزدناها من ع، ح. ومغازي عروة.
[٥] في مغازي عروة زيادة «يا أصحاب سورة البقرة» .стр. 1128
حَتَّى دَخَلَ حِصْنَ الطَّائِفِ فِي نَاسٍ مِنْ قومه.
وأسلم حينئذ ناس كثير مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، حِينَ رَأَوْا نَصْرَ اللَّهِ رسوله.
مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُقْبَةَ [١] . وَلَيْسَ عِنْدَ عُرْوَةَ قِيَامُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرِّكابَيْنِ [٢] ، وَلا قَوْلُهُ: يَا أَنْصَارَ اللَّهِ.
وقال شعبة: عن أبي إسحاق، سمع البراء، وقال له رجل: يا أبا عمارة، [١٠٣ ب] أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَفِرَّ. إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا رُماةً، فَلَمَّا لَقَيْنَاهُمْ وَحَمَلْنَا عَلَيْهِمْ انْهَزَمُوا، فَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَى الْغَنَائِمِ، فَاسْتُقْبِلُوا بِالسِّهَامِ، فَانْهَزَمَ النَّاسُ. فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وأبو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ:
أَنَا النّبيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٣] .
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [٤] وَمُسْلِمٌ [٥] . مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. وَفِيهِ: وَلَكِنْ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ كثير سلاح، فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم. وزاد فيه مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: اللَّهمّ نَزِّلْ نَصْرَكَ. قَالَ: وكنا إذا
الحواشي
(١٧٣٨) باب ما جاء في الثبات عند القتال، وأحمد في المسند ٤/ ٢٨٠ و ٢٨١ و ٢٨٩ و ٣٠٤.
[٤] في كتاب الجهاد والسير (٣/ ٢٣٣) باب من صفّ أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابّته واستنصر.
[٥] في كتاب الجهاد والسير (٨٠/ ١٧٧٦) باب في غزوة حنين.стр. 1129
حَمِيَ [١] الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ ﷺ .
وَقَالَ هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، أَخْبَرَنِي سِيَابَةُ بْنُ عَاصِمٍ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: «أَنَا ابْنُ الْعَوَاتِكِ» [٢] . وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ: «أَنَا ابْنُ الْعَوَاتِكِ» . وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: قَالَ الْعَبَّاسُ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَزِمْتُهُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، أَهْدَاهَا لَهُ فروة ابن نُفَاثَةَ الْجُذَامِيُّ. فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ، وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ.
فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِهَا، أُكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيْ عَبَّاسُ، نَادِ أَصْحَابَ السّمرة [٣] . فقال عباس- وكان رجلا صيّتا- فقلت بأعلى صوتي:
أيّ [٤] أصحاب السّمرة. قال: فو الله، لَكَأَنَّمَا عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي، عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلادِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَاهُ، يَا لَبَّيْكَاهُ [٥] . فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَالْكُفَّارُ، وَالدَّعْوَةُ فِي الأَنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ. ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَقَالُوا: يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ، كالمتطاول
الحواشي
(١) [١] في صحيح مسلم «إذا احمرّ» ، والمثبت عن الأصل وبقية النسخ.
[٢] العواتك: جمع عاتكة اسم علم للأنثى منقول من الصفات. والعاتكة المرأة المحمّرة من الطيب أو هي المصفّرة من الزعفران.
[٣] السمرة: هي الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان.
[٤] كذا في النسخ الثلاث، ولفظ مسلم: «أين» .
[٥] عند مسلم: «يا لبّيك يا لبّيك» .стр. 1130
عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ فَقَالَ: «هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ» ، ثُمَّ أَخَذَ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ. ثُمَّ قَالَ: «انْهَزِمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ» . فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ، فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أرى، فو الله مَا هُوَ إِلا أَنْ رَمَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلا وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [١] . وَرَوَى مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ كَثِيرٍ، نَحْوَهُ، لَكِنْ قَالَ: فَرْوَةُ بْنُ نُعَامَةَ الْجُذَامِيُّ، وَقَالَ: «انهزموا وربّ الكعبة» [٢] . وقال [١٠٤ أ] عكرمة بن عمار: حدثني إياس بن سلمة، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَلَمَّا وَاجَهْنَا العدوّ، تقدّمت فأعلو ثَنِيَّةً فَأَسْتَقْبِلُ رَجُلًا مِنَ الْعَدُوِّ فَأَرْمِيهِ بِسَهْمٍ، وَتَوَارَى عَنِّي، فَمَا دَريْتُ مَا صَنَعَ. ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى الْقَوْمِ، فَإِذَا هُمْ قَدْ طَلَعُوا مِنْ ثَنِيَّةٍ أُخْرَى، [فَالْتَقَوْا] [٣] هُمْ وَالْمُسْلِمُونَ، فَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ، فَأَرْجِعُ مُنْهَزِمًا، وَعَلَيَّ بُرْدَتَانِ مُؤْتَزِرًا بِإِحْدَاهُمَا، مُرْتَدِيًا [٤] بِالْأُخْرَى. وَمَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْهَزِمًا وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَى ابْنُ الَأَكْوَعِ فَزَعًا. فَلَمَّا غَشَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ عَنِ [٥] الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ. ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقَالَ:
«شَاهَتِ الْوُجُوهُ» . فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا مِنْ تِلْكَ الْقَبْضَةِ. فَوَلُّوا مُدْبِرِينَ. وَقَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٦] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي مُسْنَدِهِ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ
الحواشي
(١) [١] صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين (٧٦/ ١٧٧٥) .
[٢] صحيح مسلم (٧٧/ ١٧٧٥) .
[٣] سقطت من الأصل، واستدركناها من نسختي: ع، ح، وصحيح مسلم.
[٤] في الأصل «مرتد بالآخر» ، وفي نسختي: ع، ح «مرتد بالأخرى» . والمثبت من صحيح مسلم.
[٥] في النسخ الثلاث «من» ، والتصحيح من صحيح مسلم.
[٦] صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير،. باب في غزوة حنين (٨١/ ١٧٧٧) .стр. 1131
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حُنَيْنٍ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَحَدَّثَنِي مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنِّي أَنَّهُ أَخَذَ حَفْنةً مِنْ تُرَابٍ، فَحَثَا بِهَا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ، وَقَالَ: «شَاهَتِ الْوُجُوهُ» . قال يعلى ابن عَطَاءٍ: فَأَخْبَرَنا أَبْنَاؤُهُمْ عَنْ آبَائِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَا بَقِيَ مِنَّا أَحَدٌ إِلا امْتَلأَتْ عَيْنَاهُ وَفَمُهُ مِنَ التُّرَابِ. وَسَمِعْنَا صَلْصَلَةً مِنَ السَّمَاءِ كَمَرِّ الْحَدِيدِ عَلَى الطَّسْتِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ [١] .
وَقَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، ثنا الْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يوم حُنَيْنٍ، فَوَلَّى عَنْهُ النَّاسُ، وَبَقِيتُ مَعَهُ فِي ثَمَانِينَ رَجُلا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ. قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ يَمْضِي قدما، فحادت الْبَغْلَةَ فَمَالَ عَنِ السَّرْجِ، فَشَدَّهُ نَحْوَهُ، فَقُلْتُ: ارْتَفِعْ، رَفَعَكَ اللَّهُ. قَالَ: «نَاوِلْنِي كَفًّا مِنْ تُرَابٍ» . فَنَاوَلْتُهُ، فَضَرَبَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَامْتَلأَتْ أَعْيُنُهُمْ ترابا. قال: «أين المهاجرون والأنصار» ؟ قلت: هم هاهنا. قَالَ:
«اهْتِفْ بِهِمْ» . فَهَتَفْتُ بِهِمْ، فَجَاءُوا وَسُيُوفُهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ كَأَنَّهُمُ الشُّهُبُ وَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ أَدْبَارَهُمْ [٢] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ [٣] : ثنا أَبُو عَاصِمٍ، ثنا عبد الله بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِيُّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى هَوَازِنَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَقُتِلَ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ يَوْمَ حُنَيْنٍ مِثْلُ مَنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ. وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ فَرَمَى بِهِ وُجُوهَنَا، فانهزمنا.
الحواشي
(١) [١] منحة المعبود: كتاب السيرة النبويّة، باب غزوة هوازن يوم حنين (٢/ ١٠٧) ، وأخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٢٢، وابن سعد في الطبقات ٢/ ١٥٦.
[٢] رواه أحمد في المسند ١/ ٤٥٣، ٤٥٤.
[٣] التاريخ الكبير ٤/ ١٩.стр. 1132
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ: ثنا عَوْفٌ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَوْلَى أُمِّ بُرْثُنٍ، عَمَّنْ شَهِدَ حُنَيْنًا كَافِرًا، قَالَ: لَمَّا الْتَقَيْنَا وَالْمُسْلِمُونَ لَمْ يَقُومُوا لَنَا حَلْبَ شَاةٍ [١] ، فَجِئْنَا نَهُشُّ سُيُوفَنَا بين [١٠٤ ب] يدي رَسُول اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا غَشِينَاهُ إِذَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ رِجَالٌ حِسَانُ الْوُجُوهِ، فَقَالُوا: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، فَارْجِعُوا. فَهُزِمْنَا مِنْ ذَلِكَ الْكَلامِ. [إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ] [٢] .
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَغَيْرُهُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: لَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَدْ عَرِيَ [٣] ، ذَكَرْتُ أَبِي وَعَمِّي وَقَتْلَ عَلِيٍّ وَحَمْزَةَ إِيَّاهُمَا. فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أُدْرِكُ ثَأْرِي مِنْ مُحَمَّدٍ. فَذَهَبْتُ لأَجِيئَهُ عَنْ يَمِينِهِ، فَإِذَا أَنَا بِالْعَبَّاسِ قَائِمٌ، عَلَيْهِ دِرْعٌ بَيْضَاءُ كَأَنَّهَا فِضَّةٌ يَكْشِفُ عَنْهَا الْعَجَاجُ، فَقُلْتُ عَمُّهُ وَلَنْ يَخْذُلَهُ. قَالَ: ثُمَّ جِئْتُهُ عَنْ يَسَارِهِ، فَإِذَا أَنَا بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ، فَقُلْتُ ابْنُ عَمِّهِ وَلَنْ يَخْذُلَهُ.
قَالَ: ثُمَّ جِئْتُهُ مِنْ خَلْفِهِ فَلَمْ يَبْقَ إِلا أَنْ أُسَوِّرَهُ سَوْرَةً بِالسَّيْفِ، إِذْ رُفِعَ لِي شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ كَأَنَّهُ بَرْقٌ، فَخِفْتُ يَمْحَشُنِي [٤] ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى بَصَرِي وَمَشَيْتُ الْقَهْقَرَى. وَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «يا شيب [٥] » يَا شَيْبُ، ادْنُ مِنِّي، اللَّهمّ أَذْهِبْ عَنْهُ الشَّيْطَانَ» . فَرَجَّعْتُ إِلَيْهِ بَصَرِي، فَلَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سَمْعِي وَبَصَرِي. وَقَالَ: «يَا شَيْبُ، قَاتِلِ الْكُفَّارَ» . غَرِيبٌ جِدًّا [٦] . وَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ جَابِرٍ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُصْعَبِ [٧] بْنِ شيبة، عن
الحواشي
(١) [١] لم يقوموا لنا حلب شاة: أي لم يصمدوا للقتال مقدار ما يستغرقه حلب الشاة من الوقت.
[٢] زيادة من ح. وانظر: المغازي للواقدي ٣/ ٩٠٦.
[٣] في الأصل: «غزي» . والتصحيح من ع، ح. وعري: انكشف.
[٤] محشه وأمحشه: يحرقه.
[٥] في الأصل: «يا شبيب» . والمثبت من ح. وشيب: مرخّم شيبة.
[٦] أخرجه ابن عساكر، انظر: تهذيب تاريخ دمشق ٦/ ٣٥٠، والمغازي للواقدي ٣/ ٩٠٩، ٩١٠.
[٧] في الأصل، ع: «منصور بن شيبة» . والتصحيح من (ح) ومن ترجمته في تهذيب التهذيب (١٠/ ١٦٢) .стр. 1133
أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاللَّهِ مَا أَخْرَجَنِي إِسْلامٌ، وَلَكِنْ أَنِفْتُ أَنْ تَظْهَرَ هَوَازِنُ عَلَى قُرَيْشٍ. فَقُلْتُ وَأَنَا وَاقِفٌ مَعَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى خَيْلا بُلْقًا. قَالَ: «يَا شَيْبَةُ، إِنَّهُ لا يَرَاهَا إِلا كَافِرٌ» . فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهمّ اهْدِ شَيْبَةَ» ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًا، حَتَّى مَا كَانَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وقال ابن إِسْحَاق: وقال مالك بْن عَوْفُ، يذكر مَسيرهم بعد إسلامه:
اذْكُرْ مَسِيرَهُمُ للنَّاس إِذْ جَمَعُوا ... ومَالِكٌ فَوْقَهُ الرَّايَاتُ تَخْتَفقُ
ومالك مالِكٌ ما فَوْقَه أحدٌ ... يَوْمَيْ حُنَيْنٍ عَلَيْه التَّاجُ يأْتَلِق
حَتَّى لَقُوا النَّاسَ خَيْرَ النَّاسِ يَقْدُمُهُمْ ... عَلَيْهِمُ البَيْضُ والأَبْدَانُ والدَّرَق
فضَارَبُوا النَّاسَ حتّى لَمْ يَرَوْا أَحَدًا ... حَوْلَ النَّبِيِّ وَحَتَّى جَنَّهُ الغَسَق
حَتَّى تَنَزَّل جِبْريلٌ بِنَصْرِهمُ ... فَالْقَوْمُ مُنْهَزِمٌ مِنْهُمْ وَمُعْتَنَق
مِنَّا وَلَوْ غَيْرُ جبريل يقاتلنا ... لمنعتنا إذا أسيافنا الغلق
وقد وفى عمر الْفَارُوقُ إِذْ هُزِمُوا ... بِطَعْنَةٍ بَلَّ مِنْها سرجه العلق [١]
وقال مالك، في الموطّأ [٢] ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَة، عَنْ أَبِي قَتَادَة، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ. قَالَ: فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا [١٠٥ أ] رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَدَرْتُ لَهُ فَضَرَبْتُه بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عاتِقِهِ [٣] ، فَأَقْبَلَ عَلِيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ. ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي. فَأَدْرَكْتُ عُمَرَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ.
ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا. وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ
الحواشي
(١) [١] في الأصل: «بل منه بسرجه» . والتصحيح من ح. وفي هامش ح: «العلق الدم الغليظ» .
وانظر الأبيات في سيرة ابن هشام (٤/ ١٣٧) باختلاف يسير في بعض الألفاظ.
[٢] كتاب الجهاد، ما جاء في السلب في النفل- ص ٣٠١ رقم ٩٨١.
[٣] ما بين العنق والكتف.стр. 1134
فَلَهُ سَلَبُه» . فَقُمْتُ ثُمَّ قُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ. ثُمَّ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ قتيلا له عليه بينة فله سلبه» . فقمت ثُمَّ قُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي. ثُمَّ الثَّالِثَةَ، فَقُمْتُ، فَقَالَ: «مَالَكَ يَا أَبَا قَتَادَة؟» فَاقْتصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدي، فَأَرْضِهِ مِنْهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَاهَا اللَّهِ ذَا [١] ، يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ، فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صدق، فأعطه إيّاه» .
فأعطانيه. فبعث الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا [٢] فِي بَنِي سَلَمَةَ. فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأثَّلْتُهُ [٣] فِي الْإِسْلَامِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [٤] ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنِ الْقَعْنَبيِّ [٥] ، وَمُسْلِمٌ [٦] . وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلا فَلَهُ سَلَبُهُ» . فَقَتَلَ يَوْمَئِذٍ أَبُو طَلْحَةَ عِشْرِينَ رَجُلا وَأَخَذَ أَسْلابَهُمْ. صَحِيحٌ [٧] . وَبِهِ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَقِيَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَمَعَهَا خِنْجَرٌ، فَقَالَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، مَا هَذَا؟ قَالَتْ: أَرَدْتُ إِنْ دَنَا مِنِّي بَعْضُهُمْ أَنْ أَبْعَجَ بِهِ بَطْنَهُ. فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ . أَخْرَجَهُ مسلم [٨] .
الحواشي
(٣٠٢) : «لا هاء الله إذا، لا يعمد ... » .
[٢] المخرف: البستان من النخل، وقيل نخلة أو نخلات يسيرة إلى عشرة، وما فوق ذلك فهو بستان.
[٣] تأثل الرجل المال: اكتسبه وجمعه واتخذه لنفسه.
[٤] صحيح البخاري: كتاب فرض الخمس، باب من لم يخمّس الأسلاب ومن قتل قتيلا فله سلبه (٤/ ١١٢- ١١٣) وكتاب المغازي، باب قول الله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ٩: ٢٥ (٥/ ١٩٦) ، وأحمد في المسند ٥/ ١٢ و ٢٩٥ و ٣٠٦.
[٥] سنن أبي داود: كتاب الجهاد، باب في السلب يعطى القاتل (٢/ ٧٠ رقم ٢٧١٧) .
[٦] صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل (٤١/ ١٧٥١) .
[٧] أخرجه ابن أبي داود في الجهاد(٢٧١٨) باب في السلب يعطى القاتل، والدارميّ في السير(٤٣) .
[٨] في كتاب الجهاد والسير (١٣٤/ ١٨٠٩) باب غزوة النساء مع الرجال، وأبو داود في الجهاد(٢٧١٨) باب في السلب يعطى القاتل. وأحمد في المسند ٣/ ١٠٩ و ١٩٠ و ٢٧٩ و ٢٨٦.стр. 1135
غزوَة أوطَاس [١]
وقال شيخنا الدِّمْيَاطي [٢] فِي «السِّيرة» لَهُ: كَانَ سِيمَا الملائكة يوم حُنَين عمائم حُمْرًا قد أَرْخَوها بين أكتافهم [٣] .
وقال رَسُول اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قتل قتيلا عَلَيْهِ بيِّنة فله سلَبه» [٤] . وأمر بطلب العدوّ. فانتهى بعضهم إلى الطّائف، وبعضهم نحو نَخلة [٥] ، وَوَجَّه قوم منهم إلى أَوْطاس. فعقد النّبيّ ﷺ لأبي عامر الأَشْعَري لواءً ووجّهه فِي طلبهم، وكان معه سَلَمَةُ بْن الأَكْوَع، فانتهى إلى عَسْكرهم، فإذا هُمْ ممتنعون. فقتل أَبُو عامر منهم تسعةً مُبارزةً. ثمّ برز لَهُ العاشر مُعْلَمًا بعمامة صفراء، فضرب أَبَا عامر فقتله. واسْتَخْلَف أَبُو عامر أبا موسى الأشعريّ،
الحواشي
(١) [١] أوطاس: واد في ديار هوازن. (معجم البلدان ١/ ٢٨١) .
[٢] هو العلامة الحافظ الحجة شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف التوني الدمياطيّ الشافعيّ، مولده في آخر سنة ٦١٣ ووفاته سنة سنة ٧٠٥ هـ. ترجمته في تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٧٧) والدرر الكامنة (٣/ ٣٠) وفوات الوفيات (٢/ ٧) وشذرات الذهب (٦/ ١٢) وغيرها. وقد أشار في كشف الظنون (٢/ ١٠١٣) إلى مصنفه في مختصر السيرة النبويّة، وقال في الشذرات إنه في مجلد. و (التوني) نسبة إلى تونة وهي جزيرة قرب تنيس بمصر.
[٣] طبقات ابن سعد ٢/ ١٥١.
[٤] مرّ تخريج هذا الحديث قبل قليل.
[٥] نخلة: واد من الحجاز بينه وبين مكّة مسيرة ليلتين. (معجم البلدان ٥/ ٢٧٨) .стр. 1136
فقاتلهم. حتّى فتح اللَّه عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ [١] ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حُنَيْنٍ، بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقِيَ دُرَيْدَ ابن الصِّمَّةِ، فَقُتِلَ دُرَيْدٌ، وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ، وَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمَ، فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ، مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنَّ ذَاكَ قَاتِلِي تَرَاهُ. فَقَصَدْتُ لَهُ، فَاعْتَمَدْتُهُ، فَلَحِقْتُهُ. فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى عَنِّي ذَاهِبًا، فَاتَّبَعْتُهُ، وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَلا تَسْتَحِي؟ أَلَسْتَ عَرَبِيًّا؟
ألا تثبت؟ [١٠٥ ب] فكفّ، فالتقينا، فاختلفنا ضَرْبَتَيْنِ، أَنَا وَهُوَ، فَقَتَلْتُهُ. ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ فَقُلْتُ: قَدْ قَتَلَ اللَّهُ صَاحِبَكَ. قال: فانتزع هذا السهم.
فنزعته، فنزا منه الماء. فقال: يا بن أخي، انْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأقره منّي السلام، ثم قل له يستغفر لي. قال: واستخلفني أبو عامر على النّاس.
فمكث يَسِيرًا وَمَاتَ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٢] .
وقال ابن إِسْحَاق [٣] : وقُتل يوم حنين من ثقيف سبعون رجلًا تحت رايتهم. وانهزم المشركون، فأتوا الطائف ومعهم مالك بْن عَوْفُ. وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم نحو نَخْلَة. وتَبِعت خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ القوم، فأدرك ربيعة بْن رُفَيْع، ويقال ابن الدُّغُنَّة [٤] ، دُرَيْد بْن الصِّمَّة، فأخذ بخِطام جمله، وهو يظنّ أنّه امْرَأَة، فإذا شيخ كبير ولم يعرفه الغلام. فقال له
الحواشي
(١) [١] في الأصل «ع» : «عن بريد بن أبي بردة» ، والتصحيح من (ح) وصحيحي البخاري ومسلم.
[٢] صحيح البخاري: كتاب المغازي: باب غزاة أوطاس (٥/ ١٠١، ١٠٢) ، وصحيح مسلم:
كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين ﵄ (١٦٤/ ٢٤٩٧) .
[٣] سيرة ابن هشام ٤/ ١٣٦.
[٤] في النسخ الثلاث: «ابن لدغة» . ورواية ابن إسحاق أنه ابن الدّغنّة، وهي أمه غلبت على اسمه، ويقال اسمها لدغة: وانظر ترجمته في أسد الغابة (٢/ ٢١١) والإصابة (١/ ٥٠٧) وتجريد أسماء الصحابة (١/ ١٧٩) .стр. 1137
دُرَيد: ماذا تريد بي؟ قَالَ: أقتلك. قَالَ: ومن أنت؟ قَالَ: ربيعة بْن رُفيع السُّلَميّ. ثمّ ضربه بسيفه فلم يُغْن شيئًا. فقال: بِئْسَ مَا سَلَّحَتْك أُمُّك. خُذْ سيفي هذا من مُؤَخَّر الرَّحْل، ثمّ اضرب بِهِ، وارفع عَنِ العِظام [١] ، واخْفِض عَنِ الدِّمَاغ، فإنّي كذلك كنتُ أضرب الرجال. ثمّ إذا أتبعت أمّك فأَخْبِرْها أنّك قتلتَ دُريد بْن الصّمة، فرُبَّ يومٍ والله قد مَنَعْتُ فِيهِ نِساءَك. فقتله.
فقيل: لما ضربه ووقع تَكَشَّف، فإذا عِجَانه وبُطُون فَخِذَيْه أبيض كالقِرْطاس من ركوب الخيل أَعْراء [٢] . فلمّا رجع إلى أمّه أخبرها بقتله، فقالت: أَمَا والله لقد أَعْتق أُمَّهاتٍ لك [٣] .
وبعث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آثار من توجّه إلى أوطاس، أبا عامر الأشعريّ فرُمي بسهمٍ فقُتل. فأخذ الراية أَبُو مُوسَى فهزمهم. وزعموا أن سَلَمَةَ بْن دُرَيْد هُوَ الَّذِي رَمَى أَبَا عامرٍ بسهمٍ [٤] .
واستُشهد يوم حُنَين [٥] : أَيْمَن بْن عُبَيْد، وَلَد أمّ أيمن، مَوْلى بني هاشم.
ويَزيد بْن زَمَعَة بْن الأسْوَد الأَسَدِيّ القُرَشِيّ. وسُرَاقَة بْن حُباب [٦] بْن عَدِيّ العَجْلَانّي الأَنْصاريّ. وأبو عامرٍ عُبَيْد الأَشْعَرِيّ.
ثمّ جُمعت الغنائم، فكان عليها مَسْعَود بْن عَمْرو [٧] . وإنّما تقَسّم بعد الطَّائف.
الحواشي
(٤) سيرة ابن هشام ٤/ ١٢٨ و ١٢٩.
[٥] انظر الأسماء في المغازي لعروة ٢١٩ وفيها نقص، ومجمع الزوائد للهيثمي ٦/ ١٩٨- ١٩٠، وسيرة ابن هشام ٤/ ١٣٠، وطبقات ابن سعد ٢/ ١٥٢، وتاريخ خليفة ٨٨، ٨٩، والمغازي للواقدي ٣/ ٩٢٢.
[٦] ويقال: سراقة بن الحارث، وهي رواية ابن هشام في السيرة ٤/ ١٣٠، عن ابن إسحاق، وابن سعد في الطبقات ٢/ ١٥٢.
[٧] سيرة ابن هشام ٤/ ١٣١.стр. 1138
غزوة الطائف [١]
فَسَارَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَنْ حُنين يريد الطائف فِي شوال. وقدَّم خَالِد بْن الوليد عَلَى مقدّمته. وقد كانت ثقيف رَمُّوا حِصنهم وأدخلوا فِيهِ ما يكفيهم سَنةً. فلمّا انهزموا من أَوْطاس دخلوا الحصن وتهيّئوا للقتال [٢] .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ثم سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بلغ الطائف [١٠٦ أ] فَحَاصَرَهُمْ، وَنَادَى مُنَادِيهِ: مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ مِنْ عَبِيدِهِمْ فَهُوَ حُرٌّ.
فَاقْتَحَمَ إِلَيْهِ مِنْ حِصْنِهِمْ نفر، منهم أبو بكرة ابن مَسْرُوحٍ أَخُو زِيَادٍ مِنْ أَبِيهِ، فَأَعْتَقَهُمْ. وَدَفَعَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لِيَحْمِلَهُ. فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَلَى الْجِعْرَانَةِ [٣] . فَقَالَ: «إِنِّي معتمر» .
الحواشي
(١) [١] انظر عنها في: المغازي لعروة ٢١٦، سيرة ابن هشام ٤/ ١٤٨، المغازي للواقدي ٣/ ٩٢٢، تاريخ خليفة ٨٩، الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ١٥٨، تاريخ الطبري ٣/ ٨٢، نهاية الأرب للنويري ١٧/ ٣٣٥، عيون الأثر لابن سيد الناس ٢/ ٢٠٠، صحيح البخاري ٥/ ١٠٢، صحيح مسلم ٣/ ١٤٠٢، السيرة لابن كثير ٣/ ٦٥٢، عيون التواريخ للكتبي ١/ ٣٣٣، معجم البلدان ٤/ ١١، ١٢، جوامع السيرة لابن حزم ٢٤٢، الدرر في المغازي والسير ٢٤٣.
[٢] عن الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ١٥٨.
[٣] الجعرانة: بكسر أوله إجماعا، وأصحاب الحديث يكسرون عينه ويشدّدون راءه، وأهل الأدبстр. 1139
وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة. وقال إسماعيل بن إبراهيم ابن عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى، قَالا: ثُمَّ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ، وَتَرَكَ السَّبْيَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَمُلِئَتْ عُرُشُ [١] مَكَّةَ مِنْهُمْ. وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالأَكَمَةِ عِنْدَ حِصْنِ الطَّائِفِ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، يُقَاتِلُهُمْ. وَثَقِيفٌ تَرْمِي بِالنَّبْلِ، وَكَثُرَتِ الْجِرَاحُ، وَقَطَعُوا طَائِفَةً مِنْ أَعْنَابِهِمْ لِيَغِيظُوهُمْ بِهَا [٢] . فَقَالَتْ ثَقِيفٌ: لا تُفْسِدُوا الأَمْوَالَ فَإِنَّهَا لَنَا أَوْ لَكُمْ. وَاسْتَأْذَنَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي مُنَاهَضَةِ الْحِصْنِ فَقَالَ: مَا أَرَى أَنْ نَفْتَحَهُ، وَمَا أُذِنَ لَنَا فِيهِ. وَزَادَ عُرْوَةُ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْطَعَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَمْسَ نَخْلاتٍ أَوْ حَبَلاتٍ مِنْ كُرُومِهِمْ. فَأَتَاهُ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا عَفَاءُ لَمْ تُؤْكَلْ ثِمَارُهَا. فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقْطَعُوا مَا أُكِلَتْ ثَمَرَتُهُ، الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ [٣] . وَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: مَنْ خَرَجَ إِلَيْنَا فَهُوَ حُرٌّ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمْ يَشْهَدْ حُنَيْنًا وَلا حِصَارَ الطَّائِفِ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ وَلا غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ، كَانَا بِجُرَشَ [٤] يَتَعَلَّمَانِ صَنْعَةَ الدَّبَّابَاتِ وَالْمَجَانِيقِ [٥] .
ثُمَّ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [عَلَى نَخْلَةٍ] [٦] إِلَى الطَّائِفِ، وَابْتَنَى بِهَا مَسْجِدًا وَصَلَّى فِيهِ. وَقُتِلَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالنَّبْلِ. وَلَمْ يَقْدِرِ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَدْخُلُوا حَائِطَهُمْ، أَغْلَقُوهُ دُونَهُمْ. وَحَاصَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ومعه
الحواشي
(١) [ () ] يخطّئونهم ويسكّنون العين ويخفّفون الراء. وهي ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب. (معجم البلدان ٢/ ١٤٢) .
[١] العرش: جمع عرش، وهو ركن الشيء، أو الخيمة، أو البيت الّذي يستظلّ به كالعريش. يريد بيوتها وأركانها.
[٢] حتى هنا أورده البيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٨٤، وعروة في المغازي ٢١٦.
[٣] حتى هنا رواية عروة في المغازي ٢١٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٨٤. وانظر مغازي الواقدي ٣/ ٩٢٩.
[٤] جرش: مخلاف من مخاليف اليمن من جهة مكة.
[٥] انظر تاريخ الطبري ٣/ ٨٤، سيرة ابن هشام ٤/ ١٤٨.
[٦] زياد من ح.стр. 1140
امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِهِ، إِحْدَاهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ. فَلَمَّا أَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ بَنَى عَلَى مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ مَسْجِدًا. وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ سَارِيَةٌ لا تَطْلُعُ عَلَيْهَا الشَّمْسُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فِيمَا يَذْكُرُونَ، إِلا سُمِعَ لَهَا نَقِيضٌ. وَالنَّقِيضُ صَوْتُ الْمَحَامِلِ [١] .
وقال يونس بن بكير، عن هشام بن سَنْبَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ السُّلَمِيِّ، قَالَ: حَاصَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَصْرَ الطَّائِفِ. فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ فَلَهُ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ» . فَبَلَغْتُ يَوَمَئِذٍ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا. وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ [لَهُ] [٢] عِدْلُ مُحَرَّرٍ» [٣] . وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّهَا، قَالَتْ: كَانَ عِنْدِي مُخَنَّثٌ، فَقَالَ لأخي عبد [١٠٦ ب] اللَّهِ: إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا، فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى ابْنَةِ غَيْلَانَ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بَأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ. فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْلَهُ فَقَالَ: «لَا يَدْخُلَنَّ هذا عليكم» [٤] . متّفق عليه بمعناه [٥] .
الحواشي
(١٦٨٩) باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله، وقال: «هذا حديث حسن صحيح، وأبو نجيح هو عمرو بن عبسة السّلمي» . والنسائي في كتاب الجهاد ٦/ ٢٧ باب ثواب من رمى بسهم في سبيل الله . وأحمد في المسند ٤/ ١١٣ و ٣٨٤.
[٤] في صحيح البخاري ٥/ ١٠٢: عليكنّ» .
[٥] صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الطائف (٥/ ١٠٢) وصحيح مسلم: كتاب السلام، باب منع المخنّث من الدخول على النساء الأجانب (٣٢/ ٢١٨٠) ، والموطّأ لمالك في كتاب الأقضية (ص ٥٤٤، ٥٤٥) رقم ١٤٥٣ باب ما جاء في المؤنّث من الرجال ومن أحق بالولد.стр. 1141
وقال الواقديّ [١] عَنْ شيوخه، أنّ سَلْمان [الفارسي] [٢] قال لرسول الله ﷺ : أرى أنَّ تَنْصِب المَنْجِنيق عَلَى حِصْنهم- يعني الطائف- فإنّا كُنَّا بأرض فارس نَنْصِبه عَلَى الحصون، فإنْ لم يكن مَنْجنيق طَالَ الثَّواء. فأمره رَسُول اللَّهِ ﷺ فعمل منجنيقًا بيده، فنصبه عَلَى حصن الطائف. ويقال: قدِم بالمنجنيق يَزيد بْن زَمعة، ودبَّابَتْين. ويقال: الطُّفَيْلُ بْن عَمْرو قَدِم بذلك.
قَالَ: فأرسلت [٣] عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنّار، فحرقت الدبّابة.
فأمر رسول الله ﷺ بقطع أَعْنابهم وتَحْرِيقها. فنادى سُفْيَان بْن عَبْد اللَّه الثّقفيّ: لم تقطع أموالنا؟ فإنّما هِيَ لنا أو لكم. فتركها.
وَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أَقْبَلَ عُيَيْنَةُ بْنُ [حِصْنٍ] [٤] حَتَّى جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ايذن لِي أَنْ أُكَلِّمَهُمْ، لَعَلَّ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ. فَأَذِنَ لَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ الْحِصْنَ، فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتُمْ، تَمَسَّكُوا بِمَكَانِكُمْ، وَاللَّهِ لَنَحْنُ أَذَلُّ مِنَ الْعَبِيدِ، وَأُقْسِمُ باللَّه لَئِنْ حَدَثَ بِهِ حدث ليملكنّ الْعَرَبَ عِزًّا وَمَنَعةً، فَتَمَسَّكُوا بِحِصْنِكُمْ. ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «مَاذَا [قُلْتَ] ؟» [٥] قَالَ: دَعَوْتُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، وَحَذَّرْتُهُمُ النَّارَ وَفَعَلْتُ.
فَقَالَ: «كَذَبْتَ، بَلْ قُلْتَ كَذَا وَكَذَا» . قَالَ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُوبُ إلي الله وإليك [٦] . أخبرنا محمد بن عبد الْعَزِيزِ الْمُقْرِئُ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْحَزْمِ [٧] ، وَحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بن أبي الفتح الشيبانيّ،
الحواشي
(١) [١] في المغازي: (٣/ ٩٢٧) .
[٢] زيادة للتوضيح عن الواقدي.
[٣] في الأصل: «فأرسل» . والمثبت من ح والواقدي.
[٤] في الأصل «عيينة بن بدر» ، والتصحيح من المغازي لعروة وغيره، مثل طبقات ابن سعد، وتاريخ الطبري.
[٥] سقطت من الأصل (ح) . واستدركناها من النسخة (ع) .
[٦] المغازي لعروة ٢١٧.
[٧] في ح: «ابن أبي الحرم» . وفي ع: «ابن أبي حرم» .стр. 1142
وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعُقَيْلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الذَّهَبِيُّ [١] . وَآخَرُونَ، قَالُوا: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّخَاوِيُّ.
(ح) وَأَنَا عَبْدُ الْمُعْطِي بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِالْإِسْكَنْدَرِيَةِ، أَنَا عَبْدُ الرحمن ابن مَكِّيٍّ.
(ح) وَأَنَا لُؤْلُؤٌ الْمحسني، بِمِصْرَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، الْحَنْبَلِيَّانِ، وَآخَرُونَ، قَالُوا: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ هِبَةَ اللَّهِ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سِلْفَةَ الْحَافِظُ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ الْكَرَجِيُّ.
وَقَرَأْتُ عَلَى سُنْقُرِ الْقَضَائِيُّ [٢] بِحَلَبَ، أَخْبَركَ عَبْدُ اللَّطِيفُ بْنُ يوسف.
وسمعته، سنة أ [ثنتين] [٣] وَتِسْعِينَ، عَلَى عَائِشَةَ بِنْتِ عِيسَى بْنِ الْمُوَفَّقِ، أَنَا جَدِّي أَبُو مُحَمَّدٍ قُدَامَةُ، وَسَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ حُضُورًا، قَالَا: أَنَا أَبُو زُرَعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ السَّاوِيُّ، سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، قَالَا: أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا زكريا بن يحيى المروزي ببغداد، ثنا [١٠٧ أ] سفيان ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ:
حَاصَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ الطَّائِفِ، فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا. قَالَ: إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: أَنَرْجِعُ وَلَمْ نَفْتَحْهُ؟ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ غَدًا» . فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ» . فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ .
الحواشي
(١) [١] في الأصل: (ع) : «الدهني» . والتصحيح من (ح) والمشتبه في النسبة (١/ ٢٩٠) .
[٢] رسمت في النسخ الثلاث: «الفصاي» . والتصحيح من المشتبه (١/ ٢٧٤) .
[٣] في الأصل. حرف الألف ثم بياض كلمة. والمثبت من (ح) .стр. 1143
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [١] ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ هَكَذَا. وَعِنْدَهُ:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِمُسْلِمٍ [٢] .
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [٣] عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَالَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ الْحُمَيْدِيُّ، ثنا سُفْيَانُ، نا عَمْرٌو، سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الأَعْمَى يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عمر بْنِ الْخَطَّابِ.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ: ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، فَذَكَرَهُ وَقَالَ فِيهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو. ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَسَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ يُحَدِّثُ بِهِ، مَرَّةً أُخْرَى، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَقَالَ الْمُفَضَّلُ بْنُ غَسَّانَ الْغَلابِيُّ، أَظُنُّهُ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الشَّاعِرُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَابْنِ عُمَرَ، فِي فَتْحِ الطَّائِفِ: الصَّحِيحُ ابْنُ عُمَرَ.
قَالَ: وَاسْمُ أَبِي الْعَبَّاسِ: السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ مَوْلَى بَنِي كِنَانَةَ.
وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ [٤] : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ارْتَحَلَ عَنِ الطَّائِفِ بِأَصْحَابِهِ وَدَعَا حِينَ رَكِبَ قَائِلا: «اللَّهمّ اهْدِهِمْ وَاكْفِنَا مُؤْنَتَهُمْ» . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْر، وعبد اللَّه بْن المكدم، عمّن أدركوا، قَالُوا: حاصر رَسُول اللَّهِ ﷺ أهُل الطائف ثلاثينَ لَيْلةً أو قريبا
الحواشي
(٤) .
[٣] في كتاب المغازي (٥/ ١٠٢) باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان.
[٤] هذا الحديث ليس في مغازي عروة المطبوع. وانظر نحوه في سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٢ والمغازي للواقدي ٣/ ٩٣٧، وطبقات ابن سعد ٢/ ١٥٩.стр. 1144
من ذَلِكَ. ثمّ انصرف عَنْهُمْ، فقدِم المدينة، فجاءه وفدهم فِي رمضان فأسلموا [١] .
وقال ابن إِسْحَاق [٢] : واستُشهد مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بالطائف: سَعِيد بْن سَعِيد بْن العاص بْن أُمَيّة.
وعُرْفُطَة بْن حُبَاب.
وعبد اللَّه بْن أَبِي بَكْر الصدّيق، رُمي بسهمٍ فمات بالمدينة فِي خلافة أَبِيهِ.
وعبد اللَّه بْن أَبِي أُمَيّة بْن المُغِيرة بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن مَخْزوم المَخْزُوميّ، أخو أمّ سَلَمَةَ. وأمُّه عاتِكَة بِنْت عَبْد المطّلب. وكان يقال لأبي أُمَيّة، واسمه حُذَيفة: زَاد الرَّاكب. وكان عَبْد اللَّه شديدًا عَلَى المسلمين، قِيلَ هُوَ الَّذِي قَالَ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا من الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ١٧: ٩٠ [٣] وما بعدها. ثمّ أسلم قبل فتح مكة بيسيرٍ، وحَسُن إسلامه. وهو الَّذِي قَالَ [لَهُ] [٤] هِيتُ المُخَنَّث: يا عَبْد اللَّه، إنْ فتح اللَّه عليكم الطائف، فإنّي أدلّك عَلَى ابْنَة غَيْلان، الحديث [٥] .
وعبد اللَّه بْن عامر بْن رَبِيعة. والسَّائِب بْن الحارث. وأخوه: عَبْد اللَّه.
وجليحة [٦] بن عبد الله.
الحواشي
(١) [١] الطبري ٣/ ٩٧.
[٢] انظر أسماء الشهداء في الطائف في: المغازي للواقدي ٣/ ٩٣٨، وسيرة ابن هشام ٤/ ١٥١، وتاريخ خليفة ٩٠.
[٣] سورة الإسراء، آية ٩٠.
[٤] سقطت من الأصل، واستدركناها من ع، ح.
[٥] أخرجه البخاري في المغازي ٥/ ١٠٢) باب غزوة الطائف، ومسلم في كتاب السلام (٣٢/ ٢١٨٠) باب منع المخنّث من الدخول على النساء الأجانب، ومالك في الموطّأ، كتاب الأقضية (رقم ١٤٥٣) باب ما جاء في المؤنّث من الرجال ومن أحقّ بالولد.
[٦] في النسخ الثلاث: «طليحة» ، والتصويب من: تاريخ خليفة ٩١، وسيرة ابن هشام ٤/ ١٥١، وأسد الغابة ١/ ٣٤٨، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٨٧، والإصابة ١/ ٢٤٢.стр. 1145
ومن الأنصار: ثابت بن الجَذَع. والحارث بْن سهل بن أبي صعصعة.
والمنذر [١٠٧ ب] بْن عَبْد اللَّه. ورُقَيم بْن ثابت.
فذلك اثنا عشر رجلًا، ﵃.
ويُروى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ استشار نَوفْل بْن معاوية الديلي فِي أهُل الطائف فقال: ثعلب فِي جُحْرٍ، إنْ أقمت عَلَيْهِ أخذته، وإن تركته لم يضرّك [١] .
الحواشي
(١) [١] المغازي للواقدي ٣/ ٩٣٦، ٩٣٧.стр. 1146
قِسْمُ غنَائِمِ حُنَيْنٍ وَغَيْر ذَلِك
قَالَ ابن إِسْحَاق:
ثمّ خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، عَلَى رُحَيْلٍ، حتّى نزل بالناس بالجِعْرَانة.
وكان معه من سَبْيِ هَوازن ستة آلاف من الذرّية، ومن الإبل والشَّاء ما لَا يُدْرى عدّته [١] .
وَقَالَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، ثَنَا السِّمْطُ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: افْتَتَحْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ إِنَّا غَزَوْنَا حُنَيْنًا، فَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ بِأَحْسَنِ صُفُوفٍ رَأَيْتُ. قَالَ: فَصُفَّ الْخَيْلُ، ثُمَّ صُفَّتِ الْمُقَاتِلَةُ، ثُمَّ صُفَّ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، ثُمَّ صُفَّ الْغَنَمُ ثُمَّ صُفَّ النَّعَمُ. قَالَ: وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ قَدْ بَلَغْنَا سِتَّةَ آلَافٍ، أَظُنُّهُ يُرِيدُ الْأَنْصَارَ.
قَالَ: وَعَلَى مُجَنِّبَةِ خَيْلِنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. فَجَعَلَتْ خَيْلُنَا تَلُوذُ خَلْفَ ظُهُورِنَا.
فَلَمْ نَلْبَثْ أَنِ انْكَشَفَتْ خَيْلُنَا وَفَرَّتِ الْأَعْرَابُ. فَنَادَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«يَا للمهاجرين يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، يَا لَلْأَنْصَارِ يَا لَلْأَنْصَارِ» . قَالَ أنس: هذا حديث عمّيّة [٢] .
الحواشي
(١) [١] سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٢.
[٢] العمّيّة: الكبر أو الضلال. وجاء في شرح النووي: قوله هذا حديث عمية، وهي رواية عامة مشايخنا وفسّر بالشدّة، وروي بفتح العين وكسر الميم المشدّدة وتخفيف الياء وبعدها هاءстр. 1147
قُلْنَا: لَبَّيْكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَتَقَدَّمَ، فَايْمُ اللَّهِ مَا أَتَيْنَاهُمْ حَتَّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ. قَالَ: فَقَبَضْنا ذَلِكَ الْمَالَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الطَّائِفِ. قَالَ: فَحَاصَرْنَاهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى مَكَّةَ وَنَزَلْنَا. فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي الرَّجُلَ الْمِائَةَ، وَيُعْطِي الرَّجُلَ الْمِائَةَ. فَتَحَدَّثَتِ الْأَنْصَارُ بَيْنَهُمْ: أَمَّا مَنْ قَاتَلَهُ فَيُعْطِيهِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُقَاتِلْهُ فَلَا يُعْطِيهِ. قَالَ: ثُمَّ أَمَر بِسَرَاةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ- لَمَّا بَلَغَهُ الْحَدِيثُ- أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ. فَدَخَلْنَا الْقُبَّةَ حَتَّى مَلَأْنَاهَا. فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَوْ كَمَا قَالَ- مَا حَدِيثٌ أَتَانِي؟» قَالُوا: مَا أَتَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «أَمَا تَرْضَوْن أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ وَتَذْهَبُوا بِرَسُولِ اللَّهِ حَتَّى تُدْخِلُوهُ بُيُوتَكُمْ؟» قَالُوا: رَضِينَا. فَقَالَ: «لَوْ أَخَذَ النَّاسُ شِعْبًا وَأَخَذَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا أَخَذْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ» . قَالُوا: رَضِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ:
«فَارْضَوْا» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [١] . وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَقَسَمَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالطُّلَقَاءِ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا. فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: إِذَا كَانَتِ الشِّدَّةُ فَنَحْنُ نُدْعَى، وَيُعْطَى الْغَنِيمَةَ غَيْرُنَا. قَالَ: فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ وَقَالَ: «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَذْهَبُوا بِرَسُولِ اللَّهِ تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَضِينَا. فَقَالَ: «لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَتِ الأنصار شعبا، لأخذت شعب الأنصار» . [١٠٨ أ] متّفق عليه [٢] .
الحواشي
(١) [ () ] لسكت، أي حدّثني به عمي، والعم: الجماعة. وروي بتشديد الياء، وفسّر بعمومتي أي حدّثني به أعمامي.
[١] في كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلّفة قلوبهم على الإسلام وتصبّر من قوي إيمانه (١٣٢/ ١٠٥٩) ، وأخرجه أحمد في المسند ٣/ ١٥٧، ١٥٨، وابن كثير في السيرة النبويّة ٣/ ٦٧٣.
[٢] صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الطائف (٥/ ١٠٥) . وصحيح مسلم: كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه (١٣٥/ ١٠٥٩) .стр. 1148
وَقَالَ شُعَيْبٌ، وَغَيْرُهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَهُ، فَطَفِقَ يُعْطِي رِجَالا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِائَةَ مِنَ الإِبِلِ، فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ، يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَدَعُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ. فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ أَحَدًا غَيْرَهُمْ. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَالَ: مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ فَقَالَ لَهُ فُقَهَاؤُهُمْ: أَمَّا ذَوُو رَأيِنَا فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا. فَقَالَ: «فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ. أَفَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ، وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ فو الله مَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ» . قَالُوا: قَدْ رَضِينَا. فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ بَعْدِي أَثَرةً [١] شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا [٢] حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ، وَرَسُولَهُ عَلَى الْحَوْضِ» . قَالَ أَنَسٌ: فَلَمْ نَصْبِرْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٣] .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُتَأَلَّفِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَفِي سَائِرِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الأَنْصَارِ [مِنْهَا] [٤] قَلِيلٌ وَلا كَثِيرٌ، وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ. وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَنَسٍ [٥] .
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ [٦] رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ
الحواشي
(١) [١] الأثرة: الاستئثار والانفراد بالشيء. والمقصود هنا استئثار أمراء الجور بالفيء.
[٢] في الأصل: «فاصطبروا» . والمثبت عن ع، ح.
[٣] صحيح البخاري: كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلّفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه (٤/ ١١٤- ١١٥) . وصحيح مسلم: كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلّفة قلوبهم على الإسلام إلخ (١٣٢/ ١٠٥٩) .
[٤] سقطت من الأصل، وأثبتناها من ع، ح.
[٥] سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٦، المغازي للواقدي ٣/ ٩٥٦، تاريخ الطبري ٣/ ٩٣.
[٦] في النسخ الثلاث: «أن» وفي صحيح مسلم: عن، دون جملة «عن جده» . والمثبت موافق لما في المغازي لعروة ٢١٨.стр. 1149
قُلُوبُهُمْ مِنْ سَبْيِ حُنَيْنٍ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ. فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ مِائَةً، وَأَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ مِائَةً. وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ مِائَةً، وَأَعْطَى الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً، وَأَعْطَى عَلْقَمَةَ بْنَ عُلاثَةَ مائة، وأعطى مالك ابن عَوْفٍ النَّصْرِيَّ مِائَةً، وَأَعْطَى الْعَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ دُونَ الْمِائَةِ.
فَأَنْشَأَ الْعَبَّاسُ يَقُولُ:
أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْدِ ... [١] بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ
وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ
وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرْبِ ذَا تُدْرَإٍ [٢] ... فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْمَ لا يُرْفَعِ
فَأَتَمَّ لَهُ مِائَةً. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٣] ، دُونَ ذِكْرِ مالك بن عوف، وعلقمة، [و] [٤] دون الْبَيْتِ الثَّالِثِ [٥] .
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ: أَبَا سُفْيَانَ، وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ، وَالْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيَّ، وَصَفْوَانَ بْنَ أميّة الجمحيّ، وحويطب ابن عَبْدِ الْعُزَّى الْعَامِرِيَّ، أَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِائَةَ نَاقَةٍ. وَأَعْطَى قَيْسَ بْنَ عَدِيٍّ السَّهْمِيَّ خَمْسِينَ نَاقَةً، وَأَعْطَى سَعِيدَ بْنَ يَرْبُوعٍ خَمْسِينَ. فَهَؤُلاءِ من أعطى من قريش.
الحواشي
(١) [١] العبيد: اسم فرس العباس بن مرداس.
[٢] ذو تدرأ: ذو منعة وقوة على دفع أعدائه عن نفسه.
[٣] في كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام إلخ (١٣٧/ ١٠٦٠) .
[٤] سقطت من الأصل، ع. وأثبتناها من ح.
[٥] انظر: سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٤، والمغازي للواقدي ٣/ ٩٤٦، ٩٤٧، وتاريخ الطبري ٣/ ٩٠، ٩١، ونهاية الأرب، ١٧/ ٣٣٩، ٣٤٠ والمغازي لعروة وغيره، ففيها أبيات أكثر، مع اختلاف في الألفاظ.стр. 1150
وأعطى العلاء [١٠٨ ب] بْنَ حَارِثَةَ مِائَةَ نَاقَةٍ، وَأَعْطَى مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ مِائَةَ نَاقَةٍ، وَرَدَّ إِلَيْهِ أَهْلَهُ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ الْفَزَارِيَّ مِائَةَ نَاقَةٍ، وَأَعْطَى عَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ كِسْوَةً.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ لِلأَنْصَارِ: قَدْ كُنْتُ أُخْبِرُكُمْ أَنَّكُمْ سَتَلُونَ حَرَّهَا وَيَلِيَ بَرْدَهَا غَيْرُكُمْ. فَتَكَلَّمَتِ الأَنْصَارُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَمَّ هَذِهِ الأَثَرَةِ؟ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ مُفْتَرِقِينَ فَجَمَعَكُمُ اللَّهُ، وَضُلالا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ، وَمَخْذُولِينَ فَنَصَرَكُمُ اللَّهُ» . ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ [١] تَشَاءُونَ لَقُلْتُمْ ثُمَّ لَصَدَقْتُمْ وَلَصُدِّقْتُمْ: أَلَمْ نَجِدْكَ مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَمُحْتَاجًا فَوَاسَيْنَاكَ» . قَالُوا: لا نَقُولُ ذَلِكَ، إِنَّمَا الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنَّصْرُ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَلَكِنَّا أَحْبَبْنَا أَنْ نَعْلَمَ فِيمَ هَذِهِ الأَثَرَةُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَوْمٌ حَدِيثُو عَهْدٍ بِعِزٍّ وَمُلْكٍ، فَأَصَابَتْهُمْ نَكْبَةٌ فَضَعْضَعَتْهُمْ وَلَمْ يَفْقَهُوا كَيْفَ الإِيمَانُ، فَأَتَأَلَّفُهُمْ. حَتَّى إِذَا عَلِمُوا كَيْفَ الإِيمَانُ وَفَقِهُوا فِيهِ عَلَّمْتُهُمْ [٢] كَيْفَ الْقَسْمُ وَأَيْنَ مَوْضِعُهُ» . وَسَاقَ بَاقِي الْحَدِيثِ [٣] . وَقَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ، فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى نَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا وَمَا أُرِيدُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى صَارَ كَالصِّرْفِ [٤] ، وَقَالَ: «فمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟» ثم قال:
الحواشي
(١) [١] في الأصل «لقد» والتصحيح من نسختي (ع) و (ح) .
[٢] في ع، ح: علمتم.
[٣] انظر سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٦، ١٥٧، والمغازي للواقدي ٣/ ٩٥٧، ٩٥٨، وتاريخ الطبري ٣/ ٩٣، ٩٤، والمغازي لعروة ٢١٩، وفتح الباري ٨/ ٥١.
[٤] الصرف: صبغ أحمر يشبه به الدم فيقال دم صرف.стр. 1151
«يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ» . فَقُلْتُ: لَا جَرَمَ لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَ هَذَا حَدِيثًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [١] .
وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ بِالْجِعْرَانَةِ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ غَنَائِمَ مُنْصَرِفَةً مِنْ حُنَيْنٍ، وَفِي ثَوْبِ بِلَالِ فِضَةٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبِضُ مِنْهَا يُعْطِي النَّاسَ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اعدل.
فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أَكُنْ أَعْدِلُ؟ لَقَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَكْن أَعْدِلُ» . فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ. قَالَ: «مَعاذَ اللَّهِ، أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٢] . وَقَالَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا، إِذْ أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ. فَقَالَ: «وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ» . فَقَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي فِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبُ عُنُقَهُ. قَالَ: «دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ [١٠٩ أ] أحدكم [٣] صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [٤] . وَقَالَ عَقِيلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ عُرْوَةُ: أَخْبَرَنِي مَرْوَانُ، وَالْمِسْوَرُ بْنُ
الحواشي
(١) [١] صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الطائف (٥/ ١٠٦) . وصحيح مسلم: كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلّفة قلوبهم على الإسلام (١٤٠/ ١٠٦٢) واللفظ له.
[٢] صحيح مسلم: كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم. (١٤٢/ ١٠٦٣) وأخرجه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجة، والدارميّ، ومالك، والإمام أحمد، في مواضع كثيرة. (انظر: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث ٦/ ٢٠٤) .
[٣] في الأصل: «أحدهم» . والتصحيح من ع، ح.
[٤] صحيح البخاري: كتاب استتابة المرتدّين والمعاندين وقتالهم، باب من ترك قتال الخوارج للتأليف (٩/ ٢١- ٢٢) ، وانظر سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٦، والمغازي للواقدي ٣/ ٩٤٨.стр. 1152
مَخْرَمَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فَسَأَلُوهُ [١] أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ. فَقَالَ: «مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ. فَاخْتَارُوا إِمَّا السَّبْيَ، وَإِمَّا الْمَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ» . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْتَظَرَهُمْ تِسْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ. فَلَمَّا تَبَيَّن لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غير رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا: إِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلاءِ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ. فَمَنْ أَحَبَّ [مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ] [٢] مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ» . فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ. فَقَالَ: «إِنَّا لا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ» . فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ [٣] عُرَفَاؤُهُمْ. ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ بِأَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا. أَخْرَجَهُ خ [٤] . وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ الطَّائِفِ إِلَى الْجِعْرَانَةِ، وَبِهَا السَّبْيُ، وَقَدِمَتْ عَلَيْهِ وُفُودُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فِيهِمْ تِسْعَةٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَأسْلَمُوا وَبَايَعُوا. ثُمَّ كَلَّمُوهُ فِيمَنْ أُصِيبَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ. إِنَّ فِيمَنْ أَصَبْتُمُ الأُمَّهَاتِ وَالأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالاتِ، وَهُنَّ مَخَازِي [٥] الأَقْوَامِ. وَنَرْغَبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكَ. وَكَانَ ﷺ رحيما جوادا كريما. فقال:
الحواشي
(٢٦٩٣) باب في فداء الأسير بالمال، وأحمد في المسند ٤/ ٣٢٧.
[٥] في الأصل: «مجاري» . والمثبت من (ح) . وفي (ع) : «محارم» . وهي جيّدة.стр. 1153
سَأَطْلُبُ لَكُمْ ذَلِكَ. قَالَ: فِي الْقِصَّةِ [١] . وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ: أَنَّ سَبْيَ هَوَازِنَ كَانُوا سِتَّةَ آلافٍ [٢] .
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حدثني عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحُنَيْنٍ، فَلَمَّا أَصَابَ مِنْ هَوَازِنَ مَا أَصَابَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَسَبَايَاهُمْ، أَدْرَكَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ بِالْجِعْرَانَةِ وَقَدْ أَسْلَمُوا. فَقَالُوا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا [٣] أَصْلٌ وَعَشِيرَةٌ، وَقَدْ أَصَابَنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا، مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. وَقَامَ خَطِيبُهُمْ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّما فِي الْحَظَائِرِ مِنَ السَّبَايَا خَالَاتُكَ وَعَمَّاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ اللاتِي كُنَّ يَكْفُلْنَكَ، فَلَوْ أَنَّا مَلَحْنَا [٤] [لِلْحَارِثِ] [٥] بْنِ أَبِي شَمْرٍ، أَوِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، ثُمَّ أَصَابَنَا مِنْهُمَا مِثْلُ الَّذِي أَصَابَنَا مِنْكَ، رَجَوْنا عائدتهما [٦] وعطفهما، وأنت خير المكفولين. ثم [١٠٩ ب] أَنْشَدَهُ أَبْيَاتًا قَالَهَا:
امْنُنْ عَلَيْنا رَسُولَ اللَّهِ في كرم ... فإنّك المرء نرجوه وندّخر
امنن على بيضة إعتاقها حَزَنٌ [٧] ... مُمَزِّقٌ شَمْلَها فِي دَهْرِها غِيَرُ
أَبْقَتْ لَهَا الْحَرْبُ هُتَّافًا عَلَى حَزَنٍ ... عَلَى قُلُوبِهِمُ الغمّاء والغمر
الحواشي
(١) [١] القصة في المغازي للواقدي ٣/ ٩٥٠، ٩٥١.
[٢] الحديث في الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ١٥٥.
[٣] في النسخ الثلاث «لنا» وأثبتنا لفظ ابن هشام ٤/ ١٥٢.
[٤] في الأصل «ملنحا» ، وهو تحريف، تصحيحه من (ع) و (ح) وفي النسخة الأخيرة فسّرها في الهامش بقوله: «أي أرضعنا» . والملح: الرضاع: (النهاية في غريب الحديث ٤/ ١٠٥) .
وانظر السيرة لابن هشام ٤/ ١٥٢ وفيه أيضا: «ويروى: ولو أنّا مالحنا» .
[٥] سقطت من النسخ الثلاث، والاستدراك من سيرة ابن هشام.
[٦] في الأصل: «عائدهما» . والمثبت من ع، ح، والمغازي للواقدي ٤/ ٩٥٠ والعائدة:
المعروف والصلة والفضل. (شرح أبي ذر- ص ٤١١) .
[٧] في الأصل، ع: حزز. والمثبت عن النسخة (ح) . وفي المغازي للواقدي ٣/ ٩٥٠ «
امنن على نسوة قد عاقها قدر
» وفي الروض الأنف ٤/ ١٦٦ «
امنن على بيضة قد عاقها قدر
» .стр. 1154
إِنْ لَمْ تَدَارَكْهُمُ [١] نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا ... يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْمًا [٢] حِينَ يُخْتَبَرُ
امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا ... إِذْ فُوكَ يَمْلَؤهُ مِنْ مَحْضِهَا دِرَرُ [٣]
امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا ... وَإِذْ يُزيِنُكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ
لَا تَجْعَلَنَّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ [٤] ... وَاسْتَبْقِ مِنَّا، فَإِنَّا مَعْشَرٌ زُهُرُ
إِنَّا لَنَشْكُرُ آلَاءً وَإِنْ كُفِرَتْ [٥] ... وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدَّخرُ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نِسَاؤُكُمْ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالَكُمْ؟» فَقَالُوا: خَيَّرتَنَا بَيْنَ أَحْسَابِنَا وَأَمْوَالِنَا، أَبْنَاؤُنَا وَنِسَاؤُنَا أَحَبُّ إِلَيْنَا. فَقَالَ: «أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، وَإِذَا أَنَا صَلَّيْتُ بِالنَّاسِ فَقُومُوا وَقُولُوا: إِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَبِالْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فِي أَبْنَائِنَا وَنِسَائِنَا، سَأُعِينُكُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَأَسْأَلُ لَكُمْ» . فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ الظُّهْرَ، قَامُوا فَقَالُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، فَقَالَ: «أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ» . فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: وَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ. قَالَتِ الْأَنْصَارُ كَذَلِكَ.
فَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو تَمِيمٍ فَلَا. فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو سُلَيْمٍ فَلَا. فَقَالَتْ بَنُو سُلَيْمٍ: بَلْ مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ [٦] : أَمَّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«مَنْ أَمْسَكَ مِنْكُمْ بِحَقِّهِ فَلَهُ بِكُلِّ إِنْسَانٍ سِتُّ فرائض [٧] من أوّل فيء نصيبه» .
الحواشي
(١) [١] في المغازي للواقدي «ألا تداركها» . والمثبت يتفق مع الروض الأنف.
[٢] في المغازي «حتى» ، والمثبت يتفق مع الروض الأنف.
[٣] أي الدفعات الكثيرة من اللبن. (السيرة الحلبية ٢/ ٢٥٠) ، وانظر اختلافا يسيرا في البيت عند الواقدي والسهيليّ عما هنا.
[٤] شالت نعامته: أي تفرّقت كلمتهم. أو ذهب عزّهم. (القاموس المحيط ٣/ ٤٠٤)
[٥] في المغازي «وإن قدمت» .
[٦] في المغازي للواقدي ٣/ ٩٥١ «عيينة بن حصن» .
[٧] الفرائض: جمع فريضة، وهو البعير المأخوذ في الزكاة، سمى فريضة لأنه فرض واجب على رب المال.стр. 1155
فَردُّوا إِلَى النَّاسِ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ [١] .
ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاتَّبَعَهُ النَّاسُ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْسِم عَلَيْنَا فَيْئَنَا، حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى شَجَرَةٍ فَانْتَزَعَتْ عَنْهُ رداءه فقال:
«ردّوا عليّ ردائي، فو الّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ لَكُمْ عَدَدُ شَجَرِ تِهَامَةَ [نَعَمًا] [٢] لَقَسَمْتُهُ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ مَا لَقِيتُمُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا» . ثُمَّ قَامَ إِلَى جَنْبِ بَعِيرٍ وَأَخَذَ مِنْ سَنَامَه وَبَرَةً فَجَعَلَهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، وَاللَّهِ ما لي مِنْ فَيْئِكُمْ وَلَا هَذِهِ الْوَبَرَةِ إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ.
فَأَدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ [٣] ، فَإِنَّ الْغُلُولَ [٤] عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِكُبَّةٍ [٥] مِنْ خيوط شعر فقال: أخذت [١١٠ أ] هَذِهِ لِأَخِيطَ بِهَا بَرْذَعَةَ بَعِيرٍ لِي دَبِرٍ [٦] . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَّا حَقِّي مِنْهَا فَلَكَ» . فَقَالَ الرَّجُلُ: أَمَّا إِذَا بَلَغَ الْأَمْرُ هَذَا فَلا حَاجَةَ لِي بِهَا. فَرَمَى بِهَا [٧] . وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ. فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِليَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ: «اذْهَبْ فَاعْتَكِفْ» . وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ قد أَعْطَاهُ جَارِيَةً مِنَ الْخُمْسِ. فَلَمَّا أَنْ أَعْتَقَ رَسُول اللَّهِ ﷺ سبايا النَّاسِ، قَالَ عُمَرُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْجَارِيَةِ فَخَلِّ سَبِيلَهَا. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٨] .
الحواشي
(١) [١] سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٢ وانظر المغازي للواقدي ٣/ ٩٥١، ٩٥٢، وطبقات ابن سعد ٢/ ١٥٣، ١٥٤، وتاريخ الطبري ٣/ ٨٧.
[٢] زيادة من (ح) وابن هشام.
[٣] الخياط: الخيط، والمخيط: الإبرة.
[٤] الغلول: الخيانة في المغنم والسرقة وكل من خان في شيء خفية فقد غلّ.
[٥] الكبّة: من الغزل أو الشعر ما جمع على شكل كرة أو أسطوانة.
[٦] الدبر: قروح تصيب ظهر البعير أو خفه، فهو دبر وأدبر.
[٧] سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٣، ١٥٤، تاريخ الطبري ٣/ ٨٩، ٩٠.
[٨] صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم (٢٨/ ١٦٥٦) .стр. 1156
وقال ابن إِسْحَاق [١] : حدّثني أَبُو وَجْزَة السعديّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أعطى من سَبْيِ هوازن عليَّ بْن أَبِي طَالِب جاريةً، وأعطى عثمان وعمر، فوهبها عُمَر لابنه.
قَالَ ابن إِسْحَاق [٢] : فحدّثني نافع، عَنِ ابن عُمَر، قَالَ: بعثت بجاريتي إلى أخوالي من بني جُمَحٍ ليُصْلِحوا لي منها حتّى أطوف بالبيت ثمّ آتيهم.
فخرجت من المسجد فإذا النّاس يشتدّون، فقلت: ما شأَنكم؟ فقالوا: رَدَّ عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ نساءنا وأبناءنا. فقلت: دُونَكم صاحبتكم فهي فِي بني جُمح فانْطلَقوا فأخذوها.
قَالَ ابن إِسْحَاق [٣] : وحدّثني أَبُو وَجْزة يزيد بْن عُبَيْد: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لوفد هوازن: «ما فَعَل مالك بْن عَوْفُ؟» قَالُوا: هُوَ بالطائف. فقال:
«أخْبِروه أنّه إِنْ أَتَاني مُسْلِمًا رَدَدْتُ إِلَيْهِ أهلَه ومالَه، وأعطيته مائةً من الإبل» . فأُتِيَ مالِك بذلك، فخرج إِلَيْهِ من الطائف. وقد كَانَ مالك خاف من ثقيف عَلَى نفسه من قول رسول الله ﷺ . فأمر براحلةٍ فهُيِّئت، وأمر بفرسٍ لَهُ فأُتِيَ بِهِ، فخرج ليلًا ولحِق برَسُول اللَّهِ ﷺ ، فأدركه بالجِعرانة أو بمكة، فردّ عَلَيْهِ أهله وماله وأعطاه مائةً من الإبل. فقال:
ما إِنْ رأيتُ ولا سَمِعتُ بمثلِهِ ... وفي النَّاسِ كلِّهم بمثْلِ مُحَمَّد
أَوْفَى وَأَعْطَى للجزيل إذا اجتدي [٤] ... وإذا تشاء يُخْبِرْك عمّا فِي غَد
وإذَا الكَتِيبَةُ عَرَّدَتُ أَنْيَابُها ... أَمَّ الْعِدَى فيها بكُلِّ مُهَنَّد [٥]
فكَأَنَّه لَيْثٌ لَدى أَشْبَالِهِ ... وَسْطَ المَبَاءَةِ خَادِرٌ [٦] فِي مرصد
الحواشي
(١) [١] سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٢، ١٥٣.
[٢] سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٣.
[٣] سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٣.
[٤] اجتدى: سئل الجدا أو الجدوى، وهي العطية.
[٥] عردت أنيابها: غلظت واشتدت. المهند: السيد المصنوع من حديد الهند.
[٦] المباءة (وقد وردت في النسخ الثلاث) : المنزل وكناس الثور الوحشي. ولعلّها استعملت هناстр. 1157
فاستعمله النّبيّ ﷺ عَلَى من أسلم من قومه، وتلك القبائل من ثُمَالة وَسَلَمَةَ وفَهْم [١] ، كَانَ يقاتل بهم ثقيفًا، لَا يخرج لهم سَرْحٌ إلّا أغار عَلَيْهِ حتّى يصيبه [٢] .
قَالَ ابن عَسَاكِر: شهد مالك بْن عَوْفُ فَتْح دِمَشق. وله بها دار [٣] .
وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ ثَوْبَانَ، أَخْبَرَنِي عَمِّي عُمَارَةُ بْنُ ثَوْبَانَ، أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ أَخْبَرَهُ قَالَ: كُنْتُ غُلامًا أَحْمِلُ عُضْوَ الْبَعِيرِ، وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ لَحْمًا بِالْجِعْرَانَةِ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: أُمُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ.
وَرَوَى الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ هَوَازِنَ جَاءَتِ امْرَأَةٌ [١١٠ ب] إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: أَنَا أُخْتُكَ شَيْمَاءُ بِنْتُ الْحَارِثِ. قَالَ: «إِنْ تَكُونِي صَادِقَةً فَإِنَّ بِكِ مِنِّي أَثَرًا لَنْ يَبْلَى» . قَالَ: فَكَشَفَتْ عَنْ عَضُدِهَا. ثُمَّ قَالَتْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَمَلْتُكَ وَأَنْتَ صَغِيرٌ فَعَضَضْتَنِي هَذِهِ الْعَضَّةَ. فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ ثُمَّ قَالَ: «سَلِي تُعْطَيْ، وَاشْفَعِي تُشَفَّعِي» [٤] .
الحَكَم ضعّفه ابن معين [٥] .
الحواشي
(٦٣٣) .
[٥] قال فيه: ليس بشيء. (التاريخ ٢/ ١٢٥ رقم ١٣٣٢) .стр. 1158
عمرة الجعرانة
قَالَ هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي الْقَعْدَةِ، إِلا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةٌ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ- أَوْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ- فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ، أَظُنُّهُ قَالَ [١] ، الْعَامَ الْمُقْبِلَ، وَعُمْرَةٌ مِنَ الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٢] .
وقال مُوسَى بْن عُقْبة، وهو فِي «مغازي عُرْوَةُ» [٣] : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ بالعُمْرة من الجِعِرّانة فِي ذي القَعدة، فقدِم مكة فقضى عُمْرته. وكان حين خرج إلى حُنين استخلف مُعاذًا عَلَى مكة، وأمره أنَّ يعلّمهم القرآن ويفقّههم فِي الدين. ثمّ صدر إلى المدينة وخلَّف مُعاذًا عَلَى أهُل مكة [٤] .
الحواشي
(١٩٩٤) باب العمر. والترمذي في الحج(٨١٤) باب ما جاءكم اعتمر النبيّ ﷺ . وابن ماجة في المناسك(٣٠٠٣) باب كم اعتمر النبيّ ﷺ . وأحمد في المسند ١/ ٢٤٦ و ٣٢١ و ٢/ ١٣٩ و ٣/ ١٣٤ و ٢٥٦ و ٤/ ٢٩٧.
[٣] في الأصل «غزوة» والتصحيح من (ع) ، و (ح) .
[٤] أول الحديث غير موجود في المطبوع من مغازي عروة، انظر ص ٢١٣، وأخرجه الحاكم فيстр. 1159
وقال ابن إِسْحَاق [١] : ثمّ سَارَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَنْ الجعرانة معتمرًا. وأمر ببقايا الْفَيْءِ فحُبِس بمَجَنَّة [٢] . فلمّا فرغ من عُمرته انصرف إلى المدينة، واستخلف عتّاب بْن أَسِيد عَلَى مكة، وخلَّف معه مُعاذًا يفقّه النّاس.
قلتُ: ولم يزل عتّاب عَلَى مكة إلى أنْ مات بها يوم وفاة أَبِي بَكْر. وهو عَتّاب بْن أَسِيد بْن أَبِي العِيص بْن أُمَيّة الأمَويّ. فبلغنا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ له: يا عتّاب، تدرى عَلَى من اسْتَعْمَلْتُك؟ استعملتك عَلَى أهُل اللَّه، ولو أعلم لهم خيرًا منك استعملتُه عليهم. وكان عمره إذ ذاك نَيِّفًا وعشرين سنة، وكان رجلًا صالحًا. رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أصبتُ فِي عملي هذا بُرْدَيْن مُعَقَّدَيْن كَسَوْتُهما غُلامِي، فلا يقولنّ أَحَدُكُمْ أخَذ مِنّي عتّاب كذا، فقد رزقني رَسُول اللَّهِ ﷺ كلَّ يومٍ دِرْهَميْن، فلا أَشْبَعَ اللَّه بَطْنًا لَا يُشبعه كلّ يوم درهمان [٣] .
الحواشي
(١) [ () ] المستدرك على الصحيحين ٣/ ٢٧٠.
[١] سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٧، تاريخ الطبري ٣/ ٩٤.
[٢] مجنّة: بالفتح وتشديد النون. بمرّ الظهران أسفل مكة. (معجم البلدان ٥/ ٥٨) .
[٣] انظر عن عتّاب بن أسيد: طبقات ابن سعد ٥/ ٤٤٦، طبقات خليفة ١١ و ٢٧٧، تاريخ خليفة ٨٧ و ٨٨ و ٩٢ و ٩٧ و ١١٧ و ١٢٣. المحبّر لابن حبيب ١١ و ١٢ و ١٢٦ و ١٢٧ و ٢٥٨، فتوح البلدان للبلاذري ٤٦ و ٦٣ و ٦٦، أنساب الأشراف له ١/ ٣٠٣، ٣٠٣ و ٣٦٤، ٣٦٥، ٣٦٨، ٥٢٩، نسب قريش لمصعب ١٨٧ و ٣١٢ و ٤١٨، أخبار مكة للأزرقي ١/ ٢٨٥ و ٢/ ١٥١ و ١٥٣، التاريخ الكبير ٧/ ٥٤ رقم ٢٤٤، المعارف لابن قتيبة ٧٣ و ٩١ و ١٦٣ و ٢٨٣، الأخبار الموفقيّات للزبير بن بكار ٣٣٣، تاريخ الطبري ٣/ ٧٣ و ٩٤ و ٣١٨ و ٣١٩ و ٣٢٢ و ٣٤٢ و ٤١٩ و ٤٢٧ و ٤٧٩ و ٤٩٧ و ٥٩٧ و ٦٢٣ و ٤/ ٣٩ و ٩٤ و ١٦٠، المستدرك ٣/ ٥٩٤، ٥٩٥، جمهرة أنساب العرب ١١٣ و ١٤٥ و ١٦٦، المعجم الكبير للطبراني ١٧/ ١٦١، ١٦٢، العقد الفريد لابن عبد ربّه ٦/ ١٥٨، ربيع الأبرار ٤/ ٣٣٨، عيون الأخبار ١/ ٣٣٠ و ٢/ ٥٥، الخراج وصناعة الكتابة ٢٦٦، الاستيعاب لابن عبد البر ٣/ ١٥٣، ١٥٤، ثمار القلوب للثعالبي ١٢ و ٥١٩، الجرح والتعديل ٧/ ١١ رقم ٤٦، مشاهير علماء الأمصار ٣٠ رقم ١٥٥، الزيارات للهروي ٩٤، تهذيب الأسماء واللغات للنووي ق ١ ج ١/ ٣١٨، ٣١٩ رقم ٣٨٦، الكاشف ٢/ ٢١٢، ٢١٣ رقم ٣٧٠٦، تلخيص المستدرك ٣/ ٥٩٤، ٥٩٥، البداية والنهاية ٧/ ٣٤، شفاء الغرام (بتحقيقنا) ١/ ٩٠ و ١٢٥ و ١٣٨ و ٢/ ٢٤٣ و ٢٤٤ و ٢٤٥ و ٢٤٦ و ٢٣٧ و ٢٥١ و ٢٥٢ و ٢٥٣ و ٢٥٤ و ٢٥٧، تهذيب التهذيب ٧/ ٨٩، ٩٠ رقم ١٩١، تقريب التهذيب ٢/ ٣ رقم ١، الإصابة ٢/ ٤٥١ رقم ٥٣٩١، البدء والتاريخ للمقدسي ٥/ ١٠٧، الوفيات لابن قنفذстр. 1160
وحجّ النّاس فِي تِلْكَ السنة عَلَى ما كانت العرب تحجّ عليه [١] .
الحواشي
(١) [٤١،) ] خلاصة تذهب التهذيب ٢٥٧ وستأتي ترجمته في الجزء الخاص بالخلفاء الراشدين من هذا الكتاب، في تراجم المتوفين في خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
[١] تاريخ الطبري ٣/ ٩٥، تاريخ خليفة ٩٢.следующие страницы →