Полный текст (24 229 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وقال ابن إِسْحَاق [١] : حدّثني أَبُو وَجْزَة السعديّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أعطى من سَبْيِ هوازن عليَّ بْن أَبِي طَالِب جاريةً، وأعطى عثمان وعمر، فوهبها عُمَر لابنه.
قَالَ ابن إِسْحَاق [٢] : فحدّثني نافع، عَنِ ابن عُمَر، قَالَ: بعثت بجاريتي إلى أخوالي من بني جُمَحٍ ليُصْلِحوا لي منها حتّى أطوف بالبيت ثمّ آتيهم.
فخرجت من المسجد فإذا النّاس يشتدّون، فقلت: ما شأَنكم؟ فقالوا: رَدَّ عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ نساءنا وأبناءنا. فقلت: دُونَكم صاحبتكم فهي فِي بني جُمح فانْطلَقوا فأخذوها.
قَالَ ابن إِسْحَاق [٣] : وحدّثني أَبُو وَجْزة يزيد بْن عُبَيْد: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لوفد هوازن: «ما فَعَل مالك بْن عَوْفُ؟» قَالُوا: هُوَ بالطائف. فقال:
«أخْبِروه أنّه إِنْ أَتَاني مُسْلِمًا رَدَدْتُ إِلَيْهِ أهلَه ومالَه، وأعطيته مائةً من الإبل» . فأُتِيَ مالِك بذلك، فخرج إِلَيْهِ من الطائف. وقد كَانَ مالك خاف من ثقيف عَلَى نفسه من قول رسول الله ﷺ . فأمر براحلةٍ فهُيِّئت، وأمر بفرسٍ لَهُ فأُتِيَ بِهِ، فخرج ليلًا ولحِق برَسُول اللَّهِ ﷺ ، فأدركه بالجِعرانة أو بمكة، فردّ عَلَيْهِ أهله وماله وأعطاه مائةً من الإبل. فقال:
ما إِنْ رأيتُ ولا سَمِعتُ بمثلِهِ ... وفي النَّاسِ كلِّهم بمثْلِ مُحَمَّد
أَوْفَى وَأَعْطَى للجزيل إذا اجتدي [٤] ... وإذا تشاء يُخْبِرْك عمّا فِي غَد
وإذَا الكَتِيبَةُ عَرَّدَتُ أَنْيَابُها ... أَمَّ الْعِدَى فيها بكُلِّ مُهَنَّد [٥]
فكَأَنَّه لَيْثٌ لَدى أَشْبَالِهِ ... وَسْطَ المَبَاءَةِ خَادِرٌ [٦] فِي مرصد
الحواشي
(١) [١] سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٢، ١٥٣.
[٢] سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٣.
[٣] سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٣.
[٤] اجتدى: سئل الجدا أو الجدوى، وهي العطية.
[٥] عردت أنيابها: غلظت واشتدت. المهند: السيد المصنوع من حديد الهند.
[٦] المباءة (وقد وردت في النسخ الثلاث) : المنزل وكناس الثور الوحشي. ولعلّها استعملت هناстр. 1157
فاستعمله النّبيّ ﷺ عَلَى من أسلم من قومه، وتلك القبائل من ثُمَالة وَسَلَمَةَ وفَهْم [١] ، كَانَ يقاتل بهم ثقيفًا، لَا يخرج لهم سَرْحٌ إلّا أغار عَلَيْهِ حتّى يصيبه [٢] .
قَالَ ابن عَسَاكِر: شهد مالك بْن عَوْفُ فَتْح دِمَشق. وله بها دار [٣] .
وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ ثَوْبَانَ، أَخْبَرَنِي عَمِّي عُمَارَةُ بْنُ ثَوْبَانَ، أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ أَخْبَرَهُ قَالَ: كُنْتُ غُلامًا أَحْمِلُ عُضْوَ الْبَعِيرِ، وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ لَحْمًا بِالْجِعْرَانَةِ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: أُمُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ.
وَرَوَى الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ هَوَازِنَ جَاءَتِ امْرَأَةٌ [١١٠ ب] إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: أَنَا أُخْتُكَ شَيْمَاءُ بِنْتُ الْحَارِثِ. قَالَ: «إِنْ تَكُونِي صَادِقَةً فَإِنَّ بِكِ مِنِّي أَثَرًا لَنْ يَبْلَى» . قَالَ: فَكَشَفَتْ عَنْ عَضُدِهَا. ثُمَّ قَالَتْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَمَلْتُكَ وَأَنْتَ صَغِيرٌ فَعَضَضْتَنِي هَذِهِ الْعَضَّةَ. فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ ثُمَّ قَالَ: «سَلِي تُعْطَيْ، وَاشْفَعِي تُشَفَّعِي» [٤] .
الحَكَم ضعّفه ابن معين [٥] .
الحواشي
(٦٣٣) .
[٥] قال فيه: ليس بشيء. (التاريخ ٢/ ١٢٥ رقم ١٣٣٢) .стр. 1158
عمرة الجعرانة
قَالَ هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي الْقَعْدَةِ، إِلا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةٌ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ- أَوْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ- فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ، أَظُنُّهُ قَالَ [١] ، الْعَامَ الْمُقْبِلَ، وَعُمْرَةٌ مِنَ الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٢] .
وقال مُوسَى بْن عُقْبة، وهو فِي «مغازي عُرْوَةُ» [٣] : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ بالعُمْرة من الجِعِرّانة فِي ذي القَعدة، فقدِم مكة فقضى عُمْرته. وكان حين خرج إلى حُنين استخلف مُعاذًا عَلَى مكة، وأمره أنَّ يعلّمهم القرآن ويفقّههم فِي الدين. ثمّ صدر إلى المدينة وخلَّف مُعاذًا عَلَى أهُل مكة [٤] .
الحواشي
(١٩٩٤) باب العمر. والترمذي في الحج(٨١٤) باب ما جاءكم اعتمر النبيّ ﷺ . وابن ماجة في المناسك(٣٠٠٣) باب كم اعتمر النبيّ ﷺ . وأحمد في المسند ١/ ٢٤٦ و ٣٢١ و ٢/ ١٣٩ و ٣/ ١٣٤ و ٢٥٦ و ٤/ ٢٩٧.
[٣] في الأصل «غزوة» والتصحيح من (ع) ، و (ح) .
[٤] أول الحديث غير موجود في المطبوع من مغازي عروة، انظر ص ٢١٣، وأخرجه الحاكم فيстр. 1159
وقال ابن إِسْحَاق [١] : ثمّ سَارَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَنْ الجعرانة معتمرًا. وأمر ببقايا الْفَيْءِ فحُبِس بمَجَنَّة [٢] . فلمّا فرغ من عُمرته انصرف إلى المدينة، واستخلف عتّاب بْن أَسِيد عَلَى مكة، وخلَّف معه مُعاذًا يفقّه النّاس.
قلتُ: ولم يزل عتّاب عَلَى مكة إلى أنْ مات بها يوم وفاة أَبِي بَكْر. وهو عَتّاب بْن أَسِيد بْن أَبِي العِيص بْن أُمَيّة الأمَويّ. فبلغنا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ له: يا عتّاب، تدرى عَلَى من اسْتَعْمَلْتُك؟ استعملتك عَلَى أهُل اللَّه، ولو أعلم لهم خيرًا منك استعملتُه عليهم. وكان عمره إذ ذاك نَيِّفًا وعشرين سنة، وكان رجلًا صالحًا. رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أصبتُ فِي عملي هذا بُرْدَيْن مُعَقَّدَيْن كَسَوْتُهما غُلامِي، فلا يقولنّ أَحَدُكُمْ أخَذ مِنّي عتّاب كذا، فقد رزقني رَسُول اللَّهِ ﷺ كلَّ يومٍ دِرْهَميْن، فلا أَشْبَعَ اللَّه بَطْنًا لَا يُشبعه كلّ يوم درهمان [٣] .
الحواشي
(١) [ () ] المستدرك على الصحيحين ٣/ ٢٧٠.
[١] سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٧، تاريخ الطبري ٣/ ٩٤.
[٢] مجنّة: بالفتح وتشديد النون. بمرّ الظهران أسفل مكة. (معجم البلدان ٥/ ٥٨) .
[٣] انظر عن عتّاب بن أسيد: طبقات ابن سعد ٥/ ٤٤٦، طبقات خليفة ١١ و ٢٧٧، تاريخ خليفة ٨٧ و ٨٨ و ٩٢ و ٩٧ و ١١٧ و ١٢٣. المحبّر لابن حبيب ١١ و ١٢ و ١٢٦ و ١٢٧ و ٢٥٨، فتوح البلدان للبلاذري ٤٦ و ٦٣ و ٦٦، أنساب الأشراف له ١/ ٣٠٣، ٣٠٣ و ٣٦٤، ٣٦٥، ٣٦٨، ٥٢٩، نسب قريش لمصعب ١٨٧ و ٣١٢ و ٤١٨، أخبار مكة للأزرقي ١/ ٢٨٥ و ٢/ ١٥١ و ١٥٣، التاريخ الكبير ٧/ ٥٤ رقم ٢٤٤، المعارف لابن قتيبة ٧٣ و ٩١ و ١٦٣ و ٢٨٣، الأخبار الموفقيّات للزبير بن بكار ٣٣٣، تاريخ الطبري ٣/ ٧٣ و ٩٤ و ٣١٨ و ٣١٩ و ٣٢٢ و ٣٤٢ و ٤١٩ و ٤٢٧ و ٤٧٩ و ٤٩٧ و ٥٩٧ و ٦٢٣ و ٤/ ٣٩ و ٩٤ و ١٦٠، المستدرك ٣/ ٥٩٤، ٥٩٥، جمهرة أنساب العرب ١١٣ و ١٤٥ و ١٦٦، المعجم الكبير للطبراني ١٧/ ١٦١، ١٦٢، العقد الفريد لابن عبد ربّه ٦/ ١٥٨، ربيع الأبرار ٤/ ٣٣٨، عيون الأخبار ١/ ٣٣٠ و ٢/ ٥٥، الخراج وصناعة الكتابة ٢٦٦، الاستيعاب لابن عبد البر ٣/ ١٥٣، ١٥٤، ثمار القلوب للثعالبي ١٢ و ٥١٩، الجرح والتعديل ٧/ ١١ رقم ٤٦، مشاهير علماء الأمصار ٣٠ رقم ١٥٥، الزيارات للهروي ٩٤، تهذيب الأسماء واللغات للنووي ق ١ ج ١/ ٣١٨، ٣١٩ رقم ٣٨٦، الكاشف ٢/ ٢١٢، ٢١٣ رقم ٣٧٠٦، تلخيص المستدرك ٣/ ٥٩٤، ٥٩٥، البداية والنهاية ٧/ ٣٤، شفاء الغرام (بتحقيقنا) ١/ ٩٠ و ١٢٥ و ١٣٨ و ٢/ ٢٤٣ و ٢٤٤ و ٢٤٥ و ٢٤٦ و ٢٣٧ و ٢٥١ و ٢٥٢ و ٢٥٣ و ٢٥٤ و ٢٥٧، تهذيب التهذيب ٧/ ٨٩، ٩٠ رقم ١٩١، تقريب التهذيب ٢/ ٣ رقم ١، الإصابة ٢/ ٤٥١ رقم ٥٣٩١، البدء والتاريخ للمقدسي ٥/ ١٠٧، الوفيات لابن قنفذстр. 1160
وحجّ النّاس فِي تِلْكَ السنة عَلَى ما كانت العرب تحجّ عليه [١] .
الحواشي
(١) [٤١،) ] خلاصة تذهب التهذيب ٢٥٧ وستأتي ترجمته في الجزء الخاص بالخلفاء الراشدين من هذا الكتاب، في تراجم المتوفين في خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
[١] تاريخ الطبري ٣/ ٩٥، تاريخ خليفة ٩٢.стр. 1161
قصة كعب بْن زُهَيْر
ولما قدِم رَسُول اللَّهِ ﷺ مَنْ مُنْصَرفه، كتب بُجَيْر بْن زُهَيْر، يعني إلى أخيه كَعْب بْن زُهَيْر، يخبره أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قتل رجالًا بمكة ممّن كَانَ يَهْجُوه ويُؤذيه، وأنّ من بَقِيَ من شعراء قريش، ابن الزِّبَعْرَى [١] ، وهُبَيْرة بْن أبي وَهْب [٢] ، قد هربوا [٣] فِي كلّ وَجْهٍ. فإن كانت لك في نفسك حاجة فطِرْ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فإنّه لَا يقتل أحدًا جاءه تائبًا، وإنْ أنت لم تفعلْ فانجُ إلى نجائك من الأرض.
وكان كعب [١١١ أ] قد قَالَ [٤] :
أَلا أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً ... فَهَلْ لَكَ [٥] فِيمَا قُلْت وَيْحَكَ هَلْ لَكَا
الحواشي
(١) [١] هو عبد الله بن الزبعري بن قيس بن عديّ القرشيّ السهمي الشاعر، كان من أشعر قريش في الجاهلية، وأسلم بعد الفتح وحسن إسلامه. انظر ترجمته في الإصابة (٢/ ٣٠٨) وأسد الغابة (٣/ ٢٣٩) وطبقات فحول الشعراء (١/ ٢٣٥- ٢٤٤) .
[٢] في سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٧ «هبيرة بن وهب» والمثبت يتفق مع المصادر الأخرى.
[٣] في الأصل، ع: «فذهبوا» . والتصحيح من (ح) .
[٤] شرح ديوانه (صنعة السكري) : ص ٣- ٤ باختلاف في الألفاظ وترتيب الأبيات، ولم يرد البيت الرابع في شرح الديوان.
[٥] في الأصل، ع: «فهل كان» . والمثبت من ح. وسيرة ابن هشام ٤/ ١٥٨.стр. 1162
فَبَيِّنْ لَنَا إِنْ كُنْتَ لَسْتَ بِفاعِلٍ ... عَلَى أَيِّ شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ دَلَّكَا
عَلَى خُلُقٍ لَمْ ألْفِ أُمًّا وَلا أَبًا [١] ... عَلَيْهِ وَمَا تُلْفي عَلَيْهِ أَخًا [٢] لَكا
فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَلَسْتُ بآسِفٍ ... وَلا قَائِلٍ إِمَّا عَثَرْتَ: لَعًا لَكا
سَقَاكَ بِهَا المَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيَّةً ... فأنهلك المَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكا
فلمّا أتيت بُجَيْرًا كَرِه أنَّ يَكْتُمَها رَسُول اللَّهِ ﷺ فأنشده إيّاها. فقال لما سَمِعَ « [سقاك] [٣] بها المأمون» : «صَدَق وإنّه لكّذُوب» . ولما سَمِعَ: «عَلَى خُلُقٍ لم تلف أُمًّا ولا أبًا عَلَيْهِ» . قَالَ: «أجل لم يلف عَلَيْهِ أَبَاهُ ولا أمّه» . ثمّ قَالَ بُجير لكعب:
مَنْ مُبْلِغٌ كَعْبًا فَهلْ لَكَ فِي التّي ... تَلُومُ عَلَيْها بَاطِلًا وَهْيَ أَحْزَمُ
إِلى اللَّه- العُزَّى ولا اللات- وَحْده ... فَتَنْجُو إذَا كَانَ النَّجَاءُ وتَسْلَم
لَدى يَوْمِ لَا يَنْجُو وَلَسْتَ بمُفْلِتٍ ... مِنَ النّاسِ إلّا طَاهِرُ الْقَلْبِ مُسْلِم
فَديِن زُهَيْر وَهْوَ لَا شَيْءَ دِينُه ... وَدِينُ أَبي سُلْمَى عَليَّ مُحَرَّم
فلمّا بلغ كَعْبًا الكتابُ ضاقت عَلَيْهِ الأرض بما رَحُبت، وأشفق عَلَى نفسه، وأَرْجَف بِهِ من كَانَ فِي حاضِره من عَدوّه فقالوا: هُوَ مَقْتُولٌ. فلمّا لم يجد من شيءٍ بُدًّا قَالَ قصيدته، وقدم المَدِينَةِ [٤] .
وقال إِبْرَاهِيم بْن دِيزِيلَ، وغيره، ثنا إِبْرَاهِيم بْن المنذر الحزامي، ثنا الحجّاج بْن ذي الرُقَيْبَة بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب بن زهير بن أبي سلمى
الحواشي
(١) [١] في الأصل، ح وسيرة ابن هشام: «
على خلق لم ألف يوما أبا له
» . وفي ع: «
عَلَى خُلُقٍ لَمْ ألْفِ أُمًّا وَلا أَبًا له
» . والحرف الأخير زيادة لا يستقيم معها وزن الشعر، وهو على التحقيق من أوهام النسخ. وقد أثبتنا رواية (ع) بعد حذف هذه الزيادة لاتفاقها مع ما يرد بعد ذلك في سياق الخبر، ولأنها، بعد، رواية الديوان.
[٢] في النسخ الثلاث والسيرة لابن هشام: «أبا» ، والوجه ما أثبتناه من رواية الديوان.
[٣] سقطت من الأصل، ع، وأثبتناها من ح.
[٤] الخبر في سيرة ابن هشام ٤/ ١٥٧، ١٥٨، والشعر والشعراء لابن قتيبة ١/ ٨٠، والأغاني ١٧/ ٨٦، وإمتاع الأسماع للمقريزي ٤٩٤ وانظر ديوان كعب بن زهير.стр. 1163
المُزَنيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جدّه قَالَ: خرج كَعْب وبُجير ابنا زُهَيْر حتّى أَتَيَا أَبْرَق الْعَزَّافِ [١] فقال بُجَير لكعب: اثبت هنا حتّى أتي هذا الرجل فأسمع ما يَقُولُ.
قَالَ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فأسلم، فبلغ ذَلِكَ كعبًا فقال:
ألا أبلغَا عنّي بُجَيْرًا رسالةً ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا
سقاك بها المأمون كأسًا رَوِيَّةً ... وَأَنْهَلَكَ المأمونُ منها وعَلَّكا
ويُروَى
سقاك أَبُو بَكْر بكأس رَويةٍ
فَفَارَقْتَ أَسْبَابَ الْهُدَى وَتَبِعْتَهُ ... عَلَى أيِّ شَيْءٍ وَيْبَ [٢] غَيْركَ دلَّكا
عَلَى مَذْهَبٍ لم تلفِ أمًّا ولا أبًا ... عَلَيْهِ، ولم تعرفْ عَلَيْهِ أخًا لكا [٣]
فاتّصل الشِعْر بالنّبيّ ﷺ فأهْدَر دمه. فكتب بُجَير إِلَيْهِ بذلك، ويقول لَهُ:
النَّجاءَ، وما أراك تُفْلِت [٤] . ثمّ كتب إِلَيْهِ: اعَلْم أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَا يأتيه أحد يشهد أنَّ لَا إِلَهَ إِلا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ إلّا قَبِلَ ذَلِكَ منه، وأسقط ما كَانَ قبل ذَلِكَ. فأسلم كَعْب، وقال القصيدة التي يمدح فيها رَسُول اللَّهِ ﷺ ، ثم أقبل حتّى أناخ راحلته بباب مسجد رَسُول اللَّهِ ﷺ ، ثم دخل [١١١ ب] المسجد ورَسُول اللَّهِ ﷺ مَعَ أصحابه مكانَ المائدة من القوم، والقوم متحلِّقون معه حَلْقةً دون حَلْقة، يلتفت إلى هَؤُلَاءِ مرّة فيحدّثهم، وإلى هَؤُلَاءِ مرّة فيحدّثهم.
قَالَ كَعْب: فأنخْتُ رَاحِلتي، ودخلت، فعرفتُ رَسُول الله ﷺ بالصّفة،
الحواشي
(١) [١] في الأصل، ح «أبرق العراق» ، والتصحيح من (ع) .
وأبرق العزّاف: ماء لبني أسد بن خزيمة بن مدركة، وهو في طريق القاصد إلى المدينة من البصرة يجاء من حومانة الدراج إليه، ومنه إلى بطن نخل ثم الطرف ثم المدينة. وإنما سمّي العزّاف لأنهم يسمعون فيه عزيف الجنّ. (معجم البلدان ١/ ٦٨) ، والأبرق والبرقاء: جمعها أبراق: حجارة ورمل مختلطة. (معجم البلدان ١/ ٦٥) .
[٢] ويب: مثل ويح ووي.
[٣] راجع الديوان- ص ٣، والأغاني ١٧/ ٨٦، والشعر والشعراء ١/ ٨٠.
[٤] في الأصل، ح: «تنفلت» . وفي ع: «فقلب» . وفي الأغاني ١٧/ ٨٧ «بمفلت» .стр. 1164
فتخطّيت حتّى جلست إِلَيْهِ فقلتُ: أشهد أنَّ لَا إله إلّا اللَّه، وأنّك رَسُول اللَّهِ.
الأَمانَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ، «وَمَنْ أنتَ؟» قلتُ: أَنَا كَعْب بْن زُهَيْر. قَالَ:
«الَّذِي يَقُولُ» ثمّ التفتَ إلى أَبِي بَكْر فقال: «كيف [قَالَ] [١] يا أَبَا بَكْر؟» فأنشده:
سقاك أَبُو بَكْر بكأس رويّة ... وأنهلك المأمُور [٢] منها وعلّكا
قلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ما قلتُ هكذا. قَالَ: «فكيف قلت؟» قلتُ، إنّما قلتُ:
وأنهلك المأمونُ منها وعلّكا
فقال: «مأمونٌ، والله» . [قَالَ] [٣] : ثمّ أنشده [٤] :
بانَتْ سُعاد فقلبي اليوم مَتْبولُ ... مُتَيَّمٌ إِثْرَها لم يُلْفَ مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلّا أَغنُّ غَضِيض الطَّرْف مَكْحول
تجلو عَوَارِضَ ذِي ظَلْمٍ إذا ابتسمتْ ... كأنّه مُنْهلٌ بالرَّاحِ مَعْلُولُ
شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ من ماءِ مَحْنِيَةٍ ... صادٍ بأبطحَ أَضْحَى وهو مَشْمول [٥]
تَنْفي الرياحُ الْقَذَى عَنْهُ وأفْرَطَهُ ... من صَوْب ساريةٍ بيضٌ يَعالِيل [٦]
أَكْرِمْ بها خُلَّةً لو أنّها صَدَقتْ ... مَوْعُودَها، أَوْ لَوْ أن النصح مقبول
لكنها خلة قَدْ سيط من دمها ... فجع وولع وإخلاف وتبديل [٧]
الحواشي
(١) [١] سقطت من الأصل، ح، وأثبتناها من ع.
[٢] في الأصل، ع والأغاني: «المأمون» . والمثبت من (ح) وهو الوجه.
[٣] سقطت من الأصل، وأثبتناها من ع، ح.
[٤] شرح ديوانه: ٦- ٢٥، وانظر أيضا: شرح قصيدة كعب بن زهير للخطيب التبريزي (تحقيق سالم الكرنكوي) ، وسيرة ابن هشام ٤/ ١٥٩، ١٦٠.
[٥] شجت: مزجت، يعني الراح. وذي شبم: الماء البارد. والمحنية: ما انعطف من الوادي.
ومشمول: أصابته ريح الشمال.
[٦] أفرطه: أي ملأه. سارية: سحابة تسري. بيض يعاليل: أي سحائب بيض رواء.
[٧] سيط: خلط.стр. 1165
فما تدومُ عَلَى حالٍ تكونُ بها ... كما تَلَوَّنُ فِي أثوابها الْغُولُ [١]
ولا تَمَسَّكُ [٢] بالعَهْد الَّذِي زَعَمت ... إلّا كما يُمْسِكُ الماءَ الغرابيل
فلا يَغُرَّنْكَ ما مَنَّت وما وعدتْ ... إنّ الأمانيَّ والأحلامَ تضليل
كانت مواعيدُ عُرْقوبٍ لها مَثَلًا ... وما مواعيدُها إلّا الأباطيل
أرجو وآمُل أنَّ تدنو مودَّتُها ... وما إِخالُ لَدَيْنا منكِ تَنْويل
أمستْ سعاد بأرض لَا يُبَلّغها ... إلّا الْعِتَاقُ النَّجِيبات المَراسيل
ولن يبلّغها إلّا عُذَافِرَةٌ ... فيها عَلَى الأَيْنِ إِرْقال وتَبْغيل [٣]
من كلِّ نَضَّاخَةِ الذِّفْرى إذا عَرِقتْ ... عرضتها طامِسُ الأعلامِ مجهول [٤]
ترى الْغُيُوبَ بعينَيْ مُفْردٍ لَهَقٍ ... إذا توقّدتِ الحِزَّانُ وَالْمِيلُ [٥]
ضخْمٌ مُقَلَّدُها، فَعْمٌ [٦] مُقَيَّدُها ... فِي خَلْقها عَنْ بناتِ الْفَحْلِ تَفْضيل
غَلبْاءُ وَجْناءُ عُلْكومٌ مُذَكَّرةٌ ... فِي دَفِّها سَعَةٌ قُدَّامُها مِيلُ [٧]
وجِلدُها من أَطُومٍ ما يُؤْيسُه ... طِلْحٌ بِضَاحِيَةِ المَتْنَيْن مَهْزول [٨]
حَرْفٌ أبُوها أخُوها مِن مُهَجَّنَةٍ ... وعمُّها خالُها قَوْداءُ شِمْليل [٩]
يسعَى الوُشاةُ بدفيها [١٠] وقِيلُهُم ... إنَّكَ يا بْنَ أبي سُلْمَى لمقتول
الحواشي
(١) [١] الغول: الداهية (ح) ومن معانيها كذلك: السّعلاة، وهو المقصود هنا.
[٢] في الأصل: «ولا تمسكت» . وأثبتنا لفظ ع، ح.
[٣] عذافرة: ناقة صلبة. والأين: الإعياء. والإرقال والتبغيل: ضربان من السير.
[٤] الذفرى: ما تحت الأذن. وعرضتها: من قولهم بعير عرضة السفر أي قوي عليه.
[٥] المفرد: بقر الوحش، شبه الناقة به. واللهق: الأبيض. والحزان: الحزن وهو الغليظ من الأرض.
[٦] الفعم: الممتلئ.
[٧] الغلباء: الغليظة الرقبة، والوجناء: العظيمة الوجنتين. وقدامها ميل: أي طويلة العنق.
[٨] الأطوم: الزرافة، يصف جلدها بالنعومة. والطلح: القراد، أي لملاسة جلدها لا يثبت عليه قراد.
[٩] الحرف: الناقة الضامر. ومهجنة: أي حمل عليها في صغرها. وقوداء: طويلة، وشمليل:
سريعة.
[١٠] كذا في الأصل، ح. وحرفت في ع إلى «فيها» . وبها يختل الوزن.стр. 1166
[١١٢ أ] وقال كلُّ صديقٍ كنتُ آمُلُه ... لَا أُلْهِيَنَّك [١] ، إنّي عنكَ مشغول
خَلُّوا طريقَ يَدَيْها [٢] لَا أَبَا لَكُمُ ... فكلُّ ما قدّر الرَّحْمَن مفعول
كلُّ ابْنِ أنثى وإن طالتْ سلامتُهُ ... يومًا عَلَى آلةٍ حَدْباءَ محمول
أُنْبِئْتُ أنَّ رَسُول اللَّهِ أَوْعَدني ... والعفوُ عند رَسُول اللَّهِ مَأْمول
مَهْلًا رسولَ الَّذِي أعطاك نَافِلَةَ ... الْقُرْآنِ، فِيهِ مَوَاعِيظٌ وتَفْصيل
لا تأخُذَنِّي بأقوالِ الوُشاةِ ولَمْ ... أُذْنِبْ، ولو كثُرت عنّي الأقاويل
لقد أَقومُ مَقامًا لو يقوم بِهِ ... أَرَى وأَسمعُ ما لَوْ يسمعُ الفيل [٣]
لَظَلَّ يَرْعَد إلّا أنَّ يكون لَهُ ... من الرَّسُول بإِذْن اللَّه تَنْويل
حتّى وضعتُ يَميِني لَا أُنَازِعُه ... فِي كَفِّ [ذي] [٤] نَقِماتٍ قيِلُه الْقِيلُ
لَذَاكَ أَخْوَفُ عِندي إذْ أكلّمه ... وَقِيلَ إنّكَ مَنْسوبٌ ومَسْئول
مِن ضَيْغَمٍ من لُيُوث الُأسْد مَسْكَنُهُ ... من بَطْنِ عَثَّر غيِلٌ دونَهُ غِيلُ
إنّ الرَّسُول لَنُورٌ يُسْتَضاءُ بِهِ ... مُهَنَّدٌ من سُيوف اللَّه مَسْلولُ
فِي فِتْيةٍ من قُرَيشٍ قَالَ قَائِلُهُم ... ببَطْنِ مكةَ لمّا أَسْلَمُوا: زُولُوا [٥]
زَالُوا، فما زَال أَنْكاسٌ ولا كُشُفٌ [٦] ... عند اللّقاءِ، ولا مِيلٌ معازيل [٧]
شمّ العرانين أَبْطالٌ لَبُوسُهمُ ... من نَسْجِ دَاوُد فِي الْهَيْجَا سَرَابِيِلُ
يَمْشُون مَشْيَ الجِمالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهم ... ضَرْبٌ إذا عَرَّد السُّود التَّنَابِيلُ
لا يَفْرَحُون إذا نالتْ سُيُوفهمُ ... قومًا، ولَيْسوا مَجَازِيعًا إذا نِيلُوا
الحواشي
(١) [١] ألهينك: خ ألفينك.
[٢] كذا في الأصل، ح. وفي ع: «فقلت خلوا سبيلي» . وهي الرواية.
[٣] فاعل يقوم الفيل. (ح) .
[٤] سقطت من الأصل، ع. وأثبتناها من ح.
[٥] أراد الهجرة. (ح) .
[٦] أنكاس: جمع نكس وهو الرجل الضعيف. وكشف: جمع أكشف وهو الّذي لا ترس معه.
[٧] في ح: ولا خيل معازيل. وقال في الهامش: الخيل الفرسان. ويروى: ميل، جمع مائل وهو الّذي لا يحسن الفروسية. ومعازيل من أعزل الّذي لا رمح معه في الحرب. أي زالوا من بطن مكة وما فيهم من هذه صفاته.стр. 1167
لا يقع [١] الطّعن إلّا في نحورهم ... وما لهم عَنْ حِياض المَوْت تَهْلِيلُ
[وفي سنة ثمان:
تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَكْبَرُ بَنَاتِهِ [٢] . وَهِيَ الَّتِي غَسَّلَتْهَا أُمُّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةُ، وَأَعْطَاهَا النَّبِيُّ ﷺ حَقْوَهُ [٣] ، وَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ» [٤] . فَجَعَلَتْهُ شِعَارَهَا تَحْتَ كَفَنِهَا. وقد وَلَدت زينبُ من أَبِي العاص بْن الرَّبيع بْن عَبْد شمس، ﵁، [ابنتها] [٥] أُمَامَة التي كَانَ النّبيّ ﷺ يحملها في الصلاة] [٦] .
وفيها: عُمل منبر النّبيّ ﷺ ، فخطب عَلَيْهِ، وحَنَّ إِلَيْهِ الجِذْع الَّذِي كَانَ يخطب عَلَيْهِ.
وفيها: وُلِدَ إِبْرَاهِيم ابن النّبيّ ﷺ [٧] .
وفيها: وهبت سَوْدة أمّ المؤمنين يومها لعائشة.
وفيها: تُوُفِّيَ مُغَفَّلُ بْن عَبْد نُهْم بْن عفيف المُزَنيّ، والد عبد الله، وله صحبة [٨] .
الحواشي
(٣١٤٢) باب كيف غسل الميت، وأحمد في المسند ٥/ ٨٤، ٨٥ و ٦/ ٤٠٧ و ٤٠٨.
[٥] إضافة على الأصل للتوضيح.
[٦] ما بين الحاصرتين ليس في الأصل، والمثبت من نسختي (ع) و (ح) . وقد تقدّم خبر وفاة زينب ﵂، قبل فتح مكة مباشرة، فليراجع هناك.
[٧] تاريخ خليفة ٩٢، تاريخ الطبري ٣/ ٩٥.
[٨] انظر عنه: الاستيعاب ٣/ ٥٠٧، الإصابة ٣/ ٤٥١ رقم ٨١٦٧.стр. 1168
وفيها: مات مَلِك العرب بالشام، الحارث بْن أَبِي شَمِر الغَسَّانيّ، كافرًا. وولي بعده جَبَلة بْن الأَيْهَم.
فَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ، عَنِ ابْنِ عَائِذٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ الْجَحْشِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ وَهُوَ بِالْغُوطَةِ [١] ، فَسَارَ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ. وَقَالَ: فَأَتَيْتُهُ [٢] فَوَجَدْتُهُ يُهَيِّئُ الإِنْزَالَ لِقَيْصَرَ، وَهُوَ جَاءٍ مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ، إِذْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ، شُكْرًا للَّه. فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ رَمَى بِهِ، وَقَالَ: وَمَنْ يَنْزِعُ مِنِّي مُلْكِي؟ أَنَا سَائِرٌ إِلَيْهِ بِالنَّاسِ. ثُمَّ عَرَضَ إِلَى اللَّيْلَ، وَأَمَرَ بِالْخَيْلِ تُنْعَلُ، وَقَالَ: أَخْبِرْ صاحبك بما ترى. فصادف قيصر [١١٢ ب] بِإِيلِيَاءَ وَعِنْدَهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَكَتَبَ قَيْصَرُ إِلَيْهِ: أَنْ لا تَسِيرَ إِلَيْهِ، وَالْهَ عَنْهُ، وَوَافِ [٣] إِيلِيَاءَ.
قَالَ شُجَاعٌ: فَقَدِمْتُ، وَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «بَادَ مُلْكُهُ» [٤] . [ويُقَال: حَجَّ بالناس عَتَّاب بْن أَسِيد أميرُ مكة [٥] .
وقيل: حجَّ النّاس أَوْزَاعًا [٦] .
حكاهما الواقديّ [٧] . والله أعلم] [٨] .
الحواشي
(١) [١] الغوطة: الكورة التي منها مدينة دمشق، وإليها تنسب، فيقال غوطة دمشق. والغوطة لغة من الغائط وهو المطمئن من الأرض.
[٢] في الأصل، ح «فأتيت» . وأثبتنا عبارة ع.
[٣] في الأصل: «ووات» . وأثبتنا عبارة ع، ح.
[٤] تاريخ الطبري ٢/ ٦٥٢.
[٥] تاريخ الطبري ٣/ ٩٥.
[٦] مروج الذهب ٤/ ٣٩٦ والأوزاع: أي متفرّقين.
[٧] في المغازي ٣/ ٩٥٩، ٩٦٠.
[٨] ما بين الحاصرتين لم يرد في الأصل. وأثبتناه من نسختي (ع) و (ح) .стр. 1169
السنة التاسعة
[سريّة الضَّحَّاك بْن سُفْيَان الكِلابيّ إلى القُرَطَاء] [١]
قِيلَ: فِي ربيع الأول بَعَث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جيشا إلى القرَطَاء [٢] ، عليهم الضحَّاك بْن سُفْيَان الكِلابيّ، ومعه الأَصْيَد بْن سَلَمَةَ بْن قُرْط. فلقوهم بالزُّجِّ، زجّ َلاوة [٣] . فدعوْهم إلى الْإِسْلَام، فَأبَوْا. فقاتلوهم فهزموهم. فَلحِق الأصْيَد أَبَاهُ سَلَمَةَ، فدعاه إلى الْإِسْلَام وأَعطاه الأمان، فسبَّه وسبَّ دينه. فعَرْقَب الأصْيَد عُرْقوبَيْ فَرَسه. ثمّ جاء رَجُل من المسلمين فقتل سَلَمَةَ. ولم يقتله ابنُه [٤] .
[سَرِيّة عَلْقَمَة بْن مُجَزِّز المُدْلِجِيّ] [٥]
وفي ربيع الآخر، قِيلَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ بلغه أَنّ ناسًا من الحَبَشَة
الحواشي
(١) [١] العنوان بين الحاصرتين ليس في الأصل وأثبتناه للتوضيح.
[٢] في هامش الأصل: الفرطاء خ، أي في نسخة. والقرطاء: هم قرط وقريطة وقريط بنو عبد بن أبي بكر بن كلاب، بطن من بني بكر. (انظر شرح المواهب اللدنية ٣/ ٥٧) .
[٣] في النسخ الثلاث: «بالرخ رخ لاوة» ، والتصحيح من الواقدي. وزجّ لاوة: موضع بناحية ضرية من نجد على طريق البصرة انظر معجم البلدان ٣/ ١٣٣.
[٤] المغازي (٣/ ٩٨٢) وابن سعد ٢/ ١٦٢.
[٥] العنوان ليس في الأصل. وهو من طبقات ابن سعد ٢/ ١٦٣.стр. 1170
تراءاهم [١] أهُل جُدَّة. فبعث النّبيّ ﷺ علقمة بن مجزّز المدلجيّ في ثلاثمائة، فانتهى إلى جزيرةٍ فِي البحر، فهربوا مِنْهُ [٢] .
[سرية علي بن أبي طالب إلى الفلس] [٣]
وفي ربيع الآخر سريّة عليَّ بْن أَبِي طالب إلى الفلس [٤] ، صنم طيِّئ، ليهدمه. فِي خمسين ومائة رَجُل من الأنصار، عَلَى مائة بعير وخمسين فرسًا، ومعه راية سوداء، ولواء أبيض. فَشنّوا الغارة عَلَى مَحِلَّة آل حاتِم [٥] مَعَ الفجر، فهدموا الفُلْس وخرّبوه، وملئوا أيديهم من السَّبْي والنَّعَم والشَّاء. وفي السّبْي أخت عَدِيّ بْن حاتم. وهرب عديّ إلى الشَّأْم [٦] .
[سريّة عُكَّاشة بْن مِحْصَن إلى أَرْضِ عُذْرَة] [٧] .
وفي هذه الأيام كانت سريّة عُكّاشة بْن مِحْصَن إلى أرض عُذْرَة [٨] .
ذكر هذه السَّرايا شيخُنا الدِّمْياطيّ فِي «مختصر السيرة» . وأظنّه أَخَذه من كلام الواقديّ [٩] .
وَفِي رَجَبٍ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَبْلَ مسيره إلى تبوك على أصحمة
الحواشي
(١) [١] تراءاهم: نظروهم ورأوهم. (شرح المواهب اللدنية ٣/ ٥٨) .
[٢] المغازي للواقدي ٣/ ٩٨٣ وفيه «أهل شعيبة» بدل «أهل جدّة» .
[٣] العنوان ليس في الأصل، وهو من طبقات ابن سعد ٢/ ١٦٤.
[٤] الفلس: صنم لطيّئ، وكان أنفا أحمر في وسط جبلهم الّذي يقال له أجأ، أسود كأنه تمثال إنسان (الأصنام لابن الكلبي: ٥٩) .
[٥] هم آل حاتم الطائي الّذي ضرب المثل بجوده، وكانت محلّتهم في نجد.
[٦] الواقدي: المغازي (٣/ ٩٨٤- ٩٨٩) ، وابن سعد في الطبقات ٢/ ١٦٤.
[٧] العنوان ليس في الأصل، وهو من طبقات ابن سعد ٢/ ١٦٤.
[٨] في طبقات ابن سعد: «ثم سريّة عكاشة بن محصن الأسدي إلى الجناب، أرض عذرة وبليّ، في شهر ربيع الآخر سنة تسع من مهاجر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » (٢/ ١٦٤) .
[٩] سَرِيَّةً عكاشة ليست في مغازي الواقدي، ونرجّح أنّه أخذها من طبقات ابن سعد.стр. 1171
النَّجَاشِيِّ، ﵁، صَاحِبِ الْحَبَشَةِ. وَأَصْحَمَةُ بِالْعَرَبِيِّ: عَطِيَّةٌ. وَكَانَ قَدْ آمَنَ باللَّه وَرَسُولِهِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قَدْ مَاتَ أَخٌ لَكُمْ بِالْحَبَشَةِ» . فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، وَصَفَّهُمْ، وَصَلَّى عَلَيْهِ [١] . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ كَانَ يُتَحَدَّثُ أَنَّهُ لا يَزَالَ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ.
«وَيُكْتَبُ هُنَا الْخَبَرُ الَّذِي فِي السِّيرَةِ قَبْلَ [٢] إسلام عمر» [٣] .
الحواشي
(١) [١] في الأصل: «وصفّهم ﷺ » . والتصحيح من (ع) و (ح) .
والحديث أخرجه مسلم في الجنائز (٦٦/ ٩٥١) باب في التكبير على الجنازة، من طريق أيوب، عن أبي الزبير، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أن أخا لكم قد مات. فقوموا فصلّوا عليه» ، قال: فقمنا فصفّنا صفّين. وانظر (٦٧/ ٩٥١) .
[٢] في الأصل: «وقبل» ، والمثبت من نسختي: (ع) و (ح) .
[٣] في هامش (ح) : كذا بخط الذهبي رحمه الله تعالى» .
والصحيح أنّ الخبر عن النجاشي يأتي بعد الحديث عن إسلام عمر، لا قبله. انظر الجزء الخاص بالسيرة النبويّة من تحقيقنا.стр. 1172
غزوة تبوك [١]
قَالَ ابن إِسْحَاق، عَنْ عاصم بن عمر، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قلّما كَانَ يخرج فِي غزوة إلّا أظهر أَنَّهُ يريد غيرها، إلّا غزوة تَبُوك فإنه قَالَ: أيها النّاس، إنّي أريد الرُّوم. فأَعْلَمَهُمْ. وذلك فِي شدّة الحرّ وَجَدْبٍ [من] [٢] البلاد. وحين طابت الثِّمار، والناس يحبّون المقام فِي ثمارهم.
فبينا رَسُول اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يوم فِي جَهازه، إذْ قَالَ للجَدِّ بْن قَيْس: «يا جَدّ، هَلْ لَكَ فِي بنات بني الأَصْفَر؟ [٣] فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لقد علم قومي أنّه ليس أحدٌ أشدّ عُجْبًا بالنِّساء منّي. وإنّي أخاف إنْ رأَيتُ نساء بني الأصْفَر أَن يَفْتِنَّنِي، فائذنْ لي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فأعرض عنه [١١٣ أ] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: «قد أَذنْتُ لك» . فنزلت وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا في ٩: ٤٩
الحواشي
(١) [١] انظر عنها: المغازي لعروة ٢٢٠، المغازي للواقدي ٣/ ٩٨٩، تاريخ خليفة ٩٢، سيرة ابن هشام ٤/ ١٧٣، طبقات ابن سعد ٢/ ١٦٥، تاريخ الطبري ٣/ ١٠٠، الدرر في المغازي والسير لابن عبد البر ٢٥٣، جوامع السيرة لابن حزم ٢٤٩، نهاية الأرب للنويري ١٧/ ٣٥٢، عيون التواريخ للكتبي ١/ ٣٤٤، عيون الأثر لابن سيّد الناس ٢/ ٢١٥ وغيره.
[٢] سقطت من الأصل، وأثبتناها من نسختي (ع) و (ح) .
[٣] بنو الأصفر: هم الروم.стр. 1173
الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ٩: ٤٩ [١] قَالَ: وقال رَجُل من المنافقين: لا تَنْفِرُوا في الْحَرِّ ٩: ٨١، فنزلت: قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ٩: ٨١ [٢] .
ولم يُنْفِق أحدٌ أَعْظَمَ من نَفَقة عثمان، وحَمَل عَلَى مائة [٣] بعير [٤] .
[رَوَى عُثْمَانُ بْنُ عطاء الخراساني، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّدَقَةِ وَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَنْفَقُوا احْتِسَابًا، وَأَنْفَقَ رِجَالٌ غَيْرَ مُحْتَسِبِينَ. وَحَمَلَ رجال من فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَبَقِيَ أُنَاسٌ. وَأَفْضَلُ مَا تَصَدَّقَ بِهِ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، تَصَدَّقَ بِمِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ، وَتَصَدَّقَ عُمَرُ بِمِائَةِ أُوقِيَّةٍ، وَتَصَدَّقَ عَاصِمٌ [٥] الأَنْصَارِيُّ بِتِسْعِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ [٦] : «هَلْ تَرَكْتَ لأَهْلِكَ شَيْئًا؟» قَالَ: نَعَمْ، أكثر مما أنفقت وأطيب. قال: كم؟ قَالَ: مَا وَدَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الرِّزْقِ والخير] [٧] . قال عمرو بن مرزوق، ثَنَا السَّكَنُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي هِشَامٍ، عَنْ فَرْقَدٍ أَبِي طَلْحَةَ [٨] ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَبَّابٍ، قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحَثَّ عَلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ، قَالَ: فَقَامَ عُثْمَانُ ﵁ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا [٩] فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فقال: ثم حثّ
الحواشي
(١) [١] سورة التوبة، الآية ٤٩.
[٢] سورة التوبة، الآية ٨١.
[٣] في نسختي (ع) و (ح) : «على مائتي بعير» .
[٤] الخبر عن تاريخ الطبري (٣/ ١١٠- ١٠٢) باختصار.
[٥] في ع: «عامر» . والتصحيح من ح. وهو عاصم بن عدي بن الجدّ العجلاني حليف الأنصار.
وانظر ترجمته في أسد الغابة (٣/ ١١٤) والإصابة (٢/ ٢٤٦) .
[٦] في ع، ح: وسأل النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ. ولعل الوجه ما أثبتناه.
[٧] لم يرد هذا الخبر في الأصل، وأثبتناه من ع، ح. وانظر المغازي للواقدي ٣/ ٩٩١.
[٨] في الأصل: «فرقد بن طلحة» . والتصحيح من ع، ح، ومن ترجمته في تهذيب التهذيب (٨/ ٢٦٤) .
[٩] الأحلاس: جمع حلس وهو كل ما ولى ظهر الدابة تحت الرحل والقتب والسرج. والأقتاب:
جمع قتب وهو الإكاف أو الرحل الصغير على قدر سنام البعير.стр. 1174
ثَانِيَةً، فَقَامَ عُثْمَانُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيَّ مِائَتَا بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ثُمَّ حَضَّ، أَوْ قَالَ: حَثَّ، الثَّالِثَةَ، فَقَامَ عُثْمَانُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيَّ ثَلَاثُمِائَةِ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ:
أَنَا شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: «مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ» . أَوْ قَالَ: «بَعْدَهَا» [١] . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ [٢] وَغَيْرُهُ، عَنِ السَّكَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ. وَقَالَ ضَمْرَةُ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ كَثِيرٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ مَوْلَاهُ، قَالَ: جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَلْفِ دِينَارٍ حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَفَرَّغَهَا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُهَا وَيَقُولُ:
«مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ» [٣] . قَالَهَا مِرَارًا. وَقَالَ بُرَيْدٌ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلَهُ لَهُمُ الْحُمْلَانَ [٤] ، إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ، وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٥] .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [٦] : ثُمَّ إِنَّ رِجَالا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهم البكّاءون،
الحواشي
(١) [١] أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٧٥ وابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٢ وما بعدها.
[٢] منحة المعبود. كتاب الخلافة والإمارة، أبواب خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، باب ما جاء في البيعة له وذكر شيء من مناقبه (٢/ ١٧٥) . وانظر تاريخ دمشق ٥٢ وما بعدها (ترجمة عثمان) .
[٣] رواه أحمد في المسند ٥/ ٦٣، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٧ و ٥٨ وسيذكره المؤلّف مرّة أخرى في ترجمة عثمان بن عفّان، في الجزء الخاص بالخلفاء الراشدين، وهو من تحقيقنا- ص ٤٦٢.
[٤] الحملان: ما يحمل عليه من الدّوابّ.
[٥] أخرجه البخاري في المغازي ٥/ ١٢٨ باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة، ومسلم في كتاب الأيمان (٨/ ١٦٤٩) باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها أن يأتي الّذي هو خير ويكفّر عن يمينه.
[٦] في سيرة ابن هشام ٤/ ١٧٤ وتاريخ الطبري ٣/ ١٠٢، وطبقات ابن سعد ٢/ ١٦٥.стр. 1175
وَهُمْ سَبْعَةٌ [١] مِنَ الأَنْصَارِ: سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو لَيْلَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْحُمَامِ بْنِ الْجَمُوحِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْمُزَنِيُّ، وَهَرِمُ [بْنُ] [٢] عَبْدِ الله، والعرباض ابن سَارِيَةَ الْفَزَارِيُّ. فَاسْتَحْمَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانُوا أهُلَ حَاجَةٍ، فَقَالَ:
لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ. تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ٩: ٩٢ [٣] . فَبَلَغَنِي أَنَّ يَامِينَ بْنَ عَمْرٍو، لَقِيَ أَبَا لَيْلَى وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ وَهُمَا يَبْكِيَانِ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكُمَا؟ فَقَالا: جِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَحْمِلَنَا، فَلَمْ نَجِدْ عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْخُرُوجِ. فَأَعْطَاهُمَا نَاضِحًا لَهُ فَارْتَحَلاهُ وَزَوَّدَهُمَا شَيْئًا مِنْ لَبَنٍ [٤] .
وَأَمَّا عُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ فَخَرَجَ مِنَ اللَّيْلَ فَصَلَّى مِنْ لَيْلَتِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ بَكَى وَقَالَ:
اللَّهمّ إِنَّكَ قَدْ أَمَرْتَ بِالْجِهَادِ وَرَغَّبْتَ فِيهِ، ثُمَّ لَمْ تَجْعَلْ عِنْدِي مَا أَتَقَوَّى بِهِ، وَلَمْ [١١٣ ب] تَجْعَلْ فِي يَدِ رَسُولِكَ مَا يَحْمِلُنِي عَلَيْهِ، وَإِنِّي أَتَصَدَّقُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِكُلِّ مَظْلِمَةٍ أَصَابَنِي بِهَا فِي مَالٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ عِرْضٍ [٥] . ثُمَّ أَصْبَحَ مَعَ النَّاسِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ» ؟ فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ. ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ «الْمُتَصَدِّقُ؟ فَلْيَقُمْ» . فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«أَبْشِرْ، فو الّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ كُتِبَتْ فِي الزَّكَاةِ المتقبّلة» [٦] .
الحواشي
(١) [١] في الأصل، ح: «وهم سبعة منهم من الأنصار» ، والمثبت من (ع) .
[٢] سقطت من الأصل، وأثبتناها من (ع) و (ح) . ويقال له) هرم أو هرميّ، أخو بني واقف.
[٣] سورة التوبة، الآية ٩٢.
[٤] في السيرة لابن هشام ٤/ ١٧٤ وتاريخ الطبري ٣/ ١٠٢ «شيئا من تمر» بدل «لبن» .
[٥] العرض: بسكون الراء المتاع. (النهاية في غريب الحديث ٣/ ٨٤) .
[٦] أخرجه ابن حجر في الإصابة ٢/ ٥٠٠ وقال ورد مسندا موصولا من حديث مجمع بن حارثة، ومن حديث عمرو بن عوف وأبي عبس بن حبر، ومن حديث علبة بن زيد وقتيبة ...стр. 1176
وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ من الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ٩: ٩٠ [١] [٢] فاعْتَذَرُوا فَلَمْ يَعْذِرْهُمُ اللَّهُ. فَذَكَرَ أَنَّهُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ.
قَالَ: وَقَدْ كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْطَأَتْ بِهِمُ النِّيَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى تَخَلَّفُوا عَنْ غَيْرِ شَكِّ وَلا ارْتِيَابٍ، مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَخُو بَنِي سَلَمَةَ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ أَخُو بَنِي وَاقِفٍ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ. وَكَانُوا رَهْطَ صِدْقٍ [٣] .
ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ محمد ابن مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِيَّ. فَلَمَّا خَرَجَ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَمَعَهُ زِيَادَةٌ عَلَى ثَلاثِينَ أَلْفًا مِنَ النَّاسِ. وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ عَسْكَرَهُ عَلَى ذِي حِدَّةٍ [٤] أَسْفَلَ مِنْهُ، وَمَا كَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ بِأَقَلِّ الْعَسْكَرَيْنِ [٥] .
فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، تَخَلَّفَ عَنْهُ ابْنُ سَلُولٍ فِيمَنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرَّيْبِ. وَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَى أَهْلِهِ، وَأَمَرَهُ بِالإِقَامَةِ فِيهِمْ، فَأَرْجَفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا: مَا خَلَّفَهُ إِلا اسْتِثْقَالا له وتخفّفا مِنْهُ. فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ، أَخَذَ عَلِيٌّ سِلاحَهُ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجُرْفِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ الْمُنَافِقُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا خَلَّفْتَنِي تَسْتَثْقِلُنِي وَتَخَفَّفُ مِنِّي. قَالَ: «كَذَبُوا، وَلَكِنْ خَلَّفْتُكَ لِمَا تَرَكْتُ وَرَائِي، فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِكَ، أَلا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلا أَنَّهُ لا نبيّ بعدي» . فرجع إلى المدينة [٦] .
الحواشي
(١) [١] المعذّرون: الذين يعتذرون وهم غير محقّين في العذر.
[٢] سورة التوبة، الآية ٩٠.
[٣] سيرة ابن هشام ٤/ ١٧٥، المحبّر لابن حبيب ٢٨٤، ٢٨٥.
[٤] في الأصل «عسكره على حدة عسكره أسفل منه» والمثبت من (ع) و (ح) . وهو «ذو حدة» في وفاء ألوفا (٢/ ٣٠٩) .
[٥] سيرة ابن هشام ٤/ ١٧٥.
[٦] سيرة ابن هشام ٤/ ١٧٥.стр. 1177
وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [١] مِنْ حَدِيثِ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُخَلِّفُنِي فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ قَالَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» . وَرَوَاهُ عَامِرٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، ابْنَا سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِمَا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى تَبُوكَ، جَعَلَ لَا يَزَالُ يَتَخَلَّفُ الرَّجُلُ فَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَخَلَّفَ فُلانٌ. فَيَقُولُ:
«دَعُوهُ، إِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ» . حَتَّى قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَخَلَّفَ أَبُو ذرّ [١١٤ أ] وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ، فَقَالَ: «دَعُوهُ، إِنْ يَكُ فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يكن غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ» . فَتَلوَّمَ أَبُو ذَرٍّ بَعِيرَهُ فَلَمَّا بَطَّأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ فَجَعَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَتْبَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَاشِيًا. [ونزل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ] [٢] فِي بَعْضِ مَنَازِلِهِ، وَنَظَرَ نَاظِرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَمْشِي عَلَى الطَّرِيقِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُنْ أَبَا ذَرٍّ» . فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ الْقَوْمُ قَالُوا: هُوَ وَاللَّهِ أَبُو ذَرٍّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ، يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ» . فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِنْ ضَرْبِهِ، وَسُيِّرَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَةِ [٣] ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى امْرَأَتَهُ وَغُلامَهُ: إِذَا مِتُّ فَاغْسِلانِي وكفّناني وضعاني
الحواشي
(٣٨٠٨) ، وابن سعد في الطبقات ٣/ ٢٤، ٢٥، والكلابي في المسند وهو ملحق بكتاب مناقب أمير المؤمنين علي» لابن المغازلي- ص ٢٧٦ رقم ٢٩، ٣٠، وابن الأثير في جامع الأصول ٨/ ٦٤٩، وابن جميع الصيداوي في معجم الشيوخ- ص ٢٤٠، ٢٤١ رقم ١٩٦ (بتحقيقنا) - الحاشية رقم(٥) .
[٢] سقطت من الأصل والمثبت من: ع، ح، وسيرة ابن هشام ٤/ ١٧٧.
[٣] الزبدة: بالتحريك، قرية من قرى المدينة على ثلاثة أيام. (معجم البلدان ٣/ ٢٤) .стр. 1178
عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّونَ بِكُمْ فَقُولُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ. فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، فَاطَّلَعَ رَكْبٌ، فَمَا عَلِمُوا بِهِ حَتَّى كَادَتْ رَكَائِبُهُمْ تَوَطَّأُ سَرِيرَهُ، فَإِذَا ابْنُ مَسْعُودٍ فِي رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ. فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: جِنَازَةُ أَبِي ذَرٍّ. فَاسْتَهَلَّ ابْنُ مَسْعُودٍ يَبْكِي، فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ، يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ. فَنَزَلَ، فَوَلِيَهُ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَجَنَّهُ [١] .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [٢] : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بكر، أنّ أبا خيثمة، أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ، رَجَعَ- بَعْدَ مَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيَّامًا- إِلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ، فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ فِي حَائِطٍ قَدْ رَشَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا [٣] ، وَبَرَّدَتْ لَهُ فِيهِ مَاءً، وَهَيَّأَتْ لَهُ فِيهِ طَعَامًا. فَلَمَّا دَخَلَ قَامَ عَلَى بَابِ الْعَرِيشَيْنِ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ فِي الضِّحِّ [٤] وَالرِّيحِ والحرّ، وأنا في ظلّ بارد وماء بارد وَطَعَامٍ مُهَيَّإٍ وَامْرَأَةٍ حَسْنَاءَ، فِي مَالٍ مُقِيمٍ؟ مَا هَذَا بِالنَّصَفِ. ثُمَّ قَالَ: لا، وَاللَّهِ، لا أَدْخُلُ عَرِيشَ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَتَّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَهَيِّئَا لِي زَادًا. فَفَعَلَتَا. ثُمَّ قَدَّمَ نَاضِحَهُ فَارْتَحَلَهُ. ثُمَّ خَرَجَ فِي طَلَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى أَدْرَكَهُ بِتَبُوكَ حِينَ نَزَلَهَا. وَقَدْ كَانَ أَدْرَكَهُ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ فِي الطَّرِيقِ فَتَرَافَقَا، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْ تبوك، قال أبو خيثمة لِعُمَيْرٍ: إِنَّ لِي ذَنْبًا، تَخَلَّفْ عَنِّي حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ. فَفَعَلَ. فَسَارَ حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «كُنْ أبا خيثمة» . فقالوا: هو والله أبا خيثمة، فَأَقْبَلَ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: «أَوْلَى لَكَ أَبَا خيثمة» . ثُمَّ أَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الخبر، فقال له خيرا.
الحواشي
(١) [١] سيرة ابن هشام ٤/ ١٧٧، تاريخ الطبري ٣/ ١٠٧.
[٢] سيرة ابن هشام ٤/ ١٧٥، تاريخ الطبري ٣/ ١٠٤، المغازي للواقدي ٣/ ٩٩٨.
[٣] في الأصل «عرشها» ، والمثبت من (ع) و (ح) .
[٤] الضّح: الشمس. وفي نسختي: (ع) و (ح) : «في الضح والشمس.стр. 1179
وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة [١] . [و] قاله مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ. فَذَكَرَ نَحْوًا مِنْ سِيَاقِ ابْنِ إِسْحَاقَ.
وقال مَعْمَر، عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عُقَيْل، قَالَ: فِي قوله تعالى:
اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ الْعُسْرَةِ ٩: ١١٧ [٢] ، قَالَ: خرجوا فِي غزوة تبوك، الرَّجُلان والثَّلاثة [١١٤ ب] عَلَى بعيرٍ، وخرجوا فِي حرِّ شديدٍ، فأصابهم يوما عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم ليعصروا أَكْرَاشها ويشربوا مَاءها [٣] .
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَسِيرٍ، فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ، حَتَّى هَمَّ أَحَدُهُمْ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ. الْحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ [٤] .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، شَكَّ الْأَعْمَشُ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَذِنَتْ لَنَا فَنَنْحَرُ نَوَاضِحَنَا، فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا. فَقَالَ: «أَفْعَلُ» . فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِنْ ادْعُ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، وَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ فِيهَا بِالْبَرَكَةِ. فَقَالَ: نَعَمْ. فَدَعَا بنِطَعٍ فبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ. فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِكَفِّ ذُرَةٍ، وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ. فَأَخَذُوا حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلَّا مَلَئُوهُ، وَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضِلَتْ فَضْلةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لَا يلقى الله بها عبد غير شاكّ،
الحواشي
(١) [١] في المغازي- ص ٢٢٠.
[٢] سورة التوبة، الآية ١١٧.
[٣] طبقات ابن سعد ٢/ ١٦٧.
[٤] في كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاكّ فيه دخل الجنة وحرّم على النّار.стр. 1180
فَيُحْجَبُ عَنِ الْجَنَّةِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [١] . وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ ﵁: حَدِّثْنَا مِنْ شَأْنِ الْعُسْرَةِ. فَقَالَ: خَرَجْنَا إِلَى تَبُوكَ فِي قَيْظٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلا أَصَابَنَا فِيهِ عَطَشٌ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّ رِقَابَنَا سَتَنْقَطِعُ، حَتَّى أَنْ كَانَ الرَّجُلُ [٢] لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ عَلَى كَبِدِهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَوَّدَكَ فِي الدُّعَاءِ خَيْرًا فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. قَالَ: «أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟» قَالَ:
نَعَمْ. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يُرْجِعْهُمَا حَتَّى قَالَتِ السَّمَاءُ فَأَطَلَّتْ ثُمَّ سَكَبَتْ، فَمَلَئُوا مَا مَعَهُمْ. ثُمَّ ذَهَبْنَا نَنَظْرُ فَلَمْ نَجِدْهَا جَاوَزَتِ الْعَسْكَرَ. حَدِيثٌ حَسَنٌ قَوِيٌّ [٣] .
وَقَالَ مَالِكٌ، وَغَيْرُهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُعَذَّبِينَ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لَا يُصِيبُكُمْ مِثْلَ مَا أَصَابَهُمْ» [٤] ، يَعْنِي أَصْحَابَ الْحِجْرِ [٥] . وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، [عَنِ ابْنِ عُمَرَ] [٦] ، قَالَ:
لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحِجْرَ، أَمَرَهُمْ أَنْ لا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا، وَلا يَسْتَقُوا مِنْهَا. فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا وَاسْتَقَيْنَا. فَأَمَرَهُمْ [١١٥ أ] أن يطرحوا ذلك
الحواشي
(١) [١] المصدر نفسه.
[٢] في الأصل: «حتى أن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته سَتَنْقَطِعُ حَتَّى أَنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ إلخ» ، وأظنه من أوهام النسخ، وأثبتنا نص ع، ح.
[٣] انظر تاريخ الطبري ٣/ ١٠٥ وقال ابن كثير: إسناده جيد ولم يخرجوه من هذا الوجه (السيرة النبويّة ٤/ ١٦) .
[٤] سيأتي تخريجه.
[٥] أصحاب الحجر: هم ثمود الذين كذّبوا النبيّ صالحا ﵇. وكانت دارهم تسمّى «الحجر» وهي بوادي القرى بين المدينة والشام. (معجم البلدان ٢/ ٢٢١) .
[٦] سقطت من الأصل، والمثبت من (ع) و (ح) .стр. 1181
الْعَجِينَ وَيُرِيقُوا ذَلِكَ الْمَاءَ. أَخْرَجَهُمَا الْبُخَارِيُّ [١] . وَلِمُسْلِمٍ مِثْلُ الأَوَّلِ مِنْهُمَا [٢] .
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ عبد الله: أن النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحِجْرَ، فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا وَعَجَنُوا بِهِ. فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُهَرِيقُوا الْمَاءَ، وَيَعْلِفُوا الإِبلَ الْعَجِينَ، وَأَمَرُهْم أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتِ النَّاقَةُ تَرُدُّهَا [٣] . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٤] .
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عام تَبُوكَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. قَالَ: فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ [ثُمَّ خَرَجَ] [٥] فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءِ جَمِيعًا. ثُمَّ قَالَ: أَنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى [٦] يُضْحِيَ النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِيَ. قَالَ:
فجِئناها وَقَدْ سَبَقَ إِلَيْهَا رَجُلَانِ، وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ [٧] بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ.
فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ مَسِسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟» قَالَا: نَعَمْ. فَسَبَّهُمَا، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ. ثُمَّ غَرَفُوا مِنَ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَنٍّ [٨] ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ وجهه، ثم أعاده فيها. فجرت العين
الحواشي
(١) [١] انظر للبخاريّ كتاب الصلاة (١/ ١١٢) باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب، وكتاب المغازي (٥/ ١٣٥) باب نزول النّبيّ ﷺ الحجر، وكتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ٧: ٧٣.
[٢] في كتاب الزهد، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلّا أن تكونوا باكين. وأخرج الإمام أحمد مثله في المسند ٢/ ٩ و ٥٨ و ٦٦ و ٧٢ و ٧٤ و ٩١ و ٩٦ و ١١٣ و ١٣٧.
[٣] في النسخ الثلاث: ترده. والوجه ما أثبتناه. وعبارة مسلم: «التي كانت تردها الناقة» .
[٤] في كتاب الزهد، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلخ (٨/ ٢٢١) .
[٥] سقطت من الأصل، وأثبتناها من ع، ح ومسلم.
[٦] في الأصل: حين. والتصحيح من ع، ح ومسلم.
[٧] تبضّ: بض الماء يبضّ بضيضا: سال قليلا قليلا. (الصحاح ١٠٦٦) .
[٨] الشنّ: القربة الخلقة: (انظر شرح المواهب اللدنية ٣/ ٨٩) .стр. 1182
بِمَاءٍ كَثِيرٍ، فَاسْتَقَى النَّاسُ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُوشِكُ يَا مُعَاذُ، إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، أَنْ تَرَى ما [ها] [١] هنا قد مليء جِنَانًا» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٢] . وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَأَتَيْنَا وَادِي الْقُرَى، عَلَى حَدِيقَةٍ لِامْرَأَةٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اخْرُصُوهَا. فَخَرَصْنَاهَا وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ. وَقَالَ: أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ» . فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بجبلي طيِّئ. وَجَاءَ ابْنُ الْعَلْمَاءِ صَاحِبُ أَيْلَةَ [٣] إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكِتَابٍ، وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَهْدَى لَهُ بُرْدًا. ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا، فَقَالَ: بَلَغَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ.
فَقَالَ: «إِنِّي مُسْرِعٌ فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ» . فَخَرَجْنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ. فَقَالَ: «هَذِهِ طَابَةٌ، وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٤] ، أَطْوَلَ مِنْهُ، وَلِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ [٥] . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ [١١٥ ب] حين مرّ بالحجر استقوا من بئرها. فلما
الحواشي
(١) [١] سقطت من الأصل، والمثبت من (ع) و (ح) ، وصحيح مسلم.
[٢] في كتاب الفضائل، باب في معجزات النبيّ ﷺ . وأخرجه أحمد في المسند ٢/ ٣٠٨ و ٣٢٣ و ٥/ ٢٣٨، والواقدي في المغازي ٣/ ١٠١٢، ١٠١٣.
[٣] أيلة: مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام، قيل سميت باسم أيلة بنت مدين بن إبراهيم ﵇. (معجم البلدان ١/ ٢٩٢) .
[٤] في كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي ﷺ (٧/ ٦١) .
[٥] صحيح البخاري: كتاب الزكاة. باب خرص التمر (٢/ ١٥٥) . وأحمد في المسند ٥/ ٤٢٤ و ٤٢٥.стр. 1183
رَاحُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا، وَلا تَوَضَّئُوا مِنْهُ، وَمَا كَانَ مِنْ عَجِينٍ عَجَنْتُمُوهُ مِنْهُ فَاعْلِفُوهُ الإِبِلَ، وَلا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ إِلا وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ» . فَفَعَلَ النَّاسُ مَا أَمَرَهُمْ، إِلا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، خَرَجَ أَحَدُهُمَا لِحَاجَتِهِ وَالآخَرُ لِطَلَبِ بَعِيرٍ لَهُ. فَأَمَّا الَّذِي ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فَإِنَّهُ خُنِقَ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاحْتَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى طَرَحَتْهُ بِجَبَلِ طيِّئ. فأخبر بذلك رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ؟ ثُمَّ دَعَا لِلَّذِي أُصِيبَ عَلَى مَذْهَبِهِ فَشُفِيَ.
وَأَمَّا الآخَرُ فَإِنَّهُ وَصَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مِنْ تَبُوكَ. وَهَذَا مُرْسَلٌ مُنْكَرٌ [١] . وَقَالَ ابْن وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ نَزَلَ بِتَبُوكَ وَهُوَ حَاجٌّ، فَإِذَا رَجُلٌ مُقْعَدٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ: سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثًا فَلَا تُحدِّثْ بِهِ مَا سَمِعْتَ أَنِّي حَيٌّ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ بِتَبُوكَ إِلَى نَخْلةٍ، فَقَالَ: «هَذِهِ قِبْلَتُنَا» . ثُمَّ صَلَّى إِلَيْهَا. فَأَقْبَلْتُ، وَأَنَا غُلَامٌ، أَسْعَى حَتَّى مَرَرْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَقَالَ: «قَطَعَ صَلَاتَنَا، قَطَعَ اللَّهُ أَثَرَهُ» . قَالَ: فَمَا قُمْتُ عَلَيْهَا إِلَى يَوْمِي هَذَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مَوْلًى لِيَزِيدَ بْنِ نِمْرَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ نِمْرَانَ، قَالَ: رَأَيْتُ مُقْعَدًا بِتَبُوكَ. فَقَالَ: مَرَرْتُ بَيْنَ يدي النَّبِيّ ﷺ وَأَنَا عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ يُصَلِّي. فَقَالَ: «اللَّهمّ اقْطَعْ أَثَرَهُ» . فَمَا مَشَيْتُ عَلَيْهِمَا بَعْدُ [٢] .
أَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُدَ [٣] . وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنا الْعَلاءُ أَبُو مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَبُوكَ، فَطَلَعَتِ الشَّمْسُ بِضِيَاءٍ وشعاع
الحواشي
(١) [١] رواه ابن هشام في السيرة ٤/ ١٧٦.
[٢] في الأصل: «فما مشيت بعدها» . والمثبت من ع، ح. وفي سنن أبي داود ١/ ١٨٨ ز عليها لإ.
[٣] في كتاب الصلاة، باب ما يقطع الصلاة (٧٠٥ و ٧٠٧) .стр. 1184
وَنُورٍ لَمْ أَرَهَا طَلَعَتْ فِيمَا مَضَى. فَأَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا جِبْرِيلُ، مَا لِي أَرَى الشَّمْسَ الْيَوْمَ بِضِيَاءٍ وَنُورٍ وَشُعَاعٍ لَمْ أَرَهَا طَلَعَتْ فِيمَا مَضَى؟» فَقَالَ: ذَاكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيَّ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ الْيَوْمَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ سَبْعِينَ أَلْفِ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ. قَالَ: «وَفِيمَ ذَاكَ؟» قَالَ: كَانَ يُكْثِرُ قِرَاءَةَ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ١١٢: ١ [١] ، بالليل وَالنَّهَارَ، وَفِي مَمْشَاهُ وَقِيَامِهِ وَقُعُودِهِ، فَهَلْ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أَقْبِضَ لَكَ الأَرْضَ فَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ:
فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثم رجع. العلاء منكر الحديث واه [٢] . [و] [٣] رواه الْحَسَنُ الزَّعْفَرَانِيُّ، عَنْ يَزِيدَ. [وَقَالَ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا صَدَقَةُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بن مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيَّ تُوُفِّيَ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي جِنَازَةِ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيِّ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ:
هَكَذَا، فَفَرَّجَ لَهُ الْجِبَالَ وَالآكَامَ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي وَمَعَهُ جِبْرِيلُ فِي سَبْعِينَ أَلْفِ مَلَكٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ، بِمَ بَلَغَ؟ فَقَالَ: بِكَثْرَةِ قِرَاءَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ١١٢: ١، كَانَ يَقْرَؤُهَا قَائِمًا وَقَاعِدًا وَرَاكِبًا وَمَاشِيًا.
مُرْسَلٌ [٤] . وَقَالَ ابْنُ جَوْصَا، وَعَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ، وَأَبُو الدَّحْدَاحِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- ثنا نُوحُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُوَيٍّ السَّكْسَكِيُّ، ثنا بقيّة، ثنا محمد
الحواشي
(١٠٤١) ، ورواه البيهقي كما قال ابن كثير (السيرة ٤/ ٢٦) .стр. 1185
ابن زِيَادٍ الأَلْهَانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِتَبُوكَ فَقَالَ: احْضُرْ جِنَازَةَ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيِّ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهَبَطَ جِبْرِيلُ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمَلائِكَةِ ﵈، فَوَضَعَ جَنَاحَهُ عَلَى الْجِبَالِ فَتَوَاضَعَتْ حَتَّى نَظَرُوا إِلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجِبْرِيلُ وَالْمَلائِكَةُ. فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ: «يَا جِبْرِيلُ، بِمَ أَدْرَكَ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ مِنَ اللَّهِ ؟» قَالَ: بِقِرَاءَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ١١٢: ١ قَائِمًا وَقَاعِدًا وراكبا وماشيا. قلت: ما علمت فِي نُوحٍ [١] جَرْحًا، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ مُنْكَرٌ جِدًّا، ما أعلم أحدا تَابَعَهُ عَلَيْهِ أَصْلا عَنْ بَقِيَّةَ. وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ حِبَّانَ حَدِيثَ الْعَلاءِ وَقَالَ:
حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لا يُتَابَعُ عَلَيْهِ. قَالَ: وَلا أَحْفَظُ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ يُقَالُ لَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ. وَقَدْ سَرَقَ هَذَا الْحَدِيثَ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَرَوَاهُ عَنْ بَقِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ] [٢] .
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْمُؤَذِّنُ، ثنا مَحْبُوبُ بْنُ هِلالٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَاتَ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيُّ، أَفَتُحِبُّ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ شَجَرَةٍ وَلا أَكَمَةٍ إِلا تَضَعْضَعَتْ لَهُ. فصلّى عليه وخلفه صفّان من الملائكة، في كل صفّ سبعون ألف ملك. قلت: «يا جبريل، بم نال [٣] هذا؟» قال:
بِحُبِّهِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ١١٢: ١ يَقْرَؤُهَا قَائِمًا وقاعدا وذاهبا [١١٦ أ] وَجَائِيًا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ [٤] . مَحْبُوبٌ مَجْهُولٌ، لا يتابع على هذا [٥] .
الحواشي
(٩١٣٩) ، ولسان الميزان لابن حجر ٦/ ١٧٣، ١٧٤.
[٢] ما بين الحاصرتين لم يرد في الأصل، والمثبت من: (ع) و (ح) .
[٣] في الأصل: «ما بال» . والتصحيح من ع، ح.
[٤] رواه الطبراني في المعجم الكبير ١٩/ ٤٢٨، ٤٢٩ رقم(١٠٤٠) .
[٥] انظر: ميزان الاعتدال للمؤلّف ٣/ ٤٤٢ رقم(٧٠٨٥) ، ولسان الميزان ٥/ ١٧ رقم ٦٤.стр. 1186
قَالَ الْبَكَّائِيُّ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ، يَعْنِي مِنْ يَوْمِ الْحِجْرِ، وَلا مَاءَ مَعَهُمْ، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ سَحَابَةً، فَأَمْطَرَتْ حَتَّى ارْتَوَى النَّاسُ [١] .
فَحَدَّثَنِي عَاصِمٌ، قَالَ: قُلْتُ لِمَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ: هَلْ كَانَ النَّاسُ يَعْرِفُونَ النِّفَاقَ فِيهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ، لَقَدْ أَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحِجْرِ مَا كَانَ، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَعَا فَأَرْسَلَ اللَّهُ السَّحَابَةَ، فَأَمْطَرَتْ. قَالُوا: أَقْبَلْنَا عَلَيْهِ نقول: ويحك، له بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ؟ قَالَ: سَحَابَةٌ سَائِرَةٌ [٢] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَارَ، فَضَلَّتْ نَاقَتُهُ، فَخَرَجَ أَصْحَابُهُ فِي طَلَبِهَا. وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ، وَكَانَ عَقَبِيًّا بَدْرِيًّا. وَكَانَ فِي رَحْلِهِ زَيْدُ بْنُ اللُّصَيْتِ [٣] الْقَيْنُقَاعِيِّ وُكُانُ مِنُافِقًا. فَقَالَ زَيْدٌ، وَهُوَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ: أَلَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَيُخْبِرُكُمْ عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَهُوَ لا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَعُمَارَةُ عِنْدَهُ:
«إِنَّ رَجُلا قَالَ كَذَا وَكَذَا. وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ إِلا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ. وَقَدْ دَلَّنِي اللَّهُ عَلَيْهَا، وَهِيَ فِي هَذَا الْوَادِي فِي شِعْبِ كَذَا، وَقَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا» . فَذَهَبُوا فَجَاءُوا بِهَا. فَذَهَبَ عُمَارَةُ إِلَى رَحْلِهِ فَقَالَ: وَاللَّهِ عَجَبٌ مِنْ شَيْءٍ حَدَّثَنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آنِفًا، عَنْ مَقَالَةِ قَائِلٍ أَخْبَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ بِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ، وَلَمْ يَحْضُرْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : زَيْدٌ، وَاللَّهِ، قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ. فَأَقْبَلَ عُمَارَةُ عَلَى زَيْدٍ يَجَأُ فِي [٤] عُنُقِهِ، وَيَقُولُ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ فِي رَحْلِي لَدَاهِيَةً وَمَا أَشْعُرُ. اخْرُجْ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ مِنْ رَحْلِي.
الحواشي
(١) [١] سيرة ابن هشام ٤/ ١٧٦.
[٢] السيرة ٤/ ١٧٦.
[٣] في الأصل «زيد بن الصليت» ، وهو تحريف، والتصحيح من نسختي: (ع) و (ح) .
[٤] في السيرة لابن هشام ٤/ ١٧٧ والمثبت يتّفق مع تاريخ الطبري ٣/ ١٠٦.стр. 1187
فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ زَيْدًا تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ، مِنْهُمْ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمخشنُ [١] بْنُ حُمَيِّرٍ، يُشِيرُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى تَبُوكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتَحْسَبُونَ جِلادَ بَنِي الأَصْفَرِ كَقِتَالِ الْعَرَبِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؟ وَاللَّهِ لَكَأَنَّا بِكُمْ غَدًا مُقَرَّنِينَ فِي الْحِبَالِ، إِرْجَافًا وَتَرْهِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ مخشنُ بْنُ حُمَيِّرٍ:
وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقَاضَى عَلَى أَنْ يُضْرَبَ كُلٌّ مِنَّا مِائَةَ جَلْدَةً، وَأَنَّا نَنْفَلِتُ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْآنٌ لِمَقَالَتِكُمْ هَذِهِ.
وَقَالَ رسول الله ﷺ ، فيما بَلَغَنِي، لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: أَدْرِكِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدِ اخْتَرَقُوا [٢] ، فَسَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا، فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ: بَلَى، قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا. فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ عَمَّارٌ، فَقَالَ ذَلِكَ لَهُمْ. فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْتَذِرُونَ. فَقَالَ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ. فَنَزَلَتْ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ ٩: ٦٥ [٣] . فَقَالَ مخشنُ بْنُ حُمَيِّرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَعَدَ بِي اسْمِي وَاسْمُ أَبِي. فَكَانَ الَّذِي عفي عنه في هذه [١١٦ ب] الآيَةِ مخشنٌ، يَعْنِي إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ ٩: ٦٦ [٤] . فَتسَمَّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَقْتُلَهُ شَهِيدًا لا يُعْلَمُ بِمَكَانِهِ. فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ولم يوجد له أثر [٥] .
الحواشي
(١) [١] قال ابن هشام: ويقال مخشى، وهو ما ورد في النسخة (ع) .
وجاء في هامش نسخة (ح) : «وضبطه الأمير: مخشي بن حميّر الأشجعي» . والأمير هو ابن ماكولا في كتابه الإكمال ٧/ ٢٢٨.
[٢] في الأصل، وسيرة ابن هشام ٤/ ١٧٧ «احترقوا» بالحاء المهملة، وفي تحقيق محمود محمد شاكر لإمتاع الأسماع للمقريزي ١/ ٤٥٣ أثبتها بالخاء المعجمة، لأنها أجود وأبين. وقال:
الاختراق والاختلاق والافتراء والكذب، وذلك من قوله تعالى: وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ ٦: ١٠٠ (الأنعام- ١٠٠) أي اختلقوا كذبا وكفرا.
[٣] سورة التوبة، الآية ٦٥.
[٤] سورة التوبة، الآية ٦٥.
[٥] سيرة ابن هشام ٤/ ١٧٧، ١٧٨، تاريخ الطبري ٣/ ١٠٨.стр. 1188
وَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى تَبُوكَ، أَتَاهُ يُحَنَّةُ بْنُ رُؤْبَةَ صَاحِبُ أَيْلَةَ، فَصَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَعطَاهُ الْجِزْيَةَ. وَأَتَاهُ أَهْلُ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ [١] فَأَعْطَوْهُ الْجِزْيَةَ. وَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا، فَهُوَ عِنْدَهُمْ [٢] .
[فائدة]
قَالَ ابن إِسْحَاق: أعطى رَسُول اللَّهِ ﷺ أهُل أَيْلة بُرْدَةً مَعَ كتابه، فاشتراها منهم أَبُو الْعَبَّاس عَبْد اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ- يَعْنِي السَّفَّاحَ- بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ [٣] .
وقال مُوسَى بْن عُقْبة، قَالَ ابن شهاب: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي غزوته تِلْكَ تبوكًا ولم يتجاوزها. وأَقام بضع عشرة ليلة، يعني بتبوك [٤] .
وقال يحيى بْن أَبِي كثير، عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن ثَوْبان، عَنْ جَابِر، قَالَ: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يَقْصُرُ الصّلاة. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد [٥] . وإسناده صحيح.
الحواشي
(١٢٣٥) باب إذا أقام بأرض العدوّ يقصر.стр. 1189
بَعث خَالِد بْن الوليد إلى أكيدر دُومَة [١]
وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، رَجُلٍ مِنْ كِنْدَةَ، وَكَانَ مَلِكًا عَلَى دُومَةَ [٢] وَكَانَ نَصْرَانِيًّا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِخَالِدٍ: إِنَّكَ سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ. فَخَرَجَ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ حِصْنِهِ مَنْظَرُ الْعَيْنِ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ صَافِيَةٍ، وَهُوَ عَلَى سَطْحٍ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ، [فَأَتَتِ الْبَقَرَ تَحُكُّ بِقُرُونِهَا بَابَ الْقَصْرِ. فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ] [٣] : هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا قَطُّ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ. قَالَتْ: فَمَنْ يَتْرُكُ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لا أَحَدُ. فَنَزَلَ فَأَمَرَ بِفَرَسِهِ فَأُسْرِجَ، وَرَكِبَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فِيهِمْ أَخُوهُ حَسَّانٌ. فَتَلَقَّتْهُمْ [٤] خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَتْهُ وَقَتَلُوا أَخَاهُ. وَقَدِمُوا بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَحَقَنَ دَمَهُ وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَأَطْلَقَهُ [٥] .
الحواشي
(١) [١] العنوان ليس في الأصل.
[٢] دومة: هي دومة الجندل، وقد سبق التعريف بها.
[٣] سقطت هذه الجملة من الأصل، وأثبتناها من ع، ح. وسيرة ابن هشام ٤/ ١٧٨.
[٤] في الأصل: «فلقيتهم» ، والمثبت من ع، ح. والسيرة لابن هشام.
[٥] سيرة ابن هشام ٤/ ١٧٨، وانظر المغازي للواقدي ٣/ ١٠٢٥، ١٠٢٦، وطبقات ابن سعد ٢/ ١٦٦، وتاريخ الطبري ٣/ ١٠٩.стр. 1190
[فائدة]
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ السَّكُونِيِّ قَالَ: خَرَجَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَ بِهَا أُكَيْدِرٌ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ:
بَلَغَنَا أَنَّ خَيْلَكَ انْطَلَقَتْ فَخِفْتُ [١] عَلَى أَرْضِي، فَاكْتُبْ لِي كِتَابًا فَإِنِّي مُقِرٌّ بِالَّذِي عَلَيَّ. فَكَتَبَ لَهُ. فَأَخْرَجَ قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ مِمَّا كَانَ كِسْرَى يَكْسُوهُمْ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اقْبَلْ عَنِّي هَذَا هَدِيَّةً. قَالَ: «ارْجِعْ بِقَبَائِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ يَلْبَسُ هَذَا أَحَدٌ إِلا حُرِمَهُ فِي الآخِرَةِ» . فَشَقَّ عَلَيْهِ أَنْ رَدَّهُ. قَالَ: «فَادْفَعْهُ إِلَى عُمَرَ» . فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِيَّ أَمْرٌ؟ فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ، أَوْ ثَوْبَهُ، عَلَى فِيهِ ثُمَّ قَالَ: «مَا بَعَثْتُ بِهِ إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهُ، وَلَكِنْ تَبِيعُهُ وَتَسْتَعِينُ بِثَمَنِهِ] [٢] . وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ [٣] : وَلَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَافِلا إِلَى الْمَدِينَةِ، بَعَثَ خَالِدًا فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَارِسًا إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةِ الْجَنْدَلِ، فَلَمَّا عَهِدَ إِلَيْهِ عَهْدَهُ، قَالَ خَالِدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ وَفِيهَا أُكَيْدِرٌ، وَإِنَّمَا نَأْتِيهَا فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: «لَعَلَّ اللَّهَ يَكْفِيكَهُ» . فَسَارَ خَالِدٌ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ دُومَةَ نَزَلَ فِي أَدْبَارِهَا. فَبَيْنَمَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي مَنْزِلِهِمْ لَيْلا، إِذْ أَقْبَلَتِ الْبَقَرُ حَتَّى جَعَلَتْ تَحْتَكُّ بِبَابِ الْحِصْنِ، وَأُكَيْدَرٌ يَشْرَبُ وَيَتَغنَّى بَيْنَ امْرَأَتَيْهِ. فَاطَّلَعَتْ إِحْدَاهُمَا فَرَأَتِ الْبَقَرَ فَقَالَتْ: لَمْ أَرَ كَاللَّيْلَةِ فِي اللَّحْمِ. فَثَارَ وَرَكِبَ فَرَسَهُ، وَرَكِبَ غِلْمَتُهُ وَأَهْلُهُ، فَطَلَبَهَا. حَتَّى مَرَّ بِخَالِدٍ وَأَصْحَابِهِ فَأَخَذُوهُ وَمَنْ مَعَهُ فَأَوْثَقُوهُمْ. ثُمَّ قَالَ خَالِدٌ لأُكَيْدِرِ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَجَرْتُكَ تَفْتَحْ لِي دُومَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَنَا مِنْهَا، فَثَارَ أَهْلُهَا وَأَرَادُوا أَنْ يَفْتَحُوا لَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ أَخُوهُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قال لخالد: أيّها الرجل،
الحواشي
(١) [١] في النسخة (ح) : «فخفت» ، والمثبت عن نسخة (ع) .
[٢] لم ترد هذه الفائدة في الأصل، وأثبتناها من ع، ح.
[٣] الحديث ليس في المطبوع من مغازيه.стр. 1191
حلّني [١] ، (١١٧ أ] فَلَكَ اللَّهُ لأَفْتَحَنَّهَا لَكَ، إِنَّ أَخِي لا يَفْتَحُهَا مَا عَلِمَ أَنِّي فِي وَثَاقِكَ. فَأَطْلَقَهُ خَالِدٌ. فَلَمَّا دَخَلَ أَوْثَقَ أَخَاهُ وَفَتَحَهَا لِخَالِدٍ، ثم قال: اصنع ما شئت. فدخل خالد وأصحابه. ثم قال: يا خالد، إن شئت حكّمتك، وإن شِئْتَ حَكَّمْتَنِي. فَقَالَ خَالِدٌ: بَلْ نَقْبَلُ مِنْكَ مَا أَعْطَيْتَ. فَأَعْطَاهُمْ ثَمَانِمِائَةٍ مِنَ السَّبْيِ وَأَلْفَ بَعِيرٍ وَأَرْبَعَمِائَةِ دِرْعٍ وَأَرْبَعَمِائَةِ رُمْحٍ [٢] .
وَأَقْبَلَ خَالِدٌ بِأُكَيْدِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَقْبَلَ مَعَهُ يُحَنَّةُ بْنُ رُؤْبَةَ عَظِيمُ أَيْلَةَ. فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأَشْفَقَ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ كَمَا بعث إلى أكيدر.
فاجتمعا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَاضَاهُمَا عَلَى قَضِيَّتِهِ، عَلَى دُومَةَ وَعَلَى تَبُوكَ وَعَلَى أَيْلَةَ وَعَلَى تَيْمَاءَ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا. وَرَجَعَ قَافِلا إِلَى الْمَدِينَةِ [٣] .
ثُمَّ ذَكَرَ عُرْوَةُ قِصَّةً فِي شَأْنِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ [٤] هَمُّوا بِأَذِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى كَيْدِهِمْ. وَذَكَرَ بِنَاءَ مَسْجِدِ الضِّرَارِ [٥] .
وقال ابن إِسْحَاق، عَنْ ثقةٍ من بني عَمْرو بْن عَوْفُ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أقبل من تبوك حين نزل بذِي أَوَان [٦] ، بينه وبين المدينة ساعةٌ من نهار. وكان أصحاب مسجد الضِّرار قد أَتَوْهُ، وهو يتجهّز إلى تبوك، فقالوا: قد بَنَيْنا مسجدًا لذي العِلّة والحاجة واللَّيْلة المَطِيرَة، وإنّا نحبّ أنَّ تَأتِيَ فتُصَلِّيَ لنا فِيهِ. فقال: إنّي عَلَى جناح سَفَرٍ، فلَوْ رجعنا إنْ شاء اللَّه أَتَيْنَاكُم. فلمّا نزل
الحواشي
(١) [١] في ع: «خلّني» .
[٢] انظر السيرة النبويّة لابن كثير ٤/ ٣١ فهو مختصر عما هنا. وراجع المغازي للواقدي ٣/ ١٠٢٧ ففيه: «فصالحه على ألفي بعير» ، وكذا في طبقات ابن سعد ٢/ ١٦٦.
[٣] انظر المغازي للواقدي ٣/ ١٠٣١ وسيرة ابن هشام ٤/ ١٧٨.
[٤] في نسختي: (ع) و (ح) : «جماعة منافقين» .
[٥] المغازي لعروة ٢٢١ وليس في المطبوع عن بناء مسجد الضرار، وانظر السنن الكبرى للبيهقي ٩/ ٣٣.
[٦] ذو أوان ويقال: ذات أوان. موضع بطريق الشام، (معجم البلدان ١/ ٢٧٥) على ساعة من المدينة. (وفاء ألوفا ٢/ ٢٥٠) .стр. 1192
رسول الله ﷺ بذي أوان، أتاه خبرُ السّماء، فدعا مَالِكَ بْن الدّخشم ومعن ابن عَدِيّ فقال: انطلِقا إلى هذا المسجد الظَّالِمِ أَهْلُه فاهْدِمَاهُ وأَحْرِقَاه.
فخرجا سريعَيْن حتّى دخلاه وفيه أهله فحرّقاه وهدماه وتفرّقوا عَنْهُ. ونزل فِيهِ من القرآن ما نزل [١] . وَقَالَ أَبُو الْأَصْبَغِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ [٢] : ثَنَا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَقُودُ بِهِ، وَعَمَّارٌ يَسُوقُهُ، أَوْ قَالَ عَمَّارٌ يَقُودُهُ وَأَنَا أَسُوقُهُ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَقَبَةِ، فَإِذَا أَنَا بِاثْنَيْ عَشَرَ رَاكِبًا قَدِ اعْتَرَضُوهُ فِيهَا، فَأنْبَهْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَصَرَخَ بِهِمْ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ. فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : [هل] [٣] عَرَفْتُمُ الْقَوْمَ؟ قُلْنَا: لَا، قَدْ كَانُوا مُلَثَّمِينَ. قَالَ:
هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَرَادُوا أَنْ يَزْحَمُونِي فِي الْعَقَبَةِ لِأَقَعَ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ أَوَلَا تَبْعَثُ إِلَى عَشَائِرِهِمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْكَ كُلُّ قَوْمٍ بِرَأْسِ صَاحِبِهِمْ؟ قَالَ: لَا، أَكْرَهُ أَنْ يَتَحَدَّثَ الْعَرَبُ أَنَّ مُحَمَّدًا قَاتَلَ بِقَوْمٍ حَتَّى إِذَا أَظْهَرَهُ [اللَّهُ] [٤] بِهِمْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ. ثُمَّ قَالَ: «اللَّهمّ ارْمِهِمْ بِالدُّبَيْلَةِ» .
قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الدُّبَيْلَةُ؟ قَالَ: «شِهَابٌ مِنْ نَارٍ يَقَعُ عَلَى نِيَاطِ قَلْبِ أَحَدِهِمْ فَيَهْلِكُ» [٥] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ عَنْ
الحواشي
(١) [١] سيرة ابن هشام ٤/ ١٨٠، المغازي للواقدي ٣/ ١٠٤٥، ١٠٤٦، الطبري ٣/ ١١٠.
[٢] في الأصل «الخزاعي» ، وهو تصحيف، والتصويب من نسختي (ع) و (ح) ، ومن ترجمته في تهذيب التهذيب ٦/ ٣٦٢.
[٣] ليست في أوصل، أضفتها من نسختي: (ع) و (ح) .
[٤] ليست في الأصل، أضفتها من نسختي: (ع) و (ح) .
[٥] أخرج مسلم نحوه في صفات المنافقين وأحكامهم (١٠/ ٢٧٧٩) قال غندر: أراه قال: «في أمّتي اثنا عشر منافقا لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها، حتى يلج الجمل في سمّ الخياط. ثمانية منهم تكفيكهم الدّبيلة. سراج من النار يظهر في أكتافهم. حتى ينجم من صدورهم» .стр. 1193
عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَنَّ حُذَيْفَةَ حَدَّثَهُ، عَنِ النّبيّ [١١٧ ب] ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «فِي أَصْحَابِيَ اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا، فَمِنْهُمْ [١] ثَمَانِيَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٢] .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ [الْمِصْرِيُّ، ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ] [٣] ، عَنْ عليّ ابن أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً ٩: ١٠٧ [٤] ، قَالَ:
أُنَاسٌ بَنَوْا مَسْجِدًا فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَامِرٍ: ابْنُوا مَسْجِدَكُمْ وَاسْتَمِدُّوا مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ سِلاحٍ، فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى قَيْصَرَ فَآتٍ بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ، فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْجِدِهِمْ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالُوا: نُحِبُّ أَنْ تُصَلِّيَ فيه. فنزلت لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ٩: ١٠٨. الآيَاتِ [٥] .
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: أَذْكُرُ أَنَّا، حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، خَرَجْنَا مَعَ الصِّبْيَانِ نَتَلَقَّاهُ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [٦] .
وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَدَنا مِنَ الْمَدَينَةِ قَالَ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مِنْ مَسِيرٍ وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ فِيهِ» . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟
قال: «نعم، حبسهم العذر» . أخرجه البخاري [٧] .
الحواشي
(١) [١] في الأصل «منهم» وما أثبتناه عن مسلم.
[٢] في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (٩/ ٢٧٧٩) وفيه زيادة، وأحمد ٤/ ٣٢٠.
[٣] ما بين الحاصرتين سقط من الأصل، والمثبت من نسختي (ع) و (ح) .
[٤] سورة التوبة، الآية ١٠٧.
[٥] سورة التوبة، الآية ١٠٨.
[٦] في كتاب المغازي (٥/ ١٣٦) باب كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى كسرى وقيصر.
[٧] صحيح البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب من حبسه العذر عن الغزو (٣/ ٢١٣) . وكتاب المغازي، باب حدثنا يحيى بن بكير، بعد باب نزول النبي ﷺ الحجر (٥/ ١٣٦) ، وأحمد في المسند ٣/ ١٨٢.стр. 1194
أمرُ الذين خلفوا [١]
قَالَ شُعَيب بْن أبي حمزة، عَنِ الزُّهْرِيّ، أَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ: أَنَّ بني قُرَيظة كانوا حُلَفاءَ، لأبي لُبَابة. فاطّلعوا إِلَيْهِ، وهو يدعوهم إلى حُكْم النّبيّ ﷺ فقالوا: يا أَبَا لُبابة، أتأمرنا أنَّ نَنْزِلَ؟ فأشار بيده إلى حَلْقِه أَنَّهُ الذَّبْح.
فأخبر عَنْهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بذلك فقال لَهُ: لم ترعبني؟ فقال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ :
«أحسبت أنّ اللَّه غفل عَنْ يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك؟» فلبث حينا ورسول اللَّه ﷺ عاتبٌ عَلَيْهِ. ثمّ غزا رَسُول اللَّهِ ﷺ تبوكًا، فتخلّف عَنْهُ أَبُو لبابة فيمن تخلّف. فلمّا قفل رَسُول اللَّهِ ﷺ جاءه أَبُو لُبابة يسلّم عَلَيْهِ، فأعرض عَنْهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ .
ففزع أَبُو لُبابة، فارْتَبَط بِسَارِية التَّوبة، التي عند باب أمّ سَلَمَةَ، سبعًا بين يومٍ وَلَيْلَةٍ، فِي حرٍّ شديدٍ، لَا يأكل فيهنّ ولا يشرب قَطْرةً. وقال: لَا يزال هذا مكاني حتّى أفارق الدنيا أو يتوب اللَّه عليَّ. فلم يزل كذلك حتّى ما يسمع الصَّوْتَ من الجهد. ورَسُول اللَّهِ ﷺ ينظر إِلَيْهِ بُكْرةً وعَشِيَّةً. ثمّ تاب اللَّه عَلَيْهِ فنُودي: إنّ اللَّه قد تاب عليك. فأرسل إِلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ ليُطْلِق عَنْهُ رِبَاطه، فأبى أنَّ يطلقه عَنْهُ أحدٌ إِلا رَسُول اللَّهِ ﷺ . فجاءه فأطلق عنه بيده. فقال أبو
الحواشي
(١) [١] انظر سيرة ابن هشام ٤/ ١٨٠.стр. 1195
لُبابة حين أفاق: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنّي أهجر دار قومي التي أَصَبْتُ فيها الذَّنْبَ، وأنتقل إليك فأُسَاكِنك، وإنّي أَنْخَلِع من مالي صَدَقةً إلى اللَّه ورسوله. فقال:
«يُجْزِئُ عنك [١١٨ أ] الثُّلُث» . فهجر دار قومه وتصدّق بثُلث ماله، ثمّ تاب فلم يُرَ منه بعد ذَلِكَ فِي الْإِسْلَام إلّا خَيْر، حتّى فارق الدنيا. مُرْسَل. وقال ورقاء، عَنِ ابن أَبِي نَجِيح، عن مجاهد، في قوله: اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ٩: ١٠٢ قَالَ: هُوَ أَبُو لبابة، إذ قَالَ لقريظة مَا قَالَ، وأشار إلى حلقه بأن محمدا يذبحكم إنَّ نزلتم عَلَى حكمه. وزعم مُحَمَّد بْن إِسْحَاق أن ارتباطه كَانَ حينئذ. ولعله ارتبط مرتين.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ٩: ١٠٢ قال: كَانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّوْا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. فَلَمَّا حَضَرَ رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ بِسَوَارِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مَمَرُّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِمْ. فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو لُبَابَةَ وَأَصْحَابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى تُطْلِقَهُمْ وَتَعْذِرَهُمْ. قَالَ: «وَأَنَا أُقْسِمُ باللَّه لا أُطْلِقُهُمْ وَلا أَعْذِرُهُمْ، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُهُمْ، رَغِبُوا عَنِّي وَتَخَلَّفُوا عَنِ الْغَزْوِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ» .
فَلَمَّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ قَالُوا: وَنَحْنُ لا نُطْلِقُ أَنْفُسَنَا حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُنَا.
فَأُنْزِلَتْ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى الله أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ٩: ١٠٢ [١] «عَسَى» مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ [٢] . فَلَمَّا نَزَلَتْ، أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَأَطْلَقَهُمْ وَعَذَرَهُمْ. وَنَزَلَتْ، إِذْ بَذَلُوا أَمْوَالَهُمْ:
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ٩: ١٠٣ [٣] . وَرَوَى نَحْوَهُ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [٤] .
الحواشي
(١) [١] سورة التوبة، الآية ١٠٢.
[٢] واجب منه تعالى، لا عليه سبحانه.
[٣] سورة التوبة، الآية ١٠٣.
[٤] السيرة لابن كثير ٤/ ٤٨، ٤٩.следующие страницы →